منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالأحداثالتسجيل

معجزة الإسراء والمعراج :الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلي المسجد الأقصى في فلسطين وبجسده الشريف في ليلة واحدة، كان حدثاً فريداً ومعجزة ربانية خَصَّ الله تعالي بها نبيه -صلى الله عليه وسلم-، حتي أن الله تعالي كَلّمَهُ من وراء حجاب دون واسطة بينهما... قال الله تعالي: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ولندع سيدنا أنس ابن مالك -رضي الله عنه- يروي لنا المعجزة كما سمعها من النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا العنوان: معجزة الإسراء والمعراج.

فضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابه بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذكرها باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم، تُنْبِئُ عن مِصرْ َوأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والمُلوك الماضية، والآيات البيِّنات، يشهد لها بذلك القرآنُ، وكفى به شهيداً، ومع ذلك رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مِصْرَ وفي عَجَمِهَا خاصَّة وذِكْرِهِ لقرابتهِ ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحَثِّهِ على بِرِّهِمْ ما لم يُرْو عنه في قوم من العَجَمِ غيرهم، وسنذكرُ ذلك إنٍ شاءَ اللهُ في موضعه مع ما خصَّها اللهُ به من الخِصْبِ والفضلِ وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعُلماء والحُكَمَاءِ والخواص والمُلوك والعجائب بما لم يخصص اللهُ به بلداً غيرها، ولا أرضاً سواها... للمزيد اقرأ: فضائل مصر المحروسة

"حسن فتحي: فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء" (23 مارس 1900 - 30 نوفمبر 1989) هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّج من المهندس خانة (كلية الهندسة حاليًا) بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، اشتهر بطرازه المعماري الفريد الذي استمَدَّ مصادرهُ من العِمَارَة الريفية النوبية المبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعثماني، وتُعَدُّ قرية القرنة التي بناها لتقطنها 3200 أسرة جزءاً من تاريخ البناء الشعبي الذي أسَّسَهُ بما يُعرَفُ ب "عمارة الفقراء"...


شاطر
 

 الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27055
العمر : 67

الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Empty
مُساهمةموضوع: الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها   الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Emptyالأربعاء 10 فبراير 2016, 7:06 am

الباب الثالث: الفصل الأول:
القراءات وتواترها

---------------
تمهيد:
لقد مر زمان على الأمة، كان فيه الأئمة القراء كل منهم يقرئ بما سمع على أساس التمسك بما أذن به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القراءة والإقراء بالأحرف السبعة.

وبمرور الأيام اتسعت رقعة البلاد الإسلامية وكثرت أعداد المسلمين وتوسعت حركة الإقراء فغدت لها مدارس كثيرة لا تعد ومناهج شتى لا تضبط وهذا ما جعل تسرب اللحن والخطأ والشذوذ واردا في القراءات القرآنية.

ودرءاً لهذا الخطر وسداً لباب الإقراء على غير ما أذن به في الأحرف السبعة بدأ الأئمة في مطلع القرن الثالث الهجري بوضع ضوابط تميَّز بين ما يُقبل وبين ما يُرد من القراءات؛ حيث كان الأئمة قبل ذلك لا يعتمدون على ضوابط دقيقة محددة، بل كان اعتمادهم على اعتبارات نسبية مرنة غير محددة وغير دقيقة في الفصل  بين ما هو مقبول وما هو مردود، وكان من تلك الاعتبارات -مثلاً- منزلة الإمام المقرئ، ومدى تفرغه للإقراء، ومدى التزامه بالأفصح من اللغة فيما يُقرئ به.

وكان للإمام ابن الجزري في القرن الثامن الهجري نظرة في تلك الشروط والأركان التي وضعت حدا فاصلا بين القراءة المقبولة والمردودة، برزت من خلالها جهوده في القراءات: تعريفاً وأقساماً وشروطاً، وبيانا لضوابط الشروط حيث أوضح ما يقبل من القراءات وما يرد وبين ما يمكن أن يغتفر في مخالفتها مع توجيه كل ذلك.

وبيان تلك الجهود يظهر من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول:
القراءات وأقسامها وشروطها عند ابن الجزري.
المبحث الثاني:
ابن الجزري وركنية التواتر.
المبحث الثالث:
المتواتر من القراءات عند ابن الجزري
-----------------------------------
المبحث الأول: القراءات وأقسامها وشروطها عند ابن الجزري
لقد تباينت آراء العلماء في القراءات تعريفاً وأقساماً وشروطاً وأسهم ابن الجزري بآرائه في ذلك منقحاً ومضيفاً ومعلقاً وموضحاً مستفيداً مما كتبه أسلافه.

وغايتنا في هذا المبحث بيان جهوده في ذلك بإيضاح آرائه في المسائل التالية:
- تعريف القراءات.
- أقسام القراءات.
- شروط القراءات المقبولة.

--------------------------
المطلب الأول: تعريف ابن الجزري للقراءات
يعرف ابن الجزري القراءات بأنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوا لناقله".

وأهم مميزات وخواص هذا التعريف الذي قدمه ابن الجزري تتمثل فيما يلــي:
1- عرف ابن الجزري القراءات بأنها علم ، والعلم هو جملة القواعد والأصول المستعملة في تقرير الأحكام على مسائل معينة، سواء كانت هذه المسائل كلية أم جزئية.

قال في كشف الظنون: "العلم هو مجموع المسائل المتعلقة بجهة مخصوصة".

وفي إطلاق ابن الجزري على القراءات أنها علم يتضح أنه يعتبر القراءات بأنها مجموعة من المسائل المقررة وفق قواعد معينة وهي مختصة بجهة معينة.

وهذا ما يفيد أن القراءات علم مستقل بذاته عن بقية العلوم القرآنية الأخرى كالتفسير والرسم القرآني.

2- اعتبر ابن الجزري أن من مسائل علم القراءات معرفة كيفية أداء الكلمات القرآنية حال اتفاق القراء وحال اختلافهم، فلا فرق بين الحالين.

3- واعتبر ابن الجزري -أيضاً- أن هذا العلم يعنى بعزو الاختلاف إلى ناقليه.

ويبدو من خلال هذه الخواص التي تضمنها تعريف ابن الجزري أنه لم يسبق إلى مثله، حيث لم نجد تعاريف لسابقيه تضبط حد القراءات بهذه الصورة وتضع له هذه الضوابط والحدود.

نعم قد وجدنا تعريفاً للإمام الزركشي وهو متقدم على ابن الجزري لكنه تعريف لم يشتمل على جميع هذه الحدود، فقد قال في معرض حديثه عن الفرق بين حقيقة القراءات وحقيقة القرآن: "القراءات اختلاف ألفاظ الوحي.. في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرها".

ويلاحظ على هذا التعريف ما يلي:
1- هو تعريف غير جامع لكل موضوعات علم القراءات حيث أسقط مواضع اتفاق ألفاظ الوحي التي نقلها القراء وهو من مسلمات هذا الفن، واكتفى فقط بمواضع الاختلاف.

كما أنه أهمل فيه صاحبه مسألة عزو الاختلاف إلى ناقله وهي مسألة تتحدد بها مذاهب القراء.

2- هو تعريف ليس مانعاً حيث أدرج فيه صاحبه مسألة لا علاقة لها بعلم القراءات، وهي مسألة كتابة الحروف، فهي مما يتعلق بفن الرسم لا بفن القراءة، وإن كان بينهما تداخل من حيث الموضوع، إذ كل منهما يبحث في الكلمات القرآنية.

3- وهو تعريف لم يظهر فيه ضرورة النقل والرواية والعزو إلى الناقل وكل ذلك من حيثيات علم القراءات.

وكان الإمام أبو حيان الأندلسي قد جعل علم القراءات جزءاً من علم التفسير فقال: "التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب وتتمات ذلك" ثم قال: "وقولنا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءات".

ويلاحظ على هذا التعريف ما يلي:
1- جعل أبو حيان القراءات جزءاً من علم التفسير، وهو ما ينفي استقلالية علم القراءات.

2- يعد هذا التعريف أقرب إلى علم التجويد منه إلى علم القراءات إذ التجويد يبحث في كيفيات النطق والأداء للفظ القرآني بينما يبحث علم القراءات أساساً في اختلاف أوجه اللفظ القرآني لا في كيفية النطق.

3- نجد هذا التعريف لم يورده أبو حيان قاصداً به تعريف القراءات وإنما جاء به عرضاً وتعليقاً فحسب، وبالتالي لا ينظر إليه على أنه الحد الجامع المانع ولا يلتفت إليه على أنه تعريف القراءات.

وإذا ما اتضح ذلك تبين أن تعريف ابن الجزري كان تعريفاً دقيقاً جامعاً مانعاً تتضح به حدود هذا الفن وأبعاده.

وبعد أن عرف ابن الجزري القراءات ساق تعريف المقرئ والقارئ لما لهما من علاقة وطيدة بالقراءات.

فالمقرئ عنده هو:
العالم بالقراءات الذي رواها مشافهة، فلو حفظ التيسير -مثلاً- ليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافه من شوفه به مسلسلاً لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة".

ويكشف ابن الجزري في هذا التعريف الذي ساقه للمقرئ عن مسألة مهمة في علم القراءات، وهي كيفية تحمل القراءة، وممن يجوز أداؤها، فهو يؤكد على أن القراءة لا تتحمـل إلا بالسماع والمشافهة بين المقرئ وشيخه.

وأن يكون المشافه به مسلسلاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن هنا يتبين الفارق الجوهري بين اللفظ القرآني ولفظ الحديث، فإذا أجاز علماء الحديث أن يتحمل الحديث عن طريق السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والسماع عليه بقراءة غيره والمناولة والإجازة وغيرها فإن القراءة القرآنية لا يجوز تحملها إلا عن طريق القراءة على الشيخ، فهي الطريقة الوحيدة المعمول بها سلفاً وخلفاً، والسماع وحده غير كاف لتحمل القراءة وأدائها إلا إذا قرن بالقراءة على الشيخ.

قال السيوطي:
"..وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا، لأن الصحابة -رضي الله عنهم- إنما أخذوا القرآن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن لم يأخذ به أحد من القراء، والمنع فيه ظاهر -أي منفرداً- لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل مَنْ سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث؛ فإن المقصود فيه المعنى واللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه نزل بلغتهم".

وقد كان ابن الجزري:
 لا يكتفي بالسماع ما لم يقرأ الطالب عليه، وحين قدم القاهرة وازدحم عليه الطلاب، ولم يكن وقته ليتسع لقراءة الجميع كان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، ولم يكتف بقراءته عليهم.

قال الدكتور عبد العزيز القارئ:
"إن الحروف القرآنية تنحصر روايتها على نوع واحد من أنواع التلقي والرواية وهو المشافهة، فلابد أن يسمع الراوي من شيخه الأحرف.

وقال بعضهم:
لابد أن يعرضها عليه، أي يقرأ بها القرآن والشيخ يسمع منه؛ إذ ليس كل سامع بالضرورة قادراً على القراءة بما سمع".

ويشترط ابن الجزري في المقرئ أيضاً أن يكون حراً عاقلاً مسلماً مكلفاً ثقةً مأموناً ضابطاً متنزهاً عن أسباب الفسق ومسقطات المروءة.

وهذه الشروط تجعل المقرئ المتصدر للقراءة ثقة، ومَنْ كان غير ذلك فلا يصلح لأداء القراءة سواء كان تجريحه من جهة العدالة أو من جهة الحفظ والضبط.

وإذا ما كانت هذه الشروط شروطاً في قبول الحديث فاشتراطها في قبول القراءة من باب أولى.

ويعرف ابن الجزري القارئ بقوله:
"والقارئ المُبتدئ مَنْ شرع في الإفراد إلى أن يفرد ثلاثاً من القراءات، والمُنتهي من نقل القراءات أكثرها وأشهرها".

المطلب الثاني: تقسيم ابن الجزري للقراءات وأهميته
أولا: تقسيم ابن الجزري
يقسم ابن الجزري القراءات في جملتها إلى أقسام ثلاثة مفصلة كما يلي:
القسم الأول: القراءات المتواترة
القراءات المتواترة هي ما نقله جماعة عن جماعة كذا إلى منتهاه، من غير أن يعين ابن الجزري حد التواتر من حيث العدد بل لم يعتبر تحديد العدد صحيحا فقال: "...من غير تعيين عدد هذا هو الصحيح، وقيل بالتعيين واختلفوا فيه، فقيل: ستة وقيل: اثنا عشر، وقيل عشرون، وقيل أربعون، وقيل سبعون".

وفي إهمال ابن الجزري للقول بتعيين عدد التواتر دليل على أنه يأخذ بالكثرة الساحقة التي لا يمكن تصور تواطئها على الكذب حيث يرى أن القراءات الثابتة لم تنقل جماعة عن جماعة وإنما نقلت أمة عن أمة؛ ولذا فإنه لم ير ضرورة لتعيين العدد الذي يلزم أن يكون حداً للتواتر.

وبناء على هذا فإنه يرى أن القراءات المتواترة في زمانه هي القراءات العشر، وجزم بأن ليس بعدها شيء مواتراً من غيرها، وما كان ليجزم بذلك إلا لأنه استقرأ جميع الأسانيد التي كانت في زمانه ونظر في طبقات أسانيدها وفي أحوال رجالها وكانت خلاصة جهده الجزم بتواتر العشرة لا غير.

القسم الثاني: القراءات الصحيحة
القراءات الصحيحة هي ما صح سنده بنقل العدل الضابط (الثقة) عن مثله كذا إلى منتهاه.

وهو عنده قسمان:
أولهما يتفرع إلى نوعين:
أ- قراءات مشهورة مستفاضة تلقتها الأمة بالقبول، ولم تخالف الرسم ولا العربية، ويمثل لهذا النوع بما انفرد به بعض الرواة عن القراء، وكمراتب القراء في المد فقال: "..كما انفرد به بعض الرواة وبعض الكتب المعتبرة، أو كمراتب القراء في المد ونحو ذلك".

ويلحق ابن الجزري هذا النوع بالقراءة المتواترة حكماً لأنه صحيح مقطوع به يفيد القطع لا الظن فقال: "وهذا الضرب يلحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها".

ب- قراءات غير مشهورة وليست مستفاضة ولم تتلق بالقبول من طرف الأئمة وهو ما يطلق عليه الآحاد.

وثاني القسمين من القراءة الصحيحة هو:
ما صح سنده ووافق العربية وخالف الرسم العثماني، ويمثل لذلك بما ورد في الصحيح من زيادة ونقص وإبدال في قراءات بعض الصحابة.

وهذا القسم بالرغم من صحة سنده إلا أنه ألحقه بالقراءة الشاذة حيث شذ عن رسم المصحف العثماني، وما إلحاقه بالقراءة الصحيحة إلا لصحة سنده لا غير.

وظهر ذلك في كونه ينفي صحة الصلاة به ويورد لذلك شواهد من أقوال الأئمة: مالك وابن عبد البر وابن الصلاح وابن الحاجب.

القسم الثالث: القراءات الشاذة
القراءات الشاذة هي ما نقله غير الثقة سواء وافق العربية ورسم المصحف أم خالف.

ومثال ذلك قراءة ابن السميفع وأبي السمال في قوله: "اليوم ننجيك ببدنك" "ننحيك" بالحاء المهملة، وما نسب أيضاً إلى الإمام أبي حنيفة من قراءة: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" بنصب "العلماء" ورفع لفظ الجلالة "الله".

ويدرج تحت هذا القسم ما صح لغة ووافق الرسم لكنه لم ينقل البتة فقال: "وبقي قسم مودود أيضاً وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة فهذا رده أحق، ومنعه أشد، ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر".

ثانيا: أهمية هذا التقسيم
لقد أتقن ابن الجزري هذه المسألة وأحكم أقسامها وأجاد في تفصيلها بالشكل الذي لا نجده عند متقدميه، فقد قسم أبو شامة القراءات إلى نوعين فقط هما متواتر وآحاد فقال: "..إن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ" وجاء القاضي جلال الدين البلقيني بتقسيم ثلاثي مجمل غير مفصل فقال: "القراءة تنقسم إلى متواتر وأحاد وشاذ فالمتواتر القراءات السبعة المشهورة والأحاد قراءات الثلاثة التي هي تمام العشر، ويلحق بقراءة الصحابة، والشاذ قراءات التابعين كالأعمش ويحيى بن وثاب وابن جبير ونحوهم".

ويظهر جهد ابن الجزري في كونه فصل بين نوعين من القراءة الصحيحة وفرق بينهما في الوقت الذي نجد من سبقه يعدهما نوعا واحدا، فابن الجزري يقسم الآحاد إلى مشهور مستفيض ملتقى بالقبول وهذا ما عده في زمرة القراءة المقبولة، وإلى غير مشهور ولامستفاض، وهذا ماعده في زمرة القراءة المردودة.

فهذا التقسيم أظهر الفرق الذي لم يظهر في التقسيم العام الذي يجعل الآحاد نوعاً واحداً، ويظهر من خلال هذا التقسيم الذي اعتمده ابن الجزري أنه متأثر تأثرا بليغا بمنهج أهل الحديث، ولا يستغرب فيه ذلك طالما هو من القراء المحدثين، وبهذا التقسيم يكون ابن الجزري قد أخضع أقسام القراءة لأقسام الحديث.


الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27055
العمر : 67

الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Empty
مُساهمةموضوع: رد: الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها   الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Emptyالأربعاء 10 فبراير 2016, 7:37 am

المطلب الثالث: شروط القراءة
ما كان ابن الجزري ليخالف من سبقه في ضوابط القراءة قبولاً ورفضاً من حيث الجملة، فقد سار على ما وضعه علماء الأمة وكبار الأئمة الذين كان لهم الفضل الأسبق في جمع القراءات ووجوهها وروايتها فقال: "..ها نحن نشير إليها ونعول كما عولوا عليها فنقول: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها.

ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم؛ هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف".

وقال أيضا ناظما ذلك في طيبة النشر:
وكل ما وافق وجـه النحــو    ***     وكـان للرسـم احتمالا يحـوي
وصح إسنادا، هـو القــرآن    ***     فهـذه الثلاثـة الأركــــان
وحيثما يختـل ركــن أثبت    ***   شذوذه لـو أنـه في السبعــة


ويتلخص من هذا القول أن ما اشترطه ابن الجزري لصحة القراءة وقبولها شروطاً ثلاثة هي:
1- موافقة القراءة لقواعد اللغة العربية ولو بوجه.
2- موافقة القراءة لمرسوم أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً.
3- أن تكون القراءة صحيحة السند.

ولم يترك ابن الجزري هذه الأركان دون قيود وشروط كما فعل كثير ممن سبقه بل وضع لكل ركن ما به ينضبط، فضبط ركن الموافقة لقواعد النحو بقوله: "ولو بوجه" وشرح مراده من ذلك فقال: "وقولنا في الضابط "ولو بوجه" نريد به وجهاً من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحاً، مجمعاً عليه أو مختلفاً فيه اختلافاً لا يضر بمثله".

وبيَّن مراده بموافقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية بقوله: " ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتاً في بعضها دون بعض، كقراءة ابن عامر: "قالوا اتخذ الله ولداً"  في البقرة بغير واو.. فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي". 

وضبط ركن الموافقة لأحد المصاحف العثمانية بقوله: "ولو احتمالاً" ومراده بذلك ما جاء في قوله: "وقولنا بعد ذلك ولو احتمالا: نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديراً؛ إذ موافقة الرسم تكون تحقيقاً وهو الموافقة الصريحة وقد تكون تقديراً، وهو الموافقة احتمالاً؛ فإنه خولف صريح الرسم في مواضع إجماعاً نحو: السموات والصلحت واليل والصلوة..".

ويتعرض أيضاً بعد ذلك إلى أنواع موافقة القراءات للمصاحف العثمانية ويجعلها كما يلي:
1- الموافقة الصريحة:
وهي أن توافق القراءة ما رسم من حروف دون تقدير لزيادة حرف أو نقصان آخر، وذلك نحو: الحمد، العالمين، الرحيم…

2- الموافقة التقديرية:
وهي أن تخالف القراءة صريح الرسم، ولا تقع الموافقة إلابتقدير حرف زيادةً أو نقصاً وذلك نحو: "واليل" فهي في جميع المصاحف بلام واحدة وما يُقرأ به لامين ونحو: "الصلوة" فهي في جميع المصاحف بالواو وما يقرأ به ألف.

3- الموافقة الصريحة:
وذلك لبعض القراءات والموافقة التقديرية للبعض الآخر ومثاله: "ملك يوم الدين" رسمت في المصحف العثماني بغير ألف في "ملك"، فقراءة الحذف توافق المرسوم تحقيقاً، بينما قراءة الإثبات لا توافق إلا تقديراً.

ويضع ابن الجزري قاعدة إيضاحية تابعة لهذا الركن يتعين من خلالها ما يدخل في الموافق للرسم احتمالاً فيقول: "إنه مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفاً إذا ثبتت القراءة به، ووردت مشهورة مستفاضة.

وهو بهذا يجعل ما خالف لأجل الإدغام أو الإبدال أو الإثبات أو الحذف من الحروف خلافاً مغتفراً إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد تمضيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول من طرف الأئمة.

أما أن تقع المخالفة لصريح الرسم بزيادة كلمة أو نقصانها أو بتقديمها أو تأخيرها فإن ذلك يُعد مخالفاً مخالفة صريحة للمصحف وهو ليس مما يغتفر فترد به القراءة.

وبهذه القيود الإضافية يكون ابن الجزري قد وضع الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته، حيث ليست كل مخالفة ترد لأجلها القراءة كما أنه ليست كل مخالفة تقبل في القراءة وتغتفر.

ويضبط الركن الأخير بقوله: "وقولنا: "وصح سندها" فإنا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم".

ومن خلال هذا الشرط الذي قدمه ابن الجزري يتضح أن القراءة المقبولة عنده ما ثبت بسند متواتر أو بسند صحيح مع اشتهار القراءة واستفاضتها عند علماء القراءات.

وهو بهذا الشرط الأخير يكون قد خالف جمهور الأئمة حيث لا يثبتون القراءة إلا بالمتواتر، وصرح بذلك في موضع آخر فقال: إنما المقروء به عن القراء العشرة على قسمين متواتر وصحيح مستفاض متلقى بالقبول".

والمتأمل في شروط القراءة هذه يجدها سياجاً منيعاً يحفظ صحة القراءة وتمنع من عد الضعيف صحيحاً سواء كان منشأ الضعف من جهة السند أم من جهة المخالفة لقواعد النحو العربي أم من جهة المخالفة للرسم العثماني.

والإمام ابن الجزري لم يضف جديداً إلى عدد هذه الأركان والشروط التي جعلت مقياساً لقبول القراءة، وإنما ظهر جهده واضحاً في إيضاح هذه الضوابط وبيان ما يمكن أن تشمله وما لا يمكن، فقد أوضح الشرط الأول بقوله: "ولو بوجه" فدخل بذلك ما كان فصيحاً كما دخل ما كان أفصح، ودخل أيضاً المختلف فيه كما دخل المتفق عليه مما وافق قواعد النحو.

وفي هذا رد صريح على منكري بعض القراءات بحجة أنها خالفت ما قعد من قواعد نحوية، حيث ليس يطلب أن تكون القراءة موافقة لما أجمع عليه النُّحاة، ومن ذلك ما رده نُحاة البصرة من قراءة الإمام ابن عامر الشامي في سورة الأنعام حيث قرأ قوله -تعالى-: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادِهم شركائِهم.." برفع زاي (زين) ولام "قتل" ونصب دال "أولادهم" وكسر همزة "شركاء".

وحجة البصريين في ردها أنها قراءة جاءت بفصل المتضايقين وهذا لا يجوز عندهم إلا في ضرورة الشعر، وهذا الرد ليس يسلم من انتقاد نُحاة الكوفة حيث أجازوا ذلك وأتوا له بشواهد تثبته من شعر العرب ونثرهم، وفي قيد ابن الجزري "ولو احتمالا" درء لمثل هذا، فلا تكون القراءة مخالفة للعربية إلا إذا خالفت إجماع أهل اللغة فالعبرة تظهر من قيد ابن الجزري في إجماع النُّحاة لا بخلافهم.

وهو أيضاً رد ضمني على مدعي أن القرآن لا يأتي إلا بما هو أفصح في العربية وهذا من إعجازه، وشرط ابن الجزري "ولو بوجه" ينفي ذلك بحيث نجده يعتبر أن القرآن فصيح وأفصح وغير فصيح، ومن تمام إعجازه أنه يأتي بذلك معاً لا أن يقتصر على ما هو أفصح فقط؛ فقال: "لو جاء القرآن كله بالأفصح والفصيح فلا تتم الحجة في الإعجاز، إذ يُقال مثلاً: إنه جاء بما لا قدرة للعرب على جنسه، كما لا يصح أن يقول البصير للأعمى: قد غلبتك بنظري لأن الأعمى يقول: إنما تتم تلك الغلبة لو كنت قادراً على النظر، وكان نظرك أقوى من نظري، أما إذا فقد اصل النظر فكيف تصح مني المعارضة".

وقال الدكتور عبد العالي سالم:
"لو كان الأمر كذلك لما تمت المعجزة، وادعى كثير من المكابرين أن القرآن الكريم نزل بالأفصح مما يعز على الفصحاء أن يأتوا بمثله، ولو نزل بالفصيح وحده لكان من الممكن للفصحاء من القبائل الأخرى أن يأتوا بمثله.

وليقطع القرآن الكريم دابر هؤلاء المغرضين نزل بعضه بهذه اللهجات من غير لهجة قريش، ليكون تحديه أتم، وقدرته أبلغ في باب الإعجاز".

وقد اعتبر د.إسماعيل أحمد الطحان مذهب الجزري هذا تطوراً في هذه المسألة فقال: "وهو تطور أفسح صدره لقبول قراءات جاءت على لغة غير فصيحة أو على مذهب نحوي غير شائع أو على تأويل متكلف وأنكروا على مَنْ ردها".
 
وفي إيضاحه لركن موافقه لرسم المصحف العثماني بقوله: "ولو احتمالاً" يجعل الموافقة للرسم نوعين: تحقيقية واحتمالية فالموافقة التحقيقية لا إشكال في أمرها، أما الموافقة الاحتمالية فهي التي روعيت في الرسم العثماني.

وما مخالفات الرسم العثماني الاصطلاحي للرسم القياسي وتجريد المصحف من النقط والشكل إلا من أجل أن تقع تلك الموافقة الاحتمالية.

وفي هذا الإيضاح إقرار بأن الرسم العثماني لا محيد عنه وأنه رسم أبدع فيه كاتبوه من الصحابة الإبداع المذهل حيث خطوا المصحف برسم يحتمل قراءات عدة على جهة الاحتمال، وكل قراءة صحيحة تجد في هذا الرسم وجهاً للموافقة الاحتمالية، ولذا فإن هذا الجهد الذي بذله الصحابة في إثبات هذا الرسم لجدير بالالتزام والاحترام كما قال الإمام مالك حين سئل أيكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: "لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى"، وقال السخاوي: "والذي ذهب إليه مالك هو الحق" وهو ما أطلق فيه أبو عمرو الداني الإجماع عن علماء الأمة.

وهذا على خلاف ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته وتحمس إليه القاضي أبو بكر في كتابه الانتصار، حيث ذهبا إلى القول بجواز التخلي عن الرسم العثماني الاصطلاحي وأن يحل محله الرسم الإملائي القياسي وبذلك تضيع جميع القراءات التي توافق الرسم موافقة احتمالية ويضيع أصل كبير من أصول القراءة اعتمده جل الأئمة القراء وهو اتباع رسم المصحف ومن ذلك مثلاً وقف الإمام نافع على ما رسم من التاءات مفتوحة بالتاء نحو: رحمت ونعمت وأما ما رسم منها مربوطة وقف عليها هاء، وكل ذلك اتباعا للرسم، وإذا ما سوينا بينهما في الرسم يكون بذلك تسوية بين الوقف على كليهما وهو ما لا تحله رواية ولا يقره عالم بالقراءة.

وأما تقييده للركن الثالث المتمثل في صحة السند بأن تشتهر القراءة وتستفيض وتتلقى بالقبول من طرف الأئمة فيأتي الحديث عنه في المبحث اللاحق.

وبهذه القيود التي وضعها ابن الجزري على أركان القراءة الصحيحة يكون قد ضبط حدود القراءة المتروكة؛ إذ أفرزت جهود السابقين الفردية غير المتناسقة الاختلاف في قبول الكثير من القراءات، إذ يصح بعضها ويشذ وفق قياس آخر.

قال د. محمود الصغير:
"..إن هذه الجهود لم تكن متناسقة بل فردية ذاتية يلفها التعدد والاختلاف؛ إذ كل مقياس يصحح بعض القراءات ويترك بعضاً، فكثر لديهم المتروك واختلفوا فيه إلى أن كانت النهاية عند ابن الجزري الذي ضبط حدود المتروك منها". 

المبحث الثاني:
ابن الجزري وركنية التواتر
تمهيد:
لقد ثبت إجماع الأئمة على أن أركان القراءة المقبولة تتمثل في موافقتها للرسم العثماني وموافقتها للعربية، واختلفوا في ركن التواتر، فذهب الجمهور منهم إلى اعتبار التواتر ركناً أساساً أيضاً في قبول القراءة، وذهب آخرون إلى القول بعدم اشتراط التواتر والاكتفاء -فقط- بصحة السند مع شهرة القراءة واستفاضتها مع تلقيها بالقبول من طرف علماء هذا الفن، وهذا الأخير هو الذي مثله الإمام ابن الجزري والإمام مكي بن أبي طالب قبله، فما هي المبررات والدعائم التي اعتمدها ابن الجزري ومن وافقه للانتصار لهذا المذهب الذي رآه وخالف به الجمهور؟ وما أثر هذا الرأي في القراءات القرآنية؟.

ذلك ما سنوضحه من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول:
التواتر قبل ابن الجزري
إن التواتر كان -ولا زال- عند الكثير من الأئمة ركناً لازماً، وشرطاً أساساً في قبول القراءة، وهو الركن الوحيد الذي يفيد القطع في مجال القراءة، ولا يفيد ذلك الآحاد مهما اشتهر واستفاض وكان الإمام أبو القاسم النويري قد نقل إجماع الفقهاء والمحدثين على ذلك، واعتبر القول بالاكتفاء بصحة السند مع الشهرة والاستفاضة قولاً حادثاً مخالفاً للإجماع فقال: ..عدم اشتراط التواتر قولٌ حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم؛ لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً، وكل مَنْ قال بهذا الحد اشترط التواتر.

وصرَّح الإمام ابن الحاجب بذلك أيضاً ونسبه إلى جماعة من العلماء وأطلق إجماع القراء عليه فقال: "..لابد من التواتر عند الأئمة الأربعة، صرح بذلك جماعات كابن عبد البر وابن عطية والنووي والزركشي والسبكي والإسنوي والأذرعي، وعلى ذلك أجمع القراء".

وجاء رأي الإمام السخاوي واضحاً في ذلك حين تعرض لأسباب رد القراءة الشاذة فقال: "وعن الوجه الذي ثبت به القرآن، وهو التواتر، وإن كان موافقاً للعربية وخط المصحف، لأنه جاء من طريقة الآحاد، وإن كان نقلته ثقات فتلك الطريق لا يثبت بها القرآن".

وأفصح الإمام الجعبري عن ذلك في وضوح حين قال: "ضابط كل قراءة: تواتر نقلها، ووافقت العربية مطلقاً ورسم المصحف ولو تقديراً فهي من الأحرف السبعة، وما لا يجتمع فيه ذلك فشاذ".

ونجد مع هؤلاء من المعاصرين الدكتور عبد العزيز القارئ يطلق إجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على هذه المسألة فقال: "أجمع المسلمون منذ الصدر الأول على أنه لا يقرأ بحرف، ولا يحكم بقرآنيته، ولا يكتب في المصحف حتى يتحقق في نقله التواتر.. ولذلك لم يثبت الصحابة في المصاحف العثمانية إلا ما كان كذلك، واطرحوا ما انفرد بروايته الآحاد".

ومن خلال هذا النص يتضح أن الدكتور عبد العزيز القارئ بهذا الإطلاق والادعاء لإجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على مسألة التواتر أنه يذهب إلى عدم اعتباره برأي ابن الجزري ومكي بن أبي طالب؛ حيث عده في غاية السقوط وجعله خلافاً لا يلتفت إليه، فهو ليس معتبراً.

وأما الإمام مكي بن أبي طالب فقد جنح إلى قول مخالف لما قيل، فلم يشترط غير صحة السند فقال: "وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا أنه ما صح سنده واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه لفظ المصحف فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ألف، متفرقين أو مجمعين، فهذا هو الذي بني عليه من قبول القراءات عن سبعة أو سبعة آلاف، فاعرفه وابن عليه".

ولم يتصور قوم أن يخالف مكي بن أبي طالب جمهور الأئمة في هذه المسألة فذهبوا إلى تأويل قوله على إرادة التواتر لكن لفظه صريح في عدم اشتراط التواتر فلا داعي إلى تأويل ذلك".


الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27055
العمر : 67

الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Empty
مُساهمةموضوع: رد: الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها   الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Emptyالسبت 20 فبراير 2016, 9:13 pm

المطلب الثاني: رأي ابن الجزري ودليله
--------------------------------
لقد مر معنا رأي ابن الجزري في هذه المسألة في المبحث السابق  واتضح أنه لا يعتد بركنية التواتر وإنما يكتفي بصحة السند مع الشهرة والاستفاضة فقال: "..وقولنا: وصح سندها فإنا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن".

ويظهر من خلال عرضنا لرأي ابن الجزري وأراء الأئمة قبله في هذه المسألة أن رأي ابن الجزري هو رأي توسط فيه آراء سابقيه، فلم يشترط التواتر كما اشترط الجمهور، ولم يكتف بمجرد اشتراط الصحة كما اكتفى بذلك الإمام مكي بن أبي طالب وإنما اشترط صحة السند المقرون بالشهرة والاستفاضة والتلقي بالقبول من طرف الأئمة، وهو قول في غاية الوجاهة حيث المراد من اشتراط التواتر هو حصول اليقين والعلم القطعي وذلك حاصل بالآحاد المشهور المستفيض لأن ناقله ثقة عدل ضابط.

وبهذا يكون ابن الجزري سابقا إلى هذا القول، فهو لم يوافق مكي ابن طالب كما وهم البعض وإنما نحى منحنى وسطي بين قول الجمهور وقول مكي، ويتجلى ذلك فيما كان صحيحا غير مشهور فإنه ترك قبوله وهو ما خالفه فيه.

واحتج ابن الجزري بأن ثبوت التواتر مغن عن اشتراط الركنين الآخرين من الموافقة للمصحف العثماني والموافقة للعربية، فقال: "إن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه".

ويمكننا القول أنه ما احتجَّ به ابن الجزري هو استنتاج ذكي استلهم من واقع ماض كان على عهد  الصحابة -رضي الله عنهم- حيث كان التواتر عندهم شرطاً لإثبات الحرف في المصحف العثماني، وما رسم عثمان إلا بناءً على ما تواتر عند الصحابة، وبالتالي فإنه إذا ما افترضنا -جدلاً- وجود أحرف متواترة في هذا الزمان فهي من القرآن حتى وإن لم توجد في المُصحف، وأنَّى يوجد هذا، فلم يبق الصحابة شيئاً ممَّا تواتر إلا ودون في المُصحف، فالخلاف -إذاً- ليس  في تواتر الحروف وثبوتها فهي ثابتة، وإنما الخلاف في إثبات كيفية الأداء التي يحتملها رسم المصحف، وهذا ما لم يشترط له ابن الجزري التواتر واكتفى فيه بالصحة مع الشُّهرة إذا كانت ممَّا وافق الرَّسم الثابت بالتواتر ووافق العربية.

ومما استند إليه ابن الجزري في تقرير هذه المسألة أقوال سابقيه فقد نقل عن الإمام الجعبري  قوله: "الشرط واحد وهو صحة النقل ويلزم الآخران، فهذا ضابط يعرف به ما هو من الأحرف السبعة وغيرها"، وهذا يوضحه قوله السابق الذي صرح فيه باشتراط التواتر وبالتالي فهو لا يخدم ابن الجزري هنا،إلا إذا أراد ابن الجزري أن يستند إلى هذا القول في اعتبار أن الشرط الأساس في قبول القراءة هو الصحة وأما الشرطان الآخران فهما تابعان له.


ثم عرض أيضاً قول الإمام مكي في ذلك فقال: "قال الإمام أبو محمد مكي في مصنفه: "..قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال وهن: أن ينقل عن الثقات عن النبي (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغاً، ويكون موافقاً لخط المُصحف، فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قُرئ به، وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المُصحف، وكفر من جحده..".

ثم ذكر ابن الجزري بعد ذلك أن اشتراط التواتر كان مذهبه في أول الأمر ثم عدل عنه لمـا تبين له فساد ذلك بعد إسقاط هذا الشرط على واقع القراءات المقبولة فقال: "ولقد  كنـت قبل أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده".

المطلب الثالث: رأي ابن الجزري يحل إشكالاً
يطرح ابن الجزري قضية مشكلة، ولا يجد لها جواباً يستقيم إلا على الرأي الذي اختاره، وتتمثل هذه القضية في اشتمال بعض الكتب المشهورة، المتلقاة بالقبول، المعتمدة لدى أئمة القراءات على انفرادات في أصول القراءات وفي فرشها، ومن ذلك ما انفردت به الشاطبية في قراءة ابن ذكوان "تتبعان" في قوله -تعالى-: "ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون" بتخفيف النون  مخالفاً بذلك بقية القراء والرواة.

وأيضـاً ما انفرد به في قراءة  قُنبل "سوقه"  الواقعة فـي قـولـه -تعالى -: "فاستوى على سوقه" بهمزة بعدها واو مخالفاً بذلك بقية الرواة، وغير ذلك مما انفردت به كتب أخرى ولم يوجد إلا في كتاب أو كتابين وهو لا يثبت به التواتر.

وإذا ما احتكمنا إلى رأي الجمهور من الأئمة فإن هذا الانفراد يجب إسقاطه وعدم قبوله حيث جاء بطريق غير متواتر، ولكن إذا ما حكمنا رأي ابن الجزري صح ذلك وقبل طالما صحت الطريق التي جاءت بها القراءة وتلقاها الأئمة بالقبول.

وهذا ما عناه بقوله:
"وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم".

ويصرح ابن الجزري بقبوله لتلك الانفرادات التي ما خالف في قبولها أحد من أئمة القراءات فقال: "هذا وشبهه وإن لم يبلغ مبلغ التواتر صحيح مقطوع به نعتقد أنه من القرآن، وأنه من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن بها".

ويقرر ذلك في قاعدة كلية -أصلها حديثية- ولكنه أسقطها على واقع القراءات فقال: "والعدل الضابط إذا انفرد بشيء تحتمله العربية والرسم واستفاض وتلقى بالقبول قطع به، وحصل به العلم".

وهذا ما قرره الإمام ابن الصلاح قبل ذلك في مجال الحديث وأيضا الإمام الشيرازي ونقله الإمام ابن تيمية عن جماعة من الأئمة.

وبناء على هذا الذي قرره راح يرمي القائلين بوجوب التواتر في ذلك بالجهل وعدم المعرفة فقال: "ونحن ما ندعي التواتر في كل فرد مما انفرد به بعض الرواة، واختص ببعض الطرق، ولا يدعي ذلك إلا جاهل لا يعرف ما التواتر، وإنما المقروء به عن القراء العشرة على قسمين: متواتر وصحيح مستفاض متلقى بالقبول والقطع بهما حاصل".

ومن خلال هذا يتأكد لنا مرةً أخرى أن ابن الجزري متأثراً تأثراً بليغاً بعلم الحديث ومنهجه حيث نجده يقيس أحوال القراءة على أحوال الحديث ويجعل ما يحكم الحديث من قواعد يحكم القراءة أيضاً.

المبحث الثالث: المتواتر من القراءات
لقد أجمع جمهور الأئمة على تواتر القراءات الصحيحة المقبولة من حيث الجملة، واختلفوا في تفصيل ذلك، فمنهم مَنْ رأى أن المتواتر لا يشمل إلا أجزاء من القراءات على خلاف بينهم في تحديد تلك الأجزاء والأبعاض، ومنهم مَنْ رأى أن القراءات متواترة جملةً وتفصيلاً في كل أبعاضها وأجزائها، وما حاولنا بيانه خلال هذا المبحث مذهب الإمام ابن الجزري في هذه المسألة، وموقفه من مخالفيه.

وذلك من خلال النقاط التالية:
المطلب الأول:
أقوال من سبق ابن الجزري في المسألة
لقد تباينت أقوال سابقي ابن الجزري في مسألة: المتواتر من القراءات بين مثبت للتواتر في كل جزء منها وبين مقصر ذلك على بعضها فقط.

وجملة تلك الآراء ما يلي:
القول الأول:
مذهب أبي شامة 
يرى الإمام أبو شامة أن القراءات متواترة فيما اتفقت فيه الطرق وأجمع عليه الرواة.

وأما ما وقع فيه اختلاف الرواة والطرق فليس بمتواتر، ومفاد هذا القول أن ما أجمع عليه القراء متواتر وما اختلفوا فيه ليس بمتواتر، سواء كان الاختلاف في أداء الكلمة أم في لفظها؛ ذلك لأنه يرى أن ما اختلف فيه منسوب إلى ناقليه فقط ولا يبلغ عددهم حد المتواتر فهو آحاد.

وصرح بذلك في قوله:
"..وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب، ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض... فالحاصل أنا لسنا مِمَّنْ يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر".

القول الثاني: مذهب ابن الحاجب
يرى الإمام ابن الحاجب أن القراءات متواترة فرشاً  لا أصولاً، وعبر عن الأصول بما كان من قبيل الأداء، وما عرف مراده بذلك إلا حين مثل لذلك بأمثلة تقطع بمراده من قوله: "ما كان من قبيل الأداء".

وذهب ابن الحاجب إلى هذا الرأي بناء على تصوره أن الفرش ألفاظ لا اختلاف في ضبطها، أما  الأصول فهي كيفيات للأداء، وهي ما لا تضبط إلا بالسماع عادة حيث يقبل فيها الزيادة والنقصان، ومن ذلك المد وتخفيف الهمز وغيرها.

وجاء هذا الرأي صريحاً في قول ابن الحاجب: "القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه".

وتبع ابن الحاجب من المتأخرين ابن خلدون واعتبره الصحيح من الأقوال فقال: "وهذه القراءات السبع.. قالوا بتواترها، وقال آخرون بتواتر غير الأداء منها كالمد والتسهيل لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع، وهو الصحيح".

القول الثالث: مذهب الزركشي
ذهب الإمام الزركشي إلى أن تواتر القراءات ثابت عن الأئمة القُرَّاء لا عن النبي (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وحجته في ذلك أن أسانيد الأئمة القُرَّاء التي وردت بها القراءات عن النبي (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ) كانت آحاداً وهي المدونة في مصنفات القراءات.

وأفصح عن هذا في قوله: "..والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ففيه نظر، فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة".

وواضح أن نظرة الإمام الزركشي في هذه المسألة مبنية على الاعتماد على مجرد إسناد القراءة المدون في كتب القراء، واعتبر القراءة كالحديث من حيث النقل.
يتبع إن شاء الله...


الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27055
العمر : 67

الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Empty
مُساهمةموضوع: رد: الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها   الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها Emptyالسبت 20 فبراير 2016, 11:09 pm

القول الرابع: مذهب ابن السبكي
ذهب الإمام عبد الوهاب ابن السبكي إلى القول بتواتر القراءات جملةً وتفصيلاً، سواءً كانت فرشاً أو أصولاً، مختلفاً فيه أو مجمعاً عليه، وصرح بذلك في قوله: "..والقراءات السبع متواترةً تواتراً تاماً، أي نقلها عن النبي (صلى الله عليه وسلم) جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم، وهلم جرا، ولا يضر كون أسانيد القُرَّاء آحاداً؛ إذ تخصيصها بجماعة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، بل هو الواقع، فقد تلقاها عن أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم، وهلم جرا وإنما أسندت إلى الأئمة المذكورين في أسانيدهم لتصديهم لضبط حروفها، وحفظ شيوخها الكمل فيها".

وهذا القول قد تضمن بالإضافة إلى رأي ابن السبكي ردا على قول الزركشي حيث أوضح أن أحادية الإسناد مسألة صورية والحقيقة غير ذلك.

وذهب إلى هذا القول من قبل الإمام النووي حيث قال: "..وكل واحدة من السبعة متواترة، وهذا هو الصواب ومَنْ قال غيره فغالط أو جاهل".

المطلب الثاني: مذهب ابن الجزري
ذهب ابن الجزري إلى أن القراءات المقروء بها متواترة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن الأئمة المنقولة عنهم، فرشاً وأصولاً، حال اجتماع القراء والرواة وحال افتراقهم، وكان قد ترجم لذلك في كتابه فصلاً مستقلاً فقال: "الفصل الثاني في أن القراءات العشر متواترةً فرشاً وأصولاً، حال اجتماعهم وافتراقهم وحل مُشكل ذلك".

ولم ير ابن الجزري شيئاً من القراءات لم يتحقق فيه التواتر إلا ما كان داخلاً تحت الأداء -وهو ما يعرف عند القراء بالتحريرات- فهو لم يقع متواتراً وجهاً وجهاً وإن وقع تواتره في بعض الوجوه، ويمثل لذلك بأوجه بوقف حمزة وهشام الذي يزيد أحياناً عن خمسين وجهاً في الموضع الواحد فقال: "إذا ثبت شيئاً من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواتراً عن النبي (صلى الله عليه وسلم) كتقسيم وقف حمزة وهشام، وأنواع تسهيله فإنه وإن تواتر تخفيف الهمز في الوقف عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجها، ولا بعشرين، ولا بنحو ذلك، وإنما إن صح شيء منها فوجه، والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء".

والفرق بين هذا الذي قاله ابن الجزري وقول ابن الحاجب السابق يكمن في ما كان من قبيل الأداء، فابن الحاجب تصور أن المد والإمالة وتسهيل الهمز من قبيل الأداء وهو ما رده ابن الجزري وأثبت تواتره، واعتبر أن ما كان من قبيل الأداء هو اختلاف كيفيات أداء الأصل الواحد كما مثل لوقف حمزة وهشام، وعندئذ يمكن القول أن قول ابن الجزري هو نفسه قول ابن الحاجب لولا ذلك التمثيل الذي مثل به ابن الحاجب، وهو ما صرح به ابن الجزري في قوله: "وقول ابن الحاجب صحيح لو تجرد عن قوله: كالمد والإمالة، لكن تمثيله بهما أوجب فساده".

وتمثلت حجة ابن الجزري ودعامة  قوله فيما يلي:
1- الاستناد إلى الواقع الحاصل في شأن القراءات، حيث عني بتتبع أسانيدها، ومعرفة حال رجالها، وكشف عللها فإذا هي لم تخرج عن حد التواتر في شيء مما قيل إلا ما كان في كيفيات الأداء فهي التي لم يستطع أن يجزم بتواترها عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وجها وجها وإن حصل ذلك لبعض منها.

2- الاعتماد على ما يشبه الإجماع السكوتي عند الفقهاء حيث يعتبر نسبة القراءة إلى مَنْ قرأ بها هي نسبة اصطلاحية لتمييز القراءة عن غيرها من القراءات وإلا فإن الواقع يثبت أن كل قراءة قرأ بها مع من نسبت إليه جمع غفير من القراء وأن تلك القراءة كانت معروفة مشهورة لدى قراء زمانه ولو أنه ادَّعى شيئاً فيها غير معلوم لاتهم في قراءته كما فعل مع ابن شنبوذ الذي ادَّعى جواز القراءة بالشَّاذ حيث أدِبَ واسْتُتِيبَ من طرف الحاكم فرجع وأناب.

3- القول بعدم تواتر مواضع خلاف القراء وانفراداتهم وأصولهم يفضي إلى القول بعدم تواتر بعض القرآن وهو ما أجمعت عليه الأمة، قال: "ولو لم يكن انفراد القراء متواترا لكان بعض القراء غير متواتر، لأنا نجد في القرآن أحرفا تختلف القراء فيها، وكل واحد منهم على قراءة لا توافق الآخر".

4- الاعتماد على ما ثبت رسمه في المصحف العثماني؛ ذلك لأن الصحابة -رضي الله عنهم- ما رسموا شيئاً في المُصحف واختاروا له كيفيَّة رسمه إلا بناءً على ما ثبت تواتره عندهم من تلك القراءة فما رسموا المُمَال بالياء إلا للدلالة على أنه مُمَال، وما أشاروا لذلك إلا لتواتره، وما اكتفوا في رسم الهمزة بصورتها فقط إلا للدلالة على تسهيلها وتخفيفها، وما أشاروا لذلك إلا لتواتره.

لقد كانت هناك علاقة تناظرية بين الرسم العثماني والقراءات المتواترة، فقد كان الرسم يدل على تواتر القراءة، وتواتر القراءة يثبت الرسم، وهذا ما استفاد منه الجزري واستند إليه في إثبات تواتر ما كان من قبيل الأداء الذي أشار إليه ابن الحاجب.

وهذا ما أشار إليه الدكتور محمد حبش في قوله: "..ويمكن أن نستنتج.. أن سائر القراءات المشروعة المتواترة كانت حاضرة في ذاكرة الحُفاظ التي كانت تتلقى بأعلى درج التواتر، وكانت حاضرة في الوثيقة الكتابية في جمع أبو بكر، وصحف الصحابة من حوله، ثم في نسخ عثمان بمجموعها كما وزعها في الأمصار".

المطلب الثالث: موقف ابن الجزري من مخالفيه
ذهب ابن الجزري بعد عرض رأيه وبيانه إلى تفنيد آراء المخالفين، وإزالة الملابسات التي ألبست عليهم.

فتشكل رده في النقطتين التاليتين:
أولاً: الرد على ابن الحاجب 
لم ُيسَلّمْ ابن الجزري لابن الحاجب صحة ما ادعى أنه ما كان من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمز ليس متواتراً، بل راح يثبت تواتر تلك الأمثلة التي جاء بها ابن الحاجب.

ا - إثبات تواتر المد:
لم يثبت ابن الجزري تواتر من حيث الجملة بل أثبت ذلك تفصيلاً، فجعل المد الطبيعي أصلا في الكلمة، ولا يمكن إسقاطه إذ بذلك إسقاط للحرف فقال: "..والمد إما أن يكون طبيعياً أو عرضياً، والطبيعي هو الذي لا تقوم ذات حرف المد إلا به، كالألف من "قال"، والواو من "يقول"، والياء من "قيل"، وهذا لا يقول مسلم بعدم تواتره؛ إذ لا تمكن القراءة بدونه".

وجعل المد العرضي الذي سببه سكون ملحقا بالمد الطبيعي؛ لأنه قام مقام حرف توصل به للنطق بالساكن، ومن دونه يقع اللحن حيث يجمع بين ساكنين؛ ولذا فإن الإجماع واقع على مده وهو ما يسمى عند القراء باللازم وما سمي بذلك إلا لزوم مده إجماعاً، فقال: "..فهذا يلحق بالطبيعي، ولا يجوز فيه القصر، لأن المد قام مقام حرف توصلا للنطق بالساكن، وقد أجمع المحققون من الناس على مده قدرا سواء".

أما المد العرضي الذي سببه همز فهو متصل ومنفصل، فأما الأول فقد نقل إجماع القراء على مده بلا خلاف فقال: "..وهو الذي يسمى متصلاً، وقد أجمع القراء سلفا وخلفا من كبير وصغير وشريف وحقير على مده، لا اختلاف بينهم في ذلك".

والحق أن هذا وإن اتفقوا على مده إلّا أنهم اختلفوا في قدر مده، فذهب حمزة وورش إلى مده ست حركات وذهب غيرهما إلى المد المتوسط بقدر أربع حركات فقط  وهو مراد ابن الجزري بما كان من قبيل الأداء.

وأما المنفصل فقد نقل خلاف القراء فيه إلا أن أكثرهم على المد فيه لا على القصر، فدعوى عدم التواتر في هذا النوع باطلة، إذ لو ادعي عدم تواتر القصر لكان أولى وأدعى للقبول، وجعل ابن الجزري هذا الادعاء ترجيحا من غير مرجح فقال: "فادعاؤه عدم تواتر المد فيه ترجيح من غير مرجح، ولو قال العكس لكان أظهر لشبهته لأن أكثر القراء على المد".

وخلاف القراء في هذا النوع يدور بين القصر والمد، حيث يقصر كل من قالون وابن كثير ويوسط كل من عاصم وأبو عمرو والكسائي والتوسط نوع من المد، ويشبعه كل من ورش وحمزة.

ب- إثبات تواتر الإمالة:
يستند ابن الجزري في إثباته لتواتر الإمالة إلى ورودها عن كل القراء دون استثناء، إلا أن منهم المُقل منها ومنهم المُكثر، وهو ما ظهر في قول الإمام الهذلي: "..ما أحد من القراء إلا رويت عنه الإمالة، قلّت أو كثُرت".

واستند في ذلك أيضاً إلى دلالة المُصحف العثماني على تواتر الإمالة حيث جاءت الحروف المُمَالة فيه مرسومة بالياء للدلالة على أنها ممَّا يُمَال وذلك نحو: الضُّحى - يحيى - موسى - يغشيها - سويها… وما كان غير مُمَال رسم بغير الياء نحو: الصلوة - الزكوة - عصاي.

ويضرب لذلك مثلاً يُفرّق بين المفتوح والمُمَال بناءً على ما رسم في المُصحف العثماني فقال:..حتى إنهم كتبوا "تعرفهم بسيماهم" في البقرة بالياء و "سيماهم في وجوههم" في الفتح بالألف"، وما كان الصحابة كاتبوا المُصحف ليُثبتوا ذلك من غير تواتر.

ج- إثبات تواتر تسهيل الهمز:
اعتمد ابن الجزري في ذلك على إجماع القراء الثابت في بعض مواضع التسهيل نحو: ءآلله، ءالذكرين، ءآلان فإنهم أجمعوا على تسهيل الهمزة الثانية "بين بين" وأجمعوا أيضاً على تسهيلها بالإبدال والإجماع دال على التواتر.

ويركن أيضاً في إثبات ذلك إلى المصحف العثماني حيث رسموا حروفاً كثيرة من غير تحقيق للهمزة إشارة منهم إلى تلك القراءات التي جاءت بتخفيف الهمز وتسهيله.

ومن ذلك:
"أؤنبيكم" في آل عمران رُسمت الهمزة الثانية واواً للدلالة على قراءة التسهيل، قال أبو عمرو الداني: "..وإنما كتبوا ذلك على إرادة تسهيل الهمزة "بين بين".

ثانياً: دحض شُبهة أبي شامة ومَنْ وافقه
إن الشبهة التي ألبست على أبي شامة هي اعتقاده أن أسانيد القراءة محصورة في رجالها المعروفين الذين اشتهرت بهم وأن مخرج القراءة كمخرج الأحاديث، وإذا كان مدار الأسانيد على واحد كانت آحاد.

ويُفنّد ابن الجزري ذلك باعتبار أن نسبة القراءة إلى أمام معين هي نسبة اصطلاحية، ولا يفهم من ذلك أن القراءة لم يروها غيره من القراء وإلا لو سلـم -جدلاً- بصحة ما ذهـب إليه أبو شامـة لما وجدنا قراءة واحدة يتواتر نقلها لأنه -على زعم أبي شامة- لم ينقلها سوى اثنين أو ثلاثة وليس ذلك ما يثبت تواتراً، ويرد قول أبي شامة -أيضاً- بدليل عقلي مفاده أن القول بعدم تواتر

جزء من إسناد القراءات يُفضي للقول بعدم تواتر القرآن:
إذ عدم تواتر الجزء يؤدي إلى بطلان تواتر الكل، وهو مالم يقل به أحد بل الإجماع على تواتر القرآن.

قال ابن الجزري:
"..ولم يدر أن كل قراءة نسبت إلى قارئ من هؤلاء كان قراؤها زمن قارئها وقبله أكثر من قرائها في هذا الزمان وأضعفهم ولو لم يكن انفراد القراء متواتراً لكان بعض القرآن غير متواتر، لأنا نجد في القرآن أحرفا تختلف القراء فيها وكل واحد منهم على قراءة لا توافق الآخر كأرجه وغيرها، فلا يكون شيء متواتراً، وأيضا قراءة من قرأ "مالك" و"يخادعون" فكثير من القرآن غير متواتر لأن التواتر لا يثبت باثنين ولا بثلاثة".

وهكذا يتضح أن ابن الجزري لم يكن سابقاً إلى القول بهذا الرأي الذي ذهب إليه حيث قاله قبله الإمام السبكي، ومن قبلهما الإمام النووي، وإنما ظهر أثره واضحاً في ترجيح واختيار هذا الرأي وتقييده بما يضبطه وحشد الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة الدالة على صوابه، ودحض الأراء التي ذهبت بخلافه وإزالة الملابسات التي وقعت لأصحابها.


الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
الباب الثالث: الفصل الأول: القراءات وتواترها
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: (رســــــــالة دكـتـــــــــوراه)-
انتقل الى: