منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة البقرة: الآيات من 106-110

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 106-110 Empty
مُساهمةموضوع: سورة البقرة: الآيات من 106-110   سورة البقرة: الآيات من 106-110 Emptyالإثنين 01 أبريل 2019, 5:40 pm

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [١٠٦]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)


ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيراً للمؤمنين في دينهم؛ لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم، وخير مما جاء به عيسى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون، لكننا نؤكد أن الرسل السابقين جاءوا في أزمانهم بخير ما وُجد في هذه الأزمان، فكل رسالة من الرسالات التي سبقت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت لقوم محدّدين ولزمن محدّد، ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين وزمن محدّد، واقرأ قول عيسى عليه السلام حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي لنا القرآن الكريم: { وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [آل عمران: 50].     


فكأن عيسى عليه السلام جاء لينسخ بعض أحكام التوراة، ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله؛ لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم القيامة.     


وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون من خير إلى خير، وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا الخير، وذلك فيما يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج الحياة، هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق، سبحانه في ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله، كل ذلك قدر الرسالات فيه مشترك، ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة في العصر الذي سبق، فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى، فإنها لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما عدا الإسلام، لأنه جاء ديناً خاتماً لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة، على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله سبحانه وتعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } [الشورى: 13].     


نقول إن هذا يأتي في شيء واحد، يتعلق بالأمر الثابت في رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد، أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاماً في هذه الحركة حسب ما طرأ عليها من توسعات، ولذلك عندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم أعطى أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين.     


يقول الله تبارك وتعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106]، كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلاً منها، كما يقال نسخت الشمس الظل، أي أن الظل كان موجوداً وجاءت الشمس فمحته وحلت هي مكانه، ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب الشباب أي أصبح الشاب شيخاً.     


وقوله تعالى: "ننسها" لها معان متعددة، قد يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها، فتضيع من ذاكرته أو يتركها إلى غيرها، والعلماء اختلفوا في هذه المسألة، وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظاً وغيره يلحظ ملحظاً آخر وكلاهما يريد الحق، نأتي للنسخ في القرآن الكريم، قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبداً، لماذا؟ لأن النسخ بداء على الله، ما معنى البداء؟


هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم، وهذا محال بالنسبة لله سبحانه وتعالى، نقول لهم طبعاً هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله تبارك وتعالى، ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر، ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولاً فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد، ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج، وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم، إن هذا غير صحيح.     


لماذا؟


لأنه ساعة حكم الله أولاً كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة، ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر.     


إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد، وليس هذا كواقع البشر، فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع، لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء، فجاء الواقع ليظهر ما خفي وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل، ولكن الأمر مع الله سبحانه وتعالى ليس كذلك، أمر الله جعل الحكم موقوتاً ساعة جاء الحكم الأول.     


مثلاً حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس، أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا، لم تكن هذه هي الصورة، ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولاً إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة.     


إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سَيُغَيِّر القبلة بعد فترة إلى الكعبة، ولعل لذلك هدفاً إيمانياً في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهداً إيمانياً إضافياً، ولا يضع عليهم تكاليف جديدة.     


فنفس الجهد الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب.     


ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله، فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس اتجهنا، فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا، ولا قدسية لشيء في ذاته، ولكن القدسية لأمر الله فيه.     


والله تبارك وتعالى حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم.     


والله سبحانه وتعالى اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجداً له في الأرض، واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها، وكل مساجد الأرض هي بيوت الله باختيار خلق الله، ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله باختيار الله هو الكعبة، ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق الله، أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله، ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية.     


فإذا قال الله سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم، فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ فلننقص منها، دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج، كلها تتم طاعة لله، وهكذا تغيير القبلة تم اختباراً للطاعة الإيمانية لله، فالله موجود في كل مكان، فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟


وهل الله ليس موجوداً إلا في الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان، ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة، ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله تبارك وتعالى موجود في هذا المكان فقط، ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة.     


ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات، لماذا؟


لأنه لم توجد أية ظروف أو تَجِدْ وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعباً أو محوطاً بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة.     


إذن فكل آية نسخت كان في علم الله سبحانه وتعالى أنها ستطبق لفترة معينة ثم بعد ذلك سَتُعَدَّلُ، وكان كل من الحكم الذي سينسخ، والوقت الذي سيستغرقه، والحكم الذي سيأتي بعده معلوماً عند الله تبارك وتعالى ومقرراً منذ الأزل وقبل بداية الكون، وأيضاً فإن الله أراد أن يلفتنا بالتوجه إلى بيت المقدس أولاً، لأن الإسلام دين يشمل كل الأديان، وأن بيت المقدس سيصبح من مقدسات الإسلام، وأنه لا يمكن لأحد أن يَدَّعي أن المسلمين لن يكون لهم شأن في بيت المقدس، لذلك أسرى الله سبحانه وتعالى برسوله لله من مكة إلى بيت المقدس، ليثبت أن لبيت المقدس قداسة في الإسلام وأنه من المقدسات عند الله، ومن هنا كان التوجه إلى بيت المقدس كقبلة أولى، ثم نسخ الله القبلة إلى الكعبة، فالحق جل جلاله يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا،} [البقرة: 106] .


أي أن النسخ يكون إما أن يأتي الله سبحانه وتعالى بخير من هذه الآية أو يأتي بمثلها، وهل الآية المنسوخة كان هناك خير منها ولم ينزله الله؟ نقول لا، المعنى أن الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها، والحكم الثاني كان زيادة في الخير بعد فترة من الزمن، كلاهما خير في زمنه وفي أحكامه، والله تبارك وتعالى أنزل الآية الكريمة: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } [آل عمران: 102].     


ولكن من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته، ذلك صعب على المسلمين، ولذلك عندما نزلت الآية قالوا ليس منا من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته، فنزلت الآية الكريمة: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [التغابن: 16].     


الذي يتقي الله حق تقاته خير، أم الذي يتقي الله ما استطاع؟ طبعاً حق تقاته خير من قدر الاستطاعة، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} [البقرة: 106]، نقول إنك لم تفهم عن الله،{ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران: 102] في الآية الأولى أو{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] في الآية الثانية، أي الحالتين أحسن؟ نقول إن العبرة بالنتيجة، عندما تريد أن تُقَيِّم شيئاً لابد أن تبحث عن نتيجته أولاً.     


ولنقرب المعنى للأذهان سنضرب مثلاً ولله المثل الأعلى، نفرض أن هناك تاجراً يبيع السلع بربح خمسين في المائة، ثم جاء تاجر آخر يبيع نفس السلع بربح خمسة عشر في المائة، ماذا يحدث؟ سيقبل الناس طبعاً على ذلك الذي يبيع السلع بربح خمسة عشر في المائة ويشترون منه كل ما يريدون، والتاجر الذي يبيع السلع بربح خمسين في المائة يحقق ربحاً أكبر، ولكن الذي يبيع بربح خمسة عشر في المائة يحقق ربحاً أقل ولكن بزيادة الكمية المبيعة، يكون الربح في النهاية أكبر.     


والذي يطبق الآية الكريمة: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران: 102] يحقق خيراً أكبر في عمله، ولكنه لا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته إلا في أعمال محدودة جداً.     


إذن الخير هنا أكبر ولكن العمل الذي تنطبق عليه الآية محدود.     


أما قوله تعالى: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] فإنه قد حدد التقوى بقدر الاستطاعة، ولذلك تكون الأعمال المقبولة كثيرة وإن كان الأجر عليها أقل.     


عندما نأتي إلى النتيجة العامة، أعمال أجرها أعلى ولكنها قليلة ومحدودة جداً، وأعمال أجرها أقل ولكنها كثيرة، أيهما فيه الخير؟ طبعاً الأعمال الكثيرة ذات الأجر الأقل في مجموعها تفوق الأعمال القليلة ذات الأجر المرتفع.     


إذن فقد نسخت هذه الآية بما هو خير منها، رغم أن الظاهر لا يبدو كذلك، لأن اتقاء الله حق تقاته خير من اتقاء الله قدر الاستطاعة، ولكن في المحصلة العامة الخير في الآية التي نصت على الاستطاعة، نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى: {أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، هنا توقف بعض العلماء: قد يكون مفهوماً أن ينسخ الله آية بخير منها، ولكن ما هي الحكمة في أن ينسخها بمثلها؟


 إذا كانت الآية التي نسخت مثل الآية التي جاءت، فلماذا تم النسخ؟ نقول إننا إذا ضربنا مثلاً لذلك فهو مثل تغيير القبلة، إن الله تبارك وتعالى حين أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة بدلاً من بيت المقدس نسخ آية بمثلها، لأن التوجه إلى الكعبة لا يكلف المؤمن أية مشقة أو زيادة في التكليف، فالإنسان يتوجه ناحية اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف وهو نفس الجهد، والله سبحانه وتعالى كما قلنا موجود، وهنا تبرز الطاعة الإيمانية التي تحدثنا عنها وأن هناك أفعالاً نقوم بها لأن الله قال، وهذه تأتي في العبادات لأن العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود، والله تبارك وتعالى يريد أن نثبت العبودية له عن حب واختيار، فإن قال افعلوا كذا فعلنا، وإن قال لا تفعلوا لا نفعل، والعلة في هذا أننا نريد اختياراً أن نجعل مراداتنا في الكون خاضعة لمرادات الله سبحانه وتعالى، إذن مثلها لم تأت بلا حكمة بل جاءت لحكمة عالية.     


والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] ما معنى ننسها؟


قال بعض العلماء إن النسخ والنسيان شيء واحد، ولكن ساعة قال الله الحكم الأول كان في إرادته ومشيئته وعلمه أن يأتي حكم آخر بعد مدة، ساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم الثاني في مشيئته قدراً من الزمن حتى يأتي موعد نزوله.     


إذن فساعة يأتي الحكم الأول، يكون الحكم مرجأ ولكنه في علم الله.     


ينتظر انقضاء وقت الحكم الأول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106]هي الآية المنسوخة أو التي سيتم عدم العمل بها: {أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106]، أي لا يبلغها الله للرسول والمؤمنين عن طريق الوحي مع أنها موجودة في علمه سبحانه، ويجب أن نتنبه إلى أن النسخ لا يحدث في شيئين: الأول: أمور العقائد فلا تنسخ آية أخرى في أمر العقيدة، فالعقائد ثابتة لا تتغير منذ عهد آدم حتى يوم القيامة، فالله سبحانه واحد أحد لا تغيير ولا تبديل، والغيب قائم، والآخرة قادمة والملائكة يقومون بمهامهم، وكل ما يتعلق بأمور العقيدة لا يُنسخ أبداً، والثاني: الإخبار من الله عندما يعطينا الله تبارك وتعالى آية فيها خبر لا ينسخها بآية جديدة، لأن الإخبار هو الإبلاغ بشيء واقع، والحق سبحانه وتعالى إخباره لنا بما حدث لا ينسخ لأنه بلاغ صدق من الله، فلا تروى لنا حادثة الفيل ثم تنسخ بعد ذلك وتروى بتفاصيل أخرى لأنها أبلغت كما وقعت، إذن لا نسخ في العقائد والإخبار عن الله، ولكن النسخ يكون في التكليف، مثل قول الحق تبارك وتعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } [الأنفال: 65].     


كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم، ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين، ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر طاقتنا، فنزلت الآية الكريمة: { ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } [الأنفال: 66].     


والحق سبحانه وتعالى علم أن المؤمنين فيهم ضعف، لذلك لن يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم، فنقلها إلى خير يسير يقدر عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار، وهذا حكم لا يدخل في العقيدة ولا في الإخبار، وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها في البيت لا تخرج منه حتى تموت، واقرأ قوله تعالى: { وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً }

[النساء: 15].     


وبعد أن شاع الإسلام وامتلأت النفوس بالإيمان، نزل تشريع جديد هو الرجم أو الجلد، ساعة نزل الحكم الأول بحبسهن كان الحكم الثاني في علم الله، وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}، وقوله سبحانه: { فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ، } [البقرة: 109].     


وقوله تعالى حتى يأتي الله بأمره، كأن هناك حكماً أو أمراً في علم الله سيأتي ليعدل الحكم الموجود، إذن الله حين أبلغنا بالحكم الأول أعطانا فكرة، أنَّ هذا الحكم ليس نهائياً وأن حكما جديداً سينزل، بعد أن تتدرب النفوس على مراد الله من الحكم الأول، ومن عظمة الله أن مشيئته اقتضت في الميراث أن يعطي الوالدين اللذين بلغا أرذل العمر فقال جل جلاله: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 180].     


وهكذا جعلها في أول الأمر وصية ولم تكن ميراثاً، لماذا؟ لأن الإنسان إن مات فهو الحلقة الموصولة بأبيه، أما أبناؤه فحلقة أخرى، ولما استقرت الأحكام في النفوس وأقبلت على تنفيذ ما أمر به الله، جعل سبحانه المسألة فرضاً، فيستوفى الحكم.     


ويقول جل جلاله: { يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }

[النساء: 11].     


وهكذا بعد أن كان نصيب الوالدين في تركة الإبن وصية، إن شاء أوصى بها وإن شاء لم يُوصِ أصبحت فرضاً، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، أي كل شيء يدخل في إرادة الله وقدرته سبحانه، إذا قلنا إذا جاء الله بحكم لعصر فهذا هو قمة الخير، لأنه إذا عُدل الحكم بعد أن أدى مهمته في عصره، فإن الحكم الجديد الذي يأتي هو قمة الخير أيضاً، لأن الله على كل شيء قدير، يواجه كل عصر بقمة الخير للموجودين فيه، ولذلك فمن عظمة الله أنه لم يَأتِ بالحكم خبراً من عنده ولكنه أشرك فيه المخاطب، فلم يقل سبحانه "إن الله على كل شيء قدير"، ولكنه قال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، لأنه واثق أن كل من يسمع سيقول نعم، وهذا ما يعرف بالاستفهام الإنكاري أو التقريري.



سورة البقرة: الآيات من 106-110 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 106-110 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 106-110   سورة البقرة: الآيات من 106-110 Emptyالإثنين 01 أبريل 2019, 5:42 pm

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [١٠٧]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وبعد أن بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى لنا أن هناك آيات نسخت في القرآن، أراد أن يوضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في كونه يفعل ما يشاء، ولذلك بدأ الآية الكريمة: {أَلَمْ تَعْلَمْ} [البقرة: 107]، وهذا التعبير يسمى الاستفهام الاستنكاري أو التقريري، لأن السامع لا يجد إلا جواباً واحداً بأنه يقر ما قاله الله تبارك وتعالى، ويقول نعم يا رب أنت الحق وقولك الحق.     

قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 107]، الملك يقتضي مالكاً ويقتضي مملوكاً، ويقتضي قدرة على استمرار هذا الملك وعدم زواله، فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه يقدر ويملك المقدرة، والإنسان ليست له قدرة التملك ولا المقدرة على استبقاء ما يملكه، والإنسان لا يملك الفعل في الكون، إن أراد مثلاً أن يبني عمارة قد لا يجد الأرض، فإن وجد الأرض قد لا يجد العامل الذي يبني، فإن وجده قد لا يجد مواد البناء، فإن وجد هذا كله قد تأتي الحكومة أو الدولة وتمنع البناء على هذه الأرض، أو أن تكون الأرض ملكاً لإنسان آخر فتقام القضايا ولا يتم البناء.     

والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 107]، أي أن كل شيء في الوجود هو ملك لله وهو يتصرف بقدرته فيما يملك، ولذلك عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان اليهود يملكون المال ولهم معرفة ببعض العلم الدنيوي لذلك سادوا المدينة، وبدأوا يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والله تبارك وتعالى طمأن رسوله بأن طلاقة القدرة في الكون هي لله وحده، وأنه إذا كان لهم ملك فإنه لا يدوم لأن الله ينزع الملك ممن يشاء ويعطيه لمن يشاء، ولذلك حينما يأتي يوم القيامة ويُهلك الله الأرض ومن عليها، يقول سبحانه: { لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ، } [غافر: 16].     

ويرد جل جلاله بشهادة الذات للذات فيقول: { لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر: 16].     

وما دام الله هو المالك وحده، فإنه يستطيع أن ينزع من اليهود وغيرهم ومن الدنيا كلها ما يملكونه، ويحدثنا العلماء أن العسَسَ وهم الجنود الذين يسيرون ليلاً لتفقد أحوال الناس وجدوا شخصاً يسير ليلاً، فلما تقدموا منه جرى فجروا وراءه إلى أن وصل إلى مكان خرب ليستتر فيه، تقدم العسس وأمسكوا به وإذا بهم يجدون جثة قتيل في المكان، فقالوا له أنت القاتل لأنك جريت حين رأيتنا ولأنك موجود الآن في المكان الذي فيه جثة القتيل، فأخذوه ليحاكموه فقال لهم أمهلوني لأصلي ركعتين لله، فأمهلوه فصلى ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنك تعلم أنه لا شاهد على براءتي إلا أنت، وأنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة فأسألك ذلك في نفسك، فبينما هم كذلك إذا أقبل رجل فقال، أنا قاتل هذا القتيل وأنا أقر بجريمتي، فتعجب الناس وقالوا لماذا تقر بجريمتك ولم يرك أحد ولم يتهمك أحد، فقال لهم والله ما أقررت إنما جاء هاتف فأجرى لساني بما قلت، فلما أقر القاتل بما فعل وقام ولي المقتول وهو أبوه فقال، اللهم إني أشهدك إني قد أعفيت قاتل ابني من دينه وقصاصه.     

انظر إلى طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى، القاتل أراد أن يختفي ولكن انظر إلى دقة السؤال من السائل أو المتهم البريء، وقد صلى ركعتين لله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أنه إذا حزبنا أمر قمنا إلى الصلاة فليس أمامنا إلا هذا الباب، وبعد أن صلى سأل الله أنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة ولا يشهد ببراءتي أحد إلا أنت فأسألك ذلك في نفسك وبعد ذلك كان ما كان.     

وهذه القصة تدلنا على أننا في قبضة الله، أردنا أو لم نرد، بأسباب أو بغير أسباب، لماذا؟، لأن الله له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 107]، الولي هو من يواليك ويحبك، والنصير هو الذي عنده القدرة على أن ينصرك وقد يكون النصير غير الولي، الحق تبارك وتعالى يقول أنا لكم وليٌّ ونصير أي محب وأنصركم على من يعاديكم.



سورة البقرة: الآيات من 106-110 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 106-110 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 106-110   سورة البقرة: الآيات من 106-110 Emptyالإثنين 01 أبريل 2019, 5:43 pm

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [١٠٨]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ثم ينقل الحق جل جلاله المسلمين بعد أن بين لهم أنه وليهم ونصيرهم، ينقلهم إلى سلوك أهل الكتاب من اليهود مع رسلهم حتى يتفادوا مثل هذا السلوك فيقول جل جلاله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [البقرة: 108]، الحق يقول للمؤمنين أم تريدون أن تسألوا رسول الله كما سأل اليهود موسى، ولم يشأ الحق أن يُشَبِّه المسلمين باليهود فقال: {كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [البقرة: 108]، وكان من الممكن أن يقول أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل اليهود موسى، ولكن الله لم يرد أن يشبه اليهود بالمؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا تكريم من الله للمؤمنين بأن ينزههم أن يتشبهوا باليهود، وقد سأل اليهود موسى عليه السلام وقالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً } [النساء: 153].     

وقد سأل أهل الكتاب والكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يروي لنا القرآن الكريم: { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً } [الإسراء: 90].

{ أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً } [الإسراء: 92-93].     

الله تبارك وتعالى يهيب بالمؤمنين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سأله أهل الكتاب والكفار ويقول لهم إن اليهود قد سألوا موسى أكبر من ذلك، فبعد أن رأوا المعجزات وشق الله البحر لهم، وعبروا البحر وهم يشاهدون المعجزة فلم تكن خافية عنهم، بل كانت ظاهرة لهم واضحة، دالة دلالة دامغة على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى عظيم قدراته، ورغم هذا فإن اليهود قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أي لم تكفهم هذه المعجزات، وكأنما كانوا بماديتهم يريدون أن يروا في حياتهم الدنيوية من لا تدركه الأبصار، وبمجرد أن عبروا البحر أرادوا أن يجعل لهم موسى صنماً يعبدونه وعبدوا العجل رغم كل الآيات التي شاهدوها.     

وقوله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 108]، قلنا إن الباء في قوله تعالى: "بالإيمان" تدخل دائماً على المتروك، كأن تقول اشتريت هذا بكذا درهم، يعني تركت الدراهم وأخذت البضاعة، ومعناها أن الكفر مأخوذ والإيمان متروك، فقد أخذ اليهود الكفر وتركوا الإيمان حين قالوا لموسى: { أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً } [النساء: 153]، وقوله سبحانه: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 108].     

ما هو الضلال؟

هو أن تسلك سبيلاً لا يؤدي بك إلى غايتك، و"سواء السبيل"، السواء هو الوسط، و"سواء السبيل"، هو وسط الطريق، والله تبارك وتعالى يقول: { فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 55].     

أي في وسط الجحيم، أي أنه يكون بعيداً عن الحافتين بعداً متساوياً، وسواء الطريق هو وسطه، والسبيل أو الطريق كان قبل استخدام التكنولوجيا الحديثة تكون أطرافه وَعِرة من جنس الأرض قبل أن تمهد، أي لا تصلح للسير، ولذلك فإن السير في وسط الطريق يبعدك عن المتاعب والصعوبات ويريد الله من المؤمنين به أن يسيروا في الطريق الممهد أو في وسط الطريق لأنه أكثر أماناً لهم، فهم فيه لن يضلوا يميناً ولا يساراً بل يسيروا على منهج الله والإيمان، وطريق الإيمان دائماً ممهد لا يقودهم إلى الكفر.



سورة البقرة: الآيات من 106-110 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 106-110 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 106-110   سورة البقرة: الآيات من 106-110 Emptyالإثنين 01 أبريل 2019, 5:45 pm

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [١٠٩]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

هذه الآية الكريمة تتناول أحداثاً وقعت بعد غزوة أحد، وفي غزوة أحد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الرماة ألا يغادروا مواقعهم عند سفح الجبل سواء انتصر المسلمون أو انهزموا، فلما بدأت بوادر النصر طمع الرماة في الغنائم، فخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزمهم الله، ولكن الكفار لم يحققوا نصراً لأن النصر هو أن تحتل أرضاً وتبقى.     

هؤلاء الكفار بعد المعركة انطلقوا عائدين إلى مكة، حتى أن المسلمين عندما خرجوا للقائهم في اليوم التالي لم يجدوا أحداً، يهود المدينة استغلوا هذا الحدث، وعندما التقوا بحذيفة بن اليمان وطارق وغيرهما، قالوا لهم إن كنتم مؤمنين حقاً لماذا انهزمتم فارجعوا إلى ديننا واتركوا دين محمد، فقال لهم حذيفة ماذا يقول دينكم في نقض العهد؟، يقصد ما تقوله التوراة في نقض اليهود ولعهودهم مع الله ومع موسى، ثم قال أنا لن أنقض عهدي مع محمد ما حييت، أمَّا عمار فقال، لقد آمنت بالله رباً وآمنت بمحمد رسولاً وآمنت بالكتاب إماماً وآمنت بالكعبة قبلة وآمنت بالمؤمنين إخوة وسأظل على هذا ما حييت.     

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله حذيفة وطارق بن ياسر فَسُرَّ بذلك ولكن اليهود كانوا يستغلون ما حدث في أُحد ليهزموا العقيدة الإيمانية في قلوب المسلمين كما استغلوا تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليهزوا الإيمان في القلوب وقالوا إذا كانت القبلة تجاه بيت المقدس باطلة فلماذا اتجهتم إليها، وإذا كانت صحيحة فلماذا تركتموها، فنزل قول الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} [البقرة: 109].     

انظر إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 109]، فكأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يحاولون رد المؤمنين عن دينهم، ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولو أن الله جل جلاله حكم على كل أهل الكتاب لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا، أي أن أهل الكتاب من اليهود يحبون أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة، لأن الله تعالى قال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 109].     

وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} [البقرة: 109]، كُفارا بماذا؟، بما آمنتم به أو بما يطلبه منكم دينكم، وهم لا يفعلون ذلك عن مبدأ أو عقيدة أو لصالحكم ولكن: {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]، فدينهم يأمرهم بعكس ذلك، يأمرهم أن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك فهم لا ينفذون ما تأمرهم به التوراة حينما يرفضون الإيمان بالإسلام، والذي يدعوهم إلى أن يحاولوا ردكم عن دينكم هو الحسد، والحسد هو تمني زوال النعمة عمن تكره، وقوله تعالى: {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109].

أي هذه المسألة من ذواتهم لأنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإيمان، ويتمنون زوال هذه النعمة، التي جعلت من المسلمين إخواناً متحابين متكاتفين مترابطين، بينما هم شيع وأحزاب، وهناك حسد يكون من منطق الدين وهذا مباح، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فَسُلِّط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس".

فكأن الحسد حرام في غير هاتين الحالتين، فكأن هؤلاء اليهود يحسدون المسلمين على دينهم، وهذا الحسد من عند أنفسهم لا تُقِرُّهُ التوراة ولا كتبهم، وقوله سبحانه: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} [البقرة: 109]، أي بعد ما تأكدوا من التوراة من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه النبي الخاتم.     

وقوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109]، ما هو العفو وما هو الصفح؟، يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته، فالإنسان حين يمشي على الرمال تترك قدمه أثراً فتأتي الريح وتعفو الأثر أي تزيله، ولذلك فإن العفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنه لم يحدث شيء، والصفح يعني طي صفحات هذا الموضوع لا تجعله في بالك ولا تجعله يشغلك، وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109]، أن هذا الوضع بالنسبة لليهود وما يفعلونه في المؤمنين لن يستمر لأن الله سبحانه قد أعد لهم أمراً ولكن هذا الأمر لم يأت وقته ولا أوانه، وعندما يأتي سيتغير كل شيء، لذلك يقول الله للمؤمنين لن تظلوا هكذا، بل يوم تأخذونهم فيه بجرائمهم ولن يكون هذا اليوم بعيداً، عندما يقول الله سبحانه: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109].

فلابد أن أمر الله آت، لأن هذه قضية تتعلق بجوهر الإيمان كله، فلا يقال أبداً حتى يأتي الله بأمره ثم لا يجيء هذا الأمر، بل أمر الله بلا شك نافذ وسينصركم عليهم، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109]، أن الله له طلاقة القدرة في ملكه، ولذلك إذا قال إنه سيأتي بأمر فسيتحقق هذا الأمر حتماً وسيتم، ولا توجد قدرة في هذا الكون إلا قدرة الله سبحانه، ولا قوة إلا قوته جل جلاله، ولا فعل إلا ما أراد.



سورة البقرة: الآيات من 106-110 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 106-110 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 106-110   سورة البقرة: الآيات من 106-110 Emptyالإثنين 01 أبريل 2019, 5:46 pm

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [١١٠]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن أقصى أماني أهل الكتاب أن يردونا كفاراً، وأن هذا حسد منهم.     

أراد الله تبارك وتعالى أن يبين لنا ما الذي يكرهه أهل الكتاب، وقال إن الذي يتعبهم ميزان العدل والحق الذي نتبعه، منهج الله سبحانه وتعالى، ولذلك يأمر الله المؤمنين أن يثبتوا ويتمسكوا بالإيمان، وأن يقبلوا على التكليف فهذا أحسن رد عليهم، والتكاليف التي جاء بها الإسلام منها تكليفات لا تتطلب إلا وقتاً من الزمن وقليلاً من الفعل كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.     

إن شهادة لا إله إلا الله تقال مرة في العمر، والزكاة والصوم مرة كل عام، والحج للمستطيع مرة في العمر، ولكن هناك من العبادات ما يتكرر كل يوم ليعطي المؤمن شحنة اليقين والإيمان ويأخذه من دنياه بالله أكبر خمس مرات في اليوم، وهذه هي العبادة التي لا تسقط أبداً، والإنسان سليم والإنسان مريض، فالمؤمن يستطيع أن يصلي واقفاً وأن يصلي جالساً وأن يصلي راقداً، وأن يجري مراسم الصلاة على قلبه، لذلك كانت هذه أول عبادة تذكر في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [البقرة: 110].

أي والتفتوا إلى نداءات ربكم للصلاة، وعندما يرتفع صوت المؤذن بقوله الله أكبر فهذه دعوة للإقبال على الله، إقبال في ساعة معلومة لتقفوا أمامه سبحانه وتعالى وتكونوا في حضرته يعطيكم الله المدد، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى).

ومعنى حزبه أمر، أي ضاقت به أسبابه فلم يجد مخرجاً ولا طريقاً إلا أن يلجأ إلى الله، إذا حدث هذا يتوضأ الإنسان ويصلي ركعتين غير الفريضة، ثم يدعو ما يشاء فيفرج الله كربه، إذن: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [البقرة: 110] هي الرد المناسب على كل محاولاتهم ليسلبوكم دينكم، ذلك أن هذا التكليف المقرر لإعلان الولاء الإيماني لله كل يوم خمس مرات، نترك كل ما في الدنيا ونتجه إلى الله بالصلاة، إنها عماد الدين وأساسه.     

وقوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} [البقرة: 110]، إيتاء الزكاة لا يحدث إلا إذا كان لَدَيْنا ما هو زائد عن حاجتنا، فكأن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نضرب في الأرض لنكسب حاجتنا وحاجة من نعول ونزيد، وبذلك يخرج المسلمون من سيطرة اليهود الاقتصادية التي يستذلون بها المسلمين.     

فالمؤمن حين يأتي الزكاة معناه أن حركته اتسعت لتشمل حاجته وحاجة غيره، ولذلك حتى الفقير يجد في الزائد في أموال المسلمين ما يكفي حاجته، فلا يذهب إلى اليهودي ليقترض بالربا، ولذلك فالله سبحانه وتعالى يريد أن يتكامل المسلمون، بحيث تكفي أموالهم غنيهم وفقيرهم والقادر على العمل منهم وغير القادر.     

والله تبارك وتعالى يزيد أموال المسلمين بأكثر مما يخرج منها من زكاة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).

وقد سميت "الزكاة" لأنها في ظاهرها نقص وفي حقيقتها زيادة، والربا ظاهره زيادة وحقيقته نقص، وفي ذلك يقول الله جل جلاله:
{ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ، } [البقرة: 276].     

ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} [البقرة: 110]، إذن لابد أن يطمئن المؤمن لأن حركة حياته هي ثواب وأجر عند الله تبارك وتعالى، فإذا صلى فله أجر وإذا زكى فله أجر، وإذا تصدق فله أجر، وإذا صام فله أجر، وإذا حج فله أجر، كل ما يفعله من منهج الله له أجر، وليس أجراً بقدر العمل، بل أضعاف العمل، وإقرأ قوله تعالى: { مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 261].     

وهكذا نعرف أن كل حركة في منهج الله ليس فقط لها أجر عند الله سبحانه وتعالى، ولكنه أجر مضاعف أضعافاً مضاعفة، وهو أجر ليس بقدرات البشر ولكنه بقدرة الله سبحانه، ولذلك فهو ليس مضاعفاً فقط في عدد المرات ولكنه مضاعف في القدرة أيضاً، فكأن كل إنسان غير مؤمن لا أجر له في الآخرة، وإذا أُعْطِيَ في الدنيا يُعطى عطاء المثل، ولكن المؤمن وحده له عطاء الآخرة أضعافاً مضاعفة، وهو عطاء ليس زائلاً كعطاء الدنيا ولكنه باق وخالد.     

والخير الذي تفعله لن تدخره عندك أو عند من قد ينكره، ويقول لا شيء لك عندي ولكن الله سيدخره لك، فانظر إلى الاطمئنان والعمل في يد الله الأمينة، وفي مشيئته التي لا يغفل عنها شيء، وفي قدرته التي تضاعف أضعافاً مضاعفة، وتجده في الوقت الذي تكون في أحوج اللحظات إليه وهو وقت الحساب.     

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110]، أي لا تعتقد أن هناك شيئاً يخفى على الله، أو أن أحداً يستطيع أن يخدع الله؛ فالله سبحانه وتعالى بصير بكل شيء، ليس بالظاهر منك فقط، ولكن بما تخفيه في نفسك ولا تطلع عليه أحداً من خلق الله، إنه يعلم كل شيء واقرأ قوله سبحانه وتعالى: { رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } [إبراهيم: 38].     

وهكذا نطمئن إلى أن الله بصير بكل شيء، وانظر إلى قوله جل جلاله: "تعملون" لتفهم أهمية العمل.



سورة البقرة: الآيات من 106-110 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة البقرة: الآيات من 106-110
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: البقرة-
انتقل الى: