اليوم الثاني عشر: وكن من الشاكرين
بقلم: الشيخ عوينات محي الدين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
نِعَمَهُ علينا لا تُحصى، وآلاؤه لا تُستقصى، كرمه علينا عميم، وجوده لدينا عظيم، خيره إلينا نازل وشَرُّنَا إليه صاعد، يتحبَّبُ إلينا بنعمه وهو الغني عَنَّا، ونتبغَّضُ إليه بالمعاصي ونحن لا نستغني عنه.
خلقنا من عَدَم وأوجدنا، ورعانا في كل حال وحفظنا، ورزقنا من جوده وأكرمنا، وهدانا من ضلالة وأرشدنا، وعلمنا من جهالة وبصرنا، وأعطانا من فضله وكرمه وإحسانه وخيره قبل أن نطلب، وقبل أن نتعلم كيف نطلب، فكيف نشكره وشكرنا له نعمة من لدنه تحتاج منا إلى شكر. فلله الحمد أولاً وآخراً، وظاهرًا وباطنا، حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وكما يحب ربنا ويرضى.
هذه نعمة الله تعمنا فندرك شهر رمضان الذي نقوم فيه بأعظم وظائف هذا الدين ومنها عبودية شكر النعم سبحانه وتعالى.
كما قال سبحانه في آيات الصيام: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) البقرة فمن غايات الصيام في رمضان توجيه المؤمنين لهذه العبادة الجليلة.
كما فضلنا الله بتلك الحواس من سمع وبصر وفؤاد لذات الغرض، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].
* يظهر من الآية أن الشكر غاية الخلق. فمن أجله جعل الله لنا السمع والأبصار والأفئدة، وهو روح العبادة فالله تعالى يأمر آل داود بالعمل وهذا العمل في ذاته شكر لله: {اعملوا آل داود شكرًا} [سبأ: 13].
* والشكر هو إحدى نتائج الإيمان ن قال تعالى: ( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ) [النساء: 147].
* ولا أي إنسان من إحدى حالتين إمَّا أن يكون شكوراً أو كفوراً.
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
• وأخبر سبحانه أنه إنما يعبده من شكره، ومن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
وكما قلنا:
الشكر قرين الإيمان، والشكر غاية الخلق.. وعليه يتبين أن الشكر عبادة.
* وعلَّق الله سبحانه المزيد من العطايا والنعم بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له.
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
* وأثنى الله على رسله وأنبيائه بهذه الصفة فقال سبحانه عن نوح عليه السلام: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3].
* وأثنى على خليله إبراهيم بشكره نعمه تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين* شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 120-121].
* وجعل الله عز وجل أول وصية وصى بها الإنسان الشكر له وللوالدين: {وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
قال ابن عيينة في تفسيرها: (مَنْ صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله).
قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: (الخير الذي لا شر فيه: العافية مع الشكر، فكم من منعَم عليه غير شاكر).
وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى-: (عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم).
قال يونس بن عُبيد –رحمه الله– لرجل يشكو ضيق حاله: أيَسُرُّكَ ببصرك هذا مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا، فذكَّرهُ نعم الله عليه فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة!
من الأمور المُعينة على شُكر الله تعالى تذكُّر النِّعَم دائماً والتفكر فيها: (ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم).
وكذلك نظر المسلم إلى مَنْ هو دونه في الدنيا وإلى مَنْ هو فوقه في الدِّين، ومعرفة أن الناس مُحاسبون عليها ومسؤلون.
اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك مُثنين بها عليك، قابليها بالحمد، وأتمّها علينا يارب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.