منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة آل عمران الآيات من 096-100

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة آل عمران الآيات من 096-100 Empty
مُساهمةموضوع: سورة آل عمران الآيات من 096-100   سورة آل عمران الآيات من 096-100 Emptyالثلاثاء 23 أبريل 2019, 10:49 pm

إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس لَلَّذي ببَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى للْعَالَمينَ [٩٦]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

لقد عرفنا من قبل كيف كان تداعي المعاني سبباً في إرواء الحق لكل ملكات الإنسانية، وقبل هذه الآية التي تتحدث عن بناء البيت الحرام بمكة المكرمة كان هناك حديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال الحق: {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبعُواْ ملَّةَ إبْرَاهيمَ حَنيفاً وَمَا كَانَ منَ ٱلْمُشْركينَ} [آل عمران: 95].       

وإبراهيم عليه السلام هو أول الأنبياء صلة بالبيت الحرام، وكان رفع قواعد البيت الحرام على يده بعد أن طمر وستر بالطوفان في عهد نوح عليه السلام، فحين يأتي الكلام في رسالة سيدنا إبراهيم عليه السلام فلابد أن تأتي أكبر حادثة في تاريخ سيدنا إبراهيم، وهي حادثة بناء البيت الحرام، كما أن الحق سبحانه حينما تكلم عن المحاجاة بين المسلمين وعلى رأسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي يده القرآن، وبين أهل الكتاب وفي أيديهم التوراة المحرفة والإنجيل المحرف أراد سبحانه أن يردنا إلى شيء واحد هو ملة إبراهيم الذي سمانا مسلمين.       

ومعنى ذلك أن الله يريد منا أن تسيطر قيم السماء على حركة أهل الأرض؛ لأن حركة أهل الأرض إن اتبعت الأهواء تصادمت الحركات، وما دامت الحركات قد تصادمت فإن ما ينتج عنها هو ضياع مجهود الحركة الإنسانية، ويصير هذا المجهود مبدداً.       

ولكن الإنسان الذي يحمل القيم التي تتركز عقيدة في قلبه -بعد أن يبحثها بفكره- هذا الإنسان له قالب تنفذ به تشريعات الله، ولولا وجود القالب هذا لما استطاع الإنسان أن يطبق تشريعات الله، ولَمَا استطاع أن يؤدي هذه التشريعات، ولما استطاع أن يطيع الله بجوارحه؛ فالإنسان بغير قالب لا يستطيع أن يؤدي الحركة المطلوبة.       

إذن فلابد للقالب الإنساني -البدن- في التشريع من عملية أخرى وهي أن ينصب القالب ويكون له عمل حين يتوجه إلى بيت واحد لله، وبذلك يصبح للقالب نصيب في العبادة أيضاً.       

ولهذا كان لابد أن يوجد للقالب - أيضاً - مُتّجَهٌ وهذا المُتَجه يحكم القالب نفسه، فكان المؤمن المسلم محكوماً قلباً وقالباً، فحين نأتي للصلاة لنكون في حضرة الله نتحرى أن يكون قالبنا متجهاً إلى المكان الذي أمرنا الله أن نتوجه إليه،        

لماذا؟           

لأن الحق سبحان وتعالى ساعة يعطي رحمته وبركته وتنزلاته وإشراقاته يريد أن يكون الجسم في وضع مؤهل لاستقبال هذه التجليات؛ ولذلك كان لابد أن يكون لله بيت يتجه إليه الجميع حتى يعطي للتدين وحدة، فكما أعطى الحق لموكب الرسالات وحدة، فإنه يعطي أيضاً وحدة في القالب الإنساني والمتجَه، وكل مكان يعبد الله فيه بالنسبة للإسلام يُعتبر مسجداً، وقد يسر الله الأمر على أمة سيدنا محمد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "جعلت لي أرض مسجداً وطهوراً“.

وكان لقاء الله وعبادته في الديانات السابقة يقتضي مكان محدداً ولكن قد وسع رحمته على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.       

إن تراب الأرض طهور، إننا عندما نفتقد الماء الطهور فإن التراب الذي قد يبدو للوهلة السطحية أنه سبب في عدم النظافة قد جعله الله لنا طهوراً.       

إن الإنسان يمكنه أن يتيمم ويتطهر بالتراب، وكأن الله قد أراد أن يكون لقاء كل فرد من أمة محمد به ميسراً تيسيراً كبيراً.

وكل مكان نعبد فيه الله ويسجد فيه المسلم لله يصير مسجداً.       

لكن هناك فارقاً بين أي مكان نعبد الله فيه والمسجد، فنحن نرى العامل يعبد الله في المصنع والتلميذ يعبد الله في الفصل، والفلاح يعبد الله ويؤدي الفروض في الحقل، ويمكن للسائر في الشارع أن يؤدي صلاته في أي مكان، وأن يزاول عمله بعد ذلك، ولكن حين يُحَيّزُ الإنسان مكاناً ليكون بيتاً لله، فمحظور أن يزاول فيه نشاطاً آخر من نشاطات الحياة؛ إنه مكان مُحيز.    

إن العبادة كلها مقبولة، ولكن هناك فارقاً بين مكان تعمل فيه ومكان تخصصه ليصير مسجداً.

فالمسجد هو مكان لا يزاول فيه إلا لقاء الله، لذلك أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا نستغل هذا الحيز في أي أمر يتعلق بدنيانا، وقد أوضح لنا -صلى الله عليه وسلم- أن الذي يعقد صفقة في المسجد لم يبارك الله فيها، والذي ينشد فيه شيئاً ضالاً له لن يجده.       

فقد دعا الرسول ألا يرد الله عليه ضالته.       

إن أمور الدنيا يكفيها أن تأخذ من الإنسان كل يوم ثلاثاً وعشرين ساعة، فليخصص الإنسان المؤمن ساعة لله وحده، وليخلع كل أغراض الحياة الدنيا كما يخلع النعال على باب المسجد.   

فليس من حسن الأدب واللياقة أن ينشغل الإنسان بأي شيء غير لقاء الله في الوقت المخصص للقاء الله، وفي المكان المخصص لهذا اللقاء.       

فساعة تدخل المسجد ينبغي أن تمنع نفسك من أن يتكلم معك أحد في فضول الكلام ولغوه، وأن تنوي الاعتكاف لتستفيد من وجودك في المسجد.       

وساعة أن نخصص حيزاً ما ليكون مسجداً، فكيف يكون الاتجاه داخل المسجد؟        

أيترك الأمر لكل واحد أن يختار له متجهاً؟        

لا، إن المؤمن ملتزم بالاتجاه إلى مكان واحد، هذا المكان الواحد هو بيت لله باختيار الله بينما المساجد الأخرى هي بيوت لله باختيار خلق الله، فبيوت الله باختيار خلق الله متجها جميعاً هو بيت الله الحرام.       

وحين تنظر هذه النظرة ستجد العالم متواجهاً؛ لأن كل عابد سيكون اتجاهه إلى بيت الله مع بقية العابدين لله، فيلتف المؤمنون كلهم حول بيت الله، ويتواجهون، إن وجوهنا كلها تُقابل بعضها بعضاً، ولكن ما ضرورة الاتجاه للكعبة؟        

والحق سبحانه يقول: {وَللَّه ٱلْمَشْرقُ وَٱلْمَغْربُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّه إنَّ ٱللَّهَ وَاسعٌ عَليمٌ} [البقرة: 115].       

نقول: إن هذه الآية تؤيد ما نقوله، فما دام لله المشرق والمغرب، فهذا هو المعنى العام، فالناس أول ما عرفوا الكون تعرفوا على المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضاً، وبعد أن توصل العلم إلى تحديد الجهات الفرعية بجانب الجهات الأصلية الأربع المعروفة عرفنا "الشمال الشرقي" و"الشمال الغربي" و "الجنوب الشرقي" و "الجنوب الغربي”.       

إذن فكل المتجهات لله، والاتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم.       

وعندما يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه، ويكون الغرب أمامه، ويتجه إليها إنسان آخر إلى الكعبة، فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة، وثالث يتجه إلى الكعبة، فيكون في زاوية أخرى ناظراً إليها، وهكذا يلتف البشر من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات الفرعية حول الكعبة.       

إذن فقول الحق: {وَللَّه ٱلْمَشْرقُ وَٱلْمَغْربُ} [البقرة: 115] أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة، وبذلك لا تكون هناك جهة أولى بالله من جهة أخرى.       

وأنا لا أريد أن أدخل في متاهة أنّ الكعبة مركز الأرض وأن الأرض خلقت منها؛ لأن الشيء إذا كان مكوراً فأي نقطة فيه تكون مركزاً للجميع، لذلك فلنترك مثل هذا الكلام، لكن ألا يكفي أن يرجحها أن الله قد اختارها؟        

إن ذلك يكفي وزيادة، وبذلك ينتهي الأمر، إنها كذلك؛ لأنها بيت الله باختيار الله، وهذا يكفي.    

لقد علّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الأشياء التي تقف فيها العقول وليست من صلب العقائد أو الدين لا يصح أن تكون محل خلاف أو جدل.       

ويقول سيدنا علي -كرَّم الله وجهه- عن سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: سأله رجل، "أذلك أول بيت لله؟” فوضح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن قبله بيوتاً، ولكن هو أول بيت وُضع للناس.       

وهذا إيضاح أن الله قد جعل الكعبة هي أول بيت له يتعبد فيه جنس البشر، وذلك لقول الله تعالى: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس لَلَّذي ببَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَالَمينَ} [آل عمران: 96].       

ولكن إن كانت هناك أجناس سابقة على الجنس البشري فمن المؤكد أنه كانت هناك لله بيوت لا نعرفها.

وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أوادم.

ولذلك فوجود البيت الحرام كبيت لله لا يصطدم مع منطق الناس الذين لا يملكون إلا الثقافة الدينية الضحلة، فساعة أن يسمع الواحد منهم، أن هناك اكتشافاً لحفريات من كذا مليون سنة فهو يتساءل قائلاً: كيف وآدم لم يمر عليه ملايين السنين؟        

لنفترض أن هناك خمسة أجيال لإدريس عليه السلام وثلاثة أجيال لنوح عليه السلام، وأحد عشر جيلاً لإبراهيم عليه السلام وثلاثين جيلاً لمحمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا يكون الوجود البشري محدداً بآلاف السنوات لا ملايينها.       

لهذا الإنسان نقول: وهل قال لك أحد: إن آدم أول من عَمَرَ الأرض؟        

إن الدين لم يقل ذلك، لكن الدين قال: إن آدم هو أول هذا الجنس البشري، ولكنه ليس أول من سكن الأرض، لذلك فليقل العلماء: إن عمر هذه الأرض ملايين السنين ولنسمع جميعاً قول الحق تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَات وَٱلأَرْضَ بٱلْحقّ إن يَشَأْ يُذْهبْكُمْ وَيَأْت بخَلْقٍ جَديدٍ} [إبراهيم: 19].       

إذن فلا مجال لهذا البحث، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا، بل قبله بيوت“.

والحق سبحانه وتعالى يقول ما يوضح أن الجن قد سكنوا الأرض قبلنا: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ من قَبْلُ من نَّار ٱلسَّمُوم} [الحجر: 27].       

ألم يقل الحق سبحانه إن الإنسان خليفة، وردّت عليه الملائكة: {وَإذْ قَالَ رَبُّكَ للْمَلاَئكَة إنّي جَاعلٌ في ٱلأَرْض خَليفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فيهَا مَن يُفْسدُ فيهَا وَيَسْفكُ ٱلدّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بحَمْدكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إنّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].       

إن الذين قالوا ذلك ليسوا من البشر، إذن فكلام الله يؤكد أن الكعبة هي أول بيت وُضع للناس، أي للجنس البشري، ولذلك فلا داعي أن نتكلم في الأشياء التي يقف فيها العقل حتى لا ندخل في متاهة.       

ولو كان الله قد أراد أن يعلمنا أن الكعبة هي أول بيت في الأرض لقال لنا: "إن أول بيت وضع في الأرض"، ولم يكن قد حدد الجنس الذي وضع البيت من أجله، لكن الحق سبحانه قال: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس لَلَّذي ببَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96]، ولذلك بَيَّنَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن قبله بيوتاً، ولكنه أول بيت وضع للناس.       

إنه جواب يتسع لكل ما يأتي به العلم.       

وحين ننظر إلى القول الحق: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس لَلَّذي ببَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96].

ما معنى "أول"؟        

إنه الابتداء، وهل كل ابتداء له انتهاء؟        

لا، إن هناك أموراً لها "أول" وليس لها "آخر" ومثال ذلك العدد "واحد" وما بعده ليس له آخر، فآخر ما بعد العدد واحد هو ما يمكن الإنسان أن يحسبه عجزاً في التقديرات الدشليونية ولكن ما بعد الدشليون هناك أعداد أخرى، وكان الإنسان قديماً يقف عند الألف، ثم يقول عن المليون "ألف ألف"، وكذلك الجنة لها أول وليس لها آخر.       

إذن فأول بيت وضعه الله للناس هو الكعبة.       

وعندما نرى كلمة "وُضع" نجدها فعلاً، ونرى أنه قد وُضع للناس.       

وما دام هذا البيت قد وضع للناس لذلك فمن اللازم حين تأتي كلمة "ناس" أن يكون هناك "بيت" و"آدم" من الناس، ووالد كل الناس، وكان له بيت وُضع له.       

وحين يقال: إن البيت قد تم بناؤه قبل آدم فإننا نقول: نعم، لأن آدم من الناس، والله يقول: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس} [آل عمران: 96] فلماذا نحرم آدم من أن يكون له بيت عند الله؟        

إذن فالبيت موجود من قبل آدم.       

وبعض الناس تظن أن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى البيت، ولأصحاب هذا الظن نقول: لنفهم القرآن معاً، إن مثل هذا القول يناقض القرآن؛ لأن القرآن قد قال: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس} [آل عمران: 96] وذلك إيضاح أن إبراهيم كان من قبله أناس سابقون له، فكيف لا يكون للناس من قبل إبراهيم بيت؟        

ولا يكون للناس من بعد إبراهيم بيت؟        

إن الذين كانوا يعيشون قبل مجيء إبراهيم عليه السلام لهم الحقوق نفسها عند الله التي وضعها الله لمن بعد إبراهيم، فلابد أن الله قد جعل بيته لهم، والنص القرآني {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس} [آل عمران: 96] يؤكد ذلك، وما دام قد جعل الفعل مَبْنيَاَ للمجهول فواضعه غير الناس، فـ "وُضع" هو فعل مبني على ما لم يسم فاعله، فمن الذي وضعه؟        

هل هم الملائكة؟        

قد يصح ذلك وهو أن يكون الملائكة قد تلقوا الأمر من الله بمزاولة هذا البناء؛ ولكن الحق يقول عن هذا البيت إنه: "هدى للعالمين" وهذا يعني أن البيت هدى للملائكة؛ لأنهم عالم، وهذا يعني أن البيت قد وضعه الله من قبل ذلك، إن أحداً لا يقدر أن يجعل الكون على قدر العقل البشري، إن على العقل البشري أن يكون في ركاب الكون، وإياك أن تجعل الكون في ركاب عقلك.       

أما مسألة أن إبراهيم قد بني الكعبة أولاً فهذا عدم فهم للنص القرآني القائل: {وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهيمُ ٱلْقَوَاعدَ منَ ٱلْبَيْت وَإسْمَاعيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ منَّآ إنَّكَ أَنتَ ٱلسَّميعُ ٱلْعَليمُ} [البقرة: 127].       

فما هو الرفع؟        

إنه إيجاد البُعد الثالث وهو الارتفاع، فالطول والعرض موجودان إذن فهذا دليل على وجود البيت قبل أن يقيم إبراهيم عليه السلام ارتفاع البيت.       

وهكذا نستنتج أن الذي كان مطموساً هو القاعدة والارتفاع، مع وجود الطول والعرض اللذين يحددان المكان، أما البناء فهو الذي يحدد "المكين" وعندما انهدم البيت الحرام كان الناس يتجهون إلى المكان نفسه.      

 ونحن عندما نصلي في الدور الثالث في الحرم، فإننا نتجه إلى الهواء الموجود من فوق الكعبة، ولو حفرنا نفقاً تحت الأرض بألف متر، وأردنا أن نصلي فإننا سنتجه إلى جذر الكعبة، وهكذا نعرف أن جو الكعبة كعبة.       

إذن فعمل إبراهيم عليه السلام كان في إيجاد المكين لا المكان، ولنقرأ بالفهم الإيماني ما حدث لإبراهيم عليه السلام.       

لقد أخذ إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل، وخرج بهما ليضعهما في هذا المكان.       

"وهاجر" تعرف أن مكونات الحياة هي المياه والهواء والقوت، وهذا المكان لا توجد به حتى المياه، لذلك قالت هاجر سائلة إبراهيم عليه السلام: كيف تتركنا هنا؟        

هل أنزلتنا هنا برأيك أم بتوجيه من الله؟        

فقال لها إبراهيم عليه السلام: إنه توجيه من الله، لذلك قالت: "لقد اطمأننت، والله لا يضيعنا أبداً”.       

لم تقلق هاجر لأن إبراهيم اتجه إلى ما أمر الله، وهذا هو الإيمان في قمته، ولو لم يكن الإيمان على هذه الدرجة الرفيعة فأي قلب لأم تترك أب الطفل يذهب بعيداً عنها وتعيش مع ابنها في هذا المكان الذي لا يوجد به طعام أو ماء، فهي لا تؤمن بإبراهيم، ولكنها تؤمن برب إبراهيم وعندما تقرأ القرآن الكريم تجد القول الحق على لسان إبراهيم: {رَّبَّنَآ إنَّيۤ أَسْكَنتُ من ذُرّيَّتي بوَادٍ غَيْر ذي زَرْعٍ عندَ بَيْتكَ ٱلْمُحَرَّم رَبَّنَا ليُقيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئدَةً مّنَ ٱلنَّاس تَهْويۤ إلَيْهمْ وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرَات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].       

هكذا نعرف أنه ساعة إسكان إبراهيم لذريته كان هناك بيت وأن هذا البيت محرم، وعندما نقرأ عن رفع البيت الحرام نجد أن إبراهيم عليه السلام لم يرفع قواعد البيت بمفرده بل شاركه ابنه إسماعيل عليه السلام.

{وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهيمُ ٱلْقَوَاعدَ منَ ٱلْبَيْت وَإسْمَاعيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ منَّآ إنَّكَ أَنتَ ٱلسَّميعُ ٱلْعَليمُ} [البقرة: 127].       

هكذا نعلم أن إسماعيل عليه السلام كان قد نضج بصورة تسمح له أن يساعد والده خليل الرحمن في إقامة قواعد البيت الحرام، وهذا يدلنا على أن إسماعيل نشأ طفلاً في هذا المكان عندما أسكنه والده إبراهيم عند البيت المحرم، هكذا نتيقن أن البيت المحرم كان موجوداً من قبل إبراهيم عليه السلام، وعندما ندقق النظر في معنى كلمة "بكة" التي وردت في هذا القول الكريم: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس لَلَّذي ببَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96] فإننا نعرف أن هناك اسماً لمكان البيت الحرام هو "بكة" وهناك اسم آخر هو مكة، وبعض العلماء يقول: إن "الميم" و"الباء" يتعاونان، ونلحظ ذلك في الإنسان "الأخنف" أو المصاب بزكام، إنه ينطق "الميم" كأنها "باء”.       

والميم و"الباء" حرفان قريبان في النطق، والألفاظ منهما تأتي قريبة المعنى من بعضها.       

ولننظر إلى اشتقاق "مكة" واشتقاق "بكة”.       

إننا نقرأ "بكّ المكان" أي ازدحم المكان، وهكذا نعرف من قوله الحق: {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضعَ للنَّاس لَلَّذي ببَكَّةَ مُبَارَكاً} [آل عمران: 96] أي أنه مكان الازدحام الذي يأتي إليه كل الناس وكل الوفود لتزور بيت الله الحرام، ولا أدل على ازدحام البيت الحرام من أن الرجال والنساء يختلط بعضهم ببعض، والإنسان يطوف بالبيت الحرام، ولا يدري أنه يسير وقد يلمس امرأة أثناء الطواف.       

و"بكة" هي المكان الذي فيه الطواف والكعبة، أي هي اسم مكان البيت الحرام، و"مكة" اسم البلد كلها الذي يوجد به البيت الحرام.       

و"مكة" مأخوذة من ماذا؟        

إن "مكة" مأخوذة من "مك الفصيل الضرع" أو "امتك الفصيل الضرع"، أي امتص كل ما فيه من لبن، والفصيل كما نعرف هو صغير الإبل أو صغير البقر.       

وما دام الفصيل قد امتص كل ما في الضرع من لبن فمعنى هذا أنه جائع، ومكة كما نعرف ليس فيها مياه، والناس تجهد وتبالغ في أن تمتص المياه القليلة عندما تجدها في مكة.       

وفي كلمة "مباركاً" نجد أنها مأخوذة من "الباء والراء والكاف" والمادة كلها تدور حول شيء اسمه الثبات، فهل هو الثبات الجامد، أم الثبات المعطي النامي الذي مهما أخذت منه فإنه ينمو أيضاً؟        

إننا في حياتنا اليومية نقول: "إن هذا المال فيه بركة مهما صرفت منه فإنه لا ينتهي"، أي أنه ثابت لا يضيع، ويعطي ولا ينفد.       

وكلمة "برْكة" في حياتنا تعني أنها تَجَمعُ الماء تأخذ منها مهما تأخذ فيأتي إليها ماء آخر.  
وكلمة "تبارك الله" تعني "ثبت الحق" ولم يزل أزلاً ولا يزال هو واحداً أحداً، إنه الثبوت المطلق.       

وهكذا نجد أن الثبات يأتي في معنى البيت الحرام.       

إن البيت الحرام مبارك أبداً "كيف"؟        

أليست تضاعف فيه الحسنة؟        

وهل هناك بركة أحسن من هذه؟        

وهل هناك بركة أفضل من أنه بيت تُجبى إليه ثمرات كل شيء ولا تنقطع؟        

فقديما كان الذاهب إلى البيت الحرام يأخذ معه حتى الكفن، ويأخذ الإبرة والخيط، والملح، والآن فإن الزائر لبيت الله الحرام يذهب ليأتي بكماليات الحياة من هناك.       

ويقول سبحانه عن هذا البيت الحرام المبارك: إنه "هدى للعالمين”.       

ما هو الهدى؟        

قلنا: إن الهدى هو الدلالة الموصلة للغاية، ومن يَزُرْ البيت الحرام يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهل اهتدى للجنة أم لا؟        

إنه يعرف بزيارة البيت الحرام الطريق إلى الجنة.       

وحينما ننظر إلى هذه المسألة نجد أن الحق سبحانه وتعالى عندما تكلم عن البيت لم يتكلم إلا عن آية واحدة فيه هي مقام إبراهيم مع أن فيه آيات كثيرة.       

قال الحق: {فيه آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً...}.



سورة آل عمران الآيات من 096-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة آل عمران الآيات من 096-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة آل عمران الآيات من 096-100   سورة آل عمران الآيات من 096-100 Emptyالثلاثاء 23 أبريل 2019, 11:03 pm

فيه آيَاتٌ بَيّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمنًا وَللَّه عَلَى النَّاس حجُّ الْبَيْت مَن اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنيٌّ عَن الْعَالَمينَ [٩٧]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

إننا نجد أن صيغة الجمع موجودة في قوله الحق: "فيه آيات" و "بيـنات" وهي وصف الجمع. 

وبعد ذلك قال الحق: "مقام إبراهيم" إنه سبحانه لم يذكر إلا مقام إبراهيم بعد الآيات، والمقام آية واحدة، وهذا يدل على أن مقام إبراهيم فيه الآيات البينات، ونحن نقرأ "مقام إبراهيم" بفتح الميم الأولى في كلمة "مقام" ولا ننطقها "مقام" بضم الميم الأولى لأن المقام بضم الميم تعني مكان إقامة إبراهيم، أما مقام بفتح الميم فمكان القيام، لماذا كان قيام إبراهيم عليه السلام؟   

لقد كان إبراهيم يقوم ليرفع قواعد البيت الحرام، وكان إبراهيم يقوم على "حجر”.       

وعندما ننظر إلى مقام إبراهيم فإنك تجد فيه كل الآيات؛ لأن الله طلب من إبراهيم عليه السلام أن يرفع قواعد البيت، وكان يكفيه حين يرفع قواعد البيت أن يعطيه الارتفاع الذي يؤديه طول يديه، وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد أدى مطلوب الله -كما قلنا من قبل- لكن إبراهيم عليه السلام تعود مع الله أن يؤدي كل تكليفات الله بعشق وحب وإكمال وإتمام، فقال إبراهيم في نفسه: "ولماذا لا أرفع البيت أكثر مما تطول يداي؟” ولم تكن هناك في ذلك الزمن القديم فكرة "السقالات"، ولم يكن مع إبراهيم عليه السلام إلا ابنه إسماعيل.       

وأحضر إبراهيم عليه السلام حجراً، ووقف عليه؛ ليرفع القواعد قدر الحجر.       

إذن فإبراهيم خليل الرحمن أراد أن ينفذ أمر الله بالرفع للقواعد لا بقدر الاستطالة البدنية فقط، ولكن بقدر الاحتيال على أن يرفع القواعد فوق ما يطلبه الله، وهذا معنى قول الله عن إبراهيم عليه السلام: {وَإذ ٱبْتَلَىٰ إبْرَاهيمَ رَبُّهُ بكَلمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنّي جَاعلُكَ للنَّاس إمَاماً قَالَ وَمن ذُرّيَّتي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدي ٱلظَّالمينَ} [البقرة: 124].       

أي أنه أدى مطلوب الله أداء كاملاً، ولا أدل على هذا الأداء الكامل من أنه أتى بحجر ليقف عليه ليزيد من ارتفاع البيت قدر هذا الحجر.       

ونعرف أن الذي ساعده وشاركه في رفع القواعد هو ابنه إسماعيل.       

ومن أكرمه الله برؤية مقام إبراهيم يجد أن الحجر يسع وقوف إنسان واحد، وهكذا نفهم أن إسماعيل كان يساعد ويناول والده الأحجار، أما مكان الأقدام الموجودة في هذا الحجر، فهذا يعني أن إبراهيم عندما كان يقف ويحمل حجراً من المفروض أن يحمله اثنان فإن هذا يتطلب ثبات القدمين في مكان آمن حتى لا يقع.       

فهل يا ترى أن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته ساعة رأى إبراهيم يحتال هذه الحيلة قال لخليله: سأكفيك مؤنة ذلك.       

وجعل الحق القدمين تغوصان في الحجر غوصاً يسندهما حتى لا تقعا.       

والذي لا يتسع ذهنه إلى أن الله ألاَنَ لإبراهيم الحجر، نقول له: إن إبراهيم قد احتال، وخاف أن تزل قدمه، فنحت مكانا في الحجر على قدر قدمه حتى تثبت قدمه حين يحمل ويرفع الحجر، وهذه آيات بينات.       

فخذ ما يتسع ذهنك وفهمك له، إن الله أعان إبراهيم لأنه فكر أن يبني القواعد ويرفعها أكثر مما تطول يداه، وقد مكّن الله له في ذلك وأعانه عليه، ونحن نعلم أن الهداية تكون هداية الدلالة وهداية المعونة.

{وَٱلَّذينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17].       

{فيه آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97]، والآيات هي الأمور العجيبة، وعندما تراها فإنك لا تستطيع أن تنكرها.       

ودخول البيت يعني الأمن للإنسان الذي يدخله، ونحن نعلم أن البيت قد تم بناؤه في هذا المكان.       

وهذا المكان تجتمع فيه القبائل، وبين بعض هذه القبائل ثارات ودماء وحروب، لذلك يبيّن الله الوضع الذي بمقتضاه تحقن الدماء {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97]        

لماذا؟           

لأنه بيت الرب ولا يصح أن يدخل واحد بيت الرب ويُعاقب حتى ولو كان قد أجرم جرماً يوجب الله عليه الحد فيه.       

ولذلك قال سيدنا عمر -رضي الله عنه-: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب -والده- لم أتعرض له.   

ولكن يُضَيّق الخناق على المجرم حتى يخرج.       

وهذا الأمن محدد بأي أمر اقترفه في دنياه، أما من دخله كان آمناً يوم القيامة فالحكم فيه شيء آخر، إنها درجة عالية من فضل الله، والآيات البينات الواضحة في البيت الحرام يراها من زار البيت الحرام، وليحقق الله أمل كل راغب في زيارة البيت الحرام، وأن يكرر الزيارة لمن ذهب وأراد أن يعود للزيارة مرة أخرى.       

فساعة تدخل البيت الحرام فأنت هنا تتجه إلى مكان في البيت والمقابل لك في الكرة الأرضية يتجه إلى المكان المقابل، إلى أن تصير الاتجاهات مشتملة على الكعبة كلها.       

ونحن عندما نكون في الكعبة إننا نوجه وجوهنا إلى المبنى لأننا نراها، ونحن نوجه الوجوه إلى المبنى المقطوع بأنه منها، والحطيم، وهو القوس المبني حول حجر إسماعيل، هو من الكعبة أيضاً، ولكن النفقة قصرت، فجعلوه ليحدد مكان الكعبة، فظل هكذا، فإذا غاب الإنسان عن الكعبة واتجه إليها فإنه يكفي أن يتجه إلى جهتها.       

ولذلك نجد الصفوف في الصلاة حول الكعبة تتخذ شكل الدائرة؛ لأن الذين يصلون في داخل الحرم يشاهدونها، أما الذين يصلون خارجها فيكفي أن يتجهوا إلى جهتها ولو طال الصف إلى ألف متر، لذلك فالصف للمصلين خارج الحرم يكون معتدلاً، أما في داخل الحرم فالصفوف تأخذ شكل الدائرة لأن أقصى بُعد في الكعبة هو اثنا عشر متراً وربع المتر، ونجد من الآيات العجيبة أنك إذا ما نظرت إلى الحجر الأسود تجد الناس تتهافت على تقبيله، والحجر يمثل أدنى أجناس الكون، ونعلم جميعاً أن الإنسان مستخلف كسيد في الكون، ومن بعده الحيوان أقل منه في الفكر ومسخر، ومن بعد الحيوان يكون جنس النبات، ومن بعد ذلك يأتي جنس الجماد ومنه الحجر.  

إننا نرى هذا الإنسان السيد في الكون لا يقبل الله منه النسك القبول التام الحسن إلا إذا قَبَّل الحجر، أو حياه، وهكذا ينقل الحق أعلى الأجناس إلى أدناها.       

والناس تزدحم حول الحجر، ومن لم يقبل الحجر يحس أنه افتقد شيئاً كثيراً، وهكذا ترى استطراقاً وسلوكاً من الخلق إلى باب الله، فالإنسان المتكبر الذي يتوهم أنه سيد على غيره، يأتي إليه أمر في النسك بتقبيل الحجر أو تحيته بالسلام، وهذا الإنسان برغم أن الحق -سبحانه- يقبل منه أن يحيي الحجر الأسود بالسلام ولم يفرض عليه أن يقبّله ولكنه مع ذلك يحاول أن يقبل الحجر، وهو أدنى الأجناس، لأن الله قد عظمه، وهذا أول كسر لأنف غرور الإنسان، وحتى لا يظن ظان أنها حجرية أو وثنية، يأتي الأمر من الحق برجم حجر آخر.       

إذن فالحجرية لا ملحظ لها هنا، فنحن نجد حجراً يُقدس، وحجراً آخر يُرجم.       

نجد حجراً يقبله الإنسان ويعظمه وحجراً آخر يزدريه ويحقره.       

وذلك يدل على رضوخنا لإرادة الآمر سبحانه وتعالى فقط، فعندما يأمرنا بأن نعظم حجراً فالمؤمن يؤدي حق التعظيم بالسمع والطاعة، وعندما يأمرنا سبحانه برجم حجر آخر، فالمؤمن يرجم هذا الحجر بالسمع والطاعة لله أيضاً، فالذاتية الحجرية لا دخل لها على الإطلاق.       

وبعض من أصحاب الظن السيء قالوا: إن الإسلام قد استبقى بعض الوثنية.       

ولهؤلاء نقول: ولماذا تذكرون تعظيم الحجر الأسود، ولم تذكروا رجم إبليس وهو ثلاثة أحجار؟        

لقد عظم المؤمن المؤدي للنسك حجراً واحداً ورجم ثلاثة أحجار، إن المؤمن إنما يطيع أمر الله، فليست للحجر أي ذاتية في النسك أو العبادة.       

لقد رفعنا الحق من حضيض عبادة الأصنام التي هي عين الكفر، لكنه قال لنا: "قبلوا الحجر الأسود" فقد قبلنا الحجر احتراماً لأمر الآمر، وذلك هو منتهى اليقين.       

لقد نقلنا الحق من مساو إلى مساو، من عبادة الحجر إلى تعظيم وتقديس حجر مثله، لكن الأصنام كانت منتهى الشرك، وتقبيل الحجر الأسود منتهى اليقين.       

أليست هذه آيات بينات؟        

وزمزم التي توجد في حضن الكعبة، أليست آيات بينات؟        

إن "هاجر" تترك الكعبة وتروح إلى "الصفا" وتصعد إلى "المروة" بعد أن تضع "إسماعيل" بجانب الكعبة، وتدور بحثاً عن المياه.       

وسعت هاجر سبعة أشواط لعلها ترى طيراً أو تجد إنساناً يعرف طريق المياه لان ابنها يحتاج إلى الشرب، ولو أنها وجدت على الصفا أو المروة مياها في أول سعيها أكانت تجد تصديقاً لقولها لإبراهيم عندما جاء بها للإقامة في هذا المكان "إن الله لا يضيعنا" إنها سعت.       

وكأن الله يقول لها ولكل إنسان: عليك بالسعي، ولكن لن أعطيك من السعي، إنما أعطيك الماء تحت رجل إسماعيل.       

إذن فصدقت في قولها: لن يضيعنا الله، لقد جعلها الحق سبحانه تسعى سبعة أشواط، ولا يمكن لامرأة في مثل عمرها أن تقدر على أكثر من ذلك، وهذا يعلمنا أن الإنسان عليه أن يباشر الأسباب، ولكن القلب عليه أن يتعلق بمسبب الأسباب، وهو الله سبحانه، وفي هذا ما يعدل سلوك الناس جميعاً.       

فساعة يرى الإنسان أن البئر مكان قدم إسماعيل وعلى البعد تكون الصفا والمروة، وتسعى بينهما، وبعد ذلك تجد زمزم مكان ضربة قدم إسماعيل، أليس في هذا آيات بينات تهدي الإنسان أن يباشر الأسباب ويأخذ بها، ويتعلق القلب بمسبب الأسباب؟        

إن هذا يعطي المؤمن إيمانية التوكل، وهي تختلف عن الكسل و"بلادة التواكل" فإيمانية التوكل هي أن الجوارح تعمل، والقلوب تتوكل، أما الكسل عن الأخذ بالأسباب مع الادعاء بالتوكل فهذه بلادة، ومثل هذا الكسول المتواكل عندما يأتي الأكل أمامه يأكل بنهم وشره، ولو كان صادقاً لترك اللقمة تقفز إلى فمه، ولماذا يمضغها إذن؟        

لماذا يختار التواكل والكسل، وعدم العمل، ثم يمد يده ليأكل؟        

إن هذه هي "صفات التواكل”.       

إننا نأخذ من سعي "هاجر" وتفجر الماء عبرة، هي الأخذ بأسباب الله، وبعد ذلك فإننا نجد كل إنسان في البيت الحرام مشغولاً بنفسه مع ربه، ومن فرط انشغاله يكون غافلاً عمّن يكون معه، ولو كان أحب إنسان له فإنه لا يدري به.       

وساعة تدخل وتنظر إلى الكعبة ينفض من عقلك كل فكر في أي شيء من الأشياء، لا تذكر أولادك أو مالك، لكنك بعد أن تفرغ من المناسك تعود للتفكير في أولادك وعملك، وإلا لو ظل حبك وشوقك وتعلقك ومواجيدك بهذه البقعة لضاق المكان بالناس جميعاً.       

بعد ذلك يقول الحق سبحانه عن البيت الحرام: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97].       

وهنا يجب أن نفهم أن هناك فارقاً بين أن يكون "الخبر" تاريخاً للواقع، وبين أن يكون "الخبر" خبراً تكليفياً فلو كان {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97] تأريخاً للواقع لتم نقض ذلك بأشياء كثيرة، فقد وجد فيه قوم ولم يأْمَنُوا.       

ونحن نعرف حادث الاعتداء الأخير الذي حاوله جهيمان منذ سنوات قال الناس: إن جهيمان عندما اعتدى على الناس، لم يستطع حجيج بيت الرحمن أن يكونوا آمنين في البيت وتساءل بعضهم، فكيف قال الحق: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97]؟        

بل قال بعض أهل الانحراف: إذن مسألة دخول جهيمان إلى البيت الحرام تجعل {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97] ليست صادقة! ولهؤلاء نقول: إن هناك فرقاً بين إخبار الحق بواقع قد حدث، وبين إخبار بتكليف.       

إن الإخبار بالواقع كان معناه ألا يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو يهاجمه أحد أبداً، ولكن الإخبار التكليفي معناه: أن يخبر الله بخبر ويقصد به تكليف خلقه به، والتكليف كما نعرف عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فإذا قال الله سبحانه: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97] فهذا معناه: يأيها المؤمنون، من دخل البيت الحرام فأمنوه.       

ونضرب المثل -ولله المثل الأعلى- تقول أنت لولدك: يا بني هذا بيت يفتح للضيوف من دخله يكرم.       

أهذا يدل على إنجاز الإكرام لكل من دخل هذا البيت وحصوله له بالفعل وأن هذا لا يتخلف أبداً أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه؟        

إن هذا خبر يحمل أمراً لابنك هو ضرورة إكرام من يدخل هذا البيت، وتلك الوصية عرضة لتطاع وعرضة لأن تخالف، لذلك فنحن نفهم من قول الحق: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97] على أساس أنها أمر تكليفي، عرضة للطاعة وللعصيان، ومثال آخر على ذلك هو قول الله تعالى: {ٱلْخَبيثَاتُ للْخَبيثينَ وَٱلْخَبيثُونَ للْخَبيثَات وَٱلطَّيّبَاتُ للطَّيّبينَ وَٱلطَّيّبُونَ للْطَّيّبَات أُوْلَـٰئكَ مُبَرَّءُونَ ممَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفرَةٌ وَرزْقٌ كَريمٌ} [النور: 26] بعض الناس يقول: نجد واقع الحياة غير ذلك، حيث نجد امرأة طيبة تقع في عصمة رجل غير طيب وتتزوجه.       

ونجد رجلاً طيبا يقع مع امرأة غير طيبة ويتزوجها، فكيف يقول الله ذلك؟        

ونحن نرد على أصحاب هذا القول: إن الله لم يقل ذلك تأريخاً للواقع.       

ولكنه أمر تكليفي.       

أَيْ افعلوا ذلك، وحكمي وتكليفي أن يكون الطيبات للطيبين والطيبون يكونون للطيبات.       

فإذا امتثل الخلق أمر الحق فعليهم أن يفعلوا ذلك، وإن لم يمتثل بعض الخلق لأمر الحق فإن الواقع ينبىء بحدوث وجود طيبين لغير طيبات أو العكس.       

إذن فقول الحق: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمناً} [آل عمران: 97] هو خبر يراد به أمر تكليفي، فمن أراد أن يكون صادقاً فيما كلفه الله به فليُؤَمن مَن دخل البيت الحرام.       

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت مَن ٱسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلاً وَمَن كَفَرَ فَإنَّ ٱلله غَنيٌّ عَن ٱلْعَالَمينَ} [آل عمران: 97].       

وحين تسمع "لـ" و"على"، فافهم أن الفائدة تقع على ما دخلت عليه "اللام"، والتبعة تقع على ما دخلت عليه "على”.       

فحين نقول: "لفلان عَلَى فلان كذا" فالنفعية لفلان الأول والتبعة على فلان الثاني.       

وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت} [آل عمران: 97].       

فعلى هذا فالنفعية هنا تكون لله، والتبعة هنا تكون على الناس، لكن لو فطنا إلى سر العبارة لوجدنا أن الله لا ينتفع بشيء من تكليفه لنا، فالحج لله، ولكنه يعود إليك، فما لله عاد إليك، وما عليك عاد لك.       

وكل تكليف عليك فأثره لك، فإياك أن تفهم من ذلك القول الكريم: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت} [آل عمران: 97] أن اللام الأولى للنفعية، وإياك أن تفهم أن "على" هي للتبعة، نعم إن الحج لله، ولكن الفائدة لا تعود إلا عليك، وهو تكليف عليك، وفائدته تعود عليك، فالحق سبحانه وتعالى منزه عن أن يُفيد من حكم من أحكامه، وهو سبحانه حين ينزل حكماً تكليفياً فعلى العبد المؤمن أن يعرف أن فائدة الحكم عائدة عليه وعلى حياته، ولله يكون القصد والحج، لا لشيء سواه.       

ولماذا يقول الحق: إن على العبد المؤمن أن يحج البيت الحرام؟        

لأنه الخالق وهو خبير وعليم بأن التكليف شاق على النفس، ولكن على المؤمن المكلف حين يجد تكليفاً شاقاً عليه أن ينظر إلى الفائدة العائدة من هذا الحكم، فإن نظر إلى الفائدة من الحكم وجد أنها تعود عليه، ولذلك يسهل على العبد المؤمن أمر الطاعة.       

والذي لا يقبل على الطاعة ويهمل الجزاء عليها ويغفل عنه.       

تكون الطاعة شاقة عليه.       

والذي يقبل على المعصية ويهمل الجزاء عليها تكون المعصية هينة عليه.       

ولكن الطائع لو استحضر غاية الطاعة لعلم أنها له لا عليه.       

ولو أن العاصي استحضر العذاب على المعصية لعلم أنها عليه لا له؛ فالعاصي قد يحقق لنفسه شهوة، لكنها شهوة عاجلة، أمدها قصير، ولو استحضر العاصي العقوبة على المعصية وقت عملها ما أقدم على معصيته أبداً.       

ولكن الذين يرتكبون المعصية ينظرون إلى الشهوة الطارئة، ويعزلون جزاء المعصية عنها، ولو أنصفوا أنفسهم، لاستحضروا العقاب على المعصية في وقت الرغبة في ارتكابها.       

وحين يستحضرون جزاء المعصية مع المعصية فإن شهوة المعصية تنتهي منهم، وأضرب هذا المثل دائماً عن أعنف غرائز الإنسان وهي غريزة الجنس.       

هب أن هناك واحدا رأى فتاة جميلة ثم أراد أن ينالها نقول لهذا المتشرد جنسياً: استحضر العذاب على هذا العمل، وإن أخذت هذه الفتاة فتعال لنريك بعينيك ما أعده الله لك حين تتمتع بهذه الفتاة خارجاً عن شرع الله، وأوقد له فرناً مسجوراً ومحميّاً، وقُل له: في مثل هذا ستدخل بل وأشد منه إن نلت من الفتاة.       

أيقبل هذا المتشرد على ارتكاب تلك المعصية؟        

لا؛ فشهوة المعصية تضيع عندما يستحضر العذاب عليها.       

إن الحق سبحانه يقول: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت مَن ٱسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلاً} [آل عمران: 97] والسبيل هو الطريق الموصل للغاية، والطريق الموصل للغاية عادة ما يكون مطروقاً، وعندما يتجه الإنسان لأداء فريضة الحج فهو طارق للطريق، أي سيسير عليه، هكذا تعرف أن هناك ثلاثة أشياء: طارق، وهو من كتب الله عليه الحج وهو المكلف.       

وسبيل مطروق.       

وغاية، وهي حج البيت.       

وما دام الطارق سيسلك طريقاً فلابد أن يكون عنده قدرة على أن يسلك هذا الطريق فكيف تتأتى هذه القدرة؟        

إن أول شيء في القدرة هو الزاد، وثاني شيء في القدرة هو المطية التي يركبها، وهكذا نتبين أننا نحتاج إلى زاد وراحلة لطارق الحج.       

والسبيل الذي يطرقه، أيكون محفوفاً بالمخاطر؟        

لا، بل يُفترض أن يكون السبيل آمناً.       

إذن فالاستطاعة تلزمها ثلاث حاجات، هي: الزاد، والراحلة، وأمن الطريق.       

والزاد عادة يخص الإنسان نفسه، ولكن ماذا يكون الحال إن كان الإنسان يعول أسرة وصغاراً؟

إذا كان الإنسان على هذا الحال فمن الاستطاعة أن يكون قد ترك زاداً لمن يعولهم إلى أن يعود.

وعلينا أن ننتبه إلى أن الله قال في كل تكليف: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم”.       

ولكنه سبحانه جاء في فريضة الحج بالقول الواضح، بأن الحج لله على الناس وليس لمن أسلموا فقط، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد دعا أهل الكتاب الذين كانوا يتمحكون في إبراهيم عليه السلام أن يحجوا البيت الحرام، فامتنعوا عن الحج، ولو كان الحج للمسلمين المؤمنين برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- لما عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على اليهود والنصارى أن يحجوا ليكون ذلك جمعاً لهم على أن يتجه الخلق جميعاً إلى بيت الله ويعبدوا إلهاً واحداً هو ربّ هذا البيت، ولكنهم امتنعوا عن الحج.       

ولذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيمن لم يحج بدون مرض حابس، أو سلطان جائر، أو فقر وعوز، يقول في الحديث الشريف: عن علي -رضي الله عنه- ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً، وذلك أن الله تعالى يقول: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت مَن ٱسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلاً}“.

ولذلك نجد التكليف بالحج قد اتبع مباشرة بقول الحق: "ومن كفر" فهل يقع من لا يحج بدون مانع قاهر في الكفر؟        

هنا يقف العلماء وقفة.       

العلماء يقولون: نعم إنه يدخل في الكفر،        

لماذا؟           

لأن الكفر عند العلماء نوعان كفر بالله، أو كفر بنعمة الله، ومثال ذلك قوله -جل شأنه-: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمنَةً مُّطْمَئنَّةً يَأْتيهَا رزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بأَنْعُم ٱللَّه فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لبَاسَ ٱلْجُوع وَٱلْخَوْف بمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].       

أو هو الكفر، كأن يموت الإنسان يهودياً أو نصرانياً، وهنا نقول: انتبه، لا تأخذ الحكم من زاوية وتترك الزاوية الأخرى.       

إن المسألة التكليفية يوضحها الحق بقوله: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت} [آل عمران: 97].  

فهل تعارضون في هذا التكليف؟ 

أو تؤمنون به ولكن لا تنفذونه؟        

إن القضية التكليفية الإيمانية هي {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت} [آل عمران: 97] فهل أنت مؤمن بها أو لا؟        

سنجد الإجابة من كل المؤمنين بـ "نعم”.       

ولكن الموقف يختلف منْ مؤمن إلى آخر؛ فنحن نجد مؤمناً يحرص على أداء الحكم من الله، وهو الطائع، ونجد مؤمناً آخر قد لا يحرص على أداء الحكم فيصبح عاصياً.       

ونجد في هذا الموقف أن الكفر نوعان، هناك من يكفر بحكم الحج، أي من كفر في الاعتقاد بأن لله على الناس حج البيت، وهذا كافر حقاً، لكنْ هناك نوع آخر وهو الذي يرتكب معصية الكفران بالنعمة؛ لأن الله أعطاه الاستطاعة من زاد، ومن راحلة، ومن أمن طريق، ومن قدرة على زاد يكفي من يعولهم إلى أن يعود، وهنا كان يجب على مثل هذا الإنسان أن يسعى إلى الحج.       

لذلك قال بعض العارفين لو أن أحدهم أُخْبر بأن له ميراثاً بمكة لذهب إليه حبواً.       

إذن فقوله تعالى: {وَللَّه عَلَى ٱلنَّاس حجُّ ٱلْبَيْت} [آل عمران: 97] هي قضية إيمانية، فمن اعتقدها يبرأ من الكفر، ومن خالفها وأنكرها فهو في الكفر.       

ومن قام بالحج فهو طائع، ومن لم يفعل وهو مؤمن بالحج فهو عاصٍ.       

ولننظر إلى دقة الأداء القرآني حين يقول الحق: {وَمَن كَفَرَ فَإنَّ ٱلله غَنيٌّ عَن ٱلْعَالَمينَ} [آل عمران: 97].       

قد يقول قائل: ولماذا لم يقل الله: ومن كفر فإن الله غني عنه؟        

وقال: "فإن الله غني عن العالمين"؟        

ونقول: إنّ الله غنيٌّ عن كل مخلوقاته، وإيّاك أن تفهم أن الذي لم يكفر وآمن، وأدى ما عليه من تكليف، أنه عمل منفعة لله؛ إن الله غني عن الذي أَدّى وعن الذي لم يؤد، إياك أن تظن أن من أدّى قد صنع لله معروفاً، أو قدم لله يداً؛ "فإن الله غني عن العالمين" عمن لا يفعل، وعمن يفعل.       

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب لمَ تَكْفُرُونَ بآيَات ٱللَّه...}.



سورة آل عمران الآيات من 096-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة آل عمران الآيات من 096-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة آل عمران الآيات من 096-100   سورة آل عمران الآيات من 096-100 Emptyالثلاثاء 23 أبريل 2019, 11:06 pm

قُلْ يَا أَهْلَ الْكتَاب لمَ تَكْفُرُونَ بآيَات اللَّه وَاللَّهُ شَهيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ [٩٨]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وحين تسمع "قل" فهي أمر من الله لرسوله كما قلنا من قبل؛ إنك إذا كلفت إنساناً أن يقول جملة لمن ترسله إليه فهل هذا الإنسان يأتي بالأمر "قل" أو يؤدي الجملة؟        

إنه يؤدي الجملة، ومثال ذلك حين تقول لابنك مثلاً: "قل لعمك: إن أبي سيأتيك غداً" فابنك يذهب إلى عمه قائلاً: "أبي يأتيك غداً”.       

وقد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الله للرسول: "قل يا محمد" فيبلغنا رسول الله يا أهل الكتاب لم تكفرون؟        

كان ذلك يكفي، ولكن الرسول مبلغ الأمر نفسه من الله، فكأنه قال ما تلقاه من الله، والذي تلقاه الرسول من الله هو: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب} [آل عمران: 98] وهذا يدل على أن الرسول يبلغ حرفياً ما سمعه عن الله وهناك آيات كثيرة في القرآن تبدأ بقول الحق: {يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب} [آل عمران: 98] ولا يأتي فيها قول الحق: "قل”.       

وهناك آيات تأتي مسبوقة بـ "قل" "ما الفرق بين الاثنين"؟        

نحن نجد أن الحق مرة يتلطف مع خلقه، فيجعلهم أهلا لخطابه، فيقول: {يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب} [آل عمران: 98] إنه خطاب من الله لهم مباشرة.       

ومرة يقول لرسوله: قل لهم يا محمد لأنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن يُخاطبوا من الله مباشرة: فإذا ما وجدنا خطاباً من الحق للخلق، مرة مسبوقاً بـ "قل" ومرة أخرى غير مسبوق فلْتعلم أن الحق سبحانه حين يخاطب خلقه الذين خلقهم يتلطف معهم مرة، ويجعلهم أهلاً لأن يخاطبهم، ومرة حين يجد منهم اللجاج فإنه يبلغ رسوله -صلى الله عليه وسلم-: قل لهم.       

والمثال على ذلك -ولله المثل الأعلى- في حياتنا، نجد الواحد منا يقول لمن بجانبه: قل لصاحب الصوت العالي أن يصمت.       

إن هذا القائل قد تَعَالَى عن أن يخاطب هذا الإنسان صاحب الصوت المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمر صاحب الصوت العالي بالسكوت.       

وحين يجيء الخطاب لأهل الكتاب فنحن نعرف أنهم اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، وهؤلاء هم من يقول عنهم الحق: {يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب} [آل عمران: 98].       

ولم يقل أحد لنا: "يا أهل القرآن"        

لماذا؟           

لأن الحق حين يقول لهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب} [آل عمران: 98] فنحن نعرف أن الكتاب يُطلق على كل مكتوب، وكفرهم يعارض ما علم الله أنه موجود في الكتاب الذي أنزل عليهم؛ لأنه هو الذي أنزل الكتاب، ويعلم أن ما في الكتاب يدعو إلى الإيمان، ولا يدعو إلى الكفر.       

وما دام هو الحق الذي نَزَّل الكتاب، وهو الشاهد، فيصبح من الحمق من أهل الكتاب أن يوقعوا أنفسهم في فخ الكفر؛ لأنهم بذلك يكذبون على الله: والله -سبحانه- يسجل عليهم أنهم خالفوا ما هو مكتوب ومنزل عليهم في كتابهم.       

إنهم -أهل الكتاب- إن استطاعوا تعمية أهل الأرض فلن يستطيعوا ذلك بالنسبة لخالق الأرض والسماء.       

والحق حين يقول: {لمَ تَكْفُرُونَ بآيَات ٱللَّه} [آل عمران: 98] فهل نفهم من ذلك أن كفرهم بآيات الله هو سترهم آيات الله سترا أوليا أو أنهم آمنوا بها، ثم كفروا بها؟        

لنرى ماذا حدث منهم، لقد كانت البشارات به -صلى الله عليه وسلم- مكتوبة في التوراة، ومكتوبة في الإنجيل وهم قد آمنوا بها قبل أن يجيء سيدنا رسول الله، فلما جاء رسول الله بالفعل كفروا بها.       

وفي هذا جاء القول الحكيم: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كتَابٌ مّنْ عند ٱللَّه مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ من قَبْلُ يَسْتَفْتحُونَ عَلَى ٱلَّذينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ به فَلَعْنَةُ ٱللَّه عَلَى ٱلْكَافرينَ} [البقرة: 89].       

لماذا كفروا به -صلى الله عليه وسلم-؟        

لأنه زحزح عنهم السلطة الزمنية، فلم تعد لهم السلطة الزمنية التي كانوا يبيعون فيها الجنة ويبيعون فيها رضوان الله ويعملون ما يحقق لهم مصالحهم دون التفات لأحكام الله.       

وسبق أن قلت: إن قريشاً قد امتنعت عن قول: "لا إله إلا الله" وهذا الامتناع دليل على أنها فهمت المراد من "لا إله إلا الله"، فلو كانت مجرد كلمة تقال لقالوها، لكنهم عرفوا وفهموا أنه لا معبود ولا مطاع ولا مشرع، ولا مكلف إلا الله.       

إن الحق يقول لأهل الكتاب: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكتَاب لمَ تَصُدُّونَ عَن سَبيل ٱللَّه مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عوَجاً...}.



سورة آل عمران الآيات من 096-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة آل عمران الآيات من 096-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة آل عمران الآيات من 096-100   سورة آل عمران الآيات من 096-100 Emptyالثلاثاء 23 أبريل 2019, 11:10 pm

قُلْ يَا أَهْلَ الْكتَاب لمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبيل اللَّه مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بغَافلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [٩٩]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

هب أنكم خبتم في ذواتكم، وحملتم وزر ضلالكم؛ فلماذا تحملون وزر إضلالكم للناس؟.

كان يكفي أن تحملوا وزر ضلالكم أنتم، لا أن تحملوا أيضاً وزر إضلالكم للناس؟        

إن الحق -سبحانه- قال: {ليَحْملُواْ أَوْزَارَهُمْ كَاملَةً يَوْمَ ٱلْقيَامَة وَمنْ أَوْزَار ٱلَّذينَ يُضلُّونَهُمْ بغَيْر علْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزرُونَ} [النحل: 25].       

إنه سبحانه قال ذلك مع أنه قد قال: {وَلاَ تَزرُ وَازرَةٌ وزْرَ أُخْرَىٰ} [فاطر: 18].       

إن الذي لا يحمل وزراً مع وزره هو الضال الذي لم يُضل غيره، فهذا يتحمل إثمه فقط.       

أما الذي يحمل وزر نفسه، ووزر غيره فهو الضال المضل لغيره، وهنا يسألهم الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله: {لمَ تَصُدُّونَ عَن سَبيل ٱللَّه مَنْ آمَنَ} [آل عمران: 99].       

كأنه يقول لهم ماذا تريدون من الدين الذي يربط العبد بربه؟.

إنكم لا تريدونه ديناً قيماً, إنكم تريدون ديناً معوجاً، والمعوج عن الاستقامة إنما يكون معوجاً لغرض؛ لأن المعوج يطيل المسافة.       

إنّ الذي يسير في طريق مستقيم ما الذي يدعوه إلى أن ينحرف عن الطريق المستقيم ليطيل على نفسه السبيل؟.

إن كان يريد الغاية مباشرة فإنه يفضل الطريق المستقيم.       

أما الذي ينحرف عن الطريق المستقيم فهو لا يبغي الغاية المنشودة، بل يطيل على نفسه المسافة، وقد لا يصل إلى الغاية.       

والحق يقول: {لمَ تَصُدُّونَ عَن سَبيل ٱللَّه مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عوَجاً} [آل عمران: 99] وساعة تسمع "عوجاً" فإننا قد نسمعها مرة "عوج" بفتح العين.       

ومرة نسمعها "عوج" بكسر العين.       

حين نسمعها "عوج" بفتح العين، فالعَوَج هو للشيء الذي له قيام، كالحائط أو الرمح، أما "العوج" بكسر العين فهو في المعاني والقيم، لذلك يقول لهم الحق عن انحرافهم في المعاني والقيم: {تَبْغُونَهَا عوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} [آل عمران: 99].       

إن الحق يبلغهم: أنتم تبغون الدين عوجاً برغم أنكم شهداء على أن ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- هو الحق، إنه جاء مبلغاً بالصدق، وكنتم تبشرون برسالة محمد، وكنتم تستفتحون على الذين أشركوا من أهل مكة وتقولون: سيأتي نبي نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم. 
 
وأنتم -يا أهل الكتاب- شهود على صدق هذا الرسول.       

لقد ارتكبوا سلسلة من المعاصي؛ هم ضلوا وجهدوا أن يُضلوا غيرهم.       

ويا ليت ذلك يتم عن جهل، ولكنه أمر كان يتم بقصد وعن علم.       

وبلغت المسألة منهم مبلغ أنهم شهود على الحق.       

وبرغم ذلك أصروا على الضلال والإضلال.       

ومعنى "الشهود"، أنهم عرفوا ما قالوا ورأوه رأي العين، فالشهود هو رؤية لشيء تشهده، وليس شيئاً سمعته، لذلك يذكرهم الحق سبحانه بقوله: {وَمَا ٱللَّهُ بغَافلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99].       

إنَّ الرسالة التي جاء بها محمد مبلغاً واضحة، وهذا مذكور في كتبكم السماوية.       

فما الذي يجعلكم -يا أهل الكتاب- لا تلتزمون طريق الحق وأنتم شهود؟        

لابد أنكم قد مستكم شبهة إن الله يغفل عن ذلك، فقال لهم لا: {وَمَا ٱللَّهُ بغَافلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99].       

وبعد ذلك يأتي قول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذينَ آمَنُوۤاْ إن تُطيعُواْ فَريقاً مّنَ ٱلَّذينَ أُوتُواْ...}.



سورة آل عمران الآيات من 096-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة آل عمران الآيات من 096-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة آل عمران الآيات من 096-100   سورة آل عمران الآيات من 096-100 Emptyالثلاثاء 23 أبريل 2019, 11:12 pm

يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إنْ تُطيعُوا فَريقًا منَ الَّذينَ أُوتُوا الْكتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إيمَانكُمْ كَافرينَ [١٠٠]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

معنى ذلك أن الله نبّه الفئة المؤمنة إلى أن الذين يكفرون بآيات الله لن يهدأ بالهم ما دمتم أنتم -أيها المؤمنون- على الجادة، وما دمتم مستقيمين، ولن يهدأ للكافرين بآيات الله بال إلا أن يشككوا المؤمنين في دينهم، وأن يبغوها عوجاً، وأن يكفروهم من بعد إسلامهم.       

وهذه قضية يجب أن ينتبه لها الذين آمنوا؛ لأن الذين يبغون الأمر عوجاً قد ضلوا وأضلوا، وهم يشهدون على هذا، ويعلمون أنّ الله غير غافل عما يعملون، فماذا يكون موقف الطائفة المؤمنة؟        

إن الحق سبحانه يوضحه بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذينَ آمَنُوۤاْ} [آل عمران: 100]. 

إن أهل الكتاب يحاولون أن يصدوا المؤمنين عن سبيل الله، وليس المقصود بالصد، أن هناك من يمنع المؤمنين من الإيمان، لا، بل هي محاولة من أهل الكتاب لإقناع المؤمنين بالرجوع والارتداد عن الإيمان الذي اعتنقوه؛ فالمؤمنون هم الطائفة التي تلتزم بالتكليف من الله، لذلك يحذرهم الحق سبحانه بقوله: {إن تُطيعُواْ فَريقاً مّنَ ٱلَّذينَ أُوتُواْ ٱلْكتَابَ، يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمَانكُمْ كَافرينَ} [آل عمران: 100] الحق يحدد قسماً من الذين أوتوا الكتاب، وذلك تأريخ بنزاهة وصدق وحق ودون تحامل.       

كأن الحق سبحانه يبلغنا أن هناك فريقاً من أهل الكتاب سيسلكون الطريق السوي، ويجيئون إلى المسلمين أرسالاً وجماعات وأفراداً مع الإسلام؛ فالحق لا يتكلم عن كل الذين أوتوا الكتاب.

لذلك يقول الحق {إن تُطيعُواْ فَريقاً مّنَ ٱلَّذينَ أُوتُواْ ٱلْكتَابَ} [آل عمران: 100] إن الحق يؤرخ وهو يحمي الحقيقة.

ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّه...}.



سورة آل عمران الآيات من 096-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة آل عمران الآيات من 096-100
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: آل عمران-
انتقل الى: