منتديات إنما المؤمنون إخوة (2024 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. علمي.. تاريخي.. دعوي.. تربوي.. طبي.. رياضي.. أدبي..)
 
الرئيسيةالأحداثأحدث الصورالتسجيل
(وما من كاتب إلا سيبلى ** ويبقى الدهر ما كتبت يداه) (فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه)

soon after IZHAR UL-HAQ (Truth Revealed) By: Rahmatullah Kairanvi
قال الفيلسوف توماس كارليل في كتابه الأبطال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مُتمدين من أبناء هذا العصر؛ أن يُصْغِي إلى ما يظن من أنَّ دِينَ الإسلام كَذِبٌ، وأنَّ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- خَدَّاعٌ مُزُوِّرٌ، وآنَ لنا أنْ نُحارب ما يُشَاعُ من مثل هذه الأقوال السَّخيفة المُخْجِلَةِ؛ فإنَّ الرِّسَالة التي أدَّاهَا ذلك الرَّسُولُ ما زالت السِّراج المُنير مُدَّةَ اثني عشر قرناً، لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم اللهُ الذي خلقنا، (وقت كتابة الفيلسوف توماس كارليل لهذا الكتاب)، إقرأ بقية كتاب الفيلسوف توماس كارليل عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، على هذا الرابط: محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

يقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتاب (العرب): "لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين) فكان محمدٌ رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق".
فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البُلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابهِ بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذَكَرَهَا باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم.
(وما من كاتب إلا سيبلى ** ويبقى الدهر ما كتبت يداه) (فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه)

المهندس حسن فتحي فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء: هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّجَ من المُهندس خانة بجامعة فؤاد الأول، اشْتُهِرَ بطرازهِ المعماري الفريد الذي استمَدَّ مَصَادِرَهُ مِنَ العِمَارَةِ الريفية النوبية المَبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعُثماني.
رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَةٍ.. فوائدُ فيروس كورونا غير المتوقعة للبشرية أنَّه لم يكن يَخطرُ على بال أحَدِنَا منذ أن ظهر وباء فيروس كورونا المُستجد، أنْ يكونَ لهذه الجائحة فوائدُ وإيجابيات ملموسة أفادَت كوكب الأرض.. فكيف حدث ذلك؟!...
تخليص الإبريز في تلخيص باريز: هو الكتاب الذي ألّفَهُ الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" رائد التنوير في العصر الحديث كما يُلَقَّب، ويُمَثِّلُ هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث.
الشيخ علي الجرجاوي (رحمه الله) قَامَ برحلةٍ إلى اليابان العام 1906م لحُضُورِ مؤتمر الأديان بطوكيو، الذي دعا إليه الإمبراطور الياباني عُلَمَاءَ الأديان لعرض عقائد دينهم على الشعب الياباني، وقد أنفق على رحلته الشَّاقَّةِ من مَالِهِ الخاص، وكان رُكُوبُ البحر وسيلته؛ مِمَّا أتَاحَ لَهُ مُشَاهَدَةَ العَدِيدِ مِنَ المُدُنِ السَّاحِلِيَّةِ في أنحاء العالم، ويُعَدُّ أوَّلَ دَاعِيَةٍ للإسلام في بلاد اليابان في العصر الحديث.


 

 المجلد الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأحد 01 نوفمبر 2015, 5:56 am

المجلد الثاني
-----------
طُبِعَ عَلَى نَفَقَةِ مَنْ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ وَالدَار الآخرةَ فجَزاهُ اللهُ عن الإسلام والمسلمينَ خيرًا وغَفَر له ولوالديه ولمن يُعيدُ طِبَاعَتَه أو يُعِيْنُ عليها أو يَتَسبَب لها أو يُشِيرُ على مَنْ يُؤمِلُ فيه الخيرَ أن يَطبَعَه وقفًا للهِ تعالى يُوزَّع على إخوانِهِ المسلمين... اللهم صل على محمد وعلى آله وسلم.
--------------------------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
1- كتاب الزكاة
س1: ما هي الزكاة لغةً وشرعًا؟
ج: هي لغةً: النماء والزيادة، يقال: زكَى الزرع إذا نمى وزاد، وتطلق على المدح، قال الله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ}، وعلى التطهير، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، وعلى الصلاح، يقال: رجل زكى، أي: زائد الخير صح من قوم أزكياء، وزكى القاضي الشهود إذا بين زيادتهم في الخير، وسمى المُخْرجُ زكاة؛ لأنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات، وأصل التسمية قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}، وقيل: لأنها تطهر مؤديها من الإثم وتنمي أجره، وقال الأزهري: إنها تنمي الفقراء. وشرعًا: حقٌ واجبٌ في مال خاص لطائفة مخصُوصَةٍ في وقت مخصوص.

س2: ما الذي يخرج بقيد الفقر المذكورة في التعريف الشرعي؟
ج: يخرج بقوله: «واجب الحق» المسنون كابتداء السلام، وبقوله: «مال» رد السلام ونحوه، وبقوله: «خاص» ما يجب في كل الأموال كالديون والنفقات، وبقوله: «لطائفة مخصوصة» نحو الدية؛ لأنها لورثة المقتول، وبقوله: «بوقت مخصوص» نحو النذر والكفارة.

س3: ما حكم الزكاة؟
ج: هي الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه العظام من جحد وجوبها جهلاً به ومثله يجهله كقريب عهد بإسلام أو نشوئه ببادية بعيدة بحيث يُخفى عليه وجوب الزكاة عرف ذلك ونهى عن المعاودة لجحد وجوبها؛ فإن أضرَّ على جحد الوجوب بعد أن عُرفَ أو كان عالمًا بوجوبها كفر إجماعًا؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع الأمة، ولو أخرجها وهذا جحد وجوب الزكاة على الإطلاق؛ وأما إن جَحَده في مال خاص ونحوه؛ فإن كان مجمعًا عليه فكذلك وإلا فلا كـ «مال» الصغير والمجنون وزكاة العسل؛ لأنه مختلف فيه وأخذت الزكاة منه إن كانت وجبَت عليه قبل كفره لكونها لا تسقط به كالدين.

س4: كم مدة استتابة جاحد الزكاة، وإذا لم يتب جاحدها فهل يقتل حدًا أم كفرًا، وما صفة توبته، وما حكم منعها بخلاً؟
ج: يستتاب ثلاثة أيام وجوبًا كغيره من المرتدين وصفة توبته: أن يقر بوجوبها مع الإتيان بالشهادتين وإذا لم يتب قتل كفرًا وجوبًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، وقال أبو بكر الصديق: «لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة» متفق عليهما. ومن منعها بخلاً أو تهاونًا أخذت منه قهرًا كدين الآدمي، وكما يؤخذ العشر منه؛ ولأن للإمام طلبه به فهو كالخراج بخلاف الاستتابة في الحج والتكفير بالمال، ويأتي إن شاء الله تكملة لهذا البحث في باب إخراج الزكاة.

س5: ما الأصل في مشروعية الزكاة، ومتى فرضت؟
ج: الأصل في ذلك الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَآتَوُا الزَّكَاةَ}، وقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ}؛ وأما السُّنة: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: «أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» متفق عليه. وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة -رضي الله عنهم- على قتال مانعي الزكاة، فروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب، فقال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسي إلا بحقه وحسابه على الله»، فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال والله، لو منعوني عناقًا كان يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أني رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق. ورواه أبو داود، وقال: لو منعوني عقالاً، قال أبو عبيد: العقال: صدقة.

قال الشاعر:
سَعَى عقالاً فلم يَتركْ لنا سَيَدًا ... فكيفَ لو قد سعَى عمرو عِقالينِ
وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عِقالها ومن رَوَى عناقًا ففيه دليل على خذ الصغيرة من الصغار، وفرضت بالسنة الثانية ذكره صاحب «المغني» والمحرر والشيخ تقي الدين، قال في الفروع: ولعل المراد طلبها وبعث السعاة لقبضها، فهذا بالمدينة؛ ولهذا قال صاحب «المحرر»: إن الظواهر في إسقاط زكاة التجارة معارضة بظواهر تقتضي وجوب الزكاة في كل مال كقوله: { فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ } ، وقال شرف الدين الدمياطي: إنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر بدليل قول قيس بن سعد بن عبادة أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات، وفي «تاريخ ابن جرير الطبري»: أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة، وقيل: فرضت قبل الهجرة وبُينتْ بعدها. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س6: ما الذي تجب فيه الزكاة والذي تجب فيه؟
ج: تجب في خمسة أشياء: أحدها: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم. والثاني: الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من أوراق وفلوس نقدية. والثالث: عروض التجارة. والرابع والخامس: الخارج من الأرض، ولا تجب الزكاة في باقي الأموال إذا لم تكن للتجارة حيوانًا كان المال كالرقيق والطيور والخيل والبغال والحمير والضباء سائمة كانت أو لا أو غير حيوان كاللآلئ والجواهر والثياب والسلاح وأدوات الصناع وأثاث البيوت والأشجار والنبات والأواني والعقار من الدور والأرضين للسكنى وللكراء؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة» متفق عليه. ولأبي داود: ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر، وقيس على ذلك باقي المذكورات؛ ولأن الأصل عدم الوجوب إلا لدليل ولا دليل فيها، وفي «شرح أصول الأحكام» على شرح حديث: «ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة»، وقال النووي: وغير هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها وهو قول العلماء من السلف والخلف إلا أبا حنيفة في الخيل والحديث حجة عليه، وقال الوزير: وغيره أجمعوا على أنه ليس في دور السكنى وثياب البذلة وأثاث المنزل ودواب الخدمة وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة. اهـ. فالعبيد ورباط الخيل وآلات السلاح والحرب وسائر أموال القنية كل ما كان منها ما عساه أن يكون لم يكن فيه زكاة؛ فإن سائر أموال القنية مشغولة بالحاجة الأصلية وليست بنامية أيضًا، وكل منهما مانع من وجوب الزكاة ولو لم ينص على كل فرد منه؛ فإن الشارع إنما اعتنى ببيان ما تجب فيه الزكاة؛ لأنه خارج عن الأصل فيحتاج إلى بيان لا بيان ما لا تجب فيه اكتفاء بأصل عدم الوجوب. اهـ.

س7: ما هي شروط وجوب الزكاة، وكم عددها، وضحها مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو مُحترز، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟
ج: شروط وجوبها خمسة: أولاً: الحرية. ثانيًا: إسلام. ثالثًا: ملك نصاب. رابعًا: استقراره. خامسًا: مضي الحول في غير معشر ونتاج سائمة وربح تجارة؛ أما المعشر فلقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}؛ وأما نتاجُ السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ النتاج أو الربح نصابًا؛ فإن حولهما حول أصلهما إن كانا نصابًا وإلا فمن كماله نصابًا فلو ملك خمسًا وثلاثين شاة فنتجت شيئًا فشيئًا فحولها من حين تبلغ نصابًا وهو الأربعين، وكذا لو ملك ثمانية عشر مثقالاً وربحت شيئًا فشيئًا فحولها منذ بلغت عشرين ولا بيني وارث على حول الموروث ويضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه أو في حكمه في وجوب الزكاة ويزكي كل مال إذا تم حوله وإن كان من غير جنس النصاب ولا في حكمه فله حكم نفسه؛ فإن بلغ نصابًا زكاه إذا تم حوله وإلا فلا.

س8: ما الذي يخرج بقيد كل شرط من شروط وجو الزكاة، وهل تجب على من بعضه حُر وبعضهُ رقيق؟
ج: يخرج بقيد الحرية الرقيق فلا تجبُ عليه؛ لأنه لا مال له ولا على مكاتب؛ لأنه عبد وملكه غير تام وتجب على مبعّض فيما ملكهُ يجزئه الحر بشروطه ويخرج بقيد الإسلام الكافر فلا تجب على كافر أصلي أو مرتد فلا يقضيها إذا أسلم، ويخرج بقوله ملك نصاب ما دون النصاب فلا زكاة فيه إلا الركاز ويخرج بقيد الاستقرار ديْنُ الكتابة لعدم الاستقرار؛ لأنه يملك تعجيز نفسه، ويخرج بقوله ومُضيُّ حول في غير معشر وربح تجارة ونتاج ما لم يتم عليه الحول؛ لقول عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه ابن ماجه، وعن علي بن أبي طالب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كانت لك مائتا درهم وحالَ عليهما الحولُ ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا؛ فإذا كانت لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» رواه أبو داود.

س9: ما نصاب الزكاة، وإذا نقص النصاب في بعض الحول فما الحكم؟ وما الحكمة في إسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها؟ اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل، أو خلاف، ومن أين تخرج الزكاة؟
ج: النصاب هو القدر الذي تجب فيه الزكاة ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باه أو أبدله بغير جنسه أو ارتدَّ مالكه انقطع الحول إلا في إبدال ذهب بفضة أو إبدال فضة بذهب وإلا في عروض التجارة وإلا في أموال الصيارف فلا ينقطع ويخرج مما معه عند وجوب الزكاة ولا ينقطع الحول فيما أبدله بجنسه، والقول الثاني: أن إبدال النصاب الزكوي بنصاب آخر زكوي لا يمنع الزكاة ولا يقطعها سواء كان من جنسه أو من جنس آخر، قالوا: والتفريق بين ما كان من الجنس أو من غير الجنس لا دليل عليه؛ ولأن القول بقطعه إذا أبدل من غير جنسه قد يكون سدًا لفتح أبواب الحيل لمنع الزكاة، والحكمة في إسقاطها عن القليل الذي لا يتحملها لئلا يجحف بأرباب الأموال ولا يبخس الفقراء حقوقهم وإذا بلغ النصاب وجب الحق ولا يجب فيما دونه. والله أعلم.

س10: تكلم بوضوح عما يلي: ما مثال ما تجب الزكاة في عينه إذا فرَّ من الزكاة فتحيل على إسقاطها، إذا قال لم أقصد الفرار من الزكاة فهل يقبل قوله، إذا أتلف جزاء من النصاب لينقُصَ فهل تسقط، اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: مما تجب الزكاة في عينه: الغنم والبقر وخمس وعشرون من الإبل وإن فر من الزكاة فتحيل على إسقاطها فتقص النصاب أو باعه أو أبدله لم تسقط بإخراج النصاب أو بعضه عن ملكه ويزكي من جني النصاب المبيع ونحوه لذلك الحول، وإن قال لم أقصد الفرار من الزكاة؛ فإن دلت قرينة على الفرار عمل بها ورد قوله، وإلا قبل قوله ولا يستخلف، وكذلك لو أتلف جزءًا من النصاب لينقص فتسقط الزكاة فلا تسقط وتؤخذ منه في آخر الحول، قال الله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ} الآية فعاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة؛ ولأنه قصد به إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم تسقط كالمطلق في مرض الموت؛ ولأنه لما قصد قصدًا فاسدًا اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده كمن قتل مورثه، واشترط بعضهم أن يكون ذلك عند قرب وجوبها؛ لأنه مظنة قصد الفرار ما لو كان في أول الحول وأوسطه؛ لأنها بعيدة أو منفية، وقال أبو حنيفة والشافعي: تسقط لأنه نقص قبل تمام الحول، والقول الأول ندي أنه أرجح. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س11: تكلم بوضوح عن زكاة الدين الذي على ملئ والذي على غير ملئ والمجحود والمغصوب والضال، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تقسيم مع الترجيح لما ترى أنه الأرجح؟
ج: الدين ينقسم إلى قسمين: أحدهما: دين على معترف به باذل فعلى صاحبه زكاته إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيزكيه لما مضى يُروى ذلك عن علي - رضي الله عنه - ، وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال عثمان ابن عفان وابن عمر وجابر وطاووس والنخعي وجابر بن زيد والحسن والزهري وقتادة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد: عليه إخراج زكاته في الحال وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه أشبه الوديعة، وروي عن عائشة وابن عمر: ليس في الدين زكاة، وهو قول عكرمة؛ لأنه غير تام فلم تجب زكاته كعرض القنية، وروي عن سعيد بن المسيب وعطاء وأبي الزناد يزكيه إذا قبضه لسنة واحد. القسم الثاني: الدين على المماطل والمُعسِر والمجحود الذي لا بينة به والمغصوب والضال حكمه حكم الدين على المعسر وفي ذلك كله روايتان: إحداهما: لا تجب فيه الزكاة وهو قول قتادة وإسحاق وأبي ثور وأهل العراق؛ لأنه ممنوع منه غير قادر على الانتفاع به أشبه الدين على المكاتب.
قال في «الاختيارات الفقهية» (ص98): لا تجب في دين مؤجل أو على معسر أو مماطل أو جاحد ومغصوب ومسروق وضال وما دفنه ونسبه أو جهل عند من هو ولو حصل في يده، وهو رواية عن أحمد اختارها وصححها طائفة من أصحابه، وهو قول أبي حنيفة. انتهى. والقول الثاني: يزكيه إذا قبضه لما مضى وهو قول الثوري وأبي عبيد لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في الدين المضنون إن كان صادقًا فليزكه إذا قبضه لما مضى، وعن ابن عباس نحوه رواهما أبو عبيد؛ ولأنه مال يجوز التصرف فيه أشبه الدين على الملئ ولأن ملكه فيه تام أشبه ما لو نسى عند من أودعه، وللشافعي فيه قولان كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والأوزاعي ومالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد؛ لأنه كان في ابتداء الحول في يده ثم حصل بعد ذلك فوجب أن لا نسقط الزكاة عن حول واحد، وعندي أن القول الأول أقوى دليلاً من الثاني؛ لأن الله شرع الزكاة في الأموال النامية المقدور عليها وهذه الأموال لا يقدر عليها أصحابها وأيضًا في إيجابها على الغريم في هذه الحال ما يوجب التضييق على المعسر المأمور بأنظاره وأيضًا هذه ليست من الأموال النامية. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س12: هل تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟
ج: نعم تجب الزكاة في مالهما لعموم حديث معاذ لما بعثه -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ابتغوا في أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة» رواه الترمذي والدارقطني وإسناده ضعيف، وله شاهد مرسل عند الشافعي.

س13: هل تجب الزكاة في المرهون والموقوف والموصى به؟
ج: تجب في المرهون كغيره ويخرجها راهن منه بلا إذن مرتهن إن تعذر غيره ويأخذ مرتهن من راهن عوض زكاة أن أيسر وتجب الزكاة في السائمة وغلة أرض وشجر موقوفة على معين ويخرج من غير السائمة؛ فإن كانوا جماعة وبلغ نصيب كل واحد من غلته نصابًا وجبت وإلا فلا، ولا زكاة في موقوف على غير معين، كعلى الفقراء أو موقوف على مسجد أو مدرسة أو رباط ونحوه لعدم تعيين المالك، ولا تجب في مال معين نذر أن يتصدق به ولم يقل إذا حال الحول فلا زكاة على ربه لزوال ملكه عنه أو نقصه ولا زكاة في نقد موصى به في وجوه بر أو موصى في أن يشتري به وقف والربح كالأصل؛ لأنه نماؤه.

س14: هل تجب الزكاة في حصة المضارب، وتكلم عن المبيع المتعين أو الموصوف؟
ج: قيل: إن حصة المضارب لا تجب فيها لعدم استقرارها؛ لأنه وقاية لرأس المال فملكه ناقص. والثاني: الوجوب وينعقد حوله بظهور الربح؛ لأنه ملكه فيجب كسائر أملاكه وهذا إذا بلغت نصابًا لدخوله في عمومات النصوص وأيضًا فالزكاة شرعت في الأموال النامية وحصة المضاربة نامية، وهذا القول أرجح عندي. والله أعلم. ويزكي مشتر مبيعًا متعينًا كنصاب سائمة معين أو موصوف من قطيع معين أو مبيعًا متميزًا كهذه الأربعين شاة ولو لم يقبضه حتى انفسخ البيع بعد الحول وما عداهما بائع.

س15: هل الدين مانع من وجوب الزكاة؟
ج: أما ما كان بعد وجوب الزكاة فهذا لا يمنعها؛ لأن الزكة وجبت وصار أهل الزكاة كالشركاء لصاحب المال وإن كان موجودًا قبل وجوب الزكاة منع في الأموال الباطنة وهي الأثمان وعروض التجارة؛ وأما الأموال الظاهرة وهي الحبوب والثمار والمواشي فلا يمنع فيها؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- كان يبعث سعَاته فيأخذون الزكاة فما وجدوا من المال الظاهر من غير سؤال عن دين صاحبه بخلاف الباطنة وكذلك الخلفاء بعده –رضوان الله عليهم أجمعين-، ولم يأت عنهم أنهم طالبوا أحدًا بصدقة الصامت ولا استكرهوه عليها إلا أن يأتي بها طوعًا؛ ولأن السعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون عما على صاحبها من الدين فدل على أنه لا يمنع زكاتها؛ ولأن تعلق أطماع الفقراء بها أكثر والحاجة إلى حفظها أوفر فتكون الزكاة فيها آكد. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س16: بين أحكام ما يلي: المال المودع، القادر المودِعُ على أخذه هل تجب فيه الزكاة، وما زاد على النصاب هل تجب فيه الزكاة؟ من له مال غائب مع عبده أو وكيله، وما هو الوقص؟
ج: تجب في المال المودع بشرطه كغيره وليس للمودَع إخراجها بغير إذن مالكها؛ لأنه افتيات عليه وتجب في مال غائب مع عبده أو وكيله ولو أسر ربُ المال أو حُبس ومنع من التصرف في ماله لم تسقط زكاته لعدم زوال ملكه وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب لعموم ما يأتي في مواضعه إلا في السائمة فلا زكاة في وقصها لما روى أبو عبيدة في «غريبه» مرفوعًا ليس في الأوقاص صدقة، وقال الوقص: ما بين الفرضين، وفي حديث معاذ أنه قيل له: «أُمِرتَ في الأوقاص بشيء» قال: لا، وسأل سائل النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله، فال: «لا» رواه الدارقطني.

س17: تكلم عن أرش جناية العبد هل يمع الزكاة، وعن من له عرض قنية يباع لو أفلس وعليه دين وعنده مال؟
ج: يمنع أرش جناية عبد التجارة زكاة قيمته؛ لأنه وجب جبرًا لا مواساة بخلاف الزكاة ومن له عرض قنية يباع لو أفلس بأن كان قيمته فاضلاً عن حاجته الأصلية يفي العرض بدينه الذي عيه ومعه مال زكوي جعل الدين في مقابلة ما معه من مال زكوي ولا يزكيه لئلا تختل المواساة، وكذا من بيده ألف وله على ملئ دين ألف وعليه ألف دين فيجعل الدين في مقابلة ما بيده فلا يزكيه ويزكي الدين إذا قبضه.

س18: متى يبدأ الحول في الصداق وعوض الخلع والأجرة؟
ج: يبتدئ الحول بصداق وأجرة وعوض خلع معينين ولو قبل قبضها من عقد لثبوت الملك في ذلك بمجرد عقد فينفذ فيه تصرف من وجب له ويستقبل بمبهم من ذلك من حين تعيين لا عقد لأنه لا يصح تصرفه فيه قبل قبضه ولا يدخل في الضمان إلا به فلو أصدقها أو خالعته على أحد هذين النصابين أو على نصاب من ذهب أو فضة أو ماشية في رجب مثلاً ولم يعين إلا في المحرم فهو ابتداء حوله، وقال الشيخ تقي الدين لما سُئل عن صداق المرأة على زوجها تمر عليه السنون المتوالية لا يمكنها مطالبته به لئلا يقع بينهما فرقة: قيل: تجب تزكية السنين الماضية سواء كان الزوج موسرًا أو معسرًا، وقيل: يجب مع يسار، وتمكنها من قبضه، وقيل: تجب لسنة واحدة، وقيل: لا تجب بحال، وأضعف الأقوال من يوجبها للسنين الماضية حتى مع العجز عن قبضه؛ فإن هذا القول باطل وأقرب الأقوال من لا يوجب فيه شيئًا بحال حتى يحول عليه الحول أو يوجب فيه زكاة واحدة عند القبض فهذا القول له وجه، وهذا وجه. والله أعلم. (25/47، 48) من «مجموع الفتاوى» ملخصًا.

س19: إذا زكت المرأة صداقها كله بعد الحول، وهو في ملكها ثم تنصف الصداق بطلاق الزوج لها أو خلعه ونحوه قبل الدخول فما الحكم؟ وبين متى تجب الزكاة؟
ج: يرجع الزوج فيما بقي من الصداق بكل حقه؛ لقوله تعالى: { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } فلو أصدقها ثمانين فحال الحول وزكتها أو لا رَجَع بأربعين وتستقر الزكاة عليها ولا تجزئها زكاتها من الصداق بعد طلاقها قبل الدخول ولو حال الحول؛ لأنه مال مشترك فلا يجوز لأحدهما التصرف فيه قبل القسمة، وتقدم حكم الدين على الملئ وغيره، وإذا تم الحول وجبت الزكاة إلا ما لا يشترط له تمام الحول وتقدم حديث عائشة لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.

س20: هل الزكاة تجبُ بعين المال أم في الذمة وضح ذلك، وتعرض للخلاف والدليل والتعليل والترجيح لما تراه؟
ج: قيل: تجب الزكاة بعين المال الذي تجزئ زكاته منه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «في أربعين شاة شاة»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فيما سقت السماء العشر» وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف «في» المقتضية للظرفية، ففي نصاب فقط لم يزكي لحولين أو أكثر زكاة واحدة للحول الأول إلا ما زكاته الغنم من الإبل فعليه لكل حول زكاة لتعلق الزكاة بذمته لا بالمال؛ لأنه لا يخرج منه وما زاد على النصاب مما زكاته في عينه ينقص من زكاته كل حول مضى بقدر نقصه بها؛ لأنها تتعلق بعين المال فينقص بقدرها. والقول الثاني: أنها تجب في الذمة؛ لأن إخراجها من غير النصاب جائز فلم تكن واجبة فيه كزكاة الفطر؛ ولأنها لو وجَبَت فيه لامتنع المالك من التصرف فيه ولتمكن المستحق من إلزامه أداه الزكاة من عينه أو ظهر شيء من أحكام ثبوته فيه وأسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط كسقوط الجناية بتلف الجاني وفائدة الخلاف فيما إذا كان له نصاب فحال عليه حولان لم يؤد زكاتها وجب عليه أداؤه لما مضى ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني، وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وَجَب عليه ثلاث شياه وإن كانت مائة دينار فعليه سبعة دنانير ونصف؛ لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب؛ لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه احتمل أن تسقط في قدرها؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة، وقيل: تجب بالذمة وتتعلق بالنصاب اختاره الشيخ تقي الدين، والقول الأول عندي أنه أرجح لما أراه من قوة الدليل. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س21: تكلم بوضوح عن تعلق الزكاة بما تجب فيه، ولمن النماء بعد وجوب الزكاة، وهل للمالك إخراجها من غير النصاب؟
ج: تعلق الزكاة بما تجب فيه لتعلق أرش جناية برقبة جان لا كمتعلق دين برهن أو تعلق دين بمال محجور عليه لفلس ولا كتعلق شركة بمال مشترك فللمالك إخراجها من غير النصاب كما أن لسيد الجاني فداءه بغير ثمنه والنماء بعد وجوبها للمالك كولد الجاني لا يتعلق به أرش الجنابة فكذا نماء النصاب ونتاجهُ لا تتعلق به الزكاة فلا تكون فيه للفقراء شركاء.

س22: إذا أتلف النصاب مالكه فما الحكم؟ وهل للمالك التصرف فيما وجبت فيه الزكاة؟ وهل يرجع البائع بعد لزوم بيع في قدرها؟
ج: إذا أتلف النصاب مالكه لزمه ما وَجبَ فيه من الزكاة لا قيمته كما لو قتل الجاني مالكه لم يلزمه سوى ما وجب بالجناية بخلاف الراهن وللمالك التصرف فيما وجبت فيه الزكاة ببيع أو غير كهبة وإصداق كما أن له ذلك في الجاني بخلاف راهن ومحجور عليه وشريك ولا يرجع بائع بما تعلقت الزكاة بعينه بعد لزوم بيعه في قدرها ويخرج الزكاة البائع؛ فإن تعذر على البائع إخراج زكاة من غير المبيع فسخ في قدر الزكاة لسبق وجوبها ومحل ذلك إن صدقة مشتر على وجوب الزكاة قبل البيع وعجز عن إخراجها من غيره أو ثبت ذلك ببينة وإلا لم يقبل قول البائع عليه ولمشتر الخيار إذا رجع البائع في قدر الزكاة بشرطه لتفريق الصفقة في حقهِ.

س23: هل إمكان الأداء معتبر في وجوب الزكاة؟ وهل تسقط بتلف المال؟ وضح ذلك وتعرض لذكر الخلاف والدليل والتعليل والترجيح؟
ج: تجب الزكاة بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن: لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول؛ ولأنه لو لم يتمكن من الأداء حتى حال عليه حولان وجبت عليه زكاة الحولين ولا يجوز وجوب فرضين في نصاب واحد في حال واحدة؛ ولأنها عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان الأداء كسائر العبادات؛ فإن الصوم يجب على المريض والحائض والعاجز عن أدائه؛ لكن لو كان المال غائبًا عن البلد أو مغصوبًا أو ضالاً ونحوه لا يقدر على الإخراج منه لم يلزمه إخراج زكاته حتى يتمكن من الأداء منه فإمكان الأداء شرط لوجوب الإخراج لا لوجوب الزكاة؛ وأما إذا تلف المال، فقيل: لا تسقط بتلفه؛ لأنها عين تلزمه مؤنة تسليمها إلى مستحقها فضمنها بتلفها بيد كعارية وغصب وكدين الآدمي فلا يعتبر بقاء المال إلا الزرع والثمر إذا تلف بجائحة قبل حصاد وجذاذ أو بعدهما قبل وضع في جرين ونحوه؛ لعدم استقرارها قبل ذلك. والقول الثاني: تسقط الزكاة بتلف النِّصاب على كل حال إلا أن يكون الإمام قد طالبه بها فمنعه؛ لأنه تلف قبل محل الاستحقاق فسقطت الزكاة كما لو تلف قبل الجذاذ؛ ولأنه تعلق بالعين فسقط بتلفها كأرش الجناية في العبد الجاني والأول هو المشهور عن أحمد –رحمه الله-، والثاني قول أبي حنيفة –رحمه الله- واختار الشيخ تقي الدين أنها تسقط إذا لم يفرط، انتهى. قال العلماء –رحمهم الله-: لأنها تجب على سبيل المواساة فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه؛ ولأنها حق يتعلق العين فيسقط بتلفها من غير تفريط كالوديعة، وما اختاره الشيخ تقي الدين هو الراجح عندي. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س24: بين الحكم فيمن مات وعليه دين وزكاة، وإذا كان أضحية ودين فهل يجوز بيعها فيه، وإذا كان نذر بمعين وزكاة فما الحكم؟
ج: ديون الله تعالى من الزكاة، والكفارة، والنذر غير المعين، ودين، وحج سواء؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «دين الله أحق بالقضاء» فإذا مات من عليه منها زكاة بعد وجوبها لم تسقط؛ لأنها حق واجب تصح الوصية به فلم تسقط بالموت كدين الآدمي وأخذت من تركته؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «دين الله أحق بالقضاء» ويخرجها وارث لقيامه مقام مورثه؛ فإن كان الوارث صغيرًا فوليه يخرجها لقيامه مقامه، ثم الحاكم وسواء وصى به أولاً كالعشر؛ فإن كان معها دين آدمي بلا رهن وضاق ماله اقتسموا التركة الحصص كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال إلا إذا كان بدين الآدمي رهن فيقدم الآدمي بدينه من الرهن؛ فإن فضل شيء صرف في الزكاة ونحوها، وتقدم أضحية معينة على الدين فلا يجوز بيعها فيه سواء كان له وفاء أو لم يكن؛ لأنه تعين ذبحها ويقدم نذر بمعين على الزكاة وعلى الدين، وكذا لو أفلس حي وله أضحية معينة، أو نذر معين فيخرج، ثم دين رهن، ثم يتحاصان بقية ديونه. والله أعلم.

من النظم مما يتعلق بباب الزكاة:
وَخُذْ عِلْمَ أحْكَامِ الزَّكَاة نظِيرةِالصّـ
ـَلاةِ بآياتِ الكتابِ المُمَجَّدِ
وَحَسبُكَ في تفْضِيلهِ نفعُ غيرهِ
بقَهر هَوَى وسْواسِهِ لم يُرَدّدِ

وفِرْقةُ ما يَهوَى امتثالاً بِبَذلِهَا
يَفُك الفتَى سَبْعينَ لَحيٍ مفَنَّدِ
لِسِتَةِ أصنافِ مِنَ المال فرضها
مسامَةِ أنعامٍ وأثمانِ نُقَّدِ

ومَا أخرَجت أرضٌ مَكيلٌ وَمَعْدِنُ
وَعرضٌ وشَهْدٌ من جنى النحل مُوجَدِ
على كلَّ حرٍ مُسْلم تَمّ ملْكهُ
نِصابًا كَمِيلاً حَولا أكمِله وافصُدِ

وقولان في المُرثَدّ في حَالَ رِدَّةٍ
وعن مَالِ قِنِّ والمدَبَّر أبعِدِ
وإن قيلَ لم يمْلِكْ بتَمْليكهِ فخذْ
زكاةَ الذِي يَحْويهِ من مَال سيِّدِ

ومَن بعضهُ حُرٌّ يُزكى نصِيَبهُ
وَمُسْلِمُ دارِ الحرْبِ يَقضي مَتى هدِ
ونقصٌ يَسيرٌ مِن نِصَابِ كمُهْدِر
وفي غير ما سِيمَ اقبضنْ عَن مزَيِّدِ

وَلا شيءَ في مال المكاتَبْ ومَن يَصِرْ
لِعَجْزٍ وعِتْقٍ مُلْكَهُ الحَوْلُ يَبْتَدِي
وَوَجْهان في مال المُضَارَبِ شَائِعًا
وسَائمةٍ مَوقُوفَةٍ لِمُعَدَّدِ

وشرْطُ مُضِيِّ الحول في النقد كُلِّهِ
وَعَرْضُ تِجَارَاتِ ومَاشِيَةٍ قَدِ
وعَن أحمد أوجب زكاةً بأجرة
العقار بنفس العقد لا تتعددِ

ويتبع في الحول النصَابَ نتاجُه
وكَسْبٌ وما بالجنس يُشْرى بأوطدِ
وعرض بنقد أو بعكس وفضة
بعين فحول المشتري حول ما ابتدى

وحول نصاب إليهم من حين ملكه
وعنه متى جذاذ زكاتك فابتدِي
ومن حين تكميل النصاب ابتدى
الحول لا ملك الأصول بأوكد

وبالحول أفرد ما استفدت بغير ما
ذكرتُ ولو من جنس مالك تهتدي
ونقصان دونَ اليوم غير مؤثر
ويقطعه نقص النصاب بأزيدِ

وبَيْعٌ بغير الجنس غير الذي مضى
بلا حيلة الإسقاط قُربَ التأطدَ
ويقطع موتُ المالك الحول بَتةً
ولا يَبْنِ وُرَّاثٌ على حول مُلْحَدِ

وما شرطُ إمكان الأدا لِوجُوبها
على أشهر القولين من نصِ أحمدِ
وبعدَ كمالِ الحول لا تسقطنَّها
بهُلكِ نِصابِ مطلقًا في المؤكد

وعنه بلى إن لم يفرط كآفةِ السَّماء
أتْلَفَتْ ذا العُشر من قبل محْصَد
وفي عين مال أو جبن لا بذمةٍ
فترك نصاب مرة لا تزيَّد

إذا مرَّ أحْوَالٌ ولم يُعط فرضه
وفي الذمةِ إن عَلَّقْتَ كَرِّرْ بأوطد
وفوقَ نصاب كَرِّرَنْ فرض كلِّه
وبالعَين نقِّصْ قدرَ فرض مُعَدَّد

ويملك ربُّ المالِ بَيْعَ جمِيعهِ
وإخراجهَا من غيره لم يصَدَّدِ
وخذها إذا ما مات من أصل ماله
وحاصِصْ بها باقي الديون بأوطد
وقيلَ إذا عَلَّفْت بالعين قُدِّمَت
على كلَّ دين كان في ذمَّة قد
وإن عُدِمَ المال الذي فيه علقت

فحاصِص بها لا غير لا تتزيَّد

2- باب زكاة بهيمة الأنعام
س25: ما هي أنواع بهيمة الأنعام، وما الذي يشترط لوجوب الزكاة فيها، ولِم بَدَأ ببهيمة الأنعام قبل غيرها؟
ج: أما البداءة بها فاقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لأنس - رضي الله عنهما - أخرجه البخاري بطوله مفرقًا ويشترط لوجوبها في بهيمة الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم ثلاثة شروط: الأول: أن تتخذ للدر والنسل والتسمين، والثاني: أن تسوم أي ترعى المباح أكثر الحول، يُقال: سَامت تسوم سَوْمًا إذا رعت وأسمْتُها إذا رعيتها، ومنه قوله تعالى: {فِيهِ تُسِيمُونَ}؛ لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «في كل سائمة في كل أربعين ابنة ليون» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وفي حديث الصديق مرفوعًا: «وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة واحدة»، فليس فيها شيء إلا أن يشاربها فقيد بالسوم فلا تجب في معلوفة ولا إذا اشترى لها ما تأكله أو جمع لها من المباح ما تأكله ولا تشترط نية السوم فتجب في سائمة بنفسها كما يجب العشر في زرع حَملَ السيل بذره إلى أرض فنبت فيها أو سائمة بفعل غاصبها فتجب فيها الزكاة غصب حبه فزرعه فنبت ففيه العُشر على مالكه ولا تجب في العوامل أكثر السُّنة ولو لإجارةِ ولو كانت سائمة نصًا كالإبل التي تكري وكذا البقر التي تتخذ للحرث والطحن ونحوه؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس في العوامل صدقة» رواه أبو داود، وجاء عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم وهو قول أهل الحديث وفقهاء الأمصار؛ فإن المراد بها إذًا الانتفاع بظهرها لا الدر والنسل والنماء أشبهت البغال والحمير. والله أعلم.
يتبع إن شاء الله...



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:04 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأحد 01 نوفمبر 2015, 6:08 am

س26: كم أقل نصاب الإبل، وما الواجب فيه؟
ج: أقل نصاب الإبل خمس وفيها شاة ثم في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين فتجب بنت مخاض، وهي ما تم له سنة إجماعًا في ذلك كله، وفي ست وثلاثين بنت ليون لها سنتان، وفي ست وأربعين حقة لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جذعة لها أربع سنين، وفي ست وسبعين بنتًا ليون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين هذا كله مجمع عليه قاله في الشرح، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات ليون إلى مائة وثلاثين ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت ليون وفي كل خمسين حقة.

س27: ما الدليل على ذلك؟
ج: حديث أنس أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- كتب له حين وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين التي أمر بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوق فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، ومن الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى؛ فإذا بلغت ستًا وأربعين ففيها حقه طروقة الفحل؛ فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة؛ فإذا بلغت سِتًا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون؛ فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل؛ فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبخاري وقطعه في مواضع.

س28: تكلم بوضوح عن صفة الشاة زكاة ما دون الخمس والعشرين من الإبل، وهل يجزي عن خمس من الإبل إخراج بعير أو بقرة أو نصفا شاتين. ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل، وعلل لما يحتاجُ إلى تعليل؟
ج: يجب إخراج شاة غير معيبة بصفة الإبل جودةً ورداءةً، ففي إبل كرام سمان شاة كريمةً سمينةً، وفي الإبل المعيبة شاة صحيحة تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل كشاة الغنم، فمثلاً لو كانت الإبل مراضًا وقومت لو كانت صحاحًا بمائة وكانت الشاة فيها قيمتها خمسة ثم قومت مراضًا بثمانين كان نقصها بسبب المرض عشرين وذلك خمس قيمتها لو كانت صحاحًا فتجب فيها شاة قيمتها أربعًا بقدر نقص الإبل وهو الخمس من قيمة الشاة ولا يجزي عن خمس من الإبل بعير ذكر أو أنثى ولا يجزي إخراج بقرة ولو أكثر قيمة من الشاة؛ لأنها غَير المنصوص عليه من غير جنسه ولا يجزي إخراج نِصفا شاتين؛ لأنه تشقيص على الفقراء يلزم منه سوء الشركة.

س29: تكلم عن أحكام ما يلي موضحًا من وجبت عليه بنتُ مخاض وكانت عنده وهي أعلى من الواجب عليه، إذا كانت بنت المخاض معيبة أو ليست في ماله.
ج: إذا كانت عنده وهي أعلى من الواجب عليه فيخير مالكها بين إخراجها عنه وشراء بنت مخاض بصفة الواجب، وإذا كانت بنت المخاض معيبة أو ليْسَت في ماله أجزأه ذكر أو خنثى ولد لبون لعموم قوله في حديث أنس: «فإن لم يكن فيها بنت مخاض ففيها ابن لبون ذكر» رواه أبو داود، ويجزي أيضًا مكانها حق وهو ما تم له ثلاث سنين أو جذع وهو ما نم له أربع سنين أو ثِنيُّ وهو ما تم له خمس سنين وأولى بلا جبران في الكل لظاهر الخبر ولا يجبر نَقْص الذكورية بزيادة في غير هذا الموضع فلا يجزي حق عن بنت لبُوْن ولا جذع عن حقة ولا ثني عن جذعة مطلقًا لظاهر الحديث؛ ولأنه لا نص فيه ولا يصح قياسه على ابن اللبون مكان بنت المخاض؛ لأن زيادة سنة عليها ممتنع بها عن صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه ويرد الماء بنفسه ولا يوجد هذا في الحق مع بنت الليون؛ لأنهما يشتركان فيه.

س30: إذا بلغت الإبل عَدَدًا يتفق ليه الفرضان كمائتين أو أربع مائة فما حكم ذلك؟ وما هو الجبران؟
ج: إذا بلغت ذلك خُيِّرَ مُخرجٌ بين حقاق وبين بنات لبون، ففي المائتين إن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء أخرج خمس بنات لبون لوجود المقتضي لأحد الفرضين إلا أن يكون النصاب بنات لبون أو حقاق فيخرج منه ولا يكلف غيره أو يكون مال يتيم أو مجنون فيتعين إخراج أدون مجزئ، وكذا الحكم في أربعمائة فيخير بين إخراج ثمان حقاق أو عشر بنات لبون، ويصح كون الشطر من أحد النوعين والشطر الآخر من النوع الآخر في إخراج عن نحو أربعمائة بأن يخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون ولا يجزي عن مائتين حقتان وبنتا لبون ونصف للتشقيص وإن كان أحد الفرضين كاملاً والفرض الآخر ناقصًا لابد له من جبران مثل أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق فيَستعينُ الفرض الكامل، وهو بنات اللبون؛ لأن الجيران بدل فلا يجوز مع المبدل كالمتيمم مع القدرة على استعمال الماء، والجبران: شاتان أو عشرون درهمًا.

س31: ماذا يعمل من وجبت عليه الزكاة وعدم النوعين أو أحدهما أو عيبهما أو عدم كل سن وجب أو عيب كل سن وجب، وهل للجبران دخل في غير الإبل، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: مع عدم النوعين أو عيبهما أو عدم كل سن وَجَبَ أو عيب كل ذات سن مقدر وجب في إبل له العدول إلى ما يليه من أسفل ويخرج جبرانًا أو إلى ما يليه من فوق ويأخذ جبرانًا لحديث الصديق في الصدقات، قال: ومن بلغت عنده الإبل صدقة الجذعة وليس عنده وعنده حقة فإنه تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين أن استيسرنا وعشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة؛ فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين إلى آخره؛ فإن عدم ما يليه انتقل إلى ما بعده؛ فإن عدمه أيضًا انتقل إلى ثالث من فوق أو أسفل ولا يزاد على ذلك ويعتبر كون ما عدل إليه المالك في ملكه؛ لأن جواز العدول إلى الجبران تسهيل على المالك؛ فإن عدمهما تعين الأصل الواجب فيحصله ويخرجُه ولا مَدْخَلَ لجُبْرانٍ في غير إبل؛ لأن النص إنما ورد فيها وغيرها ليس في معناها فامتنع القياس.

من النظم مما يتعلق بزكاة النَّعَم:
وسَومُكَ للأنعامِ شرطُ وجُوبها ... برعْيكهَها في أكثَرَ الحوْل قيِّدِ
ففي الخمسِ والعشرينَ بنتُ مخاضِها ... فإنْ فُقِدَتْ بابن اللبُون لهَا جُدِ
وما دونهَا فالشَاة في كل خمسِها ... وبالنُّصْبِ عَلِّقْ فَرْضَها لا المُزيَّد
وبَذْلُ بَعِير موضعَ الشاة لا تجزْ ... وقيلَ بَلَى للنفْعِ مِثْلَ المَجَرَّدِ
وفي الستِ نِيْطتْ بالثلاثين بَعدها ... ببنتِ لبَونٍ جُدْ وبالحقَّةِ ارْفِدِ
عن الست ثم الأربعين وجذعة ... من النوق عن إحدى وستين زَوِّدِ
ولا تكُ من سِتٍ وَسبعينَ باخِلاً ... بِبِنْتَيْ لَبُونٍ فاحذُ قَولِى وقلِدِ
وخُذْ حِقَّتَى إحدَى وتِسْعينَ مخْرِجًا ... طَروقَتَي الفَحْلِ الأبيِ المُزَغَّد
وفي مَائةٍ مَع خُمْسِها ثُمَّ وَاحِدٌ ... ثلاثُ بُنَيَّات اللبُونِ بأوْكَدِ
فإنْ زَادَا عَن هذا عِدَادُ أباعِر ... فَخُذْ حقَّةً عَنْ كل خْمسِينَ ترشدِ
وعن أربَعينها جُدْ ببنْت لبونها ... وفي مأتيهَا جَوِّزنْ ذا وَجَوِّدِ
وبنتُ لبون خُذْ لفُقْدان حِقَةِ ... وشاتين أو عشرين درهمًا ازْدِد
كذلك فابذلْ عندَ أخذكَ حقةً ... مَتَى تلتَمِسْ بنتَ اللبُون فَتَفْقِدِ
ووجهَان في شاةِ وعَشُر دَرَاهِمِ ... ويختار رب المال في ذلكم قد
ولا ترْضَ عَنْ بنت المخاضِ بدُونها ... ولا من جِذاعٍ فوقَهَا بتزيُّد
وضاعِف جُبرانًا لفَقدِ التي تَلِيْ ... في الأقوى والنُوقِ اخْصُصْ الجَبْر وافْرِد
وبنتُ مخاضٍ سنُّهَا سَنَةً وَزِدْ ... مَتَى تَنْتَقلْ حَوْلاً إلى أربَعٍ قَدِ
وفي كلِّ سِنِّ حولاً ازْدَدْ بمبْعَدٍ ... حكى ابنَ أبي موسَى إلى الخمس فاصْعَدِ

3- فصل في زكاة البقر
س32: ما الأصل في وجوب زكاة البقر وما دليله؟
ج: الأصل في وجوبها الإجماع في البقر الأهلية ودليلهَ حديثُ أبي ذر مرفوعًا: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها، كلما قعدت أخراها عادت إليه أولاها حتى يقضي بين الناس» متفق عليه، وحديث معاذ، قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصدق أهل اليمن... الحديث، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

س33: ما أول نصاب البقر وما فرضه؟ وما دليله؟ ووضح ما يحتاج إلى توضيح.
ج: أقل نصاب البقرة ثلاثون، وفيها تبيع أو تبيعة لكل منهما سنة قد حاذى قرنه أذنه غالبًا وهو جذع البقر ويجزي مسن عنه، وفي أربعين مسنة وهي ثنية البقر ألقت سِنًّا غالبًا لها سنتان ويجزي إخراج أنثى أعلى منها بَدَلها ولا يجزي إخراج مُسِن عنها، وفي الستين تبيعان ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة لحديث معاذ بن جبل، قال: «بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» رواه الخمسة وحسنه الترمذي.
وقال ابن عبد البر: هو حديث متصل ثابت وروى يَحْيى بن الحكم أن معاذًا قال: «بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا ومن أربعين مسنة»، فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين، وما بين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقدمت فأخبرته، فأخبرني: «أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعًا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعًا، ومن العشرين ومائة ثلاث مُسِنَّات أو أربعة أتباع»، قال: «وأمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا أخذ فيما بين ذلك سنًا إلا أن يبلغ مسنة أو جذعًا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة لهم» رواه أحمد في مسنده.

س34: إذا بلغت البقر ما يتفق فيه الفرضان فما الحكم؟ وما المواضع التي يجزي فيها إخراج الذكر؟
ج: إذا بلغت ما يتفق فيه الفرضان كمائة وعشرين فكإبل؛ فإن شاء أخرج أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات للخبر المتقدم ولا يجزئ ذَكَرٌ في زكاة إلا هنا وهو التبيع لورود النصّ فيه ويجزي المسن عنه؛ لأنه خير منه وإلا ابنُ لبُون وحق وجذع عندَ عدم بنت مخاض، وإلا إذا كان النصاب من إبل أو بقر أو غنم كله ذكورًا؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله.

4- فصل في زكاة الغنم
س35: ما أول نصاب الغنم؟ وما فرضه؟ وما دليله؟ ومتى تستقر الفريضة؟
ج: أقل نصاب الغنم أربعون وفيها شاة، وفي إحدى وعشرين ومائة شاتان، وفي واحدة ومائتين ثلاث شياه إلى أربعمائة شاة، ثم تستقر الفريضة واحدة عن كل مائة؛ لحديث ابن عمر في كتابه عليه السلام في الصدقات الذي عمل به أبو بكر بعده حتى توفى، وعمر حتى توفى: «وفي الغنم أربعين شاة إلى عشرين ومائة؛ فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين؛ فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياة إلى ثلاثمائة؛ فإذا زادت بعد فليس فيها شيء بعد حتى تبلغ أربعمائة؛ فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة» رواه الخمسة إلا النسائي، ففي خمسمائة خمس شياة، وفي ستمائة ست شياة، وهكذا وتستقر الفريضة في الغنم إذا بلغت أربعمائة.

س36: تكلم بوضوح عن ما يلي: أخذ الثني هنا، الجذعِ من الضأن؟
ج: يؤخذ من معز ثني هنا وفيما دون خمس وعشرين من إبل وفي جبران وهو ما تم له سنة، ويؤخذ من ضأن كذلك جذع وهو ما تم له ستة أشهر؛ لحديث سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «أمرنا أن نأخذ الجذع من الضأن والثنية من المعز» ولأنهما يُجْزَيانِ في الأضحية، فكذا هنا ولا يعتبر كونهما من جن سغنمه ولا من جنس غنم البلد؛ فإن وجد الفرض في المال أخذه الساعي وإن كان أعلى خُيِّرَ المالكِ بين دَفعِه وبين تحصيل واجب فيخرجه.

س37: بيّن ما يؤخذ في الزكاة وما لا يؤخذ في هذا الموضع الآتي، وهل يجزي إخراج الفصلان والعجاجيل، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو محترز، ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل.
ج: لا يؤخذ تيس حيث يجزي ذكر إلا تيس ضراب لخيره برضا ربه ولا يؤخَذ في زكاة هرمةٌ كبيرةٌ طاعنةٌ في السن ولا معيبة ولا يضحي بها؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} إلا أن يكو الكل كذلك هو مات أو معيبات فتجزيه منه؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلف إخراجها من غير ماله ولا تؤخذ الربى وهي التي تربي ولدها، قاله أحمد، وقيل: هي التي تربى في البيت لأجل اللبن ولا تؤخذ حامل لقول عمر لا تُؤخذ الربى ولا الماخض ولا تؤخذ طروقة الفحل؛ لأنها تحمل غالبًا ولا تؤخذ كريمة وهي النفيسة لشرفها؛ لما روى بن عباس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث معاذًا إلى اليمن، فقال له: «إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم»، ولا تؤخذ الأكولة؛ لقول عمر، ولا الأكولة ومراده السمينة إلا أن يشاء ربها أي الرُّبَى، والحامل وطروقة الفحل أو الكريمة أو الأكولة، ويؤخذ مريضة من نصاب كله مراض وتكون وسطًا في القيمة؛ لأن الزكاة وجبت مُواساة وتكليفه الصحيحة عن المراض إخلال بها وتؤخذ صغيرة من صغار غنم لقول الصديق: «لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليها» فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق وبتَصوَّرُ كون النصاب صغارًا بإبدال كبار بها في أثناء الحول أو تلد الأمهات ثم تموت ويحول الحَوْل على الصِّغَار ولا تؤخذ صغيرة من صغار إبل وبقر، فلا يجزي فصلان ولا عجاجيل لفرق الشارع بين فرض خمس وعشرين وست وثلاثين من الإبل بزيادة السن، وكذلك بين ثلاثين وأربعين من البقر فيقوم النصاب من الكبار ويقوم فرضه ثم يقوم الصغار وتؤخذُ عن الصغار كبيرة بالقسط محافظة على الفرض المنصوص عليه بلا إجحاف المالك.

س38: إذا اجتمع صغار وكبار وصحاح ومعيبات وذكور وإناث فكيف العمل؟ هل يجوز أن يخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله؟
ج: إذا اجتمع في نصاب صغار وكبار إلخ لم يؤخذ إلا أنثى صحيحة كبيرة على قدر المالين الكبار والصغار والمعيبات والذكور والإناث للنهي عن أخذ الصغير والمعيب والكريمة؛ لما روي عن معاوية الغاضري من غاضرة قيس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من فعلهن طُعِمَ طَعم الإيمان: من عَبَدَ الله وحده وعلم أنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدةً عليه كل عام ولا يعطي الهَرِمَة ولا الدَّرنة ولا المريضة ولا الشَّرِّطَ اللئيمة؛ ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره» رواه أبو داود ولتحصيل المواساة فلو كانت قيمة المخرج لو كان النصاب كله كبارًا صحاحًا عشرين وقيمته لو كان صغارًا مراضًا عشرة وكان النصاب نصفين أخرج صحيحة كبيرة قيمتُها خمسة عشر، إلا شاة كبيرة مع مائة وعشرين سَخَلة فيخرجها أي الصحيحة ويخرج معيبة لئلا تختل المواساة؛ فإن كان النصاب نوعين والجنس واحد كبخاتي وعراب وكبقر وجواميس وكضأن ومَعز أخذت الفريضة من أحدهما على قدر المالين، وتجب في نصاب كِرَامِ ولئام ونصاب سمان ومهازيل الوَسَط بقدر المالين ومَن أخرَجَ عن النصاب من غير نوعه ما ليس في ماله جاز إن لم تنقص قيمته عن الواجب في النوع الذي في ملكه؛ فإن نقصت لم يجز.

س39: إذا أخرج سنًا أعلى من الفرض فما الحكم؟ وما الدليل؟
ج: إن أخرج سنًا أعلى من الفرض من جنسه أجزأه؛ لحديث أبي بن كعب أن رجلاً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا نبيَّ الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي فزعم أن ما عليّ منه بنت مخاض فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك الذي وجب عليك؛ فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه، وقبلناه منك»، فقال: هاهي ذه، فأمر بقبضها، ودعا له بالبركة» رواه أحمد وأبو داود؛ ولأنه زاد على الواجب من جنسه فأجزأه، كما لو زاد العدد فيجزي بنت لبون عن بنت مخاض وحقة عن بنت لبون وجذعة عن حقة وثنية عن جذَعة ولو كانت عنده المخرج الواجب؛ لحديث أبي بن كعب وتقدم.

من النظم ما يتعلق بصدقة الغنم
وفي الشاة فاجعل أربعين نصابها ... وفيهن شاةٌ حظ جَوْعانَ مُرْمِدِ
إلى مائةِ نِيطتْ بعشرينَ بَعْدهَا ... فإنْ زِدْنْ لِلعَافي بشاتينِ زود
إلى مائتي شاةٍ فإن زدنْ زكِّهَا ... ثلاثَ شيَاهٍ ثم لا تتزيَّدِ
إلى أن توافي أربعًا مِنْ مئَاتِهَا ... فأوْجِبْ عَليها أربعًا في المؤكد
وعنه إذا زادت بواحدة على ... ثلاث مِئيهَا أربعًا منة أمْدُدِ
ومن بَعْدِ هذا كل مَا مَلكَ الفتى ... على المائةِ اقبضْ منه شاةً وعَدِّدِ
وأخْرِج ثنِيَّ المعزِ مُكمْل عَامِهِ ... وكالنصْفِ منه جَذْعُ ضانٍ ليُوْرِدِ
ولا تأخذِ الرُّبى وخَلِّ أكولة ... وَزِدْ مَاخِضًا تظفُرْ بترِك التزَيُّدِ
وذَاتَ عَوار دعْ وللتَيسِ فاجتنب ... وهرمًا وخُذْ ما بينَ أزْدَى وأجْوَد
وسَخْلتَهُ أعْدُدْ مَعْ كبار وَرُدها ... وإن تعطِ فَوقَ الفَرْضِ في السِّنِ تحْمَد
وإن تَعْدِ مَنْ شاة الجمال أطلبَنَّها ... وقال أبو بكر بِقِيْمَتِهَا جد

س40: تكلم بوضوح عن إخراج القيمة عن ما وجب في السائمة أو غيرها، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح.
ج: لا يجزي إخراج قيمة ما وجب في السائمة أو غيرها؛ لما ورد عن معاذ ابن جبل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه إلى اليمن، فقال: «خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر» رواه أبو داود وابن ماجه، ومقتضاه عدم الأخذ من غيره؛ لأن المراد بالشيء نهي ضده، ولا فرق بين الماشية وغيرها، قيل لأحمد: أعطى دراهم في صدقة الفطر، فقال: لا تجزي خلاف لسُّنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال في «المنتقى» بعد سياق حديث معاذ بن جبل والجبرانات المقدرة في حديث أبي بكر تدل على أن القيمة لا تشرع وإلا كانت تلك الجبرانات عبثًا. قال شارح «المنتقى» لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فتقدير الجبرانات بمقدار معلوم لا يناسب تعلق الوجوب بالقيمة. انتهى.
والقول الثاني: يجوز لقول معاذ: «ائتوني بخميس أو لبيْس آخذه منكم من الصدقة مكان للذرة والشعير؛ فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة»، وروى سعيد بإسناده، قال: لما قدم معاذ اليمن: «قال ائتوني بعرض ثياب آخذ منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة».
والقول الثالث: تجزي للحاجة من تعذر الفرض ونحوه واختاره الشيخ تقي الدين، وقيل ولمصلحة أيضًا، واختاره الشيخ تقي الدين أيضًا، قال في «الاختيارات الفقهية» (ص: 103): ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهذا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة؛ فإنه قد سَاوى الفقير، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة من الإبل وليس عنده شاة؛ فإخراج القيمة كاف ولا يكلف السفر لشراء شاة أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم فهذا جائز، وقال في «مجموع الفتاوى» فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب المال له بها كسوة وأعطاه فقد أحسن إليه. انتهى (ص79، 80)، وهذا القول عندي أنه أرجح؛ لأن المقصود دفع حاجة الفقير ولا يختلف باختلاف صور الأموال بعد اتحاد قدر المالية.

5- فصل في الخلطة
س41: ما هي الخلطة؟ وما الأصل فيها؟ أو ما هي خلطة الأعيان؟ وما هي خلطة الأوصاف؟ وما الحكم؟ وما الدليل على شروط الخلطة؟
ج: الخلطة: بضم الخاء الشركة، والأصل فيها روى البخاري في حديث أنس لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، فإذا اختلط اثنان فأكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولاً لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعضها فحكمها في الزكاة حكم الواحد وسواء كانت خلطة أعيان بأن تكون مثلها فحكمها في الزكاة حكم واحد وسواء كانت خلطة أعيان بأن تكون مشاعًا بينهما، أو خلطة أوصاف: بأن يكون مال كل واحد متميزًا فخلطاه واشتركا في شروط الخلطة؛ لما روى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والفحل والراعي» رواه الخلال.

س42: هل الخلطة تفيد تخفيفًا أو تغليظًا وضح ذلك مع ذكر التمثيل؟
ج: الخلطة تارة تفيد تغليظًا كاثنين اختلطا بأربعين شاة لكل واحد عشرون فيلزمهما شاة أنصافًا ومع عدم الخلطة لا يلزمهما شيء وتارة تفيد الخلطة تخفيفًا كثلاثة اختلطوا بمائة وعشرون شاة لكل واحد أربعون فيلزمهم شاة واحدة أو ثلاثًا ومع عدم الخلطة يلزمهم ثلاث شياه كل واحد شاه ولا أثر لخلطة من لا زكاة عليه كذمي ومكاتب ومدين يستغرق دينه ماله.

س43: إذا بطلت الخلطة بفوات أهلية خليط فما الحكم؟ وتكلم مبينًا ما يلي: إذا لم يثبت لخليطين تحكم الانفراد في بعض الحول؟ إذا ثبت حكم الانفراد في بعض الحول لهما؟ وما المثال الذي يوضح المذكور؟
ج: إذا بطلت الخلطة بفوات أهلية خليط ككونه كافرًا بضم من كان أهل الزكاة ماله الخاص به بعضه إلى بعض وزكاه إن بلغ نصابًا وإلا فلا؛ لأن وجود هذه الخلطة كعدمها ومتى لم يثبت لخليطين حكم الانفراد بعضَ الحول بأن ملكا نصابًا معًا بإرث أو شري ونحوه، وتم الحول بلا قسمة زكياه زكاة خلطة، وإن ثبت حكم الانفراد في بعض الحول للخليطين بأن خلطا في أثناء الحول ثمانين شاة لكل منهما أربعون زكيا للحول الأول كمنفردين كل واحد شاة لوجود خلطة وانفراد في الحول فقدم الانفراد؛ لأنه الأصل والجمع بينهما متعذر وفيما بعد الحول الأول زكاة خلطة إن استمرت؛ فإن اتفق حولاهما فعليهما شاة بالسوية لاستوائهما في المال عند تمام حولها وإن اختلف حولاهما فعلى كل منهما نصف شاة عند تمام حوله إلا أن يخرجها الأول من المال فيلزم الثاني ثمانون جزأ من مائة وتسعة وخمسين جزءًا من شاة، ثم كلما تم حول أحدهما لزمه من زكاة الجميع بقدر ماله.

س44: ما مثال ثبوت الحكم لأحد الخليطين؟ وإذا ثبت فما الذي يلزم؟
ج: إن ثبت حكم الانفراد لأحدهما وحده بأن ملكا نصابين فخلطاهما ثم باع أحدهما نصيبه أجنبيًا؛ فإذا تم حول من لم يبع لزمه زكاة انفراد شاة وإذ تم حول المشتري لزمه زكاة خلطة نصف شاة إلا أن يخرج الخليط الأول الشاة من المال فيلزم الثاني أربعون جزءًا من تسعة وسبعين جزءًا من شاة ثم كلما تمَّ حولُ أحدهما لزمه من زكاة الجميع بقدر ملكه فيه ويثبت أيضًا حكم الانفراد لأحدهما بخلط من له دون نصاب بنصاب لآخر بعض الحول كثلاثين شاة بأربعين فمالك النصاب عليه للحِولِ الأول ورب الثلاثين عليه ثلاثة أسباع شاة إذا تم حول الخلطة؛ لأنه لم يثبت له حكم الانفراد إذ لا ينعقد له حول قبل الخلطة لنقص النصاب.

س45: بين حكم ما إذا ملك إنسان نصابًا شهرًا ثم ملك آخر لا يتغير به الفرض؟ ومثل لذلك؟ ولما إذا كان الثاني يتغير به الفرض؟
ج: مثال الأول وهو ما لا يتغير به الفرض كمن ملك أربعين شاة في المحرم ثم ملك أربعين في صفر فعليه زكاة النصاب الأول فقط إذا تم حوله؛ لأن الجميع ملك واحد فلم يزد الواجب على شاة كما لو اتفقت الحولان وإن تغير الفرض بما ملكه ثانيًا إذا تم حوله كما لو اتفق حولاهما وقدرها بأن ينظر إلى زكاة الجميع وهو مائة وأربعون في المثال فيسقط منها ما وجب في النصاب الأول وهو شاة ويجب الباقي من زكاة الجميع في النصاب الثاني وهو شاة وإن لم يتغير به الفرض ولم يبلغ نصابًا كخمس بقرات ملكها بعد الثلاثين بقرة فلا شيء في الخمس، ومن له ستون كل عشرين منها مختلطة مع عشرين لآخر ببلد واحد أو بلاد متقاربة فعلى الجميع شاة؛ لأن الخلطة صيرته كمال واحد نصف الشاة على صاحب الستين ونصفها على خلطاته على كل خليط سدس بنسبة ماله، وإن كانت الستون كل عشر منها مختلطة مع عشر لآخر فعلى صاحب الستين شاة لملكه نصابًا ولا شيء على خلطاته لعدم ملك واحد منهم نصابًا ولا أثر لخلطة فيما دون النصاب.

س46: بين الحكم فيما إذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين لا تقصر بينهما الصلاة؟
ج: إذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين فأكثر لا تقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة يضم بعضها إلى بعض فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: أن لكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته إن كان نصابًا ففيه الزكاة وإلا فلا ولا يضم إلى المال الذي في البلد الآخر، نص عليه، قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد واحتج بظاهر قوله –عليه السلام-: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»، وهذا مفرق فلا يجمع ولأنه لا أثر اجتماع مالين لرجل في كونهما كمال الواحد يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى يحمله كالمالين.
الرواية الثانية: قال فيمن له مائة شاة في بلدان متفرقة لا يأخذ المصدق منها شيئًا؛ لأنه لا يجمع بين متفرقة وصاحبها إذا ضبط ذلك وعرفه أخرج هو بنفسه يضعها في الفقراء، وروي هذا عن الميموني وحنبل، وهذا يدل على أن زكاتها تجب مع اختلاف البلدان إلا أن الساعي لا يأخذها لكونه لا يجد نصابًا كاملاً مجتمعًا ولا يعلم حقيقة الحال فيها؛ فأما المالك العالم بملكه نصابًا كاملاً فعليه أداء الزكاة، وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب سائر الفقهاء.
قال مالك: أحسن ما سمعت فيمن كانت له غنم على راعيين متفرقين ببلدان شتى أن ذلك يجمع على صاحبه فيؤدي صدقته، وهذا هو الصحيح إن شاء الله؛ لقوله –عليه السلام-: «في أربعين شاة شاة»؛ ولأنه ملك واحد أشبه ما لو كان في بلدان متقاربة أو غير سائمة ونحمل كلام أحمد على أن المصدق لا يأخذها؛ وأما رب المال فيخرج فعلى هذا يخرج الفرض في أحد البلدين؛ لأنه موضع حاجة. انتهى من «المغني».

س47: هل تؤثر الخلطة في غير السائمة؟ وما الذي تختص به من غير هذا؟
ج: لا تؤثر الخلطة في غير السائمة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي» فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» إنما يكون في الماشية؛ لأن الزكاة يقل جمعها تارة ويكثر أخرى وسائر الأموال يجب فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها؛ ولأن الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى وفي غير الماشية تؤثر ضررًا محضًا برب المال فلا يصح القياس وعلم مما تقدم أن زكاة السائمة تختص بأمور: أحدها: الخلطة. الثاني: الجبران في زكاة الإبل. الثالث: تأثير التفرق في مسافة القصر. الرابع: أنها لا زكاة في وقصها.

س48: من أين يأخذ الساعي ما وجب في مال الخلطة؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل؟ ومثل لما لا يتضح إلا بالتمثيل؟
ج: يجوز لساع يجبي الزكاة أخذ ما وجب في مال الخلطة من مال أي الخليطين شاء مع الحاجة وعدمها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وما كان من خليطين؛ فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» أي أخذ الساعي الزكاة من مال أحدهما؛ ولأن المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة فكذا في إخراجها فيرجع مأخوذ منه زكاة جميع مالِ خلطة على خليطه بقيمة القسط الذي قابل ماله من المخرج زكاة للخبر وتعتبر قيمته يوم أخذ ساع له لزوال ملكه إذن عنه فيرجع رب خمسة عشر بعيرًا من أصل خمسة وثلاثين بعيرًا خلطة على رب عشرين بقيمةِ أربعة أسباع بنت مخاض من مال رب العشرين رجع على رب الخمسة عشر بثلاثة أسباعها؛ لأن الخمسة عشر ثلاثة أسباع المال وعلى نحو هذا حسابهما.

س49: هل يقبل قول مرجوع عليه في قيمة مخرج من خليط؟ وإذا أخذ الساعي أكثر من الواجب فما الحكم؟ وهل يجزي إخراج خليط بدون إذن خليطه؟
ج: يقبل قول مرجوع عليه في قيمته مخرج بيمينه إن عدمت البينة واحتمل صدقه ويرجع مأخوذ منه على خليطه بقسط زائد عن واجب بقول بعض العلماء كأخذ صحيحة عن مراض أو كبيرة عن صغار وكذا لو أخذ قيمة الواجب؛ لأن الساعي نائب الإمام فعله كفعله، قال المجد: فلا ينقض كما في الحكم، قال الموفق والشارح: ما أداه اجتهاده إليه وصار دفعه بمنزلة الواجب؛ ولأن فعل الساعي في محل الاجتهاد سائغ نافذ فترتب عليه الرجوع لسوغانه، قال في الفروع: وإطلاق الأصحاب يقتضي الإجزاء أي في أخذ القيمة ولو اعتقد المأخوذ منه عدمه. انتهى.
ويجزي إخراج خليط بدون إذن خليطه في غيبته وحضوره والاحتياط بإذنه ولا يرجع مأخوذ منه بقسط زائد أخذه ساع ظلمًا بلا تأويل كأخذه عن أربعين شاة مختلطة شاتين، وعن ثلاثين بعيرًا جذعة من مال أحدهما فلا يرجع في الأولى إلا بقيمة نصف شاة، وفي الثانية إلا بقيمة نصف بنت مخاض؛ لأن الزيادة ظلم فلا يرجع به على غير ظالم أو متسبب في ظلمه. انتهى من «المنتهى وشرحه» باختصار.
قال في «الاختيارات الفقهية»؛ وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلمًا بلا تأويل من أحد الشريكين ففي رجوعه على شريكه قولان أظهرهُما الرجوع وكذلك في المظالم المشتركة التي يطلبها الولاة من الشركاء أو الظلمة من البلدان أو التجار أو الحجيج أو غيرهم والكلف السلطانيّة على الأنفس والدواب والأموال يلزمهم التزام العدل في ذلك كما يلزم فيما يؤخذ بحق فمن تعيب أو امتنع فأخذ من غيره حصته يرجع المأخوذ منه على من أدى عنه في الأظهر إن لم يتبرع (ص: 99) من «الاختيارات».

6- باب زكاة الخارج من الأرض
س50: ما المراد بالخارج من الأرض وما الأصل في زكاته؟
ج: المراد الزرع والثمار والمعدن والركاز وما هو في حكم ذلك كعسل النحل، والأصل في وجوب الزكاة في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ}، والزكاة تسمى نفقة بدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وقال تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال ابن عباس: حقه الزكاة، ومن السُّنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه، وعن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عتريًّا العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي، وعن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر» أخرجه مسلم وأبو داود، وأجمع أهل العلم عن أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، قاله ابن عبد البر وابن المنذر.
يتبع إن شاء الله...



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:04 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأحد 01 نوفمبر 2015, 6:27 am

س51: ما الذي تجب فيه من الحبوب والثمار، اذكره موضحًا مع التمثيل؟
ج: تجب الزكاة في كل مكيل مدخر من قوت وغيره، ويدل لاعتبار الكيل حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه. ولأنه لو لم يدل على اعتبار الكيل لكان ذكر الأوسق لغوًا ويدُلُّ لاعتبار الإدخار أن غير المدخر لا تكمل فيه النعمة لعدم النفع به مآلاً؛ أما الحبوب فالقمح والشعير والذرة والحمص والعدس، والباقلاء من الثمر والزبيب؛ لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} وعن عتاب بن أسيد «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم» رواه الترمذي، وعنه أيضًا قال: «أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرص العنب كما نخرص النخل فيؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النحل تمرًا» رواه الترمذي. وحديث: «لا زكاة في حب ولا تمر حتى يبلغ خمسة أوسق» رواه مسلم دل على وجوب الزكاة في الحب والتمر وانتفائها من غيرهما وتقدم بعض الأدلة قريبًا.

س52: ما الذي لا تجب فيه الزكاة من الثمار؟ وهل تجب في الخضروات؟
ج: لا تجب في عُناب وزيتون ومشمش ولا في بقية الفواكه كتفاح وإجاص وكمثرى ورمان وسفرجل ونبق وموز وخوخ وأترج وتوت وتين وبقية الفواكه وطلع فحال وقصب وخضروات وبقول؛ لما روى الدارقطني عن علي مرفوعًا: «ليس في الخضروات الصدقة»، وله عن عائشة معناه، وللأثرم بإسناد عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه كتب إلى عمر وكان عاملاً على الطائف أن قبلة حيطانها فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافًا فكتب يستأمره في العشر فكتب إليه عمر أنه ليس عليها عشر والفرسك الخوخ، واختار الشيخ تقي الدين وجوبها في التين، وقال في الفروع: الأظهر الوجوب في العناب، قال: فالتين والمشمش والتوت مثله. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س53: ما الذي يشترط لوجوبها في الحبوب والثمار؟
ج: يشترط لما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار شرطان: أحدهما: أن يبلغ نصابًا بعد التصفية في الحبوب وبعد الجفاف في الثمار، وجفاف ورق وقدر النصاب خمسة أوسق؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» رواه الجماعة وهو خاص يقضي على كل عام ومطلق؛ ولأنها زكاة مال فاعتبر لها النصاب كسائر الزكوات. الشرط الثاني: أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط أو يأخذه بحصاره ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزعبل ونحوه؛ لأنه لا يملك شيئًا من ذلك وقت الوجوب ولا يشترط لوجوب زكاة فعل زرع فيزكي نصابًا حصل من حب له سقط بنحو سيل أو غيره بأرض ملكه أو بأرض مباحة؛ لأنه يملكه وقت وجوب الزكاة.

س54: ما مِقدار نصاب الحب والثمر في الآصُع والأرطال، وإذا شك في بلوغه نصابًا فما حكم ذلك؟
ج: مقداره (300) ثلاثمائة صاع؛ لأن الوسق ستون صاعًا إجماعًا وبالأرادب سنة وربع وبالرطل العراقي ألف وستمائة، وبالمصري ألف وأربعمائة وثمانية وعشرون رطلاً وأربعة أسباع، وبالدمشقي ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً وسنة أسباع، وبالحلبي مائتان وخمسة وثمانون رطلاً وخمسة أسباع رطل حلبي، وبالرطل القدسي مائتان وسبعة وخمسون رطلاً وسبع رطل والوسق والصاع والمد مكاييل نقلت إلى الوزن لتحفظ وتنفل والمكيل منه ثقيل كأرز وتمر ومنه متوسط كبر وخفيف كشعير والاعتبار بمتوسط فيجب في خفيف قارب هذا الوزن، وإن لم يبلغه فمن اتخذ ما يسع صاعًا من جيد البر عرف به ما يبلغ حد الوجوب من غيره، ومتى شك في بلوغه للنصاب احتاط وأخرج الزكاة ليخرج من عهدتها ولا يجب عليه الإخراج إذن؛ لأنه الأصل أي عدم بلوغ النصاب فلا يثبت بالشك.
وزكِّ حُبُوبًا والثمارَ وشَرْطُهُ إدْ ... دِخَارٌ وَكيلٌ أو بوَزن مُحَدّدِ
وسيان زرع والنبات وقوتنا ... وغير الذي يقتات من كل مُرصَدِ
كبر وسلت والشعير ودخنهم ... كذا ذرة تمر زبيب فعَدِّدِ
وقدر نصاب الكل خمسة أوسق ... ووسقهم ستون صاعًا وذا اعْدُدِ
بخمسة أرطال وثلث عراقيًا ... وألف وست من مآت لها احْدُدِ
إذا ما صفى حبُّ وحفَّت ثماره ... فحينئذ وقت اعتبارك فاجهدِ
وعنه اعتبر رطب النخيل وكرمهم ... وخُذْ عُشْره مِن يَابِس مُتجَمِّدٍ
وملكُ النصاب اشرطه وقت وجوبها ... فلا شَيءَ في لَقَطٍ وَأجْرَةِ حُصَّدِ
ولا في مباح نحو بطم وزعْبَل ... وإن تجن من مُلك فقد قيل أورد


س55: هل تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؟ وإذا كان الإنسان نخل يحمل السنة حملين فهل يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وهل يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب؟
ج: تضم ثمرة العام الواحد إذا اتخذ الجنس ولو اختلف النوع ويضم زرع العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب إذا اتخذ الجنس، ولو اختلف وقت اطلاعه ووقت إدراكه بالفصول كما اتحد؛ لأنه عام واحد وسواء تعدد البلد أو لا؛ فإن كان له نخل تحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر؛ لأنها ثمرة عام واحد فضم بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد وكالذرة التي تنبت في السنة مرتين؛ لأن الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد كما لو لم يكن حمل أول فكذلك إذا كان؛ لأن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعًا بدليل حمل الذرة وليس المراد بالعام هنا بإثني عشر شهرًا، بل وقت استغلال المغل من العام عرفًا وأكثره ستة أشهر بقدر فصلين، وقل: إن كان له نخل يحمل في السنة حملين فلا يضم إلى الآخر؛ لأنه حمل ينفصل عن الأول فكان حكمه حكم عام آخر كحمل عام آخر كحمل عامين بخلاف الزرع، فعليه لو كان له نخل يحمل بعضه في السنة حملاً وبعضه حملين، ضم ما يحمل حملاً إلى أيهما بلغ معه، وإن كان بينهما فإلى أقربهما إليه ولا تضم ثمرة عام واحد ولا زرعه إلى ثمرة عام آخر، ولا يضم جنس من ثمر أو زرع إلى جنس آخر في تكميل النصاب كأنواع الماشية والنقدين ولا تضم حنطة إلى شعير ولا تمر إلى زبيب ونحوه؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها بخلاف الأنواع فانقطع القياس.

س56: ما زكاة نصاب الحبوب والثمار، وما هو الدليل عليها؟
ج: يجب عشر فيما سبق بلا مؤنة كالذي يَشرَبُ بعروقه ويسمى بعلاً، وكالذي يشرب بغيب وهو الذي يزرع على المطر، وكالذي يشرب بسيح ولو كان السقي بإجراء ماء حفيرة ولا تؤثر مؤنة حفر نهر وقناة لقلتها؛ ولأنه من جملة إحياء الأرض ولا يتكرر كل عام ولا تؤثر مؤنة تحويل ماء ويجب نصف العشر فيما سقى بكلفة كالدوالي جمع دالية، وهو الدولاب تديره البقر والناعورة يديرها الماء والسانية وهي النواضح، وأحدها ناضح وناضحة وهما البعير يستقي عليه؛ لحديث جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فيما سقت الأنهار والغيْم العشور، وفيما سقى بالسانية نصف العشور» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وقال: الأنهار والعيون. وحديث ابن عمر: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر» رواه الجماعة إلا مسلمًا؛ لكن في لفظ النسائي وأبي داود وابن ماجه بعلاً بدل عثريًّا ويجب فيما يشرب بكلفة نصف مدته وبغير كلفة نصفها ثلاثة أرباع العشر نصفه لنصف العام وربعه للآخر؛ فإن تفاوت السقي بالمؤنة والسقي بغيرها بأن يُسقى بأحدهما أكثر من الآخر، فالحكم لأكثر السقين نفعًا ونموًّا؛ فإن جهل مقدار السقي فلم يدر أيهما أكثر أو جهل الأكثر نفعًا ونموًا فيجب العشر احتياطًا؛ لأن تمام العشر تعارض فيه موجب ومسقط، فغلب الموجب ليخرج من العهدة بيقين فمن له حائطان ضما في النصاب، ولكل حكم نفسه في السقي بكلفة وغيرها ويصدق مالك فيما سقى به؛ لأنه أمين عليه بغير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم.

س57: متى وقت وجوب الزكاة في الحبوب والثمار، وما هو الدليل عليه وإذا تصرف في الثمرة قبل الوجوب أو بعده فما الحكم في ذلك؟ وإذا باع الحب أو الثمرة بعد بدو الصلاح وشرط على المشتري إخراج الزكاة فما الحكم؟
ج: إذا اشتدَّ الحبُّ وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة؛ لأنه حينئذ يُقصدُ للأكل والافتيات فأشبه اليابس، وعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعثُ عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه. رواه أبو داود، وقال ابن أبي موسى: تجب زكاة الحب يوم حصاده؛ لقوله عز وجل: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وفائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شيء عليه كما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة كما لو فعل ذلك في السائمة؛ فإن قطعها قبل ذلك سقطت إلا أن يقطعها فرارًا من الزكاة فنلزمه؛ لأنه الواجب بعد انعقاد سببه أشبه ما لو طلق امرأته في مرض موته، ولو باع الحب أو الثمر بعد بدو صلاحه وشرط البائع الزكاة على المشتري صح البيع والشرط للعلم بالزكاة فكأنه استثنى قدرها ووكله في إخراجها؛ فإن لم يخرجه المشتري وتعذر الرجوع عليه ألزم بها البائع لوجوبها عليه.

س58: متى يستقر وجوب الزكاة، وإذا تلفت الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة قبل الوضع بالجرين، فما حكم ذلك؟ وإذا تلف البعض عن الزرع أو الثمر، فما الحكم؟
ج: لا يستقر وجوبها بها إلا بجعلها في جرين أو بيدر أو مسطاح أو نحوه؛ فإن تلفت الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة قبل الوضع بالجرين أو نحوه بغير تعد منه سقطت خرصت أو لم تخرص؛ لأنه في حكم ما لا تثبت اليد عليه بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع والخرص لا يوجب؛ وإنما يفعله الساعي ليتمكن المالك من التَّصرف فوجب سقوط الزكاة مع وجوده كعدمه، وإن تلف البعض من الزرع أو الثمر قبل الاستقرار زكى الباقي إن كان نصابًا وإلا فلا زكاة فيه قدمه في الفروع، وقال في «شرح المنتهى» في الأصح؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» وهذا يعم
حالة الوجوب ولزوم الأداء.

قال الناظم:
وإيجابها عند اشتداد حبوبها ... وبدوَّ صلاح الثمر إيجاب مقتدى
وقطعها من قبل لا بعد مسقط ... وإن تقطعن منها فرارًا فأرفد
ويثبت منها في الجرين وجوبها ... وبالهلك أسقط قبل عن غير معتد
سواءُ قبيلَ الخرص أو بَعْد خرصها ... وفي التلف اقبل منه من غير شهد


س59: متى يجب إخراج زكاة الحب والثمر، وإذا احتيج إلى قطع ما بدا صلاحه قبل كماله لضعف أصل أو خوف عطش ونحوه، فما الحكم؟
ج: يجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابسًا؛ لحديث الدارقطني عن عتاب بن أسيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يُخرَص العنب زبيبًا كما يخرس الثمر ولا يُسمَّى زبيبًا وتمرًا حقيقة إلا اليابس وقيس الباقي عليهما؛ ولأنه حال تصفية لحب وجفاف التمر حال كمال ونهاية صفات ادخاره ووقت لزوم الإخراج منه؛ فإن احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها وبعد بدرِّ الصلاح للخوف من العطش أو لضعف الأصل جاز قطعها؛ لأن حق الفقراء إنما يجب على طريق المواساة فلا يكلف الإنسان ما يهلك أصل ماله؛ ولأن حفظ الأصل أحفظ للفقراء من حفظ الثمرة دون قطع جميعها خففها وإن لم يكف إلا قطع الجميع جاز وكذلك إن قطع بعض الثمرة لتحسين الباقي، وكذلك إن كان عنبًا لا يجيء منه زبيب كالخمري أو رُطبًا لا يجيء منه تمر كالبرني والهلبات؛ فإنه يخرج منه عنبًا ورطبًا للحاجة؛ ولأن الزكاة مواساة فلم تجب عليه من غير ما عنده كرديء الجنس، وقال القاضي: يخير الساعي إذا أراد ذلك رب المال بين أن يُقاسِمَ رب المال الجذاذ بالخرص ويأخذ نصيبهم نخلات منفردة يأخذ ثمرتها وبين أن يجذها ويقاسمه إياها بالكيل ويقسم الثمرة في الفقراء وبين بيعها من رب المال أو من غيره قبل الجذاذ وبعده ويقسم ثمنها والمنصوص أنه لا يخرج إلا يابسًا. انتهى من «الشرح الكبير».

س60: هل للإنسان أن يشتري زكاته وضَّح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل؟
ج: يحرمُ على مُزَكِّ ومتصدِّقٍ شراءُ زكاته وصدقته، ولا يصح؛ لما روى عمر، قال: «حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده وأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك وأن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه»» متفق عليه.
وحسمًا لمادة استرجاع شيء منها حياءَ وطعمًا في مثلها أو خوفًا أن لا يعطيه بعد؛ فإن عادت إليه بإرث أو وصية أو هبة أو أخذها من دينه طابت بلا كراهة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: «وجب أجرك وردها عليك الميراث» رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة:
وإن مصفى الحب والتمر يابسًا ... ورطبًا لا إصلاحٌ أو أنْ جفَّ يفسدِ
وتَقديرُ ذا رطبًا وقيل مُيبَّسًا ... بتقدير جَيد التمرُ يقدَرُ ذا الردِى
وإن يشا الساعي يَبِعْهُ لمن يشا ... ويقسم مجذوذًا وغير مجدَّدِ
وفي النص لا يجزيك إلا مُيبَّسًا ... ويحرْمُ أن تبْتاعَ فرضَك فاقتدِ
وقيمتهُ عشر الرطب أخرجهُ عادِمًا ... وعنه متى تقدر على الثمر ارْفدِ


س61: تكلم عن أحكام ما يلي: حكم بعث خارص، متى وقت بعثهِ؟ وما الذي يُعتَبر لذلك؟ على من أجرةُ الخارص؟ وما حكم قطع الثمرة مع حضور السَّاعِي بلا إذنه، وضح ذلك مع الدليل؟
ج: يُسَنُّ أن يبعث الإمام خارصًا؛ لحديث عائشة قالت: «كان -عليه الصلاة والسلام- يبعث عبد الله بن رواحة إلى اليهود يخرصُ عليهم النخيل قبل أن يؤكل» متفق عليه. وفي حديث عتّاب بن أسيد «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث على الناس مَن يخرص عليهم كرومهم وثمارهم» رواه الترمذي وابن ماجه، وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه خرَصَ على امرأة بِوادي القُرى حديقةً لها وحديثها في مسند أحمد، ووقت بعثه إذا بدا الصلاح؛ أنه وقت دعاء الحاجة الخرص، ويعتبر أن يكون الخارص مسلمًا أمينًا خبيرًا غير متهم، وممن يرى الخرص عمر وسهل بن أبي حثمة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي وأكثر أهل العلم قاله في «الشرح». وأجرة الخارص، قيل: إنها على رب النخل والكرم، والقول الثاني: أنها على بيت المال، وقال الشيخ منصور: ويتوجه من نصيب عامل الزكاة. انتهى.
ويحرم القطع للثمر مع حضور ساع بلا إذنه لحق أهل الزكاة فيها وكون الساعي كالوكيل عنهم، وتؤخذ زكاته بحسب الغالب. وفي «حاشية الإقناع»: ويحرم قطعه مع حضور ساعٍ إلا بإذن قطع به في «المبدع» و«الإنصاف» وغيرهما، ولم يذكروا فيه خلافًا مع أنه تقدم أن تعلق الزكاة بالنصاب كتعلق أرش الجناية فلا يمتنع على ربه التصرف فيه قبل إخراجها وليس كتعلق شركه أو رهن أو دين بماله مفلس على الصحيح. انتهى.

س62: تكلم بوضوح عن صفة خرص الثمر إذا كان نوعًا واحدًا وإذا النخل والكرم، وما هو الخرص؟ وما الحكمة فيه، وهل يخرص غير النخل والكرم؟ وهل لمالك أن يتصرف بالثمرة بعد الخرص؟
ج: للخارص ورب المال إن لم يُبعث خارص الخرص كيف شاء إن اتحد النوع؛ فإن شاء خرص كل نخلة أو كرمة على حدة أو خرص الجميع دفعة ويخرص ثمر متنوع كل نوع على حدة وتزكية كل نوع على حدة فيخرج عن الجيد جيدًا منه، أو من غيره ولا يجزئ عنه رديء ولا يلزم بإخراج جيد عن رديء والخرص حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل والكرم وزنًا بعد أن يطوف به، ثم يُقدَّره تمرًا أو زبيبًا ثم يُعرف الخارص المالكَ قدر الزكاة فيه ويخيره بين أن يتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره ويضمن قدر الزكاة وبينَ حفظِ الثمار إلى وقت الجفاف ليؤدي ما وجب فيها وإن حفظها إلى وقت الجفاف زكى الموجود فقط وافق قول الخارص أولاً؛ وأما الحكمة في الخرص فالذي يظهر أنه لدفع الحرج عن أهل الزراعة؛ فإنهم يريدون أن يأكلوا بسرًا ورطبًا ونيئًا، ونضيجًا وعن المصدقين؛ لأنهم لا يطيقون الحفظ عن أهلها إلا بشق الأنفس ولا يخرص غير كرم ونخل؛ لأن النص إنما ورد بخرصهما مع أن تمرهما مجتمع في العذوق والعناقيد فيمكن أن يأتي الخرص عليه غالبًا والحاجة إلى أكلهما رطبة أشد من غيرهما فامتنع القياس. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س63: ما الذي يتركه الخارص، وما حكم ترك الخارص شيئًا لرب المال، وإذا أتلف المالك الثمرة أو تلفت بتفريطه فما الحكم؟ وإذا ادعى رب المال غلط الخارص فما الحكم؟ إذا أبى الخارص أن يترك لرب المال شيئًا فما حكم ذلك؟ واذكر ما تستحضره من دليل.
ج: يجب أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع فيجتهد الساعي بحسب المصلحة؛ لحديث سهل بن أبي حثمة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث؛ فإن لم تدعو الثلث فدعوا الربع» رواه الخمسة إلا ابن ماجه ورواه ابن حبان والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خففُوا على الناس؛ فإن في المال الواطئة والآكلة والعرية» رواه سعيد. وأمر عمر عماله أن يتركوا لهم ما يأكلونه، وقال ابن عقيل والآمدي وغيرهما: يترك قدر أكلهم وهديتهم بالمعروف بلا تحديد للأخبار الخاصة وللحاجة للأكل والإطعام وغير ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم. وفي «الاختيارات الفقهية» (ص100، 101): وتسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه وهو قول عطاء بن أبي رباح؛ لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمرة بالإعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أو لإسقاط الزكاة عنه وإن أتلف الثمرة المالك أو تلف بتفريطه ضمن زكاته بخرصها تمرًا أو زبيبًا. قال في «الشرح»: وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمة ما أتلف، وفي «شرح الإقناع» قواعد المذهب أن عليه مثله؛ لأنه مثلي فيضمن بمثله وإن ادعى رب المال غلط الخارص غلطًا محتملاً كالسدس قبل قوله غير يمين، كما لو قال: لم يحصل في يدي غير كذا؛ فإنه يقبل قوله لأنه قد يتلف بعضه بآفة لا يعلمها، وإن فحش ما ادعاه من الغلط كالنصف أو الثلث لم يقبل؛ لأنه لا يحتمل فيعلم كذبه، وإن لم يترك شيئًا فلرب المال أكل قدر الثلث أو الربع من ثمر ومن حب ولا يحتسب به عليه. قال أحمد في رواية عبد الله: لا بأس أن يأكله الرجل من غلته بقدر ما يأكل هو وعياله ولا يحتسب وإن لم يأكله كمل به النصاب وتؤخذ زكاة ما سواه بالقسط فلو كان الثمر كله خمسة أوسق ولم يأكل منه شيئًا حسب الربع الذي كان له أكله من النصاب فيكمل ويؤخذ منه زكاة ما سواه وهو ثلاثة أوسق وثلاثة أرباع وسق. والله أعلم.

س64: اذكر ما تفهمه عن حكمة ترك الثلث أو الربع لرب المال من حب ومن ثمر، وما معنى قولهم: فيجتهد بحسب المصلحة في أن يترك الثلث أو الربع؟ وهل لرب الحبوب والثمار أن يهدي منها قبل إخراج زكاتها، وإذا كان الزرع والثمر مشتركًا فهل له أن يأكل من دون إذن شريكه؟ وهل يلزم رب المال أن يزكي ما تركه خارص من الواجب؟
ج: الحكمة والله أعلم أنه لأجل التوسعة على رب المال؛ لأنه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه وجيرانه وأهلهُ ويأكل منها المارة وفيها الساقطة، فلو استوفى الكل أضرَّبهم، ومعنى الاجتهاد بحسب المصلحة أن ينظر إن كان كثير العيال والأضياف ترك له الثلث وإلا ترك له الربع ولا يُهدى رَبُ المال من الزرع قبل إخراج زكاته. قال أحمد: وقد سأله المروزي عن فريك السنبل قبل أن يقسم، قال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه بما يحتاج إليه، قال: فيهدى للقوم منه، قال: لا حتى يقسم؛ وأما الثمر فما تركه خارص له صنع به ما شاء ويزكي رب ما تركه خارصٌ من الواجب؛ لأنه لا يسقط بترك الخارص ويزكي رب مال ما زاد على قول خارص أنه يجيء منه تمرٌ وزبيب كذا عند جفاف لما سبق ولا يزكي ما نقص عن قول خارص؛ لأنه لا زكاة فيما ليس في ملكه ولا يأكل من زرع وثمر مشترك شيئًا إلا بإذن شريكه كسائر الأموال المشتركة. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

من النظم مما يتعلق ببعثة الخارص:
وبعثةُ عَدْلٍ خارصٍ ذي إصابة ... ببدوِ صَلاحِ الثمر شَرْعٌ لمقتَدى
فيخرص نوعًا دفْعةً أو مُفرَقًا ... ويخرصُ بالأنواع خَرْصَ تَعدُّدِ
ويلزمْ تركُ الثُّلثِ أو ربع مأكلٍ ... وقيل بمعروفٍ بغير تحَدُّدٍ
وليسَ له من قبل خَرْصٍ تَصرُّفٌ ... وبَعْدُ اضمننْ فرضًا وكُنْ مُطْلقَ اليدِ
ويأكله الملاكُ إنْ لم يُمَكَّنُوا ... وتقْبَلٌ دَعْوَى حَيفٍ خَرصٍ مُعَوَّدِ
وَمن كل صنف يؤخذ العشر مفردًا ... ومن وَسطٍ إنْ شقَّ أخذُ التَّعددِ


س65: على مَن تجب الزكاة في الأرض المستعارة أو المستأجرة للزرع وإذا غصبَ إنسان أرضًا فزرعها فهل الزكاة على الغاصب أو على رب الأرض وما هي الأرض الخراجية؟ وهل يجتمع فيها العشر والخراج؟ وما هي الأرض العشرية؟
ج: الزكاة في خارج من أرض مستعارة على مستعير، والزكاة في خارج من أرض مؤجرة على مستأجر الأرض دون مالكها؛ لأنها زكاة مال فكانت على مالكه كالسائمة وكما لو استأجر حانوتًا يتّجر فيه؛ ولأن الزكاة من حقوق الزرع، ولذلك لو لم تزرع لم تجب وتتقدر بقدر الزرع بخلاف الخراج فإنه من
حقوق الأرض على من هي بيده ومتى حصد غاصب أرض زرعه من أرض مغصوبة زكاة لاستقرار ملكه عليه ويزكيه رب الأرض إن تملكه قبل حصده ولو بعد اشتداد حبه؛ لأنه يتملكه بمثل بذره وعوض لواحقه فقد استند ملكه إلى أول زرعه فكأنه أخذه إذن، وقيل: يزكيه الغاصب؛ لأنه ملكه وقت الوجوب والأرض الخراجية ثلاثة أضرب: القسم الأول: ما فتح عنوة ووقف على المسلمين وضرب عليه خراج معلوم؛ فإنه يؤدي الخراج عن رقبة الأرض وعليه العشر عن غلتها إذا كانت لمسلم، وكذا الحكم في كل أرض خراجية، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري والأوزاعي ويحيى والأنصاري وربيعة ومالك والثوري والشافعي وابن المبارك وإسحاق وأبو عبيد. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ}، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «فيما سقت السماء العشر» ولأنهما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك. والثانية: ما جلا عنها أهلها خوفًا منا. والثالثة: ما صُولحوا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج، والأرض العشرية خمسة أضرب: الأولى: ما أسلم أهلها عليها كالمدينة ونحوها. والثانية: ما أحياه المسلمون واختطوه كالبصرة ونحوها. والثالثة: ما صولح أهلها على أنها لهم بخراج يضرب عليهم كاليمن. والرابعة: ما فتح عنوة وقسم بين غانميه كنصف خيبر. والخامسة: ما أقطعه الخلفاء الراشدون من السواد إقطاع تمليك كالذي أقطعه عثمان - رضي الله عنه - لسعد وابن مسعود وخباب قال في «شرح المنتهى» وحمله القاضي على أنهم لم يملكوا الأرض، بل أقطعوا المنفعة وأسقط الخراج عنهم للمصلحة أي لأنها وقف كما يأتي.

مما يتعلق بالأرض الخراجية من النظم:
ويُؤخذُ مِن مُستأجِر دُونَ مالكِ ... ومن مُستعيرٍ خُذْ ودَعْ ذا التجوُّدِ
وعنه على المستأجرينَ خراجُها ... ولا فرضَ بعدَ العُشر بالمكث فاهتدِ
وما أخرجتْه أرضُ صُلح فزكِّه ... وفي عنوةِ بَعدَ الخراج تفَقَّدِ
وإن كانَ يَبقى بَعِدهُ قدرُ منصِبٍ ... فيا مُسلمًا أهل الزكاة بها جُدِ


7- فصل في زكاة العسل
س66: ما الواجب في العَسَل وما نصابه وضح ذلك مع ذكر الخلاف؟ وهل تجب الزكاة فيما ينزل من السماء كالمن ونحوه؟ وهل تتكرر زكاة المعشرات أم لا؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل؟
ج: يجب في العسل العشر سواء أخذه من موات أو مملوكة ونصابه 160 مائة وستون رطلاً عراقية؛ لما ورد عن أبي سيارة قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلاً، قال: «فأد العشور»، قال: قلت: يا رسول الله، احم لي جبلها، قال: «فحمَى لي جَبَلهَا» رواه أحمد وابن ماجه.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أخذ من العسل العشر. رواه ابن ماجه، وفي رواية: جاء هلال أحد بني مُنْعَان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعشور نحل له وكان يسأله أن يَحمِيَ له مواديًا يقالُ لهُ: سلبة، فحمى له ذلك الوادي؛ فلمَّا ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان ابن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: «إن أُدي إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عشور نحله فاحم له سَلَبُه وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله مَنْ يَشاءُ» رواه أبو داود والنسائي، ولأبي داود في رواية بنحوه، وقال: من كل عشر قرب قربة.
وروى الجوزجاني عن عمر أن ناسًا سألوه، فقالوا: إن رسول -صلى الله عليه وسلم- أقطع لنا واديًا باليمن فيه خلايا من نحل، وإنا نجد ناسًا يسرقونها، فقال عمر: إن أديتم صدقاتها من كل عشرة أفراق فرقًا حميناها لكم وهذا تقدير من عمر -رضي الله عنه-.
والقول الثاني: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن وهو قول مالك والشافعي وابن أبي ليلى وابن المنذر، وقال: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت ولا إجماع. انتهى. قال في «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار» آخر (ص146).
واعلم أن حديث ابن سيارة وحديث هلال إن كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل؛ لأنهما تطوعا بها وحمى لهما بدل ما أخذ وعقلَ عُمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك، وبقية أحاديث الباب لا تنهض للاحتجاج بها، ويؤيّدُ عدم الوجوب ما تقدم من الأحاديث القاضية بأن الصدقة إنما تجب في أربعة أجناس. ويؤيده أيضًا ما رواه الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه أتى برقص البقر والعسل، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيء. انتهى.
ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمن والنرنجبيل والشير خُشك ونحوه ولا تتكرر زكاة المعشرات ولو بقيت أحوالاً ما لم تكن للتجارة فتقوم عند كل حول بشرطه كسائر عروض التجارة؛ لأنها حينئذ مرصدة للنماء كالأثمان. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

8- فصل في المعدن
س67: عرِّف المعدن؟ وما مثاله؟ وما الواجب فيه؟ ومتى تجب زكاته؟ وهل الواجب من عينه أو قيمته؟ ولمن يُصْرفُ الواجب فيه؟ وما هو الدليل؟
ج: المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه سمي بذلك لعدن ما أنبته الله فيه أي لإقامته يقال عدن بالمقام، عدونا أقام به ومنه «جنات عدن»، ثم أطلق على الجوهر ونحوه من تسمية الحال باسم المحل وإلا فحقيقة المعدن يوصف به المستقر فيه، وعرفًا هو كل متولد في الأرض لا من جنسها ولا نبات كذهب وفضة وجوهر وبلور وعقيق وصفر ورصاص وحديد وكحل وزرنيخ ومغرة وكبريت وزفت وملح وزئبق وقار ونفط ونحو ذلك.
والواجب فيه ربع العشر؛ لعموم قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم
مِّنَ الأَرْضِ} ولأنه مال لو غنمه أخرج خمسة؛ فإذا أخرجه من معدن وجبت زكاته كالذهب والفضة، وعن ابن عمر قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقطعة من ذهب كانت أول صدقة جاءته من معدن لنا، فقال: إنها ستكون معادن وسيكون فيها شر خلق الله عز وجل. رواه الطبراني في «المعجم الصغير»، وتجب زكاة المعدن في الحال؛ لأنه مال مستفاد من الأرض فلم يعتبر له حول كالزرع وتؤخذ زكاته من عين أثمان وقيمة غيره ويصرف لأهل الزكاة؛ لما روى ربيعة بن عبد الرحمن عن غير واحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، قال: فتلك لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. رواه أبو داود، وقال أبو عبيد: بلاد معروفة بالحجاز.

س68: هل يحتسب بمؤنة السبك والتصفية والاستخراج؟ ما الذي يشترط لذلك؟ وما حكم إخراج زكاة معدن قبل سبك وتصفية؟ ومتى يستقر وجوب زكاة المعدن؟ وهل تسقط زكاة المعدن بتلفه؟ بين حكم الجامد والجاري؟ وإذا سبق اثنان إلى معدن في موات فما الحكم؟
ج: لا يحتسب بمؤنة سبك وتصفية ولا يحتسب بمؤنة استخراج معدن إن لم تكن دينًا؛ فإن كانت دينًا زكى ما سواها كالخراج لسبقها الوجوب ويشترط كون مخرج معدن من أهل وجوب الزكاة؛ فإن كان كافرًا أو مكاتبًا أو مدينًا يَنقُصَ به النصاب لم تلزمه كسائر الزكوات وحديث المعدن جبار، وفي الركاز الخمس، قال القاضي وغيره: أراد بقوله جبار إذا وقع على الأجير شيء وهو يعمل في المعدن فقتله لم يلزم المستأجر شيء ويشترط بلوغ النقد أو قيمة غيره نصابًا بعد سبك وتصفية كحب وثمر ولا يجوز إخراجها إذا كانت أثمانًا إلا بعد سَبْك وتصفية؛ وذلك لأن وقت الإخراج منها بعد السبك والتصفية ويستقر الوجوب في زكاة المعدن بإحرازه فلا تسقط بتلفه بعد مطلقًا وقبله بلا فعله ولا تفريطه تسقط والمعدن الجامد المخرج من مملوكة لربها؛ لكن لا تلزمه زكاته حتى يصل إلى يده الجاري الذي مادة لا تنقطع لمستخرجه وإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به ما دام يعمل؛ لحديث: «من سَبقَ إلى مباح فهو أحق به؛ فإن ترك العمل جاز لغيره العمل فيه».

س69: هل تتكرر زكاة المعدن؟ وهل يضم جنس من معادن إلى جنس آخر في تكميل النصاب؟ وضِّح ذلك وتعرض لذكر الخلاف؟, وهل في المسك والزباد والمخرج من البحر زكاة، واذكر الدليل والتعليل؟
ج: لا تنكر زكاة معدن؛ لأنه عرض مستفاد من الأرض أشبه المعشرات غير نقد فتكرر زكاته؛ لأنه معد للنماء كالمواشي، ولا يضم جنس من معادن إلى جنس آخر في تكميل النصاب كبقية الأموال غير نقد فيضم ذهب إلى فضة من معدن وغيره، قال في «الإنصاف»: لا يضم جنس من المعدن إلى جنس آخر على الصحيح من المذهب، اختاره القاضي وغيره وقدمه في الفروع، وقيل: يضم اختاره بعض الأصحاب، قال ابن تميم وهو أحسن، وقيل: يضم إذا كانت متقاربة كقار ونفط وحديد ونحاس، وجزم به في الإفادات، وقال المصنف: والصواب إن شاء الله إن كان في المعدن أجناس من غير الذهب والفضة ضم بعضها إلى بعض؛ لأن الواجب في قيمتها فأشبهت العروض انتهى.
ويضم ما تعددت معادنه واتحد جنسه، ولا زكاة في مسك وزباد ولا مخرج من بحر كسمك ولؤلؤ ومرجان وعنبر ونحوه، ولو بلغ نصابًا؛ لأن الأصل عدم الوجوب وكان العنبر وغيره يوجد في عهده –عليه الصلاة والسلام- وعهد خلفائه ولم ينقل عنه ولا عنهم فيه شيء فوجب البقاء على الأصل؛ ولأن الغالب فيه وجوده من غير مشقة فهو كالمباحات الموجودة في البر. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

مما يتعلق بالمعدن من النظم
ويُفرضُ أيضًا مِنْ مَعَادن جَوهر ... وِقارٍ وصُفْرٍ والرّصَاصِ وإثْمِدِ
وملحٍ وكبريتٍ ونفْطٍ ومَغْرَةً ... وسَائِر ما يُسَمَّى بمَعْدِنِ اعدد
إذا كان من أثمانه قدر منصب ... ومقداره من غير قيمته قد
ووقتُ وجوب الفرض حين حِيَازه ... ووَقْتُ الادَاءِ مَع سَبْكِهِ والتَّمَهدِ
إذا كان من أهْل التزكي مخرجٌ ... ومصرفه مثل الزكاة فقَيِّدِ
وفي الكل ربعُ العُشْرِ ممّا شَرَطتُهُ ... ولو حِيْزَ في مرّاتِ فِعْلِ مُرَدَّدِ
إذا لمْ يُفَرِّق بَيْنَهَا ترك مُهْمِلٍ ... وفِي خُلْطَةِ الجمعِ أرْو قَوليْن وأسْمِدِ
وَلا شيءَ فيما يُخْرِجُ البَحْرُ مُطْلَقًا ... وَمِعنك وعنه منه كالمعدنِ أرْفِدِ


9- فصل في الركاز
س70: ما هو الركاز؟ وما الواجب فيه؟ وبيَّن مصرفه؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: الرِّكاز الكنز من دفن الجاهلية أو مَن تقدم عن كفار في الجملة عليه أو على بعضه علامة كفر فقط، وما خلا من علامة أو كان على شيء منه علامة المسلمين فلقطة لا يملكه إلا بعد التعريف؛ لأنه مال مسلم لم يعلم زوال ملكه عنه وتغليبًا لحكم دار الإسلام، ويجب في الركاز الخمس؛ لما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «العجماء جرحها جبَار والبئر جبار والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» متفق عليه، ويصرف الخمس مصرف الفيء للمصالح كلها؛ لما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها مائتي دينار ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل يقسم المائتين بين من حضر من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير، فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك، فلو كان الخمس زكاة لخصَّ بها أهل الزكاة، وقيل: إن مصرفه مصرف الصدقات؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله ابن بشر الخثعمي عن رجل من قومه، يقال له: ابن حَمَمَة، قال: سقطتُ على حِرة من دَيْر قَديم بالكوفة عند حبانة بشْر فيها أربعة آلاف درهم فذهبت بها إلى علي -عليه السلام-، فقال: اقسمها خمسة أخماس، فقَسمتُها، فأخذ منها عَليُّ خمسًا وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين، فقلت: نعم، قال: فخذها واقسمها بينهم، والمساكين مصرف الصدقات؛ ولأنه حق يجب في الخارج من الأرض فأشبه صدقة المعدن. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س71: متى يجب خمس الركاز؟ وهل يجوز إخراج الخمس من غير ركاز؟ وهل يمنع الدين خمس الركاز؟ وهل لواجده أن يفرق الخمس بنفسه؟ وإذا كان واجدُه أجيرًا أو مكاتبًا أو صغيرًا أو مجنونًا أو ذميًا أو مستأمنًا فما الحكم؟
ج: يجب في الركاز الخمس في الحال في أي نوع من المال، ولو غير نقد ويجوز إخراج الخمس من غيره كزكاة الحبوب وغيرها، ولا يمنع الدين خمس الركاز، ويجوز لواجده أن يفرق الخمس بنفسه وباقيه لواجده ولو ذميًا أو مستأمنًا بدارنا أو مكاتبًا أو صغيرًا أو مجنونًا، ويخرج عنهما ولبهما كزكاة مالهما ونفقة تجب عليهما إلا أن يكون واجده أجيرًا فيه لطلبه، فالباقي إذن لمستأجره؛ لأن الواَجِد نائب عنه، ولو استؤجر لحفر بئر أو هدم شيء فوَجدَه فهو له لا لمستأجره لا من كسب الواجِدِ وإن وَجدَهُ عبد فهو من كسبه فيكون لسيده كسائر كسبه.

س72: إذا وجَدَ الركازَ واجدٌ في موات أو شارع أو أرض لا يُعلم مالكها أو في خَرِبة أو في ملكه الذي أحياه فلِمَنْ يكون الركاز؟
ج: إن وَجدَه واجِدٌ في موات أو شارع أو أرض لا يعلم مالكها أو وجده في طريق غير مملوك أو في خربة أو في ملكه الذي أحياه فهو لواجده وإن علم مالك الأرض التي وجد بها الركاز أو كانت الأرض منتقلة إلى واجد الركاز فهو له أيضًا إن لم يَدَّعِهِ المالكُ للأرض؛ لأن الركاز لا يملك بملك الأرض؛ لأن مودع فيها للنقل عنها فلو ادعاه مالك الأرض التي وجد بها بلا بينة تشهد له به ولا وصف بصفة به فالركاز لمالك الأرض مع يمينه؛ لأن يد مالك الأرض على الركاز فرجح بها وكذا لو ادعاه مَنْ انتقلت عنه الأرض؛ لأن يده كانت عليها، وإن اختلفت ورثة المالك فادعى بعضهم أنه لمورثهم وأنكر البعض الآخر فحكم من أنكر حكم المالك الذي لم يعترف به وحكم المدعين حكم المالك المعترف فيحلفون ويأخذون نصيبهم وكذا ورثة من انتقلت عنه.

ومن يتعلق بالركاز من النظم:
وفرض الركاز الخمس من كل ما لنا ... ولو قل مثل الفيء في الحال أورد
فيؤخذ خمس إن يجده معاهد ... وفي الثاني لا والكل خذه بمبعد
وعنه إلى أهل الزكاة ادْفَعنَّه ... وأربعة الأخماس منه لوَاجدِ
وسيان في أي الرباع أوجدتَه ... وعن أحمد للمالك إن عَلِم أرْدِدِ
وإن رده مَن عنه حزتَ مكانَهُ ... فجاوز إلى مَن قبله وتصَعَّد
وقولان هل يعطي لمن عنه نقلت ... مقربه من غير وصف وشهد
وذلك دفن الكافرين بزيهم ... وَمعَ شك أو زيّ الهدى اللقطة أنشُدِ
وممتَنع في أرض حرب غنيمةٌ ... كجمع أتوا في منعة وتعَدُّدِ
وأن يتأتى الأخذ من غير منعة ... فذاك ركاز في الأصح المجوّدِ
وجُوِّزَ صَرفَ الخمس منه لواجد ... في الأقرى إذا ما كان أهل التزود

10- باب زكاة الذهب والفضة
س73: تكلم عما تجب فيه الزكاة من الأثمان مع ذكر الدليل؟
ج: مما تجب فيه الزكاة الأثمان وهي النقود من الذهب والفضة وما يقوم مقامها من أوراق وفلوس نقدية ووجوب الزكاة فيهما بالكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية والسُّنة مستفيضة بذلك، ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار يُحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنُبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد» رواه مسلم وروى البخاري وغيره في كتاب أنس: «وفي الرقة ربع العشر؛ فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها والرقة هي الدراهم المضروبة»، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ليس فيما دون خمس أواقي صدقة» متفق عليه، وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه إلا ما اختلف فيه عن الحسن، قاله في «المغني» و«الشرح الكبير».

س74: ما أقل نصاب ذهب وفضة؟ وما مقدار كل منهما في الريال الحالي والجنيه؟ وتكلم بوضوح عن الأوراق الموجودة حاليًا.
ج: أقل نصاب ذهب عشرون مثقالاً زنة المثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، ولم تتغير في جاهلية ولا إسلام، وزنة العشرين مثقالاً بالدراهم ثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم إسلامي وخمسة وعشرون وسبعًا دينار وتسعة بالذي زنته درهم وهو على التحديد، والمثقال ثنتان وسبعون حبَّة شعير متوسطة. والنصاب بالذهب بالجنيه السعودي، وكذلك بالجنيه الفرنجي أحد عشر جنيهًا ونصف جنيه، وأقل نصاب فضة مائتا درهم وبالريال العربي ستة وخمسون ريالاً تقريبًا، وبالريال الفرنسي ثلاثة وعشرون ريالاً تقريبًا؛ لما في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، والأوقية: أربعون درهمًا وهي بالمثاقيل مائة وأربعون مثقالاً؛ وأما الأوراق الموجودة؛ فإذا ملك منها ما يقايل نصابًا من الفضة وحال عليها الحول؛ فإنه يخرج منها ربع العشر ويجب في الذهب والفضة ربع العشر مضروبين أو غير مضروبين؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كانتا مائتا درهم فيهما خمسة دراهم»؛ ولعموم ما تقدم وعن ابن عمر وعائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال. رواه ابن ماجه.

س75: تكلم عن حكم مغشوش الذهب؟ وهل يجزي إخراج الزكاة من المغشوش؟ وماذا يعمل إذا شك في بلوغ مغشوش نصابًا؟ وإذا أخرج رديء عن أعلى فما الحكم؟ وهل يجزي إخراج مغشوش عن خالص وقليل القيمة عن كثيرها؟
ج: يزكي مغشوش ذهب وفضة بلغ خالصه نصابًا وإلا فلا؛ فإن شك في بلوغ مغشوش نصابًا سَبَكه واحتاط فأخرج ما يجزيه بيقين لتبرأ ذمته والأفضل إخراجه عنه ما لا غش فيه، ويزكي غش من نقد بلغ بضم نصابًا فأربع مائة ذهب فيها مائة فضة وعنده مائة فضة يزكي المائة الغش؛ لأنا بلغت نصابًا بضمها إلى المائة الأخرى، وكذا لو بلغ نصابًا بدون الضم كخمسمائة درهم فيها ذهب ثلاثمائة وفضة مائتان فيزكي المائتين الغش؛ لأنها نصاب بنفسها، وإن شك من أيهما الثلاثمائة درهم احتاط فجعلها ذهبًا فيخرج زكاة ثلاثمائة درهم ذهبًا ومائتي درهم فضة احتياطًا، ويعرف غش الذهب المغشوش بوضع ذهب خالص وزنَ المغشوش بماء في إناء أسِفله كأعلاه، ثم يرفع الذهب، ثم يوضع فضة خالصة وزن المغشوش والفضة أضخم من الذهب ثم ترفع، ثم توضع مغشوش، ثم يرفع ويعلم عند وضع كل من ذهب وفضة ومغشوش علو الماء في الإناء والأولى كونه ضيقًا ليظهر ذلك؛ فإن تنصف بينهما علامة مغشوش فنصفه ذهب ونصفه فضة ومع زيادة أو نقص عن ذلك بحسابه ويخرج عن جيد صحيح من ذهب أو فضة من نوعه كالماشية لوجوب الزكاة في عينه ويخرج عن رديء من ذهب وفضة من نوعه؛ لأن الزكاة مواساة فلا يلزمه إخراج أعلى مما وجبت فيه، وإن اختلفت أنواع مزكي أخرج من كل نوع بحصته؛ لأنه الواجب شق أو لم يشق والأفضل الإخراج من الأعلى؛ لأنه زيادة خير للفقراء ويجزي إخراج رديء عن أعلى مع الفضل كدينار ونصف من الرديء عن دينار جيد مع تساوي القيمة؛ لأن الرِّبَا لا يجري بين العبد وربه كما لا يجزي بين العبد وسيده، ويجزي إخراج مغشوش عن خالص جيد مع الفضل وتجزي دراهم سود عن دراهم بيض مع الفضل نصًا؛ لأنه أدى الواجب قيمة وقدرًا كما لو أخرج من عينه ويجزي قليل القيمة عن كثيرها مع إنفاق الوزن لتعلق الوجوب بالنوع وقد أخرج منه ولا يجزي أعلى عن واجب بالقيمة دون الوزن، فلو وجب نصف دينار رديء فأخرج عنه ثلث جيد يساويه قيمة لم يجزه لمخالفة النص فيخرج أيضًا سدسًا.
يتبع إن شاء الله...



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:06 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأحد 01 نوفمبر 2015, 6:44 am

س76: هل يضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب؟ وما حكم ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة؟ وما حكم ضم جيد كل جنس ومضروبه إلى دريئه وتبره؟
ج: يضم أحد النقدين إلى الآخر بالأجزاء في تكميل النصاب؛ لأن زكاتهما ومقاصدهما متفقة؛ ولأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر فضم إلى الآخر كأنواع الجنس ويخرج أحد النقدين عن الآخر فيخرج ذهب عن فضة وعكسه بالقيمة لاشتراكهما في المقصود من الثمنية والتوسل إلى المقاصد فهو كإخراج مكسرة عن صحاح بخلاف سائر الأجناس لاختلاف مقاصدهما، ولأنه أرفق بالمعطي والآخذ ولئلا يحتاج إلى التشقيص والمشاركة أو بيع أحدهما نصيبه من الآخر في زكاة ما دون أو بعين دينارًا وإن اختار الدفع من الجنس وأباه فقير لضرر يلحقه في أخذه لم يلزم مالكًا إجابته؛ لأنه أدى فرضه فلم يكلف سواه ويضم جيد كل جنس ومضروبه إلى رديته وتبره وتضم قيمة عروض تجارة إلى الذهب أو الفضة وتضم إلى جميعه، فلو كان ذهب وفضة وعروض ضم الجميع في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضموم إلى كل منهما فوجب ضمهما إليه. والله أعلم.

11- فصل في زكاة الحلي
س77: تكلم بوضوح عن حكم زكاة الحلي، وأذكر ما فيه من خلاف ودليل أو تعليل بإستقصاء؟
ج: تجب الزكاة في حلي الذهب والفضة، إذا بلغ نصابًا بنفسه أو بما يضم إليه من جنسه أو في حكمه، ولم يكن معدًا للاستعمال ولا للإعارة؛ فإن كان معدلهما أو لأحدهما فلا زكاة فيه؛ لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجَواريه الذهب ولا يخرج من حليهن الزكاة، ورواه عبد الرزاق، أنبأنا عبد الله، عن نافع: أن ابن عمر قال: «لا زكاة في الحلي»، وروى مالك أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها فلا تخرج من حليهن الزكاة كلاهما في «الموطأ» (أثر أخرجه) الدارقطني عن شريك عن علي بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة أثر آخر، رواه الشافعي، ثم البيهقي من جهة أبي سفيان عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي: أفيه الزكاة؟ قال جابر: لا، فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر: كثير. (أثر آخر) أخرجه الدارقطني عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن
أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحوًا من خمسين ألفًا، قال صاحب «التنقيح»: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، يقول: «خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة: أنس بن مالك، وجابرًا، وابن عمر، وعائشة، وأسماء» انتهى كلامه. قال في «شرح الإقناع» وما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة في يدها سواران من ذهب: «هل تعطين زكاة هذا»، قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار» رواه أبو داود، فهو ضعيف. قال أبو عبيد والترمذي: وما صح من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «في الرقة ربع العشر»، فجوابه: إنها الدراهم المضروبة، قال أبو عبيد: لا يعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المضروبة ذات السكة السائرة بين المسلمين وعلى تقدير الشمول يكون مخصصًا بما ذكرنا؛ ولأنه مرصد للاستعمال المباح فلم يجب فيه الزكاة كالعوامل وثياب القنية، قال المعلق على «شرح الإقناع» في (ص211) على حديث المسكتين: الحديث عند أبي داود وغيره أتت امرأة من أهل اليمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» الحديث.
قال أبو عبيد في «الأموال» (ص454): هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد بإسناد، وقد تكلم به قديمًا وحديثًا؛ فإن يكن الأمر على ما روى وكان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - محفوظًا فقد يحتمل معناه أن يكون أراد بالزكاة العارية كما فسرته العلماء سعيد بن المسيب والشعبي والحسن وقتادة في قولهم: زكاته عاريته، ولو كانت الزكاة في الحلي فرضًا كفرض الرقة ما اقتصرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك على أن يقوله لامرأة يخصها به عند رؤيته الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه وسننه ولفعلته الأئمة بعد، وبهذا القول قال القاسم والشعبي وقتادة ومحمد بن علي وعمرة ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور. قال في «الاختيارات الفقهية» ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته؛ ولهذا تنازع أهل هذا القول هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها على وجهين في مذهب أحمد وغيره والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره؛ وأما إن كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء، وفي «شرح أصول الأحكام» قال ابن القيم: وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وهو الراجح وإنه لا يخلو من زكاة أو عاريَّة.
والقول الثاني: أن فيه الزكاة وإن كان معدًا للاستعمال أو للإعارة لظاهر الآيات وللأحاديث العامة والخاصة فمن الأحاديث العامة حديث أبي سعيد الخدري: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» أخرجاه في «الصحيحين»، ولمسلم عن جابر نحوه، ومنها ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار»، قال: فحذفتهما فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: هما لله ولرسوله» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني. وما ورد عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتَحات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقالت: صنعتهن أتزين لك، قال: «حسبك من النار»» رواه أبو داود والدارقطني، وفي إسناده محمد بن يحيى الغافقي، وقد احتج به الشيخان وغيرهما.
وعن أم سلمة قالت: «كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو، فقال: «ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز»» رواه مالك وأبو داود الآثار. روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» حدثنا وكيع عن مساور الورّاق قال: «كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن مُرْ من قبلك من نساء المسلمين أنْ يُزَكِّينَ حُليهُنَّ ولا يحملن الزيادة والهدية بينهم تقارضًا» قال البخاري في «تاريخه»: هو مرسل أثر آخر أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن مسعود قال: «في الحلي الزكاة» انتهى من طريق عبد الرزاق، رواه الطبراني في «معجمه»، أثر آخر أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه كان يكتب إلى خازنه سالمًا أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة، وكما روي هذا عن عمر وابن مسعود، فقد روي أيضًا عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعبد الله بن شداد وجابر ابن زيد وابن سيرين وميمون بن مهران والزهري والثوري وأصحاب الرأي لعموم ما تقدم. والذي يترجح عندي القول الأول لما تقدم؛ ولأنه مرصد للاستعمال المباح ولم يرصد للنماء، والزكاة إنما شرعت في الأموال النامية. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س78: تكلم عما يلي واذكر أمثلة توضح ما يحتاج إلى توضيح: الحلي، المحرم ما أعد للكراء، وما أعد للنفقة، هل العبرة بالوزن؟ وبأي شيء يقوم مباح الصناعة: تحلية المسجد والمحراب، تحلية السقف والحائط؟
ج: تجب الزكاة في محرم كآنية ذهب وفضة؛ لأن الصناعة المحرمة كالعدم، وتجب الزكاة في حلي مباح معد للكري أو نفقة ونحوه إذا بلغ نصابًا وزنًا؛ لأن سقوط الزكاة فيما أعد لاستعمال أو إعارة لصرفه عن جهة النماء فيبقى ما عداه على الأصل إلا المباح من الحلي المعد للتجارة ولو نقد فيعتبر نصابه قيمة كسائر أموال التجارة ويقوِّم مباح صناعة لتجارة ولو نقدًا بنقد آخر؛ فإن كان من ذهب قوِّم بفضة وإن كان من فضة قومِّم بذهب إن كان تقويمه بنقد آخر أحظ للفقراء أو نقص عن نصابه كخواتم فضة لتجارة زنتها مائة وتسعون درهمًا وقيمتها عشرون مثقالاً ذهبًا فيزكيها بربع عشر قيمتها؛ فإن كانت مائتي درهم، وقيمتها تسعة عشر مثقالاً وجب أن لا تقوم وأخرج ربع عشرها، ويعتبر مباح صناعة من حلي تجب زكاته الغير تجارة بلغ نصابًا أو وزنًا في إخراج زكاته بقيمته اعتبارًا للصنعة ويحرم أن يحلى مسجد أو محراب بنقد أو أن يموه سقف أو حائط بنقد، وكذا سرج ولجام دواة ومقلمة ونحوها؛ لأنه سرف ويقضي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فهو كالآنية، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التختم بخاتم الذهب للرجل فتمويه نحو السقف أولى وتجب إزالته كسائر المنكرات وتجب زكاته إذا بلغ نصابًا بنفسه أو ضم إلى غيره إلا إذا استهلك فلم يجتمع منه شيئًا فيهما.

س79: ما الذي يباح من الذهب والفضة وما الذي يباح للنساء؟ وهل يجب في الجواهر واللؤلؤ زكاة؟
ج: يباح لذكر من فضة خاتم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتمًا من ورق متفق عليه ولبسه بخنصر يساره أفضل. قال الدارقطني وغيره المحفوظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتختم في يساره، وضعّف أحمد في رواية الأثرم وغيره حديث التختم، باليمنى ويجعل فصه مما يلي كفه؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- كان يفعل ذلك قاله في الفروع، وكان ابن عباس وغيره يجعله مما يلي ظهر كفه ولا بأس بجعله مثقالاً فأكثر؛ لأنه لم يرد فيه تحديد ما لم يخرج عن العادة؛ لأن الأصل التحريم خرج المعتاد لفعله - صلى الله عليه وسلم - وفعل الصحابة وله جع لفصه منه ومن غيره؛ لأن في البخاري من حديث أنس كان فصه منه، ولمسلم كان فصه حبشيًّا ويكره لبسه في سبابة ووسطى للنهي الصحيح ويباحُ لذكر من فضة قبيعة سيف لقول أنس كانت قبيعة سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضة، رواه الأثرم.
والقبيعة: ما يجعل على طرف القبضة؛ ولأنها معتاد له أشبهت الخاتم ويباح حلية منطقة وهي ما يشتد به الوسط وتسميه العادة الحياصة؛ لأن الصحابة أتخذوا المناطق محلاة بالفضة ولأنها كالخاتم وعلى قياسه حلية جوشن وهو الدرع وخوذة وهي البيضة وخف وران وهي شيء يلبس تحت الخف وحمائل سيف؛ لأن هذه معتادة للرجُل فهي كالخاتم ولا يباح حلية ركاب ولجام ردواة ونحو ذلك ويباح لذكر من ذهب قبيعة سَيْف، قال أحمد: «كان في سيف عمر سبائك من ذهب، وكان في سيف عثمان بن حنيف - رضي الله عنه - مسمار من ذهب»، ويباح له من ذهب ما دعت إليه ضرورة كانت ولو مكن من فضة؛ لأن عَرْفجة بن سعيد قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتخذ أنفًا من ذهب، رواه أبو داود وغيره صححه الحاكم. وكشدّ سن، رواه الأثرم عن أبي رافع وثابت البناني وغيرهما؛ ولأنهما ضرورة فأبيح كالأنف ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه، ولو كثر ولو زاد على ألف مثقال كسوار ودملوج وطوق وخلخال وخاتم وقرط وما في مخانقِ ومقالدٍ وما أشبه ذلك ويباح لرجل وخنثى وامرأة تحلِّ بجوهر ونحوه كزمرد وياقوت ويحرم نقض صورة حيوان على خاتم ولبسه ما بقيت عليه ولا زكاة في الجواهر واللؤلؤ وإن كثرت قيمته أو كان في حلي كسائر العروض إلا أن يكون الحلي لتجارة فيقوّم جميعه أي ما فيه من جوهر ولؤلؤ وغيرهما تبعًا لما فيه من نقد. والله أعلم.

ومما يتعلق بزكاة الذهب والفضة والحلي:
وللذهب العشرون مثقالاً لا اتخد ... نصابًا وربع العشر فرضٌ لها طدِ
وفي فضة صرفًا فخذ ربع عشرها ... على مائتيها المنصب الخمسة أعددِ
ونقص يسير عادة غير مانع ... وفي ثلث مثقال مقاليْنِ أسندِ
وفي زائد عن منصب بحاسبه ... فأدّ زكاة الأصل والمتزيدِ
ولا عبرة في الغش في قدر منصب ... ومن شك يخرج أوالي السبك أرشدِ
وأن يخرجن عن جيد وصحيحها ... لضد فتمم نقص ذا بالتزيدِ
ويجزي مع الجبران في نص أحمد ... وقد قيل لا يجزي هنا غير جيدِ
وفي ضم ورقِ في النصاب وعسجد ... وإخراج ذا عن ذا مَقالين أسند
وضَمكَ بالأجزاءِ أولى وقيل بل ... بقيمة ما فيْه الأحض لمجُتَدِ
وقيمة عرض ضمها لِكليهما ... وحظ الفقير الزْمهُ في الضم واقصدِ

ما يتعلق بالحلي:
ولا شيء في حلي مباح تعدة ... لفعل مباح لا لكسب بأوكد
ولو كان ملكًا للمزين عرسه ... وعارية الأنثى كذا حكم نهد
وما أعتادهُ النسوان حل جميعه ... وقيل ألف مثقال يزكي وأبعد
وحل على الذكران خاتم فضة ... وحلية سيف مع قبيعة عسجد
وأنف وربط السن منه ضرورة ... وقول أبي بكر مبيح المزهد
وحلي حرام والأواني فزكها ... وما اعتد للإنفاق أو للتزيد

12- باب زكاة العروض
س80: ما هو العرض؟ ومتى تجب زكاته؟ وما سندها؟ وما الذي تجب فيه زكاته؟ وما الذي يشترط لزكاة العروض؟
ج: العروض جمع عرض بإسكان الراء وهو ما عدا الأثمان من الحيوان والثياب وبفتحها كثرة المال والمتاع، وسمي عرضًا؛ لأنه يعرض ليباع ثم يشترى، وقيل: لأنه يعرض ثم يزول ويفنى، والمراد هنا ما أعد للبيع والشراء لأجل ربح غير النقدين غالبًا، تجب في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابًا في قول الجماهير وادعاه ابن المنذر إجماع أهل العلم، وقال المجد: هو إجماع متقدم لقوله تعالى: {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ}، وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} الآية، وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (25/45): والأئمة الأربعة وسائر الأمة إلا من شذ متفقون على وجوبها في عروض التجارة سواء كان التاجر مقيمًا أو مسافرًا سواء كان متربصًا وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخر ما إلى وقت ارتفاع السعر أو مديرًا كالتجار الذين في الحوانيت سواء كانت التجارة بزًا من جديد أو لبيس أو طعامًا من قوت أو فاكهة أو أدم أو غير ذلك أو كانت آنية كالفخار ونحوه أو حيوانًا من رقيق أو خيل أو بغال أو حمير أو غنم معلوفة أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة ومال التجارة أعم الأموال فكان أولى بالدخول لحديث أبي ذر مرفوعًا: «وفي البر صدقة» رواه أحمد، ورواه الحاكم من طريقين وصحح إسنادهما، وقال: إنه على شرط الشيخين واحتج أحمد بقول عمر لحماس -بكسر الحاء المهملة: «أد زكاة مالك»، فقال: مالي إلا جعاب وأدم، فقال: قومها وأد زكاتها، رواه أحمد وسعيد وأبو عبيد وأبو بكر ابن أبي شيبة وغيرهم وهو مشهور؛ لما ورد عن سَمُرةَ بن جندب قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» رواه أبو داود. وتجب لزكاة في قيمة عروض تجارة بلغت نصابًا من أحد النقدين إلا في نفس العرض؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة فهو محل الوجوب والقيمة إن لم توجد عينًا فهي مقدرة شرعًا، وقال الشيخ تقي الدين: ويجوز الأخذ من عينها، قال: ويقوى على قول من يوجب الزكاة في عين المال، وهذا القول عندي أنه أرجح؛ لأن الزكاة مواساة فلا يكلفها من غير ماله، ويشترط لزكاة العروض شرطان: الأول: أن يملكها بفعله بنية التجارة. الثاني: أن تبلغ قيمتها نصابًا.

س81: تكلم بوضوح عما يلي: إذا ملك العروض بإرث أو بفعله بغير نية التجارة؟ من كان عنده عرض لتجارة فنواه للقنية ثم لتجارة، متى تقوم العروض؟, وما صفة تقويم الأمة المغنية والعبد الخصي وآنية الذهب والفضة ونحوها؟
ج: إذا ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نوى التجارة بها لم تصر لها، وكذا لو ملكها بإرث لم تصر لها إلا أن يكون اشتراها بعرض تجارة فلا يحتاج إلى نية التجارة، بل يكفيه استصحاب حُكمها بأن لا ينويها للقنية وإن كان عنده عرض تجارة فنواه للقنية دون التجارة ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة؛ لأن القنية هي الأصل فيكفي في الرد إليه مجرد النية كما لو نوى المسافر الإقامة؛ ولأن نية التجارة شرط للوجوب فيها؛ فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شروط الوجوب بخلاف السائمة إذا نوى علفها؛ فإن الشرط السوم دون النية إلا حُليِّ اللبس ذا نوى به التجارة فيصير لها بمجرد النية؛ لأن التجارة الأصل فيه، فإذا نواه للتجارة فقد رده إلى الأصل وتقوم للعروض عند تمام الحول؛ لأنه وقت الوجوب بالأحظ للفقراء من ذهب أو فضة ولا يعتبرها ما اشتريت به من عين أو ورق لا قدرًا ولا جنسًا، روي عن عمر؛ لأن في تقويمها بما اشتريت به أبطال للتقويم بالأنفع، وتقوّم الأمة المغنية والزامرة والضاربة بآلة لهو ساذجة أي خالية عن معرفة ذلك؛ لأنها لا قيمة لها شرعًا ويقوم العبد الخصي بصفته ولا عبرة بقيمة آنية ذهب وفضة ونحوها كمراكب وسرج لتحريمها فيعتبر نصابها وزنًا.

س82: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا اشترى أو باع عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان أو من العروض، إذا اشترى عرض التجارة بنصاب من السائمة أو باع عرض التجارة بنصاب من السائمة، إذا اشترى نصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية، إذا ملك نصاب سائمة لتجارة فحال الحول والسوم ونية التجارة موجدان؟
ج: إذا اشترى أو باع عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان أو من العروض بنى على حوله أي حول الأول وفاقًا؛ لأن الزكاة في الموضعين تتعلق بالقيمة وهي الأثمان، والأثمان يبنى حول بعضها على بعض؛ ولأن وضع التجارة للتقلب والاستبدال بثمن وعروض فلو لم يبن بطلت زكاة التجارة وإن لم يكن النقد نصابًا فحوله من حين كملت نِصابًا لا من حين اشتراه وإن اشترى عرض التجارة بنصاب من السائمة لم يبن على حوله لاختلافهما في النصاب والواجب وإن اشترى نِصاب سائمة لتجارة بنصاب سائمة لقنية بنى حَولِه؛ لأن السموم سبب للزكاة قدم عليه زكاة التجارة؛ لقوته فبزوال المعارض ثبت حكم السوم لظهوره.

س83: من ملك نصاب سائمة لتجارة أو ملك أرضًا لتجارة فزرعت أو ملك نخلاً لتجارة فأثمر فهل عليه زكاة تجارة أو يزكي لغيرها؟ إذا اشترى صباغ ما يصبغ به للتكسب فهل يزكيه؟ إذا ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة فما الحكم؟ وهل تزكي آنية عرض التجارة أو آلة دابة التجارة وضح ذلك، مع التمثيل لما يحتاج إلى تمثيل؟
ج: من ملك نصاب سائمة لتجارة أو ملك أرضًا لتجارة فزرعت أو ملك نخلاً فأثمر فعليه زكاة تجارة فقط الزرع والثمر جزر خرجًا منه فوجب أن يقوما مع الأصل كالسخال والربح المتجدد إلا أن لا تبلغ قيمة المذكور نصابًا بأن نقصت عن عشرين مثقالاً ذهبًا وعن مائتي درهم فضة فيزكي ذلك لغير التجارة فيخرج من السائمة زكاتها، ومن الزرع والثمر ما وجب فيه لئلا تسقط الزكاة بالكلية ومن ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية للتجارة استأنف الحول للسوم؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء وحول السوم لا يُبنى عليه غيره وأما آنية عرض التجارة كغرائر وأكياس وأجربة وآلة دابة التجارة كسرج ولجام وبردعة ومقود؛ فإن أريد بيعها مع العرض والدابة فهما مال تجارة يقوّمان مع العرض والدابة وإلا يريد بيعها فلا يقوّمان كسائر عروض القنية.

س84: إذا اشترى شقصًا مشفوعًا لتجارة بألف فصار عند تمام الحول بألفين فما الحكم؟ وإذا اشترى صباغ ما يصبغ به أو دباغ ما يدبغ به فما الحكم؟ وإذا أذن كل واحد من شريكين أو غيرهما لصاحبه في إخراج زكاته فما الحكم؟
ج: في المسألة الأولى يزكي ألفين؛ لأنهما قيمته ويأخذه الشفيع بالشفعة بألف؛ لأنه يأخذه بما عقد عليه وينعكس الحكم بعكسهما؛ فإذا اشترى بألفين فصار عند الحول بألف زكي ألفًا وأخذة الشفيع إن شاء بألفين وكذا لو ردّ لعيبه ردّهُ بألفين، وإن اشترى صباغ ما يصبغ به وينفي أثره كزعفران ونيل ونحوه فهو عرض تجارة يقوّم عند تمام حوله لإعتياضه عن الصبغ القائم بنحو الثوب ففيه معنى التجارة وكذا ما يشتريه دباغ ويَدبَغُ به كعفص وقرض وما يدهن به كسمن وملح، وإذا أذن كل من شريكين أو غيرهما لصاحبه في إخراج زكاته ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه إن أخرجا معا أو جهل سابق وإلا ضمن الثاني ولو لم يعلم لا إن أدى دينًا بعْدَ إداء مُوكَّلهِ ولو لم يعلم ولهن عليه زكاةُ الدقة تطوعًا قبل إخراجها.

مما يتعلق بزكاة عروض التجارة:
ومن قيمة العروض اقبضن فرض بالغ ... نصابًا من الأثمان من ثم فاعقد
وقيمتها أصل تفارقه إذا ... تملكتها تنوي إتجارًا بها قد
ولا شيء فيها إن بإرث ملكتها ... أو الفعل لم تنويها تجر قصد
ولا إن نوى بعد اقتناء تجارة ... وعنه بلى فاحكم بقصد مجرد
ولا تعتبر حال الشراء وقوِّمن ... لدى الحول بالأولى لأهل التفقد
وتبني على حول الأصول مبدلاً ... وسائمة إن بعت بالفرض فابتدى
وسائمة عرضا تزكي تجارة ... وأي نصابيها استوى عنه زود
وقبل زكاة زكها من نصابها ... وقيل الأحظ افعله للفقراء قد
وإن ما تكن أرضًا ونخلاً فزكها ... وأثمارها والزرع كالعرض ترشد
وقال أبو يعلى خذ العشر للنما ... كسبقهما حول التجارة وراشد
ويخرج عن مال القراض وحظه ... من الريح رب المال من حظه قد
وقيل من الربح احسبن كمضارب ... إذا قيل زكى جاز منه بمبعد
وكل شريك ضامن حق آذن ... إذا أخرجاها دفعة بتعدد
ويضمن ثان حتى أول مخرج ... ولو جاهلاً أو بعد عزل بأجود


13- باب زكاة الفطر
س85: ما حكم صدقة الفطر؟ وما الأصل في مشروعيتها؟ ولما أضيفت إلى الفطر؟ وما هي الفطرة؟ وما الذي يُراد بصدقة الفطر؟ وما الحكمة فيها؟
ج: حكمها أنها واجبة وجوب عين على كل مسلم تلزم مؤنة نفسه ولو مكاتبًا فضل له عن قوته ومن تلزمه مؤنته يوم العيد وليلته صاع وأضيفت إلى الفطر؛ لأنه سبب وجوبها فهو من إضافة الشيء إلى سببه، وقيل: لها فطرة؛ لأن الفطرة الخلقة؛ قال الله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس والحكمة فيها هي المذكورة في حديث ابن عباس: «زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة المساكين» الحديث رواه أبو داود وابن ماجه، والأصل في مشروعيتها ما روى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر وصاعًا من أقط أو صاعًا من شعير على كل حر وعبد وذكر وأنثى من المسلمين» متفق عليه.
وللبخاري: «والصغير والكبير من المسلمين».

وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} أنها زكاة الفطر.

س86: بين مصرف صدقة الفطر؟ وهل الدين مانع من وجوبها؟ وهل تجب في مال اليتيم؟ ومن الذي يتولى أمره فيها؟ وما الدليل على أنها تلزم لمن مانه من المسلمين؟
ج: مصرفها كزكاة لعموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الآية وتجب في مال اليتيم كزكاة المال ويخرجها عنه وليه كما ينفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته؛ وأما كونها تلزمه عمن يمونه من المسلمين كزوجة وعبد وولد فلعموم حديث ابن عمر: «أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممَّن تمونون» رواه الدارقطني، ولا يمنع الدين وجوبها إلا مع طلبه لتأكيدها بدليل وجوبها على الفقير وعلى كل مسلم قَدَرَ عليها وتحملها عمن وجَبَت عليه؛ ولأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه بخلاف زكاة المال إلا مع الطلب بالدين فتسقط لوجوب إرادته بالطلب وتأكده بكونه حق آدمي معين وبكونه أسبق سببًا ومقدارها صاعٌ فاضل بعد حاجتهما لمسكن وخادم ودابة وثياب مهنة وكسب علم النظر وحفظ؛ لأن هذه حوائج أصلية يحتاج إليها كالنفقة.

س87: على من تجب فطرة زوجة المكاتب ورفيقه وقريبه ممن تلزمه مؤنته؟ وإذا لم يفضل مَعَ مَن وجَبت عليه زكاة الفطر إلا بعض صاع، فما الحكم؟
ج: تلزم المكاتب فطرة زوجته وفطرة قريبه ممن تلزمه مؤنته كولده التابع له في الكتابة وتلزمه فطرة رقيقه كفِطرَة نفسه لدخوله في عموم النص؛ ولأنه مسلم تلزمه نفقة من ذكر فلزمته فطرته كالحر وإن لم يفضل إلا بعض صاع لزمه إخراجه عن نفسه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولأنها طهرة فهي كالطهارة بالماء؛ فإن فضل صاع وبعض صاع أخرج الصاع عن نفسه؛ لحديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وأخرج البعض عمن تلزمه نفقته ويكمله المخرج عنه إن قدر؛ لأنه الأصيل والمخرج متحمل.

س88: هل تلزمُ الزوج فطرة مَن بانت عنه وهي حَامل؟ وهل يلزمُ المستأجر لأجير وظئر بطعامها وكسوتهما فِطرةً؟ وتكلم عن فطرة من وجبت نفقته في بيت المال؟ وعن فطرة الزوجة الناشز؟ وممن لا تجب نفقتها لصغر أو زوجة أمة تسلمها زوجها ليلاً دون نهار؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: لا تلزم الفطرة الزوج لبائن حامل؛ لأن النفقة للحمل لا لها من أجل الحمل، ولا تلزم الفطرة من استأجرها أجيرًا أو ظئرًا بطعامه وكسوته كضيف؛ لأن الواجب هاهنا أجرة تعمدُ الشرط في العقد فلا يُزاد عليها، ولاتجب فطرة مَن وجَبت نفقته في بيت المال كعبد الغنيمةِ قبل القسمة وعبد الفيء واللقيط؛ لأن ذلك ليس بإنفاق وإنما هو إيصال المال في حقه، وترتيب الفطرة كالنفقة لتبعيتها لها ولا تجب فطرة غائب إن شك في حياته، ولا تبج فطرة زوجة ناشز أو زوجة لا تجب نفقتها لصغر ونحوه أو زوجة أمة تسلمها زوجها ليلاً دون نهار؛ لأنها زمن الوجوب في نوبة سيدها فتكون على سيدها.

س89: بيِّن على من تجب فطرة مَن يلي: القن المشترك؟ مَن له أكثر مِن وارث؟ المُلحقُ بأكثر من واد؟ إذا عجز بعض الملاك أو الورَّاث فماذا يلزم القادر؟ وهل لمن لزمتْ غيرَه فطرتُهُ الطلب بإخراجها؟ وهل له أن يخرجها بنفسه؟ إذا أخرج إنسان فطرة عمن لا تلزمه فطرته، فما حكم ذلك؟
ج: فطرة القن المبعَّض والمشترك ين إثنين فأكثر وفطرة مَن له أكثر مِن وارث تقسط، وكذا ملحق بأكثر من واحد بأن ألحقته الفاقة بأبوين فأكثر تقسط فطرته بحسب نفقته؛ لأنها نابعة لها، ولأنها طهرة فكانت على ساداته أو وارثه الحصص، وقيل: إذا كان العبد بين شركاء فعلى كل واحد صاع؛ لأنها طهر فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء ككفارة القتل والقول الأول وهو المذهب وهو من المفردات.

قال ناظم المفردات:
والشركاء كلهم في عيد ... فيلزم الصّاع لكل فرد
وقدم المقنع والمحرّر ... يلزمهم صاع ولا يُكرّر
ومِثْله مَن ألحقته القافه ... بأبوين فاسمع اللطافه
وهكذا جماعة تلزمهم ... نفقة لواحد يقربهم
وهكذا مبعض الحرية ... فالكل بالإفتاه بالسوية


ومن عجز من الملاك أو الوراث لم يلزم القادر سوى قسطه ومن لزمت غيره فطرته كزوجة ولد معسر طلبه بإخراج الفطرة كالنفقة؛ لأنها تابعة لها وله أن يخرجها عن نفسه إن كان حرًا مكلفًا وتجزي عنه ولو أخرجها بلا إذن من تلزمه الفطرة؛ لأن من تلزمه متحمل لفطرة المخرج عنه والمخاطب بها ابتداء المخرج، ومن أخرج عمن لا تلزمه فطرته بإذنه أجزأ؛ لأن كالنائب عن وإلا فلا.

س90: إذا لم يجد لجميع من تلزمه فطرهم فما الحكم؟ وما حكمها عن الجنيز؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: إن لم يجد لجميعهم بدأ بنفسه لحديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»؛ فإن وجد صاعًا ثانيًا فزوجته لوجوب نفقتها مع الإعسار والإيسار؛ لأنها على سبيل المعارضة؛ فإن وجد ثالثًا فلرقيقه لوجوب نفقته مع الإعسار بخلاف نفقة الأقارب، ثم إن وجد رابعًا فأمه؛ لقوه - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين قال: من أبر؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أباك» ولضعفها عن التكسب، وتسن الفطرة عن الجنين لفعل عثمان، وعن أبي قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه، رواه أبو بكر في «الشافي»، ولا تجب عنه حكاه ابن المنذر إجماعًا من يحفظ عنه.

س91: بيَّن متى يجب إخراج الفطرة؟ واذكر أمثلة توضَّح ذلك؟ ومتى وقت جواز إخراجها؟ وهل تسقط بعد وجوبها بموت أو غيره؟
ج: تجب بغروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لقول ابن عباس: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو وطعمة للمساكين» رواه أبو داود والحاكم، وقال على شرط البخاري: فأضاف الصدقة إلى الفطر، فكانت واجبة به؛ لأن الإضافة تقتضي الاختصاص وأول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس من ليلة الفطر، فمن أسلم بعد الغروب أو تزوج امرأة بعده أو كان ولد له بعده أو ملك عبدًا بعده وكان معسرًا وقت الوجوب، ثم أيسر بعده فلا فطرة عليه لعدم وجود سبب الوجوب وإن وجد ذلك بأن أسلم وتزوج أو ولد له ولدًا أو ملك عبدًا أو أيسر قبل الغروب وجبت الفطرة لوجود السبب فالاعتبار بحالة الوجوب وإن مات قبل الغروب هو أو زوجته أو رقيقه أو قريبه ونحوه وأعسر أو أبان الزوجة أو أعتق العبد أو نحوه كما لو باعه أو وهبه لم تجب الفطرة ولا تسقط بعد وجوبها بموت ولا غيره لاستقرارها ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين. رواه البخاري.

س92: متى وقت أفضلية إخراج الفطرة؟ وما حكم إخراجها في باقي يوم العيد؟ وما حكم تأخيرها عن يوم العيد؟ وأين مكان إخراجها؟
ج: والأفضل إخراج الفطرة يزن العيد قبل الصلاة؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر، وقال في حديث ابن عباس: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، وقال جمع: الأفضل أن يخرجها إذا خرج إلى المصلى ويجوز إخراجها في باقي يوم العيد لحصول الإغناء المأمور به مع الكراهة لمخالفته الأمر بالإخراج قبل الخروج إلى المصلى، ويأثم مؤخرها عن يوم العيد لجوازها فيه كله؛ لحديث: «اغنوهم في هذا اليوم» ، وهو عام في جميعه، وكان –عليه الصلاة والسلام- يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة، فدل على الأمر بتقديمها على الصلاة للاستحباب، ويقضي من أخرها عن يوم العيد فتكون قضاء، ومن وجبت عليه فطرة غيره كزوجة وعبد وقريب أخرجها مع فطرته كان نفسه؛ لأنها طهرة له من النظم.

ومن «مختصره» مما يتعلق بصدقة الفطر:
وأوجب زكاة الفطر عن كل مسلم ... كبير وحُرٍّ بَل وعَبدٍ وفَوْهَدِ
عَلى مضن لَهُ فَضْلٌ على قوتِ عبدهِ ... وليلته مَعَ مَنْ يَعول ليورد
ولا تسقطن بالدين في أظهرٍ وإن ... يطالب به فاقض الفتَى الضيِّقَ اليدِ
بنفسك فابدأ ثم زوجِ فأعبدِ ... فأولى فأولى عِند إنفَاقِ مُجْتَدِ
إذا لم تجد للكل والعبد إن يكن ... فجمع فبين الجمع صاع به جدِ
وَينْدبُ عن حمل وأسقط لناشز ... ومَنْ لم يَجِب إنفاقُهَا مِثلهَا اعددِ
ويجزئ إخراج الفتى فرض نفسه ... بلا إذن ملزومٍ بها في المجوَّد
بإدراك جزءٍ آخر الشهر أوجبن ... وعنه به مِنْ قبل فجر المُعَيَّدِ
ولا تلزمِنْ مَنْ بَعْدَ ذَا صَارَ أهلها ... وَوَقتُ خِيَارِ مَن حَكَمتَ له افصُدِ
وقَبْلَ صَلاة العِيدِ أولى ببذلها ... وسَبْقًا بيومين افهمنَّ وأجود

وإخراجُها في سائر اليوم جائز ... وتأخيرُها عنه احظرن واقض ترشد

س93: بَيَّن مقدار الصاع النبوي بالحفَنَات؟ وما حكم إخراج الدقيق فطرة؟ وإخراج نصف صاع من البر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟
ج: الصاع النبوي أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق؛ لما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط» متفق عليه، وصريحه إجزاء الدقيق وهو الطحين والسويق وهو قمح أو شعير يلقى ثم يطحن نص عليه، واحتج بزيادة انفرد بها ابن عُيينة من حديث أبي سعيد أو صاعًا من دقيق، قيل لابن عيينة: إن أحدًا لا يذكر فيه، قال: بل هو فيه، رواه الدارقطني.
قال المجد: بل هو أولى؛ لأنه كفى مؤنته وروي عن أبي سعيد وأبي الحسن وأبي العالية، وروى عن ابن الزبير ومعاوية أنه يجزي نصف صاع من البر، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وابن سلمة وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن النبي أنه قال: «صاع من بر أو قمح على كل إثنين» رواه أبو داود، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين بن تيمية –رحمه الله-، والقول الثاني: ما عليه الأكثر أن الواجب صاع من البر كغيره، قال النووي: ظاهر الحديث والقياس على اشتراط الصاع من الحنطة كغيره، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الأحوط. والله أعلم.

س94: هل يجزي المجموع من الأصناف الخمسة؟ وما الذي لا يجزي إخراجه في الفطرة؟ وما هو الأفضل من الأصناف الخمسة على الترتيب؟
ج: يجوز إخراج صاع مجموع من الخمسة المذكورة؛لأن كل واحد منها يجوز منفردًا فكذا مع غيره لتقارب مقصودها واتحاده ويحتاط في الثقيل فيزيد في الوزن شيئًا يعلم أنه قد بلغ صاعًا كيلا ليسقط الفرض بيقين ولا يجزي خبز لخروجه عن الكيل والادخار ولا يجزي معيب مما تقدم؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} والمعيب كمسوس؛ لأن السوس أكل جوفه، وكذا مبلول؛ لأن البلل ينفخه وقديم تغير طعمه لعيبه بتغير طعمه؛ فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أجزأ لعدم عيبه، والجديد أفضل والأفضل إخراج تمر لفعل ابن عمر، قال نافع: كان ابن عمر يعطي التمر إلا عامًا واحدًا أعوز التمر فأعطى الشعير، رواه أحمد والبخاري، وقال أبو مجلز: إن الله قد وسع، والبر أفضل، فقال: إن أصحابي سلكوا طريقًا فأنا أحب أن أسلكه. رواه أحمد واحتج به، وظاهره أن جماعة الصحابة كانوا يخرجوا التمر، ثم يلي التمر الزبيب؛ لأنه في معنى التمر لما فيه من القوت والحلاوة، فبر لأنه أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير؛ ولأن القياس تقديمه على الكل؛ لكن ترك اقتداء بالصحابة في التمر وما شاركه في المعنى وهو الزبيب، فأنفع في اقتيات ودفع حاجة فقير، وإن استوت في نفع فشعير فدقيق بر، فدقيق شعير فسويقهما، ثم أقط.

س95: ما حكم إخراج قيمة الفطرة؟ وما الأفضل أن لا ينقص عنه مُعطي، وما الذي يشترط في الدقيق عند إخراجه فطرة؟ وما الحكم في إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة والعكس؟ وما حكم إخراج الفطرة من غير الأصناف الخمسة؟ وضح ذلك مع ذكر الخلاف.
ج: ولا يجزي إخراج القيمة؛ لأن ذلك غير المنصوص عليه وتقدم بحث يتعلق بإخراج القيمة في زكاة الأموال (في جواب وسؤال 40) والأفضل أن لا ينقص معطي من فطرة عن مُد بُرّ أو نصف صاع من غيره ليغنيه عن السؤال في ذلك اليوم لكن يشترط في الدقيق أن يكون بوزن حب ويجوز إعطاء فقير واحد ما على جماعة من الفطر. قال الشيخ: ولا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم ويجوز دفعها إلى واحد كما عليه المسلمون قديمًا وحديثًا، وقال: إذا كان الفقراء مجتمعين في موضع، وأكلهم جميعًا في سماط واحد، وهم مشتركون فيما يأكلونه في الصوم، ويوم العيد لم يكن لأحدهم أن يعطي فطرته لواحد من هؤلاء. انتهى.
ويجوز أن يعطي الجماعة من الفقراء ما يلزم الواحد من فطرة أو زكاة مال؛ وأما إخراج غير الأصناف المذكورة مع قدرته على تحصيلها، فقيل: لا يجزي، وقيل: يجزي كل مكيل مطعوم، واختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله تعالى-: يجري قوت بلده مثل الأرز ونحوه، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه رواية عن أحمد –رحمه الله تعالى- وإن قدر على الأجناس المذكور؛ لقوله تعالى: { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وقال ابن القيم: وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم؛ لقوله: «اغنوهم في هذا اليوم»، وهذا القول هو الذي تميل إليه النفس. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

من النظم ما يتعلق في مقدار الفطرة:
وعن كل شخص صاع بر فأوجبن ... كذا من دقيق أو سويقهما اعدد
أو التمر أو صاع الزبيب ويجزي ... السويق في الأقوى والأقط في المؤكدِ
فما شئت فابذل لا سواها وقِيمَةِ ... لها ولمن يعطي الزكاة بها جُدِ
ويجزئ مطعوم مكيل بمبْعَدِ ... وما سَدَّ عِندَ العُدْمِ سَدَّ الممُعَدَّدِ
وإن يعْدَمُ الأجنَاسُ فالصاعُ مجْزَئٌ ... مِنَ الثمرِ المثقْتَاتِ أو حبِّه قَدِ
ويجزئ صاع القوت عند ابن حامِدٍ ... ولوْ لحِم أنعَامِ وحِيْتَان مُزْبدِ
وخبز ودبس مَعْ وجُود أصولها ... وحَبٌ معِيْبٌ غير مجْزئ فَقَيَّدِ
وبَذْلُكَ مِنْ جِنْسَيْن صَاعك مجرئٌ ... وصاعًا لجمع والكثير لِمُفْرَدِ
وأفضَلُهَا تمرٌ فما زادَ نفعُه ... وقيل ل البر المقدم فانقدِ
...

14- باب إخراج الزكاة وما يتعلق به وحكم النفل والتعجيل ونحوه
س96: تكلم بوضوح عمّا يلي مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟ ومثّل لما يحتاج إلى تمثيل واذكر المحترزات؟ متى يجب إخراج زكاة المال؟ هل يجوز تأخير الزكاة بعد وجوبها؟
ج: إخراج زكاة المال بعد أن تستقر واجب فورًا إن أمكن إخراجها كإخراج نذر مطلق وكفارة؛ لقوله تعالى: { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } والمراد الزكاة، وقوله تعالى: { وَآتَوُا الزَّكَاةَ } والأمر المطلق للفورية بدليل أن المؤخِر يستحقُّ العقاب، ولو جاز التأخير لكان إما إلى غاية وهو مناف للوجوب، وإما إلى غير غاية ولا دليل عليه، بل ربما يفضي إلى سقوطها إما بموته أو تلف المال فليتضرر الفقير بذلك فيختل المقصود من شرعها؛ ولأنها للفور بطلب الساعي فكذا بطلب الله تعالى كعين مغصوبة، وفي «المغني» و«الشرح الكبير» لو لم يكن الأمر للفور لقلنا به هنا؛ ولأنها عبادة تتكرر فلِمَ تأخيرها إلى دخول وقت مثلها كالصلاة، ويجوز له تأخير زكاة لغيبة المال وغيرها كغصبه وسرته وله تأخيرها لمستحق حاجته أشد ممن هو حاضر وقيده جماعة بالزمن اليسير للحاجة وإلا لم يجز ترك واجب لمندوب وظاهر كلام الجماعة المنع، قال في «المبدع» وينبغي أن يقيد الكل بما إذا لم يشتد ضرر الحاضر وله تأخيرها إذا خاف رجوع ساع عليه بها إن أخرجها بلا علمه ومثله إذا خاف على نفسه أو ماله ونحوه؛ لما في ذلك من الضرر وإذا جاز تأخير دين الآدمي لذلك فالزكاة أولى، وله تأخيرها ليدفعها لقريب وجار؛ لأنها على القريب صدقة وصلة، والجار في معناه، ولإمام، وساع تأخيرها عند ربها لمصلحة كقحط ومجاعة وله تأخيرها لحاجته إليها إلى مَيْسَرة نصًا واحتج بحديث عمر أنهم احتاجوا عامًا فلم يأخذ منهم الصدقة وأخذها منهم في السنة الأخرى؛ وأما إذا تعذر إخراجها من مال لغيبة أو غيرها فلا يلزمه الإخراج من غيره؛ لأن الأصل إخراج زكاة المال منه وجواز الإخراج من غيره رخصة فلا ينقلب تضييقًا. والله أعلم.

س97: تكلم بوضوح عمّا إذا غيّب مانع الزكاة ماله أو كتمه؟
ج: أما حكم جاحد الزكاة ومانعها بخلاً فتقدما (في جواب سؤال 3 وجواب سؤال 4)؛ وأما إذا غيب ماله أو كتمه من وجبت عليه الزكاة أمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت الزكاة منه من غير زيادة عليها؛ لأن الصديق مع الصحابة لما منعت العرب الزكاة لم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليها؛ ولأنه لا يزاد على أخذ الحقوق من الظالم كسائر الحقوق؛ وأما حديث بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا: «في كل إبل سائمة في كل اربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منه شيء» رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وقال: وشطر ماله، وهو ثابت إلى بهز وقد وثقه الأكثر، فجوابه: أنه كان في بدء الإسلام حيث كانت العقوبات بالمال، ثم نسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصديق: «ومن سُئل فوق ذلك فلا يعطه» ولأن منع الزكاة كان في خلافة الصديق مع توفر الصحابة ولم ينفل عن أحد منهم أخذ زيادة ولا قول به.

س98: إذا لم يمكن أخذ الزكاة بالتغييب أو غيره فما الحكم؟ وهل يقل مانعها بُخلاً حدًا أو كفرًا؟ وإذا قُتِلَ فهل تؤخذ من تركته؟ وإذا يمكن أخذ الزكاة من مانع إلا بقتال فما الحكم؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف؟
ج: إن لم يكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوبًا؛ لأن الزكاة أحد مباني الإسلام فيستتاب تاركها كالصلاة؛ فإن تاب وأخرج كف عنه وإن لم يخرج قتل لاتفاق الصحابة على قتال مانعها وإذا قتل؛ فإنه يُقتل حَدًا لا كفرًا؛ لقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفرًا إلا الصلاة» رواه الترمذي، وما ورد من التكفير فيه محمول على جاحد الوجوب أو على التليظ، وإذا قتل أخذت الزكاة من تركته من غير زيادة؛ لأن القتل لا يسقط حق الآدمي فكذا الزكاة، وإن لم يكن أخذ الزكاة من مانعها إلا بقتال وجب على الإمام قاله إن وضعها مواضعها لاتفاق الصحابة مع الصديق على قتال مانعي الزكاة، وقال: «والله لو منعوني عناقًا»، وفي لفظ: «عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليها» متفق عليه؛ فإن لم يضعها مواضعها لم يقاتله لإحتمال منعه إياها لاعتقاده ذلك عذرًا، وما إذا قاتل مانع الزكاة تهاونًا وبخلاً، ففي المسألة ثلاثة أقوال الصحيح في المذهب أنه لا يكفر وهو رواية عن الإمام أحمد وعنه يكفر وإن لم يقاتل عليها، وأدلة القول الأول منها حديث ابن شقيق، وتقدم ولأن عمر وغيره امتنعوا ابتداء من قتال مانعي الزكاة ولو اعتقد اكفوهم ما امتنعوا منه، ثم اتفقوا على القتال فيبقى عدم التكفير على اعتقادهم الأول، وما روى الصديِّق - رضي الله عنه - لما قاتل مانعي الزكاة وعضتهم الحرب، قالوا: نؤديها، قال: لا أقبل حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، يحتمل أنه فيمن منعها جحودًا ولحق بأهل الردة منهم فقد كان فيهم طائفة كذلك على أنه لا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر بدليل العصاة من هذه الأمة، وفرّق القاضي بين الصلاة وغيرها من العبادات بتعذر النيابة فيها، والمقصود الأعظم دفع حاجة الفقير وهو حاصل بأدائها مع القتال. والله أعلم.

س99: اذكر ما تستحضره من الصور التي يُقبل فيها قول مَن طولب بدفع الزكاة مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟
ج: من طُولبَ بالزكاة فادعى ما يمنع وجوبها من نقصان الحول أو نقص النصاب أو انتقاله في بعض الحول ونحوه كادعائه أداءها أو تجدد ملكه قريبًا أو ادعى أن ما بيده من المال لغَيره أو ادعى أنه منفرد أو مختلط، قيل: قوله لأن الأصل براءة ذمته بلا يمين نصّ عليه؛ لأنها عبادة هو مؤمن عليها فلا يستحلف عليها كالصلاة، نقل حنبل لا يسأل المتصدق عن شيء ولا يبحث إنما يأخذ ما أصابه مجتمعًا وكذا الحكم أن مَرَّ بعاشر وادِّعى أنه عَشَّره آخرُ وإن أقر بقدر زكاته، ولم يخبر بقدر ماله أخذت منه بقوله ولم يكلف إحضار ماله لما مر.

س100: من الذي يخرج الزكاة عن الصبي والمجنون، وتكلم عما يشترط لإخراج الزكاة، وما الذي ينوبه دافع الزكاة، وأين محل الأولى للإتيان بالنية ومحل الجواز، وهل تجب نية الفرض؟
ج: قد تقدم أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون (في جواب سؤال 10) ويُلزم بإخراج عن مال الصغير والمجنون ولهما في المال نصًّا؛ لأن حق تدخله النيابة فقام الولي فيه مقام مولى عليه كنفقة وغرامة، ويشترط لإخراج نية من مكلف؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال وولي الصبي والسلطان ينويان عند الحاجة، والنية أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه كالصبي والمجنون إلا أن تؤخذ قهرًا فتجزي ظاهرًا من غير نية رب المال فلا يؤمر بها ثانيًا، ويغيب ماله فتؤخذ منه حيث وجد وتجزي بلا نية أو يتعذر وصول إلى مالك بحبس ونحوه فيأخذها الساعي من ماله وتجزي ظاهرًا وباطنًا في المسألة الأخيرة فقط، بخلاف الأوليين قبلها فتجزي ظاهرًا فقط والأولى قرن نيّة بدفع كصلاة وله تقديمها عليها بزمن يسير كصلاة ولا تجب نية فرض اكتفاء بنية الزكاة؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا.
يتبع إن شاء الله...



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:06 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأربعاء 04 نوفمبر 2015, 12:20 am

س 101: هل يجب تعيين مال مُزكيَّ عنه؟ وإذا نوى عن ماله الغائب وإن كان تالفًا فعن الحاضر فما حكم ذلك؟ وإذا وكل رب المال في إخراج زكاته، فهل تجزي نيته، أم لابد من نِيّة الوكيل؟

ج: لا يجب تعيين مال مزكى عنه، فلو نوى عن ماله الغائب وإن كان تالفًا فعن الحاضر أجرأ عن الحاضر إن كان الغائب تالفًا وإن أدى قدر زكاة أحدهما لم يعين جعل الزكاة لأيِّها شاء كتعيينه ابتداء، وإن لم يعين واحدًا منهما أجزأ مُخرج عن أحدهما فيخرج عن الآخر، ولو نوى عن الغائب، فبان الغائب تالفًا لم يصرف المخرج إلى غيره؛ لأن النية لم تتناوله كعتق في كفارة مُعينة فلم تكن وإن نوى الزكاة عن الغائب إن كان سالمًا أجزأ عنه إن كان سالمًا أو نوى عن الغائب إن كان سالمًا وإن لا يكن سالمًا فهي نفل فبان الغائب سالمًا أجزأ عنه؛ لأن ذلك في حكم الإطلاق فلا يضر تقييده به وإن وكل رب مال في إخراج زكاته مسلمًا ثقة أجزأت نية موكل مع قرب زمن إخراج من زمن توكل؛ لأن الفرض متعلق بالموكل وتأخر الأداء عن النية بزمن يسير جائز وألا يقرب زمن إخراج من زمن توكيل نوى وكيل أيضًا لئلا يخلو الدفع إلى المستحق عن نية مقارنة أو مقاربة فينوي موكل عند التوكيل ووكيل عند الدفع لمستحق.

والقول الثاني:
أنه إذا نوى المتصدق الزكاة ودفعها للوكيل ثم دفعها الوكيل للمُعطي أن ذلك يجزي ولو أن الوكيل لم يَنْو أنها زكاة وسواء تأخر دفعها عن نية الموكل أو قارنها: وهذا القول عندي أنه أرجح؛ لأن المتصدق حصلت منه النية ولا أرى أنه يضر عدم نية الوكيل. والله أعلم.

ولو دفع رب المال إلى بيت المال أو الساعي ناويًا أجزأ وإن لم ينو إمام أو ساع حال دفع لفقير؛ لأنه وكيل الفقراء، ومن علم أهلية آخذ زكاة كره أن يعلمه أنها زكاة.

س 102: هل الأولى الإسرار بالصدقة، أو الإظهار، وضح ذلك مع ذكر الدليل، واذكر ما في ذلك من خلاف؟

ج: يُسن لمخرج زكاة إظهارها لتنتفي التهمة عنه ويُقتدى به، والقول الثاني: أن الإسرار بالصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء به فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، والأصل أن الإسرار أفضل (الآية سورة البقرة 271)؛ ولما ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، وفي الحديث الآخر: «صدقة السر تطفئ غضب الرب»، وفي الحديث الآخر: «لما خلق الأرض جعلت تميد فخلق الله الجبال فألقاها عليها فاستقرت» إلى أن قال: «نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله»، وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «سر إلى فقير أو جهد من مقل» رواه أحمد.

س 103: ما حكم دفع الزكاة إلى الإمام أو إلى الساعي؟ وهل يبرأ بذلك؟

ج: له دفعها إلى الإمام وإلى الساعي ويبرأ بذلك، وقيل: يجب دفعها إلى الإمام إذا طلبها وفاقًا للأئمة الثلاثة، قال في «شرح المنتهى» قال في الشرح: لا يختلف المذهب أن دفعها للإمام جائز سواء كان عدلاً أو غير عدل وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفع إليه سواء تلفت في يد الإمام أو لا صرفها في مصارفها أو لم يصرفها. انتهى.

وعن أنس أن رجلاً قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله، قال: «نعم، إذا أديت إليّ فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فلك أجرها وإثمها على من بدلها»» مختصرًا لأحمد، وعن ابن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها» قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه.

وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم، فقال: «اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» رواه مسلم والترمذي، وصححه.

وعن بشير بن الخصاصة قال: قلنا: يا رسول الله، إن قومًا من أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا، فقال: «لا» رواه أبو داود، وقال أحمد: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم، وقال سهل بن أبي صالح: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: عندي مالٌ وأريد أخرج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى، قال: ادفعها إليها، فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد -رضي الله عنهم- فقالوا: مثل ذلك، وبه قال الشعبي والأوزاعي. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 104: ما المسنون أن يقوله الآخذ عند الأخذ والدافع عند الدفع؟ وما الدليل على ذلك؟

ج: يستحب أن يقوله المُعطي عند دفعه الزكاة: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا» أخرجه ابن ماجه، ويقول: آخذ الزكاة آجرك فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طَهُورًا.

قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه قوم بصدقتهم: «قال اللهم صل على آل فلان»، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» متفق عليه.

وعن جابر بن عنيك عن أبيه -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «سيأتيكم ركب مُبغَضُون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها وأرضوهم؛ فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم» رواه أبو داود.

س 105: بين حكم نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح؟

ج: الأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده ما لم تتشقص زكاة سائمة كأربعين ببلدين متقاربين فيخرج في بلد واحد شاة في أي البلدين شاء دفعًا لضرر الشركة.

وأما نقلها إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فقيل:
يحرم مع وجود مستحق سواءٌ كان لرحم أو شدة حاجة؛ لما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث معاذًا إلى اليمن فذكر الحديث، وفيه: «أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» متفق عليه، واللفظ للبخاري.

وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلامًا يتيمًا فأعطاني منها قلوصًا. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

وعن عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة فلما رجع، قيل له: أين المال؟ قال: ولمال أرسلتني، أخذنا من حيثُ كنَّا نأخذه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووضعناه من حيث كنا نضعه. رواه أبو داود وابن ماجه.

وعن طاووس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف؛ فإن صدقته وعشرة في مخلاف عشيرته. رواه الأثرم في «سننه».

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أُتي بها من خراسان إلى الشام إلى خراسان؛ فإن خالف وفعل بأن نقل الزكاة إلى بلد تقصر فيه الصلاة أجزأ المنقول للعمومات؛ ولأنه دفع الحق إلى مستحقه فبرئ كالدين، وقيل: تنفل لمصلحة راجحة كقريب محتاج ونحوه لما علم بالضرورة من «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستدعي الصدقات من الأعراق إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار» أخرجه النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي، قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقات، فقال –عليه الصلاة والسلام-: «لولا أنها تعطي فقراء المهاجرين ما أخذتها».

وروي عن الحسن والنخعي أنها كرهًا نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قَرَابة، وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين، وقال: تحديد المنع بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي، وجعل محل ذلك الأقاليم فلا تنقل من إقليم إلى إقليم. انتهى.

والذي يترجح عندي القول الثاني:
أنه يجوز نقلها ولو لمسافة قصر إذا كان لمصلحة راجحة كرحم وشدة حاجة ونحو ذلك، قلت: وفي وقتنا هذا من أراد الأخذ بالقول الأول، فعليه أن يسأل عن فقراء البلدان الأخرى وإنما جاءوا في الوقت الذي يقصده بعض الناس لإخراج الزكاة كشهر رمضان، ثم يرجعون إلى بلدانهم كما هو مشاهد الآن في زمننا. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 106: بيَّن على من تجب مؤنة دفع الزكاة؟ وإذا كان المال الذي وجبت فيه الزكاة ببادية أو خلا بلدهُ عن مستحق لها فأين محل تفريقها؟ ومتى بعث السعاة وأين محل استحباب عدّ الماشية؟ وإذا وجدَ ما لم يحلَّ حوله فمَا الحكم؟ وأين يُفرق الساعي ما قبضه؟ وهل له أن يبيع ما قبضه لمصلحة؟ وهل يقبل قول صاحبها في عددها؟

ج: تجب مؤنة نقل زكاة ودفع على من وجبت عليه كمؤنة كيل ووزن؛ لأنه عليه مؤنة تسليمها لمستحقها كالمة، وذلك من تمام التوفية ومسافر بالمال الزكوي يفرق زكاته ببلد أكثر إقامته فيه لتعلق الأطماع به غالبًا، ومن ببادية وعليه زكاة فرقها بأقرب بلد منه، وكذا من بلده من مستحق للزكاة يستغرقها يفرقها أو ما بقي منها بأقرب مكان منه لأنهم أولى ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر، وهو السائمة والزرع والثمر لفعله –عليه الصلاة والسلام- وخلفائه، ومن الناس من لا يزكي ولا يعلم ما عليه فإهمال ذلك إضاعة للزكاة ويستحب أن يعدّ عليهم الماشية على الماء؛ لما ورد عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم» رواه أحمد، وفي رواية لأحمد وأبي داود: ولا حلب ولا جنَبَ ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم، ويقبل قول صاحبها في عددها بلا يمين وإن وجد ما لم يحل حوله؛ فإن عجل ربه زكاته وإلا وكّل ثقة يقضيها ثم يصرفها وله جعله لرب المال إن كان ثقة لحصول الغرض به، وما قبضه الساعي فرقه في مكانه وما قاربه، ويبدأ بأقارب مُزَكّ لا تلزمه مؤنَتَهم؛ فإن فضل شيء حمله وإلا فلا، وله بيع سائمة وغيرها مِن زكاة لحاجة أو مَصْلحَة وصرفها في الأحظ للفقراء، أو حاجتهم حتى أجرة مسكن، ويضمَن ما أخَّرَ قسمه بلا عذر إن تلف بتفريطه.

س 107: أين محل واسم ما حصل من بهيمة الأنعام؟ وما الذي يكتب على زكاة؟ وما الذي يكتب على جزية؟

ج: ويُسن للإمام وسم ما حصل عنده من زكاة أو جزية من إبل أو بقر في أفخاذها؛ لحديث أنس، قال: غدوت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعبد الله بن أبي طلحة ليحكنه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة، متفق عليه. ويُسن له وسم ما حصل من غنم في آذانها لخبر أحمد وابن ماجه: دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يَسِمُ غنمًا في آذانها، وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لعُمَرَ إنَّ في الظهر ناقة عمياء، فقال: أمِن نِعيم الصدقة أو مِن نعَمِ الجزية، قال: أسلمُ من نِعَمِ الجزية، وقال: إن عليها ميْسم الجزية، رواه الشافعي، والوسم على زكاة «لله» أو «زكاة» والوسم على جزية «صغار» أو «جزية».

من النظم ما يتعلق بإخراج الزكاة
ومَن كان حُرًا مسلمًا حال حوله ... على المال مقدار النِّصَابِ المحدّدِ
فمره بإخراج الزكاة بفوره ... إذا أمن الساعي وليس بمرصدِ
ويأثم بالتأخير مع يسر بذلا ... وكَفِّرْ مُصِرًا بعدَ تعريفِ جُحَّدِ
وخذهَا وتَوَّبْه ثلاثًا فإن أبى ... فبادِرْ إلى قتل الكفور المخلد
ومع مانع بخلاً خُذَنْهَا مُعَزِّزًا ... فإنْ يَأبَ قاتِله ليعطي بأوكد
وقالَ أبو بكر ومع شطر ماله ... فإن يتعَذر فاستتب ثمت اقصد
إلى قتله حَدًّا وعنه مكفرًا ... ومن ماله خذها بغير تأود
ويقبل قول المدعي فقَد شرطها ... بغير يمين منه في المتوطدِ
ويخرج عن مال الصغير وليه ... وعن مال مجنون وليُّ لِيَمْددِ
وتفريقها بالنفس أولى وعنه ما ... خفي وإلى الساعي إن دفعت تسددِ
وقال أبو الخطّاب رفعُنكَهَا إلى ... إمام أحي عدل أبرّ فأوردِ
ولا يجزئ الإخراج إلا بنيَّة ... تقارنه أو قبله بمزهدِ
وقد قيل يجزي أخذها منه كارهًا ... وليس بمجز باطنًا في المجوّد
وليس بشرط أن تعين منصبًا ... ولكن قصد الفرض شَرْطُكَ فافصدِ
ويجزئ أن تنوي مقارب دفعها ... إلى مستحق أو وَكِيلِ محمدِ
وقد قيل لا يجزي إذا بعد الأذى ... عن الدفع منه للفَقِير المرصدِ
وفي كل حال يبرئ الدفع مطلقًا ... لسَاع عليهَا أو إمام مقَلَّدِ
وسل عند دفع جَعْلها لكَ مَغْنمًا ... ولا تجْعَلنْها مَغْرمًا قُل تسددِ
ولا تُبَكت المسكِينَ في وقتِ بَذْلِهَا ... بقَولك خُذْ هَذَا زكاة يَكمدِ
وبَرَّكْ على معطيكها عند أخذهَا ... وَسَلْ أجْرِهِ معَ طهرة الذنب تَقْتَدِي
ويَشرع للساعِين كتْبُ برَاءةٍ ... لأرْباب أموال بأخذِ المُعَدّدِ
وليس بمُجْز نقْلهَا عَن محَلِّهَا ... إلى الفُقَرَاء في بُعْدِ قَصْرٍ بأوكدِ
وَفي ثالِث جَوِّز إلى الثغْر نقلهَا ... وَأدْنى فَأدْنى اصْرِفْ لفقدَانٍ مجتَدِ
وَيُصْرَفُ فرضُ المال حَيْثُ وجوبه ... وَفِطْرَة كُلَّ في مكانِ المُعَيَّدِ
ومَيَّز بوَسم من زكاتِكَ جِزْيَة ... بفَخْذَ بَعير وأذنِ شَاتِك ترشدِ


س 108: ما حكم تعجيل الزكاة؟ وإذا تم الحول والنصاب ناقص قدر ما عجله فما حكم ذلك؟ واذكر ما تستحضره من الاحترازات والأدلة والتعديلات ومثل لا يتَّضح إلا بذلك؟ وفصّل ما يحتاج إلى التفصيل؟

ج: يجوز تعجيل الزكاة لحولين فقط إذا كمل النصاب والأفضل تركه والدليل على جواز التعجيل ما ورد عن علي –عليه السلام- إن العباس ابن عبد المطلب سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخصَ له في ذلك، رواه الخمسة إلا النسائي.
وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله تعالى؛ وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله؛ وأما العباس فهي عليّ ومثلها معها»، ثم قال: «يا عمر، أما علمت أن عمّ الرجل صنو أبيه؟» رواه مسلم.
وأما كونه يجوز بعد كمال النصاب فلأنه سببها فلا يجوز تقديمها كالكفارة على الحلف.

قال في «المغني»: بغير خلاف نعلمه ولا يجوز تعجيلها عما يستفيده النصاب نصًا؛ لأنه لم يوجد فقد عجل زكاة عما ليس في ملكه، ولا يجوز تعجيلها عن معدن أو ركاز أو زرع قبل حصوله ما ذكر؛ وعن زكاة تمر قبل طلوع طلع أو عن زبيب قبل طلوع حصرم؛ لأنه تقديم قبل وجود سببها وإذا تم الحول والنصاب ناقِصٌ قدر ما عجله صح تعجيله وأجزأه معجله؛ لأن حكم المعجل حكم الموجود في ملكه يتم النصاب به، فلو عجل عن مائتي شاة شاتين فنتجت عند الحول سخلة لزمته شاة ثالثة؛ لأن المعجل بمنزلة الموجود في إجزائه عن ماله فكان بمنزلة الموجود في تعلق الزكاة به، ولو عجل عن ثلاثمائة درهم فضة خمسة منها ثم حال الحول لزمه أيضًا درهمان ونصف ليتم ربع العشر ولو عجل عن ألف درهم فضة خمسة وعشرين منها ثم ربحت خمسة وعشرين درهمًا لزمه زكاة الخمسة والعشرين وهو خمسة أثمان درهم، ويصح أن يعجل عن أربعين شاة شاتين من غيرها لحولين، ولا يصح أن يعجل من الأربعين لحولين ولا للحول الثاني فقط، وينقطع الحول بإخراج الشاتين منها لحولين أو الواحد للثاني فقط لنقص النصاب؛ فإن أخرج شاة للحول الأول فقط صح ولم ينقطع الحول. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 109: إذا عجل الزكاة فدفعها إلى مستحقها فمات قابضها، أو ارتد أو استغنى عنها، فما الحكم؟ وإذا عجل الزكاة ثم هلك المال أو بعض النصاب أو مات المالك أو ارتد عن الإسلام قبل الحول، فما الحكم؟ إذا استسلف ساع زكاة فتلفت في يده، فما الحكم؟ وإذا تلفت الزكاة في يد الوكيل لرب المال، فما الحكم؟


ج: إذا عجل الزكاة فدفعها إلى مستحقها فمات قابضها أو ارتد أو استغنى عنها أو عن غيرها أجزأ عنه كما لو عدمت عند الحول؛ لأنه يعتبر وقت القبض لئلا يمتنع التعجيل، ولا تجزي زكاة معجلة إن دفعها إلى من يعلم غناه فافتقر عند الوجوب أو قبله؛ لأنه لم يدفعها لمستحقها كما لو لم يفتقر وإن مات معجل
زكاته أو ارتد أو أتلف النصاب المعجل زكاته أو نقص قبل الحول فقد بان المخرج غير زكاة لانقطاع الواجب بذلك، ولا رجوع لمعجل بشيء مما عجله إلا فيما في يد ساعٍ عند تلف النصاب وإن استسلف ساع زكاة فتلفت في يده بلا تفريط لم يضمنها وضاعت على الفقراء سواء سأله الفقير ذلك أو رب المال أو لم يسأله أحد؛ لأن الإمام أو نائبه قبضها كولي يتيم فقد فعل ما يجوزو فلم يضمن، وإن تلفت في يد الوكيل لرب المال قبل أدائها فمن ضمان رب المال؛ لعدم الإيتاء المأمور به، ولأن يد الوكيل كيَدِ مُوَكِّلهِ.

س 110: ما الذي يشترط لملك الفقير للزكاة وأجزائها؟ وهل يصح تصرف الفقير في الزكاة قبل قبضها؟ وإذا عجل زكاة عن ألف درهم يظنها كلها له فبان الذي له منها خمسمائة؟ وإذا عجل زكاة عن أحد نصابيه فتلف النصاب المعجل عنه، فما الحكم؟ وهل يكفي إبراء المدين دينه بنية الزكاة؟


ج: ويشترط لملك الفقير للزكاة وأجزائها قبضه لها فلو عزلها أو غدَّا الفقراء أو عشاهم لم يجزئ، ولا يصح تصرف فقير فيها قبل قبضها، ومَنْ عجل زكاة عن ألف درهم يظنها كلها له فبان التي له منها خمسمائة أجزاء ما عجله عن عامين؛ لأنه نواه زكاة معجلةً والألف كلها ليست له ولا يلزمه زكاة ما ليس له، ومَن عجل زكاة عن أحد نصابيه ولو من جنس واحد فتلف النصاب المعجل عنه لم يصرفه إلى الآخر؛ لحديث: «إنما لكل امرئ ما نوى»، كما عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت الإبل وله أربعون شاة لم يجزئه ما عجله عن الشياه لعدم نيته إياها ولا يكفي إبراء المدين من دينه بنية الزكاة؛ لأن ذلك ليس إيتاء لها. والله أعلم.

15- باب أهل الزكاة

س 111: من أهم أهل الزكاة، وكم عددها؟ وهل يجوز صرفها لغيرهم من جهات الخير، وما هو الدليل على ذلك؟ وهل في المال حقٌ واجبٌ سوى الزكاة؟

ج: أهل الزكاة ثمانية أصناف هم المذكورن في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وعن زياد بن الحارث الصدائي قال: «أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فبايعته، فذكر حديثًا طويلاً، فأتاه رجل، فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء؛ فإن كنت من كل الأجزاء أعطيتك» رواه أبو داود، ولا يجوزو صرفها لغيرهم كبناء مساجد، وسدَّ بثوق، ووقف مصاحف وقناطر، وتكفين موتى وغيرها للآية، وكلمة: «إنما» تفيد الحصر فتثبت الحكم في المذكورين وتنفي ما عداهم وكذا تعريف الصدقات بـ «ال» فإنه يستغرقها، فلو جاز صرف شيء منها إلى غير الثمانية لكان لهم بعضها لأكُلها، وللحديث المتقدم، وقال أحمد: إنما هي لمن سماها الله تعالى، وسُئل الشيخ تقي الدين عمن ليس معه ما يشتري به كتبًا للعلم يشتغل فيها، فقال: «يجوز أخذه منها ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لابد لمصلحة دينه ودنياه منها»، قال في «شرح الإقناع»: قلت: ولعل ذلك غير خارج عن الأصناف؛ لأن ذلك من جملة ما يحتاجه طالب العلم، فهو كنفقة وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم الشرعي وإن لم يكن لازمًا له وتعذر الجمع بين العلم والتكسب أُعطي من الزكاة لحاجته ولا يُعطى من الزكاة إن تفرغ قادر على التكسب للعبادة لقصور نفعها عليه، بخلاف العلم وإطعامُ الجائع وسقي العطشان، وإكساء العاري، وفك الأسير واجبٌ على الكفاية إجماعًا مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة وقافًا، وعن ابن عباس مرفوعًا: «أن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم»، وعن أبي بن كعب مرفوعًا: «إذا أدَّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك» رواه ابن ماجه والترمذي.

س 112: تكلم عن الأصناف الثمانية على التفصيل مع ذكر ما تيسر من دليل أو تعليل قسّم ما يحتاج إلى تقسيم؟

ج: أولاً: الفقير، وهو من لم يجد شيئًا أو يجد نصف كفايته فهو أشد حاجة من المسكين؛ لأن الله بدأ به وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، وقال الله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ} فأخْبر أن لهم سفينة يعملون بها، وقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- المسكنة، واستعاذ من ذل الفقر، فقال: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» رواه الترمذي، ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة ويستعيذ من حالة أصلح منها؛ ولأن الفقير مشتق من فقر الظهر، فقيل: مفقور بمعنى مفعول أي مقفور وهو الذي نزعت فقرة ظهره فانقطع صلبه.

الثاني: المسكين، وهو من يجد مُعظم الكفاية أو نصفها من السكون؛ لأنه أسكنته الحاجة.

الثالث: العامل كجاب للزكاة وحافظ وكاتب وقاسم بين مستحقيها وجامع المواشي وعدادها وكيَّال وَوزَّان وساع وراع وحمال وجمال، ومَن يحتاج إليه فيها لدخولهم في قوله: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}، وكان –عليه الصلاة والسلام- يبعث عماله على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم.

الرابع: المؤلف وهو السيد المطاع في عشيرته والمؤلفة ضربان مسلمون وكفار؛ فأما الكفار فضربان ضرب يرجى خيره وضرب يخاف شره، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم، وعن أبي سعيد قال: «بعث عليٌ وهو باليمن بذهَيْبة فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أربعة نفر الأفرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن عُلاثة العَامري، ثم أحد بني كلاب وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان فغضبت قريش، وقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا، وقال: «إني إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم»» متفق عليه.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وإنما الذي يؤخذ من أموال أهل اليمن الصدقة، وأعطي النبي - صلى الله عليه وسلم - صفوان بن أمية يوم حنين قبل إسلامه ترغيبًا له في الإسلام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الزبرقان بن بدر وعَدي بن حاتم مع حسن نياتهما وإسلامهما.

والثاني: قوم أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة فيعطون لتقوى نيتهم؛ لقول ابن عباس في المؤلفة قلوبهم: هم قوم كانوا يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه، رواه أبو بكر بن العربي في التفسير؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا سفيان ابن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، لكل واحد منهم مائة من الإبل.

والقسم الثالث: قوم يليهم قوم من الكفار بأن يكونوا في طرف بلاد المسلمين، وإذا أعطوا دفعوا الكفار عمن يليهم من المسلمين وإلا فلا.

الرابع: قوم يليهم قوم من أهل الصدقات إذا أعطوا من الزكاة جَلبَوْا الزكاة ممن لا يعطيها إلا بالتخويف والتهديد.

الخامس: الرقاب وهم المكاتون ويجوز أن يفدي منها أسيرًا مسلمًا في أيدي الكفار؛ لأنه فدي رقبة ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؛ لعموم قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ}، وفي «المسند» عن البراء ابن عازب، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال: «اعتق النَّسَمةَ وفكَّ الرقبة»، فقال: يا رسول الله، أو ليسًا واحدًا، قال: «لأعتقن النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها».

السادس: الغارمون وهم قسمان، فقسم غرم لإصلاح ذات البين وهو مَن تحمَّل بسبب إتلاف نفس أو مال أو نهبًا أو مالاً لتسكين فتنة وقعت بين طائفتين ويتوقف صُلحهم على من يتحمّل ذلك فيتحمَّله إنسان، ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديه فورد الشرع بإباحة المسألة فيه وجعل لهم نصيبًا من الصدقة، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي وصلكم والبين الوصل، والمعنى: كونوا مجتمعين على أمر الله تعالى.

وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وسألته فيها، فقال: «أقم يا قبيصة، حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها»، ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة، فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش أو قومًا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، لقد أصابته فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سِدادًا من عيش أو قوامًا من عيش وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتًا يوم القيامة»، والمعنى شاهد بذلك؛ لأنه إنما يلتزم في مثل ذلك المال العظيم الخطير، وقد أتى معروفًا عظيمًا وابتغى صلاحًا عامًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة وتوفير ماله عليه لئلا يجحف بمال المصلحين أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن وكف المفاسد.

القسم الثاني:
من غرم لإصلاح نفسه في مباح أو تدين لشراء نفسه من كفار أو تدين لنفسه شيء محرم وتاب منه، وأعسر بالدين؛ لقوله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ}.

السابع: غاز في سبيل الله؛ لقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ولا خلاف في استحقاقهم وبيان حكمهم ولا خلاف في أنهم الغزاة؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو.

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ}، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»؛ وإنما يستحق هذا الاسم الغزاة الذين لا ديوان لهم وإنما يتطوعون بالغزو إذا نشطوا ومعنى لا ديوان لهم أي لا حق لهم في الديوان؛ لأن مَن له رزق راتبٌ فهو مستغن به، وفي إعطاء الفقير منها للحج خلاف.

ففي رواية: اختارها في «المغني» و«الشرح الكبير» وقاله أكثر العلماء منهم مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن سبيل الله تعالى حيث أطلق ينصرف إلى الجهاد غالبًا، والزكاة لا تصرف إلا لمحتاج إليها كالفقير أو من يحتاجُه المسلمون كالعامل والحج لا نفع فيه للمسلمين ولا حاجة بهم إليه، والفقير لا فرض في ذمته فيسقطه وإن أراد به التطوع فتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة أو صَرفها في مصالح المسلمين أولى، وعنه يعطي الفقير ما يحج به الفرض ويستعين به فيه، يروى إعطاء الفقير من الزكاة في الحج، عن ابن عباس، وعن ابن عمر -رضي الله عنهم-، وهو قول إسحاق؛ لما روى أبو داود: أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اركبيها؛ فإن الحج من سبيل الله»؛ ولحديث: «الحج والعمرة في سبيل الله» رواه أحمد، ويشترط له الفقر ومعنْاه أن يكون ليس له بالحج به سواها، وقيل: لا، قال في «الاختيارات الفقهية»: ومَن لم يحج حجة الإسلام أعطى ما يحج به وهو إحدى الروايتين عن أحمد، انتهى.

وذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي وصححه بعضهم؛ لأن كلاً من سبيل الله والفقير لا فرض عليه فهو منه كالتطوع.

والقول الثاني: عندي أنه أرجح لما أراه من قوة الدليل. والله أعلم.

الثامن: ابن السبيل للآية وهو المسافر المنقطع بغير بلده في سفر مباح أو في سفر محرم وتابه منه؛ لأن التوبة تجُب ما قبلها؛ وأما الأدلة الدالة على ذلك، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل أو جار فقير يتصدق عليه فبهدى لك أو يدعوك» رواه أبو داود، وفي لفظ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني» رواه أبو داود وابن ماجه.
يتبع إن شاء الله...



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:07 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأربعاء 04 نوفمبر 2015, 12:24 am

س 113: ما مقدار ما يعطاه الفقير والمسكين من الزكاة؟ وإذا ملك مالاً يقوم بكفايته هل يعطي معه من الزكاة؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تفصيل؟

ج: يعطيان تمام كفايتهما مع كفاية عائلتها سنة؛ لأن وجوبها يتكرر بتكرر الحول فيعطي ما يكفيه إلى مثله وكل واحد من عائلتهما مقصود دفع حاجته فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد ومَن ملك من غير الأثمان ما لا يقوم بكفايته؛ فإن كان مما لا تجب فيه الزكاة كالعقار ونحوه، لم يكن ذلك مانعًا من أخذها، وهذا قول الثوري والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه فقير محتاج.



فأما إن ملك نصابًا زكويًا لا تتم به الكفاية كالمواشي والحبوب فله الأخذ من الزكاة نصّ عليه، وذكر قول عمر -رضي الله عنه- أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا وهذا قول الشافعي؛ لأنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما يكفيه فجاز له الآخذ؛ فإن ملك من غير الأثمان ما يقوم بكفايته كمن له كسب يكفيه أو أجرة عقار أو غيره فليس له الأخذ من الزكاة، وهذا قول الشافعي وإسحاق وابن المنذر؛ لما روى أحمد عن رجلين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهما أتيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألاه الصِّدفة فصعَّد فيهما النظر فرآهما جلدين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما» ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، قال أحمد –رحمه الله تعالى-: ما أجوده من حديث وإن ملك من الأثمان ما لا يقوم بكفايته فليس بغني فلا تحرم عليه الزكاة؛ لأن الغني ما تحصل به الكفاية؛ فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الزكاة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له ومسألتها. والرواية الأخرى: «إذا ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو غني» روى ذلك عن علي وابن مسعود -رضي الله عنهما-؛ لما روى عبد الله ابن مسعود مرفوعًا: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشًا أو خدوشًا أو كدوحًا في وجهه»، قالوا: يا رسول الله، وما غناه، قال: «خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب» رواه الخمسة.

س114: وضَّح مقدار ما يعطاه العامل على الزكاة واذكر ما يشترط في العامل، واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: يعطي عامل قدر أجرته منها إلا إن تلفت في يده بلا تفريط منه فيعطي أجرته من بيت المال؛ لأن للإمام رزقه على عمله من بيت المال ويوفر الزكاة على أهلها؛ فإذا تلفت تعين حقه في بيت المال ولا ضمان على عامل لم يفرط؛ لأنه أمين وله الأخذ ولو تطوع بعمله؛ لقصة عمر - رضي الله عنه - وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر له بعمالة، فقال: إنما عملت لله، فقال: «إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكلْ وتصدَّق» متفق عليه.

وشرط كون عامل مكلفًا مسلمًا أمينًا كافيًا من غير ذوي القربى؛ أما كونه مكلفًا فلعدم أهلية الصغير والمجنون للقبض؛ ولأنها ولاية وغير المكلف مولى عليه؛ وأما كونه مسلمًا فلأنها ولاية على المسلمين فاشترط فيها الإسلام كسائر الولايات؛ ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} ولأن الكافر ليس بأمين؛ ولهذا قال عمر: لا تأمنوهم وقد خوَّنهم الله وأنكر على أبي موسى تولية الكتابة نصرانيًا فالزكاة التي هي ركن الإسلام أولى؛ وأما كونه أمينًا كِافيًا فلأن غيره يذهب بمال الزكاة ويضيعه؛ ولأنها ضرب من الولاية والولاية يشترط فيها ذلك؛ وأما كونه من غير ذوي القربى فلما ورد عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أنه والفضل بن عباس انطلقا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ثم تكلم أحدنا، فقال: يا رسول الله، لِتُؤمِّرَنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة وتؤدي إليك ما يؤدي الناس، فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» مختصر لأحمد ومسلم، وهو نصّ في التحريم لا تجوز مخالفته، قال في «الشرح الكبير»: ويشترط كونه من غير ذوي القربى إلا أن تدفع إليه أجرته من غير الزكاة، وقال أصحابنا: لا يشترط لأنها أجرة على عمل تجوز للغني، فجازت لذوي القربى كأجرة النقَّال، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ وأما أنه لا يشترط فقر، فلخبر أبي سعيد مرفوعًا: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين يتصدَّق عليه منها فأهدى منهما لغني» رواه أبو داود وابن ماجه؛ وأما أنه لا يشترط حريته؛ فلحديث أنس مرفوعًا: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» رواه أحمد والبخاري، ولأن العبد يحصل به المقصود أشبه الحرّ.

س 115: إذا عمل إمام أو نائبه فهل يأخذ شيئًا من الزكاة؟ وهل تقبل شهادة مالك على عامل بوضعها في غير موضعها؟ وهل يصدق رب المال في دفعها إلى العامل بلا يمين؟ وإذ ثبت على عامل أخذ زكاة من أربابها فما الحكم؟ وما حكم كون حاملها وراعيها ممن منعها؟ وما حكم أخذ الهدية للعامل؟ وإذا خان العامل في شيء، فما الحكم؟ وإذا أخذ منهم شيئًا فما الحكم؟

ج: إذا عمل الإمام أو نائبه على الزكاة بأن جبَاهَا الإمام أو نائبه بلا بعث عمال لم يأخذ منها شيئًا؛ لأنه يأخذ رزقه من بيت المال، وتقبل شهادة مالك مالٍ مزكي على عامل بوضع الزكاة في غير موضعها؛ لأن شهادته لا تدفع عنه ضررًا ولا تجر له نفعًا لبراءته بالدفع إليه مطلقًا بخلاف شهادة الفقراء ونحوهم، فلا تقبل له ولا عليه فيها ويصدق رب المال في دفعها إلى العامل بلا يمين؛ لأنه مؤتمن على عبادته ويحلف عامل أنه لم يأخذها منه ويبرأ من عهدتها فتضيع على الفقراء؛ لأنه أمين، وإن ثبت على عامل أخذ زكاة من أربابها ولو بشهادة بعض منهم لبعض بلا تخاصم بين عامل وشاهد قبلت وغرم العامل لأهل الزكاة بعض منهم لبعض بلا تخاصم بين عامل وشاهد قبلت وغرم العامل لأهل الزكاة ما ثبت عليه أخذه، ويصدق عامل في دعوى رفع زكاة لفقير فيبرأ منها، ويصدق فقير في عدم الدفع إليه منها فيأخذ من زكاة أخرى، ويجوز كون حاملها وراعيها ممَّن منعها، ولا يجوز للعامل قبول هدية من أرباب الأموال؛ لحديث: «هذا العمال غلول»، ولا يجوز أخذ رشوة وما خان العامل فيه أخذه الإمام ليرده إلى المستحق له؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من استعملناه على عمل فما أخذه بعد ذلك غلول» رواه أبو داود، ولا يأخذ أرباب الأموال؛ لأنه زكاة، لكن إن أخذ منهم شيئًا ظلمًا بلا تأويل فلهم أخذه، قال الشيخ: ويلزمه رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه.

س116: ما مقدار ما يأخذه المؤلف؟ وهل يقبل قوله في ضعف إسلامه؟ وهل يقبل قوله في أنه مطاع في عشيرته؟ وهل حكم المؤلف باق أم انقطع؟ وما مقدار ما يعطاه المكاتب من الزكاة؟ وتكلم عما يتعلق حول هذا من الصور؟

ج: يعطي مؤلف من زكاة ما يحصل به التأليف؛ لأنه المقصود، ويقبل قوله في ضعف إسلام، ولا يقبل قوله في أنه مطاع في عشيرته إلا ببينة، وحكم المؤلفة باق؛ لأن الآية من آخر ما نزل، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- أعطى مؤلفة من المسلمين والمشركين فيعطون عند الحاجة، ودعوى الاستغناء عن تأليفهم خارج عن محل الخلاف؛ فإن الكلام مفروض عند الحاجة، ويعطي مكاتب وفاء دين الكتاب قَدرٍ على الكتابةِ أو لا لقوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} وما أعتقَ ساع فولاؤه للمسلمين؛ لأنه نائبهم وما أعتق رب المال فولاؤه له.

س117: ما مقدار ما يعطاه الغارم؟ وهل يقضي منها الدين على الميت؟ وما مقدار ما يعطاه الغازي؟ وهل يجوز شراء فرس بزكاة رجل ودَفعها إليه يغزو عليها؟ وإذا لم يغزو فما الحكم؟

ج: يعطي غارم وفاء دينه كمكاتب لاندفاع حاجتهما به، ودين الله كدين الآدمي ولا يقضى من الزكاة دين على ميت لعدم أهلية القبول لها، كما لو كفَّنه منها وسواء كان استدانته لإصلاح ذات بين أو لمصلحة نفسه، ويعطي غاز لو غنيًا ما يحتاج لغزوه ذهابًا وإيابًا وإقامة في أرض العدو ونحو ثمن سلاح ودرع وفرس لفارس وحسولته، ويقبل قوله أنه يريد الغزو؛ لأن إرادته أمر خفي لا يعلم إلا من جهته ولا يجزئ أن يشتري من عليه زكاة منها فرسًا يحبسها في سبيل الله أو يشتري منها عقارًا يقفه على الغزاة لعدم المأمور به ولا يجزئ من وجبت عليه زكاة غزوه على فرس أو بدرع منها؛ لأن نفسه ليست مصرفًا لزكاة كما لا يقضي بها دينه، وللإمام شراء فرس بزكاة رجل دفعها إليه ليغزو عليها؛ ولأنه بريء منها بدفعها للإمام وإن لم يغزو من أخذ فرسًا أو غيرها من الزكاة ردها إلى إمام؛ لأنه أعطي على عمل ولم يعمله نقل عبد الله إذا أخرج في سبيل الله أكل من الصدقة.

س118: ما مقدار ما يعطاه ابن سبيل؟ وإذا وجد مُقرضًا فهل يعطي؟ وإذا سقط ما على غارم أو مكتب أو فضل معهما أو مع غاز أو ابن سبيل شيء بعد حاجته، فما الحكم؟

ج: يعطى ابن سبيل ولو وجد مقرضًا ما يبلغه بلده أو منتهى قصده وعوده إليها إن لم يكن ذلك محرمًا ولا مكروهًا، وإن سقط ما على غارم من دين أو سقط ما على مكاتب من مال كتابة أو فضل مع الغارم والمكاتب شيء عن الوفاء أو فضل مع غاز أو ابن سبيل شيء بعد حاجته رد الكل ما أخذه أو رد مَن فضل معه شيء من غارم ومكاتب وغاز وابن سبيل ما فضل معه؛ لأنه يأخذه مراعي؛ فإن صرفهُ في جهته التي استحق أخذه لها وإلا استرجع منه؛ وأما الفقراء والمساكين والعاملون على الزكاة والمؤلفة قلوبهم فينصرفون في فاضل بما شاءوا؛ لأنه سبحانه أضاف الزكاة إليهم بلام الملك، ثم قال: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ولأنهم يأخذون الزكاة لمعنى يحصل بأخذهم وهو غذاء الفقراء والمساكين وأداء أجر العاملين وتأليف المؤلفة، والأربعة الآخرون يأخذون لمعنى لا يحصل بأخذ الزكاة فافترقوا.

س119: إذا استدان مكاتب ما عتق به وبيده منها بقدر ما استدانه فهل يصرف فيه؟ وهل تجزي الزكاة والكفارة ونحوهما لصغير لم يأكل الطعام؟ وهل يقضي من الزكاة الدين عن الحي؟ وهل تجزي الزكاة والكفارة ونحوها لمن بعضه حر؟ وما الذي يشترط لإجزاء الزكاة؟ وهل للمالك دفعها لغريم المدين؟

ج: لو استدل مكاتب مالاً أداه لسيد وعتق بأدائه وبيده من الزكاة بقدر ما استدانه فللمكاتب صرفه فيما استدانه وعتق به؛ لأنه محتاج إليه بسبب الكتابة وتجزي زكاة وكفارة ونحوهما لصغير لم يأكل الطعام لصغره ويصرف في أجرة رضاعه وكسوته لابدّ منه، ويقبلُ له وليه في ماله؛ فإن لم يكن فمن يليه من أم أو غيرها؛ لأن حفظه من الضياع والهلاك أولى من مراعاة الولاية، ويشترط لإجزاء زكاة تمليك المعطي، وللإمام قضاء دين على غارم حي من زكاة بلا إذنه لولايته عليه في إبقائه، ولهذا يجبره عليه إذا امتنع والأولى للإمام دفع زكاة إلى سيد المكاتب والأولى لمالك مزكي دفع الزكاة إلى سيد مكاتب لرده ما قبض من زكاة من مال الكتابة إن رقّ مكاتب لعجزه ولا يرد سيد مكاتب ما قبض مكاتب من زكاة ودفعه لسيده ثم عجز أو مات ونحوه، ولمالك مزكي دفع الزكاة إلى غريم مدين من أهل الزكاة بتوكيل المدين ويصح توكيل مدين لربها في ذلك ولو لم يقبضها مدين، وللمالك دفع الزكاة إلى غريم مدين بدون توكيل المدين نصًّا؛ لأنه دفع الزكاة في قضاء المدين أشبه ما لو دفعها إليه فيقضي بها دينه.
س120: تكلم عن أحكام ما يلي: سؤال ما أبيح للإنسان أخذه؟ إعطاء السؤال؟ قبولُ مالٍ طيب؟ من سأل واجبًا مُدعيًا كتابة أو غرمًا أو أنه ابن سبيل أو مدعيًا فقرًا ولم يعرف بغني إذا صدق مكاتبًا سيِّده أو صدق غارمًا غريمه، مَن ادَّعى عيالاً أو فقرًا ولم يعرف بغنى؟ الجَلْدُ إذا ادعى عدم مكسب؟

ج: مَن أبيح له أخذ شيء من زكاة أو كفارة أو نذرًا أو غيرها كصدقة التطوع أبيح له سؤاله نصًا لظاهر حديث: «للسائل حق وإن جاء على فرس»؛ ولأنه يطلب حقه الذي جعل له ولا بأس بمسألة شرب الماء نصًّا واحتج بفعله - صلى الله عليه وسلم -، وقال في العطشان: «لا يستسقي يكون أحمق»، وإعطاء السؤال مع صدقهم فرض كفاية؛ لحديث: «لو صدق السائل ما أفلح من رده» احتج به أحمد، وأجاب بأن السائل إذا قال: أنا جائع، وظهر صدقه وجب إطعامه، وإن سألوا مطلقًا لغير معين لم يجب إعطاؤهم ولو أقسموا؛ لأن إبرار المقسم إنما هو إذا أقسم على معين، وإن جهل حال السائل، فالأصل عدم الوجوب وإطعام جائع ونحوه فرض كفاية، ويجب أخذ مال طيب أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس لما ورد عن سالم عن عبد الله بن عمر، عن أبيه - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء فيقول: «أعطه أفقر مني، فيقول خذه فتموله أو تصدق به وما جاءك من هذا المال وأنت مُشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك» رواه مسلم، ومن سأل واجبًا مدعيًا أنه مكاتب أو أنه غارم أو أنه ابن سبل أو مدعيًا فقرًا وعرف بغنى لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم ادعائه وإن ثبت أنه ابن سبيل صُدِّق على إرادة السفر والبينة فيما إذا ادعى فقرأ من عرف بغنى ثلاثة رجال؛ لحديث: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة رجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عَيشٍ أو سِدادًا من عيش» رواه مسلم. وإن صدق مكاتبًا سيدُه قبل وأُعطي أو صدق غارمًا غريمُهُ أنه مدين قُبِلَ وأعطى من الزكاة؛ لأن الظاهر صدقه ويُقلّدُ من ادَّعَى من فقراء أو مساكين عيالاً فيعطى له ولهم بلا بينة أو ادعى فقرًا ولم يعرف بغنى؛ لأن الأصل عدم المال فلا يكلف بينة به وكذا يقلد جلدٌ ادعى عدم مكسب ويُعطى من زكاة بعد إعلامه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مُكتسب؛ لحديث أبي داود في الرجلين اللذين سألاه وفيه أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألناه من الصدقة فصعَّدَ فِينَا النظر فرآنا جَلدَين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب».

س121: تكلم عن أحكام ما يلي: حكم تعميم الأصناف الثمانية؟ حكم تفرقها في الأقارب؟ من فيه سببان هل يأخذ بهما؟ الاقتصار في إيتاء الزكاة على إنسان واحد؟ إذا أعتقَ عبدًا لِتجارة قيمته نصاب بعد الحول قبل إخراج ما فيه، فهل يجوز دفع ما فيه زكاة إليه؟

ج: يحرم أخذ صدقة بدعوى غِنيَّ فقرًا، ولو من صدقة تطوع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن يأخذها بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة» متفق عليه. وسن تعميم الأصناف الثمانية بلا تفضيل بينهم إن وجد الأصناف حيث وجبَ الإخراج وإلا عَمَّم مَن أمكن خروجًا من الخلاف وليَحصُل الإجزاء بيقين؛ فإن اقتصر على إنسان واحد أجزأ، وهذا قول حذيفة وابن عباس - رضي الله عنهم -، وبه قال سعيد بن جبير والحسن وعطاء وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} الآية؛ ولحديث معاذ حين بعثه إلى اليمن فلم يذكر في الآية والحديث إلا صنف واحد، وقوله لقبيصة: «أقِم عنْدَنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، وأمر بني سلمة بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر»، ولو وجب الاستيعاب لم يجز صرفها إلى واحِد؛ ولأنه لا يجبُ تعميم كل صنف بها فجاز الاقتصار على واحد كالوصية لجماعة لا يمكن حصرهم، والآية سِيْقَتْ لِبيَان مَن يجوز الدفع إليه لا لإيجاب الصرف للجميع دليل أنه لا بجب تعميم كلَّ صنف بها، ولما فيه من الحرج والمشقة، وجاز دفعها لغريمه؛ لأنه من جملة الغارمين؛ فإن ردها عليه من دينه بلا شرط جاز له أخذه؛ لأن الغريم ملك ما أخذه الأخذ أشبه ما لو وفَّاه من مال آخر؛ لكن إن قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم تجز؛ لأنها لله تعالى فلا يصرفها إلى نفعه.

قال ابن القيم –رحمه الله-: ومن الحيل الباطلة المحرمة أن يكون له على رجل مال وقد أفلس غريمه وأيس من أخذه منه وأراد أن يحسبه من الزكاة فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه فيصير مالكًا للوفاء فيطالبه حينئذ بالوفاء؛ فإذا وفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع وهذه حيلة باطلة سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعها إليه أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه، فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة ولا يعد مخرجًا لها شرعًا ولا عرفًا، كما لو أسقط دينه وحسبه من الزكاة. انتهى من «إعلام الموقعين» (3/ 320، 321)، وسن تفرقة صدقته في أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم كذوي أرحامه ومَن لا يرثه من نحو أخ وعم على قدر حاجتهم فيزيد ذا الحاجة بقدر حاجته؛ لحديث: «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» رواه الترمذي والنسائي.

ويبدأ بالأقرب فالأقرب ومَن فيه سببان كفقير غارم أو ابن سبيل أخذَ بالسَّببَين فيعطي بفقره كفايته مع عائلته سنة وبغرمه ما يفي به دينه ولا يجوز أن يعطي بأحَد السببين لا بعينه لاختلاف أحكامهما في الاستقرار وعدمه وإن أعطى بهما وعيّنَ لكل سبب قدرٌ معلوم فذاك وإلا يُعيَّنُ لكل سبب قدَرٌ كان ما أعطيه بينهما نصفين ومن أعتق عبدًا لِتجارة قيمته نصاب بعد الحول قبل إخراج وما فيه من زكاة فلِلسيدِ دَفعُ ما فيه من زكاة إلى العتيق، وكذا فطرة عبد أعتقه بعد وجوبها عليه ما لم يقم به مانع من غنى ونحوه.

من النظم ومختصره مما يتعلق في مصارف الزكاة
وأصنَاف من يعطي ثمانية أتى ... بتبيَانهم نصّ الكتاب الممجدِ
فقيرهم المحتاج جلَّ كفاية ... ومسكينهم عكس وعكس بأبعدِ
كجاب وسَوَاقٍ وكتب وقاسم ... وحافظها في الصبح أو عند مرْقَدِ
وليس غنى مالك لما ليس كافيًا ... ولو كان أثمان كثيرًا بأوكدِ
وعن أحمد حرم بخمسين درهمًا ... على المرء أو مقدارها ملك عسجدِ
وكل مطاع في العشيرة مؤلف ... لخوف أذاه أو رجاء المرء يُهتدى
وقوة إيمان وإسلام مُشْبهٍ ... وتحصيل ممنوع ودفع لمعْنَدِ
وعنه امنعن بالكفر كل مؤلف ... لقوة إسْلام ووفرَ التعَددِ
وأهل الرقاب إسْم لكل مكاتب ... وفك أسير مسلم في المؤكدِ
وكل مدين يصلح للناس غارم ... كذا في مباحات النفوس ليعددِ
وسابعهم غاز بغير مقرر ... وقولين في حج المساكين أسندِ
ومفتَقر في الغربة ابن سبيلهم ... وليس الذي من أرضه السير يبتدي
فيعطي مقدار المبلغ أرضه ... وذا الفقر والمسكين كافيهما ارفدِ
وعنه الفقير المبتدى السير أعطه ... لسير مباح للذهاب ومزددِ
وعاملها مقدار أجرة فعله ... وعنه ثُميْن اللذّ جَبَى إن يُزهدِ
وذو الغرم في النوعين يعطي كفايةً ... ليقضي جميع الدين لا تتزيدِ
وما يحصل التأليف منه لأهله ... وحاجة أهل الغزو جمعاء أوْرِدِ
فإن هم لم يغزو أفخذه وإن غزوا ... فخذ فاضلاً بعد الرجوع بمبعدِ
وخذ لعيال حاجة العام كلها ... في الأولى وكل فوق لا تتزيد
ويأخذ منهم مع غناه مؤلف ... وغاز وعمال ومصلح ومفسد
وفاضل ما يحتاجه ابن سبيلهم ... وغارم نفس والمكاتب ليردد
ويملكه الباقي وعنه جميهم ... ولكنه مع عجز عبد لسيد
ويأخذ ذو الوصفين غاز وغارم ... بوصيفه منهَا في المقَالِ المجَوَّد
ومن كان ذا ملك وتجر وصنعة ... يقوم به ريعٌ دَاومًا ليطرد
ويأخذ ذو كسب تخلي لعلمه ... ولا تعط ذا كسب ملازم مَعْبد
وليس غني دار وعبد وخدمة ... وكتب لمحتاج إلى ذاك سرمد
ودعوى افتقار وكتاب ومغرم ... أو ابن سبيل رد إلا بشهّد
ولا تقبلن بعد الغنى الفقر يا فتى ... بدون ثلاثة يشهدون بأوطد
ويقبل مجهول سبق يساره ... ووجهان مع تصديق خصم وسيِّد
واعط سوى الحال من غير حلفه ... وخبره أن لا حظ فيها لأجلد
ولا ذا اكتساب قائم بأموره ... وتقبل دعواه العيال بأجود
ويشرع في الأصناف صرف جميعها ... ولو لم تساوي بينهم في المعدَّد
ومَن يعط فردًا من أولاه زكاته ... جميعًا يجز ما يَعُد الغنى أحدد
ويشرع في قرباك من ليس وارثًا ... على قدر حاجات وقرب ليمدد
ومن بعد ذا فالجار والعلم قَدِّمنْ ... وراع ذوي الحاجات والستر ترشد

س122: مَن الذين لا يجزي دفع الزكاة إليهم؟ ومن الذين يجوز دفعها إليهم غير من تقدم؟ وهل لمن لا يجوز دفع الزكاة إليه الأخذ من صدقة التطوع؟ وإذا دفع الزكاة لغير مستحقها لجَهْلٍ فما الحكم؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: ولا تجزي زكاة إلى كافر غير مؤلف؛ لحديث معاذ: «فتؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم»، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذمّي لا يعطى من الزكاة ولا تجزي إلى كامل رقّ من قنّ ومدّبر ومعلق عتقه بصفة؛ لأن نفقة الرقيق على سيده. قال في «الشرح الكبير»: ولا يعطي الكافر ولا المملوك، لا نعلم فيه خلافًا. انتهى. غير عامل ومكاتب فيجوز؛ أما العامل، فلأن ما يأخذه أجرة عمل يستحقها سيده؛ وأما المكاتب، فلأنه في الرقاب ولا تجزي إلى زوجة المُزكِّي حكاه ابن المنذر إجماعًا، لوجوب نفقتها عليه فتستغني بها عن أخذ الزكاة، وكما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها والناشز كغيرها ولا تجزي إلى فقير ومسكين ذكر وأنثى مُسَغنينِ بنفقةٍ واجبةٍ على قريب أو زوج غنيين لحصول الكفاية بالنفقة الواجبة لهما أشبه من له عقار يستغني بأجرته؛ فإن تعذر منهما جاز الدفع كما لو تعطلت منفعة العقار، ولا تجزي للوالدين وإن علوا ولا للولد وإن سفل؛ لأن دفعها إليهم يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه فيعود نفعها إليه فكأنه دفعها إلى نفسه أشبه ما لو قضى بها دينه ما لم يكونوا عمَّالاً أو مؤلفة أو غزاة أو غارمين لإصلاح ذات بين. وفي «الاختيارات الفقهية»: ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم لوجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم، وهو أحد القولين في مذهب أحمد وإذا كانت الأم فقيرة ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضرّ بهم أعطيت من زكاتهم، والذي يخدمه إن لم تكفه أجرته أعطاه من زكاته إذا لم يستعمله بدل زكاته ومَن كان في عياله من لا تجب عليه نفقتهم فله أن يعطيهم من الزكاة ما يحتاجون إليه ما لم تجر عادته بإنفاقه من ماله. انتهى (ص104)، وفي «مجموع الفتاوى»: إذا كان على الولد دين ولا وفاء له جاز له أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره؛ وأما إذا كان محتاجًا إلى النفقة وليس لأبيه ما يتفق عليه ففيه نزاع والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه؛ وأما إن كان مستغنيًا بنفقة أبيه فلا حاجة به إلى زكاته. والله أعلم. (25 /92) انتهى.

وعن معن بن يزيد - رضي الله عنه - قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأبي وجدي وخطب عليَّ فأنكحني وخاصمتُ إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: «لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن» قال ابن رجب: إنما يمنع من دفع زكاته إلى ولده خشية أن تكون محاباة، وإذا وصلت إليه من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل الاستحقاق، ولا يجزي امرأة دفعُ زكاتها إلى زوجها؛ لأنها تعود إليها بإنفاقه عليها. والرواية الثانية: يجوز اختارها القاضي وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم؛ لما ورد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ، قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود، فقالت: يا رسول الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق مَن تصدقت به عليهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» رواه البخاري. ولا يجزي دفع زكاة إنسان إلى سائر مَن تلزم المزكي نفقته من أقاربه ممن يرثه بفرضه أو تعصيب كأخت وعمّ وعتيق حيث لا حاجب.



والقول الثاني:
أنه يجوز إلى غير عمودي النسب ممن يرثه بفرض أو تعصيب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم إثنتان صدقة وصلة» رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي؛ فإن كان من تلزمه غازيًا أو عاملاً أو مؤلفًا أو مكاتبًا أو ابن سبيل أو غارمًا لإصلاح ذات بين أعطى من الزكاة، وتجزي إلى من تبرع بنفقته بضمه إلى عياله أو تعذرت نفقته، ولا تجزي دفع زكاة إلى بني هاشم وهم سلالته فدخل آل عباس بن عبد المطلب وآل جعفر وآل علي وآل عقيل بني أبي طالب وآل الحارث بن عبد المطلب وآل أبي لهب سواء أعطوا من الخمس أولاً؛ لعُموم: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد وإنما هي أوساخ الناس» رواه مسلم. قال في «الاختيارات الفقهية»: وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقال أبو يوسف من الحنفية والإصطخري من الشافعية؛ لأنه محل حاجة وضرورة ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين، وهو محكي عن طائفة من أهل البيت. انتهى (ص104)، ومثل بني هاشم مواليهم؛ لحديث أبي رافع: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما نصيب منها، فقال: حتى أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسأله، فانطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله، فقال: «إنها لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم» أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. ويجزي دفع الزكاة إلى مولى بني هاشم؛ لأن النص لا يتناولهم، ولكل ممن أنه لا يجزي دفع الزكاة إليه من بني هاشم وغيرهم أخذ صدقة التطوع؛ لقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرًا؛ ولحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشتركة، قلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم صِلِي أمَّك» وَسُنَّ تَعَفُّفُ غنى عن صدقة التطوع وسُنّ له عدم تعرض لها لمدحه تعالى المتعففين عن السؤال مع حاجتهم، قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} ولكل من فقير ومسكين هاشمي أو غيره أخذ من وصية لفقراء إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - فمنع من فرض الصدقة ونفلها؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته.

قال أبو هريرة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: «كلوا» ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده وأكل معهم» متفق عليه. ولكل فمن منع الزكاة عن هاشمي أو غيره الأخذ من نذر لا كفارة؛ لأنه صدقة واجبة بالشرع أشبهتة الزكاة، بل أولى لأن مشروعيتها لمحو الذنب فهي من أشد أوساخ الناس، ويجزي دفع زكاته إلى ذوي أرحامه غير عمودي نسبه ولو ورثوا؛ لحديث: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة» رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي؛ ولأن قرابتهم ضعيفة، ويجزي دفع الزكاة إلى بني المطلب لشمول الأدلة لهم خرج منها بنو هاشم بالنص؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد» فوجب أن يختص المنع بهم؛ ولأن بني المطلب في درجة بني أمية وهم لا تحرم الزكاة عليهم، فكذا هم وقياسهم على بني هاشم لا يصلح؛ لأنهم أشرف وأقربُ آل النبي - صلى الله عليه وسلم - بَنُو هاشم.

والقول الثاني:
لا يجوز لما روى جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحْنُ وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» رواه البخاري.

وفي بعض روايات هذا الحديث أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام؛ ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فمنعوا من الزكاة كبني هاشم وقد أكد ذلك ما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل منهم من الصدقة باستغنائهم عنها بخمس الخمس، فقال: «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم» قال في حاشية «المقنع»: وظاهره ولو منعوا الخمس ولا يبعد أن يتأتى الخلاف هنا، بل هو أولى بالجواز وإن دفع الزكاة لغير مستحقها، وهو يجهل ثم علم لم يجزئه ويستردها بنمائها؛ لأنه لا يخفي غالبًا كدين الآدمي؛ فإن تلفت ضمنها قابض وإن كان الإمام أو نائبه فعليه الضمان وإن دفعها لمن يظنه فقيرًا فبان غنيًا أجزأ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى الرجلين الجلدين، وقال: «إن شئتما أعطيتكما منها» لغني ولا لقوي مكتسب، وقال: لذي سأله من الصدقة: «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.

وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال رجل لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأتى، فقيل: أما صدقتك فقد تقبلت لعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله» رواه النسائي.
قال في «الاختيارات الفقهية»: ولا ينبغي أن يعطي الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله تعالى فرضها معونة على طاعته لمن لا يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين أو لمن يعاون المؤمنين، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئًا حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة في أوقاتها (ص103).

من النظم مما يتعلق بمن لا يجوز دفعها إليه
وما بذلها للوالدين بمجزئ ... ولا الولد مع قرب ولا مع تبعُّد
ولا القن والكفار غير الذي مضى ... وغاز وذي عزم وإصلاح مفسد
وحرم ولا يجزي عطا آل هاشم ... ومولاهم والسبط فيهم ليعدد
ويعطون نذرًا والوصايا لمعدم ... ونفلاً في الأولى والمكفر بأجود
وزوجتك امنع مع فقيرة موسر ... ولم يجز إعطاء ذا الغنى والتسدد
وقولان في إعطا الغنية زوجها ... كذاك هما في آل مُطّلب زد
وفي لازم الإنفاق في أقربائه ... مقالقين في غير العمودين أسند
وقبل أجزاها للأقارب كلهم ... وزوجين في غرم ودين المعبدِ
وليس بمجز دفعها لشريكه ... ولا من تعولا من قريب ومبعد
ولا كفن الموتى ولا في ديونهم ... ولا نحو سد البثق أو رَدَّ مسجدِ
ويحرم حتما أن بقي ماله بها ... ويدفع ذما أو لتحصل مَحْمَدِ
ومَن يعط كفاراته أو زكاته ... لمن ظنه أهلاً لقبض المزودِ
فبان بأن المرء من غير أهلها ... ليقض وعنه لا قضى في الغني قدِ
ومَن ليس أهل القبض يعطي وليه ... وعنه وساع في مصالحه ارفدِ

16- فصل في صدقة التطوع

س123: ما حكم صدقة التطوع؟ وضِّح ذلك مع ذكر الدليل.

ج: صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات، قال الله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}، وعن أبي هريرة «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله يتقبلها بمينه ثم يربيها لصاحبها، كما يُرَبي أحدكم، فلوّه حتى تكون مثله الجبل» متفق عليه.

وعن أنس مرفوعًا: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وحسنه، وعن مرثد بن عبد الله قال: حدثني بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته» رواه أحمد.

س124: أيُّما أفضل صدقة السر أم العلانية؟ وضَّح ذلك مع ذكر الدليل.

ج: صدقة السر أفضل؛ لقوله تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.

وروي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» متفق عليه.

وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» رواه الترمذي.

عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا رب، هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد؛ قالت: يا رب، فهل في خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار؛ قالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء؛ قالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الماء، قال: نعم، الريح؛ قالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله».

وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «سر إلى فقير أو جهد من مقل» رواه أحمد؛ فإن ترتبت على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به فيكون أفضل من هذه الحيثية ومن المصالح المرجحة للإظهار إذا كان في إسراره بها إساءة ظن به فالإظهار أفضل حتى لا يساء به الظن.

س125: بيّن متى وقت أفضلية الصدقة من الزمان والمكان؟ واذكر الدليل لما تقول؟

ج: صدقت التطوع بطيب نفس أفضل منها بدونه؛ لما في حديث عبد الله ابن معاوية الغاضري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من فعلهن فقد ذاق طعم الإيمان من عَبَدَ الله وحده، وعلم أن لا إله إلا الله وأعطى زكاة ماله طيِّبة بها نفسه» الحديث رواه أبو داود. وفي الصحة أفضل منها في غيرها؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظمُ أجرًا؟ قال: «أن تصدّق، وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغِنَى ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم»، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» أخرجاه في الصحيحين. وفي رمضان أفضل منها في غيره؛ لحديث ابن عباس، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فَلرَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» متفق عليه.

ولأن الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصوم، وفي أوقات الحاجات أفضل مها في غيرها؛ لقوله تعالى: { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } وفي كل زمان ومكان فاضل كالعشر والحرمين؛ أما العشر، فلحديث ابن عباس: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» رواه البخاري.

وأما الحرمين فلما ورد عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه البخاري.

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بمائة ألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» رواه الطبراني في «الكبير»، وابن خزيمة في «صحيحه»، ولفظه: «صلاة في المسجد الحرام أفضل مما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة، وصلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه، وصلاة في بيت المقدس أفضل مما سواه من المساجد بخمسمائة صلاة».



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:08 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأربعاء 04 نوفمبر 2015, 7:12 am

س 126: تكلم عن الصدقة على ذي الرحم؟ وعلى تأكيدها مع العداوة؟ واذكر الأدلة على ذلك؟ ومن الذي يلي ذي الرحم في الأفضلية؟

ج: والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة، لاسيما مع عداوة؛ أما الدليل على أفضليتهما في القرابة، فلقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي طلحة: «وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، متفق عليه. وتقدم قوله - صلى الله عليه وسلم - لزينب امرأة ابن مسعود: «زوجك وولدك أحق مَن تصدقت به عليهم» رواه البخاري؛ وأما كونها تتأكد مع العداوة، فلم ورد عن أبي أيوب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» رواه أحمد.
وعن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصدقة أيها أفضل؟ قال: «على ذي الرحم الكاشح» رواه الطبراني وأحمد وإسناده حسن، «ثم على جار أفضل؛ لقوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ}».
وعن ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» متفق عليه. ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتد حاجته؛ لقوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}.

س 127: ما الذي تستحب به الصدقة؟ وإذا تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه أو بما يضر بنفسه أو غريم أو أرادها بماله كله، فما الحكم؟

ج: وتستحب بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنَى، وابدأ بمن تعول» متفق عليه. ومن تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه كمؤنة زوجة أوق ريب أثم؛ لحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» حديث صحيح رواه أبو داود وغيره، ورواه مسلم في «صحيحه»، بمعناه قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يحس عن من يملك قوته؛ فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل؛ لقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}».
ولما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول» أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وكذا يأثم إن أضر بنفسه أو بغريمه أو بكفيله بسبب صدقته بحديث: «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وغيره.
ومَن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة لهم كفاية أو يكفيهم بمكسبه فله ذلك؛ لما روى عمر -رضي الله عنه- قال: «أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أبقيت لأهلك؟»، فقلت: أبقيت لهم مثله، وأتى أبو بكر -رضي الله عنه- بجميع ماله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما أبقيت لأهلك؟» فقال: أبقيت الله ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا». وكذا إن كان لا عيال له، ويعلم من نفسه حسن التوكل على الله والصبر عن المسألة فله ذلك لعدم الضرر، وألا يكن لعياله كفاية ولم يكفهم بمكسه حَرُمَ وحجر عليه لإضاعة عياله؛ ولحديث: «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنَّى» رواه أبو داود، وكذا إن كان وحده ولم يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة، وكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية؛ لأنه نوع إضرار به.
وروى أبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يأتي أحدكم بما يملك، فيقول هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وقال -صلى الله عليه وسلم- لسعد: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» متفق عليه.
قال ابن الجوزي في كتاب «السر المصون»: الأولى أن يدخر لحاجة تعرض وأنه قد يتفق له مرفق فيخرج ما في يده فينقطع مرفقه فيلاقي من الضرر والذل ما يكون الموت دونه فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال الحاضرة، بل يصور كل ما يجوز وقوعه، وأكثر النَّاس لا ينظرون في العواقب وقد تزهَّد خلق كثير فأخرجوا ما بأيدهم حتى احتاجوا فدخلوا في المكروهات، والحازم من يحفظ ما في يده، والإمساك في حق الكريم جهاد كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد، والحاجة تخرج إلى كل محنة ومن ميَّز شيئًا للصدقة به ثم بدا له الرجوع عن الصدقة سن له إمضاؤه مخالفة للنفس والشيطان، ولا يجب عليه إمضاؤه؛ لأنها لا تملك إلا بالقبض، والمن بالصدقة كبيرة، والمن لغةً: تَعْدادُ النِّعَمِ، والكبيرة ما فيه حَدٌ في الدنيا أو وَعيْدٌ في الآخرة، وزاد شيخُ الإسلام أو تَرتَّبَ عليه لعنةٌ أو غضبٌ أو نَفُي إيمان.

قال ناظم الكبائر:
فمَا فيهِ حَدٌ في الدُّنى أو تَوَعُّدٌ ... بأخرى فسِم كُبْرَى على نصِّ أحْمدِ
وزَادَ حَفِيدُ المجْدِ أوْجَا وَعِيدُهُ ... بنَفْيٍ لإيمَانِ وَطَرْدٍ لِمُبْعَد


ويبطل الثواب بالمنِّ بالصدقة قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى}.

وقال أبو الطيب: وكأنه ينظر إلى معنى هذه الآية الكريمة:
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيًا

قال الناظم مما يتعلق في صدقة التطوع:
وبذلك نفل البرِ سِرًا بفاضل ... عن النفس مع قوت العيال المزهدِ
يسَن وفي الحاجات أو شهر صومهم ... وللجار والقُرْبَى وإن يؤذ أكدِ
ويأثم في إضرار نفس وعيلة ... ومطل غريم في التقاضي ملددِ
وإن تك ذا صبر وحسن توكل ... وترك سؤال بالجميع أن تشَاجدِ
وأن لا تكن نائم بدفع جميعه ... ويكره تضييق بغير المعوَّدِ
وجوز سؤال المرء ما جاز أخذه ... وعنه احظرنَّ ذا الغَدَا والعشَا قدِ
ومَا جَا بلا استشرَافِ نفس وُطلبةٍ ... يسَنُّ ولمْ يوجب قبُولاً بأوكدِ
ويكره باستشرَاف نفس وجائز ... على الكفر بذل البرّ في نص أحمدِ


س 128: ما الذي تستحضره من الفوائد المترتبة على أداء الزكاة؟ وبذل صدقة التطوع والمضار المترتبة على منع الزكاة؟

ج: 1- أولاً: امتثال أمر الله ورسوله.

2- تقديم ما يحبه الله على محبة المال.

3- أن الصدقة برهان على إيمان صاحبها كما في الحديث والصدقة برهان.

4- شكر نعمة الله المتفضل على المخرج بما أعطاه من المال.

5- السلامة من وبال المال في الآخرة.

6- تنمية الأخلاق الحسنة والأعمال الفاضلة الصالحة.

7- التطهير من دنس الذنوب والأخلاق الرذيلة. قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}.

8- إضعاف مادة الحسد والحقد والبغض أو قطعها كليًّا.

9- تحصين المال وحفظه؛ لحديث: «حَصنُوا أموالكم بالزكاة».

10- إن الصدقة دواء من الأمراض؛ لحديث: «وداووا مرضاكم بالصدقة».

11- الاتصاف بأوصاف الكرماء.

12- إنها سببب لدفع البلاء.

13- التمرن على البذل والعطاء.

14- إنها سبب لدفع جميع الأسقام؛ لحديث: «باكروا الصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها».

15- إنها سببٌ لجلب المودة؛ لأنها إحسان النفوس مجبولة على حُبِّ مَنْ أحسن إليها.

16- أنها سبب للدعاء من القابض للدافع، وتقدمت الأدلة في جواب سؤال.

17- أن منع الزكاةَ سببٌ لمنع القطر؛ لحديث: «ولا منعوا الزكاة إلا حُبسَ عنهم القطر».

18- الابتعاد عن البخل والشح.

19- الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. قال الله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} وقد فسر الفلاح: بأنه الفوز المطلوب والنجاة من المرهوب، وهذا من جوامع الكلم.

20- أنها تدفع مِيتةَ السوء كما في الحديث: «إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء».

21- أن المتصدق يكون في ظل الله يوم القيامة كما في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله» وذكر منهم «رجل تصدق بصدقة فأخْفَاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» الحديث، وتقدم في الحديث الآخر: «وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته».

22- الفوز بالثناء من الله؛ لأن الله مدح المنفقين والمتصدقين.

23، 24، 25- الفوز بالأجر من الله والأمن مما يخاف منه، ونفي الحزن عنهم. قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِراًّ وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

26- أن أداء الزكاة سبب لنزول القطر كما أن منعها سبب لحبسه.

27- أنها سبب لمحبة الله؛ لأن المتصدق محسن على المتصدق عليه، والله يحب المحسنين.

28- السلامة من كفر نعمة الله.

29- الخروج من حقوق الله وحقوق الضعفاء.

30، 31، 32- أنها سبب للرزق والنصر كما في الحديث: «وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا».

33 - أنها تطفئ عن أهلها حرّ القبور كما في الحديث: «إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حرّ القبور».

34- أنها تزيد في العمر كما في الحديث: «إن صدقة المسلم تزيد في العمر».

35- السلامة من اللعن الوارد في مانع الزكاة؛ لما روى الأصبهاني عن علي -رضي الله عنه- قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والواشمة والمستوشمة ومانع الصدقة والمحلل والمحلل له.

36- الفوز بالقرب من رحمة الله. قال تعالى: {إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ}، وقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الآية

37- الوعد بالخلَف للمنفق؛ لحديث: «اللهم أعط منفقًا خلفًا».

38- الظفر بدعاء الملائكة للمنفق.

39- أن في إخراج الزكاة حل للأزمات الاقتصادية وسوء الحالة الاجتماعية، فلو أن أهل الأموال الزكوية تَنَسَّخُوا منها وَوَضَعُوها في مواضعها، لقامت المصالح الدينية والدنيوية وزالت الضرورات واندفعت شرور الفقراء، وكان ذلك أعظم حاجز وسدّ يمنع عبث المفسدين، وفي الحديث: «واتقوا الشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».

40- أن الله يُعين المتصدق على الطاعة، ويهيئ له طرق السداد والرشاد، ويذلل له سبل السعادة. قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}.

41- أن منع الزكاة يخبث المال الطيب؛ لحديث: «مَن اكسَبَ طيِّبًا خبَّثهُ منع الزكاة، ومن كسب خبيثًا لم تطيّبه الزكاة» رواه الطبراني في «الكبير» موقوفًا بإسناد منقطع.

42- أن منع الزكاة سبب لتلف المال؛ لحديث: «ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة» رواه الطبراني في «الأوسط»، وهو حديث غريب.

43- أن منع الزكاة سبب للابتلاء بالسنين لما في الحديث، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين» رواه الطبراني في «الأوسط» ورواته ثقات.

44- أن مَن لم يؤدي حق الله في ماله أنه أحد الثلاثة الذين هم أول من يدخل النار؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «عُرِضَ عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار؛ فأمَّا أوّلُ ثلاثة يدخلون الجنة، فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعَفيف متعفف ذو عيال؛ وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مُسَلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حَقَّ الله في ماله وفقير فخور» رواه ابن خزيمة في «صحيحه» وابن حبَّان مفرقًا في موضعين.

45، 46- أن الصدقة يذهب الله بها الكبر والفخر؛ لحديث: «إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتتة السوء، ويذهب بها الكبر والفخر» رواه الطبراني.

47- السلامة من التطويق بالشجاع الأقرع، كما في الحديث: «ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع يطوق به عنقه».

48- السلامة من صفة المنافقين؛ لما في الحديث: «ظهرت لهم الصلاة فقبلوها، وخفيت لهم الزكاة فأكلوها، أولئك هم المنافقون» رواه البزار.

49، 50- أن البلاء لا يتخطى الصدقة وأنها تسد سبعين بابًا من السوء؛ لما ورد عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الصدقة تسد سبعين بابًا من السوء» رواه الطبراني في «الكبير»، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «باكروا بالصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها» رواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا على أنس، ولعله أشبه.

51- أن الصدقة حجاب من النار لمن احتسبها؛ لما روي عن ميمونة بنت سعد أنها قالت: يا رسول الله، أفتنا عن الصدقة، فقال: «إنها حجاب من النار لمن احتسبها يبتغي بها وجه الله عز وجل» رواه الطبراني في «الكبير»، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «باكروا بالصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها» رواه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا على أنس، ولعله أشبه.

51- أن الصدقة حجاب من النار لمن احتسبها؛ لما روى عن ميمونة بنت سعد أنها قالت: يا رسول الله، أفتنا عن الصدقة، فقال: «إنها حجاب من النار لمن احتسبها يبتغي بها وجه الله عز وجل» رواه الطبراني.

52- أن إخراج الصدقة يؤلم سبعين شيطانًا؛ لما ورد عن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يخرج شيئًا من الصدقة حتى يفك عنها لحيَيْ سبعين شيطانًا» رواه أحمد والبزار والطبراني وابن خزيمة في «صحيحه».

53- أن يُسَخِّرُ لِلمُتَصدق ما يكون سببًا لنمو ماله كبركة في ماء نهر وسقي أرض، كما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحوِّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع في الصحابة، فقال له: يا عبد الله، لم سألتني عن اسمي، قال: سمعت في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأردّ فيها ثلثه» رواه مسلم.

54- أن الصدقة لا تنقص المال خلافًا لما يظنه بعض الجهال؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما نقصت صدقة من مال» الحديث رواه مسلم.

55- أن الصدقة إذا كانت من كسب طيب؛ فإن الله يقبلها بيمينه ثم يريبها لصاحبها، كما ورد في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يُرَبي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل» متفق عليه.

56- أن الصدقة سبب من أسباب المعية الخاصة؛ لأن المتصدق محسن، وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.

57- أن المصدقين يضاعف الله لهم ثواب أعمالهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى حيث شاء الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}.

58- أن الصدقة لتطفئ غضب الرب عز وجل، كما في الحديث: «إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذي: حسن غريب.

59- أن بإخراج الزكاة كل سنة يرى الفقراء أن الأغنياء لهم فضل عَليْهم فيدافعون عنهم ما استطاعوا؛ أما كف اليد عنهم ومنع معروفهم أن يصل إليهم؛ فإنه يوغر صدورهم ويملؤها حقدًا عليهم ويجتهدون في سلب حياتهم للوصول إلى أموالهم المخزونة فتكون الحياة مهددة والأمن مفقودًا.

قال بعض الشعراء:
واحْسِبُ الناسَ لو أعْطُوا زكاتَهُمو ... لما رأيتَ بني الإعدام شاكِيْنَا

60- أن منع الصدقات يزيل النعم ويخرب الديار، وتأمل قصة أصحاب الجنة في سورة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} وقصة ثعلبة في سورة التوبة [الآية: 75 منها].
هذا آخر ما تيسر من الفوائد، وفيه فوائد أخرى، ومضار على المنع تستحق وحدها مصنف؛ ولكن في هذا إن شاء الله كفاية وبركة ونفع. اللهم صلي على محمد وآله وسلم.

17- كتاب الصيام

س 129: ما هو الصيام لغةً وشرعًا؟

ج: أصل الصوم في اللغة: الإمساك، يقال: صام الفرس، إذا أمسك عن الجري. قال الله تعالى أخبارًا عن مريم: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً } الآية أي صمتًا؛ لأنه إمساك عن الكلام، وقال الشاعر:
خيل صيَامٌ وخَيلٌ غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجُمَا
يعني بالصائمة الممسكة عن الصهيل وصام النهار صومًا إذا قام قائم الظهيرة قال امرؤ القيس:
فدعها وسلِّ الهمَ عنها بحسرة ... ذمول إذا صام النهار وهَجَّرا
وفي الشرع: إمساك عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص؛ فأما الأشياء المخصوصة فهي مفسداته؛ وأما الزمن المخصوص فهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ وأما الشخص فهو المسلم العاقل غير الحائض والنساء.

س 130: ما حكم صوم رمضان؟ وما الدليل عليه من الكتاب والسُّنة؟ وما هي الحكمة في صوم رمضان؟ ومتى فرض صومه؟

ج: حكم صوم رمضان أنه واجب، وأنه أحد أركان الإسلام من جحد وجوبه عالمًا كفر وإن كان جاهلاً يعرّف؛ فإن أصر بعد التعريف كفر ويقتل في الحالين كافرًا مرتدًا، والأصل في وجوبه: الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} إلى قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}؛ وما السُّنة: فمنها ما ورد عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» متفق عليه.
وعن طلحة بن عبد الله أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ما فرض الله عليّ من الصلاة، قال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوع»، قال: أخبرني ما فرض الله عليَّ من الصيام، قال: «شهر رمضان»، قال: هل علي غيره، قال: «لا إلا أن تطوع شيئًا» الحديث متفق عليه.
وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان؛ وأما الحكمة في صومه فهي ما ذكر الله بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، افترض في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا، قال ابن مسعود: «فصام رسول الله تسعة وعشرين أكثر مما صُمنا معه ثلاثين» رواه أبو داود.

س 131: متى يجب صوم رمضان؟ وما هي الأدلة على ذلك؟

ج: يجب صوم رمضان برؤية هلاله أو بإكمال شعبان ثلاثين يومًا؛ أما الدليل على وجوبه برؤية الهلال، فمن الكتاب العزيز: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، ومن السُّنة: ما ورد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا؛ فإن غُمَّ عليكم فأقدروا له» متفق عليه.
وأما الدليل على وجوبه بإكمال العدة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته؛ فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته؛ فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً» رواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه، وصححه، وفي لفظ للنسائي: «أكملوا عدة شعبان»، وعن عائشة قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان؛ فإن غمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام» رواه أبو داود.

س 132: ما هو يوم الشك؟ وما حكم صيامه؟ وما هي الأحكام التي تثبت تبعًا لوجوب الصوم؟ وإذا لم ير الهلال إلا واحد فما الحكم؟

ج: إذا لم ير مع صحو ليلة الثلاثين لم يصوموا؛ لأنه يوم الشك المنهي عن صومه؛ لما ورد عن عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- قال: «مَن صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-» رواه أبو داود والترمذي، وإذا ثبتت الرؤية أو أكمل شعبان ثلاثين يومًا تُصلى التراويح ويقع الطلاق والعتق المعلقين به وتنقضي العدة ومدة الإيلاء به، ويحلَّ الأجل المعلق بدخوله وتثبت رؤية هلاله بخبر مسلم مكلف عَدْل ولو عبدًا أو أنثى، نص عليه وفاقًا للشافعي، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء؛ لحديث ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمدًا رسول الله؟» قال: نعم، قال: «فأذن في الناس يا بلال، أن يصوموا غدًا» رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، ورجح النسائي إرساله.
وعن ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه» رواه أبو داود، ولا يقبل في بقية الشهور إلا رجلان عدلان.
قال في «الاختيارات الفقهية»: وإن حال دون الهلال ليلة الثلاثين غيمٌ أو قَترٌ فصومه جائز لا واجب، ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، والمنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرًا إلى أنه لا يستحب، انتهى (ص 107 منها).

س 133: ما المستحب قوله لمن رأى الهلال؟ وما هو الدليل على ذلك؟

ج: يستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما ورد عن ابن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الهلال، قال: «الله أكبر، اللهم أهِلَّهُ علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال رشد وخير» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

من النظم مما يتعلق بكتاب الصيام
وخُذْ في بيَان الصوم غيرَ مُقَصر ... عِبَادةَ سِرٍ ضِدَّ طَبْعٍ مُعَوَّدِ
وصَبْرٌ لفَقدٍ الإلف مِن حالة الصبَا ... وفطم عَن المحبُوب والمتعوِّد
فثق فيه بالوعد الكريم من الذي ... له الصوم يجزي غير مختلف موعد
وَحَافظ على شهر الصيام فإنه ... لخامسَ أركان لِدِيْنِ مُحمَّدٍ
تغلَّق أبوَاب الجحِيم إذا أتى ... وتُفتَح أبوَابَ الجِنَان لِعُبَّدِ
ويُرفَعَ عَن أهْل القبور عذابهم ... وَيُصْفَدُ فيه كل شيطان مُعْتَد
ويُبسَطُ فيه الرزق للخلق كلهم ... ويسهل فيه كل فعل تعبُّد
تُزَخْرَف جنَّات النعيم وحُورهَا ... لأهْل الرضا فيهِ وأهْل التهجُّد
وقَدْ خَصَّه الله الكريم بليلةِ ... على ألف شَهر فضلت فلترصد
فأرغم بأنف القاطع الشهر غافِلاً ... وأعظم بأجر المخلص المتعبدِ
نقُمْ ليْله وأطْو نهاركَ صائِمًا ... وصُنْ صَومَهُ عَن كل مُوْهٍ ومُفسد


س134: إذا رأى أهل بلد الهلال، فهل يلزم غيرهم الصوم؟ واذكر ما تستحضره من دليل وتعليل أو خلاف؟

ج: إذا ثبتت رؤية هلال رمضان ببلد لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب للأمة كافة؛ لأن الشهر في الحقيقة لما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، فكذا الصوم.
وقال بعضهم: إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها، كبغداد والبَصْرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بُعد كالعراق والحجاز والشام، فلكل أهل بلد رؤيتهم.
وروي عن عكرمة أنه قال: لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لما روى كريبٌ، قال: «قدمت الشام واستهلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه مسلم أيضًا.

س 135: مَن رأى وَحْدَه هلال رمضان وردّ قوله فهل يلزمه الصوم؟ وإذا رأى وحده هلال شوال، فما الحكم؟ وضِّح ذلك مع ذكر الدليل والتعليل والخلاف؟

ج: من رأى وحده هلال رمضان ورّد قوله لزمه الصوم، وجميع أحكام الشهر من طلاق وعتق وغيرهما معلقين به؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته».
ولأنه يتيقن أنه من رمضان فلزمه صومه وأحكامه، بخلاف غيره من الناس، ومن رأى وحده شوال لم يفطر؛ لحديث: «الفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون» رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.
وروى أبو رجاء عن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة، وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا، فأتيا عمر فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر، قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصُومَ، وقد رأيت الهلال، وقال الآخر: قال: إني صائم، قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صِيَام، فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوْجَعْتُ رأسَكَ ثم نودِيَ في الناس أن أخرجوا. أخرجه ورواه سعيد عن ابن عيينة عن أيوب، عن أبي رجاء، وإنما أراد ضربه لإفطاره برؤيته وحده، ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه، ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده.
قال في «الاختيارات الفقهية»: ومن رأى وحده هلال رمضان وردّت شهادته لم يلزمه الصوم ولا غيره، ونقله حنبل عن أحمد في الصوم، وكما لا يُعَرِّفْ ولا يُضَحِّي وحده والنزاع مبني على أصل، وهو أن الهلال هل هو إسْمٌ لما يطلع في السماء، وإن لم يشتهر، ولم يظهر أو لأنه لا يسمى هلالاً إلا بالاشتهار والظهور كما يدل عليه الكتاب والسُّنة. انتهى (ص 106).
يتبع إن شاء الله...



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:08 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالأربعاء 04 نوفمبر 2015, 7:18 am

س 136: إذا ثبتت البينة نهارًا بأن قامت البينة في أثناء النهار، فما الحكم؟ وإذا رؤي قبل الزوال أو بعده في آخر رمضان، فما الحكم؟

ج: إذا قامت البينة بالرؤية لهلال رمضان في أثناء النهار لزم أهل وجوب الصوم الإمساك ولو بعد فطرهم أي أكلهم في النهار لتعذر إمساك الجميع، فوجب أن يأتوا بما يقدرون عليه؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}؛ ولحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولزم قضَاءُ ذلك اليوم على مَن لم يبيت النية لمستند شرعي لوجوب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب؛ وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: يمسك ولا يقضي وأنه لو يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب لم يلزمه القضاء، وإذا رؤى الهلال نهارًا قبل الزوال أو بعده، وكان في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته، وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والأوزاعي ومالك والليث وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق؛ لما روى أبو وائل، قال: جاءنا كتاب عمر -رضي الله عنه- أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس عشية، رواه الدارقطني فعلى هذا لا يجب به صوم ولا يباح به فطر.

س 138: إذا صاموا بشهادة إثنين ثلاثين يومًا أو بشهادة واحد ثلاثين يومًا، فما الحكم؟ وما شروط صحة الصوم؟ وما شروط وجوبه؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟

ج: إذا صاموا بشهادة إثنين عدلين ثلاثين يومًا ولم يروه أفطروا مع الصحو والغيم؛ لأن شهادة العدلين يثبت بها الفطر ابتداء فتبعًا لثبوت الصوم أولى؛ ولأنهما أخبرا بالرؤية السابقة عن يقين ومشاهدة فلا يقابلها الإخبار بنفي وعدم لا يقين معه لاحتمال حصول الرؤية بمكان آخر ولا يفطرون إن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا، ولم يروه؛ لحديث: «وإن شهد شاهدان مسلمان، فصوموا وافطروا» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
ولم يقل فيه مسلمان، ولأن الفطر لا يستند إلى شهادة واحد كما لو شهد بهلال شوال بخلاف الإخبار بغروب الشمس لما عليه من القرائن، وشروط صحته الإسلام والعقل والبقاء من الحيض والنفاس، والنية من الليل.
وأما شروط وجوبه فهي أربعة: الإسلام والبلوغ والعقل والإطاقة؛ أما كونه لا يجب إلا على مسلم ولا يجب على كافر سواء كان أصليًا أو مرتدًّا فلأنه عبادة لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها؛ لقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}؛ ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال كفره تنفير عن الإسلام.
وأما اشتراط البلوغ والعقل فلحديث عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل» رواه أحمد، ومثله من رواية عليَّ له، ولأبي داود
والترمذي، وقال: حديث حسن، فالصبي لا يجب عليه للحديث؛ وأما كونه لا يصح من المجنون فلِعَدمِ إمْكان النيَّة منه.

وقد نظم العمريطي شروط وجوب الصوم، فقال:
شهر الصيام واجب الصيام ... بالعقل والبلوغ والإسلام
وقدرة على أداء الصوم ... مع نيّة فرضًا لكل يوم
وواجب تقديمه عن فجره ... وأجْزَءُوا في النفل قبل ظهره


س 139: ماذا يعمل من اشتبهت عليه الأشهر؟ وما مثال الاشتباه؟

ج: إن اشتبهت الأشهر على من أسُرَ وطُمِرَ أو اشتبهت على من بمفازة ونحوه كمن أسلم بدار كفر وعلم وجوب صوم رمضان، ولم يدر أي الشهور يُسَمّى رمضان تحرى واجتهد، وصام ما غلب على ظنه أنه رمضان بأمارة؛ لأنه غاية جهده، ويجزي الصوم إن شك هل وقع صومه قبل رمضان أو بعده، كمن تحرى في غيم وصلى وشك، هل صلى قبل الوقت أو بعده، ولم يتبين له أنه صام أو صلى قبل دخول الوقت كما لو وافق صومه رمضان أو ما بعده من الشهور؛ أنه أدى فرضه بالاجتهاد في محله، فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه كالقبلة عن واحد منهما لاعتبار نية التعيين، وإن صام شوال أو ذي الحجة؛ فإنه يقضي ما وافق عِيدًا أو أيام تشريق؛ لأنه لا يصح صومها عن رمضان ولو صام من اشتبهت عليه الأشهر شعبان ثلاث سنين متوالية، ثم علم الحال قضى ما فاته مرتبًا شهرًا على إثر شهر بالنية كالفائتة من الصلوات.

س 140: ما الذي يلزم من عَجَزَ عن الصيام لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه؟

ج: مَن عجز عن الصوم لكبر كشيخ وهرم وعجوز يَجهَدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة أو عجز عنه لمرض لا يُرجى برؤه أفْطَرَ وعَليه لا مَعَ عذر معتاد كسفر إطعامُ مسكين عن كل يوم ما يجزئ في كفارة مُدُّ من برأ ونصف صاع من غيره؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم. رواه البخاري.
وروي أن أنس بن مالك ضَعُفَ عَن الصوم فصَنَعَ جَفْنَةً من تريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم.
ولأبي داود بإسناد جيد عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحابنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، فذكره وألحق به «من لا يُرجى برؤ مرضه»؛ فإن كان العاجز عنه لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه مسافر فلا فدية لفطره بعذر معتاد ولا قضاء لعجزه عنه فيعيا بها، فيقال: مسلم مكلف أفطر عمدًا في رمضان ولم يلزمه قضاء ولا كفارة، وهذه المسألة ألغز بها بعض العلماء.
 
وأظنه محمد بن سلوم للشيخ عبد الرحمن الزواوي، فقال:
وعن مسلم حر تقي مكلف ... وساغ له فطر صحيحًا مسهلاً
بمدة شهر الصوم من غير فدية ... وغير قضاء حل ما كان مشكلاً


فأجابه حلً للمسألة ...
وإن سافر الشيخ المسنّ فلا قضا ... ولا فِدْيْةَ فافْهَمْ وإن كان ذا ملا
وذو شبق أيضًا يكون مسافرًا ... فلا حرج في الدين فالله سهلاً

س 141: إذا أيس من البريء ثم عوفي، فما الحكم؟ ومن الذي يُسنّ له الفطر؟ وهل يجوز الوطء لمن به مرض أو شبق؟ وإذا لم يمكنه إلا بإفساد صوم موطوءة، فما الحكم؟ وبيِّن حكم ما إذا سافر ليفطر؟ مع ذكر الدليل.

ج: من أيس من برئه ثم قدر على قضاء ما أفطره لمرضه، فكمعضوب حج عنه ثم عوفي فلا يلزمه قضاء ما أفطره وسن فطره، وكره صوم المسافر بسفر قصر ولو بلا مشقة؛ لحديث: «ليس من البر الصيام في السفر» متفق عليه، ورواه النسائي، وزاد عليكم برخصة من الله التي رخصها لكم فقبلوها وإن صام أجزأه؛ لحديث: «هي رخصه من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه النسائي ومسلم.
فلو سافر من وجب عليه الصوم في رمضان ليفطر فيه حرمًا؛ أما الفطر المحرم، وسن فطر وكره صوم لخوف مرض بعطش أو غيره؛ لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ}؛ ولأنه في معنى المريض لتضرره بالصوم وسُنَّ فطر وكره صوم لخوف مريض وحادث به مرض ضررًا بزيادته أو طوله بقول طبيب مسلم ثقة؛ لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} إلى قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} وَجَاز وطء لمن به مرض ينتفع بالوطء فيه، أو به شبق ولم تندفع شهوته بدون الوطء ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ ولا كفارة، ويقضي ما لم يتعذر القضاء عليه لشبق، فيطعم لكل يومًا مسكينًا ككبير عاجز، ومتى لم يمكنه إلا بإفساد صوم مَوطُوءَةِ جاز له الوطوء ضرورة لداعي الضرورة كأكل مضطر ميتة.

س 142: مَن الذي يباح له الفطر؟ وما الدليل على إباحته؟

ج: يباح الفطر لحاضر سافر أثناء النهار؛ لحديث أبي بصرة الغفاري أن ركب في سَفينة من الفسطاط في شهر رمضان، فدفع ثم قرب غداه، فلم يجاوز البُيُوت، قال حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب، قيل: ألست ترى البيوت؟ أترغبُ عن سُّنة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ فأكل، رواه أبو داود، وحديث أنس حسنه الترمذي: إذا فارق بيوت قريته العامرة، لما تقدم؛ ولأنه قبله لا يسمى مسافر والأفضل عدم الفطر تغليبًا لحكم الحضر وخروجًا من الخلاف ويباح الفطر للمسافر الذي له القصر وللمريض الذي يتضرر به والفطر لهما أفضل وعليهما القضاء.
قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس من البر الصيام في السفرة» متفق عليه. وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح، فأفطر فبلغه أن ناسًا صاموا، فقال: «أولئك العصاة» رواه مسلم.
وعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة فمنَّا من صام ومنَّا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: «إنكم مصبِّحوا عدوكم وفطركم أقوى لكم فأفطروا» فكانت عزمة فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السفر.
رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه مسلم والنسائي (4، 5).
ومِمّنْ يُبَاح له الفطر الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فيفطران ويقضيان كالمريض الخائف على نفسه، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا ولزم وَلى الولد إطعام مسكين لكل يوم؛ لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه أبو داود، وروى ذلك عن ابن عمر، ولا مخالفًا لهما في الصحابة في الكبير الذي يجهده الصيام، وتقدم في جواب سؤال 138.

س 143: إذا قبل الرضيع ثدي غير أمه، فهل يجوز لها الفطر؟ وإذا تغير لبن المرضعة بسبب صومها، فهل للمستأجر الفسخ؟ وهل يجوز لمن له الفطر أن يصوم غيره فيه؟ ومتى يجب الفطر؟

ج: متى قبل رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأجر له لم تفطر أمه لعدم الحاجة إليه.
ومرضعة لولد غيرها كأم في إباحة فطر إن خافت على نفسها أو الرضيع؛ فإن وجب فعلى من يمونه فلو تغير لبن الظئر المستأجرة للرضاع بسبب صومها أو نقص بصومها فلمستأجرها الفسخ للإجارة دفعًا للضرر وتجبر على فطر بطلب مُسْتَأجِر إن تأذى الرضيع بصومها.
ويجب الفطر لمن احتاجه لإنقاذ معصوم من مهلكة كغرق؛ لأنه يمكنه تدارك الصوم بالقضاء بخلاف الغريق ونحوه، ويجب الفطر على الحائض والنفساء؛ للحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» متفق عليه.
ومن خاف تلفًا بصومه أجزأه وكره، صححه في «الإنصاف»، وقال جماعة: يحرم صومه.
قال في الفروع: ولم أجدهم ذكروا في الأجزاء خلافًا وذكر جماعة في صوم الظهار يجب فطره بمرض ونحوه، وليس لمن أبيح له الفطر في رمضان صوم غير رمضان فيه؛ لأنه لا يسع غيره ما فرض فيه تتمة ولا فدية على المنقِذ ولا على المنقَذ في مسألة الفطر لإنقاذ الغريق وتهدمت قبل عشرة أسطر. والله أعلم.

س 144: تكلم بوضوح عن نيّة الصوم؟ واذكر ما في ذلك من خلاف؟

ج: يشترط لصوم كل يوم واجب نيِّة معينة ومعنى تعيينها أن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو نذرًا أو كفارة؛ لأن صيام كل عبادة مفردة، وتعتبر النية من الليل لكل صوم واجب، ولو أتى بعد النية بمناف للصوم لا للنية كأكل وشرب وجماع؛ ولأنه تعالى أباح الأكل والشرب إلى آخر الليل فلو بطلت به فات محلها؛ وأما الدليل للنية فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ وأما الدليل على إيقاعها في الليل فهو ما ورد عن حفصة أم المؤمنين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصيام قبل الفجر، فلا صيام له» رواه الخمسة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه وصححه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبان.
وعن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «مَن لم يُبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» رواه الدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات، وفي لفظ للزهري: «من لم يُبَيِّتِ الصيام من الليل فلا صيام له، ومن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم غدًا فقد نوى»، وكذا الأكل والشرب بنية؛ لأن النية محلها القلب.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: هو حين يتعشى يتعشى عَشَاء من يريد الصوم؛ ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العبد وعشاء ليالي رمضان.
وقال في «الاختيارات الفقهية»: وتصح النية المتردة، كقوله: «إن كان غدًا من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل» وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويصح صوم الفرض بنية من النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا شهدت البيِّنة بالنهار (ص107) منها.
وإن قال ليلة الثلاثين من رمضان إن كان غدًا من رمضان ففرضي وإلا فأنا مضطر فيجزئه إن بان بأنه من رمضان؛ لأنه لم يثبت زواله؛ لأنه حكم صومه مع الجزم.

س 145: بيِّن أحكام ما يلي: صَوم مَن جُن أو أغمي عليه؟ صائم نوى الإفطار؟ مَن قطع نيّة نذر أو كفارة ثم نوى نفلاً؟ صوم النفل في أثناء النهار؟ متى يحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه؟

ج: ولا يَصِحُّ صَوم ممن جن كل النهار أو أغمي عليه كل النهار؛ لأن الصوم: الإمساك مع النية؛ لحديث: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» فأضاف التَّرك إليه، وهو لا يضاف إلى المجنون والمغمى عليه فلم يجز، والنية وحدها لا تجزي ويصح الصوم ممن أفاق جزءًا منه حيث نوى ليلاً لصحة إضافة الترك إليه إذن. ويفارق الجنون الحيض، بأنه لا يمنع الوجوب، بل يَمْنَع الصحة ويحرم فعله ويصح صَوْمُ من نام جميع النهار؛ لأن النوم عادة ولا يزول الإحساس به بالكلية؛ لأنه متى نُبِّه انتبه ويقضي مغمى عليه زمن إغمائه؛ لأنه مكلف ولأن مدة الإغماء لا نطول غالبًا، ولا تثبت الولاية على المغمى عليه ولا يقضي مجنون زمن جنونه لعدم تكليفه سواء كان زمن الجنون كل الشهر أو بعضه، ون نوى الإفطار فكمن لم ينوي الصوم لقطعه النية لا كمن أكل أو شرب فيصح أن ينوي صوم اليوم الذي نوى الإفطار فيه نفلاً بغير رمضًا، ومن قطع نية نذر أو كفارة أو قضاء، ثم نوى صومًا نفلاً صح نفله، وإن قلبَ صائم نية نذر أو قضاء إلى نفل صح كقلب فرض الصلاة نفلاً وكره له ذلك لغير غرض ويصحُّ صومُ نفل بنية من النهار، ولو كانت بعد الزوال، وهو قول معاذ بن جل وابن مسعود وحذيفة ابن اليمان حكاه عنهم إسحاق في رواية حرب؛ لحديث عائشة قالت: دخل عليَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، فقال: «هل عندكم من شيء؟». فقلنا: لا، قال: «فإني إذًا صائم» مختصر رواه الجماع؛ ولأن اعتبار التبييت لنفل الصوم يفوت كثير منه؛ لأنه قد يبدو له الصوم بالنهار لنشاط أو غيره فسومح فيه بذلك كما سومح في نفل الصلاة بترك القيام وغيره ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
وما قبله لم يوجد فيه قصد القرية لكن يشترط أن يكون ممسكًا فيه عن المفسدات لتحقيق معنى القربة وحكمة الصوم في القدر المنوي فيصحّ تطوع من طهرت في يوم ومن أسلم في يوم لم يأتيا في ذلك اليوم بمفسد من أكل أو شرب ونحوهما كالجماع.

ومن مختصر النظم مما يتعلق بكتاب الصيام
وإن كملت تسع وعشرون ليلة ... لشعبان فارقب شهر صومك وارصد
وإن رُوْيَ أوجِبَ صَومَه مطلقًا ولو ... برؤيَةِ عَدل في الأصح المؤكّد
وكالذكر الأنثى بوجْه وَرْؤْيَة ... نهارًا لآتي ليْلَة في المؤكّد
فإنْ لمْ يَرُوا في الصحْوِ يحرم صَوْمه ... وباثنين اثبت غير ذا الشهر واحدد
ويلزمنا طُرًا برؤيةٍ بلدة ... كإلزَاِم رَاءٍ رَدّ في المتَأطّد
ولا يُفطرن بعد الثلاثين صائم ... لغيم ولا عن قول فرد بأجود
ومَن يره في ليلة العيد وحده ... ليُفِطِرَ سِرًّا في القوي الموطّد
وإيجابه يختص كل مُوحد ... قدير عليه عاقل بالغ طد
وإن في نهار يثبت الشهر فاقضه ... وقولان في إمساكهم وكذا اعدد
مريضًا برًا أو فادمًا مفطر كذا ... طهارة حيض أو نفاس لولّد
وإن زال فيه الجن والكفر والصبا ... فكل ليمسك ثم يقضوا بأوكد
وإنْ يَبلغن فيه المميز صائمًا ... أتمَّ ويقضيه على المذهب ازدد
ويفطر عند العجز شيخ ومزمن ... بغير قصا والمد عن يومه أزيد
وفطرًا في الأسفار أوْلى وَلوْ نوَى ... كمضني يقول الطب إن صمت يزدد
وذو سفر أنشأه من بعد صومه ... يجوز له الإفطار منه بأوكد
ومن خاف من جوع ومن عطش ومن ... أذى شبق يفطر ويقضي ولا يدي
وفي فطر حلى حفظ طفل ومرضع ... قصَاء وتفكير بإطْعَام مرمد
ومَن ينو صومًا ثم جن نهاره ... جميعًا كمن أغمى فصومها أفسد
وإن نامهُ جمعًا فلا تلغ صومه ... ويقضي المغمى دون ذي الجن فاهتد
وللواجب أنو الصوم في كل ليلة ... ولا يجب استحضار فرض بمقصد
ونفلك مهما شئت في يومك انوه ... وعَن أحمد بعد الزوال ليصدد

18- باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة

س 146: اذكر ما تستحضره مما يُفسد الصوم مقرونًا بالدليل؟

ج: يُحرم على كل مسلم مكلف قادر تناول مفطرًا من غير عذر في نهار شهر رمضان؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صومه الدهر كله إن صامه» رواه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، وأخرجه البيهقي. فمِمَّا يحرم على الصائم الأكل والشرب بعدما يتبين الفجر الثاني؛ لقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، ومن المفطرات: القيء عمدًا ويفسد به الصوم ويقضيه ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه؛ لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء» رواه الخمسة، وأعله أحمد وقواه الدارقطني، ومما يفطر الصائم الحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا؛ لما روى شداد بن أوس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي، وعن ثوبان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى على رجل يحتجم في رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم. ومِمَّا يحرم على الصائم ويبطل به الصيام: الجماع، والمباشرة إذا أمنى؛ لقوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ؛ وأما الاكتحال والتداوي والاحتقان ومداواة المأمومة والجائفة وسائر الجروح والاستعاط، فقيل هذه الأشياء تفطر إذا علم وصولها الجوف والحلق؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»، وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خاشيمه أو دماغه، وقيس عليه ما وصل إلى جوفه، وروى أبو داود والبخاري في «تاريخه» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر بالإثمد المتروح، وقال: ليتقه الصائم، وقيل: إن هذه لا تفطر؛ لأنه لم يرد فيها دليل صحيح ولا هي في معنى الأكل والشرب، قال في «مجموع الفتاوى» (ج 25): وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليه ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك؛ فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى مَعرِفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور ممَّا حَرّمَها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلَّغُوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلاً علم أن لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث المروى في الكحل ضعيف، رواه أبو داود في «السنن» ولم يروه غيره، ولا هو في «مسند أحمد» ولا سائر الكتب المعتمدة، والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس وأقوى ما احتجوا به قوله: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» قالوا: فدل ذلك على أن ما وَصلَ إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة. انتهى باختصار.
وأما الإبرة: فهي تنقسم إلى قسمين: إبرة دوائية، وإبرة غذائية، فإيصال الأغذية بالإبرة حَقْنًا في الدم أو شربًا أو إيصالها إلى الجوف بأي طريق فلا شك في فطره بها؛ لأنه في معنى الأكل والشرب من غير فرق؛ وأما إيصال الدواء بالإبرة، فعلى القول الأول: يفطر، وعلى ما اختاره الشيخ تقي الدين، فالذي يظهر لي أنها لا تفطر والذي تطمئن إليه النفس تجنبها؛ وأما الحبوب: فلا شك أنها تفطر الدوائية والمقوية والمشتركة بين الغذاء والدواء، وقال بعض المنتسبين للعلم من متعاطي كتب الطب للمطالعة بها والاسترشاد من حسنها، الإبر قسمان: قسم يؤخذ كغذاء
كالجلوكوز (سكر العنب) ويلحق بها الفيتامينات لأنها تؤخذ عن نقص في الغذاء كمن يفقد مادة غذائية أساسية؛ إما لعدم حصوله عليها، وإما لمانع في بدنه يمنعه من امتصاص خلاصة هذا الغذاء الذي يحتوي على الفيتامين؛ فإنه يعطي الفيتامين الذي فقده بدنه كتكملة للغذاء فهذا القسم الذي هو الفيتامينات والجلوكوز لاشك في تقطيرها للصائم، ونزيد القارئ إيضاحًا للجلوكوز من أقوال علماء الطب؛ فإنهم يقولون: إن كل مادة غذائية يتناولها الإنسان لا ينتفع بها بدنه حتى تتحول إلى جلوكوز، يمتصها الدم من خلال جدر المصارين، بل إنهم يعتمدون في المستشفيات على حقن (الجلوكوز) لكل من يتعذر عليه اأكل إما لورمن في الحنجرة أو في المريء يمنعه من الأكل لذلك قام مقام الأكل فهو مضطر كالأكل؛ وأما القسم الثاني من الإبر فهو ما يؤخذ دواء كحقن البريفيثينات، والبنسلين، والِسْتِر بتُومَايسين، والتَّرّامايسين وما شاكلها، وهي أنواع كثيرة (وتسمى المبيدات الحيوية) ففيها خلاف بين الأطباء؛ لأن منهم من يقول إنها تصل إلى القناة الهضمية ولكنها ليست مغذية، وربما يقول قائل إنها لا تصل إلى تجويف القناة الهضمية، ولكننا سنضرب لذلك مثلاً بأنبولات (الأمينين) وهي حقن تضرب في العضل لعلاج (الدسنتاريا) وهي داخل المصارين من ذلك يعرف أن الحقن وإن لم تكن حقنًا غذائية؛ فإنها تصل إلى القناة الهضمية لذلك أرى أن المتعالجين قسمان: 1- مرضى. 2- غير مرضى؛ فالمرضى يفرطون بالإبر وغيرها؛ لأن الإبر ليست هي كل الدواء ويقضون؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}؛ وأما القسم الثاني: وهم غير المرضى فخيرُ لم صيانة صيامهم حتى من الأشياء التي فيها خلاف بين الأطباء؛ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، والتفريق بين المريض ومن يخاف أنه مريض وليس مريضًا مرجعه الطبيب المسلم.
ومما يفطر الردة عن الإسلام أعاذنا الله منها قال الله تعالى: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } ومما يفطر الموت؛لحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله».

س 147: تكلم عن أحكام ما يلي: مُجَامِعٌ لمْ يغتسل إلا بعد طلوع الفجر الثاني؟ مَنْ جَامَعَ عِندَما طلع الفجر؟ إعلام مَنْ أكل أو شرب ناسيًا في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم؟ مَن أفطر يظن أن الشمس قد غابت؟ من طال إلى حلقه غبار أو ذباب؟ من احتلم وهو صائم؟ المبالغة في المضمضمة والاستنشاق؟ المذي بتكرار النظر؟ الإنزال بتكرار النظر؟ سُقْ ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف أو تفضيل؟

ج: يجوز لمن جامع بالليل أن لا يغتسل حتى يُطلعُ الفجر وصومه صحيح؛ لما ورد عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم»، فقالت: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وعن عائشة وأم سلمة «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان» متفق عليه.
وعن أم سلمة قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصبح جنبًا من جماع لا حلم، ثم يفطر ولا يقضي» أخرجاه؛ لكن يستحب لمن لزمه الغسل ليلاً من جنب وحائض ونفساء إنقطع دمهما، وكافر أسلم أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني، وإذا طلع وهو مجامع فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأنه وطء لم يصادف صومًا فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية ثم جامع، ووجه الأول أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر؛ وأما إذا نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فعليه القضاء والكفارة على الصحيح من المذهب؛ لأن النزع جماع يتلذذ به أشبه الإيلاج، وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه ترك للجماع فلا يتعلق بما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها فخرج منها، وقال مالك: يبطل صومه ولا كفارة عليه؛ لأنه لا يقدر على أكثر مما فعله من ترك الجماع فأشبه المكره، وقال في «شرح أصول الأحكام»، وقال ابن القيم: مَن طلع عليه الفجر وهو مجامع، فالواجب عليه النزع عينًا، ويحرم عليه استدامة الجماع والليث ولا شيء عليه، اختاره شيخنا وهو الصواب، والحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه، وأن استدام فعليه القضاء والكفارة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ لأنه جماع في شهر رمضان باختيار فلا فرق بين ابتدائه ودوامه، ولو أراد أن يأكل أو يشرب مَن وجب عليه الصوم وجب على مَن رآه إعلامُه؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يفطر إن فعل شيئًا ناسيًا أو مكروهًا، وبه قال عليّ وابن عمر؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مضن نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه. وللحام: «من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة»؛ولقوله: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ومن أفطر يظن أن الشمس قد غربت ولم يتبين له أنها لم تغرب لم يفسد صومه، فلا قضاء؛ لأنه لم يوجد يقين يزيل ذلك الظن كما لو صلى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد الصلاة، ومن طار إلى حلقه ذباب أو غبار من غير قصد لم يفطر، وكذا من قطّر في إحليله لا يفطر لعدم المنفذ، وإذا احتلم وهو صائم أو أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المنيُّ أو المذي لمرض لم يفطر، وإنما تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء فلم يبطل صومه؛ لأنه وصل بغير اختياره أشبه الذباب الداخل حلقه؛ فأما إذا زاد على ثلاث أو الغ فدخل الماء حلقه فعلى وجهين: أحدهما: لا يفطر؛ لأنه وصل من غير قصد. والثاني: يفطر؛ لأن فعل مكروهًا تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه الإنزال بالمباشرة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المبالغة فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنهي عن المبالغة معنى؛ وأما إذا كرر النظر فأنزل، فقيل: إنه يفطر وبه قال عطاء والحسن ومالك؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه أشبه الإنزال باللمس والفكر لا يمكن التحرز
منه بخلاف النظر فلو أنزل مذيًا لم يفطر على المذهب وإن صرف بصره لم يفسد صومه أنزل أو لم ينزل، وقال جابر بن زيد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر: لا يفسد؛ لأنه من غير مُباشرة أشبه الإنزال بالفكر، وكما لو نام فاحتلم وهذا القول قوي جدًا فيما أرى.

س 148: تكلم عن أحكام ما يلي: مَن شك في طلوع فجر ثاني؟ مَن أكل مُعتقًا أنه ليل فبان نهارًا؟ ومَن أصبح وفي فيه طعام فلفظه؟ مَن أكره على الأكل أو صُبّ في حلقه ماء ونحوه مكرهًا؟

ج: وإن أكل شاكًا في طلوع الفجر الثاني ولم يتبين طلوعه إذ ذاك لم يفسد صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن بان أنه طلع الفجر قضى، أو بان لمن أكل ونحوه ظانًا غروب شمس أنها لم تغرب قضى لِتَبيُّنِ خطته، ومَن أكل ونحوه شاكًا في غروب شمس ودام شكه قضى؛ لأن الأصل بقاء النهار وكما لو صلى شاكًا في دخول الوقت؛ فإن تبيّن له أن الشمس كانت غربت فلا قضاة عليه لتمام صومه، وإن أكل معتقدًا أنه ليل فبان نهارًا فعليه القضاء؛ لأن الله أمر بتمام الصوم إلى الليل ولم يتمه. وعن أسماء أفطرنا على عهد رسول اله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام بن عروة، وهو راوي الحديث أمروا بالقضاء، قال: لابد من قضاء، رواه أحمد والبخاري. وحكي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق لا قضاء عليه؛ لما روى زيد بن وهب قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان في زمن عمر بن الخطاب، فشربنا ونحن نرى أنه من ليل ثم انكشف السحاب، فإذا الشمس طالعة، قال: فجعل الناس يقولون: تقضي يومًا مكانه، فقال عمر: والله لا نقضيه ما تجانفنا الإثم؛ ولأنه لم يقصد الأكل في الصوم فلم يلزم. قال في «الاختيارات الفقهية»: ومَن أكل في شهر رمضان معتقدًا أنَهُ ليلٌ فبان نهارًا فلا قضاء عليه، وكذا من جامع جاهلاً بالرفث أو ناسيًا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، انتهى (ص 109) منها: ومن أصبح وفي فمه طعام، فلفظه: أو شقّ لفظه فبلعه مع ريقه من غير قصد لم يفطر لعدم إمكان التحرز منه.

س 149: ماذا يلزم من جامع في نهار رمضان، وضَّح ذلك مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: قد تقدم أن الجماع مما يحرم على الصائم ويفطر به (في جواب سؤال 121 ويلزم المجامع في رمضان القضاء والكفارة، وهي عتق رقبة؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ لما ورد عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله، الله هلكت، قال: «ما لك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «هل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» قال: لا، قال: «اجلس» ومكث النبي -صلى الله عليه وسلم- فبينما نحن على ذلك، أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بِعَرَق فيه تمر –والعرق المكتل الضخم- قال: «أين السائل؟» قال: أنا، قال: «خذ هذا فتصدق به» فقال الرجل: أعلي أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها «يريد الحرتين» أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بَدَتْ أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» متفق عليه؛ وأما القضاء فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمجَامِع: «صُمْ يومًا مكانه» رواه أبو داود وابن ماجه؛ ولأنه إذا وجب القضاء على المريض والمسافر وهما معذوران فعلى المجامع أولى، ويجب عليه إمساك بقية يومه؛ لأنه أفطر بغير عذر؛ أما إذا كان المجامع ناسيًا فالمشهور أن عليه القضاء والكفارة كالعامد، وعن أحمد: لا قضاء ولا كفارة على من جامع ناسيًا، اختاره الآجري والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وفاقًا أبي حنيفة والشافعي.

س 150: إذا كانت المرأةُ المجامَعَةُ ناسِيةً أو جَاهِلة أو مُكرَهَة أو نائمة فهل يلزمها كفارة؟ وهل بينها وبين الرجل فرق في الإكراه؟ وإذا جامع مَن نوى الصوم في سفره،فما الحكم؟ وماذا يلزم مَن جامع ثم كفّر ثم جامع في يومه، أو جامع في يوم ثم في آخر ولم يكفّر؟ وإذا جامع وهو معافى ثم مرض،فما الحكم؟

ج: إذا كانت المرأة المجامعة ناسية أو جاهلة أو نائمة أو مكرهة فلا كفارة عليها، والفرق بينها وبين الرجل في الإكراه أن الرجل له نوع اختيار بخلافها؛ وأما لنسيان، فقال ابن قندس: أن جهة الرجل في المجامعة لا تكون إلا منه غالبًا بخلاف المرأة، وكان الزجر في حقه أقوى فوجبَت عليه الكفارة في حالة النسيان دونها، إذا جامع مَن نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة؛ لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه أشبه التطوع، ومَن جامع ثم كفَّر ثم جامع في يومه فعليه كفارة ثانية؛ لأنه وطء محرم، وقد تكرر فتتكرر هي كالحج، وقيل: لا كفارة عليه؛ لأن الجماع الثاني لم يصادف صومًا وهو رواية عن أحمد وفاقًا للثلاثة، وإن جامع في يومين فعليه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة منفردة تجب الكفارة بفساده ولو انفرد فإذا فسد أحدهما بعد الآخر وجب كفارتان كحجتين وعمرتين وكما لو كان رمضانين، ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط الكفارة عنه لاستقرار الكفارة؛ لأنه أفسد صيامًا واجبًا من رمضان بجماع تام، وكما لو لم يطرأ العذر، ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان؛ لأن النص إنما ورد بالجماع في رمضان وليس غيره في معناه لاحترامه وتعيينه لهذه العبادة، فلا يقاس عليه غيره؛ فإن لم يجد ما يطعمه للمساكين حال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب سقطت عنه كصدقة الفطر وكفارة الوطء في الحيض؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الأعرابي أخيرًا بها ولم يذكر لم بقاءها في ذمته، وقيل: لا تسقط بالإعسار، قالوا: وليس في الخير ما يدل على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدل على استقرارها عليه، قالوا أيضًا: والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة وإن كفر عنه غيره بإذنه فله أكلها إن كان أهلاً لها، وكذا لو ملكه غيره ما يكفر به جاز له أكله مع أهليته لخبر أبي هريرة السابق. والله أعلم.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:08 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 4:24 pm

19- باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء
س151: بين ما الذي يكره للصائم؟ وما الذي تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: يكره جمع ريقه فيبتلعه، وذلك أنه اختلف في الفطر به وأقل أحواله أن يكون مكروهًا ويكره ذو طعام بلا حاجة؛ لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره ويكره مضغ علك لا يتحلل منه أجزاءٌ؛ لأنه يجمع الريق ويجلب البلغم ويورث العطش، وكره له ترك بقية الطعام بين أسنانه خشية خروجه فيجري به ريقه إلى جوفه؛ وأما القبلة فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبِّل أنزل أو أمذى، فهذا يحرم عليه؛ لأنها مفسدة لصومه أشبهت الأكل. الثاني: أن يكون ذا شهوة؛ لكن لا يغلب على ظنه ذلك فتكره له؛ لأنه يُعرْض نفسه الفطر ولا تحرم في هذه الحال؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم وكان أملكم لإربه» متفق عليه. الثالث: أن يكون ممن لا تحرك شهوته كالشيخ الكبير، ففيه روايتان: إحداهما: لا تكره وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله عنه - أن رجُلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المباشر للصائم، فرخص له، فأتاه آخر فسأله، فنهاه، فإذا الذي ترخص له شيخٌ، والذي نهاه شاب أخرجه أبو داود، ويحرم مضغ العلك المتحلل إن بلغ ريقه وإلا فلا؛ لأن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه ولم يوجد وتكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ لما ورد عن لقيط بن صبرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

س 152: ما الذي يجب على الصائم اجتنابه وما دليله؟

ج: يجب عليه اجتناب كذب وغيبة ونميمة وشتم وفحش، الكذب ما خالف الواقع؛ وأما الغيبة فقد سُئل عنها - صلى الله عليه وسلم-، فقال: «ذكرك أخاك بما يكره»؛ وأما النميمة فهي نقل كلام بعض الناس إلى بعض على جهة الإفساد،والشتم السب، والفحش كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي فكل هذه يجب اجتنابها في كل وقت؛ لعموم الأدلة ووجوب اجتناب ذلك في رمضان، ومكان فاضل كالحرمين آكد؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامهُ وشرابهُ» رواه البخاري، ومعناه: الزجر والتحذير؛ ولأن الحسنات تتضاعف بالمكان والزمان الفاضلين وكذا السيئات، وقد استثنى من الكذب والغيبة أمور؛ فأما الكذب، فقال النووي –رحمه الله-: أعلم أن الكذب وإن كان وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحيله إلا بالكذب جاز به الكذب، ثم إن كان تحيل ذلك المقصود مباحًا كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا كان الكذب واجبًا؛ فإذا اختفى مسلم عن ظالم يريد قتله أو أخذ ماله وأخفى ماله، وسُئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالم أخذها وجب الكذب بإخفائها، والأحوط في هذا كله أن يوري، ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب ولو ترك التورية وأطلق عِبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال، واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا» متفق عليه، زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم، ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. انتهى.
وقد استثنى العُلماء من الغيبة أمور ستة: الأول: التظلم فيجوز أن يقول المظلوم فلان ظلمني وأخذ مالي؛ ولكن إذا كان ذكره لذلك شكاية على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها ودليله قول هند عند شكايتها له صلى الله عليه وسلم من أبي سفيان أنه رجل شحيح. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يطن قدرته على إزالته. الثالث: التحذير للمسلمين من الاغترار كجرح الرواة والشهود. الرابع: التحذير ممن يتصدر للإفتاء والتدريس مع عَدَم الأهلية، ودليله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بئس أخو العشيرة»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أما معاوية فصعلوك لا مال له؛ وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» الحديث. الخامس: ذكر من جاهَر بالفسق أو البدع كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره. السادس: التعريف بالشخص بما فيه من العيب كالأعور والأعرج والأعمش ولا يريد به نقصه وعيبه.

وجمعها بعضهم في بيتين، فقال:
الذَّمُّ لَيْس بغيْبَة في سِتَّةِ ... متظلِم ومُعَرّفٍ ومحُذّرِ
وَلمظهر فسْقًا ومُستفت وَمَن ... طَلب الإعانة في أزالته مُنكر

قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهدَ صَومهُ من لسانه ولا يُماري ويَصُونَ صومَه كانوا إذا صاموا قعدوُا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتب أحدًا، ولا يعمل عملاً يجرح به صومه.

س 153: بيّن المسنونات للصائم مع ذكر ما تستحضره دليل أو تعليل؟

ج: يُسن له كثرة قراءة وكثرة ذكر وصدقة وكف لسانه عما يكره ويجب كفه عما يحرم ولا يفطر بنحو غيبة، قال أحمد: لو كانت تفطر ما كان لنا صوم. وسن قول صائم جهرًا إن شتم: «إني صائم» لخبر الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب؛ فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم». وسن لصائم تعجيل فطر إذا تحقق غروب شمس؛ لما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قال الله عز وجل: إن أحب عبادي إليِّ أعجلهم فطرًا» رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن خزيمة وابن حبان، ويستحب أن يكون فطره على رطب؛ فإن عدم فتمر فإن عدم فماء؛ لما ورد عن أنس قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفطر على رطبات قبل أن يصلي؛ فإن لم تكن رطبات فتمرات؛ فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أفطر أحدكم فليفطر تمر؛ فإن لم يجد فليفطر على ماء؛ فإنه له طهور» رواه الخمسة إلا النسائي، ويستحب قول الصائم عند فطره: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت؛ لما ورد عن معاذ ابن زهرة أنه بلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أفطر، قال: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» رواه أبو داود، ويستحب للصائم أن يَتَسحَّر؛ لما ورد عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تسحروا؛ فإن السحور بركة» رواه الجماعة إلا البخاري، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله وملائكته يصلون على المتسحَّرينَ» رواه الطبراني، وصححه ابن حبان، ويُسن تأخير السحور؛ لما ورد في البخاري عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: كنت أتسحّر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السحور مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» متفق عليه، وتحصل فضيلة السحور بأكل وشرب، وإن قلَّ؛ لحديث أبي سعيد: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» رواه أحمد، وفيه ضعف، قاله في المبدع، ويستحب تفطير الصُّوام؛ لما في الحديث: «من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء»، قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطِّر الصائم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يعطي الله هذا الثواب من فطّر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن» الحديث رواه ابن خزيمة، وصححه، ورواه البيهقي وأبو الشيخ وابن حبان، وقال الشيخ: المراد بتفطيره إشباعُه.

قال الناظم:
وتركُ مَقَال الزور في الناس وَاجبٌ ... ولكنه عن صائم ذُو تَأكدِ
فإن شتم أسرعْ قوله: أنا صائم ... لِتَذكير نفس أو لوعظ لمعتَدي
ويشرع فطر التمر والماء لفقده ... وتعجيل فطر والسحور فبَعِّدِ
وقل عند فطر لائقًا وأدْعُ ضارعًا ... وسَلهُ قبولاً ثم سبِّحهُ واحمدِ

20- فصل في قضاء رمضان
س154: بَيّن حكم قضاء رمضان مع ما تستحضره من دليل أو تعليل؟

ج: يُسن قضاء رمضان فورًا متتابعًا إلا إذا بقي من شعبان قدر ما عليه فيجب عليه التتابع لضيق الوقت، ومن فاته رمضان قضى عَدَدَ أيامه تامًا كان أو ناقصًا كأعداد الصلوات الفائتة، فمن فاته رمضان فصام من أول الشهر أو أثنائه تسعة وعشرين يومًا وكان الفائت ناقصًا أجزأه عنه اعتبارًا بعدد الأيام، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع» رواه الدارقطني.
قال البخاري: قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، وعن عائشة قالت: نزلت {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} متتابعات، فسقطت متتابعات، رواه الدارقطني، وعن عائشة قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رواه الجماعة. ويجزي قضاء يوم شتاء عن يوم صيف، وبالعكس بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء؛ لعموم الآية.
س155: إذا اجتمع نذر وقضاء رمضان فبأيهما يَبْدَأ؟ وما حكم التطوع قبل قضاء رمضان؟ وما حكم تأخير قضاء رمضان؟ واذكر ما تستحضره من خلاف.
ج: يُقدمُ قضاء رمضان وجوبًا على صوم نذر لا يخاف قوته لسعة وقته لتأكد القضاء؛ لوجوبه بأصل الشرع؛ فإن خاف فوت النذر قدمه لاتساع وقت القضاء، إلا أن يضيق الوقت عن قضاء رمضان بأن كان عليه مثلاً عشرة أيام من رمضان ونذر أن يصوم عشرة أيام من شعبان ولم يبق سوى العشرة فيصومها عن رمضان لِيتَعين الوقت لها؛ وأما التطوع لمن عليه فرض، فقيل: يحرم ولا يصح تطوع قبل قضاء رمضان.
وروى حنبل عن أحمد بإسناد عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صَام تطوعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه»؛ ولأنه عبادة يدخل في جُبرانِها المال فلم يصح التطوع بها قبل أداء فرضها كالحج.
وروي عن أحمد يجوز له التطوّعُ؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في أول وقتها قبل فعلها كالصلاة يتطوَّع في أول وقتها، وحرم تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر بلا عذر؛ لقول عائشة: «كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» متفق عليه. وكما لا تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية؛ فإن أخر قضاءه إلى آخر بلا عذر قضى عدد ما عليه وأطعم لتأخيره، ويجزي إطعامه قبل القضاء وبعده ومعه؛ لقول ابن عَبّاس؛ فإذا قضى أطعم، رواه سعيد بإسناد جيد، قال المجد: الأفضل عندنا تقديمه مسارعة إلى الخير وتخلصًا من آفات التأخير.

س 156: ما مقدار ما يُطعمُ من أخّر قضاء رمضان من غير عذر إلى رمضان آخر؟ وإذا كان التأخير لعذر، فما الحكم؟

ج: عليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ما يجزي في كفارة وجوبًا، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس والدارقطني عن أبي هريرة، وقال: إسناده صحيح، وذكره غيره عنجماعة من الصحابة، وإن أخر القضاء لعذر من سفر أو مرض قضى بلا إطعام؛ لأنه غير مفرّط وإن أخر البعض لعذر والبعض لغيره، فلكل حكمه ولا شيء على من أخر القضاء لعذر إن مات؛ لأن حق لله تعالى وجب بالشرع مات قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج، وإن أخره لغير عذر، فمات قبل أن أدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين وهذا قول أكثر أهل العلم، وروى ذلك سعيد عن عائشة - رضي الله عنها - بإسناد جيد أنها سُئلت عن القضاء، فقالت: «لا، بل يطعم».
وروى الترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا بإسناد ضعيف، والصحيح وقفه عليه؛ ولأنه لا ندخله النيابة في الحياة فكذا بعد الموت، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وابن عليَّة وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقال أبو ثور والشافعي يصام عنه؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه. قال الشيخ تقي الدين: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبره ونحوه، أو عن ميت وهما معسران توجّه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. انتهى. وإن مات بعد أن أدركه رمضان فأكثر أطعم عنه لكل يوم مسكين بلا قضاء، هذا فيما إذا كان لغير عذر.

س 157: تكلم بوضوح عمن مات وعليه نذر في الذمة لم يفعل منه شيئًا مع إمكان فعل منذور، مَن مات وعليه صوم من كفارة أو مُتعة؟

ج: مَن مَات وعليه نذر صوم في الذمة أو عليه نذر حج في الذمة أو عليه نذر صلاة في الذمة أو عليه نذر طواف في الذمة أو عليه نذر اعتكاف في الذمة، لم يفعل منه شيئًا مع إمكان فعل منذور غير حج، فيفعل عنه مطلقًا تمكن منه أولاً لجواز النيابة فيه حال الحياة وبعد الموت أولى سُنَّ لولي الميت فعل النذر المذكور عنه؛ لحديث ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وَعليها صوم نذر أفأصوم عنها، قال: «أرأيت لو كان على أمِّكِ دين فقضيته عنها، أكان ذلك يؤدي عنها»، قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمِّكِ» متفق عليه، وفي رواية: إن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك، فقال: «صومي عنها» رواه أحمد والنسائي وأبو داود، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه. ويجوز لغير الولي فعل ما على الميت من نذر بإذن الولي ودونه؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- شَبَّههُ بالدين والدين يصح قضاؤه من الأجنبي ويجزي صوم جماعة عن ميت نذرًا في يوم واحد، وإن خلَّف مالاً وجبَ فعل نذره على ما تقدم فيفعله وليه إن شاء أن يدفع مالاً لمن يفعل عنه ذلك، ويدفع في صوم عن كل يوم طعام مسكين في كفارة، ولا يقضي معين مات قبله، وإن مات في أثنائه يسقط الباقي، وإن لم يصم ما أدركه منه لعذر فكالأول، ومن مات وعليه صوم من كفارة أو متعة أو قران ونحوه أطعم عنه من رأس ماله أوصى به أولاً.

من النظم ممَّا يتعلق بقضاء رمضان
ومن رَمضان اقْضِ الفوات متابعًا ... وإما تشا فرقت غير مُفَسِّدِ
وفي الحكم يكفي اليوم عن يومه قضى ... ولم يكفه مع دهره متعمد
وإن فات كل الشهر أجزأه القضا ... لشهر هلاليٍّ بغير تقيد
وإن يقض بالأيام فليقض كاملاً ... وقيل ثلاثين اقضه فيهما قد
ومُرْج بلا عذر قضاء لقابل ... أثيم ويقضي الفوت مع قوت ومفرد
ومسكينًا أطعم إن يَمت قبل قابل ... ولا شيء مع تأخير عذر ممهَّد
ومُرْجى قضاء ثم صام تطوعًا ... يجوز وعنه لا يجوز فقيّد
ويشرع أن يقضي عن الميت نذره ... كحج وصوم واعتكافَ بمسْجدِ
ونذر صلاة النذر يقضي بأوكد ... ولو قيل يقضي فرضه لم أبَعِّدِ
ويخرج من مال الفتى مع قضائهم ... عن المرء تكفير اليمين المؤكدِ

21- باب صَوْمِ التطوع وما يتعلق به
س 158: ما الأيامُ التي يُسَنُّ صيامها؟ وما الدليل على سُّنة صيامها؟

ج: في الصيام فضل عظيم؛ لحديث: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثاله إلى سبعمائة ضعف»، فيقول الله تعالى: «إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به».
وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم، وأفضل صيام التطوع صوم يوم وفطر يوم؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن عمرو: «صم يومًا، وافطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام»، قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: «لا أفضل من ذلك» متفق عليه.

والأيام التي يُسن صيامها:
أيام البيْض، والاثنين والخميس، وست من شوال، وشهر الله المحرم وآكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، وآكده يوم عرفة لغير حاج، ولا يُسن صوم يوم عرفة لمن بعرفة.
أما الدليل على سنَيَّة أيام البيض التي هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فهو ما ورد عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا صمت من الشهر ثلاثًا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وعن قتادة بن ملحان - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بصيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام» متفق عليه.
وأما الدليل على صيام يوم الاثنين والخميس، فهو ما ورد عن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه، وأنزل عليَّ فيه» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» روه الترمذي، وقال: حديث حسن، ورواه مسلم بغير ذكر الصوم.
وأما الدليل على سنَّية صيام ست من شوال، فهو ما ورد عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» رواه مسلم.
وأما الدليل على سنَّية الشهر المحرم، فهو ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» متفق عليه.
وآكده العاشر وصوم عاشوراء كفارة سنة.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه. متفق عليه.
وعنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع» رواه مسلم ويلي العاشر في الأفضلية التاسع، والدليل على أن العاشر كفارة سنة، ما ورد عن أبي قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم.
وأما الدليل على سنية صيام تسع ذي الحجة، فهو ما ورد عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من أيام أحب إلى الله أن يُتصدّق له فيها من أيام العشر وأن صيام يوم فيها ليعدل صيام سنة وليلة فيها بليلة القدر» رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث غريب.
وعن حفصة قالت: أربع لم يكن يَدَعهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام، والركعتين قبل الغداة» رواه أحمد والنسائي.
وأما الدليل على سنية صيام يوم عرفة لغير حاج، فهو ما ورد عن أبي قتادة قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم عرفة، قال: «يُكفرُ السنة الماضية والباقية» رواه مسلم.
وأما الدليل على أنه لا يُسن صوم يوم عَرفة لمن بعرفة فهو ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. رواه أبو داود.
ولا روت أم الفضل أنها أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشرب، متفق عليه.
وأخبر ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه حج مع أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان - رضي الله عنهم - فلم يصمه أحد منهم.

من النظم مما يتعلق بصوم التطوع
وإنْ تبْغ أسنى الصوم نفلاً تصومه ... فيومًا ويومًا صوم داود فاقصد
ومن كل شهر صم ثلاثة بيضه ... ويوم خميس ثم الاثنين فاعمد
ومنّبع شهر الصوم صومًا بستة ... يَجُزْ سنةً مِن جامع ومُبدِّد
وعامين يجزي صومُ يوم مُعَرِّفِ ... وعن يوم عاشورا عن العام فاسعد
وفي عرفات يشرع الفطر قوةً ... على دعوات عند أفضل مشهد
ويشرع صوم العشر والشهر كاملاً ... إذا كنت تبغي فالمحرم فاسرد
فإن تقتصر صُمْ عشره ثم إن تهن ... فتاسعة مع عاشرًا ولذا قد


س159: تكلم بوضوح عن الأيام التي يكره صيامها مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: يكره إفراد رجب والجمعة والسبت؛ وأما الشك فقيل: يكره، والقول الثاني: أنه يحرم صومه، إلا أن يوافق يوم الجمعة أو السبت أو الشك عادة كأن وافق يوم عرفة يوم الجمعة أو يوم عاشوراء أو يصل يوم الشك بصيام قبله أو يتقدم عن رمضان بأكثر من يومين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه» متفق عليه. من حديث أبي هريرة: أو يصوم يوم الشك عن قضاء أو نذر أو كفارة فلا كراهة.
أما إفراد رجب، فلما روى أحمد بإسناد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وبإسناد عن أبي عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه.
وقال: صوموا منه وافطروا، وعن ابن عباس نحوه.
وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا، فقالوا: رجب نصومه، فقال: أجعلتم رجب رمضان؟ فأكفأ السلال وكسر الكيزان.
قال أحمد مَن كان يَصومُ السَّنة صامه وإلا فلا يصومه متواليًا بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان.
وأما الدليل على إفراد الجمعة، فهو ما ورد عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيَّام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» رواه مسلم.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يصومنَّ أحدُكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده» متفق عليه.
وأما السبت فلما ورد عن عبد الله بن بسر عن أخته وإسمها الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه» رواه الخمسة إلا النسائي.
ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين لما تقدم قريبًا في حديث أبي هريرة، ويكره صوم الدهر؛لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صام من صام الأبد» متفق عليه، ولمسلم من حديث أبي قتادة بلفظ: «لا صام ولا أفطر» ويكره صوم يوم النيروز والمهرجَان وهما عيدان للكفار معروفان وصوم كل عيد لكفار أو يوم يفردونه بتعظيم قياسًا على يوم السبت ما لم يوافق عادة أو يصمه عن قضاء أو نذر أو نحوه، وفي «مجموع الفتاوى»: وقد روى البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهة الدخول على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم والتشبه بهم ونيروزهم ومهرجانهم عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا تعلموا رطابة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخط ينزل عليهم، فهذا عمر قد نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة يوم عيدهم فكيف من يفعل بعض أفعالهم أو قصد مما هو من مقتضيات دينهم ألَيْسَتْ موافقتهم في العمل أعظم من موافقتهم في اللغة أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم، وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك.
وقال ابن عمر: من صنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم، وقال: لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تعطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم؛ وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيه من تعظيم شعائر الكفر.
وقال –رحمه الله-، وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قالوا: أعياد الكفار؛ فإذا كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في «المسند» و«السنن» أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وفي لفظ: «ليس منَّا من تشبه بغيرنا» وهو حديث جيد فإذا كان هذا في التشبه بهم، وإن كان من العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك، وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالاً له فيما أهِلَّ لغير الله وما ذبح على النصب، وكذلك نهُوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة، وقالوا: إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا ولا دمًا ولا ثوبًا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وقالوا: وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك. والله أعلم. (ج25/ 325، 329، 331، 332) انتهى ملخصًا.
ويكره الوصال بأن لا يفطر بين اليومين فأكثر إلا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، فقال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»؛ فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم روا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم» حين أبوا أن ينتهوا، متفق عليه. ولم يحرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع رفقًا ورحمة، ولا يكره الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي حميد مرفوعًا: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» رواه البخاري، وترك الوصال إلى السحر أولى من فعله لفوات فضيلة تعجيل الفجر.

س 160: ما الأيام التي يحرم صيامها؟ وما الدليل على تحريمها؟ وما حكم قطع الفرض والنفل؟ وإذا قصد صوم العيدين فهل يجزئه عن فرض؟

ج: يحرم صوم العيدين وأيام التشريق إلا عن دم متعة وقران؛ أما الدليل على تحريم صوم العيدين، فهو ما ورد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر. متفق عليه.
وروى أبو عبيدة مولى أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فقال: هذان يومان نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم. متفق عليه.
وأما أيام التشريق فلما ورد عن نُبيشة الهذلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل» رواه مسلم.
وعن عائشة وابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمنَ إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري.
وعن أنس «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق» رواه الدارقطني، ولا يجوز صوم العيدين عن فرض ولا تطوع، وإن قصد صيامهما كان عاصيًا ولا يجزئه عن فرض، ومَن دخل في تطوع صوم أو غيرَه غيرَ حج أو عمرة لم يجب عليه إتمامه؛ لحديث عائشة وفيه: «إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة؛ فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها» رواه النسائي.
وعنها -رضي الله عنها- قالت: دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قال: «إذًا صائم»، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: أهدي لنا حَيْسٌ، فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا» رواه مسلم.
ويُسن إتمام تطوع خروجًا من الخلاف ويكره قطعه بلا حاجة، وإن فسد تطوع دخل فيه غير حج وعمرة فلا قضاء عليه نصًا، بل يُسن قضاؤه خروجًا من الخلاف؛ وأما تطوع الحج والعمرة فيجب إتمامه؛ لأن نفلهما كفرضهما نية وفدية وغيرهما؛ ولعدم الخروج منهما بالمحظورات، ويجب إتمام فرض مطلقًا بأصل الشرع أو بالنذر، ولو كان وقته مُوسَعًا كصلاة وقضاء رمضان، وكنذر مطلق وكفارة، وإن بطل الفرض فلا مزيد عليه فيعبد أو يقضيه ولا كفارة غيرَ الوطء في نهار رمضان، وتقدم، ويجب قطع فرض ونفل لردمعصوم عن مهلكة وإنقاذ غريق كحريق، ومن تحت هدم، ويجب قطع فرض صلاة إذا دعاه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وله قطع الفرض لهرب غريم، وله قلبه نفلاً، وتقدم من النظم:

ومن مختصره ممَّا يتعلق فيما يحرم من الصوم ويكره:
ويكره صوم الدهر والسبت وحده ... وإفراد تَرجيْب وجُمْعَةِ مُفْردِ
ويُكره صَوم الشك مِنْ غَيْر حَائِل ... وَحظْر صِيَامَ العِيْدِ غيْر مُقيّدِ
وأيام تشريق سوى لِقران أو ... لمتعة حج الناسك المتعبّد
ومَن صَامَ يومًا واجبًا لقضائه ... وكفارة أو مطلق النذر فأعهد
يمنع خروج منه بل بخروجه ... فليسَ عليْهِ غيرَ صَوم المشرّد
كذا كل فرض في زمان موسَّع ... وَلا ضَيرَ أن يخرجَ لعُذر ممَّهد
ويحسن إتمام التطوع مُطلقًا ... وإفساده جوّز فإن يقض جوّد
وَليسَ عليه من قضَاء لفاسِد ... منَ النفل غير الحج أو عمرة قد


22- فصل في صلاة التراويح وصلاة الوتر وما يتعلق بهما
س161: تكلم بوضوح عن صلاة التراويح؟. وبَيَّن حكمها ووقتها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: التراويح سُّنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفعلها جماعة أفضل، ويجهر الإمام بالقراءة لنقل الخلف عن السلف، ويسلم من كل ركعتين، ووقتهما بعد صلاة العشاء، وسننها قبل الوتر إلى طلوع الفجر وبمسجد، وأول الليل أفضل، وقد تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالترغيب في قيام رمضان، والحث عليه، وتأكيد ذلك في العشر الأخير. فمن ذلك ما ورد عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه الجماعة.
وعن عبد الرحمن بن عَوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله عز وجل فرض صيام رمضان وسننتُ قيامه فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
وعن جبير بن نفير عن أبي ذر، قال: صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يُصل بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في الثالثة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة»، ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة، ودعَا أهله ونساءه، فقام حتى تخوَّفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال: «السحور». رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبح، قال: «رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إني خشيت أن يفترض عليكم وذلك في رمضان» متفق عليه.
وفي رواية قالت: كان الناس يصلون في المسجد في رمضَان بالليل أوزاعًا يكون مع الرجل الشيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة أو السبعة أو أقل من ذلك أو أكثر يصلون بصلاته فأمرني رسول الله ص أن أنصب له حَصيرًا على باب حجرته ففعلت، فخرج إليه بعد أن صلى عشاء الآخرة فاجتمع إليه مَن في المسجد فصلى بهم، وذكرت القصة بمعنى ما تقدم غير أن فيها: أنه لم يخرج إليهم في الليلة الثانية. رواه أحمد.
وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثَلَ، ثم عزم فجمعهم على أُبَيّ بن كعب.
قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:09 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 4:27 pm

س 162: تكلم عن عدد التراويح؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو خلاف.
ج: قيل: عشرون ركعة؛ لما روى مالك عن يزيد بن رومان، قال: كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، وفيه أيضًا عن السائب ابن يزيد أنها إحدى عشرة ركعة، وأنها أيضًا عشرون. قال الحافظ ابن حجر
العسقلاني: والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث تطول القراءة تقل الركعات وبالعكس، وبذلك جز الداوودي وغيره.
والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر فكان تارة يوتر بواحدة وتارة بثلاث ونقل عن مالك أنها تسع وثلاثون ويوتر بثلاث وهو المنقول عن عمر بن عبد العزيز وأهل المدينة.
ونقل عن ابن عباس أنها عشرون ركعة في جماعة، ونقل ذلك عن مالك أيضًا، ومال إلى ذلك ابن عبد البر، وقال: الرواية عن مالك أنها إحدى عشرة، وقال شيخ الإسلام له: أن يصليها عشرين كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًا وثلاثين كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة وثلاث عشرة، وكله حسن فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، وقال الأفضل: يختلف باختلاف المصلين؛ فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنفسه في رمضان وغيره فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين؛ فإنه وسط بين العشر والأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ولا يكره شيء من ذلك، ومَن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت لا يُزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، وقد يَنْشَطُ العبد فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها.
وقال: وأما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة المسلمين، بل من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمع المسلمون كلام الله؛ فإن شهر رمضان فيه نزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن. انتهى.
وقال في «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار» على حديث عبد الرحمن بن عبد القادر المتقدم قريبًا وما قبله من أحاديث الباب: والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشابهها هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سُّنة.
وقال السيوطي في رسالة المصابيح في صلاة التراويح: الذي وردت به الأحاديث الصحيحة والحسان والضعيفة والأمر بقيام رمضان والترغيب فيه من غير تخصيص بعدد، لم يثبت أنه –عليه السلام- صلى عشرين ركعة؛ وإنما صلى ليالي صلاة لم يذكر عددها، ثم تأخر في الليلة الرابعة خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها، وقد تمسك بعض من أثبت ذلك بحديث ورد فيه لا يصلح للاحتجاج.
وفي «قرة العيْن في الانتصار لسُّنة سيد الثقلين» للشيخ عبد الله أبي بطين، قال –رحمه الله-: مسألة في الجواب عما أنكره بعض الناس من صلاتنا في ليالي العشر الأواخر من رمضان زيادة على المعتاد في العشرين الأول، وسبب إنكارهم لذلك غلبة العادة والجهل بالسنة وما عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام، فنقول: قد تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالترغيب في قيام رمضان والحث عليه وتأكيد ذلك في عشره الأخير كما في «الصحيحين».
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُرَغِّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وفي السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: فرض الله عليكم صيام رمضان وسننتُ لكم قيامه.
وفي «الصحيحين» عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله، وشد المئزر وصلى - صلى الله عليه وسلم - ليالي من رمضان جماعة في أول الشهر، وكذلك في العشْر».
ففي «صحيح مسلم» عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم في رمضان فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، فجاء رجل آخر فقام أيضًا حتى كنا رهطًا، فلما أحس أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخ لرحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا، فقلت له حين أصبح: فطنت لنا الليلة، قال: «نعم، ذلك الذي حملني على ما صنعت».
وعن عائشة قالت: صلى رسول الله في المسجد فصلى بصلاته أناس كثير، ثم صلى من القابلة فكثروا ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن يفرض عليكم، وذلك في رمضان» أخرجاه في «الصحيحين».
وفي «السنن» عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم بنا حتى بي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»، ثم لم يقم بنا حتى ثلاث من الشهر، فصلى بنا في الثالثة، ودعا أهله ونساءه، وقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قيل: وما الفلاح؟ قال: «السحور» صححه الترمذي. واحتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث على أن فعل التراويح جماعة في المساجد أفصل من فعلها في البيوت مع أنه صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك في بعض الليالي استدلال الإمام أحمد وغيره؛ لذلك على استحباب الجماعة في جميع الليالي والنبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بهم ليلة حتى ذهب شطر الليل وليله إلى أن خافوا فوات السحور فكيف يسوغ في عقل من له أدنى معرفة إنكار مواصلة القيام مع الإمام مع آخر الليل مع سماعه هذا الحديث وغيره من الآثار الآتية من الصحابة والتابعين الصريحة في ذلك.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين: وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» ترغيب في قيام رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سُّنة مطلقة، وكان الناس يصلون جماعات في المسجد على عهده ويقرهم، وإقراره سُّنة منه - صلى الله عليه وسلم - . انتهى.
فلما تقرر أن قيام رمضان وإحياء العشر الأواخر سُّنة مؤكدة، وأنه في جماعة أفضل، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يوقت في ذلك عددًا دلّ أنه لا توقيت في ذلك.
وفي «الصحيحين» عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا غيره لا على إحدى عشرة ركعة.
وفي بعض طرق حديث حذيفة الذي فيه: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ركعة سورة البقرة والنساء وآل عمران أنه لم يصل في تلك الليلة إلا ركعتين، وأن ذلك في رمضان.
وروي عن الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم في قدر التراويح أنواع واختلف في المختار منها مع تجويزهم لفعل الجميع فاختار الشافعي وأحمد عشرين ركعة مع أن أحمد نص على أنه لا بأس بالزيادة.
وقال: روي في ذلك ألوان ولم يقض فيه بشيء، وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يصلي في رمضان ما لا أحصي التراويح، واختار مالك ستًا وثلاثين ركعة.
وروى ابن أبي شيبة عن داود بن قيس قال: أدركت الناس في زمن عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث.
وحكى الترمذي عن بعض العلماء اختيار إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، قال وهو قول أهل المدينة، وقال إسحاق بن إبراهيم: نختار إحدى وأربعين ركعة على ما روي عن أبي بن كعب، وكان عبد الرحمن بن الأسود يقوم بأربعين ركعة ويوتر بعدها بسبع. انتهى. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 163: تكلم عن ليلة القدر مبينًا وجه تسميتها بليلة القدر؟ وهل هي باقية لم ترفع؟ وما هي الليالي التي تختص بها ليلة القدر؟ وما هي أرجاها منها؟ وما هو الدعاء المستحب قوله في ليلة القدر؟ وما هو أفضل الشهور؟ وما هو أفضل أيام الأسبوع؟ وما هو أفضل أيام العام؟ وما هي أفضل أعشار الشهور؟

ج: ليلة القدر ليلة شريفة معظمة تُرجى إجابة الدعاء فيها، قال الله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.
قال المفسرون: أي قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها.
وفي «الصحيح» عن أبي هريرة مرفوعًا: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» زاد أحمد: «وما تأخر».
وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة؛ لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}، وقيل: سميت به لعظم قدرها عند الله، وقيل: لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، وقيل: لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وقيل: لأن من أتى بفعل الطاعات فيها صار ذا قدر وشرف عند الله، وقيل: لأنه نزل فيه كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر على رسول ذي قدر لأمة ذات قدر، وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوات قدر، وهي باقية لم ترفع للأخبار في طلبها وقيامها، وهي مختصة بالعشر الأواخر من رمضان. متفق عليه.
ومن حديث عائشة وليالي الوتر آكدة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بَقِيْنَ أو تسع بقين».
وروى سالم عن أبيه مرفوعًا: «أرَى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر في الوتر فالتمسوها في الوتر منه» متفق عليه.
وأرجاها ليلة سبع وعشرين، وهو قول أُبي بن كعب، وكان يحلف على ذلك ولا يستثنى، وابن عباس وزر بن حبيش.
قال أبيّ بن كعب: والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا، رواه الترمذي وصححه.
وعن معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» رواه أبو داود، والحكمة في إخفائها ليجتهدوا في طلبها ويجدُّوا في العبادة طمعًا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في الجمعة، وإسمه الأعظم في أسمائه ورضاه في الحسنات، وهي أفضل الليالي حتى ليلة الجمعة، ويستحب أن يكون من دعائه ليلة القدر ما روت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله، إن وافقتها فيما أدعو؟ قال: «قولي اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عنِّي» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، معناه وصححه.
وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة».
وشهر رمضان أفضل الشهور، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الأخير من رمضان، وعشر ذي الحجة أفضل من أعشار الشهور كلها؛ لما في صحيح ابن حبان، عن جابر مرفوعًا قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام ذي الحجة».
قال ابن رجب في «اللطائف»: والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

23- كتاب الاعتكاف
س164: عَرِّف الاعتكاف لغةً وشرعًا؟ وما سنده وما شروط صحته؟

ج: الاعتكاف لغةً: الاحتباس واللزوم، ومنه قوله:
فبانَتْ بنَاتُ الليل حَولي عواكفًا ... عكوفَ بواك حَوْلَهنَّ صَريعٌ
وشرعًا: لزوم مسلم لا غسل عليه عاقل ولو مميزًا مسجدًا لطاعة الله تعالى على صفة مخصوصة، ولا يبطل اعتكاف بإغماء، وسن اعتكاف كل وقت لفعله -عليه الصلاة والسلام- ومداومته عليه واعتكف أزواجه معه وبعده وهو في رمضان آكد؛ لفعله -صلى الله عليه وسلم- وآكد رمضان عشره الأخير؛ لحديث أبي سعيد: «كنت أجاور هذا العشر -يعني الأوسط-، ثم بدا ي أن أجاور هذا العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه»؛ولما فيه من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وشرط صحته ستة أشياء: النية، والإسلام، والعقل، والتمييز، وعدم ما يوجب الغسل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» الحديث وتقدم، وكونه بمسجد؛ لقوله تعالى: { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ } ويُزاد في حق من تلزم الجماعة أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة.
قال في «الشرح الكبير»: لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنها واجبة عليه فلا يجوز تركها.

س 165: متى يجب النذر؟ وإذا علق النذر أو غيره بشرط، فما الحكم؟ وهل يصح بلا صوم؟ وتكلم عن حكم اعتكاف الزوجة والقن والمكاتب من دون إذن زوج وسيد؟ وهل لهما تحليلهما ممَّا شرعا فيه بلا إذن؟

ج: يجب اعتكاف بنذر؛ لحديث من نذر أن يطيع الله فليطعه، وإن علق نذر اعتكاف أو غَيره كنذر صوم أو عتق بشرط كأن شفى الله مريضي لأعتكفنّ أو لأصومنّ كذا تقيَّدَ به فلا يلزم قبله كطلاق، ويصح اعتكاف بلا صوم؛ لحديث عمر: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أوف بنذرك» رواه البخاري.
ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكاف الليل وكالصلاة وسائر العبادات، وحديث عائشة: «لا اعتكاف إلا بصوم» موقوف عليها ذكره بـ «المغني» و«الشرح الكبير» وغيره، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب، ومن نذر أن يعتكف صائمًا أو نذر أن يعتكف بصوم أو نذر أن يصوم معتكفًا أو باعتكاف أو نذر أن يعتكف مصليًا لزمه الجمع، أو نذر أن يُصلي معتكفًا لزمه الجمع بين الاعتكاف والصيام والصلاة؛ لحديث: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» وقيس عليه الصلاة؛ ولأن كلا منهما صفة مقصودة في الاعتكاف فلزمت بالنذر كالتتابع والقيام في النافلة، وكنذر صلاة بسورة معينة من القرآن، ولا يجوُز لزوجة وقن وأم ولد ومدبر ومعلق عتقه بصفة اعتكاف بلا إذن زوج لزوجة، ولا إذن سيد لرقيقه لتفويت حقهما عليهما، ولزوج وسيد تحليل الزوجة، والقن مما شرعا فيه بلا إذن؛ لحديث: «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير رمضان إلا بإذنه» رواه الخمسة وحسنه الترمذي؛ ولما فيه من تفويت حق غيرهما بغير إذنه فكان لربِّ الحق المنعُ منه كمنع مالك غاصِبًا، وإن كان الاعتكاف بإذن من الزوج والسيد فلهما تحليلهما إن كان تطوعًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف، ثم منعهن منه بعد أن دخلن؛ ولأن حق الزوج والسيد واجب والتطوع لا يلزم بالشروع؛ لأن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع دوامًا كالعارية، ويخالف الحج؛ لأنه يلزم بالشرع ويجب المضي في فاسده، وليس لهما تحليلهما من منذور شرعًا فيه بالإذن ولمكاتب اعتكاف بلا إذن سيده ولمكاتب حج بلا إذن كاعتكاف وأولى ما لم يَحلَّ عليه نجم من كتابته؛ فإن حلّ لم يحج بلا إذن سيده ومبعض كقن كله فلا يجوز له ذلك إلا بإذن سيده؛ لأن له ملكًا في منافعه كل وقت إلا مع مهايأة فله أن يعتكف ويحج في نوبته بلا إذن مالك بعضه؛ فإنه في نوبته كحر لملكه اكتسابه ومنافعه.

س 166: ما الأفضل لمن تخلل اعتكافه جمعة؟ وإذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فما حكم ذلك؟ وما الذي يتعين من المساجد بالنذر؟ وما زيد في المسجد فهل حكمه حكم المسجد؟ وما أفضل المساجد؟

ج: الأفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعةٌ أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة حتى لا يحتاج إلى الخروج إليها منه ولا يلزمه؛ لأن الخروج إليها لابد له منه كالخروج لحاجته، ويتعين جامع لاعتكاف إن عين بنذر فلم يجزيه في مسجد لا تقام فيه الجمعة حيث عين الجامع بنذره، ولمن لا جمعة عليه أن يعتكف بغير الجامع من المساجد، ومن المسجد سطحه، ومن المسجد رحبته المحوطة ومنارته التي هي أو بابها بالمسجد، ومنه ما زيد فيه حتى في الثواب في المسجد الحرام.
وعند جمع منهم الشيخ تقي الدين وابن رجب، وحكي عن السلف، ومسجد المدينة أيضًا زيادته كهو؛ لما روى أبو هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي».
وقال عمر: لمّا زاد في المسجد لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن رجب في «شرح البخاري»: وقد قيل إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة؛ وإنما خالف بعض المتأخرين من أصحابنا ومَن عيَّنَ بنذره مسجدًا غير المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لم يتعَين؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه.
ولو تعَيَّن غيرها بالتعيين لزم المضي إليه واحتاج إلى شد رحل لقضاء نذره.
وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» متفق عليه، ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته مكانًا في غير الحج، وأفضل المساجد المسجد الحرام فمسجد المدينة، فالمسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سِوَاه إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أبا داود.
وفي رواية: فإنه أفضل من نذر اعتكافًا أو صلاة في أحدها لم يجزئه في غيره إلا أن يكون أفضل منه، فمن نذر في المسجد الحرم لم يجزئه غيره ولا يتعين غيره من المساجد، وَن نذر في مسجد المدينة أجزأه فيه، وفي المسجد الحرام، ومن نذر في الأقصى أجزأه فيه، وفي مسجد المدينة، وفي المسجد الحرام؛ لحديث جابر أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صل هنا»، فسأله، فقال: «شأنك إذًا» رواه أحمد وأبو داود.

س 167: ما الذي يبطل به الاعتكاف؟ وإذا نذر زمنًا معينًا فمتى يشرع فيه؟ وإذا نذر عددًا معينًا فهل له تفريقه؟ وإذا نذر ليلة فهل يدخل اليوم؟ وضِّحه مع العكس؟ وإذا نَذَرَ يومًا فهل له تفريقه ساعات؟

ج: ويبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد لغَيْر عذر؛ لقول عائشة: «السنُّة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابد له منه» رواه أبو داود.
وحديث: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه.
ويبطل الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ } فإذا حرم الوطء في العبادة أفسدها كالصوم والحج ولا كفارة نص عليه.
وروى حرب عن ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف، ويبطل الإنزال بالمباشرة دون الفرج؛ لعموم الآية ويبطل بالردة؛ لقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، ويبطل السكر لخروج السكران عن كونه من أهل المسجد، ومن نذر زمنًا معينًا شرع فيه قبل دخول المعين وتأخر عن الغروب حتى ينقضي، ومن نذر زمنًا معينًا صومًا أو اعتكافًا ونحوه تابع وجوبًا، ومن نذر أن يصوم عددًا من أيام غير معينة فله تفريقه ما لم ينوي تتابعًا، ولا ندخل ليلة يوم نذر اعتكافه؛ لأنها ليست منه.
قال الخليل صاحب كتاب «العين»: اليوم اسم لما بَيْنَ طلوع الفجر وغرُوب الشمس، كما لا يدخل يوم ليلة نذر اعتكافها؛ لأن اليوم ليس في الليلة، ومن نذر يومًا لم يجز تفريقه ساعات من أيام؛ لأنه يفهم منه التتابع كقوله متتابعًا، ومن نذر شهرًا مطلقًا فلم يعين كونه رمضان أو غيره تابع وجوبًا لاقتضائه ذلك كما لو حلف لا يكلم زيدًا شهرًا وكمدة الإيلا ونحوه، ومن نذر أن يعتكف ونحوه يومين فأكثر متتابعة أو نذر أن يعتكف ليلتين فأكثر متتابعة لزمه ما بين ذلك من ليل أو نهار.

س 168: ما الذي يسوغ للمعتكف أن يخرج له؟ وما حكم خروجه وشروط الخروج لما يلزمه خروج إليه؟ وما حكم شرط التجارة أو شرط التكسب بالصنعة في المسجد؟ واذكر أمثلة لا يتّضح إلا بالتمثيل؟ واذكر ما تستحضره من الدليل أو التعليل.

ج: يحرم خروج من لزم تتابع مختارًا ذكرًا لاعتكافه إلا لما لابدّ منه كإتيانه بمأكل ومشرب؛ لعدم من يأتيه به وكقيء بَغَتَه وغسل متنجس يحتاجه وكبول وغائط وطهارة واجبة كوضوء وغسل ولو قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه لابد منه للمحدث؛ لحديث عائشة: «السُّنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابدَّ له منه» رواه أبو داود.
وقالت أيضًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» متفق عليه.
وحاجة البول والغائط لاحتياج كل إنسان إلى فعلهما، وله المشي على عادته وله قصد بيته إن لم يجد مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منه وله غسل يده بمسجد في إناء من وسخ وزفر ونحوهما ويفرغ الإناء خارج المسجد.
ولا يجوز للمعتكف ولا لغيره بول ولا فَصد ولا حجامة بإناء في المسجد ولا في هواء المسجد؛ لأنه لم يُبن لذلك فوجبت صيانة المسجد عنه وهواؤه كقراره، وله الخروج إلى جمعة وشهادة لزمناه لوجوبهما بأصل الشرع، وكمريض وجنازة تعين خروجه إليهما، وله شرط الخروج إلى ما لا يلزمه خروج إليه من الجماعة والشهادة والمريض والجنازة، ومن كل قربة لم تتعين عليه كزيارة صديق وصلة رحم، أو ماله منه بُدَّ وليس بقربة كشرط عشاء ومبيت بمنزله، ولا يصح شرط الخروج إلى التجارة أو شرط التكسب بالصنعة في المسجد ونحوهما، كالخروج لما شاء؛ لأنه ينافيه، وكما لابد منه في جواز الخروج تعين نفير لنحو عدو فجاءهم وتعين إطفاء حريق، ولمرض يتعذر معه المقام ولِتَعَيُّنِ إنقاذ غَرِيق، ورَدِّ أعْمَى عن بِئر أو حَيَّة؛ لأنه يجوز له قطع الواجب بأصل الشَّرْع.
ويجوز الخروج لخوف فتنة على نفسه أو حرمته أو ماله نهبًا ونحوه، وإن أكرهه سلطان أو غيره على الخروج من معتكفه بأن حمل وأخرج أو هدّده قادر بسَلْطنةٍ أو تغلب كلص وقاطع طريق فخرج بنفسه لم يَبطل اعتكافه بذلك؛ لأن مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة، وكذا عدة وفاة إذا مات زوج معتكفة فلها الخروج لتعتد في منزلها لوجوبه بأصل الشرع، وكذا حاجة معتكف لفصد أو حجامة.

س 169: إذا خرج معتكف في اعتكاف واجب لعذر فما حكم الرجوع في حقه؟ وهل يضر تطاول الخروج لعذر وضح ذلك مع تبيين ما يلزم من قضاء أو كفارة؟

ج: يجب على معتكف في اعتكاف واجب خرج لعذر يُبيحُه رجوع إلى معتكفه بزوال عذر؛ لأن الحكم يدور مع علته؛ فإن أخر رُجوعه عن وقت إمكانه فكما لو خرج لما له منه بد، ولا يضر تطاول عذر معتاد وهو حاجة الإنسان وطهارة الحدث والطعام والشراب والجمعة، ويضرّ تطاول في غير معتاد كنفير ونحوه، ففي نذر متتابع كشهر غير معين يُخير بين بناءٍ على ما مضى من اعتكافه وقضاء فائتِ مع إخراج كفارة يمين أو استئناف لمنذور من أوله ولا كفارة؛ لأنه أتى به على وجهه أشبه ما لو لم يسبقه اعتكاف وفي نذر معين كشهر رمضان يقضي ما فاته منه بخروجه ويكفر كفارة يمين لتركه المنذور في وقته.
وفي نذر أيام مطلقة كعشرة أيام تمم ما بقي منها بالاعتكاف فيه بلا كفارة لكنه لا يبني على بعض ذلك اليوم الذي خرج فيه، بل يستأنف بدله يومًا كاملاً لئلا يفرقه.

س 170: ما الذي يستحب للمعتكف أن يشتغل به؟ وما الذي يجب عليه اجتنابه؟ والذي له فعله والذي يكره له؟ وتكلم بوضوح عن حكم الصَّمت إلى الليل؟ وإذا نذر الصمت إلى الليل فما الحكم؟ واذكر أمثلة توضِّح ذلك.

ج: يُسن لمعتكف التشاغل بفعل القربى، واجتناب ما لا يعنيه من جدال ومراء وكثرة كلام وغيره؛ لقوه -صلى الله عليه وسلم-: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن رواه الترمذي وغيره؛ ولأنه مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى.
روى الخلال عن عطاء، قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن نقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تنطق في معيشتك بما لابد لك منه، ولا بأس أن تزوروه زوجته في المسجد وتتحدث معه وتصلح رأسه أو غيره ما يتلذذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يُكثر؛ لأن صفيِّة زارته -صلى الله عليه وسلم- فتحدث معها ورجّلَت عائشة رأسه، ويكره الصمت إلى الليل.
وقال الموفق والمجد: ظاهر الأخبار تحريمه وجزم به في «الكافي»، وقال في «الاختيارات الفقهية»: والتحقيق في الصمت أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حرامًا كما قال الصديق، وكذا إن تعبَّد بالصمت عن الكلام المستحب والكلام الحرام يجب الصمت عنه. انتهى.
وإن نَذَر الصَّمْتَ لم يف به لحديث عليَّ: حفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صُمَات يوم إلى الليل» رواه أبو داود.
وعن ابن عباس قال: بَينَا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه» رواه البخاري وابن ماجه وأبو داود.
ودخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها: زينب فرآها لا تتكلم، فقال: «ما لها لا تتكلم؟»فقالوا: حجَّت مصمتة، فقال لها: «تكلّمِي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية» فتكلمت، رواه البخاري. ويجمع بين قول الصديق هذا، وقوله: «من صمت نجا» بأن قوله الثاني محمول على الصمت عما لا يعنيه، كما قال تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ}.

ومما يتعلق بالاعتكاف من النظم
وإن اعتكافًا للتعبد سُّنة ... يُحَتّمُهُ نَذْرُ اللُّزوم بمسجد
وليس بشرط أن يصوم لأجله ... ويشَرط قصد مع جماعة مسجد
لمن لزمته افهم وجوّز لمرأة ... سوى مسجد في بيتها كل مسجد
وفيما له شد الرحال إن نذرته ... بأفضلها يجزي لما دونه قد
وإن ينذرن في غيرها من معيّن ... النبيّ وبالأقصى تمام التعبُّد
وتدخل إن عيَّنت شهرًا وعشرة ... فلا يلزم التعيين يا ذا التسدُّد
ومن قبل فجر والغروب لمن نوى ... بآخر جزء الماضي في المتأكد
ولا تخرجن منه بغير ضرورة ... ليوم وليل ثم بعدهما أشرد
ويبطل كل الاعتكاف بردّة ... كحاجة إنسان وَوَاجِب مَقْصَدِ
وسكر الفتى ثم الخروج لما له ... وإنزال لمس الخود مَعَ وَطْءِ خُرّدِ
كتشييع ميتٍ أو زيارة عالم ... غنى عنه لا المشروط مع قربة قَد
وجانب مماراةً وما ليس عانِيًا ... وعَوْدِ مَريض شَيعَن فيه أوعد
وفيه تقرب للذي أنت عاكفًا ... وصمت نهارًا مطلقًا عنه فاصدد
وفيه تقرب للذي أنت عاكفًا ... لعزته واطلب فنون التعبُّد



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:10 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 4:31 pm

س 171: بيِّن حكم جعل القرآن بدلاً من الكلام؟ وبيِّن حكم الرجوع إلى تفسير الصحابي؟ وما حكم النظر في كتب أهل الكلام وأهل البدع؟ وما حكم تفسير القرآن باللغة والرأي؟ واذكر أمثلة توضَّح المشكل.

ج: يجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة لأنه عربي وقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، وقوله: {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} المراد بالأحكام، ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي من غير لغة ولا نقل، فمن قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار وأخطأ ولو أصاب؛ لما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسّنه.
وعن سهل بن حزم عن أبي عمران الجوني عن جندب مرفوعًا: «من قال في القرآن برأيه فأصابه فقد أخطأ».
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: غريب، وسهيل ضعفه الأئمة.
وقد روي هذا المعنى عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين، ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام مثل أن يرى رجلاً جاء في وقته فيقول: «ثم جئت على قدر يا موسى» ويلزم الرجوع إلى قول الصحابي؛ لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل فهو أمارة ظاهرة، ولا يلزم الرجوع إلى تفسير التابعي؛ أن قوله ليس بحجة على المشهور.
قال بعضهم: ولعل مراد غيره إلا أن ينقل ذلك عن العرب قاله في الفروع، ولا يعارضه ما نقله المروزي ننظر ما كان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن لم يكن فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين لإمكان حمله على إجماعهم لا على ما انفرد به أحدهم قاله القاضي.
ولا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب؛ أن - صلى الله عليه وسلم - غضب حين رأى مع عمر صحيفة من التوراة، وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب» الحديث، ولا النظر في كتب أهل البدع، ولا النظر في الكتب المشتملة على الحق والباطل، ولا روايتُها لما في ذلك من إفساد العقائد.

س 172: تكلم عن حفظ القرآن الكريم وفضله؟ والواجب حفظه منه؟, وحكم ختمه في كل أسبوع؟ وحكم تأخير ختمه فوق أربعين يومًا؟ وحكم التعوذ قبل القراءة؟ وهل القرآن يتفاوت في الفضل؟ وضِّح ذلك.

ج: يُستحب حفظ القرآن إجماعًا، وحفظه فرض كفاية إجماعًا، والقرآن أفضل من سائر الذكر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «يقول الرب سبحانه وتعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن، والقرآن أفضل من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الصحف.
وبعض القرآن أفضل من بعض إما باعتبار الثواب أو باعتبار متعلقه كما يدل عليه ما ورد في { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والفاتحة وآية الكرسي.
ويُبْدِئُ الصَّبيَّ وليُّه بِه قبل العلم فيقرأه كله؛ لأنه إذا قرأ أولاً تعَوَّدَ القراءة ثم لزمها إلى أن يعسر عليه حفظ كله فيقرأ ما تيسر منه، والمكلف يقدم العلم بعد القراءة الواجبة؛ لأنه لا تعارض بين الفرض والنفل كما يقدم الكبير تعلم نفل القراءة في ظاهر كلام الإمام والأصحاب، ويُسن ختمه في كل أسبوع.
قال عبد الله: كان أبي يختم في النهار في كل أسبوع يقرأ كل يوم سبعًا لا يكاد يتركه نظرًا أي في المصحف، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في كل سبع ولا تزيدن على ذلك» رواه أبو داود.
وإن قرأ القرآن في ثلاث فحسن؛ لما روى عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، إن لي قوة اقرأ في ثلاث، رواه أبو داود.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في الأوقات الفاضلة كرمضان وعشر ذي الحجة، وخصوصًا الليالي التي تطلب فيها ليلة القدر كأوتار العشر الأخير من رمضان.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، ويكره تأخير فوق أربعين بلا عذر.
قال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين، ولأنه يفضي إلى نسيانه والتعاون به ويحرم فوق أربعين إن خاف نسيانه.
قال الإمام أحمد: ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه.
ويستحب التعوذ قبل القراءة؛ لقوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } ويستحب السواك قبل القراءة، ويستحب أن يقرأ وهو على طهارة؛ فإن قرأ محدثًا حدثًا أصغر جاز.
ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف؛ ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة.
ويستحب للقارئ أن يستقبل القبلة فقد جَاء في الحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار مطرقًا رأسه، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا أو جالسًا أ راكبًا أو ماشيًا جَازَ. قال تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } ».
وثبت في «الصحيح» عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القرآن» رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة قالت: إني لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري، رواه الفريابي.
وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: إني لأقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي.
وتستحب القراءة في المصحف والاستماع لها؛ لأنه يشارك القارئ في أجره، ويكره الحديث عندها بما لا فائدة فيه. قال الله تعالى: { وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وينبغي أن يرتل قراءته.
وقد اتفق العلماء - رضي الله عنهم - على استحباب الترتيل، قال الله تعالى: { وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً } ، وثبت عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن معاوية بن فرة - رضي الله عنه - عن عبد الله بن معقل - رضي الله عنه - قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة «الفتح» يُرَجِّعُ في قراءته. رواه البخاري ومسلم.
ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول: اللهم إني أسألك العافية وأسألك المعافاة من كل مكروه أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه، فقال سبحانه وتعالى أو تبارك وتعالى أو جلَّت عظمة ربنا، فقد صح عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، فقلت: يركع، صلى بها ثم افتتح آل عمران، فقرأ بها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع» الحديث رواه مسلم.
فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة والدلائل عليه أكثر من أن تحصر وأشهر وأظهر من أن تذكر فهو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال الله عز وجل: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ}، وقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} والأحاديث فيه كثيرة، وأقاويل السلف فيه مشهورة، وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة ويرددونها إلى الصباح، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بآية يرددها حتى أصبح،
والآية: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية، رواه النسائي وابن ماجه، وعن تميم الداري أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} الآية.
وينبغي لقارئ القرآن أن يبكي؛ فإن لم يبك تباكى، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اقرءوا القرآن وابكوا؛ فإن لم تبكوا فتباكوا»، وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دُموعُه عَلى تَرْقوِتِهِ، وعن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فجعلوا يقرءون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: هكذا كنا. والله أعلم.
هذا آخر ما تيسر جمعه من كتب الحديث والفقه مما يتعلق بالزكاة والصيام من الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية، وكان الفراغ مما يتعلق بالزكاة والصيام من الأسئلة والأجوبة في يوم الثلاثاء الموافق 17/ 12/ 1384هـ والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعًا عامًا إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

24- كتاب الحج والعمرة
س173: ما هو الحج لغةً وشرعًا؟ وما هي العمرة؟ وما أخر الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؟

ج: الحج في اللغة: القصد، وعن الخليل بن أحمد، قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه ورجل محجوج أي مقصود.

قال المخبل:
وأشهدُ مِن عوف حُلولاً كثيرةً ... يحُجونَ بيتَ الزِّبرقَانِ المزَعْفرا

قال ابن السكيت:
يكثرون الاختلاف إليه، وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص في وقت مخصوص وأخِّرَ الحج عن الصلاة والزكاة والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع ولشمولها المكلف وغيره، ثم الصوم لتكرره كل سنة، والعمرة لغة: قيل: إنها الصد.

قال الحجاج:
لقد غزا ابن معمر حين اعتمرْ ... مغزًا بعيدًا من بعيد أو ضَبر
أي قصد مغزًا بعيدًا، وقيل: إنها لغة الزيارة.

قال الأعشى:
وجاشت النفس لما جاء فلُّهُمْ ... وراكب جاء من تثليث معتمرًا
أي زائرًا، وشرعًا: زيارة البيت الحرام وعلى وجه مخصوص.

س 174: ما حكم الحج؟ وما الأصل في مشروعيته من الكتاب والسُّنة؟

ج: حكمه أنه أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام من جحد وجوبه عالمًا كفر، وإن كان جاهلاً عرف؛ فإن أصر بعد التعريف كفر، وهو فرض كفاية كل عام على مَن لا يجب عليه عينًا ويأتي إن شاء الله، والأصل في وجوبه الكتاب والسُّنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} الآية، وروي عن ابن عباس ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب، وقال تعالى: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}؛ وأما السُّنة: فعن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قال ثلاثًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم» رواه أحمد ومسلم والنسائي، وعن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: «يا أيها الناس كتب عليكم الحج»، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتها لوجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» رواه أحمد والنسائي بمعناه، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» رواه البخاري. روى سعيد في «سننه» عن عمر بن الخطاب أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدَة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمرة مرة واحدة.

س 175: بين حكم العمرة وأذكر ما في ذلك من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح لما تراه؟

ج: قيل: إنها واجبة؛ لقوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } ؛ فإنه عطفها على الحج والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه؛ ولحديث عائشة: يا رسول الله، هل على النساء من جهاد، قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» رواه أحمد وابن ماجه ورواته ثقات، وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر» رواه الخمسة وصححه الترمذي، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في جوابه لجبريل لما سأله عن الإسلام، قال -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
رسول الله، وتقم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر» الحديث أخرجه ابن خزيمة والدارقطني من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
وقال الدارقطين: هذا إسناده ثابت صحيح، قيل: إنها سنة، روي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي واختاره الشيخ تقي الدين –رحمه الله-؛ لما روى جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمروا فهو أفضل» رواه الترمذي، وهذا القول عندي أنه أرجح من الأول ويَعْضُده عندي اقتصاره جل وعلا على الحج في الآية: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، وحديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» رواه البخاري. وعن معاذ قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسرهُ الله تعالى عليه، تعبد الله تعالى ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» الحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، فاقتصر - صلى الله عليه وسلم - على الحج. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

مقدمة من النظم ومختصره لكتاب المناسك
وهاك صفات الحج قصْد مخصص ... عبادة إذعان ومحض تعبد
تحن القلوب المستجاب لها الدعا ... من الصادق البر الجليل الممجد
أتى بخصوص في الدعاء مُبعِّضًا ... ولو عم طار الشوق بالناس عن يد
نحن إلى أعلام مكة دائمًا ... قلوب إلى الداعي تروح وتغتدي
رجالاً وركبانًا على كل ضامرٍ ... يلبون داعي الحق من كل مورد
يطير بهم شوقًا إلى ذاك الحمى ... لتحصيل وعد النفع في خير مشهد
على كلهم قد هان نفس عزيزة ... وأهل ومال من طريف ومَتْلَدِ
رضوا عن مديد الظل قطع مهامه ... يظل بها خربتها ليس يهتدِ
ولدّ لهم في جنب ما يبتغونه ... سَموُمٌ بجهلاء المعالم صَيْخَدِ
يهون بها لفح الهجير عليهمو ... كهجر محب يرتجى صدق موعد
وكل محب قابل الهجر بالرضا ... سَيَجْني بما يرضَاه في كل مقصد
فكم من رخى العيش حركه الهوى ... فقام بأعباء الرجا ساغبًا صدى
فليس بثان عزمه عن طلابه ... إذا ثوِّب الداعي به وصل خُرّدِ
أطار الكرى عنهم رجاء وصالهم ... وشوقًا إلى ربع النبي محمد
عفا الله عني كم أودع زائرًا ... إليه وذنبي حابس ومقيَّد
تحملت أوزارًا تثقل منهضي ... ولكنني أرجو تجاوز سيد
لئن ثبط الأقدار عزمي عن السرى ... فشوقي إليه دائم وتلددي
وإن رجائي أن يمن يزوره ... فأبلغ من تلك المشاعر مقصدي
وأسعى بآثار النبيين ضارعًا ... وها أنا فيما رومت يا صاح أبتدي

س176: متى فرض الحج وما هي الأدلة الدالة على وجوبه فورًا؟

ج: فرض سُّنة تسع عند الأكثرين من العلماء ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنا كانت سنة عشر من الهجرة، وكان - صلى الله عليه وسلم - قارنًا ويجبان في العمر مرة على الفور، وتقدمت الأدلة وجوبه؛ وأما أدلة الفورية فأولاً: أن الأمر للفورية ويؤيده خبر ابن عباس مرفوعًا، قال: «تعجلوا إلى الحج –يعني الفريضة-؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض» رواه أحمد. وعن عبد الرحمن بن سابط يرفعه، قال: «من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم يمنعه مرض حابس ولا سلطان أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال يهوديًا أو نصرانيًا» رواه سعيد. وعن عمر نحوه من قوله: ولأنه أحد مباني الإسلام، فلم يجز تأخيرهُ إلى غير وقت مُعين كبقية المباني بل أولى؛ وأما تأخيره - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه بناء على أن الحج فرض سنة تسع فيحتمل أنه كان في آخرها أو لأنه تعالى أطلع نبيه على أنه لا يموت حتى يحج فيكون على يقين من الإدراك أو لاحتمال عدم الاستطاعة أو حاجة خوف في حقه منعه من الخروج ومنع أكثر أصحابه خوفًا عليه، أو لأن الله كره له الحج مع المشركين عراة حول البيت أو غير ذلك، وقيل: يجب الحج وجوبًا موسعًا، وبه قال الشافعي، وحكاه ابن حامد عن الإمام أحمد -رضي الله عنه-؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا بكر -رضي الله عنه- على الحج وتخلف بالمدينة غير محارب ولا مشغول بشيء وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، قالوا: وهذا قرينة ودليل يصرفه إلى التراخي والذي تطمئن غليه النفس أن الحج على الفور ما لم يكن عذر شرعي. والله أعلم.

س 177: بين شروط وجوب الحج مقرونة بأدلتها؟

ج: يجب وجوب عين على كل مسلم حر مكلف مستطيع وتزيد المرأة شرطًا سادسًا وجود محرم، ويأتي قريبًا إن شاء الله، فالإسلام والعقل شرطان للوجوب، والصحة والبلوغ وكمال الحرية شرطان للوجوب، والإجزاء دون الصحة، والاستطاعة شرط لوجوب دون الإجزاء، فهي خمسة شروط للحج والعمرة جمعها الشيخ عثمان النجدي في بيتين، فقال:
الحج والعمرة واجبان ... في العمر مرة بلا تواني
بشرط إسلام كذا حرية ... عقل بلوغ قدرة جلية
تزيد المرأة شرطًا سادسًا وهو وجود محرم، ويأتي إن شاء الله.

س 178: اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف مع الترجيح؟

ج: أما الكافر فلأنه ممنوع من دخول الحرم وهو مناف له؛ وأما المجنون فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات، فلم يصح حجه ولا يجب عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» وكذا الصبي لا يجب عليه للخبر ويصح منه؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركبا بالروحاء، فقال: «مَن القوم؟»
قالوا: المسلمون، فقالوا: مَن أنْتَ، قال: «رسول الله»، فرفعت إليه امرأة صبيًا، فقالت: ألهذا حج، قال: «نعم، ولك أجر» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وعن السائب بن يزيد قال: حُجَّ بي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين، رواه أحمد والبخاري والترمذي، وصححه؛ وأما العبد فلأن مدتهما تطول فلم تجبان عليه لما فيهما من إبطال حق السيد، وكذا مكاتب ومدبر وأم ولد ومعتق بعضها ومعلق عنقه بصفة ويصح منهم ولا يجزي عن حجة الإسلام، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد قوله خلافًا على أن الصبي إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبدان عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليه سبيلاً، كذلك قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وعطا والحسن والنخعي والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه، روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيما صبي حج، ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وإيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى» رواه الشافعي والبيهقي، وقال أحمد عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدًا، أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه؛ فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه؛ فإن عتق فعليه الحج» رواه سعيد في «سننه»، والشافعي في «مسنده» عن ابن عباس من قوله؛ ولأن الحج عبادة بدنية فعَلهَا، قيل: وقت وجوبها فلم يمنع ذلك وجُوبهَا عَليْه في وقتها كما لو صلى قبل الوقت، وكما لو صلى ثم بلغ في الوقت، وقيل: إن العبد إذا حج بعد بلوغه، ولو قبل حريته أن حجته هي حجة الإسلام، قالوا: كما أن الفقير معفوعنه الحج ولا يجب عليه؛ فإذا تيسر له وفعله أجزأه ذلك ولم يلزمه إعادته إذا استغنى فكذلك الرقيق إذا أدى فريضته؛ فإن ذلك يجزئه، قالوا: وأيضًا فإن الحج يوجبه الله ورسوله في العمر إلا مرة واحدة، وذلك مجمع عليه فيلزم على قول من يقول إن حج الرقيق لا يجزيه أنه يجب في العمر مرتين. انتهى والذي تميل النفس إلى العمل به، والقول الأول لما تقدم من الدليل والتعليل؛ ولأنه أحوط. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 179: تكلم بوضوح عما إذا أسلم أو أفاق ثم أحرم أو بلغ أو عتق محرمًا ومتى يعتد بالإحرام والوقوف من الصبي والعبد؟

ج: ويجزيان الحج والعمرة كافرًا أسلم وهو حر مكلف، ثم أحْرَم يحج قبل دفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف في وقته أو أحرم بعمرة ثم طاف وسعى لها أو أفاق من جنون وهو حر بالغ ثم أحرم بحج أو عمرة، وفعل ما تقدم أو بلغ وهو حر مسلم عاقل محرمًا بحج قبل دفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف في وقته أو عتق قن مكلف محرمًا بحج قبل دفع من عرفة أو بعد الدفع منها إن عاد إلى عرفة فوقف بها في وقت الوقوف فيجزيه حجه ويلزم العود حيث أمكنه أو بلغ أو عتق محرمًا بعمرة قبل طواف عمرة، ثم طاف وسعى لها فتجزيه عن عمرة الإسلام ويكون صغير بلغ محرمًا وقن عَتق محرمًا كمن أحرم بعد بلوغه وعتقه؛ لأنها حال تصلح لتعين الإحرام كحال ابتداء الإحرام؛ وإنما يعتد بإحرام ووقوف موجودين حال البلوغ والعِتْق، وأن ما قبله تطوع لم ينقلب فرضًا، وقال جماعة: ينعقد إحرام الصغير والقن موقوفًا؛ فإذا تغير خاله إلى البلوغ أو الحرية تبين فرضيته كزكاة معجلة، ولا يجزي حج من بلغ أو عتقَ مُحرمًا قبل دفع من عرفة أو بعده إذا عاد ووقف عن حجة الإسلام مع سعي قن أو صغير بعد طواف القدوم قبل وقوف، ولو أعاد السعي قن أو صغير ثانيًا بعد بلوغه أو عتقه؛ لأن السعي لا تشرع مجاوزة عدده ولا تكراره بخلاف الوقوف فاستدامته مشروعة، ولا قدر له محدود، وقيل: يجزئه إذا أعاد السعي لحصول الركن الأعظم وهو الوقوف وتبعية غيره له ولا تجزئ العمرة من بلغ أو عتق في طوافها وإن أعاده.

س 180: تكلم بوضوح عن إحرام غير المميز والمميز؟ وعمّا يفعل عن المميز وغيره، وإذا رمى الجمرات عن موليه قبل نفسه فما الحكم؟ وهل يعتد برمي حلال؟ واذكر الدليل.

ج: قد تقدم أن العمرة والحج يصحان من الصغير وتقدم حديث ابن عباس في آخر جواب سؤال 185 ويحرمُ وليٌّ في مال عمن لم يميز ولو كان الولي محرمًا أو لم يحج الولي ويحرم مميز بإذن الولي عن نفسه؛ أنه يصح وضوؤه فيصح إحرامه كالبالغ ولا يحرم عنه وليه لعدم الدليل ويفعل وليُّ عن مميز وغيره ما يعجزهما من أفعال حج وعمرة. روي عن ابن عمر في الرمي وعن أبي بكر أنه طاف بابن الزبير في خرقة رواهما الأثرم، وعن جابر: حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنا النساء والصبيان فلبْينا عن الصّبيان ورمَيْنا عنهم، رواه أحمد وابن ماجه. وكانت عائشة تجرد الصبيان للإحرام؛ لكن لا يجوز أن يرمي عن الصغير إلا من رمى عن نفسه، ومن رمى عن مواليه وقع عن نفسه، إن كان محرمًا بفرض كمن أحرم عن غيره وعليه حجة الإسلام؛ لما ورد عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب لي، فقال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه؛ فإن كان الولي حلالاً لم يُعْتَدَّ برميه؛ لأنه لا يصح منه لنَفسه رميٌ فلا يصح عن غيره؛ فإن وضع النائب الحصى في يد الصبي ورمى بها فجع ليده كالآلة فحسن ليوجد منه نوع عمل. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:10 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 4:34 pm

س 181: إذا كان الصغير يعجز عن الطواف بنفسه، فهل يطاف به؟ وضّح ذلك مع ذكر ما تستحضره من قيود؟ وتكلم عن كفارة حج الصغي وما زاد من نفقة السفر إلى نفقة الحضر؟ وعن عمد الصبي والمجنون؟ وإذا وجب في كفارة صوم فمن الذي يصومه؟ وإذا وطئ فما الحكم؟

ج: يطاف بالصغير لعجزه عن طواف بنفسه راكبًا أو محمولاً ويعتبر لطواف صغير نية طائف به لتعذر النية منه إن لم يكن مميزًا وكون طائف به يصح أن يعقد له الإحرام ولا يعتبر كون الطائف به طاف عن نفسه ولا كونه محرمًا لوجود الطواف من الصغير، وكفارة حج صغير في مال وليه إن أنشأ السفر به تمرينًا على الطاعة وما زاد من نفقة السفر على الحضر في مال وليه إن أنشأ وليه السفر به تمرينًا له على الطاعة وإلا يُنشِئ السفر به تمرينًا على الطاعة فلا يجب ذلك على الولي، بل من مال الصغير؛ لأنه لمصلحته وعمد صغير خطأ وعمد مجنون لمحظور خطأ لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ المكلف أو في نسيانه لعدم اعتبار قصده، وإن وجب في كفارة صوم صام الولي ووطء الصغير كوطء بالغ ناسيًا يمضي في فاسده ويقضيه إذا بلغ كالبالغ، وقيل: لا يلزمه قضاؤه.

س182: تكلم بوضوح عمّا إذا عقد الإحرام قن أو زوجة بإذن زوج أو سيد أو بدون؟, وهل يأثم من لم يمتثل، وهل يصح من الزوج والسيد الأذن؟ وهل لزوج وسيد رجوع في إذن للقن والزوجة؟

ج: ويصح الحج والعمرة من القن ذكر أو أنثى صغير أو كبير على ما تقدم في الصغير الحر البالغ ويلزمان القن بنذره لهما؛ لعموم حديث: «من نذر أن يطيع الله، فليطعه» ولا يجوز أن يحرم قن بنذر ولا نفل ولا أن تحرم زوجة بنفل حج أو عمرة إلا بإذن سيد وزوج لتفويت حقهما بالإحرام؛ فإن عقد قن أو امرأة الإحرام بنفل بلا إذن سيد وزوج، فللزوج والسيد تحليلهما مع إذن لهما في إحرام لوجوبه بالشرع، ويصح من زوج وسيد رجوع في إذن بإحرام قبل إحرام كواهب إذن لموهوب له في قبض هبة ثم رجع قبله، ومتى علما برجوع امتنع عليهما الإحرام كما لو لم يأذن ولا يجوز لسيد وزوج تحليل قن وزوجة أحرما بنذر أذن فيه زوج وسيد لقن وزوجة؛ لأن الأذن في نذر أذن في فعله ولا يجوز لسيد وزوج تحليل قن وزوجة أحرما بنذر أذن فيه الزوج أو السيد لهما أو لم يؤذن فيه للزوجة فلا يحللها منه، والقن بخلافها لِسيّدِ تحليله إذا لم يأذن فيه. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 183: هل لزوج منع زوجة من الحج؟ وإذا أحرمت بواجب فحلف زوجها بالطلاق لا تحج فما الحكم؟ وإذا أفسد قن حجه بوطء فيه، فما الحكم؟ وإذا أعتق أو بلغ الحر في الحجة الفاسدة، فما الحكم؟

ج: لا يمنع الزوج زوجته من حج فرض كملت شروطه كبقية الواجبات ويستحب لها استئذانه، وإن كان غائبًا كتبت إليه فأن أذن وإلا حجت محرم فلو لم تكمل شروطُه فله منعها وإن أحرمت به بلا إذنه لم يملك تحليلها لوجوب إتمامه بشروعها فيه ومن أحرمت بواجب حج أو عمرة بأصل الشرع أو النذر فحلف زوجها ولو بالطلاق الثلاث لا تحج العام لم يجز أن تحلي من إحرامها للزومه، ونقل ابن منصور: هي بمنزلة المحصر ونقل مهنا عن أحمد أنه سُئل عن هذه المسألة، فقال: قال عطاء: الطلاق هلاك هي بمنزلة المحصر، وإن أفٍسَدَ قنٌ حَجِّة بوطء قبل التحلل الأول مَضَى في فاسده وقضى كحر ويصح القضاء في رقة كصوم وصلاة؛ فإن عتق بدأ بحجة الإسلام وليس لسيده منعه إن شرع فيما أفسده بإذنه وإن عتق أو بلغ في الحجة الفاسدة في حال تجزئه عن حجة الفرض لو كان الحجة الفاسدة صحيحة مضى وأجزأته حجة القضاء عن حجة الإسلام والقضاء.

س 184: تكلم عن حكم جناية القن؟ وإذا تحلل أو حلله سيده؟ وهل لمشتري المحرم تحليله؟ وهل لأبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل حج أو عمرة؟ وإذا أحرم فهل لهما أن يحللانه؟ وهل لغريم المدين تحليله؟ وهل لولي السفيه المبذر منعه من حج الفرض وعمرته؟

ج: قن في جنايته بفعل محظور في إحرامه كحر معسر في الفدية، وإن تحلل قن بحصر عدُوّ له أو حلل سيدة لإحرامه بلا إذنه لم يتحلل قبل الصوم كحر أحُصْرَ وأعسر فيصوم عشرة أيام بنية التحلل، ثم يتحلل ولا يمنع القن من الصيام كقضاء رمضان، وإن مات قن وجب عليه صوم بسبب إحرامه ولم يصم فلسيده أن يطعم عنه كقضاء رمضان وإن أفسد قن حجة صام عن البدنة عشرة أيام كحر معسر، وكذا إن تمنع قن أو قرن أو أفسد عمرته صام عن الدم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع ومشتري المحرم كبائعه في تحليله وفي عدمه وله الفسخ إن لم يعلم بإحرام القن ولم يملك تحليله لتعطيل منافعه عليه زمن إحرامه ولكل من أبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل حج وعمرة كمنعه من نفل جهاد؛ ولكن ليس لهما تحليله من حج التطوع لوجوبه بالشروع فيه ويلزمه طاعتهما في غير معصية وتحرم طاعتهما فيها، ولا يحلل غريم مدينًا أحرم بحج أو عمرة لوجوبهما بالشروع، وليس لولي سفيه مبذر بالغ منعه من حج الفرض وعمرته ولا تحليله من إحرام بأحدهما لتعينه عليه كالصلاة وتدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق ويحلل سيفه بصوم كحر معسر إذا أحرم بنفل لمنعه من التصرف في ماله إن زادت نفقته على نفقة الإقامة ولم يكتسبها السفيه في سفره. والله أعلم.

س 185: تكلم عن الاستطاعة مبينًا ما هي؟ وهل يكون مستطيعًا ببذل غيره له؟, وهل تبطل الاستطاعة بالجنون؟ اذكر الخلاف مع الترجيح؟

ج: الاستطاعة نوعان: أحدهما: استطاعة مباشرة لحج أو عمرة بنفسه ولا تبطل الاستطاعة بجنون ولو مطبقًا فيحج عنه، والاستطاعة ملك زاد يحتاجه في سفره ذهابًا وإيابًا من مأكول ومشروب وكسوة وملك وعائه؛ لأنه لابد منه ولا يلزمه حمله إن وجده بثمن مثله أو زائدًا يسيرًا بالمنازل في طريق الحاج لحصول المقصود وملك راحلة لركوبه بآلتها بشراء أو كراء يصلحان لمثله أي الراحلة وآلتها؛ لحديث أحمد عن الحسن لما نزلت هذه الآية {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال رجل: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة»، وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟, قال: «الزاد والراحلة» رواه الدارقطني، وعن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الزاد والراحلة يعني قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}» رواه ابن ماجه، ولا يعتبر ملك راحلة في دون مسافة قصر عن مكة للقدرة على المشي غالبًا إلا لعاجز عن المشي كشيخ كبير فيعتبر ملك الراحلة بآلتها حتى في دون المسافة ولا يلزمه حبوًا ولو أمكنه؛ وأما الزاد فيعتبر قَربُتَ المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه أو ملك ما يقدر به من نقد أو عرض على تحصيل الزاد والراحلة وآلتهما؛ فإن لم يملك ذلك لم يلزمه الحج؛ لكن يستحب لمن أمكنه المشي والكسب بالصنعة ويكره لمن حرفته المسألة ويعتبر كون ما تقدم من الزاد والراحلة وآلتهما أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلاً عما يحتاج إليه من كتب علم، ومسكن لمثله وخادم لنفسه، وعن ما لابد منه من نحو لباس وغطاء ووطاء وأواني؛ فإن أمكن بيع فاضل عن حاجته وشراء ما يكفيه بأن كان المسكن واسعًا أو الخادم نفيسًا فوق ما يصلح له وأمكن بيعه وشراء قدر الكفاية منه ويفضل ما يحج به لزمه ذلك؛ لأنه مستطيع ويعتبر كون زاد وراحلة وآلتهما أو ثمن ذلك فاضلاً عن قضاء دين حال أو مؤجل لله أو لآدمي؛ لأن ذمته مشغولة به وهو محتاج إلى إبرائها، وأن يكون فاضلاً عن مؤنته ومؤنة عياله؛ لحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضع من يقوت» من عقار أو بضاعة أو صناعة ونحوها، كعطاء من ديوان ولا يصير مُستَطِيعًا ببذل غيره له ما يحتاجه لحجه وعمرته.
وعن الشافعي أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه؛ لأنه أمكنه الحج من غير منَّة تلزمه ولا ضرر يلحقه فلزمه الحج، كما لو ملك الزاد والراحلة، وهذا القول عندي أنه قوي جدًا مؤيدًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم» رواه الخمسة، وعن جابر أن رجلاً
قال: يا رسول الله، إني لي مالاً وولدًا، وأن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: «أنت ومالك لأبيك» رواه ابن ماجه، وقوله: «وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئًا» رواه أحمد وأبو داود. ومن الاستطاعة سعة وقت بأن يكون متسعًا يُمكن الخروج والمسير فيه حسب العادة لتعذر الحج مع ضيق وقته، ومن الاستطاعة أمْنُ طريق يمكن سلوكه ولو بحرًا أو كان غير معتاد بلا خفارة، وأن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، ومن الاستطاعة دليل لجاهل طريق مكة، ومنها قائد لأعمى؛ لأن في إيجابه عليهما بلا دليل وقائد ضررًا عظيمًا، وهو منتف شرعًا ويلزم الجاهل والأعمى أجرة الدليل والقائد لتمام الواجب بهما فيعتبر قدرة على أجرة مثلها.

س 186: تكلم عمَّن عجز عن السعي لحج أو عمرة، واذكر الدليل على ما تقول.

ج: العاجز عن السعي لحج أو عمرة لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لنحو زمانه أو ثقل لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة أو لكونه نضوَ الخلقة لا يقدر ثبوتًا على راحلة إلا بمشقة غير محتملة يلزمه أن يقيم مَنْ يحج ويعتمر عنه؛ لحديث ابن عباس أن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله، إن أبي أدرته فَريضةُ الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: «فَحُجّيِ عنه» رواه الجماعة. وعن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: إنّ أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيعُ رُكوبَ الرحل والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: «أنت أكبر ولده» قال: نعم، قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزئ ذلك عنه» قال: نعم، قال: «فاحجج عنه» رواه أحمد والنسائي بمعناه.

س 187: تكلم عن استنابة العاجز عن الحج والعمرة، اذكر الدليل والخلاف.

ج: قد تقدم لنا أنه يلزمه أن يقيم مَن يحج ويعتمر عنه، وأن الحج يجب فورًا ويستناب عن العاجز من يحج عنه من حيث وجب عليه، إما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه، وبهذا قال الحسن وإسحاق ومالك في النذر، وقال عطاء في الناذر: إن لم يكن نوى مكانًا فمن ميقاته، واختاره ابن المنذر، وقال فيمن عليه حجة الإسلام: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ لأن الإحرام لا يجب دونه، والذي تميل إليه النفس أنه لا يلزم أن يكون من بلد المنوب عنه؛ لأنه ليس في حديث الخثعمية ولا حديث الخثعمي ما يدل على أنه لابد أن يكون من حيث وجب ولم يرد أحاديث أخرى تدل على ذلك. والله أعلم.

س 188: بين حكم ما إذا عوفي العاجز عن السعي لحج أو عمرة مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: إذا استناب العاجز عن الحج لمرض لا يُرجى برؤه ونحوه ويسمى المعضوب فحج النائب ثم عوفي المستنيب لم يجب عليه حج آخر، وهذا إذا عوفي بعد الفراغ من النسك؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة كما لو لم يبرأ؛ وأما إن عوفي قبل إحرام النائب فإنه لا يجزئه للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل كالمتيمم يجد الماء؛ وأما إذا عوفي بعد الإحرام وقبل الفراغ، فالمذهب يجزئه والجمهور على أنه لا يجزئ لو عوفي بعد الإحرام وقبل فراغ النسك؛ لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسًا منه، قال في «المبدع»: وهو الأظهر عند الشيخ تقي الدين ومن يرجى برؤه لا يستنيب؛ فإن فعل لم يجزئه ويسقطان عن من لم يجد نائبًا مع عجزه عنهما لعدم استطاعة بنفسه ونائبه، ومن لزمه حج أو عمرة بأصل الشرع أو بإيجابه على نفسه فتوفى قبله ولو قبل التمكن من فعله لنحو حبس أو أسْرِ عدو وكان استطاع مع سعة وقت وخلف ما لا أخرج عن الميت من جميع ماله حجة وعمرة أي ما يفعلا به من حيث وجبا وتقدم الخلاف في ذلك، ويجزئ أن يستناب عن معضوب من أقرب وطنيه ومن خارج بلده إلى دون مسافة قصر.

س 189: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا حج أجنبيّ عَمّنْ وجب عليه؟ من ضاق ماله في أدائه من بلده أو لزمه دين وعليه حج وضاق ماله عنهما؟ إذا مات مَن وجب عليه حج بطريقه أو مات نائبه بطريقه؟ إذا صُدّ من وجب عليه حج أو نائبه بطريقه. اذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟

ج: ويسقط عمن وجب عليه ومات قبله بحج أجنبي عنه؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- شبهه بالدين، وكذا عمرة ولا يسقط حج عن معضوب حَيِّ ولو معذورًا لا إذن ويقع حَج مَن حج عن حي بلا إذنه عن نفسه ولو نفلاً، ومن ضاق ماله عن أدائه من بلده استنيب به من حيث بلغ، ومن لزمه دين وعليه حج وضاق ماله عنهما أخذ من ماله لحج بحصته كسائر الديون وحج به من حيث بلغ؛ لحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وإن مات من وجب عليه حج بطريقة أو مات نائبه بطريقة حج عنه من حيث مات هو أو نائبه؛ لأن الاستنابة من حَيْثُ وَجبَ القضاء والموب عنه لا يلزمه العود إلى وطنه ثم العود للحج منه فيستناب عنه فيما بقي نصًا مسافة وفعلاً وقولاً، وإن صُد مَن وجب عليه حج أو نائبه بطريقة فعل عنه ما بقي مسافة وفعلاً وقولاً.

س 190: إذا وصى شخص بنقل وأطلق فمن أين يفعل عنه؟ وهل يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه؟ وإذا أحرم بنذر حج أو نفل مَن عليه حجة الإسلام، فهل يقع الحج عن النذر، والنفل أو عن حجة الإسلام؟ وإذا حج عن معضوب واحد في فرضه وآخر في نذره في عام فما الحكم؟ وإذا حُج عن ميت واحد في فرضه وآخر في نذر في عام، فما الحكم؟

ج: إذا وصى شخص بنسك نفل وأطلق فلم يقل: من محل كذا جاز أن يفعل عنه من ميقات بلد الموصي ما لم تمنع منه قرينة ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه حج عن غيره، ولا عن نذر ولا عن نافلة؛ فإن فعل بأن حج عن غيره قبل نفسه انصرف إلى حجة الإسلام؛ لما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب لي، فقال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه بن حبان، والراجح عند أحمد وقفه، وقوله: «حج عن نفسك» أي استَدِمْهُ عن نفسك، كقولك للمؤمن آمن؛ لما روى الدارقطني من طريقين فيهما ضعف: «هذه عنك وحج عن شبرمة»، وكذا حكم من عليه العمرة، ومن أدى أحد النسكين فقط صح أن ينوب فيه قبل أداء الآخر، وأن يفعله نفله ونذره، ولو أحرم بنذر حج أو نفل من عليه حجة في ذمته ويصح أن يحج عن معضوب واحد في فرضه وآخر في نذره عام، ويصح أن يحج عن ميت واحد في فرضه وآخر في نذره في عام واحد؛ لأن كل عبادة منفردة، كما لو اختلف نوعهما، وأيهما أحرم أولاً قبل الآخر؟ فعن حجة الإسلام ثم الحجة الأخرى التي تأخر إحرام نائبها تكون عن نذره ولو لم ينو الثاني عن النذر؛ لأن الحج يعفي فيه عن التعيين ابتداء لانعقاده بهما ثم يعين والعمرة في ذلك كالحج.

س 191: إذا جعل شخص قارن الحج عن شخص والعمرة عن آخر، فما الحكم؟ وهل للقادر أن يُنوّب في الحج؟ وتكلم بوضوح عما يعطاه النائب؟ وهل يضمن النائب ما زاد على نفقة المعروف؟ وهل يحسب له شيء من النفقة؟ وعلى مَن يرجعُ بما استدانَه؟ ومن أين يكون ما لزمَ نائبًا بمخالفته؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.

ج: يصح أن يجعل قارن أحرم بحج وعمرة الحج عن شخص استنابه في الحج وأن يجعل العمرة عن شخص آخر استنابه فيها بإذن الشخصين؛ لأن القرآن نسك مشروع؛ فإن ثم يأذنا وقع الحج والعمرة للنائب ورد لهما ما أخذه منهما. وقدم في «المغني» و«الشرح الكبير» يقع عنهما ويردّ من نفقة كل نصفها؛ فإن أذن أحدهما ردّ على غير الآن نصف نفقته، ويصح أن يستنيب قادر وغيره في نفل حج، وفي بعضه، والنائب في فعل نسك أمين فيما أعطيه من مال ليحج منه ويعتمر فيركب وينفق منه بمعروف، ويضمن نائب ما زاد على نفقة المعروف وما زاد على نفقة طريق أقرب من الطريق البعيد إذا سلكه بلا ضرر في سلوك الأقرب إذا سلكه، ويجب عليه أن يردَّ ما فضل عن نفقته بالمعروف؛ لأنه لم يملكه له المستنيب؛ وإنما أباح له النفقة منه، ويحسب للنائب نفقة رجوعه بعد أداء النسك ويحسب له نفقة خادمه إن لم يخدم نفسه مثلُه، ويرجع نائب بما استدانه لعذر على مستنيبه ويرجع بما أنفق عن نفسه بنية رجوع، وما لزم نائبًا بمخالفته فمنه؛ لأنه جنايته.

س 192: مَن هو مَحرمُ المرأة الذي يشترط لوجوب الحج عليها وُجُودُه ومن هي المرأة المعتبر لها محرم؟ وعلى من تجب نفقته؟ وإن أيَستِ المرأة مِن المحرم فماذا تعمل؟ وإذا حَجتْ بُدوْن محرم، فما الحكم؟ وإذا مات محْرمٌ سافرتْ مَعَه فماذا تعمل؟ واذكر ما تستحضره من دليل.

ج: تزيد المرأة على الرجل شرطًا سادسًا وهو أن تجد زوجًا أو ذكرًا مسلمًا مكلفًا ولو عبدًا تحرم عليه أبدًا لحرمتها بسبب مباح أو بنسب ونفقته عليها، فيشترط لها ملك زاد وراحلة بآلتهما لهما أي للمرأة ومحرمها وأن تكون الراحلة وآلتها صالحين لهما ولا يلزم المحرم مع بذلها الزاد والراحلة سَفْرٌ معها، وتكون إن امتنع كمن لا محرم لها فلا وجوب عليها، والعبد ليس محرمًا لسيدته من حيث كونها مالكة له؛ لحديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سفر المرأة مع عبدها ضيعة»؛ ولأنه غير مأمون عليها ولا تحرم عليه أبدًا ومن أيست من المحرم استنابت مَن يفعل النسك عنها ككبير عاجز، وإن حجت امرأة بدون المحرم حرم وأجزأ، وإن مات محرم سافرت معه بالطريق مضت في حجها ولم تصر محصرة.

ومما يتعلق بكتاب الحج والعمرة من النظم ومن مختصره:
ومن كان حرًا بالغًا وهو عاقل ... براحلة مزمومة وتزود
فأوجب عليه الحج في العمر مرة ... وعمرة إسلام بفوز أوكد
ومن كافرًا وعادم العقل ألغيَنْ ... وصحح لِصِبْيَانٍ يَحُجُّوا وَأْعبُدِ
وليس بمجز مع بلوغ وعتقهم ... بُعَيْدَ وقوف والطواف المحدد
لعمرتهم لكن إذا ما تكاملوا ... بموقف أو قبل الطواف كفاقدِ
وبشرط طول الاستطاعة قدرة ... لتحصيل مركوب وزاد معوَّد
ويلزمه بيع الذي عنه غنية ... إذا كان يكفي مثله في التزود
سوى كل مضطر إليه كمسكن ... وغرس وخدام ودين بذا ابتدى
ولُبْسٌ ومركوب ولم لتجمُّل ... كأمثالهِ مع كتب علم لمقْصَد
وكلفته مَعَ من يَمُون على المدى ... بِرَيْع مَغَلٍ أو بربح معدد
وليس على ذي صنعة وإطاقه ... يمشي مسير بل يسن له قَد
وميؤس بره والكبير تطيْحُه الرّحالُ ... لِيُحْجج عنهما وليزوّدِ
ولو نابت الأنثى من البقعة التى ... بها وجبا يجزي ومع برء مُقْعَدِ
وشرط وجوب الحج لا لأدائه ... مسير بأنثى محرم في المؤكَّدِ
كزوج ومَن حرمتها منه دائمًا ... بوصلته بل مستطاب فقيدِ
ومن مات فاعلم صاح بعد وجوبه ... فمن ماله خذ واجب الحج تهتدِ
ومن كان لم يحج فحج لغيره ... له الحج وليردد غرامة مِرْفِد
ومَن يَستنب عمرًا لِنَذْرِ وخالدًا ... لِفَرْضٍ فللِفَرضِ أجعَل إحرَام مُبتدي



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:11 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 4:36 pm

س193: ما الذي يشرع لمن أراد الحج والعمرة؟ وضِّحه مع ذكر الدليل.

ج: من أراد الحج فليبادر وليجتهد في الخروج من المظالم بردها لأربابها كما ورد عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» رواه البخاري.
وفي الحديث الآخر المتفق عليه، قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقّونَ ربكم فيسألكم عن أعمالكم» الحديث، وليجتهد أيضًا في رد العواري وأداء الديون التي للآدميين والتي لله كالزكاة والكفارة ويستحل مَن لا يستطيع الخروج من عهدته ويبادر بالتوبة من جميع الذنوب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً}، وقال: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وليحرص كل الحرص على تحصيل نفقة طيبة من حلال؛ لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المسلمين، فقال: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً } ، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } »، ثم ذكر: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدَّ يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذيِّ بالحرام، فأنى يستجاب لذلك!» رواه مسلم.
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا خرج الرجل حاجًا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز، فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مؤزور؛ وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور».
ويجتهد في رفيق يكون عونًا له على نصَبَه وأداء نسكه يهديه إذا ضلّ ويذكره إذا نسى، وإن تيسر أن يكون الرفيق عالمًا فليستمسك بغرزه لعل الله أن يجعله سببًا لرشده.
وينبغي إن كان طالب علم أن يأخذ معه من كتب الفقه والحديث ما يتعلق بكتاب الحج والعمرة وليرجع له ولغيره عند الإشكال ولصيانة الوقت وازدياد العلم.

قال الناظم:
وخير جليس المرء كتبٌ تفيده ... علومًا وآدابًا كعَقْلِ مُؤَيَّدٍ
وخالط إذا خالطت كل موفق ... من العلما أهل التقى والتَعَبُّدِ
يُفيدكَ مِن علم ويَنهاك عن هوى ... فصَاحِبه تهدى من هداه وترشد

وليحذر كل الحذر من صحبة الجهال والسفهاء والكذابين والنمامين؛ فإن هؤلاء وأشباههم لا يسلم المخالط لهم والمصاحب غالبًا من الإثم وينبغي له أن يتخلق بالأخلاق الجميلة كالسخاء وبساطة النفس وقضاء حوائج رفقته وإعانتهم بالماء والجاه والبدن، ويجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة والتقرب إلى الله بما يرضيه من الأقوال والأعمال في تلك المواضع الشريفة.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يأتي على الناس زمان يحج أغنياء أمتي نزهة وأوساطهم للتجارة وفقراؤهم للرياء والسمعة، وفقراؤهم للمسألة» أخرجه أبو الفرج في مثير الغرام مُسْنَدًا، وليحذر أن يقصد بعمله الدنيا وحطامها أو الرياء أو السمعة أو المفاخرة بذلك؛ فإن ذلك من أقبح المقاصد وسبب لحبوط العمل وعدم قبوله.
وينبغي أن يتعلم ما يشرع له في حجه وعمرته ليكون من حجه على بصيرة ويصلي ركعتين بمنزله، ويقول بعدهما: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد.
قال الشيخ: يدعو قبل السلام أفضل ويخرج يوم الخميس مبكرًا.
عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس، متفق عليه.
وفي رواية «الصحيحين» لقلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلا في يوم الخميس.
وعن صخر بن ودَاعة الغامدي الصحابي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجرًا، وكان يبعث تجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.
فإذا ركب دابته أو سيارته أو طيارته أو مركبته أو السفينة أو غيرها من المركوبات استحب له أن يسم الله سبحانه وبحمده، ثم يكبر ثلاثًا، ويقول: سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل، لِصحَّةِ ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . أخرجه مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما ـ. ويكثر في سفره من الذكر والاستغفار، ودعاء الله سبحانه والتضرع إليه، وتلاوة القرآن وتدبر معانيه، ويحافظ على الصلوات في الجماعة، ويجتهد في إقامتها على الوجه الأكمل.
ويحفظ لسانه من القيل والقال والكذب والغيبة والخوض فيما لا يعنيه والإفراط في المزح، ويقول إذا نزل منزلاً ما ورد عن خولة بنت حكيم - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزلك ذلك» رواه مسلم.

25- باب المواقيت
س 194: ما هي المواقيت؟ وإلى كم تنقسم؟ وضّحها مع ذكر الدليل.

ج: الميقات لغةً: الحد، وشرعًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة، وتنقسم إلى قسمين: زمانية، وهي: أشهر الحج والعام كله للعمرة، ومكانية، وهي: ذو الحليفة والجحفة، ويلملم، وقرن، وذات عرق؛ لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة. متفق عليه.
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل العراق ذات عرق، رواه أبو داود والنسائي.

س 195: تكلَّم عن المسافة بين المواقيت ومكة؟ ومن أين يحرم من له منزلان؟ ومن أين يحرم مَن لم يمر بميقات؟ ومَن تساوَيَا الميقاتان منه؟ ومن أين يحرم من لم يحاذ ميقاتًا؟ وإذا أحرم من بمكة بحج من الحل، فما الحكم؟ ومن أين يحرم من بمكة للعمرة؟ واذكر دليل الحكم.

ج: الحليفة بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة وهي أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين مكة عشر مرَاحل، الجحفة قرب رابغ بينها وبين مكة ثلاث مراحل، ويلملم بينه وبين مكة ليلتان، وقرن بيْنَهُ وبين مكة يوم وليلة، وذات عرق بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهذه المواقيت لأهلها المذكورين ولمن مرّ عليها من غير أهلها كشامي ومصري مرّ بذي الحليفة فيحرم منها؛ لأنها صارت ميقاته ومدني يَسْلكُ طريق الجحفة فيحرم منها وجوبًا للحديث، والأفضل للمارّ إحرامٌ من أول ميقات وهو طرفه الأبعد من مكة احتياطًا وإن أحرم من الطرف الأقرب من مكة جاز، ومَن منزله دونها فميقاته منزله ومَن له منزلان جاز أن يحرم من أقرب لمكة ويحرم مَن كان مقيمًا بمكة لحج منها، ويصح أن يحرم من بمكة بحج من الحل ولا دم عليه كما لو خرج إلى الميقات الشرعي وكالعمرة ويحرم من بمكة لعمرة من الحل؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن أبي بكر: أن يعمر عائشة من التنعيم. متفق عليه.
ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم فلم يكن بد من الحل ليجمع في إحرامه بينها بخلاف الحج؛ فإنه يخرج إلى عرفة فيحصل له الجمع ويصبح إحرام لعمرة من مكة وعليه دم لتركه واجبًا وتجزئه عمرة أحرم بها من مكة عن عمرة الإسلام؛ لأن الإحرام من الحل ليس شرطًا لصحتها، وكالحج ومن لم يمر بميقات أحرم إذا عَلم أنه حاذى أقربها منه وسن له أن يحتاط؛ فإن تساويا قُربًا منه؛ فإنه يحرم من أبعدهما من مكة؛ فإن لم يحاذ ميقاتًا أحرم من مكة لنسك فرضه بقدر مرحلتين من جدة فيحرم في المثال من جدة؛ لأنها على مرحلتين من مكة؛ لأنه أقل المواقيت.

س 196: مَن الذي لا يحل له تجاوز الميقات بلا إحرام؟ ومَن الذي يجوز له تجاوزه بلا إحرام؟ وما الذي يلزم مَن تجاوزه بلا إحرام؟ وبَيِّن الحكم فيما إذا تجاوزها غير قاصد مكة ثم بدا له قصدُها؟ وما هي الساعة التي أبيح للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومَن معه دخول مكة مُحلين فيها؟

ج: ولا يحل لمكلف حر مسلم أراد مكة أو الحرم أو نسكًا تجاوز ميقات بلا إحرام إلا لقتال مباح أو خوف أو حاجة تتكرر كحطّاب وناقل ميرة وحشاش فلهم الدخول بلا إحرام؛ لما روى حرب عن ابن عباس لا يدخل إنسان مكة إلا محرمًا إلا الحمالين والحطابين وأصحاب منافعها احتج به أحمد.
وَمَكّيٌ يتردد إلى قريته بالحل إذ لو وجب عليه لأدى إلى الضرورة، والمشقة وهو منتف شرعًا وكتحية المسجد في حق قيمه للمشقة، ثم إن بدا لمن لم يلزمه الإحرام من أولئك أن يحرم، أو بَدَا لمن لم يرد الحرم أن يحرم أو لزم الإحرام مَن تجاوز الميقات كافرًا أو غير مُكلف أو رفيقًا بأن أسلم كافر وكلف غير مكلف وعتق رقيق أو تجاوز المواقيت غيرَ قاصد مكة ثم بدا له قصدها فمن موضعه يُحْرِم؛ لأنه حصل دون الميقات على وجه مباح فأشبه أهل ذلك المكان ولا دم عليه؛ لأنه لم يجاوز الميقات حال وجوب الإحرام عليه بغير إحرام، وإن كان المتجاوز للميقات رقيقًا أو كافرًا أو غير مكلف فلا دم عليه؛ لأنه ليس من أهل فرض الحج.
قال الشيخ: إنما يجب الإحرام على الداخل إذا كان من أهل وجوب الحج؛ وأم العبد والصبي والمجنون، فيجوز لهم الدخول بغير إحرام؛ لأنه إذا لم تجب عليهم حجة الإسلام وعمرته؛ فلأن لا يجب عليهم الإحرام بطريق الأولى.
وأبيح للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الذين معه دخول مكة ساعة من يوم الفتح وهي من طلوع الشمس إلى صلاة العصر لاقطع شجر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام الغد من يوم فتح مكة فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة؛ فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحِلَّت لي ساعة من النهار وقد عادت حرمتها كحرمتها فليبلغ الشاهد الغائب منكم».

س 197: تكلم بوضوح عمَّن جاوز الميقات بلا إحرام يريد نسكًا فرضًا أو نفلاً وكان النسك فرضه؟ وما حكم الإحرام قبل ميقات؟ وبالحج قبل أشهره؟ وما هي أشهر الحج؟ وهل ينعقد إحرام بحج في غير أشهره؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل.

ج: ومن جاوزه يريد نسكًا فرضًا أو نفلاً، وكان النسك فرضه ولو جاهلاً أنه الميقات أو حكمه أو ناسيًا لزمه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه حيث أمكن كسائر الواجبات إن لم يخف فوت حج أو غيره كعلى نفسه أو ماله لصًا أو غيره، ويلزمه إن أحرم من موضعه دم؛ لما روى ابن عباس مرفوعًا: «من ترك نسكًا فعليه دم، وقد ترك واجبًا» وسواء كان لعذر أو غيره ولا يسقط الدم إن أفسده أو رجع إلى الميقات بعد إحرامه، وكره إحرام بحج أو عمرة قبل ميقات وينعقد؛ لما روى سعيد عن الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرم من مصره.
وقال البخاري: كَرِهَ عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان.
ولحديث أبي يعلى الموصلي عن أبي أيوب مرفوعًا: يستمتع أحدكم بحله ما استطاع؛ فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه، وكره إحرام بحج قبل أشهره.
وقال في «الشرح الكبير» بغير خلاف علمناه، وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة منها يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر.
ولحديث ابن عمر مرفوعًا يوم النحر الأكبر، قال الله تعالى: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ } أي في أكثرهن؛ وإنما فات الحج بفوات يوم النحر لفوات الوقوف لا الخروج وقت الحج.
ثم الجمع يقع على إثنين وبعض آخر، والعرب تُغَلِّبُ التأنيث في العدد خاصة لسبق الليالي فتقول: سِرْنا عشرًا، وينعقد إحرام بحج في غير أشهره؛ لقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } وكلها مواقيت للناس، فكذا الحج كالميقات المكاني، وقوله: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ } أي معظمه في أشهره، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحج عرفة».

من مختصر النظم مما يتعلق بالمواقيت
وإحرام حج من مواقيت خمسة ... لطيبة وقِّتْ ذا الخليفة واقصد
وللشام والمصري والغرب جحفة ... ولليمن التَّالي يلملم فارصد
وخذ ذات عرق للعراق ووفده ... وقرنا لِوَفد طائفي ومنجد
وتعْينُهَا مِن معجزات نبينا ... لتعيْينه مِن قبل فتح المعَدَّدِ
وإن تَعْدِمَ الميقَاتَ حَاذِ مُقارِبًا ... وإن تُحْرِمَنْ مِن دُوْنهِ بدمِ جُدِ
ومِن دُونهِ إحرامُ مَنْ كانَ دُونَها ... ومَكَّةُ ميقات لِثَاو ورُوّد
لحج ولكن أرادوا اعتمارهم ... مِن الحلِّ مُرْهْم يَحرموا بتأكُّد
وللحج شوال وذا القعدة اتخذ ... وبالعشر من ذي الحجة اختم وشيِّد

26- باب الإحرام
س 198: تكلم بوضوح عن معنى الإحرام؟ وما المسنون لمريده؟

ج: الإحرام لغة: الدخول في التحريم؛ لأنه يحرّم على نفسه بنيته ما كان مُباحًا له قبل الإحرام من النكاح والطيب والحلق ونحو ذلك، وشرعًا: نية الدخول في النسك، ويسن لمريده غسل أو تيَمُّمٌ لِعَدَم ولا يضر حدثه بين غسل وإحرام، وسن له تنظف بأخذِ شعره وظفره وقطع رائحة كريهة، وسن له تطيب في بدنه وكره في ثوبه، وسن لمريده لبس إزار ورداء أبْيَضَين نظيفين ونعلين بعد تجرد ذكر من مخيط، وسن إحرام عقب ركعتين فرض أو ركعتين نفلاً؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أهل في دبر صلاة، رواه النسائي، وقال في «الاختيارات الفقهية»: ويحرم عقب فرض إن كان أو نفل؛ لأنه ليس للإحرام صلاة تخصه. انتهى.

س 199: ما هي الأدلة الدالة على المسنونات المتقدمة؟

ج: أما الغسل: فهو ما ورد عن زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل لإحرامه. أخرجه الترمذي.
وعن ابن عمر: أنه كان يخرج وعليه ثيابه جامعها عليه، وعليه برنسه حتى إذا أتى ذا الحليفة تجرد واغتسل، أخرجه سعيد بن منصور؛ وإن كانت امرأة حائضًا أو نفساء اغتسلت للإحرام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تَغْتَسِلَ، وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض؛ ولأنه غسل يُراد للنسك فاستوى فيه الحائض والطاهر ومن لم يجد الماء يتيمم؛ لأنه غسل مشروع فانتفل منه إلى التيمم عند عدم الماء أو العجز عن استعماله لنحو مرض لعموم: «فلم تجدوا ماء فتيمموا».
وأما الأخذ من الشعر والظفر عند الإحرام، فلما ورد عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم وأن يستحدوا، ثم يلبسوا أحْسن ثيابهم، أخرجه سعيد بن منصور.
وعن محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أنه أراد الحج وكان من أكثر الناس شعرًا، فقال له عُمر: خذ من رأسك قبل أن تحرِمَ.
وعن القاسم وسالم وطاوس وعطاء وسُئلوا عن الرجل يريد أن يهلّ بالحج أيأخذ من شعره قبل أن يحرم، قالوا: نعم. أخرجهما سعيد بن منصور.
وأما الطيب للإحرام، فلما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي بذريرة في حَجَّةِ الوداع للحل والإحرام.
وعنها، قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت.
وعنها، قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند حرمه بأطيب الطيب. أخرجهن الشيخان.
وعنها، كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأطيب ما كنت أجد حتى أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته قبل أن يحرم. أخرجه النسائي.
وأما لبس الإزار والرداء الأبيضين النظيفين والنعلين، فلما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم» أخرجه البيهقي.
ولحديث: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» رواه أحمد.
قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وثبت أيضًا: أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لم يجد إزارًا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس
الخفين» - وأما أن يكون لبسه ذلك بعد تجرد ذكر عن مخيط فلأنه - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهله. رواه الترمذي.
وفي «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (109): وإن احتاج إلى التنظيف كتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك فعل ذلك وهذا ليس من خصائص الإحرام، وكذلك لم يكن له ذكر فيما نقله الصحابة لكنه مشروع بحسب الحاجة، وهكذا يشرع لمصلِّ الجمعة والعيد على هذا الوجه. انتهى.

س 200: ماذا يعمل بعد الإتيان بما سبق؟ وتكلم عن الاشتراط للمحرم. وهل ينعقد الإحرام حال الجماع؟ اذكر الخلاف والترجيح.

ج: ثم بعد الفراغ من الغسل والتنظيف والتطيِّب ولبس ثياب الإحرام، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ويشرع له التلفظ بما نوى؛ فإن كان نيته العمرة، قال: لبيك عمرة، وإن كان حجًا، قال: لبيك حجًا، أو قال: اللهم لبيك حجًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا بالإحرام خاصة لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: «من أراد أن يُهلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بعمرة فليفعل»، قالت: وأهلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعمرة وكنت فيمن أهلّ بعمرة، وَسُنّ أن يشترط في الإحرام، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني، وإن حبسني جالس فمحلي حيث حبستني، ويُفيد هذا الشرط شيئين: أحدهما: أنه إذا عافه عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أن له التحلل.
والثاني: أنه متى حل بذلك فلا شيء عليه؛ لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ضياعة بنت الزبير، قالت: يا رسول الله، إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أهلَّ؟ فقال: «أهلِّي واشترطي أن محل حيث حبستني» قال: فأدركت. رواه البخاري والنسائي.
في رواية: فإن لك على ربك ما استثنيت – وممن يرى الاشتراط في الإحرام: عمر وعلي وابن مسعود وعمار - رضي الله عنهم - ، وبه قال عبيدة السلماني وعلقمة والأسوط وشريح وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والشافعي بالعراق، وأنكره ابن عمر وطاووس وسعيد بن جبير والزهري ومالك وأبو حنيفة.
وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم؛ فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحضار واحتجوا بأن ابن عمر كان ينكر الاشتراط، ويقول: حسبكم سُّنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولأنها عبادة تجب بأصل الشرع فلم يفد الاشتراط فيها كالصلاة.
قال في «الاختيارات الفقهية»: ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفًا، وإلا فلا جمعًا بين الأخبار وما اختاره الشيخ تقي الدين هو الذي تميل النفس إلى العمل به. والله أعلم.
وينعقد إحرامٌ حالَ جماع ويَبطل إحرامٌ بردةِ ويخرج محرم منه بردةٍ فيه؛ لعموم قوله تعالى: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:11 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 7:55 pm

س 201: اذكر ما تستحضره مما يبطل به الإحرام وما لا يبطل به؟ وما هي الأنساك الثلاثة؟ وما أفضلها؟ وما صيغة كل واحد منها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟ وتعرض للخلاف مع الترجيح.

ج: تقدم أن الإحرام يبطل بالردة قبل هذا السؤال، ولا يبطل ولا يخرج منه بجنون وإغماء وسكر كموت، ولا ينعقد مع وجود أحدها والأنساك الثلاثة هي: التمتع والقران والإفراد، ويخير مريد الإحرام بين الثلاثة وأفضلها التمتع نصًا، قال: لأنه آخر ما أمر به - صلى الله عليه وسلم - ، ففي «الصحيحين» أنه –عليه الصلاة والسلام- أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هَدْيًا وثبتَ على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللتُ معكم» ولا يَنْقُل أصحابَه إلا إلى الأفضل ولا يتأسف إلا عليه وَمَا أجِيبَ به عنه مِن أنه لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج مرود بأنهم لم يعتقدوه.
ثم لو كان كذلك لم يخص به من لم يسق الهدي؛ لأنهم سواء في الاعتقاد ثم لو كان كذلك لم يتأسف هو؛ لأنه يعتقد جواز العمرة في أشهر الحج وجعل العلة فيه سوق الهدي.
ولما في التمتع من اليسر والسهولة مع كمال أفعال التسكين –وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم به في عَامه، ثم يليه في الأفضلية الإفراد؛ لأن فيه كمال التسكين –وصفة الإفراد أن يحرم ابتداء بحج، ثم يحرم بعمرة بعد فراغه.
ثم يليه في الأفضلية القران وصفته أن يحرم بهما جميعًا أو بها ثم يدخله عليها قبل الشروع في طوافها.
وممن روى عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمة وأحد قولي الشافعي.
وروى المروذي عن أحمد أن ساق لهَديَ فالقران أفضل؛ لما روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الحج والعمرة. وفي رواية: كان قارنًا.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهلّ بالحج والعمرة جميعًا. أخرجاه.
وعنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهلّ بهما جميعًا: «لبيك عمرة وحجًّا لبيك عمرة وحجًّا» أخرجه مسلم.
قال في «الاختيارات الفقهية» (117): والقران أفضل من التمتع إن ساق هديًا وهو إحدى الروايتين عن أحمد. انتهى.
وذهب الثوري وأصحاب الرأي إلى اختيار القران؛ لما تقدم من حديث أنس وحديث الضبي بن معبد حين أحرم بهما، فأتى عمر فسأله، فقال: هديت لسُّنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - .
وروي عن مروان بن الحكم، قال: كنت جالسًا عند عثمان بن عفان، فسمع عليًا يلبي بعُمرة وحج، فأرسل إليه، فقال: ألم نكُنْ نهينا عن هذا، قال: بلى؛ ولكن سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي بهما جميعًا، فلم أكن أدع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقولك. رواه سعيد.
ولأن القران مبادر إلى فعل العبادة وإحرام بالنسكين من الميقات، وفيه زيادة نسك هو الدم فكان أولى، وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الإفراد، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة - رضي الله عنهم - ؛ لما روت عائشة وجابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج. متفق عيهما.
وعن ابن عمر وابن عباس مثل ذلك. متفق عليه.
ولأنه يأتي بالحج تامًا من غير احتياج إلى جبر فكان أولى، والذي يترجح القول الأول أن الأفضل التمتع فالإفراد والقران. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 202: ما هي شروط وجوب دم التمتع؟ ومتى يلزم الدم؟ وهل يعتبر لوجوب دم تمتع أو قران وقوعهما عن شخص واحد؟ وهل شروط وجوب دم التمتع معتبرة في كونه متمتعًا؟

ج: الأول: يشترط في دم التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. والثاني: أن يحج من عامه، فلو اعتمر في أشهر الحج، وحج من عام آخر فليس بمتمتع للآية؛ لأنها تقتضي الموالاة بينهما؛ ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع فهذا أولى؛ لأنه أكثر تباعدًا. والثالث: أن لا يسافر بينهما مسافة قصر؛ فإن سافر بينهما فأحرم بحج فلا دم عليه لما روي عن ابن عمر وإذا اعتمر في شهر الحج، ثم أقام فهو متمتع؛ فإن خرج ورجع فليس بمتمتع.
وعن ابن عمر نحوه؛ ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو دونه لزمه الإحرام منه، فإذا كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجه فلم يترفه بترك أحد السفرين فلم يلزم دم.
والرابع: أن يحل منها قبل إحرامه بالحج إلا صار قارنًا فيلزمه دم القران وليس بمتمتع. والخامس: أن يحرم بها من ميقات أو مسافة قصر فأكثر من مكة. والسادس: أن يَنْويَ التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها لظاهر الآية وحصول الترفّه، ولا يعتبر لوجوب دم تمتع أو قران وقوعهما عن شخص واحد، فلو اعتمر عن واحد وحج عن آخر لوجب الدم بشرطه ولا تعتبر هذه الشروط في كونه متمتعًا ويلزم دم تمتع وقران بطلوع فجر يوم النحر؛ لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ} أي فليهد.

س 203: ماذا يلزم من يلي: إذا قضى القارن قارنًا؟ إذا قضى القارن مفردًا؟ إذا قضى القارن متمتعًا؟ ومتى يُسن للقارن والمفرد فسخ نيتهما بحج؟ إذا ساق الهدي متمتع فهل له أن يحلّ؟

ج: إذا قضى القارن قارنًا لزمه دمان: دم لقرانه الأول، ودم لقرانه الثاني، وإن قضى القارن مفردًا لم يلزمه شيء؛ لأنه أفضل، ويحرم من الأبعد بعمرة إذا فرغ من حجه، إذا قضى القارن متمتعًا أحرم بالحج من الأبعد إذا فرغ منها، وسُنَّ لمفرد وقارن فسخ نيَّتهما بحج؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- أمَرَ أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي. متفق عليه.
وقال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلَّا خلة واحدة، فقال: وما هي؟, قال: تقول: بفسخ الحج، قال: كنت أرى أن لك عقلاً عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج، أأتركها لقولك؟ وليس الفسخ إبطالاً للإحرام من أصله، بل نقله بالحج إلى العمرة، وينويان المفرد والقارن بإحرامهما ذلك عمرة مفردة، فمن كان منهما قد طاف وسعى قَصَّرَ وحَلّض م إحرامه، وإن كان لم يكن طاف وسعى؛ فإنه يطوف ويسعى ويقصر ويحل، فإذا حَلّا من العمرة أحرما الحج ليصيرا متمتعين ويتمَّان أفعال الحج ما يسوقا هديًا؛ فإن ساقاه لم يصح الفسخ للخبر.
نقل أبو طالب: الهدي يمنعه من التحلل من جميع الأشياء، وفي العشر وغيره أو يقفَا بعرفة؛ فإن وقفا بها لم يكن لهما فسخه لعدم ورود ما يدل على إباحته ولا يستفاد به فضيلة التمتع، وإن ساق الهدي متمتع لم يكن له أن يحلّ من عُمْرَته فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحليل بحلق، فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما معًا.

س 204: ماذا تعمل المتمتعة إذا حاضت فخشيت فوات الحج أو خشي غيرها فوات الحج؟ وهل يصح إحرامُ مَنْ أحرَمَ ولم يُعَيّن نسكًا أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان؟ وبَيّن حكم مَا إذا عَلَم ما أحرم به فلان؟ وإذا جهل وإذا تبين أنه أطلق؟ وإذا شك في إحرامه ودليل الحكم؟

ج: إذا حاضت المرأة المتمتعة قبل طواف العمرة، فخشيت فوات الحج أحرمت به وجوبًا وصارت قارنة؛ لما روى مسلم أن عائشة كانت متمتعة فحاضت، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أهلي بالحج»، وكذا لو خشي غيرها ومن أحرم وأطلق فلم يعين نسكًا صح إحرامه لِتَأكُّدِهِ وكَوْنِهِ لا يخرج منه بمحظوراته وصرف الإحرام لما شاء مِنَ الأنساك وما عمل قبل صرفه لأحدها فهو لغو لا يعتد به لعدم التعيين، وإن أحرم بما أحرم به فلان أو أحرم بمثل ما أحرم به فلان وعَلِمَ ما احرم به فلان قبل إحرامه أو بَعْدَ انْعَقَدَ إحرامه بمثله؛ لحديث جابر: أن عليًا قدم من اليمن، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بم أهللت؟ فقال: بما أهلّ به النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: فأهدَى وأمكث حَرامًا، وعن أبي موسى نحوه متفق عليهما، وإذا تبين إطلاقه أي إحرام فلان بأن كان أحرم وأطلق، فالثاني الذي أحرم بمثله صرفه إلى ما شاء من الأنساك ولا يتعين صرفه إلى ما يصرفه إليه الأول، وإن جهل إحرامه فله جعله عمرة لفسخ الإفراد والقران إليها، ولو شك الذي أحرم ما أحرم به فلان أو بمثله هل أحرم الأول فكما لو لم يحرم الأول؛ لأن الأصل عدمه فينعقد إحرامه مطلقًا فيصرفه لما شاء، ولا يصح إن أحرم زيد فأنا محرم لعدم جزمه بتعليقه إحرامه.

س 205: تكلم بوضوح عن أحكام ما يلي: إذا أحرم بحجتين، أو بعمرتين؟ مَن أحرم بنسك أو نذر ونَسِيهُ؟ إذا أحرم عن إثنين أو أحدهما لا يعيِّنه؟ مَن أهلّ لعامين؟ مَن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عامه؟ مَن استنابه إثنان بعام في نسك فأحرم عن أحدهما لا بعينه؟ وإذا فرّط موصى إليه فما الحكم؟

ج: مَن أحرم بحجتين أو أحرم بعمرتين انعقد بأحدهما؛ لأن الزمن لا يصلح لهما مجتمعين فيصح بواحدة منهما كتفريق الصفقة، ومن أحرم بنسك تمتع أن إفراد أو قران ونسيه أو أحرم بنذر ونسيه قبل طواف صرفه إلى عمرة استحبابًا؛ لأنها اليقين – ويجوز صرف إحرامه إلى غير العمرة لعدم تحقق المانع؛ فإن صرفه إلى قران أو إلى إفراد يصح حجًا فقط لاحتمال أن يكون المنسي حجًا فلا يصح إدخال عمرة عليه فلا تسقط ولا دم عليه؛ لأنه ليس بمتمتع ولا قارن، وإن صرفه إلى تمتع فكفسخ حج إلى عمرة، فيصح إن لم يقف بعرفة ولم يسق هديًا؛ لأنه قصاراه أن يكون أحرم قارنًا أو مفردًا، وفسخهما صحيح؛ لما تقدم ويلزمه دم متعة بشروطه، ويجزيه عنهما وإن نسي ما أحرم به أو نذره بعد الطواف ولا هدي معه يتعين صرفه إلى العمرة لامتناع إدخال الحج عليها إذًا لمن لا هدي معه؛ فإن حلق بعد سعيه مع بقاء وقت الوقوف بعرفة يحرم بحج ويتم الحج وعليه للحلق دم.
إن تبين أنه كان حاجًا مفردًا أو قارنًا لحلقه قبل محله وإلا يتبين أنه كان حاجًا فَعَليه دم متعة بشروطه.
وإن أحرم عن إثنين استناباه في حج أو عمرة أو أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع إحرامه ونسكه عن نفسه دونهما لعدم إمكان وقوعه عنهما، ولا مُرَجَّحَ لأحدِهِما.
ومَن أهلّ لعامين بأن قال: لبيك العام وعام قابل، حج من عامه واعتمر من قابل، ومن أخذ من إثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد أدِّب على فعله ذلك.
ومن استنابه إثنان بعام في نسك فأحرم عن أحدهما بعينه ولم ينسه صَحَّ إحرامهُ عنه لعدم المانع ولم يَصِحَّ إحرامه للآخر بعده، وإن نسي المعَيّن بالإحرام من مستنيبيه وتعذر علمه؛ فإن فرّط نائب كان أمكنه كتابة إسمه أو ما يتميز به فلم يفعل أعاد الحج عنهما لتفريطه، ولا يكون الحج لأحدهما بعينه لعَدَمِ أولويِتهِ.
وإن فرّط موصىً إليه فلم يسمه للنائب غَرِمَ موصى إليه نفقة إعادة الحج عنهما، وإلا يفرط نائب ولا موصىً إليه فالغرم لذلك من تركه مُوْصِيَيْهِ بالحج عنهما؛ لأن الحج عنهما فنفقته عليهما ولا موجب لضمانه عنهما.

27- فصل في التلبية
س 206: ما هي التلبية؟ وما حكمها؟ وضِّح ذلك مع ذكر الدليل لما تقول؟

ج: قال الفراء: معنى لبيك: أنا مقيم على طاعتك، ونُصِب على المصدر من ألبّ بالمكان إذا أقام به.
ويقال: كان حقه أن يقال لبًا لك فثنّى على التأكيد أي إلْبَابًا بَعْدَ إلبَابِ وغقامة بعد إقامة.
والتلبية: أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» لا يزيد على هؤلاء الكلمات. متفق عليه.
والتلبية سُّنة، ويستحب رفع الصوت بها لخبر السائب بن خلال مرفوعًا: «أتاني جبريل يأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا من مُلَب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا عن يمينه وشماله» رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي.
قال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا، وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية.
وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوت بالتلبية، فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته، ولا يجهد نفسه في رفع الصوت زيادة على الطائفة لئلا ينقطع صوته وتلبيته.
ويستحب الإكثار من التلبية على كل حال؛ لما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أهلّ مهل قط، ولا كبر مكبر قط، إلا بُشِّر»، قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: «نعم» رواه الطبراني في «الأوسط» بإسنادين رجال الصحيح.
وروي عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من محرم يُضْحِي لله يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه كما ولدته أمه» رواه أحمد وابن ماجه، واللفظ له، ورواه الطبراني في «الكبير»، والبيهقي من حديث عامر بن ربيعة -رضي الله عنه-.
وتقدم حديث سهل، وفيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدًا أو حاجًا مهلاً أو ملبيًا إلا غربت الشمس بذنوبه، وخرج منها» رواه الطبراني.

س 207: بَيّنْ مَتَى وقْت ابتداء التلبية؟ واذكر ما تستحضره من خلاف أو دليل أو تفصيل أو جمع بين أقوال؟

ج: يَبْتَدِئ التلبية إذا استوى على راحلته؛ لما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استوت به راحلته قائمة من مسجد ذي الحليفة أهلّ، فقال: «لبيك الله لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».
وكان عبد الله يزيد مع هذا: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. متفق عليه.
وقال أنس - رضي الله عنه - : «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بهما حتى أصبح، فلما ركب راحلته واستوت به، أهَلَّ» رواه الخمسة.
وعن جابر أن إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. رواه البخاري.
وقيل: يستحب ابتداء التلبية عقب إحرامه،وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهلّ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حسب إختلاف الرواة.
فمنهم من روى أنه هلّ من مسجد ذي الحليفة بعد أن صلى فيه، ومنهم من روى أنه أهلَّ حين استقلت به راحلته، ومنهم من روى أنه أهلَّ لما علا على شرف البيداء.
وقد جمع بين ذلك ابن عباس، فقال: إنه أهلّ في جميع هذه المواضع، فنقل كل راوٍ ما سمعَ.
وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس - رضي الله عنهما -: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إهلاله، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا.
خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجًا، فلما صلى في المسجد بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع منه ذلك أقوام فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهلّ فأدرك ذلك منهم أقوام فحفظوا عنه، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهلّ، فقالوا: إنما أهلّ حين استقلت به ناقته ثم مضى، فلما علا على شرف البيداء أهلّ فأدرك ذلك أقوام، فقالوا: إنما أهلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين علا شرف البيداء، وَيْمُ الله لقد أوجب في مصلاه وأهلَّ حين استقلت به راحلته، وأهلّ حين علا شرف البيداء. رواه أحمد وأبو داود ولبقية الخمسة منه مختصرًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهلّ في دبر الصلاة.

س 208: ما هي المواضع التي يتأكد استحباب التلبية فيها؟ وما هي أدلتها وتكلم عن تلبية المرأة؟ ومتى يقطع المتمتع التلبية؟

ج: تتأكد إذا علا نشزًا أو هبط واديًا أو صلى مكتوبة أو أقبل ليل أو أقبل نهارًا أو التقت الرفاق أو سمع ملبيًا أو أتى محظورًا ناسيًا أو ركب دابته أو نزل عنها أو رأى الكعبة؛ لما روى جابر، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي في حجته إذا لقي راكبًا، أو على أكمةً، أو هبطَ واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، وفي آخر الليل».
وعن سليمان بن خيثمة قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبُّون إذا هبطوا واديًا أو أشرفوا على أكمة أو لقوا راكبًا وبالأسْحار ودبر الصلوات.
وعن إبراهيم قال: تستحب التلبية في مواطن: إذا استويت على بعيرك، وإذا صعدت شرفًا، أو هبطت واديًا، أو لقيت ركبًا، وفي دبر كل صلاة، وبالأسحار. أخرجهما سعيد بن منصور.
ولأن هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضجيج.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الحج العج الثج»، والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي.
وأما فيما إذا فعل محظورًا ناسيًا، ثم ذكره، فلندارك الحج واستشعار إقامته عليه ورجوعه إليه.
وتلبّي المرأة استحبابًا لدخولها في العمومات، ويعتبر أن تسمع نفسها التلبية ويكره جهرها بها أكثر من سماع رفيقها.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن السُّنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ويستحب التلبية في مكة والبيت الحرام وسائر مساجد الحرم، كمسدد منى، وفي عرفات أيضًا وسائر بقاع الحرم؛ لعموم ما سبق؛ ولأنها مواضع النسك، وتشرع التلبية بالعربية لقادر كالأذان وإلا فيلبي بلغته، وسُنَّ دعاء بعدها، فيسأل الله رضوانه والجنة ويسْتَعيذُ به من النار؛ لما ورد عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا فرغ من تَلْبيَتِهِ سأل الله –عز وجل- رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار» رواه الشافعي والدارقطني.
ويُسنّ صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدها؛ لما ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك» رواه الترمذي؛ ولأنه موضع يشرع فيه ذكر الله تعالى فشرعت فيه الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - ، كالصلاة أو فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان.
ومن كان متمتعًا أو معتمرًا قطع التلبية إذا شرع في الطواف؛ لحديث ابن عباس يرفعه: كان يمسك في التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. قال: الترمذي: حسن صحيح.
وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:11 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 7:58 pm

ومن النظم مما يتعلق بباب الإحرام
ويشرع للإحرام غسل وطيبه ... ولو دام لكن إن يزلْ لم يجددِ
وبيض الثياب المتسحب فواحد ... إزار وثان فوق كتفيك فارتد
وأحرم عقيب الفرض أو منتفلاً ... وتشرط حلاً عند حبس مصدّد
به تستفيد الحل من كل حاظر ... ولو مرض من غير ما دام قيِّد
وتعيين ما تنوي وبالنطق سنة ... ونيته شرط ولو مطلقًا قدِ
وذاك هو الإحرام من غير مرية ... وما زاد وصف تركه غير مفسد
وتجريده عن لبس ما خيط عادة ... ووجه النسا لا غير حتم التجوُّد
وَلب كما قد جاء سنة صادقة ... بصوت رفيع مكثر فوق جلْعَدِ
بإقبال ليل أو نهار وسحرة ... وملقى رفاق أو هبوط ومصعد
وخلف فروض والتلبس ناسيًا ... بمحظوره ولتخفض الصوت نهد
ويقطعها رب القران ومفرد ... بأولى حصاة بالعقيبة يبتدي
وذو متعة أو عمرة بطوافه ... وعند وصول البيت في وجه امدد
ومن بعدها صلِّ على خير مرسل ... وبسطك كفًا للدعا فادع واجهد
وأفضل نسك متعة ثم مفرد ... يليه قران ما تشا فانو واقصد
وعن أحمد إن ساق هد يتمتع ... ففضل قرانًا ثم بالمتعة ابتدى
ففي أشهر الحج اعتمر قبل حجه ... فعطف فاسع فاحلق ثم حجك فابتدى
من الحرم المكي في عام عمرة ... ولم تنأى قدر القصر عنه وتبعد
فأنت بذا ذا متعة ملزمًا دمًا ... وإن تفردن فاحرم بحج مفرد
وبعد فراغ منه أحرم بعمرة ... من الحل أكملها ولا تتردد
ويا قارنًا أحرم بحج وعمرة ... أو ادخل عليها حجة بتأكد
إذا سقت هديًا مطلقًا ولفقده ... متى لم تطف والعكس فامنعه واحدد
وتأتي بفعل الحج يجزيك عنهما ... على أشهر المنقول من قول أحمد
وألزم دمًا ذا متعة مع قارن ... إذا لم يكن من حاظري خير مسجد
ومن تتمتع ثم حاضت ولم تلطف ... لتقرنْ متى خافت فواتًا ولا تد

28- باب محظورات الإحرام
س 209: كم محظورات الإحرام وما هي؟ وما هي أقسامها؟

ج: محظورات الإحرام تسعة:
أحدها: إزالة الشعر من جميع بدنه؛ لقوله تعالى: { ولا تحلقوا } نص على حلق الرأس وعدي إلى سائر شعر البدن؛ لأنه في معناه إذ حلقه يؤذن بالرفاهية وهو ينافي الإحرام؛ لكون أن المحرم أشعث أغبر، وقيس على الحلق النتف والقلع؛ لأنهما في معناه وإنما عبر به في النص؛ لأنه الغالب. الثاني: تقليم الأظفار. الثالث: تغطية رأس ذكر. الرابع: لبسه المخيط. الخامس: الطيب. السادس: قل صيد البر. السابع: عقد نكاح. الثامن: الجماع. التاسع: المباشرة والمحظورات، تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: ما يباح للحاجة وهي هنا ما في مشقة لا يتحمل مثلها ولا حرمة ولا فدية كلبس السراويل، لفقد الإزار وإزالة الشعر في العين.
الثاني: ما فيه الإثم ولا فدية عقد النكاح.
الثالث: ما فيه الفدية ولا إثم، وذلك فيما إذا احتاج الرجل إلى اللبس أو المرأة لستر وجهها.
الرابع: ما فيه الإثم والفدية وهو باقي المحظورات، وتنقسم بالنظر إلى ما يحرم على الذكور دون الإناث، وبالعكس إلى ثلاثة أقسام: قسم يحرم على الذكور دون الإناث، وهو تغطية الرأس ولبسة المخيط، والذي يحرم على الأنثى في الإحرام تغطية وجهها، والبقية من المحظورات يحرم عليها جميعًا.

وقد نظمتُ محظورَات الإحرام فيما يأتي من الأبيات:
ومَحْظور إحرامٍ ثلاثٌ وستة ... فخُذْ عَدَّها واحفظْ هُديتَ إلى الرشدِ
فحلقٌ لِشعر ثم تَقْليمُ ظُفْره ... ولُبْسُ ذكورٍ للمخيطِ عَلى عَمْدِ
وتغطيةٌ للرأسِ منه وَوَجْهُها ... وقتلٌ لِصَيْدِ البرَّ وَالطيبُ عن قَصْد
وعَقدُ نكاح ثم في الفرج وطؤُه ... مُباشرةٌ فاحتمُ بها مَاضِيَ العدِّ


س 210: تكلم بوضوح عن حلق الشعر، وعن قلم الأظفار للمحرم مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: قال في «الشرح الكبير»: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم أخذ شيء من شعر إلا من عذر؛ لقوله تعالى: { وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ } ، وروي عن كعب بن عجرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعلك يؤذيك هوام رأسك؟» قال: نعم، يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» متفق عليه، ففيه دليل على أن الحلق محرمًا قبل ذلك؛ فإن كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر بإبقاء الشعر، فله إزالته؛ لقوله تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ؛ وللحديث المذكور: قال ابن عباس - رضي الله عنه - : فمن كان منكم مريضًا أي برأسه قروح أو به أذى من رأسه أي قمل – وكذا أجمع العلماء أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر؛ أنه إزالة جزء من بدنة يترفه به أشبه الشعر؛ فإن انكسر فله إزالته.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر؛ لأن بقاءه يؤلمه أشبه الشعر النابت في عينه. انتهى. ولا فدية فيما لو خرج بعينه شعر أو كسر ظفره، فأزالهما؛ لأنه أزيل لأذاه أشبه قتل الصائل عليه، وإن زالا مع غيرهما كقطع جلد عليه شعر أو أنملة بظفرها فلا يفدي لإزالتهما؛ لأنهما بالتبعية لغيرهما والتابع لا يفرد بحكم كقطع أشفار عيني إنسان يضمنها دون أهدابهما إلا أن حصل التأذي بغيرهما كقرح ونحوه فيفدي لإزالتهما لذلك، كما لو احتاج لأكل صيد فأكله فعليه جزاؤه.

س 211: تكلم عن تغطية الرأس بوضوح مع ذكر الدليل؟

ج: يحرم على المحرم الذكر تغطية رأسه بملاصقة كالطاقية والغترة أو نحو ذلك؛ لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: «ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيًا» متفق عليهما.
وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل في رأسه، وذكره القاضي مرفوعًا وكره أحمد الاستظلال بمحمل، وما في معناه؛ لقول ابن عمر أضح لمن أحرمت له أي أبرز للشمس، وعنه له ذلك، أشبه الخيمة، وفي حديث جابر: «أمر بقية من شعر فضُرِبتْ له بنمرة فنزل بها» رواه مسلم. وإن طرح على شجرة ثوبًا يستظل به فلا بأس، وله أن يستظل بشجرة وخباء وجدار، وله أن يستظل بسقف السيَّارة أو الشمسية أو بثوب على عود؛ لقول أم الحصين: حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً وأحدُهما آخِذٌ بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة، رواه مسلم. ويباح له تغطية وجهه.
روي عن عثمان وزيد بن ثابت وابن الزبير، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، وبه قال الشافعي وعنه؛ لأن في بعض ألفاظ حديث صاحب الراحلة: «ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه، ويغسل رأسه بالماء بلا تسريح».
روي عن عمر وابنه وعليَّ وجابر وغيرهم؛ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - غسل رأسه وهو محرم وحرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر» متفق عليه. واغتسل عمر، وقال: «لا يزيد الماء الشعر إلا شعثًا» رواه مالك والشافعي.
وعن ابن عباس قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة: «تعال أبَاقِيك أيُّنا أطولُ نفسًا في الماء» رواه سعيد. وإن حمل على رأسه طبقًا أو وضع يده عليه، فلا بأس؛ لأنه لا يقصد به الستر، قاله في «الكافي».

س 212: تكلم عن لبس المخيط واذكر الدليل والتعليل؟

ج: الرابع: لبس المخيط على ذكر حتى الخفين، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع لبس القميص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف، والأصل في هذا ما روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحدًا لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس» متفق عليه. نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه وألحق بها أهل العلم ما في معناه مثل الجبة والدَّراعة والتبان وأشباه ذلك، فلا يجوز للمحرم ستر بدنه بما عمل على قدره ولا ستر عضو من أعضائه بما عمِل على قدره كالقميص للبدن والسراويل لبعض البدن والقفازين لليدين والخفين للرجلين، ونحو ذلك.
قال ابن عبد البر: لا يجوز لبس شيء من المخيط عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون الإناث، وإذا لم يجد المحرم إزارًا فليلبس سراويل أو لا يجد نعلين فليلبس خفين ولا يقطعهما، ولا فدية عليه، والأصل فيه: ما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعرفات، يقول: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، متفق عليه.
وفي رواية عن عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب يقول: «من لم يجد إزارًا ووجد سراويل فليلبسها، ومن يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما»، قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: لا» رواه أحمد. وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» رواه أحمد ومسلم.
وأما حديث ابن عمر فما ورد فيه من الأمر بالقطع للخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين، فقيل: إنه منسوخ بحديث ابن عباس؛ لأنه بعرفات قاله الدارقطني، وحديث ابن عمر بالمدينة؛ لرواية أحمد عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : على المنبر وذكره، فلو كان القطع وَاجبًا لبَيَّنهُ للجمع العظيم الذي لم يحضر أكثرهم ذلك بالمدينة وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز كما قد علم في الأصول، فثبت بذلك نسخ الأمر بالقطع، وأجيب على قولهم حديث ابن عمر فيه زيادة لفظ: بأن حديث ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم هو جواز اللبس بلا قطع.

س 213: تكلم بوضوح عما يلي: عقد الرداء على المحرم؟ عقد الإزار والمنطقة والهميان؟ التقلد بالسيف؟ حمل الجراب والقربة؟ الإتزار والالتحاف بالقميص؟ الارتداء برداء موصّل ونحو ذلك؟

ج: لا يعقد المحرم عليه رداءه ولا غيره؛ لقول ابن عمر لمحرم: «ولا تعقد عليك شيئًا» رواه الشافعي والأثرم. قال أحمد في محرم حَزَمَ عِمامَتهُ عَلى وَسَطه لا يعقدها ويدخل بعضها في بعض، إلا إزاره فله عقده لحاجته لستر وَسَطه لا يَعقدها ويدخل بعضها في بعض، إلا إزاره فله عقده لحاجته لستر عورته وإلا منطقة وهَميَانًا فيهما نفقته؛ لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك، وروى معناه عن ابن عمر وابن عباس ولحاجته لستر نفقته مع حاجة لعقد المذكورات، وقيل: لا يحرم عقد الراء كما لا يحرم عقد الإزار. وفي «الاختيارات الفقهية»: ويجوز عقد الرداء في الإحْرَام ولا فدية عليه، ويجوز للمحرم لبس مقطوع إلى الكعبين مع وجود النعل، واختاره ابن عقيل في المفردات وأبو البركات. انتهى (ص117)، وله أن يتقلد بسيف لحاجة؛ لما روى البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الحديبية صالحهم أن لا يدخلها إلا يجلبان السلاح القراب بما فيه، متفق عليه. وهذا ظاهر في إباحته عند الحاجة؛ لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد، ولا يجوز بلا حاجة، ويحمل محرم جرابه ويحمل قربة الماء في عنقه وله أن يتزر بقميص وأن يتلحف بقميص وأن يرتدي به، وله أن يرتدي برداء موصّل؛ لأن الرداء لا يعتبر كونه صحيحًا، ويجوز للمحرم أن يغتسل ويغسل رأسه ويحَكُّهُ إذا احتاج إلى ذلك برفق وسهولة؛ فإن سقط من رأسه شيء بسبب ذلك فلا حرج عليه، ومن طرح على كتفيه قباء وهو محرم فدي لنهيه –عليه الصلاة والسلام- عن لبسه للمحرم، رواه ابن المنذر، ورواه البخاري عن عليِّ؛ ولأنه عادة لبسه كالقميص.

س 214: تكلم بوضوح عن الطيب للمحرم بقصد أو بغير قصد؟

ج: الخامس: الطيب فمتى طيّب محرم ثوبه أو بدنه أو استعمل في أكل أو شرب أو أدهان أو اكتحال أو استعاظ أو احتقان طيبًا يظهر طعمه أو ريحه في المذكورات حرم وفدى، أو قَصَدَ مُحْرِمٌ شمَّ دُهْنٍ مطيّب أو قصد شم مسك أو كافور أو عنبر أو زعفران أو وَرسِ أو بخور عود ونحوه كعنبر أو قصد شم ما ينبته الآدمي لطيب، ويتخذ منه الطيب كورد وبنفسخ ومنثور ولينوقر وياسمين ونحوه وشمه أو مس ما يعلق به كماء ورد حرم وفدى. قال في «المغني»: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصته راحلته: «لا تمسوه بطيب» رواه مسلم، وفي لفظ: «لا تحنطوه» متفق عليه. فلما منع الميت من الطيب لإحرامه فالحي أولى. انتهى.
وفي حديث ابن عمر: «ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران» متفق عليه. وعن جابر قال: لا يشم المحرم الريحان ولا الطيب. أخرجه الشافعي وأبو ذر., ولا فدية إن شم محرم شيئًا من ذلك بلا قصد أو مس محرم من طيب ماء لا يعلق به كقطع عنبر وكافور؛ لأنه غَير مُسْتَعمل للطيب أو شم محرم ولو قصدًا فواكه من نحو تفاح وأترُج؛ لأنها ليست طيبًا أو شم ولو قصدا عودًا؛ لأنه لا يتطيب به بالشم، وإنما يقصد بخوره أو شم ولو قصدًا نبْتَ صحراء كشيح ونحوه كخزامي وقيصوم أو ما ينبته آدمي لا بقصد نبت كخفاء وعصفر وقرنفل ودار صيني ونحوها. ومَن لبس أو تطيب أو غطّى رأسه ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا فلا شيء عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» - ومتى زال عذره أزاله في الحال وإلَّا فدى لاستدامته المحظور.

س 215: تكلم بوضوح عن (السادس) من المحظورات وهو قتل صيد البر واصطياده وعمّا إذا أتلفه أو تلف بيده أو بعضه بمباشرة أو سبب أو دلالة أو إشارة أو إعانة؟

ج: السادس: مما يحرم على المحرم قتل صيد البر واصطياده؛ لقوله تعالى: { لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ، وقوله: { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } وهو الوحشي المأكول، فمن أتلفه أو تلف بيده أو بعضه بمباشرة إتلافه أو سبب ولو كان السبب بجناية دابة المحرم المتصرف فيها بأن يكون راكبًا أو قاعدًا أو سائقًا فيضمن ما تلف بيدها وفمها لا ما رمحت برجلها، وإن انفلتت لم يضمن ما أتلفته ويضمن المحرم ما دل عليه، وأشار إليه لمريد صيده إن لم يره صائده أو بإعانة المحرم لمن يريد صيده ولو بمناولة آلة الصيد أو إعارتها له كرمح وسكين؛ لما ورد عن أبي قتادة قال: «كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في منزل في طريق مكة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمامنا والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارًا وحشيًا وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت فأبصرته فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألناه عن ذلك، فقال: «هل معكم منه شيء؟» فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم» متفق عليه، ولفظه للبخاري، ولمسلم: «هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟» فقالوا: لا، قال: «فكلوه».
وللبخاري قال: «منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها». وروى النجاد الضمان عن عليَّ وابن عباس في محرم أشار ويحرم على المحرم الإشارة والدلالة والإعانة؛ لأنه معونة على محرّم أشبه الإعانة على قتل معصوم ولا يحرم دلالة محرم على طيب ولباس؛ لأنه لا ضمان فيهما بالسبب ولا يتعلق بهما حكم يختص بالدال عليهما بخلاف الصيد؛ فإنه يحرم على الدال أكله منه ويجب عليه جزاؤه.

س 216: تكلم عما يلي: إذا دلّ المحرم حلالاً على الصيد فأتلفه؟ إذا دل محرم محرمًا على الصيد فقتله؟ إذا دل الحلال محرمًا؟ إذا اشترك في قتل الصيد حلال ومحرم أو سبع ومحرم في الحل؟ إذا جرح أحدهما قبل صاحبه؟ إذا نصب شبكة أو حفر بئرًا ثم أحرم؟

ج: إذا دل المحرم حلالاً على الصيد فأتلفه، فالجزاء كله على المحرم، روي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء ومجاهد وبكر المزني وإسحاق وأصحاب الرأي، ويدل لهذا القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحاب أبي قتادة: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» ولأنه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان. وقال مالك والشافعي: لا شيء على الدال؛ لأنه يضمن بالجناية فلا يضمن بالدلالة كالآدمي. والقول الثاني: عندي أنه أرجح. والله أعلم.
وأما إذا دل على محرم محرمًا على الصيد فقتله فالجزاء بينهما، وبه قال عطاء وحماد بن أبي سليمان؛ لأن الواجب جزاء المتلف وهو واحد فيكون الجزاء واحدًا.
وقال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي: على كل واحد جزاء؛ لأن كل واحد من الفعلين يسفل بالجزاء إذا انفرد، فكذلك إذا لم يضمنه غيره، وقال مالك والشافعي: لا شيء على الدّال.
وأما إذا دل محرم محرمًا على صيد، ثم دل الآخر محرمًا آخر، ثم كذلك إلى عشره فقتله العاشر، فعلى القول الأول: فالجزاء على جميعهم لاشتراكهم في الإثم والتسبب، وعلى القول الثاني: على كل واحد منهم جزاء، وعلى الثالث: لا شيء إلَّا على من باشرَ القتل.
وأما إذا دل الحلال محرمًا على صيد، فقتله المحرم ضمنه محرم وحده دون الدالّ وإذا اشترك في قتل صيد حلال ومحرم أو سبع ومحرم في الحل، فعلى المحرم الجزاء جميعه؛ لأنه اجتمع موجب ومسقط، فغلب الإيجاب كما لو قتل صيدًا بعضه في الحرم، ثم إن كان جَرحُ أحدهما قبل صاحبه والسابق الحلال أو السبع فعلى المُحرم جزاؤه مجروحًا اعتبارًا بحال جنايته عليه؛ لأنه وقت الضمن وإن سبقه المحرم فجرحه وقتله أحدهما فعلى المحرم أرش جرحه فقط؛ لأنه لم يوجد منه سوى الجرح وإن نَصَبَ حلال شبكه ونحوها ثم أحرم أو أحرم ثم حفر بئرًا بحق كان حفرها في داره أو نحوها من ملكه أو موات أو حفر البئر للمسلمين بطريق واسع لم يضمن ما تلف بذلك؛ لعدم تحريمه ما لم يكن حيلة على الاصطياد؛ فإن كان حيلة ضمن؛ لأن الله تعالى عاقب اليهود على نصب الشبك يوم الجمعة، وأخذ ما سقط فيها يوم الأحد، وهذا في معناه شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:12 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 8:11 pm

س 217: إذا اشترك محرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم فما الحكم؟ وما حكم أكل ما صاده المحرم أو ذبحه أو دل عليه أو صيد لأجله أو أعان عليه؟ وما الحكم فيما إذا قتل المحرم صيدًا ثم أكله؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: إذا اشترك ساعة في قتل صيد فعند أحمد في إحدى الروايتين أن عليهم جزاء واحد، وكذا قال الشافعي ومن وافقه؛ لقضاء عمر وعبد الرحمن قاله القرطبي، ثم قال أيضًا: وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا، فمرت بهم ضبع، فخذوها بعصيهم، فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر، فذكروا له ذلك، فقال: عليكم كلكم كبش، قالوا: أو على كل واحد منا كبش، قال: إنكم لمُعَزز بكم عليكم كلكلم كبش.
وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعًا، فقال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم ودليلنا قوله سبحانه: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } وهذا خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين الصيد قاتل نفسًا على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليه القصاص. وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو قتلت جماعة واحدًا؛ فإنهم يقتلون به جميعًا؛ لأن كل واحد قاتل وكذلك هنا كل واحد قاتل صيدًا فعليه جزاء، والذي يترجح عندي القول الأول – لما تقدم؛ ولأنه بدل متلف يتجزأ، فإذا اشترك الجماعة في إتلافه قسم البدل بينهم كقيم المتلفات. والله أعلم.
وأما أكل ما صاده المحرم أو ذبحه أو دل عليه أو أعان عليه أو أشار إليه، فيحرم عليه وجميع ماله أثر في صيده – لما تقدم في حديث أبي قتادة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه» قالوا: لا، قال: «كلوا ما بقي من لحمها» متفق عليه. وكذا يحرم على المحرم أكل ما صيد لأجله لما في «الصحيحين» من حديث الصعب بن حثامة أنه أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - حمارًا وحشيًا فرده عليه، فلما رأى ما في وَجْههِ، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم».
وروى جابر رضي الله عنه مرفوعًا: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدُوه أو يُصَدْ لكمْ» رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: هو أحسن حديث في الباب، وما حرم على محرم لدلالة أو إعانة صياد له لا يحرم على محرم غيره كما لا يحرم على حلال؛ لما روى مالك والشافعي عن عثمان أنه أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: «كلوا» فقالوا: ألا نأكل، فقال: «إني لست كهيئتكم؛ إنما صيد لأجلي ولا يحرم على المحرم أكل غير ما صيد أو ذبح له» إذا لم يدل ونحوه عليه لما تقدم. فلو ذبح مُحِلٌّ صَيدًا لغيره من المحرمين حرم على المذبوح له لما سبق، ولا يحرم على محرم غير الدال أو المعين أو الذي صيد أو ذبح له، وإن قتل المحرم صيدًا ثم أكله ضمنه لقتله لا لأكله؛ لأنه يحرم أكله على جميع الناس والميتة غير متموّل.

س 218: تكلم عن أحكام ما يلي: إذا نقل المحرم بيض صيد أو أتلفه؟ شرب ما حلبه المحرم؟ أكل ما كسره المحرم؟

ج: وإن نقل بيض صيد ففسد بنقله أو أتلف بيض صيد غير مذر، وغير ما فيه فرخ ميت ضمنه بقيمته مكانه لإتلافه إياه؛ فإن كان مذرًا أو فيه فرخ ميت، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا قيمة له إلا ما كان من بيض النعام فيضمنه؛ لأنه لقشره قيمة فيضمنه بها. والدليل على ضمان ما أتلف من بيض الصيد ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في بعض النعام ثمنه» رواه ابن ماجه.
ولقول ابن عباس في بيض النعام قيمته؛ ولأنه تسبب إلى إتلافه بالنقل فوجب ضمانه، وإن كسر بيضة فرخ فيها، فخرج فعاش فلا شيء عليه وإن مات ففيه ما في صغار المتلف بيضه، ففي فَرَخ الحمام صغير أولاد الغنم. وفي فرخ النعامة حوار صغير أولاد الإبل وفيما عداها قيمته؛ لأن غيرهما من الطيور يضمن بقيمته، ولا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره الآكل أو محرم غيره؛ لأنه جزء من الصيد أشبه سائر أجزائه، وكذا شرب لبنه. ويحل بيض الصيد الذي كسره محرم ولبنه الذي حلبه محرم للحلال؛ لأن حله على المحل لا يتوقف على الكسر أو الحلب، ولا يعتبر لواحد منهما أهلية الفاعل، فلو كسره أو حلبه مجوسي أو بغير تسمية حل وإن كسره حلال فكلحم صيد إن كان أخذه لأجل المحرم لم يبح للمحرم أكله. وإن لم يكن الحلال أخذه لأجل المحرم أبيح للمحرم كصيد ذبحه حلال، ولو كان الصيد مملوكًا وأتلفه المحرم أو أتلف بيده أو بيضه أو لبنه ضمنه جزاءً لمساكين الحرم وقيمة لمالكه ويضمن اللبن بقيمته مكانه.

س 219: هل يملك الصيد المحرم إذا أمسكه محرمًا، أو حلالاً بالحرم فذبحه؟ وإذا ذبح محل صيد حرم؟ إذا أحرم وبملكه صيد؟ إذا أدخل الصيد محرم أو حلال الحرم وضح ذلك؟

ج: لا يملك محرم صيدًا ابتداء بغير إرث فلا يملكه بشرك ولا هبة ونحوها، فلو قبض الصيد المحرم هبةً أو رهنًا أو بشراء لزمه رده إلى من أقبضه إياه؛ لفساد العقد، وعليه إن تلف الصيد قبل الرد الجزاء لمساكين الحرم مع قيمته لمالكه في هيبة وشراء لوجود مقتضى الضمانين، وإن أمسك الصيد محرمًا بالحرم أو الحل أو أمسَكهُ حلالاً بالحرم فذبحه المحرم ولو بعد حله من إحرامه أو ذبحه ممسكه بالحرم ولو بعد إخراجه من الحرم إلى الحل ضمنه؛ لأنه تلف بسبب كان في إحرامه أو في الحرم، كما لو جرحه فمات بعد حله أو بعد خروجه من الحرم، وكان ما ذبح لغير حاجة أكله ميتة.
ومن أحرم وبملكه صيد لم يزل ملكه عنه، ولا تزول عنه يده الحكمية، ولا يضمن الصيد معها.
ومن غصب الصيد من يد محرم حكمية لزمه رده.
ومن أدخل الصيد الحرم المكي أو أحرم رب صيد وهو بيده المشاهدة كخيمته أو رحله أو قفص معه أو حبل مربوط به لزمه إزالتها بإرساله وملكه باق عليه بعد إرساله لعدم ما يزيله فيرده آخذه على مالكه إذا حلَّ ويضمنه قاتله بقيمته له لبقاء ملكه عليه؛ فإن لم يتمكن وتلف بغير فعله لم يضمن؛ لأنه غير مفرط ولا متعمد؛ فإن تمكن من إرساله ولم يفعل ضمنه بالجزاء، وإن لم يرسله فلا ضمان على مرسله من يده قهر الزوال حرمة يده المشاهدة؛ ولأنه من الأمر بالمعروف.

س 220: تكلم عن أحكام ما يلي: مَن قتل صيدًا صائلاً دفعًا عن نفسه أو بتخليصه؟ وتكلم عن الحيوان الإنسي وعن محرم الأكل؟ وعن قتل القمل والبراغيث ونحوهما؟

ج: مَن قتل وهو مُحْرِمٌ صيدًا صائلاً عليه دفعًا عن نفسه ولم يحل ولم يضمنه؛ لأنه التحق بالمؤذيات طبعًا كالكلب العقور أو قتل صيدًا بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه لم يحل ولم يضمنه؛ لأنه مباح لحاجة الحيوان أو قطع محرم من الصيد عضوًا من آكلاً، فمات ولم يحل ولم يضمنه؛ لأنه لمداواة الحيوان أشبه مداواة الولي محجوره، وليس بمتعمد قتله فلا تتناوله الآية، ولو أخذ الصيد الضعيف محرمٌ ليداويه فوديعة لا يضمنه بلا تعد ولا تفريط ولا تأثير لحرم أو إحرام في تحريم حيوان إنسي كبهيمة الأنعام ودجاج؛ لأنه ليس بصيد، وقد كان –عليه الصلاة والسلام- يذبح البدن في إحرامه في الحرم تقريبًا إلى الله تعالى.
وقال: «أفضل الحج العَجُّ»، والثج: أي إسالة الدماء بالنحر والذبح، ولا تأثير لحرم أو إحرام في محرم الآكل إلا المتولد بين مأكول وغيره ويحرم بإحرام قتل قمل وصبانه ولو برميه ولا جزاء فيه ولا يحرم قتل براغيث وقراد ونحوهما، كبق وبعوض؛ لأن ابن عمر قرد بعيره بالسقيا أي نزع القراد عنه فرماه، وهذا قول ابن عباس.

س 221: ما حكم صيد ما يعيش بالماء؟ وهل يضمن الجراد؟ وإذا احتاج محرم لفعل محظور، فما الحكم؟ وتكلم عن المؤذي؟

ج: ويباح لا بالحرم صيدها ما يعيش في الماء كسمك، ولو عاش في بر أيضًا كسلحفاة وسرطان؛ لقوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ } .
وأما البَحْري بالحرم، فيحرم صيده؛ لأن التحريم فيه للمكان فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر وطير الماء بري؛ لأنه يبيض ويفرخ في البر فيحرم صيده على المحرم، وفيه الجزاء ويضمن الجراد بقيمته في قول أكثر العلماء؛ لأنه غير في البر يتلفه الماء كالعصافير، وقيل: يتصدق بتمرة عن جراده.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ، وقيل: لا ضمان فيه.
روي عن أبي سعيد - رضي الله عنه - ؛ لأن كعبًا أفتى بأخذه وأكله، فقال له عمر - رضي الله عنه - : ما حملك أن تفتيهم به، قال: هو من صيد البحر، قال: ما يدريك؟ قال: والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرة حوت ينثر في كل عام مرتين. رواه مالك. وقال ابن المنذر: قال ابن عباس - رضي الله عنهما ـ: هو من صيد البحر، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أصبنا ضربًا من جراد فكان الرجل منا يضرب بسوطه وهو محرم، فقيل له: إن هذا لا يصلح، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: «إن هذا من صيد البحر».
وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجراد من صيد البحر» رواهما أبو داود، ولمحرم احتاج لفعل محظور فعله ويفدي؛ لقوله تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } الآية.
وحديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال: حُمِلتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أنجد شاة» قلت: لا، قال: «فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» متفق عليه.
ويُسن قتل كل مؤذ غير آدمي؛ لحديث عائشة: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» متفق عليه.
وفي معناه: كل مؤذ، وأما الآدمي غير الحربي، فلا يحل قتله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. متفق عليه.
وَمَن اضطر إلى أكل صيد فله ذلك وهو ميتة في حق غيره، لا يباح إلا لمن يباح له أكلها، وقيل: يحل بذبحه.
قال في «التنقيح»: وهو أظهر، وقال في الفروع: ويتوجه حله لحل فعله، وهذا القول عندي أنه أرجح. والله أعلم.



س222: تكلم عن (المحظور السابع) من محظورات؟ وما يتعلق من توكيل أو عزل؟



ج: (السابع من المحظورات) عقد النكاح فيحرم ولا يصح؛ لحديث عثمان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينكح المحرم، ولا يخطب» رواه الجماعة إلا البخاري، وليس للترمذي فيه: «ولا يخطب».
وعن أبي غطفان عن أبيه أن عمر فرق بينهما -يعني رجلاً- تزوج وهو محرم، رواه مالك والدارقطني: قال في «الشرح الكبير»: ويباح شراء الإمام للتسري وغيره لا نعلم فيه خلافًا. انتهى، ولا فدية في عقد النكاح كشراء الصيد وقتل القمل.

وقد نظمت هذه الثلاث في بيت واحد:
عقد نكاح وشار صيد ... وقتل قمل حرِّمَتْ ولا جَزا

وتعتبر حالة العقد لا حالة توكيل، فلو وكل محرم حلالاً صح عقده بعدَ حِلِّ مُوكِلهِ؛ لأن كل منهما حلال حال العقد، ولو وكل حلال حلالاً فعقده الوكيل بعد أن أحرم هو أو موكل فيه لم يصح العقد، ولوْ وَكَلَّه ثم أحرم الموكل لم ينعزل وكيله بإحرامه؛ فإذا حل الموكل كان لوكيله عقده لزوال المانع، ولو وكل حلال حلالاً في عقد النكاح فعقده وأحرم الموكل، فقالت الزوجة: وقع في الإحرام، وقال الزوج: وقع قبله، فالقول قول الزوج؛ لأنَّه يَدَّعي صِحَّةَ العَقد وهي الظاهر، وإن كان بالعكس بأن قالت الزوجة: وقع قبل الإحرام، وقال الزوج: في الإحرام، فالقول قوله أيضًا؛ لأنه يملك فسخه فقُبلَ إقراره به، ولها نصف الصداق؛ لأن قوله لا يقبل عليها في إسقاطه؛ لأنه خلاف الظاهر ويصح مع جهلها وقوعه، هل كان قبل الإحرام أو فيه؛ لأن الظاهر من عقود المسلمين الصحة، وتكره خطبة محرم؛ لما ورد عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب» رواه مسلم. قال في «سُبُلِ السلام»: الحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره وتحريم الخطبة كذلك، ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم، إلا أنه قيل: إن النهي في الخطبة لِلتَّنزِيه وإنه إجماع؛ فإن صح الإجماع فذاك، ولا أظن صحته، فالظاهر هو التحريم.
ثم رأيت بعد هذا نقلاً عن ابن عقيل الحنبلي: أنها تحرم الخطبة.
قال ابن تيمية: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجميع نهيًا واحدًا ولم يفصل وموجب النهي التحريم، وليس ما يعارض ذلك من أثر أو نظر. اهـ ملخصًا من (ص319). وهذا القول هو الراجح عندي، والله أعلم. وإن أحرم الإمام الأعظم لم يجز أن يتزوج لنفسه ولا لغيره بالولاية العامة ولا الخاصة؛ لعموم ما سبق ولا أن يزوج أقاربه بالولاية الخاصة وأن لا يزوج غيرهم مِمَّن لا وليَّ لهُ بالوِلايَةِ العامة كالخاصة.
ويجوز أن يزوج خلفاؤه مَنْ لا وَليَّ لهُ أو لها؛ لأنه يجوز بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب بدليل تزويج الكافرة.
وأما وكلاؤه في تزويج نحو بنته فلا لما سبق وإن أحرم نائبه فكإحرام الإمام.

س 223: تكلم بوضوح عن (المحظور الثامن) من محظورات الإحرام ومتى يفسد النسك؟ وما الذي يفسد به؟ وماذا يعمل من فسد حجه؟

ج: الثامن: الوطء في الفرج، وذلك لقوله تعالى: { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ } .
قال ابن عباس رضي الله عنهما هو الجماع بدليل قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } يعني الجماع وحكاه ابن المنذر: إجماع من يحفظ عنه من العلماء أنه يفسٍدُ النسك.
وفي «الموطأ»: بلغني أن عمر وعليًا وأبا هريرة سُئلوا عن رَجل أصاب أهله وهو محرم، فقالوا: ينفيان لوجههما حتى يقضيا حجهما ثم عليهما حج من قابل والهدي لم يعرف لهم مخالف.
والوطء: يفسد النسك قبل تحلل أول ولو بعد الوقوف بعرفة؛ لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج ولم يستفصلوا. وحديث من وقف بعرفة فقَد تم حجه أي قاربه وَأمِن فواته، ولو كان المجامع ساهيًا أو جاهلاً أو مكرهًا نقله جماعة لما تقدم من أن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - قضوا به ولم يستفصلوا ولو اختلف الحال لوجب البيان.
وذكر في الفصول رواية عن الإمام أحمد: لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره ونحوه، وخرّجها القاضي أبو يعلى في كتاب الروايتين واختارها الشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، ومال إليه ابن مفلح في الفروع.
وقال: هذا متجه ولا يفسد بغير الجماع؛ لعدم النص فيه، والإجماع وعليهما المضي في فاسده ولا يخرج منه بالوطء. روي ذلك عن ابن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس وحكمه كالإحرام الصحيح؛ لقوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } ، وروي مرفوعًا: أمر المجامع بذلك؛ ولأنه معنى يجب به القضاء فلم يخرج منه كالفوات، فيفعل بعد الإفساد كما كان يفعله قبله من وقوف وغيره ويجتنب ما يجتنبه قبله من وطء وغيره، ويفدي لمحظور فعله بعده ويقضي من فسد نسكه بالوطء صغيرًا كان أو كبيرًا واطِئًا و مَوْطُؤةً فرضًا كان الذي أفسده أو نفلاً.
والدليل على أن القضاء يكون فورًا قول ابن عمر؛ فإذا أدركت قابلاً فحج واهد، وعن ابن عباس وعبد الله بن عمر ومثله رواه الدارقطني والأثرم، وزاد: «وحل إذا حلوا».
فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهْد هَدْيًا؛ فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما، وهذا إذا كان المفسد نسكه مكلفًا؛ لأنه لا عذر له في التأخير وإلا يكن مكلفًا، بل بلغ بعد انقضاء الحجة الفاسدة فيقضي بعد حجة الإسلام فورًا لزوال عذره.

س 224: من أين يحرم من أفسد نسكه في القضاء؟ وما الذي يقضيه مَن أفسد القضاء؟ وعلى مَن نفقة قضاء نسك المطاوعة على الوطء؟ وعلى مَن نفقة قضاء نسك مكرهة؟ واذكر ما يُسن في حق الواطئ والموطوءة؟ واذكر ما تستحضره من دليل؟

ج: يُحرمُ مَن أفسدَ نسكه في القضاء من حيث أحرم أو لا بما فسد إن كان إحرامُهُ به قبل ميقات؛ لأن القضاء يحْكى الأداء؛ ولأن دخوله في النسك سببًا لوجوبه فيَتَعَلَّقُ بموضع الإيجاب كالنذر.
وقال في الفروع ويتَوجَه أن يحرم من الميقات مطلقًا ومال إليه وإلا يكن أحرم بما فسد قبل ميقات، بل أحرم منه أو دونه إلى مكة؛ فإنه يحرم من الميقات؛ لأنه لا يجوز مجاوزته بلا إحرام، ومَن أفسد القضاء فوطئ فيه قبل التحلل الأول قضى الواجب الذي عليه بإفساد الأول، ولا يقضي القضاء لقضاء صلاة أو صوم أفسده؛ ولأن الواجب لا يزاد بفواته، بل يبقى على ما كان عليه.
ونفقة قضاء مطاوعة على وَطْء عليها؛ لقول ابن عمر وأهديا، أضاف الفعل إليهما.
وقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة ولإفسادها نسكها بمطاوعتها أشبهت الرجل –ونفقة قضاء مكرهة على مكره. وسن تفرقهما في قضاء من موضع وطئ فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط ولا نحوه إلى أن يحل من إحرام القضاء؛ لحديث ابن وهب بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلاً جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لهما: «أتمَّا حجكما ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابل حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتها فأحرما وتفرقا، ولا يؤاكل أحد منكما صاحبه، ثم أتما نُسُككما وأهديا». وروى سعيد والأثرم عن عمر وابن عباس نحوه، قال الإمام أحمد: يتفرقان في النزول والفسطاط والمحمل؛ ولكن يكون بقربها. انتهى. وذلك ليراعي أحوالها؛ فإنه محرمها قال ذلك في «الإنصاف».

س 225: تكلَّم بوضوح عن الوطء بعد التحلل الأول؟ وهل على من أكرهت في حج أو عمرة فدية؟ وتكلَّم عن (المحظور التاسع) من محظورات الإحرام؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.

ج: الوطء بعد التحلل الأول لا يفسد نسكه؛ لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل. رواه مالك، ولا يعرف له مخالف.
وعلى الواطئ بعد تحلل أول شاة لفساد إحرامه، وعليه المضي للحل فيحرم منه ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم ليطوف للزيارة محرمًا؛ لأن الحج لا يتم إلا به؛ لأنه ركن ثم السعي إن لم يكن سعي قبل لحُجة وعمرةٌ وَطِئَ فِيها كحَجِّ فيما سبق تفصليه فيفسدها وطء قبل تمام سَعي لا بعده، وقبل حلق؛ لأنه بعد تحلل أول وعليه لوطئه في عمرته شاة ولا فدية على مكرهة في وطئ في حج أو عمرة؛ لحديث: «وما استكرهوا عليه» ومثلها النائمة، ولا يلزم الواطئ أن يَفدي عنها أي النائمة والمكرهة. التاسع: المباشرة من الرجل للمرأة فيما دون للفرج؛ فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه وعليه بَدَنَةٌ خلافًا للأئمة في وجوب البدنة، وإنما يجب عندهم بذلك شاة.

س 226: تكلم بوضوح عن إحرام المرأة؟ وعمَّا يُبَاحُ لهُمَا؟ وما يحرم عليهما؟ وما يكره وما يُسن في حقها؟ وما يجب عليهما اجتنابه؟

ج: المرأة إحرامها في وججها؛ لحديث: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري وغيره.
وقال ابن عمر: إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه. رواه الدارقطني بإسناد جيد.
فإن عطب الوجه لغير حاجة فدت كما لو غطى الرجلُ رأسه والحاجة كمرور رجال أجانب قريبًا منها فتسدل الثوب من فوق رأسها وعلى وجهها؛ لحديث عائشة كان الركبان يمرون بنا وَنْحنُ محرمان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا حَاذَوْنَ سَدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوَزُنا كشفنا، رواه أبو داود والأثرم.
قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
قال الموفق: كأن الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها ولا يضر مس المسْدُولِ بَشَرةَ الوجه، وتحرم تغطية وجه المحرمة وتجب تغطية رأسها ولا تحرم تغطية كفيها ويحرم عليها ما يحرم على رجل محرم من إزالة شعر وظفر وطيب وقتل صيد وغيره مما تقدم؛ لأن الخطاب يشمل الذكور والإناث إلا لبس المخيط وتظليل المحمل لحاجتها إليه؛ لأنها عورة إلا وجهها ويحرم عليها وعلى رجل ليس قفازين أو قفاز واحد وهما كل ما يعمل لليدين إلى الكوعين يدخلهما فيه لسترهما كما يعمل للبزاة؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» رواه البخاري.
وفي لبس القفازين أو أحدهما الفدية كالنقاب، ويباح للمحرمة خلخال ونحوه من حلي كسوار ودماج وقرط؛ لحديث ابن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسّ الورس والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي»، ويُسن لها خضاب بحناء عند الإحرام؛ لحديث ابن عمرك «من السُّنة أن تدلك المرأة يديها في حناء» ولأنه من الزينة فاستحب لها كالطيب وكره خضاب بعد الإحرام ما دامت محرمة؛ لأنه من الزينة.
ويستحب في غير إحرام لمزوجة وللمحرم لبس خاتم من فضة أو عقيق ونحوهما؛ لما روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهَمَيان والخاتم للمحرم وله بَطُّ جرح وله خِتَانٌ وقطع عضو عند الحاجة إليه، وأن يحتجم؛ لأنه لا رفاهية فيه؛ ولحديث ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم» متفق عليه.
فإن احتاج المحرم في الحجامة إلى قطع شعر فله قطعه وعليه الفدية، وكره لرَجُل وامرأة اكتحال بإثمد ونحوه لزينة؛ لما روي عن عائشة أنها قالت لامرأة محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أو الأسود، ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب، ولهما إتجار وعمل صنعة ما لم يشغلا عن واجب أو مستحب؛ لقول ابن عباس كانت عكاظ ومجنة وذر المجاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المل اسم، فنزلت: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } في مواسم الحج. رواه البخاري.
ولأبي داود عن أبي أمامة التيمي، قال: كنت رجلاً أكرى في هذا الوجه، وكان ناس يقولون ليس لك حج، فلقيت ابن عمر، فقلت: إني أكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون: ليس لك حج، فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ فقلت: بلى، قال: فإن لك حجًا، جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: مثل ما سألتني، فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبه حتى نزلت الآية: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرأ هذه الآية، وقال: «لك حج» بإسناده جيد، ورواه الدارقطني وأحمد، وعنده: إنا نكري، فهل لنا من حج؟ وفيه: وتحلقون رءوسكم، وفيه: فقال: «أنتم حجاج». ويجب على المحرمة والمحرم اجتناب ما نهى الله عنه تعالى: (من الرفث) وهو الجماع. روي عن ابن عباس وابن عمر، وقال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، ويجتنبان الفسوق وهو السباب، وقيل للعاصي والجدال: وهو المراء فيما لا يعني، وكذا التقبيل والغمز وأن يعرض لها الفحش من الكلام.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء، والقبلة والغَمزُ وأن تُعَرِّض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك ويُستَحبُّ له أن يَتَوفَّى الكلام فيما لا ينفع؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليَصْمُت» متفق عليه. وعنه مرفوعًا: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» حديث حسن رواه الترمذي وغيره، ولأحمد من حديث الحسين بن علي مثله، وله أيضًا في لفظ: قلة الكلام فيما لا يعنيه.

29- باب الفدية وبيان أقسامها وأحكامها
س 227: ما هي الفدية؟ وكم أقسامها؟ وهل هي على الترتيب أم التخيير؟ أم البعض تخيير والبعض ترتيب؟ وضِّح ذلك مع ذكر الأدلة؟

ج: هي مصدر فدى يفدي فداء، وشرعًا: ما يجب بسَبَبِ نسكٍ أو بسبب حَرَمٍ، والفدية ثلاثة أقسام: قسم يجب على التخيير، وهو نوعان: نوع منها يخير فيه مخرج بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين منهم مُدِّبُرِّ أو نصف صاع تمر أو شعير أو زبيب أو أقط وهي فدية لبس مخيط وطيب وتغطية رأس ذكر أو وجه أنثى وإزالة أكثر من شعرتين أو أكثر من ظفرين؛ لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. وعن كعب بن عجرة قال: كان بي أذىً من رأسي، فحملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟» قلت: لا، فنزلت الآية: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.
قال: هو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعام لكل مسكين. متفق عليه. وفي رواية أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية، فقال: «كان هوَامُّ رأسك تؤذيك»، فقلت: أجل، فقال: «فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين» رواه أحمد، ومسلم، وأبي داود.
في رواية: فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لي: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب،أو أنسك شاة»،فحلقت رأسي، ثم نسكت، فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير؛ لأنه مدلول في حلق الرأس، وقيس عليه الأظفار واللبس والطيب؛ لأنه يحرم في الإحرام لأجل الترفه فأشبه حلق الرأس.
وثبت الحكم في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا؛ ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه كجزاء الصيد.
وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخيير، والحديث ذكر فيه التمر، وفي بعض طرقه الزبيب وقيس عليهما البر والشعير والأقط كالفطرة والكفارة.
النوع الثاني: جزاء الصيد يخيّر فيه من وجب عليه بين ذبح مثل الصيد من النعم وإعطاءه لفقراء الحرم، أو تقويم المثل بمحل التلف للصيد أو بقربه أو بدراهم يشتري بها طعامًا؛ لأن كل مثليِّ يُقوّم بما يُقوّم مثله كمال الآدمي ولا يجوز أن يتصدق بالدَّراهِم؛ لأنه ليس من المذكورات في الآية والطعام المذكور يجزي إخراجه في فطرة كواجب في فدية أذى وكفارة فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرِّ أو نصف صاع من غيره من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا؛ لقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً}.
وإن بقي دون إطعام مسكين صام عنه يومًا كاملاً؛ لأن الصوم لا يتبعض ولا يجب تتابع الصوم، ولا يجوز أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعضه؛ لأنه كفارة واحدة كباقي الكفارات، ويخّير في صيد لا مثل له من النعم إذا قتله بين إطعام وصيام. الضرب الثاني من الفدية: ما يجب مرتبًا وهو ثلاثة أحدها دم متعة وقران، والثاني: الحصر، والثالث: فدية الوطء.

س 228: تكلم بوضوح عن الضرب الثاني من الفدية الذي يجب مرتبًا؟ وبيَّن أنواعه؟ وإذا عدم الهدي أو ثمنه، فماذا يعمل؟

ج: الضرب الثاني مرتبًا، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: دم المتعة والقران فيجب هدي؛ لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ} وقيس عليه القارن؛ فإن عدم الهدي متمتع أو قارن بأن لم يجده أو عدم ثمنه ولو وجد من يقرضه صام عشرة أيام في الحج، أي وقته؛ لأن الحج أفعال لا يصام فيها كقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} أي فيها، والأفضل كون أخر الثلاثة يوم عرفة فيصومه هنا استحبابًا للحاجة إلى صومه ويقدم الإحرام بالحج قبل يوم التروية فيكون اليوم السابع من ذي الحجة محرمًا فيحرم قبل طلوع فجره وهو أوَّلُهَما ليصومها كلها وهو محرم بالحج، وله تقديم الثلاثة قبل إحرامه بالحج بعد أن يحرم بالعمرة لا قبله وأن يصومها في إحرام العمرة؛ لأن إحرام العمرة إحدى إحرامي التمتع فجاز الصوم فيه.
وبعده كالإحرام بالحج؛ ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه إذا وجد سبب الوجوب وهو هنا إحرامه بالعمرة في أشهر الحج كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين. ولا يجوز تقديم صومها قبل إحرام العمرة لعدم وجوب سبب الوجوب كتقديم الكفارة على اليمين. ووقت وجوب صوم الثلاثة وقت وجوب الهدي، وهو طلوع فجر يوم النحر؛ لأنها بدله وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}. ولا يصح صوم السبعة بعد إحرامه بالحج قبل فراغه منه.
قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: {إِذَا رَجَعْتُمْ} يعني من عمل الحج؛ لأنه المذكور ولا يصح صومها في أيام منى لبقاء أعمال من حج كرمي الجمار، ولا يصح صوم السبعة بعد أيام منى قبل طواف الزيارة؛ لأنه قبل ذلك لم يرجع من عمل الحج. قال في «شرح الإقناع»: قلت: وكذا بعد طواف، وقيل: سعي وإن صام السبعة بعد الطواف، ولعل المراد والسعي يصح؛ لأنه رجع من عمل الحج والاختيار أن يصومها إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر وعائشة لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، رواه البخاري. ولأن الله أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج ولم يبق من الحج إلا هذه الأيام، فتعين فيها الصوم ولا دم عليه إذا صامها أيام منى؛ لأنه صامها في الحج؛ فإن لم يصمها فيها ولو لعذر كمرض صام بعد ذلك عشرة أيام كاملة استدراكًا للواجب وعليه دم لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته، وكذا إن أخر الهدي عن أيام النحر لغير عذر، فعليه دم لتأخيره الهدي الواجب عن وقته؛ فإن كان لعذر كأن ضاعت نفقته، فلا دم عليه ولا يجب تفريق ولا تتابع في صوم الثلاثة، ولا في صوم السبعة ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضى الثلاثة أو صامها أيام منى؛ لأن الأمر ورد مطلقًا، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا ومتى وجب عليه الصوم لعجزه عن الهدي وقت وجوبه فشرع فيه أو لم يشرع فيه، ثم قدر على الهدي لم يَلزمه الانتقال إليه اعتبارًا بوقت الوجوب كسائر الكفارات وإن شاء انتقل من الصوم إلى الهدي؛ لأنه الأصل ومَن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به كله أو بعضه لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكين وإلا فلا.
النوع الثاني: من الضرب الثاني المحصر يلزمه هدي؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} ينحره بنية التحلل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فإن لم يجد المحصر الهدي صام عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع بالنية، ثم حلّ وليس له التحلل قبل الذبح أو الصوم.
النوع الثالث: من الضرب الثاني فدية الوطء وتجب به في حج قبل التحلل الأول بدنة؛ فإن لم يجدها صام عشرة أيام في الحج وسبعة إذا فرغ من عمل الحج كدم المتعة لقضاء الصحابة، به قال ابن عمر وابن عباس وعبد الله ابن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة فيكون إجماعًا ويجب بوطء في عمرة شاة، ويجب على المرأة المطاوعة مثل ذلك.

س 229: تكلم بوضوح عن (الضرب الثالث) من أضراب الفدية؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل؟

ج: الضرب الثالث: دم وجب لفوات الحج إن لم يشترط أن محلي حيث حَبسْتنيَ أوْ وَجبَ لترك واجب من واجبات الحج أو العمرة، وتأتى إن شاء الله تعالى، أو وَجَبَ لمباشرة دون فرج، فما أوجب منه بدنة، كما لو باشر دون فرج فأنزل، أو كرّر النظر فأنزل أو قبل أو لمس لشهوة فأنزل أو لمستني فأمنى، فحكمها -أي البدنة الواجبة بذلك- كبدنة وطء في فرج قياسًا عليها؛ فإن وجدها نحرها وإلا صَامَ عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع؛ لأنه يوجب الغسل أشبه الوطء وما أوْجَبَ من ذلك شاة، كما لو أمذى أو باشر ولم ينزل أو أمنى بنظرة فكفدية أذى لما فيه من الترفه، وكذا لو وطئ في العمرة.
قال ابن عباس: فمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، رواه الأثرم. وكذا لو وطئ بعد التحلل الأول في الحج. وامرأة مع شهوة فيما سبق كرجل فيما يجب من الفدية كالوطء وما وجب من فدية لفوت حج أو لترك واجب فكمتعة تجبُ شاة؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام؛ لأنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه أشبه المترفه بترك أحد السفرين؛ لكن لا يمكن في الفوات صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر؛ لأن الفوات إنما يكون بطلوع فجره قبل الوقوف، ولا شيء على من فكر فأنزل؛ لحديث: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم» متفق عليه. ولا يقاس على تكرار النظر؛ لأنه دونه في استدعاء الشهوة وإفضائه إلى الإنزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق بأجنبية أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة فيبقى على الأصل.

س 230: إذا كرر محظورًا من جنس، فما الحكم وما المثال؟ وإذا فعل محظورًا من أجناس فما الحكم؟ وإذا حلق أو قلمّ أو وطئ أو قتل صيدًا عامدًا أو مخطئًا فما الحكم؟ وضّح ذلك مع ذكر ما نستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: ومَن كرر محظورًا من جنس غير قتل صيد بأن حلق أو قلَّم أو لبس أو تطيب أو وطئ وأعاده قبل التفكير عن أول مرة في الكل، فعليه كفارة واحدة للكل؛ لأن الله تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، وإن كفر عن الأول لزمته للثاني كفارة؛ لأنه صادف إحرامًا فوجبت كالأول، وإن كان المحظور من أجناس بأن حلق وقلَّم ظفره وتطيب وليس مخيطًا فعليه لكل جنس فدى تفرقت أو اجتمعت؛ لأنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة وعكسه، إذا كانت من جنس واحد وعليه في الصيود وإن قُتلت معًا جزاءٌ بعددها؛ لأن الله تعالى قال: { فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } ومثل الصيدين فأكثر لا يكون مثل أحدهما وإن حلق أو قلم فعليه الكفارة سواء كان عامدًا أو غير عامد؛ لأنه إتلاف، ولأنه تعالى أوجب الفدية على من حلق لأذىً به وهو معذور فغيره أولى، وقيل: لا فدية على مكره وناس وجاهل ونائم؛ وأما إذا وطئ؛ فإن عليه الكفارة سواء كان عامدًا أو غير عامد.
وأما إذا قتل صيدًا فيستوي عمده وسهوه أيضًا، هذا المذهب، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسُّنة وعنه لا كفارة على المخطئ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس وابن المنذر وداود؛ لأن الله تعالى قال: {مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فدلَّ بمفهومه على أنه لا جزاء على الخاطئ؛ ولأن الأصل براءة ذمته فلا نشغلها إلا بدليل؛ ولأنه محظور بالإحرام لا يفسد به ففرق بين عمده وخطئه كاللبس.
ووجه الأول: قول جابر -رضي الله عنه- جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الضبع يصيده المحرم كبشًا، وقال –عليه السلام- في بيض النعام: «يصيبه المحرم ثمنه»، ولم يفرق بين العمد والخطأ. رواهما ابن ماجه. ولأنه ضمان إتلاف فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي، وقيل في الجميع: إن المعذور بنسيان أو جهل كما لا إثم عليه لا فدية عليه، وهذا القول هو الذي يترجح عندي لما أراه من قوة الدليل. والله أعلم.

س 231: تكلم عما يلي: مَن لبس أو تطيّب أو غطى رأسه ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا؟ مَن لم يجد ماءً لغسل طيب؟ ماذا يعمل من تطيب قبل إحرامه؟ إذا لبس محرم أو افترش ما كان مطيّبًا؟

ج: وإن لبس مخيطًا ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا أو تطيب ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا أو غطى رأسه ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا فلا كفارة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده، والشعر إذا حلقه فقد ذهب، فهذه الثلاث العمد والخطأ والنسيان فيها سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على رده مثل ما إذا غطى المحرم رأسه، ثم ذكر ألقاهُ عن رأسه وليس عليه شيء أو ليس خفّا نزعه وليس عليه شيء، ويلحق بالحلق التقليم بجامع الإتلاف، ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس في الحال، أي بمجرد زوال العذر من النسيان والجهل والإكراه؛ لخبر يعلى ابن أمية أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة، وعليه جبة أثر خلوق، أو قال: أثر صفرة، فقال: يا رسول الله، كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: «اخلع عنك هذه الجبّة، واغسل عنك أثر الخلوق»، أو قال: «أثر الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» متفق عليه. فلم يأمره بالفدية مع سؤاله عمّا يصنع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فدلّ ذلك على أنه عذر لجهله والناسي والمكره في معناه.
ومن لم يجد ماء لغسل طيب وهو محرم مسحه أو حكه بتراب أو نحوه؛ لأن الواجب إزالته حسب الإمكان، ويستحب أن يستعين في إزالته بحلال لئلا يباشره المحرم وله غسله بيده؛ لعموم أمره –عليه الصلاة والسلام- بغسله؛ ولأنه تارك له، وله غسله بمائع؛ فإن أخر غسل الطيب عنه بلا عذر فَدَى للاستدامة، أشبه الابتداء ويفدي من رفض إحرامه، ثم فعل محظورًا؛ لأن التحلل من الإحرام إما بإكمال النسك أو عند الحصر أو بالعذر إذا شرط وما عداها ليس له التحلل به ولا يفسد الإحرام برفضه كما لا يخرج منه بفساده؛ فإحرامه باق وتلزمه أحكامه ولا شيء عليه لرفض الإحرام؛ لأنه مجرد نية لم يؤثر شيئًا، وقدم في الفروع: يلزمه له دم، ومن تطيب قبل إحرامه في بدنة فله استدامته فيه؛ لحديث عائشة: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم. متفق عليه.
ولأبي داود عنها: كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضد جباهنا بالمسك المطيب عن الإحرام؛ فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهاها.
ولا يجوز لمحرم لبس مطيب بعد الإحرام؛ لحديث: «لا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس» متفق عليه؛ فإن لبس مطيبًا بعد إحرامه فدى أو استدام لبس مخيط أحرم فيْه ولو لحظة فوق المعتاد من خلعه فدى؛ لأن استدامتهُ كابتدائه، ولا يشقه؛ لحديث يعلى بن أمية؛ ولأنه إتلاف مال بلا حاجة ولو وجب الشق أو الفدية بالإحرام فيه لبَيَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-.
وإن لبس محرم أو افترش ما كان مطيّبًا وانقطع ريحه ويفوح ريحه برش ماء على ما كان مطيبًا وانقطع ريحه ولو افترشه تحت حائل غير ثيابه لا يمنع الحائل ريحه ولا مباشرته فدى؛ لأن مطيّب استعمله لظهور ريحه عند رش الماء والماء لا ريح فيه؛ وإنما هو من الطيب فيه ولو مسّ طيبًا يظنه يابسًا فبان رطبًا، ففي وجوب الفدية وجهان: صوب في «الإنصاف»، وتصحيح الفروع لا فدية عليه، وقال: قدمه في «الرعاية الكبرى» في موضع انتهى من «المنتهى وشرحه».

س 232: تكلم بوضوح عما يتعلق بحرم أو إحرام من هدي أو إطعام؟ وحكم تفرقة لحمه في الحرام أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكين الحرم؟ ومَن هم مساكين الحرم؟ وإذا تعذر إيصاله إلى فقراء الحرم، فما الحكم؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟

ج: كل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام كجزاء صيد حرم أو إحرام، وما وجب من فدية لترك واجب أو لفوات حج، أو وجب بفعل محظور في حرم كلبس ووطء فيه فهو لمساكين الحرم؛ لقول ابن عباس - رضي الله عنهما-: الهدي والإطعام بمكة، وكذا هدي تمتع وقران ومنذور ونحوها؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ}، وقال في جزاء الصيد: {هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ} وقيس عليه الباقي.
ويلزمه ذبح الهدي بالحرم، قال أحمد: مكة ومنى واحد واحتج الأصحاب بحديث جابر مرفوعًا: «فجاج مكة طريق ومنحر» رواه أحمد وأبو داود، ورواه مسلم بلفظ: «منى مَنحَر» وإنما أراد الحرم؛ لأنه كله طريق إليها، والفج: الطريق. قال الله تعالى: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}.
ويلزم تفرقة لحمه لمساكين الحرم أو إطلاقه لهم بعد ذبحه؛ لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة عليهم ولا يحصل بإعطاء غيرهم، وكذا الإطعام، قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة؛ ولأنه ينفعهم كالهدي.
ومساكين الحرم هم مَن كان مقيمًا به أو وَارِدًا إليه من حاج وغيره ممن له أخذ زكاة الحاجة كالفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه؛ والأفضل نحر ما وجب بحج بمنى ونحَر ما وجب بعمرة بالمروة خروجًا من خلاف مالك ومَن تبعه.
وإن سلّم الهدي حيًّا لمساكين الحرم فنحروه أجزأه لحصول المقصود وإلا استرده وجوبًا ونحره لوجوب نحره؛ فإن أبى أو عجز عن استرداده ضمنه لمساكين الحرم لعدم براءته؛ فإن لم يقدر على إيصاله إليهم جاز نحره في غير الحرم كالهدي إذا عطب؛ لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} وجاز تفرقته هو والطعام إذا عجز عن إيصاله بنفسه أو بمن يرسله معه حيث نحره.

س 233: تكلم عن الزمان والمكان لفدية الأذى وما ألحق به؟ وما وجب لترك واجب؟ ومتى يخرج دم الإحصار؟ وهل الصيام والحلق مكان معين؟ وما الذي يُجزي في الدم المطلق؟ وتكلم عن إجزاء البدنة أو البقرة عن الشياه وبالعكس؟

ج: فدية الأذى واللبس ونحوهما كطيب وما وَجَبَ بفعل محظور خارج الحرم فله تفرقتها حيث وجد سببها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر كعْبَ بن عجرة بالفدية بالحديبية وهي من الحل واشتكى الحسين بن عليّ رأسه فحلقه عليّ ونحر عنه جزورًا بالسقيا. رواه مالك والأثرم وغيرهما، وله تفرقتها في الحرم أيضًا كسائر الهدايا. ووقت ذبح فدية الأذى أي حلق الرأس وفدية اللبس ونحوهما كتغطية الرأس والطيب وما ألحق بما ذكر من المحظورات حين فعله وله الذبح فعله إذا أراد فعله لعذر ككفارة اليمين ونحوها، وكذلك ما وجب لترك واجب يكون وقته من ترك ذلك الواجب. ودم إحصار يخرجه حيث أحصر من حلَّ أو حرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه في موضعه بالحديبية، وهي من الحل ودل على ذلك قوله تعالى: {وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} ولأنه موضع حلّه فكان موضع نحره كالحرم.
وأما الصيام والحلق فيجزئه بكل مكان؛ لقول ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة والصوم حَيْث شاء؛ ولأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان بخلاف الهدي والإطعام بمكة ولعدم الدليل على التخصيص.
والدم يجزي فيه شاة كأضحية فيجزي الجذع من الضأن، والثني من المعز، أو سُبْع بدنة، أو سُبْع بقرة؛ لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} قال ابن عباس: شاة أو شرك في دم، وقوله تعالى في فدية الأذى: {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وفسره -صلى الله عليه وسلم- في حديث كعب بن عجرة بذبح شاة وما سوى هذين مقيس عليهما، وإن ذبح بدنة أو بقرة فَهُو أفضل وتكون كلها واجبة؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه، فكان كله واجبًا كما لو اختار الأعلى من خصال الكفارة.
ومن وجبت عليه بدنة أجزأته عنها بقرة؛ لقول جابر: كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل له: والبقرة، فقال: وهل هي إلا من البدن. رواه مسلم. ومَن وجبت عليه بقرة أجزأته عنها بَدَنة، ويجزي عن سبع شياه بدنة أو بقرة مطلقًا وجد الشاة أو عدمها في جزاء صيد أو غيره؛ لحديث جابر: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة». رواه مسلم.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:12 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 8:16 pm

30- باب جزاء الصيد
س 234: ما المراد بجزاء الصيد؟ ومتى يجتمع الضمان والجزاء في الصيد؟ الصيد ينقسمُ قسمين: ما له مثل من النعم، والقسم الثاني: ما لا مثل له فوضَّح أولاً القسم الأول؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة.

ج: جزاء الصيد ما يستحق بدله على من أتلفه بمباشرة أو سبب من مثله ومقاربه وشبهه، وهذا بيان نفس جزائه، والذي تقدم في الفدية ما يفعل به فلا تكرار.
ويجتمع على مُتْلفِ صَيْدِ ضمانُ قيمته لمالكه وجزاؤه لمساكين الحرم في صيد مملوك؛ لأنه حيوان مضمون بالكفارة، فجاز اجتماعهما فيه كالعبد، وهو قسمان ماله مثل من النعم خلفة لا قيمة، فيجب فيه ذلك المثل نصًّا؛ لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
وجعل -عليه الصلاة والسلام- في الضبع كبشًا، والصيد الذي له مثل من النعم نوعان: أحدهما: ما قضت فيه الصحابة فيجب فيه ما قضت به؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بسنتي وسُّنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» رواه احمد والترمذي وحسنه، وفي الخبر: «اقتدوا بالّلذين مِن بعدي أبي بكر وعمر»؛ ولأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب كان حكمهم حجة على غيرهم، وقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} لا يقتضي التكرار للحكم، كقوله: لا تضرب زيدًا، ومن ضربه فعليه دينار، لا يتكرر بضرب واحد.
ففي النعامة بدنة حكم به عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية؛ لأنها تشبه البعير في خلقته، فكان مثلاً لها فيدخل في عموم النص: وجعلها الخرقي من أقسام الطير؛ لأن لها جناحين فيعابا بها، فيقال: طائر يجب فيه بدنة.
ويجب في حمار الوحش بقرة قضى به عمر، وقاله عروة ومجاهد؛ لأنها شبيهة به، وفي بقر لوحش بقرة قضى به ابن مسعود وقاله عطاء وقتادة. وفي الأيّل والثَيْتل والوعَل؛ أما الأيل فهو الذكر من الأوعال، وفيه بَقَرةَ؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما-، والثبتل هو الوعل المسنَّ، وفيه بقرة؛ وأما الوعل فهو تيس الجبل وفيه بقرة، روي عن ابن عمر في الأروى بقرة.
وفي الضبع كبش؛ لما ورد عن جابر قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الضبع، فقال: «هو صيد ويجعل فيْه كبش إذا صاده المحرم» أخرجه أبو داود، وعنه أن عمر قضى في الضبع كبش، أخرجه مالك وسعيد بن منصور، وعنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «في الضبع إذا صاده المحرم كبش» أخرجه الدارقطني، وعن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال: في الضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم، أخرجه الشافعي.
وفي غزال عنز؛ لما ورد عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في الظبي بشاة أخرجه الدارقطني، وعنه أن عمر قضى في الغزال بعنز، أخرجه مالك والشافعي والبيهقي وسعيد بن منصور، وعن عروة قال في الشاة من الظباء: شاة، أخرجه سعيد بن منصور. وروي عن علي وابن عباس وابن عمر في الظبي شاة؛ لأن فيه شبهًا بالعنز؛ لأنه أجرد الشعر متقلّص الذنب.
وفي وَبْر ووهو دويّبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها جَدْيٌ.
وفي ضبَّ جَدْيٌ قضى به عمر وأربَدُ والوبْرُ مقيسٌ على الضب.
والجدي الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر قضى به عمر وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - في الضَّب.
وفي يربوع جفرة لها أشهر؛ لما ورد عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في اليربوع: جفرة، أخرجه الدارقطني، وعن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة، أخرجه الشافعي، وروى عن عمر وعن عطاء في اليربوع جفرة.
وفي الأرنب عناق أي أنثى من أولاد المعز أصغر من الجفر قضى به عُمر، وعن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «في الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة» رواه الدارقطني.
وفي واحد الحمام وهو كل ما عَبّ وهدر شاة قضى به عمر وابنه وعثمان وابن عباس في حمام الحرم، وروي عن ابن عباس أيضًا في حال الإحرام قال: الأصحاب: هو إجماع الصحابة، وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه في كرع الماء ولا يشرب كيفية الطيور، ومن هنا قال أحمد: وسندي كل طير يعبّ الماء كالحمام فيه شاة فيدخل فيْه الفواخت والقَمريُّ والقطا ونحوها؛ لأن العرب تسميها حمامًا.

س 235: تكلم بوضوح عما لم تقض فيه الصحابة؟ وهل يجوز أن يكون أحد الحاكمين القاتل؟ وبأي شيء يضمن الصغير والمعيب والكبير والصحيح والأعور والأعرج؟ وهل يجزي فداء ذكر بأنثى وبالعكس؟ وهل المعتبر المثليّة بالقيمة أم الخلقة؟

ج: النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة -رضي الله عنهم- وله مثل من النعم فيرجع فيه إلى قول عدلين؛ لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} فلا يكفي واحد من أهل الخبرة؛ لأنه يتمكن من الحكم بالمثل إلا بهما فيعتبرانِ الشّبهَ خِلقةً لا قيمةً؛ لفعل الصحابة.
ويجوز أن يكون القاتل أحدهما نص عليه؛ لظاهر الآية، وروي أن عمر أمر كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم، وأمر أيضًا أرْبدَ بذلك حين وطئ الضب فحكم على نفسه بجدي فأقرَّه وكتقويمه عُرض التجارة لإخراج الزكاة.
ويجوز أن يكونا، الحاكمان بمثل الصيد المقتول القاتلين فيحكمان على أنفسهما بالمثل؛ لعموم الآية، ولقول عمر: احكم يا أرْبَدُ فيه أي الضب الذي وطئه أربد ففزر ظهره، رواه الشافعي في «مسنده»، قال أبو الورقاء عليَّ بن عقيل: إنما يحكم القاتل للصيد إذا قتله خطأ أو لحاجة أكله أو جاهلاً تحريمه، قال المنقح: وهو قوي، ولعله مرادهم؛ لأن قتل العمد ينافي العدالة.
ويضمن صغير وكبير وصحيح ومعيب: وما خص بمثله من النعم؛ لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ومثل الصغير صغير، ومثل المعيب معيب؛ ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والعيب وغيرهما كالبهيمة، وقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} مقيد بالمثل.
وقد أجمع الصحابة على إيجاب ما لا يصلح هديًا كالجفرة والعناق والجدي وإن فدى الصغير أو المعيب بكبير أو صحيح فأفضل.
ويجوز فداء صيد أعور من عين يمنى أو يسرى وفداء صيد أعرج قائمة يمنى أو يسرى بمثله من النعم أعور عن الأعور من أخرى كفداء أعور يمنى بأعور يسار وعكسه، وأعرج من قائمة بمثله أعرج من قائمة أخرى، كأعرج يمين بأعرج يسار وعكسه؛ لأن الاختلاف يسير ونوع العيب واحد والمختلف محله.
ويجوز فداء ذكر بأنثى وفداء أنثى بذكر، ولا يجوز فداء أعور بأعرج ونحوه لاختلاف نوع العيب أو محله. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 236: تكلم عما لا مثل له من النعم؟ وإذا أتلف محرم أو من بالحرم جزءًا من صَيْد فاندمل جرحه، وإذا جنى محرم أو من بالحرم على حامل؟ وإذا أمسك محرم صيدصا فتلف فرخه؟ ونفر فتلف أو نقص حال نفوره؟ وإذا أخرجه جرحًا غير مُوحٍ فغاب أو وجده ميتًا ولم يعلم موته بجنايته، وإذا وقع في ماء أو تردّى من علو؟ وإذا اندمل غير ممتنع؟ وإذا نتف ريشه أو شعره أو وبره؟ وإذا اشترك حلال ومحرم في صيد حرمي، فما الحكم؟

ج: القسم الثاني من الصيد ما لا مثل له من النعم: وهو سائر الطير، ففيه قيمته إلا ما كان أكبر من الحمام، وذلك كالكركيّ والأوزّ والحباري، فقبل بضمنه بقيمته وهو مذهب الشافعي؛ ولأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير تركناه في الحمام لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - في غيره يبقى على أصل القياس، ولا يجوز إخراج القيمة طعامًا، وقيل: بلى.
والثاني: يجب شاة روي عن ابن عباس وعطاء وجابر أنهم قالوا: في الحجلة والقطاة والحباري شاة، وزاد عطاء في الكركيّ والكروان وابن الماء ودجاجة الحبش والحزب شاة والحزب فرخ الحباري، وكالحمام بطريق الأولى.
وإن أتلف محرم أو من بالحرم جزءًا من صيد، فاندمل جرحه وهو ممتنع وله مثل من النعم ضمن الجزء المتلف بمثله من مثله من النعم لحمًا كأصله ولا مشقة فيه لجواز عدوله إلى الإطعام والصوم وألا يكن له مثل من النعم؛ فإنه يضمنه بنقصه من قيمته؛ لضمان جملته بالقيمة فكذا جزاؤه.
وإن جنى محرم أو من بالحرم على حامل، فألقت ميتًا ضمن نقص الأم فقط، كما لو جرحها؛ لأن الحمل زيادة في البهائم.
وما أمسك محرم من صيد، فتلف فرخه أو ولده أو نفره، فتلف حال نفوره أو نقص حال نفوره ضمنه لحصول تلفه أو نقصه بسببه لا إن تلف بعد أمته.
وإن جرح الصيد جرحًا غير موح فغاب ولم يعلم خبره ضمنه بما نقصه فيقوّم صحيحًا وجريحًا غير مندمل، ثم يخرج من مثله إن كان مِثْليًّا، وكذا إن وجده ميتًا بعد جرحه غير مُوْح ولو يعلم موته بجرحه وإن وقع صيد بعد جرحه في ماء أو تردّى من علوّ بعد جرحه، فمات ضمنه جارحه لتلفه بسببه، ويجب فيما اندمل جرحه من الصيود غير ممتنع من قاصده جزاء جميعه؛ لأنه عطله فصار كتالف وكجرح تيقن به موته، وقيل: يضمن ما نقص لئلا يجب جزاءه لو قتله محرم آخر، وهذا القول عندي أنه أرجح. والله أعلم.
وإن جرح الصيد جرحًا موحيًا لا تبقى معه حياة فعليه جزاء جميعه، وإن نتف ريشه أو شعره أو وبره فعاد فلا شيء عليه فيه، وإن صاد غير ممتنع فكجرح صار به غير ممتنع، وكلما قتل محرم صيدًا حكم عليه بالجزاء في كل مرة، هذا المذهب وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، وهو ظاهر قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} الآية؛ لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء وذكر العقوبة في الآية لا يمنع الوجوب؛ ولأنها بدل متلف يجب به المثل أو القيمة فأشبه مال الآدمي.
قال أحمد: روي عن عمر وغيره، أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل، ولم يسألوه هل كان هذا قتل أو لا؟ وفيه رواية ثانية أنه لا يجب إلا في المرة الأولى، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال شريح والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي وقتادة؛ لأن الله تعالى قال: { وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } ولم يوجب جزاء، وفيه رواية ثالثة إن كفَّر عن (الأول) فعليه (للثاني) كفارة وإلا فلا، وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرميّ، فالجزاء عليهما نصفين لاشتراكهما في القتل.

31- باب صيد الحرمين
س 237: تكلم عن حكم صيد حرم مكة؟ وإذا قتل محل من الحل صيدًا في الحرم كله أو جزؤه؟ وإذا قتل الصيد في الحل محل بالحرم؟ وإذا أمسكه بالحرم فهلك فرخه بالحل؟ وإذا أرسل كلبه من الحل على صيد بالحل فقتل الصيد بالحرم، وإذا دخل كلبه أو سهمه بالحرم، ثم خرج منه فقتل صيدًا أو جرحه بالحل فمات بالحرم؟ وتكلم عن حكم الصيد الذي وُجدَ سبب موته بالحرم؟

ج: حكم صيد حرم مكة حكم صيد الإحرام فيحرم حتى على محل إجماعًا؛ لخبر ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» الحديث، وفيه «لا ينفر صيدها» متفق عليه.
ويضمن بريه بالجزاء لما سبق عن الصحابة، ويدخله الصوم كصيد الإحرام، وصغير وكافر كغيرهما حتى في تملكه فلا يملكه ابتداء بغير إرث إلا أنه يحرم صيد بحريه أي الحرم؛ لعموم الخبر ولا جزاء فيه لعدم وروده.
وإن قتل محل من الحل صيدًا في الحرم كله ضمنه؛ لعموم: «ولا ينفر صيدها» وتغليبًا لجانب الحضر، وإذا كان جزء من الصيد في الحرم؛ فإن كان ذلك الجزء من القوائم ضمنه مطلقًا قائمًا أولاً، وإن كان من غير القوائم كالرأس والذنب؛ فإن كان الصيد غير قائم ضمنه أيضًا، وإن كان قائمًا لم يضمنه.
وإن قتل الصيد على غصن في الحرم ولو أن أصله في الحل ضمنه؛ لأنه في الحرم، وإن أمسك الصيد بالحل فهلك فرخه بالحرم أو هلك ولده بالحرم ضمنه؛ لأنه تلف بسببه، وإن قتل الصيد في الحل محل بالحرم ولو على غصن أصله بالحرم بسهم أو كلب أو غيرهما لم يضمن.
وإن أمسكه حلال بالحرم فهلك فرخُه بالحل أو هلك ولده بالحل لم يضمن؛ لأنه من صيد الحل، وإن أرسل حلال كلبَه من الحِل على صيده به فقتله أو غيره بالحرم لم يضمن، أو فعل ذلك بسهمه بأن رمى محل به صيدًا بالحل فشطح السهم، فقتل الصيد في الحرم لم يضمن؛ لأنه لم يرم به ولم يرسل كلبه على صيد بالحرم، وإنما دخل الكلب باختيار نفسه أشبه ما لو استرسل بنفسه، وكذا سهمه إذا شطح بغير اختياره أو دخل سهمه أو كلبه الحرم، ثم خرج منه فقتل صيدًا أو جرحه بالحل، فمات بالحرم لم يضمن، كما لو جرحه محل ثم أحرم ثم مات الصيد في إحرامه فلا يضمنه؛ لأنه لم يجن عليه في إحرامه، ولو رمى الحلال صيدًا، ثم أحرم قبل أن يصيبه ضمنه اعتبارًا بحال الإصابة.
ولو رمى المحرم صيدًا ثم حَلَّ قبل الإصَابة لم يضمن الصيد اعتبارًا بحال الإصابة ولا يحل ما وجد سَببُ موته بالحرم تغليبًا للحظر، كما لو وجد سببه في الإحرام فهو ميتة، ولو جرح محل من الحل صيدًا في الحل، فمات الصيد في الحرم حل ولم يضمن؛ لأن الزكاة وجدت بالحل.

س 238: تكلم عن حكم قطع شجر حرم مكة؟ ورعي حشيشه؟ وما تضمن به الشجرة وحشيشه؟ وإذا غرس الشجرة في الحل وتعذر ردها أو يبست فما الحكم؟ وإذا نفر الصيد من الحرم ثم قتل في الحِل، فما الحكم؟ وإذا قطع غُصنًا في الحل أصله أو بعض أصله في الحل، فما الحكم؟ وإذا قطعه في الحرم وأصله كله في الحل، فما حكمه؟ واذكر ما في ذلك من دليل أو تعليل؟

ج: يحرم قطعُ شجر حرم مكة الذي لم يزرعه آدمي إجماعًا؛ لقوله-عليه الصلاة والسلام-:«ولا يعضد شجرها»،ويحرم قطع حشيشه؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ولا يحش حشيشها»، حتى الشوك ولو ضر؛ لعموم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتفق عليه: «ولا يختلي شوكها»، وحتى السواك ونحوه والورق لدخوله في مسمى الشجر إلا اليابس من شجر وحشيش؛ لأنه كميت وإلا الإذخر لقول العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم.
قال: «إلا الإذخر» وهو نبت طيب الرائحة، والقين: الحداد، إلا الكمأة والفقع؛ لأنهما لا أصل لهما، وإلا الثمرة؛ لأنها تستخلف وإلا ما زرعه الآدمي من الشجر.
ويباح وعي حشيش الحرم؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سَدُّ أفواهها، ولدواعي الحاجة إليه أشبه قطع الإذخر، بخلاف الإحشاش لها، ويباح انتفاع بما زال من شجر الحرم أو انكسر فيه بغير فعل آدمي، ولو لم ينفصل لتلفه فصار كالظفر المنكسر، وتضمن شجرة صغيرة عرفًا بشاة، ويضمن ما فوق الصغيرة من الشجر وهي الكبيرة والمتوسطة ببقرة؛ لقول ابن عباس: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة.
قال: والدوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة، ويخير بين الشاة أو البقرة فيذبحها ويفرقها أو يطلقها لمساكين الحرم، وبين تقويمه أي المذكور من شاة أو بقرة بدراهم ويفعل بقيمته كجزاء صيد بأن يشتري بها طعامًا يجزي في الفطرة فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرِّ أو نصف صاع من غيره أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا، ويضمن حشيش وورق بقيمة؛ لأنه متقوم ويفعل بقيمته كما سبق ويضمن غصن بما نقص كأعضاء الحيوان، وكما لو جنى على مال آدمي فنقص ويفعل بأرشه، كما مر؛ فإن استخلف شيء من الشجر والحشيش والورق ونحوه سقط ضمانه كريش صيد نتفه وعَادَ وكَرَد شجرة فنبتت ويضمن نقصَهَا إن نقصت بالرد، ولو قلع شجرة من الحرم ثم غرسها في الحل وتعذر ردها أو يبست ضمنها لإتلافها، فلو قلعها غيره ضمنها القالع وحده؛ لأنه المتلف لها، ويضمن منفر صيدًا من الحرم قتل بالحل لتفويته حرمته ولا ضمان على قاتله بالحلي، وكذا مخرج صيد الحرم إلى الحل فيقتل به فيضمنه إن لم يرده إلى الحرم؛ فإن رده إليه فلا ضمان، ولو رمى صيدًا فأصابه، ثم سقط على آخر فماتا ضمنهما.
ويضمن غصن في هواء الحل أصله بالحرم أو بعض أصله بالحرم لتبعيته لأصله، ولا يضمن ما قطعه من غصن بهواء الحرم وأصله بالحل لما سبق، ولا يكره إخراج ماء زمزم؛ لما روى الترمذي، وقال: حسن غريب.
عن عائشة أنها كانت تحمل من زمزم وتخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحمله؛ ولأنه يستخلف كالثمرة، وقال أحمد: أخرجه كعب ولم يزد عليه.

س 239: تكلم بوضوح عن حدّ حرم مكة وعن المجاورة بمكة وأفضليتهما ومضاعفة الحسنات والدليل والجواب عن الإرادات؟

ج: وحدّ حرم مكة من طريق المدينة ثلاثة أمياله عند بيوت السقيا دون التنعيم، وجدّه من اليمن سبعة أميال عند أضاةِ لبْن؛ وحَده من العراق كذلك أي سبعة أميال على ثنية رجْل بالمنقطع، وَحَدُّه من الطائف وبطن نمرة كذلك، أي سبعة أميال عند طرف عرفة، وحده من الجعرّانة تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد، وحده من طريق جدة عشرة أميال، وحكم وَجَّ وأدى بالطائف كغيره من الحل، فيباح صيده وشجره وحشيشه بلا ضمان، والخبر فيه ضعفه أحمد وغيره، وقال ابن حبان والأزدي: لم يصح حديثه، ومكة أفضل من المدينة؛ لحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو واقف بالخزورة في سوق مكة: «والله إنا لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح، ولمضاعفة الصلاة فيه أكثر.
وأما حديث: «المدينة خير من مكة» فلم يصح، وعلى فرض صحته فيحمل على ما قبل الفتح، ونحوه حديث: «اللهم إنهم أخرجوني من أحبّ البقاع إليّ، فأسكني في أحبّ البقاع إليك» يرد أيضًا بأنه لا يعرف، وعلى تقدير صحته، فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة، وتستحب المجاورة بمكة لما سبق من أفضليتها وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان فاضل وبزمان فاضل؛ لقول ابن عباس، وسُئل أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: لا، إلا بمكة لتعظيم البلد، ولو أن رجلاً بعدن وهمّ أن يقتل بعد البيت أذاقه الله من العذاب الأليم.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان.

32- فصل في حرم المدينة
س 240: تكلم عن حرم المدينة وعمَّا يجوز أخذه وعن صيدها وحشيتها؟ وبيَّن حدود حرمها، وعن مقدار ما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حِمًى؟

ج: يحرم صيد حرم المدينة، وتسمى طابةَ وَطيْبَةَ.

قال حسان:
بِطَيْبَةِ رَسمٌ للرسول ومعهدُ ... مُنيرٌ وقد تَعْفوا الرسوم وتْهمُد

وإن صاده وذبحه صَحَّتْ تذكيتَه، ويحرم قطع شجرها وحشيشها؛ لما روى أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها» متفق عليه.
ولمسلم لا يختلي، فَمن فعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل أي رَحل البعير وهو أصغر من القتب وعوارضه وآلة الحرث ونحوه والعارضة لسقف المحمل، والمساند من القائمتين اللتين تنصب البكرة عليهما والعارضة بين القائمتين ونحو ذلك؛ لما روى جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حرّم المدينة، قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غَيْرَ أرضنا فرخص لنا، فقال: «القائمتان والوسادة والعارضة والمسند؛ فأما غير ذلك فلا يعضد» رواه أحمد. فاستثنى الشارع ذلك وجعله مباحًا، والمسند عود البكرة.
ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها للعلف؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عليّ: «ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» رواه أبو داود؛ ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر بخلاف مكة، ومن أدخل إليها صيدًا، فله إمساكه وذبحه؛ لقولِ أنس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال: أبو عمير، قال: أحسبه فطيمًا وكان إذا جاء، قال: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغِير؟ - وهو طائر صغير كان يلعب به» متفق عليه، ولا جزاء في صيدها وشجرها وحشيشها.
قال أحمد في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخول حرمها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء النسك ولا لذبح الهدايا، فكانت كغيرها من البلدان ولا يلزم من الحرمة الضمان ولا لعدمها عدمه وحدّ حرمها ما بين ثور إلى عَيْر؛ لحديث عليّ مرفوعًا: «حرم المدينة ما بين ثور إلى عير» متفق عليه. وهو ما بين لابتيها؛ لقول أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه، واللابة الحرَّة وهي أرض تركبها حجارة سوداء، فلا تعارض بين الحديثين.
قال في «فتح الباري»: رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل جبل لابة أو لابتيها من الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق: وقَدْرُهُ بَريدٌ في بَريد. وثور رجل صغير يضرب لونه إلى الحمرة بتدوير خلف أحُد من جهة الشمال، وعير جبل مشهور بالمدينة، «وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حول المدينة أثنى عشر ميلاً حمًى» رواه مسلم عن أبي هريرة، ولا يحرّم على المحل صَيْدُ وَجٍّ وشجره وحشيشه وهو واد بالطائف.

33- باب دخول مكة
س 241: بَّين متى يُسن دخول مكة؟ ومِن أين يدخلها؟ ومِن أين يخرج؟ ومِنْ أين يدخل المسجد الحرام؟ وما الذي يقوله إذا رأى البيت؟ وما الذي يُسن لمريد دخول مكة؟ وما الذي يُسَن قوله حين يدخل المسجد؟

ج: يُسنُّ الاغتسال لدخوله ولو كان بالحرم ولدخول حرمها، ويُسن أن يدخلها نهارًا؛ لما ورد عن نافع قال: إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طُوى حتى يصبح ويغتسل ويصلي فيدخل مكة نهارًا، وإذا نفر منها مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح وَيَذْكُرُ «أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك» متفق عليه.
ويُسن الدخول من أعلاها أي مكة من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والدال ممدود مهموز مصروف وغير مصروف- ذكره في المطلع النصيرية للهوريني.
ويُسن أن يخرج مِن كُدًا بضم الكاف وتنوين الدال عند ذي طُوَى بقرب شعب الشافعيين من الثنية السفلى:
يُسنُّ دخولٌ من كدَاء لِمَكّة ... بفتح وبالضم الخَروجُ فَقَيدِ
والدليل على ذلك ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها» متفق عليه.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل مكة دخل من الثنية العلياء التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى» رواه الجماعة إلا الترمذي.
ويُسنُّ أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شبييه؛ لحديث جابر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شَيْبَةَ ثم دخل» رواه مسلم وغيره.
ويقول حين يدخلهُ: «بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب فضلك»، فإذا رأى البيت رفع يديه؛ لما ورد عن ابن جريج، قال: حدثت عن مقسم: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة ويجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميَّت».
وعن جريج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: «اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا» الحديث.
ويُسن أن يقول بعد رفع يديه: «اللهم أنت السلام ومنك السلام حَيِّنَا ربَّنَا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا، وزد من عظّمه وشرّفه ممن حجه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًّا، الحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته وَرَآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» يرفع بذلك صوته؛ لأنه ذكر مشروع أشبه التلبية.

س 242: ماذا يفعل بعد رفع يديه وقول الوارد عند رؤية البيت؟

ج: ثم يطوف متمتع للعمرة، ويطوف مفرد للقدوم، ويطوف قارن للقدوم وهو الوُرُود فتستحب البداءة بالطواف لداخل المسجد الحرام، وهو تحية الكعبة وتحية المسجد الصلاة وتجزي عنها ركعتا الطواف؛ لحديث جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرَمَل ثلاثًا ومشى أربعًا.
وعن عائشة: «حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» متفق عليه.
وروي عن أبي بكر وعمر وابنه وعثمان وغيرهم: ويضطبع استحبابًا غير حامل معذور في كل أسبوعه بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف مضطبعًا.
ورويا عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمروا من الجعرّانة، فرَملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عراتقهم اليسرى، وإذا فرغ من طوافه أزاله ويبتدي الطواف من الحجر الأسود، لفعله –عليه الصلاة والسلام- فيحاذيه بكل بدنه ويستلمه أي يمسح الحجر بيده اليمنى.
وروى الترمذي مرفوعًا: «أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم»، وقال: حسن صحيح، ويقبّله بلا صوت يظهر للقُبلة؛ لحديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يَبْكي، فقال: «يا عمر، هاهنا تسكب العبرات» رواه ابن ماجه.
ويسجد لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أنه كان يقّبل الحجر الأسود ويسجد عليه» رواه الحاكم مرفوعًا، والبيهقي موقوفًا.
فإن شق استلامه وتقبيله لم يزاحم واستلمه بيده وقبّلها؛ لما ورد عن نافع، قال: رأيتُ ابن عمر - رضي الله عنهما - استلم الحجر بيده ثم قبّل يده، وقال: «ما تركته منذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله» متفق عليه.
ولما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلمه وقبّل يده» رواه مسلم. فإن شق استلامه بيده؛ فإنه يستلمه بشيء ويقبل مما استلمه به؛ لما ورد عن أبي الطفيل عامر بن وَاثِلة قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه، ويقبل المحجن» رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
فإن شق استلامه بيده فبشيء أشار إليه واستقبله بوجهه ولا يقبل المشار به؛ لعدم وروده ولا يزاحم لاستلام الحجر أو تقبيله أو السجود عليه فيؤذي أحدًا من الطائفين، ويقول عند استلام الحجر أو استقباله بوجهه إذا شق استلامه: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسُّنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويقول ذلك كلما استلمه؛ لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلم الركن الذي فيه الحجر وكبّر، وقال: «اللهم وفاء بعهدك وتصديقًا بكتابك».
وعن عليّ –كرم الله وجهه- أنه كن يقول إذا استلم: اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسُّنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم-، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- مثله، وعن عبد الله بن السائب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذلك عند استلامه ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف على يمينه؛ لما روى عن جابر: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» رواه مسلم والنسائي.
ولأنه -عليه الصلاة والسلام- طاف كذلك، وقال: «خذوا عني مناسككم»، وليقرب جانبه الأيسر من البيت، فأول ركن يمر به الطائف يسمى الشامي والعراقي وهو جهة الشام، ثم يليه الركن الغربي والشِّامي وهَوَ جهة المغرب ثم اليماني جهة اليمن، فإذا أتى عليه استلمه، ولم يقبله ولا يستلم ولا يقبل الركنين الآخرين؛ لقول ابن عمر: لم أرى النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح من الأركان إلا اليمانيين. متفق عليه. ويرمل طائف ماش غير حامل معذور، وغير نساء وغير محرم من مكة أو قربها فيسرع المشي ويقّارِبُ الخُطا في ثلاثة أشواط ثم بعدها يمشي أربعة أشواط بلا رَمَل.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعًا ما بين الركنين، متفق عليه.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا.
وفي رواية: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم؛ فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة، متفق عليه.
ولا يقضي رمل ولا اضطباع ولا يقضي بعضه إذا فاته في طواف غيره؛ لأنه هيئة عبادة لا تقضي في عبادة أخرى كالجهر في الركعتين الأولتين من مغرب وعشاء وإن تكره في شيء من الثلاثة أتى به فيما بقي منها، والرمل أولى من الدنو من البيت؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها وزمانها، وتأخير الطواف لزوال الزحام للرمل أو للدنو مِن البيت أولى من تقديم الطواف مع فوات أحدهما ليأتي به على الوجه الأكمل، وكلما حاذ الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما استحبابًا؛ لما ورد عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل طوافه، رواه أحمد وأبو داود.
لكن لا يقبل إلا الحجر الأسود أو أشار إليهما أي الحجر والركن اليماني إن شق استلامهما، ولا يُسن استلام الشامي وهو أول ركن يمر به ولا استلام الركن الغربي وهو ما يلي الشامي؛ لقول ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني».
وقال: ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك.
وأيضًا فقد أنرك ابن عباس على معاوية استلامهما، وقال: لقد كن لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقة، ويقول: طائف كلما حاذى الحجر الأسود الله أكبر فقط؛ لحديث ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء وكبر» رواه البخاري.
ويقول بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ لما ورد عن عبد الله بن السائب قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ما بين الركنين: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وكل به سبعون ملكًا –يعني الركن اليماني-، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار»، قالوا: آمين، رواه ابن ماجه.
ويقول في بقية طوافه: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اغفِرْ وارحم واهدني السبيل الأقوم وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، أو يقول غير ذلك من ما أحب ذكرًا ودعا.
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: «رب قني شح نفسي».
وعن عروة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: «لا إله إلا أنت، وأنت تحيى بعد ما أمت» لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدعية مخصوصة للطواف إلا أنه كان يختم طوافه بين الركنين بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
وتُسن القراءة في الطواف؛ لأنها أفضل الذكر، قال في «الاختيارات الفقهية» (ص118): ويُسن القراءة في الطواف لا الجهر بها؛ فإما إن غلط المصلين، فليس له ذلك إذًا وَجنْسُ القراءة أفضل من جنس الطواف. انتهى.
ولا يُسنُّ رَمَل ولا اضطباع في غير هذا الطواف؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا فيه، ومن طاف راكبًا أو محمولاً لم يجزئه إلا لعذر؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة» ولأنه عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا أو محمولاً لغير عذر، كالصلاة، وإنما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - راكبًا لعذر.
قال ابن عباس وروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم.
ولا يجوز للطواف عن حامل المعذور؛ لأن القصد هذا الفعل وهو واحد فلا يقع عن اثنين ووقوعه عن المحمول أولى؛ لأنه لم ينوه إلا لنفسه بخلاف الحامل، وإن نوى حامل الطواف وحْدَهُ دونَ المحمول أو نوى الحامل والمحمول الطواف عن الحامل فَيجزي عنه لخلوص النية منهما للحامل وحكم سعي راكبًا كطواف راكبًا، فلا يجزيه إلا لعذر، وإن حمله بعرفات أجزأ عنهما؛ لأن المقصود الحصول بعرفة وهو موجود.

س 243: ما شروط صحة الطواف؟ وما دليلها؟

ج: شروط صحة الطواف: أولاً: الإسلام. ثانيًا، وثالثًا: العقل والنية كسائر العبادات. ورابعًا: ستر العورة؛ لحديث: «لا يطوف بالبيت عريان» متفق عليه. خامسًا: اجتناب النجاسة. سادسًا: الطهارة من الحدث لغير طفل؛ لحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه» رواه الترمذي والأثرم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما حاضت: «أفعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تتطهري» رواه البخاري ومسلم.
وقال في «الاختيارات الفقهية»: والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم دليل أصلاً، وما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طاف توضأ، فهذا لا يدل؛ فإنه كان يتوضأ لكل صلاة (من ص119).
سابعًا: تكميل السبع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف سبعًا فيكون تفسير لمجمل قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} فيكون ذلك الطواف المأمور به، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «خذوا عني مناسككم»؛ فإن ترك من السبع ولو قليلاً لم يجزئه، وكذا إن سلك الحجر أو طاف على جداره أو على شاذروان الكعبة لم يجزئه؛ لأن قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} يقتضي الطواف بجميعه والحجر منه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الحجر من البيت» متفق عليه.
ثامنًا: جعل البيت عن يساره؛ لحديث جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا» رواه مسلم والنسائي.
تاسعًا: كونه ماشيًا مع القدرة فلا يجزي طواف الراكب لغير عذر؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة».
ولما ورد عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: شكوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» متفق عليه.
قال البخاري (باب المريض يطوف راكبًا): عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت وهو على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر، وساق بعده حديث أم سلمة. انتهى. وعن جابر قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يَستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس وليشرف ويسألوه؛ فإن الناس غَشَوهُ، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن عائشة قالت: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف عنه الناس. رواه مسلم.
فإن فعل لغير عذر، فعن أحمد فيه ثلاث روايات: إحداهن: لا يجزي؛ لأ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الطواف بالبيت صلاة؛ ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذر كالصلاة.
والثانية: يجزيه ويجبر بدم وهو قول أبي حنيفة إلا أنه قال: ما كان بمكة؛ فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج أشبه ما لو دفع من عرفة قبل الغروب.
والثالثة: يجزي ولا شيء عليه اختارها أبو بكر وهو مذهب الشافعي وابن المنذر.
لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه. قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل، والقول الأول هو الذي تميل إليه النفس؛ لأنه أحوط. والله أعلم.
عاشرًا: الموالاة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - طاف كذلك، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، ويبتدئ الطواف لحدث فيه تعمده أو سبقه بعد أن تطهر كالصلاة وإن أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو حضرت جنازة وهو فيه صلى، وبنى على ما سبق من طواف؛ لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ولأن الجنازة تفوت بالتشاغل، ويبتدئ الشوط من الحجر الأسود فلا يعتد ببعض شوط قطع فيه.
الحادي عشر: أن يكون الطواف بالبيت داخل المسجد وحول البيت، فلو طاف خارج المسجد أو داخل الكعبة لم يصح طوافه، وإن طاف في المسجد من وراء حائل من قبة وغيرها أجزأ الطواف؛ لأنه في المسجد وإن طافت على سطح المسجد توجه الإجزاء قاله في الفروع، وإن شك في عدد الأشواط أخذًا باليقين ليخرج من العهدة بيقين، ويقبل قول عدلين في عدد الأشواط كعدد الركعات في الصلاة، فإذا تم طوافه تنفل بركعتين، والأفضل كونهما خلف مقام إبراهيم؛ لحديث جابر في صفة حجه –عليه الصلاة والسلام- وفيه: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} «فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين» الحديث رواه مسلم، ولا يشرع تقبيله ولا مسحه فسائر المقامات أولى، وكذا صخرة بنت المقدس، ويقرأ في الركعتين بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} وسورة الإخلاص بعد الفاتحة؛ لما ورد عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ فاتحة الكتاب و {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، رواه أحمد ومسلم والنسائي.
ويُسن عوده إلى الحجر الأسود فيستلمه لما تقدم، ويُسن الإكثار من الطواف كل وقت ليلاً ونهارًا وله جمع أسابيع بركعتين لكل أسبوع من تلك الأسابيع فعلته عائشة والمسور بن مخرمة، وكونه –عليه السلام- لا يفعله بالاتفاق ولا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين؛ لأن عمرَ صلَّاهما بذي طُوى وأخَّرَت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، والأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين عقبه ولطائف تأخير سعيه عن طوافه بطواف وغيره فلا تجب الموالاة بينهما، ولا بأس أن يطوف أول النهار، ويسمى آخره.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:13 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 8:21 pm

س 244: اذكر سنن الطواف وما تستحضره من الآداب التي تنبغي للطائف؟

ج: من سننه:
أولاً: الرّمل: وهو سُّنة في حق الرجال دون النساء والعجزة، ويُسن في طواف القدوم خاصةً.
ثانيًا: الإضطباع: وهو أيضًا خاص بطواف القدوم.
ثالثًا: تقبل الحجر الأسود عند بدء الطواف إن أمكن وإلا فلمسه أو الإشارة إليه كافية. رابعًا: قول بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك... إلخ، كلما استلم الحجر أو أشار إليه. خامسًا: الدعاء أثناء الطواف وهو غير مخصوص إلا ما كان من قوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يختم بها الشوط من طوافه. سادسًا: استلام الركن اليماني باليد. سابعًا: الدنو من البيت. ثامنًا: صلاة ركعتين بعد الفراغ من الطواف خلف مقام إبراهيم وأن يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص، وتقدم أدلة هذه السنن.
وينبغي أن يكون الطواف في خشوع تام مع استحضار عظمة الله والخوف منه وأن لا يتكلم إلا لضرورة أو حاجة، وأن لا يؤذي أحدًا بمزاحمة أو غيرها وأن يكثر من الدعاء وقراءة القرآن أو الذكر أو الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن يغض بصره عن النظر إلى النساء والمُرْد.
ومما ينبغي للنساء أن يتجَنبْن في طوافهن الزينة والروائح الطيبة، وفي الحالات التي يختلط فيها الرجال مع النساء؛ ولأنهن عورة وفتنة، ووجه المرأة هو أظهر زينتها، فلا يجوز لها إبداؤه إلا لمحارمها؛ لقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} الآية، فلا يجوز لهن كشف الوجه عند تقبيل الحجر الأسود إذا كان يراهن أحد من الرجال الأجانب، وإذا لم يتيَسرْ لهن فسحة لاستلام الحجر وتقبيله، فلا يجوز لهن مزاحمة الرجال، بل يطفن من ورائهم، وذلك خير لهن.

س 245: إذا فرغ من الطواف وصلى الركعتين، فماذا يعمل بعد ذلك؟

ج: ثم بعد ما يفرغ من ركعتي الطواف وأراد السعي سن عوده إلى الحجر فيستلمه؛ لما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «طاف وسعَى رَمَل ثلاثًا ومشى أربعًا ثم قرأ: { وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فصلى سجدتين وجعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن، ثم خرج» الحديث رواه النسائي.
ثم يخرج للسعي من باب الصفا فيرقى الصفا ليرى البيت ويستقبله ويكبر ثلاثًا، ويقول ثلاثًا: الحمد لله على ما هدانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده؛ لحديث جابر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دنا من الصفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ} ابدأ بما بدأ الله عز وجل به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده».
ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى انصَبَّتْ قدماه في بطن الوادي حتى إذا صَعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة، كما فعل الصفا» رواه مسلم، وكذلك أحمد والنسائي بمعناه.
ويدعو بما أحب؛لحديث أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يدعو بما شاء أن يدعو» رواه مسلم.
ولا يلبي لعدم نفله، ثم ينزل من الصفا فيمشي حتى يبقى بينه وبين العلم ستة أذرع فيسعى ماشيًا سعيًا شديدًا إلى العلم الآخر، ثم يمشي حتى يرقى المروة، فيقول مستقبل القبلة كما قاله في الصفا من تكبير وتهليل ودعاء، ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة، فيلصق عقبه بأصلهما أي الصفا والمروة بابتدائه في كل منهما، والراكب يفعل ذلك في دابته فمن ترك شيئًا مما بينهما لم يجزئه سعيه، ثم ينزل من المروة فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعله سبعًا ذهابه سَعْيَةَ ورجوعه سَعْيَةً يفتتح بالصفا ويختم بالمروة للخبر؛ فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، فلا يحتسب به ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك.
قال أحمد: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم.
وقال –عليه الصلاة والسلام-: «إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله عز وجل» قال الترمذي: حسن صحيح.

س 246: بين شروط السعي واذكر أدلتها؟ وتعرض للخلاف مع الترجيح؟ وتكلم عما يُسن في حق المعتمر؟ وعن المتمتع الذي لم يسق هديًا والمعتمر غير المتمتع؟ وما الحكم فيما إذا ترك الحلق أو التقصير في عمرته ووطئ قبله؟ ومتى يقطع التلبية المتمتع والمعتمر؟ وهل يلبي في الطواف؟

ج: شروط صحته - أي السعي، ثمانية: النية، والإسلام، والعقل لما تقدم، والرابع: المولااة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - والى بَيْنَه، وقال: «خذوا عني مناسككم» وقياسًا على الطواف.
قال في «الشرح الكبير»: والموالاة في السعي غير مشترطة في ظاهر كلام أحمد –رحمه الله-؛ فإنه قال في رجل كان بين الصفا والمروة فلقيه قادم بعرفة يقف يسلم عليه ويسأله قال: نعم، أمر الصفا سهل إنما كان يكره الوقوف في الطواف بالبيت؛ فأما بين الصفا والمروة فلا بأس، وقال القاضي: تشترط الموالاة قياسًا على الطواف.
وحكى رواية عن أحمد والأول أصح؛ فإنه نسك لا يتعلق البيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق.
قد روى الأثرم أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير سَعَت بين الصفا والمروة فَقَضَتْ طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وكان عطاء لا يرى بأسًا أن يستريح بينهما، ولا يصح قياسه على الطواف؛ لأن الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة وتشترط له الطهارة والستارة، فاشترط له الموالاة بخلاف السعي. انتهى (3 /408).
والذي يترجح عندي وأرى أنه الأحوط اشتراط الموالاة لمولاته - صلى الله عليه وسلم - له، وقوله: «خذوا عني مناسككم». والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
والخامس: المشي مع المقدرة، قال في «الشرح الكبير»: ويجزئ السعي راكبًا ومحمولاً ولو لغير عذر، وفي «الكافي»: يُسن أن يمشي؛ فإن ركب جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى راكبًا.
السادس: كونه بعد طواف ولو مسنونًا كطواف القدوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سعى بعد الطواف، وقال: «خذوا عني مناسككم».
والسابع: تكميل السبع يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لما في حديث جابر.
الثامن: استيعاب ما بين الصفا والمروة ليتيقن الوصول إليهما في كل شوط، والمرأة لا ترقى الصفا والمروة؛ لأنها عورة، ولا تسعى سعيًا شديدًا؛ لأنه لإظهارِ الجَلد ولا يقصد ذلك في حقها، بل المقصود منها السَّتر وذلك تعرض للانكشاف.
قال في «الشرح الكبير»: لا يُسن للمرأة أن ترقى على المروة لئلا تزاحم الرجال؛ ولأن ذلك أستر لها ولا يُسن لها الرمل.
قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا رَمَل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة، وذلك لأن الأصل في ذلك إظهار الجلد ولا يقصد ذلك في حقهنّ؛ ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي ذلك تعرض للانكشاف فلم يُستحب لهن (3 /408).
وتُسن مبادرة معتمر بالطواف والسعي لفعله –عليه الصلاة والسلام-، وسنّ تقصير المتمتع إذا لم يكن معه هدي ليحلق شعره بالحج ويتحلل متمتع لم يسق هديًا ولو لبَّد رأسه؛ لأن عمرته تمت بالطواف والسعي والتقصير؛ لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، قال: «من كان معه هدي؛ فإنه لا يحل من شيء أحرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي، فليطف بالصفا والمروة، وليُقَصِّر وليحلل» متفق عليه.
ومن معه هدي أدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا والمعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لا في أشهر الحج أو غيرها وإن ترك الحلق أو التقصير في عمرته ووطئ قبله فعليه دم وعمرته صحيحة.
وروي أن ابن عباس سُئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصر؟ قال: من ترك من مناسكه شيئًا أو نسيه فليهرق دمًا قِيلَ فإنها موسرة، قال: فلتنْحَر ناقةً، ويقطع التلبية متمتع ومعتمر إذا شرع في الطواف؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر».
قال الترمذي: حسن صحيح، وقال النووي: الصحيح أنه لا يلبي في الطواف ولا في السعي؛ لأن لها أذكارًا مخصوصة، ومن أجازها كره الجهر بها لئلا يخلط على الطائفين. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

س 247: اذكر ما تستحضره من سنن السعي وآدابه؟

ج: من سننه الطهارة من الحدث والنجس، فلو سعى مُحْدِثًا أو نجسًا أجزأه؛ لأنها عبادة لا تتعلق بالبيت أشبهت الوقوف بعرفة.
ومنها ستر العورة فلو سعى عريانًا أجزأه ذلك في قول أكثر أهل العلم؛ لكن ستر العورة واجب مطلقًا، ومن سننه: الموالاة بينه وبين الطواف بأن لا يفرق بينهما طويلاً، وقال عطاء: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى في آخره.
ومن سننه: السعي شديد بين الميلين، وهو سُّنة في حق الرجل القَادِر عليه.
ومن سننه: الوقوف على الصفا والمروة للدعاء فوقهما.
ومن سننه: الدعاء على كل من الصفا والمروة في كل شوط من الأشواط السبعة.
ومن سننه: قول «الله أكبر» ثلاثًا عند رقيِّه على الصفا والمروة في كل شوط، وكذا قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»، ويقول: «لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسِّرني لليسرى وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخر والأولى، واجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت إدعوني أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى تتوفاني على الإسلام، اللهم لا تقدمني للعذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن» هذا دعاء عبد الله بن عمر، قال أحمد: يدعو به، قال نافع بعده: ويدعو دعاءً كثيرًا حتى إنه ليملّنا ونحن شباب.
ومما يَنبغي للساعي أن يغض بصرهِ عن المحارم وأن يكُفَّ لسانه عن المآثم وأن لا يؤذي أحدًا من الساعين أو غيرهم بقول أو فعل، وأن يستحضر في نفسه ذلَّه وفقره وحاجته إلى الله في هداية قلبه وإصلاح حاله ونفسه وغفران ذنوبه. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

34- صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك
س 248: تكلم بوضوح عما يلي: متى يُسن لمحل بمكة وقربها ومتمتع حل من عمرته إحرام بحج؟ متى يُسن الخروج إلى منى؟ متى السير إلى عرفة؟ وما الذي تتَضمَّنه الخطبة بنمرة؟ وإذا فرغ من الخطبة فماذا يعمل؟ واذكر ما تستحضره من الدعاء في يوم عرفة؟

ج: يُسن لمحل بمكة وقربها ومتمتع حل من عمرته إحرام بحج في ثامن ذي الحجة وهو يوم التروية؛ لقول جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومَن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج سمي الثامن بذلك؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه الماء لما بعده إلا من لم يجد هديًا وصام فيستحب له أن يحرم في سابع ذي الحجة ليصوم الثلاثة أيام في إحرام الحج.
ويُسن لمن أحرم من مكة أو قربها أن يكون إحرامه بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات من الغسل والتنظيف والتطيب في بدنه وتجرده من المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين وبعد طواف وصلاة ركعتين ولا يطوف بعده لوداعه؛ لعدم دخول وقته فلو طاف وسعى بعده لم يجزئه سعيه لحجه ويحرم ندبًا من مسكنه؛ لأن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أقاموا بالأبطح وأحرموا بالحج منه يوم التروية عن أمره -صلى الله عليه وسلم-، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا عنده أو عند الميزاب ولو كان ذلك مشروعًا لعلمهم إياه والخير كله في اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه - رضي الله عنهم - وجاز وصح إحرامه من خارج الحرم ولا دم عليه ثم يخرج إلى منى قبل الزوال ندبًا فيصلي بها الظهر مع الإمام ثم يقيم بها إلى الفجر ويصلي مع الإمام؛ لحديث جابر وَرَكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فإذا طلعت الشمس يوم عرفة سار من منى، فأقام بنمرة إلى الزوال فيخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة مفتتحة بالتكبير يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة؛ لحديث جابر: «إذا جاء عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرَحِلتْ له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس ثم يجمع من يجوز له الجمع لمن بعرفة من مكيّ وغيره» قاله في الشرح.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك كل من صلى مع الإمام، وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخًا إلحاقًا له بالقصر والصحيح الأول؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع معه من حضر من المكيين وغيرهم فلم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا، فإنا سفر» ولو حرم لبينه لهم؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخطأ، وقد كان عثمان - رضي الله عنه - يتم الصلاة؛ لأنه اتخذ أهلاً ولم يترك الجمع، وروى نحو ذلك عن ابن الزبير وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة، فخرج فجمع بين الصلاتين، ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين الخلاف في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه فلا يعرِّج على غيره؛ فأما قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكة، وبه قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال القاسم بن محمد سالم، ومالك والأوزاعي لهم القصر؛ لأن لم الجمع فكان لهم القصر كغيرهم، وفي «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» في (26/ 129): ويسيرون منها إلى نمرة على طريق ضب من يمين الطريق ونمرة كانت قرية خارجة من عرفات من جهة اليمين فيقيمون بها إلى الزوال، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي وهو موضع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة، وهناك مسجد يقال له: مسجد إبراهيم؛ وإنما بني في أول دولة بني العباس، فيصلي هناك الظهر والعصر قصرًا، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصلي خلفه جميع الحاج أهل مكة وغيرهم قصرًا وجمعًا، يخطب بهم الإمام كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعيره ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام ثم يصلي كما جاءت بذلك السُّنة ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرًا ويقصر أهل مكة وكذلك يجمعون للصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى، كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ومزدلفة ومنى، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه أحدًا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى، أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر.
ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ؛ ولكن المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة.
وأما في حجه؛ فإنه لم ينزل بمكة؛ ولكن كان نازلاً خارج مكة وهناك كان يصلي بأصحابه. وفي (ص168) قال: ومن سُّنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإن هذا مما يعلم بالاضطرار لمن تتبع الأحاديث أنه لم يكنُ وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وعليه يدل كلام أحمد. انتهى.
ويعجل لحديث جابر: «ثم أذَّن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا»، وقال سالم للحجاج بن يوسف يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السُّنة فقصر الخطبة، وعجل الصلاة، فقال عمر: «صدق» رواه البخاري. ثم يأتي عرفة وكلها موقف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «فقد وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» رواه أبو داود وابن ماجه إلا بطن عُرَنة؛ لحديث: «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة» رواه ابن ماجه فلا يجزي وقوفه فيه؛ لأنه ليس من عرفة كمزدلفة وعرفة من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر، وسن وقوفه راكبًا لفعله –عليه الصلاة والسلام- وقف على راحلته بخلاف سائر المناسك فيفعلها غير راكب.
وسن وقوفه مستقبل القبلة عند الصخرات وجبل الرحمة ولا يشرع صعوده ويرفع يديه واقفًا بعرفة ندبًا ويكثر الدعاء والاستغفار والتضرع وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة ويحاسب نفسه ويجدد توبة نصوحًا؛ لأن هذا يوم عظيم ومجمع كبير يجود الله فيه على عباده ويباهي بهم ملائكته.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» أخرجه مسلم والنسائي، وقال: عبدًا أو أمة من النار.
وعن طلحة بن عبد الله بن كريز أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لِمَا يرى من تنزَّل الرَّحَمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رُئي يوم بدر»، قيل: وما رُئي يوم بدر؟ قال: «أما أنه رأى جبريل يزع الملائكة» أخرجه مالك. ويجتهد في أن يقطر من عينه قطرات من الدموع، ويكرر الاستغفار، والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، ويسأل الله أن يعتقه من النار؛ لأنه يوم يكثر فيه العتقاء من النار، وما رُئي الشيطان في يوم هو أدحر ولا أصغر منه في يوم عرفة إلا ما رُئي يوم بدر. وذلك لما يرى من وجود الله على عباده وإحسانه إليهم وكثرة عتقه ومغفرته.
ويكرر الدعاء ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري؛ لحديث: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» رواه مالك في «الموطأ».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «كان أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير».
وعن الزبير بن العوام قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} وأنا على ذلك من الشاهدين يارب». أخرجهما أحمد في «المسند».
وعن علي –عليه السلام- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أكثر من كان قبلي من الأنبياء ودعائي يوم عرفة أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي قلبي نورًا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر، وشر فتنة ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر» أخرجه البيهقي.
وعن طلحة بن عبد الله بن كريز قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» أخرجه مالك وأخرجه البيهقي في كتاب «الدعوات الكبير» هكذا مرسلاً مبتورًا.
وعن سالم بن عبد الله أنه كان يقول بالموقف: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله ولو كره المشركون، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأولين، ولم يزل يقول ذلك حتى غابت الشمس، ثم التفت إلى بكير بن عتيق، فقال: قد رأيت لو ذانَكَ بي اليوم، ثم قال: حدثني أبي عن أبه عمر بن الخطاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» أخرجه أبو ذر.

س 249: تكلم عن وقت الوقوف؟ وماذا يلزم من وقف نهارًا ودفع قبل الغروب مع ذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو خلاف؟

ج: وقت الوقوف بعرفة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر؛ لقول جابر: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع»، قال أبو الزبير، فقلت له: أقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك؟ قال: نعم. وعن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء أكللت راحتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل ي من حج، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وعن عبد الرحمن بن يعمر أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بعرة، فسألوه، فأمر مناديًا فنادى: «الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل الطلوع الفجر، فقد أدرك» الحديث رواه الخمسة. ودخول وقت الوقوف بعرفة من طلوع الفجر يوم عرفة (من المفردات).

قال ناظم المفردات:
وقت الوقوف عندنا فيدخلُ ... في يوم تعريف بفجر نقلوا

وقال مالك والشافعي وغيرهما: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة واختاره أبو حفص العكبري، وحكاه بعضهم إجماعًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وقف بعد الزوال، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» واختاره الشيخ تقي الدين. ووجه الدلالة للقول الأول: ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : «فمن وقف بعرفة ساعَةً من ليل أو نهار، فقد تم حجه» ولأنه من يوم عرفة فكان وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، قاله في «المغني»، والقول الأول هو الذي يترجح عندي، وأن ابتداءه من فجر يوم عرفة. والله أعلم.
فمن حصل في هذا الوقت بعرفة ولو لحظة، وهو أهل ولو مارًا أو نائمًا أو حائضًا أو جاهلاً أنها عرفة صح حجه؛ لعموم حديث عروة بن مضرس، وتقدم لا إن كان سكرانًا أو مغمى عليه؛ لعدم العقل إلا أن يفيقوا وهم بها قبل خروج وقت الوقوف، وكذا لو أفاقوا بعد الدفع منها وعادوا فوقفوا بها في الوقت.
ومن فاته الوقوف بعرفة بأن طلع فجر يوم النحر ولم يقف بها فاته الحج، ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارًا؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - مع قوله: «خذوا عني مناسككم». فإن دفع قبل غروب الشمس ولم يعد بعد الغروب من ليلة النحر إلى عرفة أو عاد إليها قبل الغرُوب ولم يقع الغرُوب وهو بعرفة فعليه دم لتركه واجبًا؛ فإن عاد إليها ليلة النحر فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف في النهار والليل، كمن تجاوز الميقات بلا إحرام ثم عاد إليه فأحرم منه.
ومن وقف ليلاً فقط فلا دم عليه؛ لحديث من أدرَكَ عرفات بليل فقد أدرك الحج؛ ولأنه لم يدرك جزءًا من النهار فأشبه مَن منزله دون الميقات إذا أحرم منه.
ووقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة، عن أنس - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس» رواه الترمذي. وعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يوم الجمعة إثنتي عشرة ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله عز وجل شيئًا إلا آتاه إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» رواه أبو داود والنسائي، واللفظ له، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. قال ابن القيم في «الهدي»: وأما ما استفاض على ألسنة العوام من أنها تعدل إثنتين وسبعين حجة باطل لا أصل له.

س 250: بيِّن حدود مزدلفة؟ ولم سميت بذلك؟ ومتى وقت الدّفع إليها وما صفته؟ وماذا يعمل إذا بلغ مزدلفة؟ ومتى وقت الدفع من مزدلفة؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل أو تفصيل أو خلاف؟

ج: يدفع بعد الغروب من عرفة إلى مزدلفة وحدها ما بين المأزمين ووادي محسّر، وسميت بذلك من الزّلف وهو التقرُّب؛ لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي تقربوا ومضوا إليها، وتسمى أيضًا: جمعًا، لاجتماع الناس بها. ويُسن كون دفعه بسكينة؛ لقول جابر ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك وحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة ويسرع في الفجوة؛ لحديث أسامة بن زيد: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير العنق؛ فإذا وجد فجوة نصّ أي أسرع»، فإذا بلغ مزدلفة جمع العشاءين بها من يجوز له الجمع قبل حط رحله؛ لحديث أسامة بن زيد قال: «دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل، فبال ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول الله، فقال: «الصلاة أمامك» فركب، فلما جاء مزدلفة، نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما» متفق عليه. وإن صلى المغرب بالطريق ترك السُّنة وأجزأه؛ لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة، وفعله –عليه الصلاة والسلام- محمول على الأفضل.
ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو مزدلفة جمع وحده لفعل ابن عمر ثم يبيت بمزدلفة وجوبًا؛ لأنه –عليه الصلاة والسلام- بات بها، وقال: «خذوا عني مناسككم» وليس بركن لحديث: «الحج عرفة، فمن جاء قبل ليلة جمع، فقد تم حجه» أي جاء عرفة. وللحاج الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل؛ لحديث ابن عباس: «كنت فيمن قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى» متفق عليه.
وعن عائشة قالت: «أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلة النحر فزمَتَ قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت» رواه أبو داود.
وعن أم حبيبة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بها من جمع بليل. وعن عائشة: كانت سودة امرأة ثبطة، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تفيض من جمع بليل، فأذن لها، قالت عائشة: «فليتني استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة» وكانت عائشة لا تَفيضُ إلا مع الإمام، أخرجه الشيخان.
والأولى أن لا يخرج من مزدلفة قبل الفجر إلا الضعفة من النساء والصبيان ونحوهم؛ فإنه يجوز لهم الخروج منها ليلاً إذا غاب القمر. أما الدليل على أن الإذن بالدفع قبل الفجر يختص بالضعفة، فحديث ابن عباس؛ ولما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لضعفة الناس أن يدفعوا من المزدلفة بليل. أخرجه أحمد.
وعند أنه كان يقدم نساءه وصبيانه من المزدلفة إلى منى حتى يصلوا الصبح بمنى ويرموا قبل أن يأتي الناس. أخرجه مالك والبغوي في «شرحه». وعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أنه كان يقدم أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعفة أهله من جمع بليل إلى منى قبل الفجر، وفي رواية: «أن عبد الرحمن كان يصلي بأمهات المؤمنين الصبح بمنى» أخرجه سعيد بن منصور.
وعن طلحة بن عبيد أنه كان يقدم أهله من المزدلفة حتى يصلوا الصبح بمنى، أخرجه مالك وسعيد بن منصور.
وأما الدليل على أنه إذا غاب القمر، فلما ورد عن عبد الله مولى أسماء قال: قالت أسماء عند دار المزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت لي: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: ارتحل، فارتحنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها، فقلت لها: أي هَنْتَاهْ، لقد غسلنا، فقالت: كلا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظُّعْن، ومن طريق آخر: أذن للضعفة. أخرجه الشيخان. والله أعلم.

س 251: تكلم بوضوح عن الدفع من مزدلفة قبل نصف الليل؟ وهل يجب على من دفع قبله شيء؟ وما هو الذي يقال عند المشعر الحرام؟ وما الحكمة في التبكير في صلاة الصبح إذا أصبح بها ومتى يسير منها؟ واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل؟

ج: وفي الدفع من مزدلفة قبل نصف الليل على يغر رعاة وغير سقاة زمزم دمٌ مَا لمْ يَعُدْ إليها قبل الفجر؛ فإن عاد إليها قبله فلا دم عليه، ومَن أصبح بمزدلفة صلى الصبح بغلس؛ لحديث جابر الذي رواه مسلم وأبو داود، وفيه: «ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب» الحديث. وقال ابن مسعود: «ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» رواه الثلاثة. وليتسع وقت وقوفه بالمشعر الحرام فرقي عليه إن سهل أو وقف عنده وحمد الله وهلَّل وكبر ودعا، فقال: اللهم كما وقَّفْتَنا فيه وأريتنا إياه، فَوفَّقْنا لذكرك، كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا، كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ} الآيتين إلى {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يكرره إلى الإسفار؛ لحديث جابر مرفوعًا: «لم يزل واقفًا عن المشعر الحرام حتى أسفر جدًّا، فإذا أسفَرَ جدًّا سار قبل طلوع الشمس»، قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالفهم، فأفاض قبل أن تطلع الشمس. رواه البخاري. ويسير إذا دفع من المزدلفة وعليه السكينة لحديث ابن عباس ثم أردف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفضل بن عباس ثم قال: «أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة» فإذا بلغ محسر أسرع رمية حجر إن كان ماشيا وإلا حرك دابته لقول جابر حتى أتى محسرًا فحرك قليلاً، وعن ابن عمر أنه كان يجهد ناقته إذا مر بمحسر أخرجه سعيد بن منصور.



المجلد الثاني 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 6:14 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 49808
العمر : 72

المجلد الثاني Empty
مُساهمةموضوع: رد: المجلد الثاني   المجلد الثاني Emptyالجمعة 06 نوفمبر 2015, 8:27 pm

س 252: تكلم عن حصى الجمار بوضوح؟ مبيِّنًا ما يجزي الرمي به، ومقداره؟ وما لا يجزي الرمي به وعدده؟ وحُدُودَ منى وبأي الجمار يبدأ؟ وما الذي يشترط للرَّمي؟ وما صفة الرمي؟ وما الذكر الذي يُقال مع كل حصاة؟ ومتى وقت الرمي؟ وماذا يعمل بعد الرمي؟ ومتى يحل؟

ج: يأخذ حصى الجمار من حيث شاء وعدده سبعون حصاة أكبر من الحمص ودون البندق كحصى الخَذْف؛لحديث ابن عباس:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداة العقبة: «الْقطْ لي حَصىَ» فَلَقَطتُ له سبعَ حصيات من حصى الخذف فجعل يقبضهنَّ في كفه، ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس، إياكم والغلوَّ في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوَّ في الدين» رواه ابن ماجه. وكان ذلك بمنى، قاله في «الشرح الكبير».
ولا يُسنَّ غسل الحصَى، قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، ولا يرمي بحَصىَ قد رُميَ به، والسُّنة التقاطُ سبع في اليوم الذي يرمي به جمرة العقبة اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ أما الأيام الثلاثة فيلتقط كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاثة.
ولا تجزي صغيرة جدًا أو كبيرة، ولا بغير الحصى كجوهر وزمرد وياقوت وذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى بالحصى، وقال: «خذوا عني مناسككم»، فإذا وصل منى وهو ما بين وادي محسَّر وجمرة العقبة بَدأ بها فرماها راكبًا أو ماشيًا كيفما شاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماها على راحلته، رواه جابر وابن عمر وأمَّ أبي الأحوص وغيرهم.
وقال جابر: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعَلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم.
وقال نافع: وكان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، رواه أحمد في «المسند».
ويرميها بسبع واحدة بعد أخرى؛ لحديث جابر حتى إذا أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، ويشترط الرمي للخبر، فلا يجزي الوضع في المرمى؛ لأنه ليس برمي، ويجزي طرحها، ويشترك كون الرمي واحدة بعد واحد، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن حصاة واحدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى سبع رميات، وقال: «خذوا عني مناسككم» ويشترط عِلْمُهُ بحصولها في المرمى في جمرة العقبة، وفي سائره الجمرات؛ لأن الأصل بقاء الرمي في ذمّته فلا يزول بالظن ولا بالشك فيه، ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله؛ لحديث عائشة مرفوعًا: «أمَرَ أمَّ سَلمَةَ ليلة النحر فرمت جمرة العَقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» رواه أبو داود.
وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الفجر احتج به أحمد؛ ولأنه وقت للدفع من مزدلفة أشبه ما بعد طلوع الشمس.
وقال في «المغني»: وَلرَمي هذه الجمرة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء؛ فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس.
قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رماها ضحى ذلك اليوم.
وقال جابر: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» أخرجه مسلم.
وقال ابن عباس: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُغَيْلمَةَ بني عبد المطلب على أحْمِرَاتٍ لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: «يا بني عبد المطلب، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» رواه ابن ماجه، وكان رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع وكان أولى.
وأما وقت الجواز، فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى عكرمة بن خالد والشافعي، وعن أحمد أنه يجزي بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال مجاهد والثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس؛ لما روينا من الحديث، انتهى. فإن غربت شمس يوم النحر قبل الرمي؛ فإنه يرمي تلك الجمرة من غد بعد الزوال؛ لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة؛ لما في حديث جابر: «يكبر مع كل حصاة منها، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا».
لما روى حنبل عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، ثم قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا فذكره، فسألته عما صنع، فقال: حدثني أبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى جمرة العقبة من هذا المكان ويقول: كلما رمى مثل ذلك ويستحب أن يرميها من بطن الوادي ويجعل في حالة الرمي البيت عن يساره ومنى عن يمينه؛ لما ورد عن عبد الله بن مسعود أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: «هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» متفق عليه.
ولمسلم في رواية جمرة العقبة، وفي رواية لأحمد: أنه انتهى إلى الجمرة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب يكبر مع كل حصاة، وقال: «اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا»، ثم قال: «هاهنا كان الذي أُنزلت عليه سورة البقرة» ويرفع يمناه إذا رمى حتى يرى بياض إبطه؛ لأنه معونة على الرمي ولا يقف عندها.
لما أخرجه البخاري عن الزهري قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا رمى الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم ينحدر أمامها فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه ويدعو، وكان يطيل الوقوف، ويأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ويكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل البيت رافعًا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رماها بحصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها».
وروى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف» رواه ابن ماجه، ولضيق المكان، وله رمي جمرة العقبة من فوقها لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها.
ويقطع التلبية بأول الرمي؛ لحديث ابن عباس أن أسامة كان ردف النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، وكلاهما قال: «لم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي حتى رمى جمرة العقبة»، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة، رواه حنبل في «المناسك».
ثم ينحر هديًا معه واجبًا كان أو تطوعًا؛ لقول جابر: «ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر وأشركه في هديه»؛ فإن لم يكن معه هدي وعليه واجب اشتراه، وإذا نحرها فرقها لمساكين الحرم أو أطلقها لهم.
ثم يحلق؛ لقوله تعالى: { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } وسّنَّ اسِتقبالُ محلوِق رأسه للقبلة كسائر المناسك، وسن بداءة بشقه الأيمن؛ لما ورد عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق وناوله الخالق شقه الأيمن، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناول الشق الأيسر، فقال: «احلق»، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: «اقسمه بين الناس». متفق عليه. وكان - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في شأنه كله.
ويُسن أن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصدغ من الوجه؛ لأن ابن عمر كان يقول للحالق: أبلغ العظمين، أفصل الرأس من اللحية، وكان عطاء يقول: من السُّنة إذا حلق أن يبلغ العظمين، قال جماعة: ويدعو، قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق؛ لأنه نسك، وإن قصَّر فمن جميع شعر رأسه لا من كل شعرة بعينها؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه، والأصل في ذلك قوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} وهو عام في جميع شعر الرأس، وقد حلق -صلى الله عل