منتديات إنما المؤمنون إخوة (2022 - 2010) The Believers Are Brothers
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2022 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالأحداثالتسجيل
قال الفيلسوف توماس كارليل في كتابه الأبطال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مُتمدين من أبناء هذا العصر؛ أن يُصْغِي إلى ما يظن من أنَّ دِينَ الإسلام كَذِبٌ، وأنَّ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- خَدَّاعٌ مُزُوِّرٌ، وآنَ لنا أنْ نُحارب ما يُشَاعُ من مثل هذه الأقوال السَّخيفة المُخْجِلَةِ؛ فإنَّ الرِّسَالة التي أدَّاهَا ذلك الرَّسُولُ ما زالت السِّراج المُنير مُدَّةَ اثني عشر قرناً، لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم اللهُ الذي خلقنا، (وقت كتابة الفيلسوف توماس كارليل لهذا الكتاب)، إقرأ بقية كتاب الفيلسوف توماس كارليل عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، على هذا الرابط: محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

يقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتاب (العرب): "لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين) فكان محمدٌ رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق".
فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البُلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابهِ بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذَكَرَهَا باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم.
المهندس حسن فتحي فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء: هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّجَ من المُهندس خانة بجامعة فؤاد الأول، اشْتُهِرَ بطرازهِ المعماري الفريد الذي استمَدَّ مَصَادِرَهُ مِنَ العِمَارَةِ الريفية النوبية المَبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعُثماني.
رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَةٍ.. فوائدُ فيروس كورونا غير المتوقعة للبشرية أنَّه لم يكن يَخطرُ على بال أحَدِنَا منذ أن ظهر وباء فيروس كورونا المُستجد، أنْ يكونَ لهذه الجائحة فوائدُ وإيجابيات ملموسة أفادَت كوكب الأرض.. فكيف حدث ذلك؟!...
تخليص الإبريز في تلخيص باريز: هو الكتاب الذي ألّفَهُ الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" رائد التنوير في العصر الحديث كما يُلَقَّب، ويُمَثِّلُ هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث.
الشيخ علي الجرجاوي (رحمه الله) قَامَ برحلةٍ إلى اليابان العام 1906م لحُضُورِ مؤتمر الأديان بطوكيو، الذي دعا إليه الإمبراطور الياباني عُلَمَاءَ الأديان لعرض عقائد دينهم على الشعب الياباني، وقد أنفق على رحلته الشَّاقَّةِ من مَالِهِ الخاص، وكان رُكُوبُ البحر وسيلته؛ مِمَّا أتَاحَ لَهُ مُشَاهَدَةَ العَدِيدِ مِنَ المُدُنِ السَّاحِلِيَّةِ في أنحاء العالم، ويُعَدُّ أوَّلَ دَاعِيَةٍ للإسلام في بلاد اليابان في العصر الحديث.


 

 المقالة الخامسة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 5:43 pm

المقالة الخامسة
الفصل الأول
في ذِكْرِ مقدِّمة يتوقَّف عليها إدراك عِلَّةِ خُرُوج الفرنساوية عن طاعة مَلِكِهِمْ
اعلم أن هذه الطائفة متفرقة في الرأي فرقتين أصليتين، وهما:
الملكية والحرية، والمُراد بالملكية أتباع الملك القائلون بأنه ينبغي تسليم الأمر لولي الأمر، من غير أن يُعارض فيه من طرف الرَّعية بشيء، والأخرى تميل إلى الحرية، بمعنى أنهم يقولون: لا ينبغي النظر إلا إلى القوانين فقط، والملك إنما هو مُنَفِّذٌ للأحكام على طِبْقِ ما في القوانين، فكأنه عبارة عن آلة، ولا شك أن الرَّأيين مُتباينان؛ فلذلك كان لا اتحاد بين أهل فرنسا، لفقد الاتفاق في الرَّأي، والملكية أكثرهم من القسوس وأتباعهم، وأكثر الحريين من الفلاسفة والعلماء والحكماء وأغلب الرَّعية.

فالفرقة الأولى تحاول إعانة الملك، والأخرى ضعفه وإعانة الرعية، ومن الفرقة الثانية طائفة عظيمة تريد أن يكون الحكم بالكلية للرعية، ولا حاجة إلى ملك أصلاً، ولكن لما كانت الرعية لا تصلح أن تكون حاكمة ومحكومة، ويجب أن توكل عنها من تختاره منها للحكم، وهذا هو حكم الجمهورية ويقال للكبار: مشايخ وجمهور.

وشريعة الإسلام التي عليها مدار الحكومة الإسلامية مشوبة بالأنواع الثلاثة المذكورة لِمَنْ تَأمَّلهَا وعرف مصادرها ومواردها، فعلن من هذا أن بعض الفرنساوية يريد المملكة المطلقة، وبعضهم يريد المملكة المقيدة بالعمل بما في القوانين، وبعضهم يريد الجمهورية، وقد سبق للفرنساوية أنهم قاموا سنة ١٧٩٠ من الميلاد وحكموا على ملكهم وزوجته بالقتل، ثم صنعوا جمهورية، وأخرجوا العائلة السلطانية المسماة "البربون" من مدينة "باريس" وأشهروهم مثل الأعداء وما زالت الفتنة باقية الأثر إلى سنة ١٨١٠ ميلادية، ثم تسلطن "بونابارته" المسمى: "نابليون" وتلقب بسلطان سلاطين: ثم لما كثرت محارباته وكثر أخذه للممالك وخيف بأسه وبطشه تعاهد عليه ملوك الإفرنج؛ ليخرجوه من المملكة، فأخرجوه منها، مع محبة الفرنساوية له، وأعادوا البربون إلى محلهم رغمًا عن أنف الملة الفرنساوية، فكان أول من تسلطن منهم "لويز الثامن عشر" ولأجل تغريب الناس في حكمه وتمكين ملكه صنع قانونًا بينه وبين الفرنساوية بمشورتهم ورضائهم، وألزم نفسه أن يتبعه ولا يخرج عنه، وهو الشرطة، وقد ذكرناها مترجمة في باب سياسة الفرنساوية ولا شك أن وعد الكريم ألزم من دين الغريم.         

وقد جعل هذا القانون له ولمن بعده من ورثة مملكة الفرنساوية، وأنه لا يزاد فيه ولا ينقص إلا إذا اتفق عليه الملك وديوان "البير" وديوان وكلاء الرعية، فلا بد من الديوانين والملك، ويقال إنه صنع ذلك على غير مراد أهله وأقاربه وهم يحبون التصرف المطلق في الرعية، ويقال: إنهم تعصبوا عليه، وكان رئيس العصبة أخاه "كرلوس العاشر" حتى إنه اطلع على ما أخفاه له فأبطله: ويقال إن كرلوس العاشر أراد في "كبر لويز الثامن عشر" أن ينقص ذلك القانون، ويرجع إلى طريق إطلاق التصرف، فلم يمكنه ذلك، ثم بعد موت أخيه أظهر "كرلوس" الحيلة، وأبطل ما كان نواه، وأظهر أنه لا يريد شيئًا من ذلك، وجوز لكل إنسان أن يبدي في الكازيطات رأيه بالكتابة من غير أن ينظر فيه قبل طبعه وإظهاره فصدق الناس كلامه واعتقدوا أنه لا يخلف وعده، بل فرحت سائر الرعية بتدبيره ومشيه على القوانين، ثم إنه انتهى أمره إلى أن هتك القوانين التي هي شرائع الفرنساوية وخالفها، وقبل هتكه للشريعة بانت منه أمارات ذلك بمجرد تقليده الوزارة للوزير: "بولنياق" وهو معلوم المذهب والتدبير، يعني أنه يميل إلى كون الأمر لا يكون إلا للملك، ويقال إن هذا الوزير هو ابن زنا، زنت أمه بهذا الملك، فولدته منه، فهو في الحقيقة أبوه، وشهير بالظلم والجور، ومن الحكم التي في غاية الشيوع: أن ظلم الأتباع مضاف إلى المتبوع، وفي الحديث: (من سل سيف الجور سل عليه سيف الغلبة ولازمه الهم).

وقال الشاعر:
من أنصف الناس ولم ينتصف
بفضله منهم فذاك الأمير
ومن يرد إنصافه مثل ما
أنصف أضحى ما له من نظير
ومن يرد إنصافه، وهو لا
ينصفهم فهو الدنيء الحقير


ولَمَّا كان هذا الوزير سابقًا "إيلجيًا" ببلاد الإنكليز من طرف الفرنساوية، يعني رسولاً للمصالح بين الدولتين، كانت الفرنساوية تنسب إليه كل ما خالف مذهب الحرية، وكلما شاع عنه أنه راجع إلى فرنسا يظن جميع الناس أنه لا يأتي إلا ليتقلد منصب الوزارة ويغير القوانين؛ فلذلك كان يبغضه سائر أرباب الحرية وأغلب الرعية، وقد عرف الفرنساوية من قبل أن اختياره للوزارة كان مقصودًا لمهم، وقد حصل بعد توليته بنحو سنة.

وقد قلنا فيما سبق:
إن ديوان رسل العمالات الذين هم وكلاء الرعية يجتمعون كل سنة للمشورة العمومية، فلما اجتمع هذا الديوان عرضوا على الملك أن يعزل هذا الوزير ومن معه من الوزراء الستة، فلم يصغ لكلامهم أصلاً، وقد رجت العادة أن ديوان المشورة يعمل فيه جميع الأشياء بمقالة أكثر أربابه، وكان المجتمع في هذا الديوان للمشورة في قضية الوزراء أربعمائة وثلاثون نفسًا، منها ثلثمائة لا يرضون بإبقاء الوزراء، ومنهم مائة وثلاثون يحبون إبقاءهم، فكان العدد الأكثر عليهم، والعدد الأقل لهم، فتيقنوا عزلهم، وكان الملك يحب إبقاءهم، لاستعانته بهم على تنفيذ ما أضمره في نفسه فأبقاهم، ثم خرم القانون بعدة أوامر ملكية فكانت عاقبتها خروجهم وإخراجهم له من بلادهم معزولاً.

فهو كما قال الشاعر:
لم يدرِ ما يجني عليه القول
ولا لماذا أمره يؤول
يلقي الكلام كيف ما ألقاه
لم يحسن الفكرة في عقباه
وهكذا التهوير في المقال
وصحبة الأشرار والجهال
يخفضك الجاهل أنَّى رفعك
يرديك وهو زاعمٌ أن ينفعك



المقالة الخامسة 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 12:01 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: رد: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 5:49 pm

الفصل الثاني
في ذِكْرِ التغيُّرات التي حصلت وما تَرَتَّبَ عليها من الفتنة
قد سبق لنا من القوانين السَّالفة في الكلام على حقوق الفرنساوية في المادة الثامنة أنه لا يمنع إنسان في فرنسا من أن يُظهر رأيه، ويكتبه ويطبعه، بشرط أن لا يضر ما في القوانين، فإن أضَرَّ به أزيل، فلمَّا كانت سنة ١٨٣٠، وإذا بالملك قد أظهر عِدَّةَ أوامر.

منها:
النَّهي عن أن يُظهر الإنسان رأيه، وأن يكتبه أو يطبعه بشروط مُعَيَّنَة، خُصُوصًا "للكازيطات" اليومية، فإنه لا بد في طبعها من أن يطلع عليها أحد من طرف الدولة، فلا يظهر منها إلا ما يريد إظهاره، مع أن ذلك ليس حق الملك وحده، فكان لا يمكنه عمله إلا بقانون، والقانون لا يصنع إلا بإجماع آراء ثلاثة: رأي الملك ورأي أهل ديواني المشورة يعني ديوان البير، وديوان رسل العمالات، فصنع وحده ما لا ينفذ إلا إذا كان صنعه مع غيره، وغير أيضًا في هذه الأوامر شيئًا في مجمع اختيار رسل العمالات، يعني في الذين يختارون رسل العمالات ليبعثوها في "باريس" وفتح ديوان العمالات قبل أن يجتمع مع أنه كان حقه ألا يفتحه إلا بعد اجتماعهم كما فعله في المرة السابقة، وهذا كله على خلاف القوانين.

ثم إن الملك لَمَّا أظهر هذه الأوامر كأنه أحس في نفسه بحصول مخالفة، فأعطى المناصب العسكرية لعدة رؤساء مشهورين بأنهم أعداء للحرية، التي هي مقصد رعية الفرنساوية، وقد ظهرت هذه الأوارم بغتة حتى ظهر أن الفرنساوية كانوا غير مستعدين لها، وبمجرد حصول هذه الأوامر قال غالب العرافين بالسياسات: إنه يحصل في المدينة محنة عظيمة يترتب عليها ما يترتب.

وكما قال الشاعر:
أرى بين الرماد وميض جمر
ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعيدان تذكو
وإن الحرب أولها الكلام


ففي مساء اليوم الذي ظهرت فيه هذه الأوامر في "الكازيطات" أخذ الناس في الحركة بقرب المحل المُسَمَّى بالروايال "يعني" السراية السلطانية التي سكنها عائلة أقارب الملك المسماة "عائلة أورليان" التي منها الملك الآن، وهذا الوقت ظهر الغم على وجوه الناس، وكأن هذا يوم السادس والعشرين في شهر يوليه، وفي يوم السابع والعشرين منه لم يظهر غالب "كازيطات" الحرية لعدم رضائها بالشروط، فلذلك بلغت الأوامر جميع الناس حصلت حركة عظيمة بعدم ظهور "الكازيطات" التي من عادتها أنها لا تفتر عن الظهور إلا لمهم عظيم، فأغلقت "الورشات" والمعامل (والفبريقات) والمدارس، فظهر بعض كازيطات الحرية آمرة بعصيان الملك والخروج عن طاعته، ومعددة لمساوية وفرقت على الناس من غير مقابل، وبهذه الديار، بل وفي غيرها قد يبلغ الكلام؛ حيث تقصر السهام، خصوصًا مادة الخطات، فإنها قوية وخصوصًا بلاغة الإنشاء، فلها مدخلية عظيمة كما قيل: إن نزل الوحي على قوم بعد الأنبياء نزل علي بلغاء الكتاب! خصوصًا إذا كان ما يذكر في تلك اليوميات مقبولاً عند العامة، ومقصودًا عند الخاصة، فإن هذا هو عين البلاغة الصحيحة؛ إذ هي ما فهمته العامة، ورضيت به الخاصة، فلما سمع بذلك ولاة الحسبة حضروا في المحال العامة، ومنعوا الناس من قراءة هذه "الكازيطات"، وحاصروا مطابعها، وهموا بكسر آلات الطباعة، وكسروا بعضها، وحبسوا من اتهموه من الطباعين، (وبهدلوا) كثيرًا ممن أظهر شيئًا مخالفًا لترتيب الملك من الرعية، وهذا أيضًا مما قوى غضب الفرنساوية، فكتب أرباب هذه الكازيطات يعني رؤساء الفرنساوية الذين هم يكتبون فيها آراءهم "ورقة إنكار" وأشهروها وعددوا نسخها، ولصقوها بجدران المدينة وأمروا فيها الرعية بالحرب، وعينوا محمله، وكان الميعاد في درب "سراية باليروايال"١ فازدحم فيه كثير من الأمم، وفيما حوله من الحارات، فكانت العساكر السلطانية تحاول تفريق هذا الازدحام، فعظم دويّ الرعية، وكثرت أصواتهم، وظهر غضبهم في سائر الدروب والحارات، فهجم العسكر على الرعية، والتحم القتال بين الفريقين، فكان الرعية تقاتل أولاً بالأحجار، والعساكر بالسيوف وآلات الحرب، فكثر القتال وعظمت المطاردة من الجانبين، ثم بحث الرعية عن آلات الحرب، وظهر صوت البارود من الجانبين، في مدينة "باريس" فكأنما لسان حال الفرنساوية الذي هو أصدق من لسان مقالهم جعل يقول:
إن بني عمك فيهم رماح فعظم القتال

وكان أكثر المقتول والمجروح من الرعية

كما قال الشاعر:
فالحرب تنكح، والنفوس مهورها
ما بين أبكار تزف وعون
وترى الدماء على الجراح طوافيا
وكأنها رمد بنُجل عيون


فاشتد غضبهم، وعرضوا القتلى في المحال العامة، لتحريض الناس على القتال، وإظهار عيوب العساكر، وقامت أنفس الناس على ملكهم؛ لاعتقادهم أنه أمر بالقتال، فما مررت بهذا الوقت بحارة إلى وسمعت فيها: السلاح! السلاح، أدام الله الشرطة، وقطع دابر الملك! فمن هذا الوقت كثر سفك الدماء، وأخذت الرعية الأسلحة من السيوفية بشراء أو غصب، وأغلب العملة والصنائعية خصوصًا الطباعين هجموا على (القرقولات) وخانات العساكر، وأخذوا منها السلاح والبارود، وقتلوا من فيها من العساكر، وخلع الناس شعار الملك من الحوانيت والمحال العامة، وشعار ملك الفرنسيس هي صورة "زهر الزنبق"، كما أن شعار ملك الإسلام "صورة هلال" وملك الموسقوبية "صورة عقاب"، وكسروا قناديل الحارات وقلعوا بلاط المدينة، وجمعوه في السكك المطروقة، حتى يتعذر مشي الفرسان عليه، ونهبوا (خبخانات) البارود السلطانية، فلما اشتد الأمر وعلم الملك بذلك، وهو خارج أمر بجعل المدينة محاصرة حكمًا، وجعل قائد العسكر أميرًا من أعداء الفرنساوية مشهورًا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية، مع أن هذا خلاف الكياسة والسياسة والرياسة، فقد دلهم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي، فإنه لو كان كذلك لأظهر أمارات العفو والسماح، فإن عفو المَلك أبقى للمُلك! ولما ولي على عساكره إلا جماعة عقلاء، أحبابًا له وللرعية، غير مبغوضين ولا أعداء، ولكن أراد هلاك رعاياه حيث نزلهم بمنزلة أعدائه، مع أن استصلاح العدو احزم من استهلاله.

ويحسن قول بعضهم:
عليك بالحِلم وبالحياء
والرفق بالمذنب، والإغضاء
إن لم تقل عثرة من يقال
يوشك أن يصيبك الجهال


فعاد عليه ما فعله بنقيض مراده، وبنظير ما نواه لأضداده، فلو أنعم في إعطاء الحُريّة، لأمة بهذه الصفة حَريّة، لما وقع في مثل هذه الحيرة، ونزل عن كرسيه في هذه المحنة الأخيرة، لا سيَّما وقد عهد الفرنساوية بصفة الحرية وألفوها، واعتادوا عليها وصارت عندهم من الصفات النفيسة.

وما أحسن قول الشاعر:
وللناس عادات وقد ألفوا بها
لها سنن يرعونها وفروض
فمن لم يعاشرهم على العرف بينهم
فذاك ثقيل عندهم وبغيض


وفي اليوم الثامن والعشرين أخذت الرعية من يد العساكر محلاً يسمى: "دار المدينة" الذي هو محل شيخ مدينة باريس، فعند ذلك ظهر الخفر الأهلي يعني "الرديف"٢ وهم عساكر كانت سابقًا تخفر الأهالي، كما أن للملك عساكر (ورديان)٣ تخفره وقد كان أبطلهم الملك "شرل" أو "كرلوس العاشر" فلما وقعت الفتنة ظهروا ليمانعوا عن الرعية، فشهروا أسلحتهم للقتال، وطردوا سائر العساكر من محلهم، وأحرقوا كثيرًا منها، وفي هذه الأوقات ارتفعت المحاكم، وصار الحاكم هو الرعية، ولم يمكن للدولة عمل شيء، فقد بذلت ما عندها من القوة لإخماد ذلك وتسكينه فلم تقدر عليه، فكان جميع المحافظين متحركين، و(الطبجية)٤ معينة لاثني عشر ألفًا من الورديان السلطاني، وستة آلاف من عساكر الصف، فكانت جملة العساكر السلطانية ثمانية عشر ألف نفس غير الطبجية والمحافظين، وكان من يحمل السلاح من الرعية أقل من هذا العدد ولكن من لا يحمل السلاح يحارب بالأحجار، أو يعين المتسلح، وبعد أخذ دار المدينة وسلب مدفع من العساكر الحربية ظهر انهزام سائر العساكر السلطانية بالبلدة، ثم ذهبوا إلى الديوان المسمى "لوور"٥ وإلى قصر "طويلريا"٦ وهو (سراية الملك) ووقع الحرب فيهما بين العساكر وأهل البلد، وبينما هم ف الحرب بهذا المحل؛ إذ انتشر البيرق المثلث الألوان الذي هو علامة الحرية على الكنائس والهياكل العامة، ودقت نواقيس الخطر لإعلام سائر الناس داخل وخارج "باريس" من أهل المدينة أو غيرها، بطلب حمل السلاح منهم للاستعانة على العساكر، فلما رأت العساكر أن النصرة للرعية، وأن ضرب السلاح على أهل بلادهم وأقاربهم عار عليهم امتنع أغلبهم، وعزل كثير من رؤسائهم نفسه من منصبه، وفي اليوم التاسع والعشرين في الصباح، ملك أهل البلد ثلاثة أربع المدينة، ووقع أيضًا في أيديهم قصر "طويلريا" و"لوور" فملكوهما، ونشروا عليهما بيرق الحرية، فلما سمع بذلك سر عسكر المأمور بإدخال أهل "باريس" في طاعة السلطان، رجع، فكان هذا تمام نضرة أهل البلد، حتى أن العساكر دخلت تحت (بيرق) الرعية، ومن هذا الوقت ترتب حكم وقتي وديوان مؤقت، لنظم البلاد حتى ينحط الرأي على تولية حاكم دائم، وكان رئيس هذا الحكم المؤقت سر عسكر، المسمى "لافييته"٧ وهو الذي قاتل في الفتنة الأولى للحرية أيضًا، وهذا الرجل شهير بأنه يحب الحرية، ويحامي عنها، ويعظم مثل الملوك بسبب اتصافه بهذا الوصف وكونه على حالة واحدة ومذهب واحد في "البوليتيقة" وليس صاحب قريحة، مستخرجًا للعلوم من حيز العدم كغالب رجال الفرنساوية ومشاهيرهم، خصوصًا في العلوم العسكرية، ولكن أعظم الناس مقامًا، لا قريحة وفهمًا، وليس المراد القدح في معرفته، بل في انتهاء الرياسة إليه، ومما يشاهد في سائر بلاد الدنيا أن التصدر ليس دائمًا على قدر المعرفة وإن كانت المعرفة موجبة له بالشرع والطبع، ومن الغريب أن مثل هذا الأمر يقع أيضًا في البلاد الحسنة التمدن، وأظن أن هذا كله مصداق الحديث الشريف الذي هو "ذكاء المرء محسوب عليه من رزقه".

وكما قال الشاعر:
إذا أبصرت ذا فضل فقيرًا
فلا تعجب لفقر في يديه
فقد قال النبي مقال صدق
ذكاءُ المرء محسوب عليه


وما أحسن قول الشاعر:
ولو أن السحاب همى بعقل
لما أروى مع النخل القتادا
ولو أعطى على قدر المعالي
سقى الهضبات واجتنب الوِهادا

----------------------------------
١  Le Sérail Palais Royal.
٢  الرديف: الجند الاحتياطي.
٣  يريد بهم الحرس.
٤  رجال المدفعية.
٥  Louvre.
٦  La palais des Tuileries.
٧  La Fayette.



المقالة الخامسة 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 12:02 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: رد: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 5:51 pm

الفصل الثالث
كيف كان يصنع الملك في هذه المُدَّة، وفيما جرى بعد ذلك من رضائه بالصُّلح، بعد فوات أوانه، وفي خلعه المملكة على ابنه:
اعلم أن أوامر الملك برزت منه وهو في بلدة "سنكلو" على القرب من باريس، فالفتنة حصلت في باريس، والملك لم يكن بها، ثم أن أهل المدينة بعثوا له أن يغير وزراءه، وأن يسترد أوامره، ويسترجعها، يعني أن يكتب أمرًا بأنه أعاد إليه ما كان أمر به فلم يرض بذلك، وأرسلوا إليه في ذلك عدة وكلاء، ليستعطفوه، ويترجوه في هذا المعنى، فلم يفد كلامهم.         

بل كان: أضيع من دمع على طلل، وأخبروه أن الرعية لا تريد ذلك أبدًا، وأنه ربما ترتب عليه فساد أعظم من ذلك، فأجاب بأن كلامه غير قابل للتغيير والتبديل، فلما تحقق عنده أن دولته قد أشرفت على الزوال بسبب عدم قبوله للمصالحة، أرسل يطلب منهم ذلك بنفسه، فأجابوه بأنه لم يبق محل للصلح، وأن أوان الصلح قد فات، وأنه لم يتبصر في العواقب، ومن لم يتبصر في العواقب لقي النوائب، وأنه لم يدقق النظر، وإلا لما حصل له ذلك (الضرر) وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليه اتفق رأي أهل مشورة رسل العمالات على أن يبعثوا ليترجوا "الدوق درليان" قريب لسلطان من بدنة ثانية بأن يكون قائم مقام المملكة؛ حتى تقع مشورة أخرى على من يتولى مملكتهم وكان خارج "باريس" فبمجرد ما وصله ما اقتضاه نظر هذه المشورة وصل إلى "باريس" في الحادي والثلاثين، ونزل في دار المدينة، وأجاب برضائه بما صنعه أهل هذا الديوان وعند دخوله شرع يذكر عبارة عظيمة في السبب الحامل له على الرضاء بذلك، وملخصها: أنه قد حصل لي غاية التحسر على الأمر الذي جعل "باريس" في هذه الحالة المسببة عن خرم القوانين أو تفسيرها بمعنى بشع تحتمله عبارتها، ولقد امتثلت وجئت بينكم لأخلص البلاد من الفشل، ولا بد أن ألبس معكم علامة الثلاثة ألوان التي قد لقستها كثيرًا في أول عمري، ثم ختم عبارته بقوله: والشرطة تصير من هذا الوقت حقًا، يعني أنه يعمل بقوانين المملكة، وتصير متبعة لا يحاد عنها لكونها حقًا، ولقد صارت هذه الجملة عند الفرنساوية مثلاً من الأمثال، وألفاظها بالفرنساوية في غاية الحماسة، ثم إن "شرل" العاشر ظن أنه يمكن التخلص من زوال مملكته بخلع المملكة على ابنه ونزوله عنها له.

شعر:
يود لو أن أيام الحمى رجعت
وقل أن رد شيء بعد ما ذهبا


فما كان ذات يوم في "سنكلو"١ إلا وخرج ابنه "الدوفين"٢ في ساحة، وجمع فيها العساكر، وأعلمهم بأن أباه وَلّاهُ مَلِكًا، فتلقت العساكر هذا الخبر باستخفاف وبغير اعتناء.

ثم إن الملك لَمَّا ولّى ابنه سافر مع ديوانه وجلسائه في ليلة التاسع والعشرين من شهر يوليه، وبقي الدوفين وحده ينتظر عاقبة توليته، فأحضر جميع من معه من العساكر، وسيرها قدامه، ليرى كيفيتها، فلما علم أنها لا ترضى بالمحاربة معه، نوى السفر، وخرج من "سنكلو" فبعد عدة ساعات من خروجه، انتشر على قصر "سنكلو" (البيرق) المثلث، وهذا القصر هو (سراية) السلطان في هذه البلدة، فوصل السلطان وأتباعه في "رنبوليا"٣ في غرة شهر أغسطوس، وفي اليوم الثاني من هذا الشهر بعث "شرل" العاشر وابنه "الدوقين" ورقة "للدوق درليان"٤ قريبهما يذكران فيها أنهما خلعا المملكة على الدوق "دبردو٥ حفيد الملك، وابن أخي الدوفين" وأنهما جعلا "الدوق درليان" وكيله ووليه؛ حتى يبلغ رشده، وطلبا منه في هذه الورقة أن يبعث لهما جماعة، ليؤمنوهما في خروجهما من فرنسا، فعرض "الدوق درليان" ذلك على مشورة رسل العمالات فلم يرضوا بخلع المملكة ورضوا بأن يبعثوا له عدة وكلاء من الكبار؛ ليؤمنوه في خروجه من فرنسا، ثم إنه جاء الخبر في "باريس" أن الملك لم يرض الخروج حالاً، فوجهوا إليه جملة من العساكر، ليكرهوه حالاً على الخروج فبمجرد سماعه بذلك أجاب بالخروج متوجهًا إلى بلاد الإنكليز.

شعر:
والدهر طورا بعز
يقضي، وطورًا بهون


وهكذا حال الدنيا، وأحسن ما قيل في التسلية والصبر على مكارهها قول بعضهم:
سلا بنفسي عن الدنيا وبهجتها
أني أرى فانيًا منها تلا فاني
والصبر أحمد ما أوليت من قلب
ما كنت في شدة إلا تلافاني


ما كنت في شدة إلا تلافاني وفي هذا الوقت كان ابن عمه قائم مقام المملكة "بباريس" فكان الأمر والنهي له ولدواوين المشورة، فأول ما صنعه تقرير بقاء الثلاثة ألوان التي هي علامة على الحرية الملة الفرنساوية، ثم فتح ديوان مشورة العمالات وديوان مشورة البير، وقد جرت العادة أنه عند فتح ديوان مشورة العمالات يحضر الملك، ويخطب على منبر بكلام فصيح، يذكر فيه ما صنعه من التحسين في بلاده، وما هو عازم على فعله في سنته، ولَمَّا كان هذا الدوق قائمًا في هذا الوقت مقام الملك صعد على المنبر يقول كلامًا وجيزًا مضمونه:

إنه يتحسر على الخطر الذي حصل لمدينة "باريس" عقب هتك قوانين المملكة، ثم بعد فراغه سلم لديوان المشورة الورقة التي بعثها له "كرلوس" العاشر وابنه "الدوفين" المتضمنة لخلعهما المملكة على الدوق "دبردو" وأنهما يسميانه "هنري" الخامس؛ لأنه تقدم في فرنسا أربعة ملوك كل منهم يسمى: "هنري" ثم خرج قائم مقام المملكة من المشورة، وصار ديوان المشورة يفتح كل يوم للتدبير.
-------------------------------
١  Saint cloud.
٢  لقب ولي عهد فرنسا Le Dauphin.
٣  Ramboufllet.
٤  Le Due d’Orléens.
٥  Due de Bordeaux.



المقالة الخامسة 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 12:02 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: رد: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 5:52 pm

الفصل الرابع
فيما انحط عليه رأي أهل المشورة، وفيما ترتب على هذه الفتنة من تولية الدوق دورليان ملك الفرنساوية:
اعلم أن المشورة كانت تدبر حالة فرنسا المستقبلة، وقد أسلفنا أن آراء الفرنساوية مختلفة، حتى إنهم في المشورة مختلفون في الموضع، فمنهم الملكية يجلسون في الجهة اليمنى، والحريون في الجهة اليسرى، والتابعون لآراء الوزراء في الجهة الوسطى، وكل منهم يقول رأيه من غير معارض له؛ لأن العبرة بكثرة الأصوات وما زال هذا الأمر، معمولاً به إلى الآن، ولم تغير الفتنة شيئًا من ذلك، فكان أصحاب الآراء فرقتين: فرقة تريد المملكة، وفرقة تريد الجمهورية، والفرقة الأولى منها من كان يريد تمليك الدوق "دوبردو" حفيد الملك القديم، ومنهم من كان يريد تولية ابن "نابليون" الذي هو "بونابارته" ومنهم من كان يريد تمليك "الدوق درليان" قائم مقام المملكة، وعائلة "درليان" هي العائلة الثانية الوارثة للملكة، بعد انقراض العائلة الأولى البكرية، وهي عائلة "البربون" ثم إنه ظهرت ورقة مطبوعة، وألصقت في الحارات والمشارع العامة، مضمونها، قد صح بالتجربة أن الجمهورية لا تناسب بلاد الفرنساوية، وأما الدوق دبردو فتوليته تجعل الفرنساوية تحت حكم "البربون" فتقع الفرنساوية فيما فرت منه، وأما ابن نابليون فهو تربية قسيسين وهم أعداء الحرية فتعين "الدوق درليان" انتهت.

وقد دبرت عدة مواد انحط عليها الرأي:
المادة الأولى: أن الكرسيَّ فارغ حسًا ومعنى، ولا حق لأحد فيه فلا بد من شغله بأحد، الثانية: من أغراض الفرنساوية ومن مصالحهم أن تحذف العبارات الدالة على الاستعلاء من الشرطة، التي هي كتاب قوانين المملكة؛ لأن بقاءها بهذه الكيفية يحط بمقام الرعية الفرنساوية، ولا بد أن يحذف من الشرطة بعض المواد الغير اللائقة وتبدل بغيرها، حتى تكون مصلحة على ما تقتضيه الحال الراهنة، ثم بعد تمام ذلك طلب ديوان مشورة وكلاء الرعية أن المصلحة العامة اللازمة حالاً لجميع الفرنساوية أن يترجى حضرة سعادة "الدوق درليان لويز فليب" قائم مقام المملكة؛ لأن يكون ملكًا وتكون مملكته وراثة بعده لأولاده الذكور، ثم بعده لأكبر أولاده، وهكذا، يعني أن، الملك إذا مات انتقلت المملكة لأكبر أولاده، فإذا مات أو حصل له عذر كانت لابنه الأكبر، وهكذا.

وأن يقبل المملكة ويرضى بالشروط، وبصيغة المبايعة التي يعينها له أهل المشورة، وأن يلقب بملك الفرنساوية، لا بملك فرنسا، والفرق بينهما أن ملك الفرنساوية معناه كبير على نفس الأشخاص بجعلهم له ملكًا، بخلاف ملك فرنسا، فإن معناه أن أرض فرنسا ما دامت باقية فهو سيدها وملكها، ولا منازع له من أهل بلاده فيها، وسبب ذلك أن الملوك السالفين كانوا يلقبون ملوك فرنسا، وكان إذا كتب الواحد منهم يقول ما صورته: أنا فلان بفضل الله تعالى ملك فرنسا "نوار"١ على كل من يرى هذه الأوامر الحاضرة سلام قد أمرنا ونأمر بما سيأتي لنا، وقوله: ملك فرنسا ظاهر، وأما قوله "ملك نوار" فإن هذا لقب اصطلاحي له، لمجرد الشرف: وسبب ذلك أن أسلاف ملك فرنسا كانوا يحكمون على مملكة "نوار" ثم انتقلت منهم إلى ملوك إسبانيا، فصارت حصة منها وبقي اللقب لملك فرنسا، وأما ملك الفرنساوية فإنه يقول في كتابته: أنا فلان ملك الفرنساوية مني السلام على من حضر في الحال والاستقبال قد أمرنا ونأمر ففرق بين عبارة الأول والثاني، فإن الأول: جعل نفسه ملك مجموع فرنسا ونوار بإنعام الله -سبحانه وتعالى- عليه، والثاني: جعل نفسه ملك الفرنسيس، ولم يقل بفضل الله، ولقد تحاشى عن أن يقول ذلك لإرضاء الفرنساوية فإنهم يقولون إنه ملك الفرنسيس بإرادة ملته، وبتمليكهم له، لا أن هذه خصوصية خص الله -سبحانه وتعالى- بها عائلته، من غير أن يكون لرعيته مدخلية فظهر من هذا أن قوله بفضل الله، معناه عندهم باستحقاقه لذلك بولادته ونسبه، كما أن قوله ملك فرنسا معناه صاحب الأرض والسلطنة عليها: وإلا فلو كان عندنا لاستوت العبارتان، فإن كون الملك ملكًا باختيار رعيته له، لا ينافي كون هذا صدر من الله - تعالى - على سبيل التفضل والإحسان، ولا فرق عندنا مثلاً بين ملك العجم وملك أرض العجم، ثم بعد تمام المشورة بعث إليه أهلها عدة رسل، فقرأ عليه رئيس الرسل ما اتفق عليه أهل ديوان المشورة، فأجاب حالاً بقوله: قد سمعت والقلب في اضطراب ما عرضتموه علي من خلاصة مجلس المشورة، من انتخابي للملكة، ولقد صح عندي أن عبارتكم الصادرة عنكم هي أيضًا عبارة لسان حال الرعية بتمامها، وظهر لي أن ما صنعتموه في القوانين يناسب ما ذهبت إليه في السياسات التي مارستها مدة حياتي، ولكن حصل لي من ذلك انفعال عظيم؛ لأنني لست أنسى مدة حياتي ما قاسيته سابقًا من الأهوال، حتى إنني كنت عزمت على أن لا أطمع في قضية السلطنة، ونويت على أن أعيش خاملاً مرتاحًا بين عيالي، ولكن حبي لعمار بلادي غلب ذلك، فهو جدير بأن أوثره عليه، حيث قد أيقنت أن الضرورة دعت إليه، ثم إنه عين اليوم الذي يتتوج فيه، في ديوان رسل العمالات، فلما جاء اليوم الموعود جاء في الساعة المتفق عليها بموكب عظيم، من غير خفر سلطاني، ومن غير جلساء، وقد جرت عادة ملوكهم بأن زينة الموكب إنما هي بذلك، وكل ما مشى خطوة حياه جميع الناس من الجواب بقولهم: حفظ الله "الدوق درليان" حفظ الله الملك، فلما دخل الديوان ركب مصطبة بقرب الكرسي، وسلم على أهل المجلس ثلاث مرات، ثم جلس على دكة أمام الكرسي وابنه الأكبر عن يمينه، والثاني عن يساره، وخلفه أربعة وزراء في العسكرية يلقبون بالمارشالات - جمع "مارشال" - وهو أعلى مراتب العسكرية عند الدولة الفرنساوية، وهو دائمًا مضاف إلى فرنسا فيقال: مارشال فرنسا، وبالفرنساوية "مارشال د فرانسا".

والدال علامة على الإضافة بين المضاف والمضاف إليه، مثل اللام المقدرة في الإضافة عندنا، فعلامة الإضافة ظاهرة عند الفرنسيس، ثم بعد جلوسه عزم على أهل ديوان "البير وديوان رسل العمالات، بالجلوس، ثم طلب من رئيس الديوان أن يقرأ عليه الخلاصة التي عزم عليه أهل الديوانين فيها بالمملكة، فلما فرغ الرئيس من قراءتها أجاب "الدوق" المذكور بقوله: يا ساداتنا.

قد سمعت مع التأمل خلاصة الديوانين، وقد وزنت عبارتهما وأمعنت فيها النظر، وأقول:
رضيت من غير شرط ولا تعليق بجميع الشروط المذكورة في الخلاصة، وبتلقيبي ملك الفرنسيس الذي أعطيتموه لي، وها أنا حاضر مستعد للحلف والمبايعة على أني أحفظ ذلك، ثم قام الملك مكشوف الرأس، ورفع يده اليمنى، وشرع يقول هذه الصيغة، الآتية بترتيب وترتيل، وبصوت ثابت من غير لجلجة، وهذه الصيغة مترجمة: أشهد الله -سبحانه وتعالى- على أني أحفظ مع الأمانة الشرطة المتضمنة لقوانين المملكة، مع ما اشتملت عليه من الإصلاح الجديد المذكور في الخلاصة، وعلى أني لا أحكم إلا بالقوانين المسطورة وعلى طريقها، وإن أعطى كل ذي حق حقه، بما هو ثابت في القوانين، وأن أعمل دائمًا على حسب ما تقتضيه مصلحة الرعية الفرناسوية وسعادتها وفخرها، ثم صعد على كرسي المملكة، وشرع يقول: يا ساداتنا، قد حلفت في هذا الوقت يمينًا عظيمًا، وما جهلت بالواجبات المرتبة به على، مع عظمها واتساعها، لما أن نفسي تحدثني أنني أوفى بها، وما قيلت المبايعة إلا عن رضى، وقد كنت عزمت على ألا أركب أبدًا الكرسي الذي أعطته لي الملة الفرنساوية، ولكن لما رأيت أن فرنسا قد جرحت حريتها، وتكدرت الراحة العامة بأرضها، وبهتك قوانين المملكة قد أشرفت على الفساد، وجب نصب القوانين، وكان ذلك من وظيفة ديوان "البير وديوان رسل العمالات" وقد وفيتهم بذلك، فما صنعناه من إصلاح الشرطة يستلزم الأمن في المستقبل فمأمول أن فرنسا تصير مرتاحة في داخلها، ومحترمة في خارجها، والصلح في بلاد أوروبا يزيد ثباتًا، فلما فرغ من كلامه صاحت الأصوات: حفظ الله الملك "لويز فليب الأول"، ثم سلم الملك على المجلس، وخرج، مصافحًا من رآه من أهل المجلس وغيرهم، وركب حصانه، ومشى، وصار يصافح الناس عن يمينه وعن يساره، وربما عانق كثيرًا من الناس، وكان موكبه مؤلفًا من أهل البلد، وهن خفر الملة المسمى الخفر الأهلي يعني "الرديف" ولما دخل الليل نورت باريس بوقدة عظيمة وكان تملكه في السابع من شهر أغسطوس سنة ١٨٣٠ من الميلاد.
--------------------------
١  Navarre.



المقالة الخامسة 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 12:03 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: رد: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 5:55 pm

الفصل الخامس
فيما حصل للوزراء الذين وضعوا خطوط أيديهم على الأوامر السلطانية التي كانت السبب في زوال مملكة الملك الأول الذي فعل فعلته، وفي العواقب لم ينظر، وطمع بما لم يظفر.

كما قال الشاعر:
إن النفوس على اختلاف طباعها
طمعت من الدنيا بما لم تظفر


اعلم أن الفرنساوية بعد هذه الفتنة اهتموا غاية الاهتمام بالتفتيش على الوزراء الذين كانوا السبب في ذلك، وأيضًا فإنه بمقتضى القوانين أن الوزراء يضمنون ما يقع في المملكة من الخلل فهم المحاسبون دون الملك: وليس على الملك شيء أصلاً، فحملهم ثقيل، ووظيفتهم شاقة التحمل، فعليهم الوزر في كل ما يحدث.

قال الشاعر:
يتداول الناس الرياسة بينهم
وأريد حظهموا فلا أستطيع
وأكلف العبء الثقيل وإنما
تبلى به الأتباع لا المتبوع
فعليهم الأثقال يرمى حملها
وعلى الرئيس الختم والتوقيع


فبرزت الأوامر في جميع طرق البلاد أن يوقفوهم إذا مروا عليهم، وقد قلنا: إن رئيس الوزراء كان "بولنياق" فمسك من الوزراء أربعة منهم هذا الأمير المذكور، وصورة القبض عليه: إنهم وجوده خارجًا من بلاد فرنسا في صورة خادم لامرأة عظيمة، فعرفوه، وأوقفوه وخفره الخفر الموجود في الطريق خوفًا من الرعية، ثم اعلموا بذلك الديوان في "باريس" فكتب هو مكتوبًا إلى ديوان مشورة "البير" وقد كان من رجال المشورة يقول فيه: إنه لا معنى للقبض عليه؛ حيث إنه من أهل هذا الديوان، واحتج بالمادة الرابعة والثلاثين من الشرطة، لا يمكن أن يحبس أحد من أهل ديوان "البير" إلا بأمر أهل ذلك الديوان، ولا يمكن أن يحكم عليه غيرهم في مواد الجنايات، فما كان جوابهم إلا أنهم اجتمعوا وقرءوا مكتوبه ثم تشاوروا فكانت خلاصة المشورة الإذن بالقبض عليه وحبسه؛ حتى يحكموا عليه، فجيء به إلى بلدة "ونسينه"١ بقرب "باريس"، وحبي في قلعتها، ثم قبض على الثلاثة الأخر وحبسوا معًا من غير أن يحصل لأحد منهم شيء من الترذيل أبدًا مدة حبسه، ثم أنهم مدة حبسهم بنوا لهم محلاً عظيمًا في ديوان مشورة "البير" لتسمع دعواهم فيه وجعلوه بناء متينًا وثيقًا على صورة عظيمة، حتى لا يمكن للرعية الهجوم عليهم لأذيتهم ولا لأحبابهم أن يخلصوهم من الحبس، وكلفوا ذلك أموالاً لها وقع عظيم ثم جاءوا بهم إلى هذا المكان وحبسوهم في محل منه، وصاروا يأتون بهم كل يوم وكانت دعوتهم من أعظم ما يتعلق غرض الإنسان بسماعه، ومن أجل ما يدل دلالة قطعية على تمدن الفرنساوية وعدل دولتها.

ولنذكر لك بعض شيء منها فنقول:
اعلم أن ملك الفرنسيس الجديد لَمَّا تولّى تعلقت إرادته بعزل سبعين رجلاً من أهل مشورة "البير" الذين كان ولاهم "شرل العاشر" الملك السابق ثم سمى منهم تسمية جديدة من كان على غرضه فلو كان هؤلاء السبعون (فضلوا) من أهل الديوان لكانوا يحامون عن الوزراء، فكان غالب أهل ديوان مشورة "البير" أعداء لهم إلا أن التمسك بالقوانين، وطيب نفوسهم في الجملة وعدم ميلهم بالطبيعة إلى الظلم كان سببًا في نجاة الوزراء المذكورين، ومما يتعجب منه أن الوزير "بولنياق" حين القبض عليه أراد أن يختار واحدًا يحامي عنه من العارفين بالأحكام، فلم يختر إلا "مرتنياق" أحد الوزراء المعزولين قبله ليس بينه وبينه وصلة ولا محبة، وأعجب من ذلك أن الآخر الذي هو "مرتنياق" وفى بذلك مع غاية الأمانة التامة، وبذل ما عنده من المعارف لدفع الإيرادات عن موكله، وكذلك كل واحد من الوزراء المقبوض عليهم وكّل محاميًا لهم، ثم لما فتحوا الدعوى أرسلوا لكل واحد من الوزراء المحبوسين يطلبونه بخصوصه مع غاية الرفق واللين.

وكيفية أول ما يسأل به: ما اسمك؟ ما وصفك؟ ما منصبك؟ ما رتبتك؟ فيجيب بأجوبة هذه الأسئلة، ولو كانوا يعرفون ما ذكر ثم قالوا لكل واحد منهم: أتقر بأنك وضعت خط يدك تحت أوامر الملك؟ قال: نعم، ولأي شيء فعلت ذلك؟ فيجيب بأن الملك أراده، ولأي شيء أراد الملك فعل ذلك؟ وهل عزم عليه من قديم الزمان أو الآن فقط؟

وقد كان كل منهم يجيب في مثل هذه الأسئلة بقوله:
لا أفشي سر ديوان حضرة الملك أصلاً، مع غاية التعظيم في المجلس لمليكهم المعزول ولم يتفوَّه أحد منهم بشيء من أسرار الديوان أبدًا، ولم يكرههم أحد على ذلك، ثم بعد سؤالهم وانتهائه، وكتب خلاصته جاء المحامون عنهم ومكثوا أيضًا عدة أيام، ليظهروا أن الوزراء بريئون من الذنوب وأن مقصدهم كان حسنًا، وهكذا، فبعد ذلك امتحنت المشورة جميع الدعوى، ثم قضت بما هذه صورته: من حيث إن الوزراء وضعوا خط أيديهم تحت الأوامر المخالفة لقوانين المملكة، ومن حيث إنهم هتكوا حرمة القوانين ومخالفتها، حكمت المشورة عليهم بالحبس الدائم، وتجريدهم من أوصاف الشرف وألقابه، وحكمت على "بولنياق" زيادة على ذلك بالموت الحكمي وهو تقريبًا نظير مسألة من انقطع خبره وحكم بموته القاضي باجتهاده، بعد مضي مدة لا يعيش فوقها غالبًا، والموت الحُكْمي عند الفرنساوية، ويقال له: "الموت المدني" هو أن يكون حكم الحي عندهم كحكم الميت في كثير من الأحوال، وهو أن المحكوم عليه بذلك يزول عنه جميع ما يملكه ليدخل تحت يد ورثته مثل ما إذا مات حقيقة، ولا يصح أن يرث غيره بعد ذلك: ولا أن يورث هو غيره الأموال التي ملكها بعد ذلك، ولا يمكنه أن يتصرَّف في أمواله جميعها أو بعضها بهبة أو وصية، ولا يجوز إهداؤه، ولا الوصية له إلا بالقوت، ولا يجوز أن يكون وليًا ولا وصيًا ولا شاهدًا في شهادة شرعية، ولا تُقبل دعواه، ولا ينعقد نكاحه، بل ينفسخ نكاحه الأول، بالنظر للأحكام المترتبة عليه: ولزوجته وأولاده أن يصنعوا في أمواله أو في أنفسهم كما لو مات هو حقيقة.

وبالجملة فهو حي ملحق بالموتى، ولكن لَمَّا كان هذا الوزير وأمثاله مِمَّنْ يحكم عليهم بذلك من أعيان الناس، وكانت ذريته حسنة التربية، كان المحكوم عليه بذلك يبقى في العادة على ما كان عليه قبل الحُكم؛ لكون عائلته تعتقد أن هذا من باب التعدي المحض، وأنه ناج بينه وبين مولاه، ولا تفارقه زوجته أصلاً؛ لاعتقادها أنها في عصمته باطنًا، ولو ولدت منه بعد ذلك ولدًا ورثه الإخوة معهم، وإن كان هذا خلاف الأحكام المترتبة على الموت الحُكمي.

ولَمَّا سمعت الرعية بذلك قاموا وقالوا لا بد من الحكم عليهم بالموت الحقيقي، فأخبرهم أهل الدولة أن هذا يناقض ما تطلبونه من الحرية والعدل والإنصاف، وإن كتاب القوانين لم يعين نوع عقوبة الوزراء إذا حصلت منهم خيانة، وإنما حكمت المشورة بالاجتهاد عقوبة لهم وزجرًا لأمثالهم.

 ويصلح في حقهم قول الشاعر:
فهم من المجد في حضيض
وهم من الجد في الروابي
وهم إذا فتشوا وعدوا
أعز من عودة الشباب


ثم ليلة أن حُكِمَ عليهم بذلك، قبل أن يُطلعُوهُمْ على خُلاصة المَشورة أخرجوهم من هذا الحبس الذي كان بُنِيَ لأجلهم، وخفروهم إلى قلعة "ونسينه"٢ فحبسوهم بها، ومنها نقلوهم إلى قلعة أخرى، وهم محبوسون بها إلى الآن، والحُكم عليهم بهذه الكيفية، مما يدل على حسن أخلاق الدولة الفرنساوية.
---------------------------
١  Le Ville de Vincennes.
٢  Le chateau de vincennes.



المقالة الخامسة 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 12:03 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: رد: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 5:58 pm

الفصل السادس
فيما كان بعد الفتنة في سخرية الفرنساوية على "شرل العاشر" وفي عدم اكتفاء الفرنساوية بذلك
اعلم أنه جاء إلى الفرنساوية خبر وقوع بلاد الجزائر في أيديهم قبل حصول هذه الفتنة بزمن يسير، فتلقَّوا هذا الخبر من غير حماسة، وإن أظهروا الفرح والسُّرور به، فبمجرد ما وصل هذا الخبر إلى رئيس الوزراء "بولنياق" أمر بتسييب مدافع الفرح والسرور.

ولقد صدق مَنْ قال:
وكم سرور طيَّه أحزان
لأجل هذا خُلِق الزمان


وصار يتماشى في المدينة كأنه يظهر العُجْبَ بنفسه؛ حيث إن مُراده نفذ، وانتصرت الفرنساوية في زمن وزارته على بلاد الجزائر، فما كانت أيام قلائل إلا وانتصرت الفرنساوية عليه، وعلى ملكه نصرة أعظم من تلك، حتى إن مادة الجزائر نسيت بالكلية وصار الناس لا يتحدثون إلا بالنصرة الأخيرة: على أن حاكم الجزائر خرج منها بشروط، وأخذ منها ما يملكه، وملك الفرنسيس خرج من مملكته يتندم على ما وقع منه، وللزمان صروفٌ تدول، وأحوال تحول، وكان هذا هو عاقبته على غارته على بلاد الجزائر بأسباب واهية لا تقتضي ذلك، بل بمجرد إرضاء هوى النفس، وإذا نصر الهوى بطل الرأي.

مما وقع أن المطران الكبير لما سمع بأخذ الجزائر، ودخل الملك القديم الكنيسة يشكر الله -سبحانه وتعالى- على ذلك جاء إليه ذلك المطران ليُهنيه على هذه النصرة، فمن جملة كلامه ما معناه: أنه يحمد الله -سبحانه وتعالى- على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، ولا زالت كذلك -انتهى- مع أن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنما هو مجرد أمور سياسية، ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات، منشؤها التكبر والتعاظم.

ومن الأمثال الحكيمة:
لو كانت المشاجرة شجرًا، لم تثمر إلا ضجرًا.

فلما وقعت الفتنة كسر الفرنساوية بيت المطران بعد هروبه وخربوه، وأفسدوا جميع ما فيه حتى إنه تخفى، ولم يعلم له أثر ثم ظهر واختفى ثانيًا، وهجم على بيته ثانيًا، وما زال مذمومًا مخذولاً.

وقال الشاعر:
لا تعجبنَّ رويدًا إنها دول
دنيا تَنَقَّل من قوم إلى قوم


ثم إن الفرنساوية لَمَّا رأوا أن "شرل العاشر" أخرج "باشا الجزائر" من مملكته أيضًا، صاروا يهزءون "بشرل العاشر"، ويصورونه هو وباشا الجزائر في الطرق، ويكتبون في وقائع النوادر تلميحات غريبة، ونكات ظريفة؛ فمن جملة ذلك: أنهم صوروه هو والباشا المذكور وكتبوا تحت صورة باشا الجزائر: وأنت أيضًا.. جاءت نوبتك؟!! كأن الباشا يقول للملك استفهامًا ليهزءوا به: وأنت أيضًا عزلت كما عزلتني!

شعر:
فقل للشامتين بنا رويدًا
أمامكمُ المصائب والخطوب


وقال آخر:
الدهر يفترس الرجال فلا تكن
ممن تطيِّشه المناصب والرتب
كم نعمة زالت بأدنى زلة
ولكل شيء في تقلبه سبب


وكتبوا أيضًا في وقائع النوادر ما نصه:
إن الباشا المذكور يقول "لشرل" العاشر: قم بنا نلعب لعب كذا، على قدر معلوم، وإن لم يكن معك شيء جمعنا لك شيئًا، على سبيل الصدقة من الناس! يشيرون بذلك إلى أن باشا الجزائر خرج من بلاده غنيًّا، و"شرل العاشر" خرج من بلاده فقيرًا، وصوروا أيضًا الملك المذكور في صورة الأعمى يتكفف الناس، ويقول في سؤاله: اعطوا بعض شيء للفقير الأعمى، يشيرون إلى أنه لم يتبصَّر في عواقب الأمور، وصوَّروه أيضًا هو ووزيره "بولنياق" خارجين من كنيسة إشارة إلى أنهما لا يفلحان إلا في هذه العبادة الباطلة، وإنهما قسوس لا أمراء، وكانوا يزعمون أن الملك كان يلبس في بعض الأحيان لبس القسيسين، ويقدس بالناس كالقسيس في كنيسته التي في (سرايته)، وكانوا يصيحون في البلدة بعد هذه الفتنة بورقات مطبوعة، فيها: عشق هذا الملك وفساده في صغر سنه، وفسق المطران الكبير، وهكذا، وبأن ابن ابنه ليس هو ابنًا حقيقيًا، وإنما هو ابن مزور، والعجيب أنهم كانوا يصيحون بهذه الأوراق ليبيعوها في ساحة بيت الملك الجديد، الذي هو من أقارب الملك، وأعجب من ذلك أنهم يكتبون في هذه الورقة: إن الملك الجديد هو الذي كتب ذلك سابقًا في "جرنالات" الإنكليز، بعد ولادة حفيد الملك القديم، ويصيحون بذلك، ولا أحد ينكر عليهم، لما أن حرية الرأي قولاً وكتابة تقضي بذلك.

وبعد تولية هذا الملك ظهرت عدة تعصبات عظيمة، منها مَنْ يريد عزله ونصب الجمهورية لعدم اكتفائه بالحرية وطلبه أزيد عن ذلك، ومنهم مَنْ تعصَّب لنصب الحكم القديم، وتولية حفيد الملك السابق، وما زالت هذه الفتنة باقية الآثار إلى الآن، وربما تعدَّت آثارها إلى غيرها من البلاد.

فمن ذلك:
الفتنة التي ترتب عليها انعزال إقليم البلجيك من مملكة الفلمنك، وقد كان جزءًا منها.

ومن آثارها أيضًا:
طلب بلاد له الحرية والخروج من حكم الموسقوبية.

ومنها:
الفتن التي وقعت في بلاد إيطاليا.



المقالة الخامسة 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 03 مايو 2021, 12:04 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 35534
العمر : 70

المقالة الخامسة Empty
مُساهمةموضوع: رد: المقالة الخامسة   المقالة الخامسة Emptyالإثنين 29 يونيو 2020, 6:00 pm

الفصل السابع
فيما كان من دول الإفرنج، بعد سماعهم بانعزال الملك الأول وتقليد المملكة للملك الثاني، وفي رضائهم بذلك:
لا يخفى أن العائلة السلطانية القديمة قد رجعت بعد تعاهد الدول الإفرنجية على السلطان "نابليون" وإخراجه ونفيه إلى جزيرة "سنت هلينة"، وترجيع هذه العائلة إلى البلاد بعد أن كانت في البلاد الغريبة، فتملك هذه العائلة إنما هو بمعاهدة ملوك الدول الإفرنجية، فهي في الحقيقة مملكة على فرنسا رغمًا عن أنف غالب الفرنساوية، فلما وقعت الفتنة خشي الفرنساوية من أن الملوك المذكورين يأتون بجيوش على بلادهم، وينصبون كرسي هذه العائلة، فتخلصوا من ذلك بتملك العائلة الأخرى التي هي عائلة "أرليان"، ولكنهم لم يعلموا هل ترضي الملوك بذلك أو لا؟ وعزموا على أنهم إذا لم يرضوا بذلك وجاءوا لمحاربتهم حاربوهم، ولو حصل ما حصل وجهزوا ما يدل على ذلك.

ولنذكر لك هنا نسبة ملوك الإفرنج بالنظر لهذه المادة فنقول:
اعلم أن ملك إسبانيا يوافق بسياسته وسلوكه سياسة ملك فرنسا القديم، وهو أيضًا من أقاربه؛ لأن العائلة التي تحكم ببلاد إسبانيا من العائلة التي تحكم ببلاد فرنسا، فهي تميل إليها ظاهرًا وباطنًا، ومثلها في ذلك الميل بلاد البرتوغال، فهاتان المملكتان لا يحصل منهما شيء يخاف به على العائلة القديمة، وأما بلاد إيطاليا فإن دولة "نابلي" ودولة "رومة" ودولة "سردنيا" توافق أيضًا في سياستها سياسة "البربون"، يعني العائلة القديمة، فحينئذ ملوك هذه الدول تأثرت باطنًا بما وقع في بلاد الفرنساوية، وأما دولة "المسقو"، ودولة "النيمسا"، ودولة "البروسه"، و"الإنكليز" فإنها متعاهدة على تولية عائلة "البربون" القديمة المملكة، فهي أيضًا تأثرت بذلك نوع تأثر، وخصوصًا الدولة المسقوبية، وأما الدول الصغيرة ببلاد الإفرنج فإنها تابعة للدول الكبيرة، فلم يبق مع دولة الفرنساوية الجديدة إلا بعض أقاليم صغيرة تريد الحرية، غير أن أهل دولة الإنكليز أظهرت الرضا بما وقع؛ فلذلك ملكهم كان أول من اعترف بالمملكة لملك الفرنساوية الجديد، وقد جرت العادة أن الملك إذا تولى لا بد من أن يعترف له الملوك بالتملك، ويقروه على ذلك، وهو من الرسوم غالبًا، يقال إن حضرة مولانا السلطان الأعظم لما سمع بذلك، وأخبره "الإيلجي" أجاب بأنه لا يصنع شيئًا حتى يرى ما تصنع ملوك الإفرنج، فإن أقروه على ذلك أقره أيضًا ومدخلية الدولة العلية في ميدان دوائر الدولة الإفرنجية قليل.

ومِمَّنْ توقّف في الإقرار مُدَّةً طويلة ملك الموسقو، ثم بعد ذلك أقرَّهُ بشرط ألا يتغيَّر شيء في ميزان بلاد الإفرنج، يعني أن الإفرنج تبقى على ما هي عليه، من غير أن يحصل بها راجحية أو مرجوحية في السياسة، بمعنى أن مملكة فرنسا مثلاً لا تزيد عَمَّا كانت عليه قبل الفتنة، والظاهر أن أكثر المُلوك التي أقَرَّتْ ملك الفرنساوية الجديد، إنَّمَا أقَرَّتْهُ على ذلك، ورَضِيَتْ بما وقع رضاه وقتيًا؛ حتى إن الفرنساوية تحس بذلك وتجهر به، كأنَّها لا تثق بذلك الصُّلح الذي تراه كأنه هُدنة وتعليق.

ولَمَّا خرجتُ من فرنسا كان جميع الناس يتوقَّع فيها إشهارُ الحرب وظهوره بين النيمساوية والفرنساوية، أو الموسقوبية، أو الإسبانيول، أو البروسة.

والله -سبحانه وتعالى- أعلم بما كان ربما يكون، وللفرنساوية الآن التئام مع الإنكليز لم يسبق مثله أبدًا، وأمَّا الكلام على الرُّجُوع فراجعه في خاتمة الرِّحلة.



المقالة الخامسة 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
المقالة الخامسة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» المقالة السادسة
» المقالة الأولى
» المقالة الثانية
» المقالة الثالثة
» المقالة الرابعة

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2022 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: تخليـــــص الإبـريــــــز-
انتقل الى: