منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة البقرة: الآيات من 176-180

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 176-180 Empty
مُساهمةموضوع: سورة البقرة: الآيات من 176-180   سورة البقرة: الآيات من 176-180 Emptyالجمعة 12 أبريل 2019, 2:41 am

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [١٧٦]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وذلك إشارة إلى ما تقدم، وما تقدم هو الضلالة التي أخذوها وتركوا الهدى، والعذاب الذي أخذوه بدلاً من المغفرة، ونار يعذبون فيها، وقد صبروا عليها، إنها ثلاثة أشياء ملتقية؛ العذاب، والضلالة، والنار.    

 فالضلال هو السبب الأصيل في العذاب، فإذا قال الله: عاقبتهم بكذا لأنهم ضلوا، فذلك صحيح، وإذا قال: فعلت فيهم ذلك لأنهم استحقوا العذاب، فهو صادق، والعذاب كحكم عام يكون بالنار.    

 إذن: عندما يقول الحق: بالنار أو بالعذاب أو بالضلال فمرجعها جميعاً واحد، يقال عنه: "ذلك".     

{ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 176] والذي يغير الكتاب ويكتمه إنما يكره الحق.     

{وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176].

إنها هوة واسعة يسقطون فيها، فالشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوة كبيرة، فلو كان الخلاف في أمور مادية لأمكن للبشر أن يتحملوها فيما بينهم، ولكانت مسألة سهلة.     

ولكن الخلاف في أمر قيمي لا يقدر البشر على أن يصلحوه فيما بينهم، من هنا فإن شقة الخلاف واسعة، ولا يقوى على حلها إلا الله، ولذلك قال سبحانه: { إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} [الزمر: 3].    



سورة البقرة: الآيات من 176-180 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 176-180 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 176-180   سورة البقرة: الآيات من 176-180 Emptyالجمعة 12 أبريل 2019, 2:45 am

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [١٧٧]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وعندما جاء الأمر من الحق سبحانه وتعالى بتحويل القبلة إلى الكعبة واتجاه المسلمين في صلواتهم إليها بعد أن كانوا يصلون ووجهتهم إلى بيت المقدس، عند ذلك حدثت بلبلة، وصار لكل أتباع ملة قبلة خاصة: فالمسلون يتجهون إلى الكعبة، واليهود يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى يتجهون إلى الشرق.    

 وهذه الآية تؤكد أن الخلاف ليس في مسألة اتجاه الصلاة، وقبل تحويل القبلة كان كل مَنْ يصلي يتجه إلى مُتجه، وتغيير المتجه ليس فيه مشقة.     

والحق سبحانه وتعالى يقول لهم: لا تجعلوا أمر الاتجاه إلى الكعبة هو كل البر؛ لأن هذا الأمر لا مشقة فيه؛ فلا مشقة في توجه المسلمين إلى الكعبة بعد أن كانوا متوجهين إلى بيت المقدس، إنما المسألة هي امتثال لأمر الآمر، فالبر إذن ليس في الأمور السهلة التي لا مشقة فيها، وإنما في الخير الواسع الكثير، ويشمل الإيمان ويشمل التقوى، ويشمل الصدق، ويشمل الطاعة، ويشمل الإحسان، وكل وجوه الخير تدخل في كلمة "البر".     

فالبر معناه كبير واسع، وما دام معناه متسعاً هكذا فكل ناحية منه تحتاج إلى مشقة.    

 وانظروا إلى مطلوب البر، ومتعلقات البر التي تتطلب منكم المشقة، ولا تختلفوا في المسألة السهلة اليسيرة التي لا يوجد فيها أدنى تعب مثل مسألة تغيير اتجاه القبلة، فإن كنتم تعتقدون أن ذلك هو البر نقول لكم: لا، البر له مسئوليات تختلف، إن مُتعلق البر هو أن يُختبر صدق الإيمان، ويظهر الإيثار لمطلوب الله على الراحة، ويتطلب من المؤمن أن يقبل على الطاعة وإن شقَّت عليه، ويتطلب أن يمتنع المسلم عن المعاصي؛ وأن يعرف أن للمعاصي لذة عاجلة، لكن عقابها كبير، كل ذلك هو من مطلوبات البر والإيمان، فلا تجعلوا مسألة التوجه إلى الكعبة أو إلى بيت المقدس، أو إلى المشرق هو المشكلة؛ لأن وجوهكم ستتولى إلى جهة ما وإن لم تُؤمَروا.     

والبر كما نعلم هو الخير الواسع الذي يشمل كل وجوه الجمال في الكون.     

يقول الحق: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} [البقرة: 177].

ولماذا جعل الله الحديث عن البر حديثاً عن ذات مجسدة؛ برغم أن البر معنى؟.     

إن الحق يجسد المعنى وهو البر في ذات العبد الذي آمن لأنه سبحانه حينما يريد أن يؤكد معنى من المعاني يجعل الذات مجسدة فيه.     

وعلى سبيل المثال -ولله المثل الأعلى- عندما نقول: "فلان عادل"، أي نحن نصفه بما يحقق للسامع أنه رجل يعرف العدل، ولكن عندما نقول: "فلان عدل" فكأنه هو العدل ذاته، وكذلك عندما نقول: "فلان صادق" فمعنى ذلك أنه صاحب ذات اتصفت بالصدق، ومن الممكن للذات أن تنفصل عن الصدق يوماً، ولكن حين نقول: "فلان صدق" فمعنى ذلك أن الصدق قد امتزج به فلا ينحل عنه أبداً، أو أن الحق يريد أن يقول لنا: لكن صاحب البر هو من آمن بالله، أو يقول: "ولكن البر هو بر من آمن بالله"، أو أن الإخبار بالذات "من آمن" عن الصفة "البر" دليل على امتزاج الذات في الصفة امتزاجاً لا تتخلى عنه أبداً فكأن البر قد تجسد فيهم.     

وكل هذه الأقوال يتسع لها النص القرآني الكريم.    

 والحق يقول: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّه} [البقرة: 177] هذه بداية الإيمان، ويأتي بعد ذلك بنهاية الإيمان وهو ضرورة الإيمان بـ {ٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [البقرة: 177]، إن بداية القوس هي الإيمان بالله وطرفه الأخير الإيمان باليوم الآخر.    

 وهنا نتساءل: وكيف يأتي الإيمان باليوم الآخر؟ نقول: يأتي الإيمان باليوم الآخر بأن تؤمن بالله ثم تؤمن بما يخبرك به الله، فلا تقل: أنا جعلتهما في صف واحد، بل الإيمان بالله أولاً، وبعد ذلك الإيمان بما أخبرني به الله، وقد أخبر سبحانه: أن هناك يوماً آخر، فصدقت ما أخبر به.     

وتأتي مسألة الإيمان بالملائكة فيقول الحق: "والملائكة" فكيف نؤمن بخلق من خلق الله لا نراه؟.    

 إننا ما دمنا قد آمنا بالقمة، وهي الإيمان بالله، والله أخبرنا بأن هناك ملائكة، وحتى لو كان وجود الملائكة غيبياً فنحن نؤمن بها؛ لأن الذي أخبر بها هو الله، وكذلك نؤمن بالجن برغم أننا لا نراه، وكل ما يتعلق بالغيبيات هو إخبار ممن آمنت به، لذلك تؤمن بها.     

والمسائل الإيمانية كلها غيبية، ولا تقول في الأمر الحسي: "إنني آمنت به"، إنما تقول: "آمنت" في الأمر الغيبي؛ لأنه أمر غيبي لا تأنس به الحواس والإدراكات، وتريد أن تجعله عقيدة، والعقيدة هي أمر يُعقد فلا ينحل أبداً، ولأنه أمر غيبي فربما ينفلت منا؛ لأنه لو كان أمراً مشهدياً لما غفل عنه الإنسان أبداً؛ لأن مشهديته ستجعلك تتذكره، إنما هو أمر غيبي، ويسمى عقيدة، أي أمراً معقوداً لا يُحل أبداً.     

والقمة العقدية هي أن تؤمن بالله، ثم تؤمن بما يخبرك به الله من غيبيات لا دليل لك عليها إلا أن الله قال بها، فإن رأيت في متعلقات الإيمان أموراً محسة فاعلم أن الجهة في الإيمان منفكة؛ لأنه سيأتي ذكر الملائكة واليوم الآخر وكلاهما غيب، وبعد ذلك سيذكر الكتاب والنبيين، وهما محسوسان.     

صحيح أن الكتاب أمر محس والنبيين كذلك، لكننا لم نحس أن الله أنزل الكتاب، وأن الله بعث النبيين.     

ونحن لم نكن على قيد الحياة وقت نزول الكتاب ولا وقت بعث النبي، وجاء إيماننا لأننا صدقنا أن الله أنزل وحياً على محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الوحي نزل بالكتاب، وأن الله اختار محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون مبلغاً لهذا الوحي، وكل هذه أمور غيبية لم نرها.     

والغيبيات هي أرضية الحركة الإيمانية؛ أو أساس الإيمان.    

 وبعد ذلك تنتقل الآية من الحديث عن الأمر العقدي، لتبين لنا أن البر مكون من أمور عقدية هي أساس لأمور حركية، والأمور الحركية هي المقصودة من كل تدين.     

فالحق سبحانه لا يعنيه أن يؤمن به أحد، ولا يعنيه أن تؤمن بملائكته، وكتبه ورسله، لكن الأمر الذي يريده الله هو أن تنتظم حركة الحياة في الأرض بمنهج الله، ولذلك ينتقل الحديث إلى الأمر المادي فيقول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] كأن الإنسان قد ملك المال وبعد ذلك "آتاه".     

وعندما تقول: "آتيت" فهي تعني أعطيت، وهي تختلف عن "أتيت" التي تعني "جئت".
 
وما هو المال؟

إن المال هو كل ما يتمول إلا أننا نصرفه إلى شيء يمكن أن يأتي بكل متمول وأسميناه بالنقد.     

وأصبحت له الغلبة؛ لأننا نشتري بالنقد كل شيء، لكن المعنى الأصلي للمال هو كل ما يتمول.

وكيف يجيء المال لك أو لي أو لأي إنسان؟.     

أَخَرَجَ أحد منا من بطن أمه وهو يملك شيئاً؟.     

لا.    

 إن ما يملكه الإنسان يأتي إما من متحرك في الحياة قبلك إن كان والدك أو جدك وإما من حركتك أنت.     

إذن لا يقال: "آتى المال" إلا إذا ثبتت له حركة ذاتية يصير بها متمولا، أو ورث عن متمول، والمتمول هو الذي يتحرك في الحياة حركة قد تكون لنفسه، وإن اتسعت حركته فستكون لأبنائه، وإن اتسعت أكثر فستكون لأحفاده.     

والحق يقول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] وكلمة الحب مصدر، والمصدر أحياناً يضاف إلى فاعله، وأحياناً يضاف إلى المفعول الواقع عليه، مثلاً كلمة "ضرب" نحن نقول: ضرب زيد عُمَرَ، وهكذا نجد ضارباً هو "زيد" ومضروباً هو "عمَر".     

وإذا قيل: "أعجبني ضَرْبُ زيدٍ".     

إن قلت: "لعمر" عرفنا الضارب والمضروب، وإن سكت عند قولك: "أعجبني ضرب زيد" فهي تحتمل معنيين، الضرب الصادر من زيد، أو الضرب الواقع على زيد.     

فساعة تأتي بالمصدر ويضاف إلى شيء فيصح أن يضاف إلى فاعله وأن يضاف إلى مفعوله. 

{وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] يمكن أن نفهمها على أكثر من معنى: يمكننا أن نفهمها على أنه يعطي المال وهو يحب المال، ويحتمل أن نفهمها على أنه يؤتي المال لأنه يحب أن يعطي مما يحبه من المال عملاً بقول الله تعالى {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}.

وهي تحتمل المعنيين.     

ويمكن أن تُصَعِّد المعنى فيصير "وآتى المال على حب الإيتاء أي الإعطاء" أي يُحب الإعطاء وترتاح نفسه للإعطاء، ومن الممكن تصعيدها تصعيداً آخر يشمل كل ما سبق فيصبح المعنى: وآتى المال على حب الله الذي شرع له ذلك، وكل هذه المعاني محتملة.    

 والحق يقول: { وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان: 8].

ويقول سبحانه أيضاً: { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

وتعطينا كل هذه الآيات وضوح الفرق بين الملكية، وبين حب المملوك، فمن الممكن أن تكون لديك أشياء كثيرة أنت مالكها، ولكن ليس كل ما تملكه تحبه، فعندما تؤتي المال فمن المحتمل أن تكون قد نزعته من ملكيتك وأنت لا تحبه.     

وبذلك أخرجته من ملكيتك فقط، وإما أن تكون محباً للشيء الذي تعطيه لغيرك، وبذلك تكون قد أخرجته من ملكيتك، ومن حبك له.     

وإما أن يكون المال الذي في يدك مجرد أداة لك ولغيرك وليس له مكانة في قلبك.

ولذلك يقول الشاعر:
لا أبالي توفير مالي لدهريمنفقاً فيه في رخاء وبأس إن يكن في يدي وليس بقلبيفهو ملكي وليس يملك نفسي

إن قوله الحق: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177] تعطينا إما منزلة إخراجه من الملك وإما منزلة إخراجه من القلب الذي يحبه.      ولذلك يعيب الحق على جماعة من الناس يريدون العمل على طاعة الله، لكنهم لا ينفقون لله إلا مما يكرهون.     

ويقول الله في حقهم: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} [النحل: 62].

ولكن لمن يكون ذلك المال الذي ينطبق عليه القول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} [البقرة: 177]؟.     

إنه، لـ {ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177] ألا ترون إنساناً له حركة في الحياة قد اتسعت لنفسه، ثم، نرى قرباه الذين لا يقدرون على الحركة محتاجين، كيف تكون حالة نفسيته إذن؟.     

لابد أن تكون نفسية متعبة؛ لأن المفروض في الإنسان المؤمن أن يجعل كل الناس قرباه، ونذكر في هذا المقام قصة معاوية عندما كان أميراً للمسلمين، ودخل عليه الحاجب وهو يقول: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يدعي أنه "أخوك"، فقال معاوية: أبلغ بك الأمر ألا تعرف إخوتي؟ أدخله.     

فلما دخل الرجل قال له معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم.

فماذا قال معاوية؟ قال: رحمٌ مقطوعة، والله لأكونن أول مَنْ وَصلها.

وأكرمه.     

فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصل قرباه من الناس كافة، ألا يستطيع أن يصل خاصة أقاربه؟.     

كيف يستطيب المؤمن -إذن- نعيم الحياة وهو يجد أقاربه محتاجين، حتى لو نظرنا بعيداً عن الدين والإنسانية، ألا تستحق المسألة أن يجود الإنسان بما عنده على أهله؟.    

 وفي دائرة الإيمان حين يجعل الله حركة الحياة في التكافل دوائر، فهو سبحانه يريد أن يوزع خير المجتمع على المجتمع؛ لأنه سبحانه حينما أراد استبقاء النوع شرع لنا طهر الالتقاء بين الرجل والمرأة بعقد علني وشهود، لماذا؟.     

لأن الثمرة من الزواج هي الأبناء التي ستأتي بقطاع جديد من البشر في الكون، وهذا القطاع لابد أن يكون محسوباً على الرجل أمام الناس، وإن لم يرع الرجل في أبنائه حق الله يلمه الناس على ذلك لأنهم أبناؤه.    

 ولذلك عندما نرى شخصاً يخفي زواجه، كأن يتزوج زواجاً عرفياً مثلاً نقول له: أنت تريد أن تأتي بثمرة منك ثم تنكرها، فيأتي أبناء غير محسوبين عليك.     

ولذلك فلنكن على ثقة من أن كل مشرد في الأرض نراه هو نتيجة لخطيئة إما معلنة، وإما لا يقدر على إعلانها رجل لم يتحمل مسئولية علاقته بالمرأة، ولا يهمل رجل ولداً منسوباً له إلا إذا تشكك في نسبه إليه، وهذا ما يجعله ينكر نسبه.    

 إذن فعملية الطهر التي أرادها الله سبحانه وتعالى في الالتقاءات بين الرجل والمرأة، إنما أرادها سبحانه لأنه يشرع لبناء أجيال جديدة، ينشأ منها مجتمع المستقبل، وقبل أن يوجد هؤلاء الأبناء لابد أن يكون لهم رصيد وأساس يتحملهم، فجعل الله لنا الأولاد والأحفاد، ويوصي الله الأبناء على الوالدين قبل ذلك، ثم تتسع الدائرة للقرابة القريبة.

وهات واحداً واصنع له هذه الدائرة، وهات آخر واصنع له الدائرة نفسها، وثالثاً واصنع له دائرته، واصنع إحصاء للقادرين وحدد دوائرهم العائلية، ستجد كل إنسان في الكون يدخل في دائرة من هذه الدوائر، فإن رأيت عوجا فاعلم أن مركز الدائرة قد تخلى عن محيط الدائرة.    

 والله سبحانه وتعالى يقول: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177]، تأمل -إذن- الحث على البر تجد أن أول ما جاء فيه هو إيتاء ذوي القربى؛ لأن لهم مكانة خاصة؛ وعندما يؤتي كل منا قرباه ويحملهم على فائض ماله وفائض حركته فلن يوجد محتاج، وإذا وُجِدَ المحتاج فسيكون نزراً يسيراً، وتتسع له الزكاة الواجبة.    

 أو كما قال بعض العلماء: المقصود بذوي القربى هم قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون ذلك؛ لأن في القرآن آية تقول: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} [الشورى: 23].

ولماذا قربى رسول الله؟ لأنهم ليس لهم حق في الزكاة؛ حتى يبرأ المبلغ عن الله من أي نفع يعود عليه، أو يعود على آله، لذلك منع الله عنهم أي حق في الزكاة.     

وكأن الله يريد أن يقول لنا: لا يصح أن تجعلوا الناس الذين رفعهم الله وكرمهم عن أخذ الزكاة التي يأخذها أي فقير منكم ممنوعين من أخذ كل شيء، فلابد أن تتخذوهم أقارب لكم بحيث لا تجعلونهم محتاجين.     

وعلى فرض أن الآية تريد قُرباناً نقول: { ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]، فقرباه وآله أولى من قربانا وأهلنا.     

وبعد ذلك جاء الله بقوله: {وَٱلْيَتَامَىٰ}، ونعرف أن اليتيم هو من فقد أباه ولم يبلغ مبلغ الرجال.     

واليتيم في الإنسان غير اليتيم في الحيوان؛ فاليتيم في الحيوان هو مَنْ فقد أمه، ولكن اليتيم في الإنسان هو مَنْ فقد أباه.     

واليتيم لا يكون له وصي إلا إذا كان عنده شيء من مال، عندئذ يكون هناك وصي لإدارة أمور اليتيم.     

ولذلك جاء الحق بالأمر بإعطاء المال على حبه لليتامى، ولم يقل: "لذوي اليتامى".     

فربما كان هناك يتيم ضاع لا يتقدم أحد للوصاية عليه، وليس عنده ما يستحق الوصاية؛ لذلك فعلينا أن نؤتي اليتيم من مال الله حتى ندخل في صفات البر، أو نعطي للوصي على اليتيم لينفق عليه إن كان له وصي.    

 وكذلك نؤتي المال للمساكين، والمسكين مأخوذة من السكون، وهو الإنسان الذي لا قدرة له على الحركة، كأن استخذاءه وذله في الحياة منعاه من الحركة.     

واختلف الفقهاء حول مَنْ هو الفقير، ومَنْ هو المسكين، قال بعضهم: إن الفقير هو مَنْ لا يملك شيئاً، والمسكين يملك ما لا يكفيه، أي يملك شيئاً دون ما يحتاجه، وقال البعض الآخر: إن الفقير هو الذي يملك ما هو دون حاجته، والمسكين مَنْ لا يملك.    

 وعلى كل حال فقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يجعل للفقير نصيباً من البر.    

 وللمسكين أيضاً نصيباً كالآخر، والخلاف بين العلماء لا يؤدي إلى منع أحدهما من المال، لأن كلا منهما -المسكين والفقير- يستحق من مال الله.     

وعلى ذلك فالخلاف لا طائل من ورائه.    

 وكذلك نؤتي المال لابن السبيل، والسبيل هو الطريق، وابن السبيل هو ابن الطريق، وعادة ما يُنسب الإنسان إلى مكانه أو إلى بلده، فإذا قيل ابن السبيل، فذلك يعني أنه ليس له مكان يأوي إليه إلا الطريق، فهو رجل منقطع، وقد يكون ابن سبيل ذا مال في مكانه، إلا أن الطريق قطعه عن ماله وباعد بينه وبين ما يملك أو يكون ذا مال وسرق منه ماله، فهو منقطع.    

 ولماذا جعل الله نصيباً من البر لابن السبيل؟.     

لقد جعل الله نصيباً من المال لابن السبيل حتى يفهم المؤمن أن تكافله الإيماني متعد إلى بيئة وجوده، فحين يوجد في مكان وينتقل إلى مكان آخر يكون في بيئة إيمانية متكافلة.     

ونؤتي المال أيضاً للسائلين أي الذين يضعون أنفسهم موضع السؤال، أعط من يسألك ولو كان على فرس؛ لأنك لا تعرف لماذا يسأل، إن بعضاً من الناس يبررون الشُّح فيقولون: إن كثيراً من السائلين هم قوم محترفون للسؤال، ونقول لهم: ما دام قد سأل انتهت المسألة، وعمدتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا السائل وإن جاء على ظهر فرس".    

وما دام قد عرض نفسه للسؤال فأعطه ولا تتردد.     

قد تظن أنه يحمل حقيبة ممتلئة بالخبز، أو يخفي المال بعيداً.     

وأقول: قد يكون عنده خبز لكنّه لا يكفي أولاده، وقد يخفي المال الذي لا يكفيه، ولن تخسر شيئاً من إعطائه، فلأن تخطئ في العطاء، خير من أن تصيب في المنع.     

ونؤتي المال أيضاً لمن هم "في الرقاب" وكلمة "رقبة" تُطلق في الأصل اللغوي على أصل العنق، وليس على العنق نفسه.     

وتطلق كلمة الرقبة على الذات كلها، أي الإنسان في حد ذاته، لماذا؟ لأن حياة الإنسان يمكن أن تملكها من الرقبة، فتستطيع أن تمسك إنساناً من رقبته وتتحكم فيه وتضغط عليه ضغطاً تمنع تنفسه إلى أن يموت، لذلك تطلق الرقبة ويراد بها الشخص ذاته، وفي ذلك يقول القرآن: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 12-13].

أي فك الأسير، إذن "في الرقاب" تعني فك أسر العبد، ويمكن لصاحب البر أن يشتري العبيد ويعتقهم، أو يسهم في فك رقابهم فذلك لون من ألوان تصفية الرق، وفي تصفية الرِّق هناك شيء اسمه التدبير، وشيء اسمه المكاتبة.     

هب أن عبداً يخدمك وبعد ذلك ترى أنه أخلص في خدمتك، فثمناً لإخلاصه في خدمتك مدة طويلة قررت أن تُدَبِّره بعد موتك، أي تعطيه حريته فيصبح حراً بعد موتك، فكأنك علقت عبوديته على مدى حياتك، وبعد انتهاء حياتك يصبح مدبراً أي حراً، ولا يدخل في تركتك، ولا يُورَث.    

 وقد تكاتبه على مال فتقول له: يا عبد أنا أكاتبك على مائة جنيه، وأطلق حركتك لتتصرف أنت وتضرب في الحياة وتكسب وتأتي لي بالمائة جنيه، ثم أطلق سراحك، وفي هذه الحالة فإن على أهل البر أن يعاونوا هذا المُكاتب ليؤدي مال الكتابة حتى يفك رقبته من الأسر.

ومن البر أيضاً إقامة الصلاة، كأن المعنى: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة"، ونعرف أن معنى إقامة الصلاة هي أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المطلوب شرعاً.     

ومن البر أن نؤتي الزكاة، فكأن كل ما سبق {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ} [البقرة: 177] لا علاقة لها بالزكاة، إن كل ذلك هو بّر آخر غير المطلوب للزكاة، لأن الزكاة لو كانت تدخل فيما سبق لما كان الله كرَّرها في الآية.     

هذه أوجه البر التي ذكرتها الآية من إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكل ذلك لمن أراد أن يدخل في مقام الإحسان، فمقام الإحسان كما نعرف هو أن تلزم نفسك بشيء لم يفرضه الله عليك، إنما تحس أنت بفرح الله بك ورضاه عنك فيقبله الله منك.    

 ولذلك عندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في المال حق غير الزكاة؟ ذكر هذه الآية: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

إذن، فتلك أوجه البر المطلوبة، والزكاة أيضاً مطلوبة.     

ففي مصرف الزكاة لا يوجد ذوو القربى ولا اليتامى.     

صحيح أن في مصارف الزكاة إعطاء المسكين وابن السبيل، لكن في البر هناك أشياء غير موجودة في الزكاة، فكأنك إن أردت أن تفتح لنفسك باب البر مع الله، فوسع دائرة الإنفاق، وستجد أن البر قد أخذ حيزاً كبيراً من الإنفاق؛ لأن المُنْفِقَ مستخلف عن الله.     

فالله هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام هو المستدعي إلى الوجود فهو سبحانه مكلف بإطعامه، وأنت إذا أنفقت على المحتاج الذي استدعاه الله للوجود، فإنك تتودد إلى الله بمساعدة المحتاجين من خلقه دون أن يلزمك به الله، ولذلك يقول الله عز وجل: { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245].

إذا كان هو سبحانه الذي أعطى المال، فكيف يقول: أقرضني؟.     

نعم، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال، إن المال الذي لك هو هبة من الله، ولكن إن احتاجه أخ مسلم، فهو لا يقول لك "أعطه من عندك أو أقرضه من عندك"، إنما يقول لك: "أقرضني أنا، لأني أنا الذي أوجدته في الكون ورزقه مطلوب مني"، فكأنك حين تعطيه تقرض الله، وهذا معنى قوله: { مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245].

إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو.    

 ولنضرب على ذلك مثلاً من أمر الدنيا -وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله المثل الأعلى- هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية، وعندك أولاد ولهم مبالغ مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضوني ما معكم من مال؛ وسأرده لكم عندما تمر الضائقة.     

كأنك لم ترجع في هبتك وما أعطيته لهم من مال، إنما اقترضته منهم، كذلك يفعل الله سبحانه وتعالى وكذلك لنا عبرة وعظة من السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها مُمسكة بدرهم، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه، فسألها أبوها: ما تصنعين يا فاطمة؟ قالت: أجلو درهما، قال: لماذا؟ قالت: لأني نويت أن أتصدَّق به، قال: وما دُمتِ تتصدَّقين به فلماذا تجلينه؟ قالت: لأني أعلم أنه يقع في يَدِ اللهِ قبل أن يقع في يَدِ المُحتاج.    

 ومن البر أيضاً أن يفي الإنسان بالعهد، فالحق يقول: {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} [البقرة: 177].

وما معنى العهد؟.     

إن هناك عهداً، وهناك عقد.     

والعهد يوجد من طرفين تعاهدا على كذا، لكن قد يستطيع أحدهما العطاء ولا يستطيع الآخر الرد.     

والعقد يوجد بين طرفين أيضاً، أحدهما يعطي ويأخذ، والآخر يعطي ويأخذ.    

 ومن البر أن تكون من {وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ} [البقرة: 177].

ولنا أن نلحظ أن الحق جاء بـ {وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} [البقرة: 177] مرفوعة لأنها معطوفة على خبر لكنَّ البر، فلماذا جاء "بالصابرين" منصوبة؟ فماذا يعني كسر الإعراب؟

إن الأذن العربية اعتادت على النطق السليم الفصيح فإذا كان الكلام من بليغ نقول: لَمْ يكسر الإعراب هنا إلا لينبهني إلى أن شيئاً يجب أن يُفهم، لأن الذي يتكلم بليغ وما دام بليغاً وقال قبلها: "والموفون" ثم قال: "والصابرين" فلابد أن يكون هناك سبب، ما هو السبب؟.     

إن كل ما سبق مطيةُ الوصول إليه هو الصبر، إيتاء المال على حبه ذوي القربى و.. و....     

لذلك أراد الله أن ينبه إلى مزية الصبر فكسر عنده الإعراب، وكسر الإعراب يقتضي أن نأتي له بفعل يناسبه فجاء قوله تعالى: "والصابرين" وكأن معناها: وأخص الصابرين، وأمدح الصابرين.     

إذن كسر الإعراب هنا غرضه تنبيه الآذان إلى أن شيئاً جديداً استحق أن يُخالف عنده الإعراب.     

لأن الصبر هو مطية كل هذه الأفعال، فالذي يقدر في الصبر على نفسه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.     

وإيتاء المال على حبه هو الذي فاز وظفر، إذن كل ذلك امتحان للصبر.     

ومن هنا خص الله "الصابرين" بإعراب مخالف حتى نفهم أنه منصوب على المدح، أو على الاختصاص.     

ولماذا خص الله الصابرين بالمدح؟.    

 لأن التكليفات كلها تعطي مشقات على النفس، ولا يستطيع تحمل هذه المشقات إلا من يقدر على الصبر.     

وما دام قد قدر على الصبر فكل ذلك يهون.     

ومن هنا خص الله الصبر بهذه الميزة.     

والمهم أن الآية جاءت بالصابرين بعد "والموفون" حتى تكون النقلة ملحوظة ومتيقنة، بأن الإعراب فيما سبق "والصابرين" تقديري معطوف أي هو معطوف على خبر "ولكن البر من آمن بالله".

فجاءت "والموفون" مرفوعة لنفهم أنها معطوفة على خبر "ولكن"، ثم جاء ما بعدها "والصابرين" منصوبة، حتى نلحظ الفرق بين المعنيين، ولو جاءت مرفوعة مثل ما قبلها فربما مرت علينا ولم نلحظها.     

"والصابرين في البأسآء والضراء" البأساء هو البؤس والفقر، وهذا في الأحوال، نقول: فلان حاله بائس".

والضراء" هي الألم والوجع والمرض، وهي تصيب البدن والجسد.

"وحين البأس" أي حين الحرب عندما يلتقي المقاتل بالعدو ويصبر ويصمد ليقاتل.    

 إذن صفة الصبر تناولت ثلاثة أمور: في البأساء، أي في الفقر، وفي المرض، وفي الحرب مع العدو، صابر في كل هذه الأمور.     

ولذلك جاء في الحديث الشريف: "ما من مصيبة تُصيب المسلم إلاَّ كَفَّرَ الله بها عنه حتى الشوكة يُشاكها".    

ويقول الحق عن الذين دخلوا إلى رحاب البر: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177] فـ {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [البقرة: 177].

ماذا تعني صدقوا؟ الصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع الفعلي.

وأولئك صدقوا في إعلان إيمانهم، وواقع حركتهم في الحياة، وصدق قولهم: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

إذن فصدق إيمانك متوقف على أن تكون حركة حياتك مناسبة لمقتضيات إيمانك.     

فإن آمنت وأسلمت وجاءت حركة حياتك مناقضة لإعلان إسلامك، نقول: أنت غير صادق، ولكن إذا وُجدت صفات الإيمان في إنسان نقول له: لقد صدقت في إيمانك، لأن حركة حياتك انسجمت مع واقعك الإيماني.     

وما أكثر الناس الذين يقولون ولا يفعلون، وهم منسوبون إلى الإسلام بالكلام.     

وما نتيجة صدق المؤمنين؟ يجيبنا الحق بوصفهم: {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

وساعة تسمع كلمة "متقون" أو "اتقوا".     

فذلك يعني أنهم جعلوا وقاية بينهم وبين شيء، ولا يُطلب منك أن تجعل وقاية بينك وبين شيء إلا إن كنت لا تتحمل هذا الشيء.     

ومثل ذلك قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} [التحريم: 6].

أي اجعلوا بينكم وبين النار حاجزاً.     

وقلنا: إن من العجب أن كلمة "اتقوا" تأتي إلى الشيء الذي هو "اتقوا النار" وتأتي إلى "اتقوا الله"، كيف يكون التقوى في متناقضين؟ نعم: لأن معنى اتقوا النار، أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية، وهل النار فاعلة بذاتها أم بتسليط الله لها على العاصي؟ إنها فاعلة بتسليط الله لها على العاصي.     

إذن اتقوا الله معناها اتقوا متعلق صفات الجلال من الله، لأن لله صفات جمال وصفات جلال، فاجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، لأنكم لا تتحملون غضب الله، ولا قهر الله، ولا بطش الله، فاجعلوا بينكم وبين صفات جلاله وقاية، ومن آثار صفات جلاله النار.

فالمسألة متساوية ولا تناقض فيها.     

وبعد ذلك يقول الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}.    



سورة البقرة: الآيات من 176-180 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 176-180 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 176-180   سورة البقرة: الآيات من 176-180 Emptyالجمعة 12 أبريل 2019, 2:47 am

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [١٧٨]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وساعة ينادي الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 178] فهذا النداء هو حيثية الحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول: أنا لم أكلفكم اقتحاماً على إرادتكم؛ أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من باب الإيمان بي، وما دمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف.    

 فالله لم يكلف من لم يؤمن به، وما دام الله لا يكلف إلا مَنْ آمن به فإيمانك به جعلك شريكاً في العقد، فإن كتب عليك شيئاً فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت، وما دامت الصفقة قد انعقدت فأنت شريك في التكليف، ولذلك يقول الله: "كُتب" بضم الكاف.     

ولم يقل "كَتب" بفتح الكاف.     

وتلحظ الفرق جلياً في الأشياء التي للإنسان دخل فيها، فهو سبحانه يقول: { كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} [المجادلة: 21].

إنه سبحانه هنا الذي كتب، لأنه لا شريك له.     

عندما تقرأ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} فافهم أن فيها إلزاماً ومشقة، وهي على عكس "كتب لكم" مثل قوله تعالى: { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} [التوبة: 51].

إن "كَتب لنا" تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا.     

وفي ظاهر الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل فيكون ولي المقتول مكتوباً له القصاص، إذن كل "عليك" مقابلها "لك"، وأنت عرضة أن تكون قاتلاً أو مقتولاً.     

فإن كنت مقتولاً فالله كتب لك.     

وإن كنت قاتلاً فقد كتب الله عليك.     

لأن الذي "لي" لابد أن يكون "على" غيري، والذي "عليّ" لابد أن يكون "لغيري".     

فالتشريعُ لا يُشرع لفرد واحد وإنما يشرع للناس أجمعين.     

عندما يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ} [البقرة: 178]، ثم يقول في الآية التي بعدها: { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، فهو سبحانه قد جاء بـ "لكم"، و"عليكم".     

"عليكم" للقاتل، و"لكم" لولي المقتول.     

فالتشريع عادل لأنه لم يأت لأحد على حساب أحد، والعقود دائماً تراعي مصلحة الطرفين.     

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178].

مَنْ هو الحُر؟

الحر ضد العبد وهو غير مملوك الرقبة، والحر من كل شيء هو أكرم ما فيه، ويقال: حر المال يعني أكرم ما في المال.     

و"الحُر" في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد.     

و"الحر" من البقول هو ما يؤكل غير ناضج، أي غير مطبوخ على النار، كالفستق واللوز.    

 والحق سبحانه يقول: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178]، وظاهر النص أن الحر لا يُقتل بالعبد، لأنه سبحانه يقول: {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} [البقرة: 178]، لكن ماذا يحدث لو أن عبداً قتل حراً، أو قتلت امرأة رجلاً؛ هل نقتلهما أم لا؟

إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يُشَرِّعْ أن الحر لا يُقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يُقتل إن قتل حراً، والعبد يُقتل إن قتل عبداً، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه.     

إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر.    

 ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تُصَعِّد الثأر فتأخذ به حراً، وكذلك إذا قُتلت في تلك الحرب أنثى، فإن قبيلتها تُصعد الثأر فتأخذ بها ذكراً. 

والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسماً تدريجياً، لذلك جاء بهذا الأمر {ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} [البقرة: 178].

إذن، فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجاً يحسم هذه المغالاة في الثأر.     

وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يُقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه.     

فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص.     

وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلِّغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبداً.     

لذلك، فالحق يرد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تُصَعِّد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حراً.    

 إذن، فالحق يشرع أمراً يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبداً فلا يصح أن تُصَعِّد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حراً.     

والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية.     

فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].

وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس.     

وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد.    

 فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤمنين.     

إن الحق جل وعلا يعطي لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ.     

وبعد ذلك يرقق الله قلب ولي الدم فيقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178].

وإذا تأملنا قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178] فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو.     

ثم المبالغة في التحنن، كأنه يقول: لا تنس الأخوة الإيمانية {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178].

وساعة يقول الحق كلمة "أخ" فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب؟ مثل قوله تعالى: { وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} [يوسف: 58].

ثم يرتقي بالنسب الإيماني إلى مرتبة الأخوة الإيمانية، فيقول: { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] يعني إياكم أن تجعلوا التقاء النسب المادي دون التقائكم في القيم العقائدية.     

والأصل في الأخ أن يشترك في الأب مثل: { وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} [يوسف: 58]، فإن كانوا إخوة من غير الأب يسمهم إخواناً، فإن ارتقوا في الإيمان يسمهم إخوة.     

وعندما وصفهم بأنهم إخوان قال: { وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران: 103].لقد كانت بينهم حروب وبغضاء وشقاق، لم يصفهم بأنهم إخوة؛ لأنهم لا زالوا في الشحناء، فوصفهم بأنهم إخوان، وبعد أن يختمر الإيمان في نفوسهم يصبحون إخوة.    

 ولننظر في غزوة بدر، هاهو ذا مصعب بن عمير، كان فتى قريش المدلل والمنعَّم الذي كانت تفوح منه رائحة العطر وملابسه من حرير؛ كان ذلك قبل إسلامه، وتغير كل ذلك عندما دخل في الإسلام، فقد أخرجه الإيمان من هذا النَّعيم إلى بؤس المؤمنين الأولين لدرجة أنه كان يلبس جلد حيوان ويراه رسول الله في هذا الضنك فيقول: "انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم".    

وعندما جاءت معركة بدر التقى مع أخيه "أبي عزيز" الذي ظل على دين قريش، والتقى الاثنان في المعركة، مصعب في معسكر المؤمنين، وأبو عزيز في جيش المشركين.    

 وأثناء المعركة رأى أخاه أبا عزيز أسيراً مع أبي اليسر وهو من الأنصار؛ فالتفت مصعب إلى أبي اليسر، وقال: يا أبا اليسر اشدد على أسيرك فإن أمه غنية وستفديه بمال كثير.    

 فالتفت إليه أبو عزيز وقال: يا أخي أهذه وصاتك بأخيك؟ قال مصعب: لا لست أخي وإنما أخي هذا.     

وأشار إلى أبي اليسر.     

لقد انتهى نسب الدم وأصبح نسب الإيمان هو الأصل، وأصبح مصعب أخاً لأبي اليسر في الإيمان، وانقطعت صلته بشقيقه في النسب لأنه ظل مشركاً.     

وقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] كأنه يحث ولي الدم على أن يعفو ولا ينسى أخوة الإيمان.     

صحيح أنه ولي للمقتول؛ لأنه من لحمته ونسبه، ولكن الله أراد أن يجعل أخوة الإيمان فوق أخوة الدم.     

{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178].

وقد أورد الحق الأخوة هنا لترقيق المشاعر، لينبه أهل القاتل والقتيل معاً أن القتل لا يعني أن الأخوة الإيمانية انتهت، لا.     

إن على المؤمنين أن يضعوا في اعتبارهم أن أخوة الإيمان قد تفتر رابطتها.     

وحين يتذكر أولياء الدم أخوة الإيمان، فإن العفو يصبح قريباً من نفوسهم.     

ولنا أن نلاحظ أن الحق يرفعنا إلى مراتب التسامي، فيذكرنا أن عفو واحد من أولياء الدم يقتضي أن تسود قضية العفو، فلا يقتل القاتل.

 وبعد ذلك لننظر إلى دقة الحق في تصفية غضب القلوب حين يضع الدية مكان القصاص بالقتل.    

 إن الدية التي سيأخذها أولياء الدم من القاتل قد تكون مؤجلة الأداء، فقد يقدر القاتل أو أهله على الأداء العاجل، لذلك فعلى الذي يتحمل الدية أن يؤديها، وعلى أهل القتيل أن يتقبلوا ذلك بالمعروف، وأن تؤدي الدية من أهل القاتل أو من القاتل نفسه بإحسان.     

وقوله الحق: {عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، "شيء"، تدل على أن أولياء المقتول إن عفا واحد منهم فهو عفو بشيء واحد، وليس له أن يقتص بعد ذلك، وتنتهي المسألة ويحقن الدم، ولم يرد الله أن يضع نصاً بتحريم القصاص، ولكن أراد أن يعطي ولي الدم الحق في أن يَقْتُل، وحين يصبح له الحق في أن يَقْتُل؛ فقد أصبحت المسألة في يده، فإن عفا، تصبح حياة القاتل ثمرة من ثمرات إحسانه، وإن عاش القاتل، لا يترك هذا في نفس صاحب الدم بغضاء، بل إن القاتل سيتحبب إليه لأنه أحسن إليه ووهبه حياته.     

لكن لو ظل النص على قصاص أهل القتيل من القاتل فقط ولم يتعده إلى العفو لظلت العقدة في القلب.    

 والثارات الموجودة في المجتمعات المعاصرة سببها أننا لم نُمكن ولي الدم من القاتل، بدليل أنه إذا ما قدر قاتل على نفسه وذهب إلى أهل القتيل ودخل عليهم بيتهم، وبالغ في طلب العفو منهم، وأخذ كفنه معه وقال لهم: جئتكم لتقتصوا مني، وهذا كفني معي فاصنعوا بي ما شئتم، لم يحدث قط أن أهل قتيل غدروا بقاتل، بل المألوف والمعتاد أن يعفوا عنه، لماذا؟ لأنهم تمكنوا منه وأصبحت حياته بين أيديهم، وفي العادة تنقلب العداوة إلى مودة.    

 فيظل القاتل مديناً بحياته للذين عفوا عنه.     

والذين يعرفون ذلك من أبناء القاتل يرون أن حياة أبيهم هبة وهبها لهم أولياء القتيل وأقرباؤه، يرون أن عفو أهل القتيل هو الذي نَجّا حياة قريبهم، وهكذا تتسع الدائرة، وتنقلب المسألة من عداوة إلى ود.

{ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].

ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى.     

لكنه يشرعه، ثم يتلطف ليجعل أمر إنهاء القصاص فضلاً من ولي الدم ويحببه لنا ويقول: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178].

وهل من المعقول أن تكون الدية إحساناً؟ لتتذكر أن القائل هنا هو الله، وكلامه قرآن، والدقة في القرآن بلا حدود.     

إن الحق ينبه إلى أن أولياء الدم إذا ما قبلوا الدية؛ فمعنى ذلك أن أهل القتيل قد أسقطوا القصاص عن القاتل؛ وأنهم وهبوه حق الحياة، لذلك فإن هذا الأمر يجب أن يُرد بتحية أو مكرمة أحسن منه.     

كأن الحق لا يريد من أولياء الدم أن يرهقوا القاتل أو أهله في الاقتضاء، كما يريد أن يؤدي القاتل أو أهله الدية بأسلوب يرتفع إلى مرتبة العفو الذي ناله القاتل.     

وفي ذلك الأمر تخفيف عما جاء بالتوراة؛ ففي التوراة لم تكن هناك دية يفتدي القاتل بها نفسه، بل كان القصاص في التوراة بأسلوب واحد هو قتل إنسان مقابل إنسان آخر.     

وفي الإنجيل لا دية ولا قتل: لأن هناك مبدأ أراد أن يتسامى به أتباع عيسى عليه السلام على اليهود الذين انغمسوا في المادية.     

لقد جاء عيسى عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل لعله يستل من قلوبهم المادية، فجاء بمبدأ: "من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر".

ولكن الإسلام قد جاء ديناً عاماً جامعاً شاملاً، فيثير في النفس التسامي، ويضع الحقوق في نصابها، فأبقى القصاص، وترك للفضل مجالاً.     

لذلك يقول الحق عن الدية: {ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178].

وما وجه الاعتداء بعد تقرير الدية والعفو؟ كان بعض من أهل القبائل إذا قُتل منهم واحد يشيعون أنهم عفوا وصفحوا وقبلوا الدية حتى إذا خرج القاتل من مخبئه مطمئناً، عندئذ يقتلونه.     

والحق يقرر أن هذا الأمر هو اعتداء، ومن يعتدي بعد أن يُسقط حق القتل ويأخذ الدية فله عذاب أليم.     

وحكم الله هنا في العذاب الأليم، نفهمه على أن المعتدي بقتل من أعلن العفو عنه لا يُقبل منه دية ويستحق القتل عقاباً، ولا يرفع الله عنه عذاب الدنيا أو الآخرة.    

 إن الحق يرفع العقاب والعذاب عن القاتل إذا قبل القصاص ونفذ فيه، أو إذا عفي عنه إلى الدية وأداها.     

ولكن الحق لا يقبل سوى استخدام الفرص التي أعطاها الحق للخلق ليرتفعوا في علاقاتهم.     

إن الحق لا يقبل أن يتستر أهل قتيل وراء العفو، ليقتلوا القاتل بعد أن أعلنوا العفو عنه فذلك عبث بما أراده الحق منهجاً بين العباد.    

 ولذلك يقول الحق: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ }.    



سورة البقرة: الآيات من 176-180 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 176-180 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 176-180   سورة البقرة: الآيات من 176-180 Emptyالجمعة 12 أبريل 2019, 2:49 am

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [١٧٩]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وهنا نلاحظ أن النسق القرآني يأتي مرة فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ} [البقرة: 178].

ويأتي هنا ليقول النسق القرآني: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ} [البقرة: 179].

التشريع الدقيق المحكم يأتي بواجبات وبحقوق؛ فلا واجب بغير حق، ولا حق بغير واجب، وحتى نعرف سمو التشريع مطلوب من كل مؤمن أن ينظر إلى ما يجب عليه من تكاليف، ويقرنه بما له من حقوق، ولسوف يكتشف المؤمن أنه في ضوء منهج الله قد نال مطلق العدالة.     

إن المشرع هو الله، وهو رب الناس جميعاً، ولذلك فلا يوجد واحد من المؤمنين أولى بالله من المؤمنين الآخرين.     

إن التكليف الإيماني يمنع الظلم، ويعيد الحق، ويحمي ويصون للإنسان المال والعرض.     

ومن عادة الإنسان أن يجادل في حقوقه ويريدها كاملة، ويحاول أن يقلل من واجباته، ولكن الإنسان المؤمن هو الذي يعطي الواجب تماماً فينال حقوقه تامة، ولذلك يقول الحق: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].

إن القصاص مكتوب على القاتل والمقتول وولي الدم.     

فإذا علم القاتل أن الله قد قرر القصاص فإن هذا يفرض عليه أن يسلم نفسه، وعلى أهله ألا يخفوه بعيداً عن أعين الناس؛ لأن القاتل عليه أن يتحمل مسئولية ما فعل، وحين يجد القاتل نفسه محوطاً بمجتمع مؤمن يرفض القتل فإنه يرتدع ولا يقتل، إذن ففي القصاص حياة؛ لأن الذي يرغب في أن يقتل يمكنه أن يرتدع عندما يعرف أن هناك مَنْ سيقتص منه، وأن هناك مَنْ لا يقبل المداراة عليه.     

ونأتي بعد ذلك للذين يتشدقون ويقولون: إن القصاص وحشية وإهدار لآدمية الإنسان، ونسألهم: لماذا أخذتكم الغيرة لأن إنساناً يُقتص منه بحق وقد قتل غيره بالباطل؟ ما الذي يحزنك عليه.     

إن العقوبة حين شرعها الله لم يشرعها لتقع، وإنما شرعها لتمنع.     

ونحن حين نقتص من القاتل نحمي سائر أفراد المجتمع من أن يوجد بينهم قاتل لا يحترم حياة الآخرين، وفي الوقت نفسه نحمي هذا الفوضوي من نفسه؛ لأنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكب جريمة.    

 إذن فالقصاص من القاتل عبرة لغيره، وحماية لسائر أفراد المجتمع ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179].

إن الحق يريد أن يحذرنا أن تأخذنا الأريحية الكاذبة، والإنسانية الرعناء، والعطف الأحمق، فنقول: نمنع القصاص.     

كيف نغضب لمعاقبة قاتل بحق، ولا نتحرك لمقتل بريء؟

إن الحق حين يشرع القصاص كأنه يقول: إياك أن تقتل أحداً لأنك ستُقتل إن قتلته، وفي ذلك عصمة لنفوس الناس من القتل.     

إن في تشريع القصاص استبقاء لحياتكم؛ لأنكم حين تعرفون أنكم عندما تقتلون بريئاً وستقتلون بفعلكم فسوف تمنعون عن القتل، فكأنكم حقنتم دماءكم.     

وذلك هو التشريع العالي العادل.     

وفي القصاص حياة؛ لأن كل واحد عليه القصاص، وكل واحد له القصاص، إنه التشريع الذي يخاطب أصحاب العقول وأولي الألباب الذين يعرفون الجوهر المراد من الأشياء والأحكام، أما غير أولي الألباب فهم الذين يجادلون في الأمور دون أن يعرفوا الجوهر منها، فلولا القصاص لما ارتدع أحد، ولولا القصاص لغرقت البشرية في الوحشية.     

إن الحكمة من تقنين العقوبة ألا تقع الجريمة وبذلك يمكن أن تتوارى الجريمة مع العقوبة ويتوازن الحق مع الواجب.     

إن المتدبر لأمر الكون يجد أن التوازن في هذه الدنيا على سبيل المثال في السنوات الماضية يأتي من وجود قوتين عظميين كلتاهما تخشى الأخرى وكلتاهما تختلف مع الأخرى، وفي هذا الاختلاف حياة لغيرهما من الشعوب، لأنهما لو اتفقتا على الباطل لتهدمت أركان دولتيهما، وكان في ذلك دمار العالم، واستعباد لبقية الشعوب.    

 وإذا كان كل نظام من نظم العالم يحمل للآخر الحقد والكراهية والبغضاء ويريد أن يسيطر بنظامه لكنه يخشى قوة النظام الآخر، لهذا نجد في ذلك الخوف المتبادل حماية لحياة الآخرين، وفرصة للمؤمنين أن يأخذوا بأسباب الرقي العلمي ليقدموا للدنيا أسلوباً لائقاً بحياة الإنسان على الأرض في ضوء منهج الله.     

وعندما حدث اندثار لقوة من القوتين هي الاتحاد السوفيتي، فإن الولايات المتحدة تبحث الآن عن نقيض لها؛ لأنها تعلم أن الحياة دون نقيض في مستوى قوتها، قد يجرىء الصغار عليها.     

إن الخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن بين معسكرات العالم، والخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن في الأفراد أيضاً.    

 إن عدل الرحمن هو الذي فرض علينا أن نتعامل مع الجريمة بالعقاب عليها وأن يشاهد هذا العقاب آخرون ليرتدعوا.     

فها هو ذا الحق في جريمة الزنى على سبيل المثال يؤكد ضرورة أن يشاهد العقاب طائفة من الناس ليرتدعوا.     

إن التشديد مطلوب في التحري الدقيق في أمر حدوث الزنى؛ لأن عدم دقة التحري يصيب الناس بالقلق ويسبب ارتباكاً وشكاً في الأنساب، والتشديد جاء أيضاً في العقوبة في قول الحق: { ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].

إن الذي يجترئ على حقوق الناس يجترئ أيضاً على حقوق الله، ولذلك فمقتضى إيثار الإيمان هو إرضاء الله لا إرضاء الناس.      وفي إنزال العقاب بالمعتدي خضوع لمنهج الله، وفي رؤية هذا العقاب من قبل الآخرين هو نشر لفكرة أن المعتدي ينال عقاباً، ولذلك شرع الحق العقاب والعلانية فيه ليستقر التوازن في النفس البشرية.

وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعالج قضية اجتماعية أخرى.

إن الحق بعد أن عالج قضية إزهاق الحياة ينتقل بنا إلى قضية أخرى من أقضية الحياة، إنها قضية الموت الطبيعي.     

كأن الحق بعد أن أوضح لنا علاج قضية الموت بالجريمة يريد أن يوضح لنا بعضاً من متعلقات الموت حتفاً من غير سبب مزهق للروح.     

إن الحق يعالج في الآية القادمة بعضاً من الأمور المتعلقة بالموت ليحقق التوازن الاقتصادي في المجتمع كما حقق بالآية السابقة التوازن العقابي والجنائي في المجتمع.     

يقول الحق: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ}.   



سورة البقرة: الآيات من 176-180 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 176-180 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 176-180   سورة البقرة: الآيات من 176-180 Emptyالجمعة 12 أبريل 2019, 2:51 am

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [١٨٠]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والحق كما أوضحت من قبل لا يقتحم على العباد أمورهم ولكنه يعرض عليهم أمر الإيمان به، فإن آمنوا فهذا الإيمان يقتضي الموافقة على منهجه، ولذلك فالمؤمن يشترك بعقيدته في الإيمان بما كتب الله عليه.     

إن المؤمن هو من ارتضى الله إلهاً ومشرعاً، فحين يكتب الله على المؤمن أمراً، فالمؤمن قد اشترك في كتابة هذا الأمر بمجرد إعلانه للإيمان.     

أما الكافر بالحق فلم يقتحم الله عليه اختياره للكفر، ولذلك لم يكتب عليه الحق إلا أمراً واحداً هو العذاب في الآخرة.    

 فالله لا يكلف إلا مَنْ آمن به وأحبه وآمن بكل صفات الجلال والكمال فيه.     

ولذلك فالتكليف الإيماني شرف خص به الله المحبين المؤمنين به، ولو فطن الكفار إلى أن الله أهملهم لأنهم لم يؤمنوا به لسارعوا إلى الإيمان، ولرأوا اعتزاز كل مؤمن بتكليف الله له.     

إن المؤمن يرى التكليف خضوعاً لمشيئة الله.     

والخضوع لمشيئة الله يعني الحب.     

وما دام الحب قد قام بين العبد والرب فإن الحق يريد أن يديم هذا الحب، لذلك كانت التكاليف هي مواصلة للحب بين العبد والرب.    

 إن العبد يحب الرب بالإيمان، والرب يحب العبد بالتكليف، والتكليف مرتبة أعلى من إيمان العبد، فإيمان العبد بالله لا ينفع الله، ولكن تكاليف الله للعبد ينتفع بها العبد.    

 إن المؤمن عليه أن يفطن إلى عزة التكليف من الله، فليس التكليف ذلاً ينزله الحق بعباده المؤمنين، إنما هو عزة يريدها الله لعباده المؤمنين، هكذا قول الحق: "كتب عليكم" إنها أمر مشترك بين العبد والرب.     

إن الكتابة هنا أمر مشترك بين الحق الذي أنزل التكليف وبين العبد الذي آمن بالتكليف.     

والحق يورد هنا أمراً يخص الوصية فيقول سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].

وهنا نجد شرطين: الشرط الأول: يبدأ بـ "إذا" وهي للأمر المتحقق وهو حدوث الفعل.     

والموت أمر حتمي بالنسبة لكل عبد، لذلك جاء الحق بهذا الأمر بشرط هو "إذا"، فهي أداة لشرط وظرف لحدث.     

والموت هو أمر محقق إلا أن أحداً لا يعرف ميعاده.     

والشرط الثاني يبدأ بـ "إن" وهي أداة شرط نقولها في الأمر الذي يحتمل الشك؛ فقد يترك الإنسان بعد الموت ثروة وقد لا يترك شيئاً، ولذلك فإن الحق يأمر العبد بالوصية خيراً له لماذا؟

لأن الحق يريد أن يشرع للاستطراق الجماعي، فبعد أن يوصي الحق عباده بأن يضربوا في الحياة ضرباً يوسع رزقهم ليتسع لهم، ويفيض عن حاجتهم، فهذا الفائض هو الخير، والخير في هذا المجال يختلف من إنسان لآخر ومن زمن لآخر.    

 فعندما كان يترك العبد عشرة جنيهات في الزمن القديم كان لهذا المبلغ قيمة، أما عندما يترك عبد آخر ألف جنيه في هذه الأيام فقد تكون محسوبة عند البعض بأنها قليل من الخير، إذن فالخير يُقدر في كل أمر بزمانه، ولذلك لم يربطه الله برقم.     

إننا في مصر مثلاً- كنا نصرف الجنيه الورقي بجنيه من الذهب ويفيض منه قرشان ونصف قرش؛ أما الآن فالجنيه الذهبي يساوي أكثر من مائتين وخمسين جنيهاً؛ لأن رصيد الجنيه المصري في الزمن القديم كان عالياً.     

أما الآن فالنقد المتداول قد فاق الرصيد الذهبي، لذلك صار الجنيه الذهبي أغلى بكثير جداً من الجنيه الورقي.    

 ولأن الإله الحق يريد بالناس الخير لم يحدد قدر الخير أو قيمته، وعندما يحضر الموت الإنسان الذي عنده فائض من الخير لابد أن يوصي من هذا الخير.    

 ولنا أن نلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن انتظار لحظة الموت ليقول الإنسان وصيته، أو ليبلغ أسرته بالديون التي عليه، لأن الإنسان لحظة الموت قد لا يفكر في مثل هذه الأمور.     

ولذلك فعلينا أن نفهم أن الحق ينبهنا إلى أن يكتب الإنسان ما له وما عليه في أثناء حياته.     

فيقول ويكتب وصيته التي تنفذ من بعد حياته.     

يقول المؤمن: إذا حضرني الموت فلوالدي كذا وللأقربين كذا.    

 أي أن المؤمن مأمور بأن يكتب وصيته وهو صحيح، ولا ينتظر وقت حدوث الموت ليقول هذه الوصية.     

والحق يوصي بالخير لمن؟

{لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].
والحق يعلم عن عباده أنهم يلتفتون إلى أبنائهم وقد يهملون الوالدين، لأن الناس تنظر إلى الآباء والأمهات كمودعين للحياة، على الرغم من أن الوالدين هما سبب إيجاد الأبناء في الحياة، لذلك يوصي الحق عباده المؤمنين بأن يخصصوا نصيباً من الخير للآباء والأمهات وأيضاً للأقارب.     

وهو سبحانه يريد أن يحمي ضعيفين هما: الوالدان والأقرباء.    

 وقد جاء هذا الحكم قبل تشريع الميراث، فالناس قبل تشريع الميراث كانوا يعطون كل ما يملكون لأولادهم، فأراد الله أن يخرجهم من إعطاء أولادهم كل شيء وحرمان الوالدين والأقربين.     

وقد حدد الله من بعد ذلك نصيب الوالدين في الميراث، أما الأقربون فقد ترك الحق لعباده تقرير أمرهم في الوصية.     

وقد يكون الوالدان من الكفار، لذلك لا يرثان من الابن، ولكن الحق يقول: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 14-15].

إن الحق يذكر عباده بفضله عليهم، وأيضاً بفضل الوالدين، ولكن إن كان الوالدان مشركين بالله فلا طاعة لهما في هذا الشرك، ولكن هناك الأمر بمصاحبتهما في الحياة بالمعروف واتباع طريق المؤمنين الحاملين للمنهج الحق.    

لذلك فالإنسان المؤمن يستطيع أن يوصي بشيء من الخير في وصيته للأبوين حتى ولو كانا من الكافرين، ونحن نعرف أن حدود الوصية هي ثلث ما يملكه الإنسان والباقي للميراث الشرعي.     

أما إذا كان من المؤمنين فنحن نتبع الحديث النبوي الكريم: "لا وصية لوارث".  

وفي الوصية يدخل إذن الأقرباء الضعفاء غير الوارثين، هذا هو المقصود من الاستطراق الاجتماعي.     

والحق حين ينبه عباده إلى الوصية في أثناء الحياة بالأقربين الضعفاء، يريد أن يدرك العباد أن عليهم مسئولية تجاه هؤلاء.     

ومن الخير أن يعمل الإنسان في الحياة ويضرب في الأرض ويسعى للرزق الحلال ويترك ورثته أغنياء بدلاً من أن يكونوا عالة على أحد.

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:"جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، وأنا بمكة، قال: يرحم الله ابن عفراء، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت الثلث؟ قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس".     

وإذا رزق الله الإنسان بالعمل خيراً كثيراً فإياك أيها الإنسان أن تقصر هذا الخير على من يرثك.    

 لماذا؟

لأنك إن قصرت شيئاً على من يرثك فقد تُصادف في حياتك من لا يرث وله شبهة القربى منك، وهو في حاجة إلى من يساعده على أمر معاشه فإذا لم تساعده يحقد عليك وعلى كل نعمة وهبها الله لك، ولكن حين يعلم هذا القريب أن النعمة التي وهبها الله لك قد يناله منها شيء ولو بالوصية وليس بالتقنين الإرثي هذا القريب يملأه الفرح بالنعمة التي وهبها الله لك.    

ولذلك قال الحق: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180].

إن الحق يريد أن يلفت العباد إلى الأقرباء غير الوارثين بعد أن أدخل الآباء والأمهات في الميراث.     

إن الإنسان حين يكون قريباً لميت ترك خيراً، وخص الميت هذا القريب ببعض من الخير في الوصية، هذا القريب تمتلئ بالخير نفسه فيتعلم ألا يحبس الخير عن الضعفاء، وهكذا يستطرق الحب وتقوم وشائج المودة.     

والحق يفترض -وهو الأعلم بنفوس عباده- أن الموصي قد لا يكون على حق والوارث قد يكون على حق، لذلك احتاط التشريع لهذه الحالة؛ لأن الموصىَ له حين يأخذ حظه من الوصية سينقص من نصيب الوارث، ولذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعصم الأطراف كلها، إنه يحمي الذي وصى، والمُوصَى له، والوارث ومن هنا يقول الحق: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}.    



سورة البقرة: الآيات من 176-180 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة البقرة: الآيات من 176-180
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: البقرة-
انتقل الى: