منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة المائدة الآيات من 031-035

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:51 pm

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [٣١]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ونعرف السوءة وهي ما تَتَكرّهه النفس.

وهي من "ساء، يسوء، سوءا”أي يتكره، وسمينا "العَورة”سَوْءَة؛ لأنها تتكره.

{فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ}.

هل بعثه الله حتى يُرِي قابيل كيف يواري سوءة هابيل، أم أن الغراب هو الذي سيقول له؟

كلا الأمرين متساوٍ؛ لأن ربنا هو الذي بعث، فإن كنت ستنظر للوسيلة القريبة فيكون الغُراب، وإن كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله؛ فالمسألة كلها واصلة لله، وأنت حين تنسب الأسباب تجدها كلها من الله.

{قَالَ يَاوَيْلَتَا}.

ساعة تسمع كلمة "يا ويلتى”يكون لها معنيان في الاستعمال: المعنى الأول للويل: هو الهلاك، وإن أردنا المبالغة في الهلاك نأتي بتاء التأنيث ونقول: ويلة، ولذلك عندما نحب أن نبالغ في وصف عالم نقول: فلان عالم وفلان علاّم وفلان عَلاَّمة، وتأتي التاء هنا لتؤكد المعنى، إذن فالويل: الهلاك، و"ويلة”تعني أيضا الهلاك، وماذا تعني "يا ويلتى"؟

إننا نعرف أن النداء يكون بـ "يا”فكيف نُنادي الويل والهلاك؟

وهل يُنادي غير العاقل؟

نعم، يُنادي؛ لأنه مادام "الويل”و"الويلة": الهلاك.

كأنك تقول: أنا لم أعد أطيق ما أنا فيه من الهم والغم، ولا يُخلصني فيه إلا الهلاك، يا هلاكي تعال فهذا وقتك! إذن فقوله: "يا ويلتى”يعني يا هلاك تعال.

والمتنبي فطن لهذه المسألة وقال:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا

فأي داء هذا الذي تقول فيه: يارب أرحني بالموت!! إذن فالذي يراه من ينادي الهلاك هو أكثر من الموت.

المعنى الأول: أنك تنادي الهلاك أن يحضر؛ ولذلك يقول الحق: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49].

إنهم يتمنّون الموت؛ وكذلك قال قابيل "يا ويلتى”.

وهل تأتيه الويلة عندما يطلبها؟

لا، فقد انتهت المسألة وصار قاتلاً لأخيه.

والمعنى الثاني: أن تأتي "يا ويلتنا”بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه الأسباب، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المُسبّب.

فلو ظل عطاء الأسباب هو المُتحكّم في نواميس الكون، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها تتحكم ونقول: لا.

فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب، وهي تأتي لتثبيت ذاتية القدرة وقيّوميّتها، فيقول الحق حينما يشاء: توقفي يا أسباب.

إذن فهناك أسباب وهناك مُسبّب.

والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب.

وحين لا يعطى السبب يتعجب الإنسان، ولذلك يَرُدّ الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه.

وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهَم ونفر منهم ولم يأنس إليهم وأوجس منهم خِيفة.

ويقول الحق عن هذا الموقف: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ * فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 28-29].

وقال الحق أيضاً في هذا الموقف: {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71].

وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم: {يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72].

أي أن الأسباب لا تعطى، ورُدّت إلى المُسبّب.

(أتعجبين من أمر الله)؟

كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت، أما حين تصل الأسباب إلى الله، فلا عجب.

وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها؛ فحين رأى السيدة مريم وهو الذي كَفلها، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها، وفُوجئ بأن عندها رزقا من طعامٍ وفاكهة.

فسألها: {يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} [آل عمران: 37].

كيف يقول لها ذلك؟

لابد أنه رأى شيئا عندها لم يأتِ هُو به، وهنا ردَّت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].

ويشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن، وكأنها تقول ذلك كتمهيد؛ لأنها -كما قلنا سابقاً- ستتعرض لمسألة لا يمكن أن يحلها إلا المُسبِّب، فسوف تلدِ بدون رُجولة، وهي مسألة عجيبة، لذلك كان لابد أن تفهم هي وأن تنطق: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].

وكأن الحق ينبئها ضمناً بأن عليها أن تتذكّر أنها هي التي قالت هذه الكلمة؛ لأن المستقبل سوف يأتي لك بأحداث تحتاج إلى تذكُر هذا القول.

وهي التي تُذكِرّ سيدنا زكريا عليه السلام بهذه الحقيقية.

ولنر دِقّة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38].

كأن ساعة سمع هذه المسألة قرّر أن يدعو الله بأمنيته في المحراب نفسه.

وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة؟

كان يعرفها، ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور، وبين حكم يكون في بؤرة الشعور.

 وقول مريم لزكريا: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} جعل القضية تنتقل من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور.

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38].

 لماذا لم يدعُ ربَّه من البداية؟.

كان سيدنا زكريا سائراً مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتُشغل عن المُسبِّب، وعندما سمع من مريم: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أراد أن يدخل من هذا الباب، فدعا ربه؛ وبشّره الحق بأنه سيأتي له بذريّة، وتعجّب زكريا مرّة أخرى من هذا الأمر شارحاً حالته: {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40].

ومادمت يا زكريا قد دعوت الله أن يهبك الذّرّية وقفزت قضية رزق الله لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك.

فقد جاء أمر الله: {كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ} [مريم: 9].

إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات.

فهي إرادة الله.

 ويوضح الحق حيثيّات: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ويأتيك بالولد؛ فيقول سبحانه: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9].

وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصراً شاهداً عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد، وهو كفيل لها، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر.

 ولماذا كل هذا التمهيد؟ 

لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السُنن إنما حدث في أمور أخرى غير العِرْض، لكن عند مريم سيكون ذلك في العِرض وهو أقدس شيء بالنسبة للمرأة، لذلك لابد من كل هذه التمهيدات.

إذن، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على الله.

وها هوذا قابيل يقول: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ} كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئاً يفعله الطائر الذي أمامه، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت يا قابيل، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك، لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب.

 فقابيل لا يقولها -إذن- إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسيّ شديد قاسٍ على وجدانه.

 لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه، بينما عرف الغراب كيف يواري جثة غراب آخر.

وهكذا أصبح قابيل من النادمين{فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}.

إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين "نَدَمٍ”و"نَدَمٍ”.

وعلى سبيل المثال: هناك إنسان قد جرؤ على حدود الله وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعام الأسرة.

 وعندما عاد إلى منزله ووجد أهله في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل كان ندم الرجل على أنه عصى الله، أو ندم لأنه لم يشتر الطعام لأهله؟.

لقد ندم على عدم شراء الطعام وذلك ندم مرفوض، ليس من التوبة.

 وقد يكون هذا الشارب للخمر قد ارتدى أفخر ثيابه وخرج فشرب الخمر ووقع على الأرض، وهنا ندم لأن شُرب الخمر أوصله إلى هذا الحال؛ فهل ندم لأنه عصى ربه؟.

أو ندم لأنه صار هُزْأة بين الناس؟.

وكذلك كان ندم قابيل، لقد ندم على خيبته؛ لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب.

ويقول الحق من بعد ذلك: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...}.



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:53 pm

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [٣٢]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

نجد الحق قال: إنه قد كتب على بني إسرائيل ما جاء بهذه الآية من قانون واضح؛ لأن معنى كلمة "من أجل”هو "بسبب"؛ و"أًجْل”مِن أَجَل شرا عليهم يَأْجُلُه، أي جنى جناية؛ أي من جريرة ذلك.

أو من هذه الجناية شرعنا هذا التشريع: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}.

إذن فساعة تسمع "من أجل”فاعرف أنها تعني "بسبب ذلك”أو "بوقوع ذلك”أو "بجريرة ذلك”أو "بهذه الجناية كان ذلك”.

ولكن هل هذا الكَتْب خاص ببني إسرائيل؟.

بعض العلماء قال: إن ابني آدم ليس ابني آدم مباشرة؛ ولكنهما من ذُرّية آدم وهما من بني إسرائيل.

ونَردّ: من هو إسرائيل أولاً الذي نُسب إليه أبناء إسرائيل؟.

إنه يعقوب بن إسحاق؛ بن إبراهيم، وإبراهيم يصل إلى نوح بأحد عشر أباً ويصل نوح إلى شيث، وبعد ذلك إلى آدم؛ فهل كانت كل هذه السلسلة لا تعرف كيف تدفن الميت إلى أن جاء بنو إسرائيل؟

طبعاً لا؛ ومادام الحق أوضح أنه سبحانه قد بعث غُراباً يبحث في الأرض ليُرِيَه كيف يُواري سَوْءَة أخيه، فهذا دليل على أن هابيل هو أول إنسان تَمَّ دفنه، ومن غير المقبول -إذن- أن نقول: إن الإنسان لم يعرف كيف يواري جثمان الميّت إلى أن وصلت البشرِّية إلى زمن بني إسرائيل، وأنهم هم الذين علموا البشرية ذلك! ولماذا جاء الحق هنا ببني إسرائيل؟.

سبب ذلك أن بني إسرائيل اجترأوا لا على قتل النفس فقط بل اجترأوا على قتل النفس الهادية، وهي النفس التي تحمل رسالة النّبوة، ولذلك كان التخصيص، فقد قتلوا أنبيائهم الذين حملوا لهم المنهج التطبيقي؛ لأن الأنبياء يأتون كنماذج تطبيقية للمناهج حتى يلفِتوا الناس إلى حقيقة تطبيق منهج الله.

الأنبياء -إذن- لا يأتون بشرع جديد، ولكنهم يسيرون على شرع من قبلهم.

فلماذا قتل بنو إسرائيل بعضاً من الأنبياء؟

لقد تولّدت لدى بني إسرائيل حفيظة ضد هؤلاء الأنبياء.

ونعلم أن الإنسان الخيّر حين يصنع الخير ويراه الشرّير الذي لا يقدر على صناعة الخير فتتولد في نفس الشرّير حفيظة وحقد وغضب على فاعل الخير.

ففاعل الخير كلما فعل خيراً إنما يلدغ الشرّير، ولذلك يحاول الشرّير أن يُزيح فاعل الخير من أمامه.

وكان الأنبياء هم القدوة السلوكية، وقد قال الحق عن بني إسرائيل: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} [البقرة: 91].

وجاء الحق هنا بـ "من قبل”هذه لحكمة؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في عداءٍ مع اليهود، وقد تَهبّ عليهم الخواطر الشرّيرة فيحاولون قتل النّبي.

وقد حاولوا ذلك.

مثلما أرادوا أن يلقوا عليه حجراً، ودسُّوا له السّم، ولذلك قال الله: "من قبل”أي إن قدرتكم على قتل الأنبياء كانت في الماضي؛ أما مع محمد المصطفى فلن تُمكَّنُوا منه.

ويقول سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}.

وهذا توضيح لإرادة الحق في تأسيس الوحدة الإيمانية ليجعل من المجتمع الإيماني رابطة يوضحها قول رسول الله فيما رواه أبو موسى الأشعري عنه: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).

وإيَّاك أن تنظر إلى مجترئ على غيرك، بالباطل، وتقف مكتوف اليدين؛ لأن الوحدة الإيمانية تجعل المؤمنين جميعاً كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحُمى.

فإن قَتل إنسان إنساناً آخر ووقف المجتمع الإيماني موقف العاجز.

فهذا إفسادٌ في الأرض، ولذلك يجب أن يقابل المجتمع مثل هذا الفعل لا على أساس أنه قتل نفسا واحدة، بل كأنه قتلٌ للناس جميعاً ما لم يكن قتل النفس لقصاص أو إفساد في الأرض.

ويكمل الحق سبحانه الشق الثاني من تلك القضية الإيمانية: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، وهذه هي الوحدة الإيمانية، فمن يعتدي على نفس واحدة بريئة، كمن يعتدي على كل الناس، والذي يسعف إنساناً في مهلكه كأنه أنقذ الناس جميعاً.

وفي التوقيع التكليفي يكون التطبيق العملي لتلك القاعدة، فالذي يقتل بريئاً عليه لعنة الله وغضبه ويعذبه الله، وكأنه قتل الناس أجمعين، وإن نظرنا إليها من ناحية الجزاء فالجزاء واحد.

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

وسبحانه وتعالى يريد ألا يستقبل المجتمع الإيماني مجترئاً بباطل على حق إلا أن يقف كل المجتمع أمامه، فلا يقف المعتدَى عليه بمفرده؛ لأن الذي يُجرِّئ أصحاب الشرّ هو أن يقول بعض الناس كلمة "وأنا مَالِي”.

و"الأنا مالية”هي التي تُجرِّئ أصحاب الشرور، ولذلك اقرأوا قصة الثيران الثلاثة: الثور الأسود والثور الأحمر والثور الأبيض، فقد احتال أسد على الثورين الأحمر والأسود، فسمحا له بأكل الثور الأبيض.

واحتال على الثور الأسود فسمح الثور الأسود للأسد بأكل الثور الأحمر؛ وجاء الدور على الثور الأسود؛ فقال للأسد: - أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض.

كأن الثور التفت إلى أن "أنا ماليته” جعلته ينال مصرعه.

لكن لو كان الثيران الثلاثة اجتمعوا على الأسد لقتلوه.

وهاهوذا الحديث النبوي الشريف الذي يمثل القائم على حدود الله والواقع فيها: عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على مَنْ فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ مَنْ فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجَوْا ونَجَوْا جميعاً".

كذلك مثل القائم على حدود الله ومثل الواقع فيها، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: لا تنظر إلى أن نفساً قتلت نفساً بغير حق، ولكن انظر إليها كأن القاتل قتل الناس جميعاً؛ لأن الناس جميعاً متساوون في حق الحياة.

ومادام القاتل قد اجترأ على واحد فمن الممكن أن يَجترئ على الباقين.

أو أن يكون فعله أُسْوَة لغيره، ومادام قد اسْتَن مثل هذه السُّنة، سنجد كل من يغضب من آخر يقتله، وتظل السلسلة من القتلة والقتلى تتوالى.

والحديث النبوي يقول: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

إنه الاحتياط والدقة والقيد: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} ولو كان التشريع تشريعاً بشرياً فمرّت عليه هذه المسألة يمكن أن يستدركها بعد ذلك بشرح أو تعديل، ولكن المُشرّع الأعلى لا يستدرك.

{مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ}.

فكأن من قتل نفساً بنفس أو بفساد في الأرض، لا يقال عليه: إنه قتل الناس جميعاً، بل أحيا الناس جميعاً؛ لأن التجريم لأي فعل يعني مجيء النص الموضح أن هذا الفعل جريمة، وبعد ذلك نضع لهذه الجريمة عقوبة.

ولا يمكن أن تأتي لواحد ارتكب فعلاً وتقول له: أنا أؤاخذك به وأُعاقبك عليه بغير أن يوجَد نص بتجريم هذا الفعل.

وهناك توجد قاعدة شرعية قانونية تقول: "لا تجريم إلاّ بنص ولا عُقوبة إلاّ بتجريم”.

أي أننا نُرتّب العقوبة على الجريمة، أو ساعة يُجرّم فعل يُذكر بجانب التجريم العقوبة، فهل القصد هو عقاب مُرتكب الجُرم.

لا إنما القصد هو تفظيع العقاب حتى يراه كل إنسان قبل أن يرتكب الجريمة، والهدف هو منع الجريمة، ولذلك تجد الحكمة البشرية القائلة: "القتل أنفى للقتل"، وبطبيعة الحال لا يمكن أن ترقى تلك الحكمة إلى قول الحق: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 179].

لأننا يمكن أن نتساءل: أيّ قتل أنفى للقتل؟.

وسنجد أن المقصود بالحكمة ليس القتل الابتدائي ولكن قتل الاقتصاص.

وهكذا نجد الأسلوب البشري قد فاتته اللمحة الفعَّالة في منع القتل الموجودة في قوله الحق: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

وكلمة "أحياها”لها أكثر من معنى.

وبالتحديد لها معنيان: المعنى الأول: أنه أبقى فيها الروح التي تحرك المادة، والمعنى الثاني: إحياء الروح الإيمانية، مصداقاً لقول الحق: {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

ولنا أن نلتفت إلى أن الحق وضع الفساد في الأرض مُستحقاً لعقوبة القتل.

والفساد هو إخراج الصالح عن صلاحيته، والمطلوب منا إيمانياً أن الأمر الصالح في ذاته علينا أن نُبقيه صالحاً، فإن استطعنا أن نزيده صلاحاً فلنفعل وإن لم نستطع فلنتركه على صلاحه.

ولماذا جاء الحق بعقابٍ للفساد في الأرض؟.

مدلول الأرض: أنها المنطقة التي استخلف الحق فيها البشر، وساعة يقول الحق: {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} فمعنى ذلك أن كل فساد عائد على كل مظروف في الأرض.

وأول مظروف في الأرض أو السيد لها هو الإنسان.

وعندما نفسد في الإنسان، فهذا معناه قتل الإنسان.

إذن لابد أن يكون الفساد في أشياء أخرى: هي الأكوان أو الأجناس الأخرى؛ الحيوانات والنباتات والجمادات.

والفساد في هذه الكائنات بكون بإخراجها عن مستحوزها ملكيةً، كأن تسطو جماعة على بضاعة إنسان آخر، أو أن يأخذ واحد ثمار زرع لأحد، أو أن يأخذ بعضاً من إنتاج منجم منجنيز أو حديد أو خلافه.

إن الفساد نوعان: فساد في الأرض وهو متعلق بالمظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيد وهو الإنسان، والفساد فيه قتله أو أن تُسبب له اختلالاً في أمنه النفسي كالقلق والاضطراب والخوف.

ونلحظ أن الحق سبحانه قد امْتَنّ على قريش بأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.

إذن فمن الفساد تفزيع الناس وترويعهم وهو قسمان: قسم تُفَزِّع فيه مَن لك عنده ثأر أو بينك وبينه ضغينة أو بُغض، أو أن تُفَزِّع قوماً لا علاقة بينك وبينهم ولم يصنعوا معك شيئاً.

فمن يعتدي على إنسان بينه وبينه مشكله أو عداوة أو بغضاء، لا نُسمّيه خارجاً على الشريعة؛ بأخذ حقه، ولكنه لا يستوفي في حقه بيده بل لابد من حاكم يقوم بذلك كي ينضبط الأمر ويستقيم، إنه يخرج على الشريعة فقط في حالة العُدوان.

أما الذي يذهب للاعتداء على الناس ولم يكن بينه وبينهم عداء؛ فهذه هي الحرابة.

كأن يخرج ليقطع الطريق على الناس ويخيف كل من يلقاه ويُسبِّب له القلق والرّعب والخوف على نفسه وماله، والمال قد يكون من جنس الحيوان أو جنس النبات أو جنس الجماد.

وذلك ما يسميه الشرع حرابة وستأتي لها آية مخصوصة.

 إذن.

فالفساد في الأرض معناه إخراج صالح عن صلاحه مظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيده الإنسان، والإفساد فيه إما بقتله أو إهاجته وإشاعة الرّعب فيه، وإما بشيء مملوك له من الأشياء التي دونه في الجنسية مثل الزروع أو النباتات أو الحيوانات.

فكأن الفساد في الأرض -أيضاً- يؤهل لقتل النفس: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}.

أي أن القتل بغير إفساد في الأرض؛ هو القتل الذي يستحق العقاب.

أما القتل بإفساد في الأرض فذلك أمر آخر؛ لأن هناك فارقاً بين أن يُقتل قِصاصاً أو أن يقتل حدَّاً من المُشرِّع؛ وحتى عفو صاحب الدم عن القاتل في الحرابة وقطع الطريق لا يشفع في ذلك ولا يسقط الحد عن الذي فعل ذلك؛ لأنها جريمة ضد المجتمع كله.

ويتابع سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} والمُسرف هو المُتجاوز للحَد، وهو من لا يأخذ قدر تكوينه وموقعه في الوجود، بل يحاول أن يخرج عن قدر إمكاناته في الوجود.

مثال ذلك: رجل حاول أن يسطو على حق غيره في الوجود؛ متخطياً منزلة الاعتدال فلا يأخذ حقه فقط.

مثل قطاع الطريق أو النهابين يأخذون عرق غيرهم وتعودوا أن يعيشوا كذلك وبراحة.

والمصيبة لا تكون في قاطع الطريق وحده، ولكن تتعداه إلى المجتمع.

فيقال: إن فلاناً يجلس في منزله براحة وتكفيه ساعة بالليل ليسرق الناس.

إن الأمر لا يقف عند حدود ذلك الإنسان إنما يتعدّاه إلى غيره.

ويحيا من يملك مالاً في رُعب، وعندما يُفجَع في زائد ماله، يفقد الرغبة في أن يتحرك في الحياة حركة زائدة تُنتج فائضاً لأنه لا يشعر بالأمن والأمان.

وعندئذ يفقد العاجز عن الحركة في المجتمع السند والعون من الذي كان يتحرك حركةً أوسع.

إذن من رحمة الله أنه فتح أمام البشر أبواب الآمال في التملُّك، مادام السعي إلى ذلك يتم بطرق مشروعة.

 ونضرب هذا المثل -ولله المثل الأعلى-: الرجل المُرابي الذي يُقرض مُحتاجاً مائة جنيه، كيف يطلب المُرابي زيادة مِمَّنْ لا يجد شيئاً يُقيم به حياته؟

إنه بذلك يكون قد أعطى مَنْ وجد أزَيد مِمَّا أخذ منه مع فقره وعجْزه.

إن ذلك هو الإسراف عينه.

ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ...}.



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:55 pm

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [٣٣]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

أول شيء في الحرب هو الاستيلاء؛ فمعنى أن يحارب قوم قوماً غيرهم أي يرغبون في الاستيلاء على خيرات أو ممتلكات الطرف الآخر.

فكيف يحارب قومٌ اللَّهَ وهو غيب؟.

وأول حرب للَّه هي محاولة الاستيلاء على سلطانه، وهو تشريعه.

فإن حاولت أيها الإنسان أن تشرع أنت على غير منهج الله فأنت تريد أن تستولي على حق الله في التشريع.

وهذه أول حرب لله.

والذين يحاربون الله أَهُمُ الذين يريدون أن يستولوا على ملك الله؟

لا؛ لأن يد الله في مُلكه أزلا، وستبقى أبدًا وسبحانه لن يسلّمه لأحد من عباده.

فعلى ماذا -إذن- يريدون الاستيلاء؟.

إنهم يريدون تزييف تشريعات الله، بينما سبحانه هو المُشرّع وحده.

والتشريع -كما قلنا- هو قانون صيانة للصّنعة.

إذن لماذا لا نترك خالق الإنسان ليضع القواعد التي تصون البشر؛ لذلك فأول افتيات يفعله الناس أنهم يُشرّعون لأنفسهم؛ لأن قانون صيانة الإنسان يضعه خالق الإنسان، فإذا ما جاء شخص وأراد أن يضع للإنسان -الذي هو منه- قانون صيانة نقول له: إنك تستولي على حق الله.

وكيف يحاربون الرسول؟.

نعرف أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- له وضعان؛ فالله غيب؛ لكن الرسول كان مشهداً من مشاهدنا في يوم من الأيام، وقد حورب بالسيف، وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أصبحت حربه كحرب الله، فنأخذ سلطته في التشريع، وهي السلطة الثانية ونقول لها: نحن سنشرع لأنفسنا ولا ضرورة لهذا الرسول، أو أن يقول نظام ما: سنأخذ من كلام الله فقط وذلك ما ينتشر في بعض البلدان.

ونقول لكل واحد من هؤلاء: أتؤدي الصلاة؟.

فيقول: نعم.

نسأله: كم ركعة صليت المغرب؟.

فيجيب ثلاث ركعات.

نسأله: من أين أتيت بذلك؟.

ومن أين عرفت أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وهي لم تذكر في القرآن الكريم؟.

هنا سيصمت.

ونسأله: كيف تخرج الزكاة وبأي حساب تحسبها؟

فيقول: اخرج الزكاة بقدر اثنين ونصف بالمائة في النقدين والتجارة مثلا.

نقول له: كيف -إذن- عرفت ذلك؟.

وأيضا كيف عرفت الحج؟.

إذن فللرسول -صلى الله عليه وسلم- مهمة، وحرب النبي تكون في ترك قول أو فعل أو تقرير له عليه الصلاة والسلام.

ومثال ذلك هؤلاء الذين يقولون: إن أحاديث رسول الله كثيرة.

ونقول لهم: كانت مدة رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة وعشرين عاماً وكل كلامه حديث، فكل كلمة خرجت من فمه حديث شريف، ولو كنا سنحسب الكلام فقط لكان مجلدات لا يمكن حصرها، وكل كلام سمعهُ وأَقرّه من غيره حديث، وكل فعل فعله غيره أمامه وأقرّه ولم يعترض عليه حديث، فكم تكون أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟.

وكيف يستكثر بعض الناس قدراً من الأحاديث التي وصلتنا بعد قدر هائل من التنقية البالغة؟

لأنهم قالوا: لأن نبعد عن رسول الله ما قاله خير من أن ندخل على رسول الله ما لم يفعله.

إنهم يدعون أن هذا حفظ للإسلام ولكن فاتهم أن الله حافظ دينه، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد وضع القواعد لغربلة الأحاديث فقال: "من كذب على مُتعمداً فليتبوّأ مقعده من النار".

وها هوذا البخاري ينقل عن المعاصرين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذين قابلوه، وسيدنا مُسلم يعتبر المعاصرة كافية لأنّها مظنَّة المقابلة وتحري كل منهما الدقة الفائقة.

وأي شخص كان به خدشة سلوكية لا يؤخذ بقوله، ولذلك عندما حاول البعض أن ينال من الأحاديث وقال أحدهم: "أنا يكفيني أو أقول لا إله إلا الله"، تساءلت: كيف لا يذكر أن محمداً رسول الله؟

وكيف يمكن أن يؤدي الأذان للصلاة؟

وكيف يؤدي الصلاة؟

وكيف يمكن أن يفهم قول الحق: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7].

وهذا تفويض من الله في أن يكون لمحمد -صلى الله عليه وسلم- تشريع.

وكذلك الاجتراءات على الأئمة، هم يجترئون أولاً على النبي ثم يزحفون على الدين كله.

وجاء فيهم قول الحق: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً} أي يخرجون الصالح بذاته عن صلاحه ليكون فاسداً.

الجزاء أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبُوا، وهذا التفعيل في قوله: {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ} جاء للشدة والتقوية؛ حتى يقف منهم المجتمع الإيماني العام موقف القائم على هذا الأمر، والسلطة الشرعية قامت عن الجميع في هذا الأمر، كما يقال: إن النائب العام نائب عن الشعب في أن يرفع الدعوى، حتى لا ينتشر التقتيل بين الناس، دون أن يفهموا حكمة كل أمر.

{أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}.

وهل "أو”هنا تخييرية، أو أنّ هنا -كما يقال- "لف ونشر"؟

واللف هو الطي.

والنشر هو أن تبسط الشيء وتفرقه.

فما اللف، وما النشر -إذن؟



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:56 pm

مثل ذلك ما يقوله الشاعر:
قلبي وجفني واللسان وخالقي..

لقد ذُكر مُتَعدّد ولكن الأحكام غير مذكورة، هذا هو اللف؛ فجمع المبتداءت دون أن يذكر لكل واحد منها خبره؛ ثم جاء بالأحكام على وفق المحكوم عليه.

فأكمل بيت الشعر بقوله:
راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ

ولنقرأ البيت كاملاً:
قلبي وجفني واللسان وخالقي راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ

والحق يقول:
{وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [القصص: 73].

فقوله: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} راجع إلى الليل، وقوله: {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} راجع إلى النهار.

وهنا جاء باللف.

ثم جاء بالنشر.

والفساد -كما نعلم- له صُور متعددة، فالفساد في الإنسان قد يعني قتله.

أو قتله وأخذ ماله.

أو الاستيلاء على ماله دون قتله.

أو إثارة الرعب في نفس الإنسان دون أخذ ماله أو قتله.

فكأن كلمة الفساد طوي فيها ألوان الفساد، نفس القتل، أو نفس تقتل مع مال يُسلب ويؤخذ، أو مال يُؤخذ دون نفس تقتل، أو تخويف وتفزيع.

ويقول الحق: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}، والنفي معناه الطرد والإبعاد، والطرد لا يتأتى إلا لثابت مُستقر، والإبعاد لا يتأتى إلا لمُتمكن.

إذن، فقبل أن يُنفى لابد أن يكون له ثبوت وتمكُّن في موضع ما، وهو ما نسميه اصطلاحاً السكن، أو الوطن، أو المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه.

ومعنى ثابت فيه.

أي له حركة في دائرته، إلا أنه يأوي إلى مكانٍ مُستقر ثابت، ولذلك سُمي سكناً؛ أي يسكن فيه من بعد تحركه في مجالاته المختلفة.

ومعنى النفي على هذا هو إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطناً له وكان مجالاً للإفساد فيه.

ولكن إلى أي مكان نُخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي؟

قد يقول قائل: أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده! لا؛ لأن النفي لا يتيح له ذلك الإفساد، ذلك أن التوطن الأول يجعل له إلفاً بجغرافية المكان، وإلفاً بمن يخيفهم؛ فهو يعرف سلوك جيرانه ويعرف كيف يخيف فلانا وكيف يغتصب بضاعة آخر وهكذا.

ولكنه إن خرج إلى مكان غير مستوطن فيه فسوف يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف إلى جغرافية المكان ومواقع الناس فيه، ومواطن الضعف فيهم.

وعلى ذلك يكون النفي هو منعٌ لإفساد الفاسد.

وحين يقول سبحانه: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} نعرف أن كلمة "الأرض” لها مدلول ونسمي الأرض الآن: الكرة الأرضية.

وكانوا قديماً يفهمونها على أنها اليابسة وما فيها من مياه، وبعد أن عرفنا أن جَوَّ الأرض منها صار جو الأرض جزءا من الأرض.

ولذلك قلنا في المقدسات المكانية: إن كل جو يأخذ التقديس من مكانه؛ فجو الكعبة كعبة؛ بدليل أن الذي يصلي في الدور الثالث من الحرم؛ ويتجه إلى الكعبة.

يصلي متجها إلى جو الكعبة.

ومن يستقل طائرة ويرغب في إقامة الصلاة يتجه إلى جو الكعبة، وعندما ازدحم الحجيج وصار المسعى لا يتسع لكل الحجيج أقاموا دوراً ثانياً حتى يسعى الناس فيه.

إذن فالمسعى ليس هو المكان المحدد فقط، ولكن جوه أيضا له قدسية؛ فإن بنينا كذا طابقا فهي تصلح أيضا كمسعى.

 إذن فجو الأرض ينطبق عليه ما ينطبق على الأرض.

ولذلك كانوا يُحَرِّمُونَ -قبل أن يوجد طيارون مُسلمون- أن يُحَوِّمَ في جو الحَرَم طيَّار غير مُسلم؛ لأن الطيَّار غير المُسلم مُحرم عليه أن يدخل الكعبة والحرم.

ومادام هناك إنسان ممنوع من دخول الكعبة فهو أيضا ممنوع من الطيران في جَوّ الكعبة.

لأن جَوّ المكان يأخذ قُدسية المكان أو حكمه؛ فالجَوّ من الأرض، ونعرف أن الغلاف الجوي يدور مع الأرض.

ومن هذا نعرف العطاءات القرآنية من القائل لكلامه وهو سبحانه الخالق لكونه.

ومادام القائل للقرآن هو الخالق للكون، إذن لا يوجد تضارب بين حقيقة كونية وحقيقة قرآنية.

وإنما يوجد التضارب من أحد أمرين: إما أن نعتبر الأمر الذي لا يزال في طور النظرية حقيقة في حين أنها لم تصبح حقيقة بعد؛ وإما أن نفهم أن هذا حقيقة قرآنية، على الرغم من أنه ليس كذلك، فإذا كان الأمر هو حقيقة كونية بحق وحقيقة قرآنية بحق، فلا تضارب على الإطلاق.

ودليل ذلك على سبيل المثال قول الحق سبحانه: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} [لقمان: 34].

ويأتي العلم الحديث بالبحث والتحليل، ويقول بعض السطحيين: لا، إن العلم يعرف ما في الرّحم من ذكر أو أنثى.

ونقول: نحن لا نناقش ذلك؛ لأنها حقيقة كونية وهي لا تتصادم مع الفهم الصحيح للحقيقة القرآنية؛ لكننا نسأل: متى يعرف العلماء ذلك؟

هم لا يعرفون هذا الأمر إلا بعد مُضي مُدة زمنية، ولكن الحق يعلمه قبل مرور أية مدة زمنية.

ثم مَن قال: إن الحق يقصد بـ{وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} ذكراً أو أنثى فحسب؟

وهل لمدلولها وجه واحد؟

لا.

بل له وجوه متعددة فلن يعرف أحد أن ما في الرحم سيكون من بعد إنساناً طويلاً أو قصيراً؛ ذكيا أو غبيّاً؛ شقيّاً أو سعيداً؛ طويل العمر أو قصير العمر؛ حليماً أو غضوباً.

فلماذا نحصر "ما”في مسألة الذكر والأنثى فقط؟

إنه هو سبحانه يعلم المستقبل أزلاً قبل أن يعلم أي عالم وقبل أن يحصل العالم على أية عينة.

ثم هل تذهب كل حامل إلى الطبيب ليفحص معملياً ما الذي تحمله في بطنها؟

طبعاً لا، ونحن لا نعلم ماذا في بطنها ولكن الخالق الأعظم يعلم.

ثم هل تذهب كل النساء الحوامل في العالم لطبيب واحد؟

بالطبع لا، ولكن الخالق الأعظم يعلم ما في كل الأرحام.

 إذن فالحقيقة القرآنية لم تصطدم بأية حقيقة كونية، لكن الصدام يحدث عندما نفهم فهما خطأ أن الحقيقة القرآنية في قوله الحق: {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ} مقصود به العلم بالذكر والأنثى فقط.

ومثال آخر، يقول الحق: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} [الحجر: 19].

ويُخطئ البعض الفهم عن الله فيظن أن المقصود بذلك أن الأرض بساط أمام الإنسان.

وقد ثبتت للبشر حقيقة كونية هي أن الأرض كروية بالأدلة خلال رحلة ماجلان ثم بالقواعد الخاصة بوضع الأعمدة؛ وظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها وغير ذلك، ثم صارت في عصرنا مُشاهدة من الأقمار الصناعية.

إذن هذه الحقيقة الكونية لا كلام فيها، وكان الخطأ هو فهم مدلول الحقيقة القرآنية والفهم الصواب في مدلول الحقيقة القرآنية الخاصة بقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا}؛ إننا كلما وقفنا في مكان نجد أرضاً، أي أن الأرض لا نهاية لها وليس لها حافة.

إذن فسبحانه قد مَد الأرض أمام الإنسان بحيث إذا سار الإنسان في أي اتجاه؛ يجد أرضاً.

 ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية.

لهذا كان الخطأ في فهم مدلول الحقيقة القرآنية؛ لأن التضارب إنما ينشأ من فهم أنها حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة قرآنية على نحو خاطئ، إنهما لا تتعارضان، فالقائل هو الخالق عينه.

ولهذا عرفنا متأخراً أن الجو من الأرض وأن الغلاف الجوي يدور مع الأرض، وكنا نقول: سرنا على الأرض، لكنه سبحانه قال وهو العليم: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 11].

وهو سبحانه علم أزلاً أن الجو جزء من الأرض.

فمهما سار الإنسان على اليابسة ففوقه الغلاف الجوي.

إذن فالإنسان إنما يمشي في الأرض وليس على الأرض.

أما إن سار الإنسان فوق الغلاف الجوي فهو يسير فوق الأرض.

ونعود إلى قوله الحق: {أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} وقد عرفنا أن النفي هو الطرد والإبعاد، فأي أرض ينفون منها وإلى أي أرض؟

ولا يكون الطرد إلا لمستقر ولا الإبعاد إلا لثابت.

وحتى في اللغة نعرف ما يسمى النفي والإثبات.

وكل ذلك مأخوذ من شيء حِسي؛ فعندما نأخذ الماء من البئر نُنزل إلى قاع البئر دلواً، وكل دلو ينزل إلى البئر له "رِشاء”وهو الحبل الذي نُنزل بواسطته الدلو.

 إننا ساعة نُخرج الدلو من البئر، يكون قد أخذ من الماء على قدر سعته وحجمه.

فهل لدينا حركة ثابتة نستطيع بها المحافظة على استطراق الماء إلى تمام حافة الدلو؟

طبعاً هذا أمر غير ممكن؛ بل نجد قليلا من الماء يتساقط من حوافي الدلو، وهذا الماء المتساقط يُسمى "النَّفِي"؛ لأننا لا نستطيع استخراج الدلو وهو ملآن لآخره بحركة ثابتة مستقرة بحيث تحافظ على استطراق الماء.

 إن الماء -كما نعلم- له استطراق دقيق إلى الدرجة التي جعلت البشر يصنعون منه ميزاناً للاستواء.

ومن "النَفْي”تؤخذ معان كثيرة، فهناك "النفاية”وهي الشيء الزائد.

إذن كيف يكون النفي من الأرض؟

وهل نأخذ الأرض بمفهومها العام أو بمعناها الخاص؟

أي الأرض التي حدث فيها قطع الطريق؟

إن أخذناها بالمعنى الخاص فالنفي يكون لأي أرض أخرى.

وإن أخذنا الأرض بالمعنى العام فكيف يكون النفي؟



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:57 pm

ونرى أن الحق سبحانه قد قال في موضع آخر من القرآن: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} [الإسراء: 104].

هم بلا جدال يسكنون في الأرض.

وجاء هذا القول لمعنى مقصود، ونعرف أننا لا نذكر السكن إلا ويكون المقصود تحييز مكان في الأرض، كأن يقول قائل: "اسكن ميت غمر”أو "اسكن الدقهلية”أو "اسكن طنطا"، وهذا تحديد لموقع من الأرض للاستقرار، والمعنى المقصود إذن أن الحق يبلغنا أنه سيقطعهم في الأرض تقطيعاً بحيث لا يستقرون في مكان أبداً.

وذلك مصداقاً لقول الله: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} [الأعراف: 168].

فليس لهم وطن خاص.

وتمت بَعْثَرَتُهم في كل الأرض، وهذا هو الواقع الذي حدث في الكون.

أَوُجِدَ لبني إسرائيل استقرار في أي وطن؟.

لا.

وحتى الوطن الذي أقاموه بسبب وعد بلفور لم يترك الحق أمره.

بل أعطى وعده للمؤمنين بأن يدخلوا المسجد إذا ما أحسنوا العمل لاسترداده.

ومازال اليهود بطبيعتهم شتاتاً في أنحاء الأرض.

ولهم في كل وطن حيّ خاص بهم.

وتحتفظ كل جماعة منهم في أي بلد بذاتيتهم ولا يذوبون في غيرهم: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104].

وحين يأتي بهم الحق في الجولة الآخرة سيأتون لفيفاً أي مجتمعين؛ لأن الأُمّة المؤمنة حين يقوّيها الله لتضرب على هؤلاء القوم ضربة لابد أن يكونوا مُجتمعين.

وكأن الله قد أراد أن يكون هذا "الوطن القومي”حتى يتجمعوا فيه وبعد ذلك يرسل الضربة عليهم لأنه جاء بهم لفيفاً؛ لذلك لا نحزن لأنه قد صار لهم وطن، فقد جاء بهم لفيفاً.

 ونعود إلى الآية التي نحن بصددها.

كيف يكون النفي من الأرض؟

حين يرد الله تَحييز مكان فهو يقول على سبيل المثال: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} [المائدة: 21].

إذن فقد نفى غيرها.

وهو يقول أيضاً: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} [الأعراف: 110].

وكان المقصود بها مصر.

فإذا أخذنا الأرض بالمعنى العام فحكمها حُكم "اسكنوا الأرض”.

والنفي هو صورة من صور العقوبات للإفساد، والإفساد في الأرض ينقسم إلى أربعة أقسام؛ قتل، قتل وأخذ مال، أخذ مال فقط، ترويع.

وقد زاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً وفعله في سيرته، فقد جاء لنا بأمر جديد في أمر الإفساد.

وكان على العلماء أن يتنبهوا له، فأول نفي حصل في الإسلام كان نفي رسول الله الحَكَم بن أبي العاص من المدينة إلى الطائف؛ لأن الحكم -والعياذ بالله- كان يُقلّد مِشّيَة النبيّ باستهزاء، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما يَتَحدَّر من صَبَبٍ.

فقد كانت مشية النبي مشية خاصة.

وعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الحَكَمَ يُقلدُ مِشيته في استهزاءٍ والتفت النبيُّ -ذات مرةٍ- فجأةً، فوجدَ الحكم يُقلدهُ في مِشيته فنفاه من المدينة إلى الطائف، وظلَّ الحَكَم في الطائف طوال حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فلما جاءت خلافة أبي بكر الصديق، ذهب أهل الحَكَم إلى أبي بكر، فقال: -ما كنت لأحلَّ عقدة عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وذهبوا إلى عمر بن الخطاب فلم يوافق.

وعندما جاءت خلافة عثمان وكان -رضي الله عنه- حَيياً وخجولاً فقال: لقد أخذت كلمة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحمل شبهة الإفراج عنه.

ويُفرج عنه عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وأثناء حياة الحَكَم في الطائف كان يُرَبي بعض شُويهات وبعض غُنيمات وكان يرعاها عند جبيلات الطائف.

وكان لهذه المسألة آثار من بعد ذلك.

فأنتم تعلمون أن معاوية -رضي الله عنه- أنجب يزيد الذي تولّى الخلافة من بعده.

وانتقلت الخلافة بعد يزيد لآل مروان بن الحَكَم.

 وكان خالد بن يزيد الذي ترك الخلافة لمروان عالماً كبيراً في الكيمياء وله أخ اسمه عبد الله، وكان لعبد الله جياد يتسابق بها.

وكان لولد من أولاد عبد الملك بن مروان جياد أيضاً، وجرت جياد عبد الله مع جياد ابن عبد الملك في مضمار سباق، فلما جاءت خيل عبد الله لتسبق.

حدث خلاف بين عبد الله وابن عبد الملك؛ فنهر ابن عبد الملك عبد الله، فذهب عبد الله واشتكى لأخيه خالد.

وهنا ذهب خالد لعبد الملك بن مروان، وقال له: لقد حدث من ابنك لأخي كذا وكذا.

وكان عبد الملك فصيحاً في العرب وما جربوا عليه لحناً أبداً.

وربّى أولاده على ألا يلحنوا في اللغة.

وكان له ولد اسمه الوليد غير قادر على استيعاب النطق الصحيح للغة دون لحن.

 فلما دخل خالد إلى عبد الملك أراد أن يجد فيه شيئاً يعيبه به، قال عبد الملك لخالد: أتكلمني في عبد الله وقد دخل عليّ آنفاً فلم يخل لسانه من اللحن؟

وقال خالد -معرضاً بالوليد-: والله يا عبد الملك لقد أعجبتني فصاحة الوليد.

فقال عبد الملك: إن يكن الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا يلحن.

فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالداً لا يلحن.

فقال عبد الملك: اسكت يا هذا فلست في العيرٍ ولا في النفير.

وأظن أن قصة العير والنفير معروفة.

فالعير هي التي كانت مع أبي سفيان وعليها البضائع من الشام وتعرَّض لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم نجا بها أبو سفبان.

والنفير هم الجماعة التي استنفزها أبو سفيان من مكة لأنه خاف من المسلمين وكانت زعامتهم لعتبة.

فالعير كانت زعامته لأبي سفيان والنفير كانت زعامته لعتبة بن ربيعة، وكان عتبة هو جدّ خالد لأمه، وأبو سفيان هو جدّه لأبيه.

فقال خالد: ومن أولى بالعير وبالنفير مني، جدّي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عُتّبة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات وشويهات وجبيلات وذكرت الطائف ورحم الله عثمان لكان أولى.

وأسكته.

 إذن.

فالنفي كان أول عقاب أنزله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهل ما فعله "الحَكَم” يُعتبر فساداً؟.

ونقول: إن كل فساد إنما يترتب على الفساد الذي يمس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكان الحَكَم يستهزئ بمِشية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقد يقول مُشرّع ما: إن السجن يقوم مقام النفي ونقول: لا، إن السجن الآن فيه الكثير من الرفاهية.

فقد كان السجن قديماً أكثر قسوة.

والهدف من السجن الإبعاد لتخفيف شرور المُفسِد وإن كان لا يبعده عن مستقره ووطنه.

وذلك أمر متروك للحاكم يفعله كيف يشاء وخاصة إذا لم يكن هناك أرض إسلامية متعددة.

بحيث يستطيع أن ينفيه من أرض إلى أرض أخرى.

 ويُتبع الحق هذا بقوله: {ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهذا القول لاحق لعقاب مُحدَّد للمفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله وهو: {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ}.

وهذه العقوبات خزي لهم.

 إن كلمة "خزي”ترد في اللغة بمعنيين؛ مرة بمعنى الفضيحة، "خَزِيَ، يَخْزِي، خِزياً"، أي انفضح، ومرة ثانية هي "خَزِي، يَخْزَي، خَزاية وَخَزِّي”بمعنى استحى.

والمعنيان يلتقيان، فمادام قد افتضح أمر عبدٍ فهو يستحي مما فعل.

 وتلك الأفعال خزي، كالذي قطع طريقاً على أناس آمنين، ونقول لمثل صاحب هذا الفعل: إن قوّتك ليست ذاتية بل قوّة اختلاسية؛ فلو كانت قُوّتك ذاتية لاستطعت أن تتأبّى لحظة أن يأخذوك ليقتلوك أو يصلبوك أو يقطعوا يدك ورجلك.

فقد اجترأت على العُزَّل الذين ليست لهم استطاعة الدفاع عن أنفسهم، وفي هذا خزي لك.

خصوصاً وأنت ترى من كانوا يخافونك وأنت تنال العقاب.

وخزيك الآن هو مقدمة لعذاب آخر في الآخرة، فسوف تنال عذاباً عظيماً.

{ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

وكل جزاء في الدنيا إنما يأتي على قدر طاقات البشر في العقاب، ولكن ماذا إذا وكُلُّوُا إلى طاقة الطاقات؟.

ها هي ذي عدالة الحق تتجلّى فهو سبحانه وتعالى يفسح المجال للمُسرفين على أنفسهم؛ أولاً بالتوبة؛ لأن الله الرّحيم بعباده لو أخذ كل إنسان بجريرة فعلها أو عاقب كل صاحب ذنب بذنبه لاستشرى في الأرض فساد كل من ارتكب ذنباً لأنه يئس من رحمة الله فتشتد ضراوته وقسوته.

 وسبحانه فتح باب التوبة لكل من أسرف على نفسه.

وإن لم توجد التوبة لصار المُسرف فاقِدا.

وهب أن واحداً من الذين فعلوا ذلك استيقظ ضميره، فإن تاب قبل أن تقدروا عليه فهناك حُكْم، أما إن تاب بعد أن يقدر عليه المجتمع فلا توبة له.

ويقول الحق: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ...}.



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:58 pm

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [٣٤]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ومادام الإنسان قد تاب وقام بتسليم نفسه دون أن يقدر عليه المجتمع فقبول التوبة حَقٌّ له، ويجب أن نأخذ{أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} في نطاق ما جعله الله لنفسه، أما ما جعله الله لأولياء المُعتدى عليهم فلابد من العقاب للمعتدي إن طلبه أصحابه.

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

والقرآن يجعل من المنهج الإيماني عجينة واحدة.

لذلك يُقسّم المسائل إلى فصول كالتقنينات البشرية التي تُبوّب؛ لذلك نجد القرآن يعامل الأقضية وكأنها فُرص استيقاظ للنفس؛ لذلك يأخذ النفس إلى أمرٍ توجيهي بالطاعة.

وضربنا من قبل المثل حينما تكلم القرآن عن مسائل الأسرة في سورة البقرة: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237].

ومن بعد ذلك يأتي إلى أمر الصلاة: {حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 238 - 239].

وضع الله -إذن- الصلاة بين أمرين من أمور الأسرة، حيث قال من بعد أمره بالحفاظ على الصلاة حتى أثناء القتال: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 240].

وجاء بأمر الحفاظ على الصلاة بين المشكلات الأسرية، وذلك ليجعل الدين لبنة واحدة، وأيضاً لأن النفس المشحونة بالبغضاء وزِحام أمور الزواج والوصيّة والطلاق؛ هذه النفس عندما تقوم إلى الصلاة لله فهي تهدأ.

ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُسوةٌ حسنة.

فقد كان إذا حَزَبَه أمرٌ واشتد عليه قام إلى الصلاة.

 إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يأتي بأمور الدين كأبواب منفصلة، باب للصلاة، وآخر للصوم، وثالث للزكاة، لا.

بل يمزج كل ذلك في عجينة واحدة.

ولذلك فعندما أنزل بالمفسدين المحاربين لله عقاب التقتيل والتصليب والتقطيع والنفي.

كان ذلك لتربية مهابة الرُّعب في النفس البشرية.

وساعة يستيقظ الرُّعب في النفس البشرية يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 031-035 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 031-035   سورة المائدة الآيات من 031-035 Emptyالإثنين 17 يونيو 2019, 11:59 pm

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٣٥]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

لقد أخرجنا من جَوٍّ صارمٍ وحديث في عقوبات إلى تقوى الله.

والتقوى -كما نعرف- أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية.

وعرفنا أن الحق سبحانه الذي يقول: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} هو بعينه الذي يقول "اتقوا النار"، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله.

بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية.

وإن قال قائل: إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائماً في معيَّته.

فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه.

ومن عقابه النار.

 إذن فقوله الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده.

وقوله سبحانه: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} أي نبحث عن الوُصْلة التي تُوصّلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبّته.

وها هناك وسيلة إلا ما شرَّعه الله سبحانه وتعالى؟

وهل يتقرَّب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يُحبّه؟.

وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل: ماذا يُحب فلان؟.

فيقال له: فلان يُحب ربطات العنق؛ فيُهديه عدداً من ربطات العُنق.

ويقال أيضاً: فلان يحب المسبحة الجيدة، فيحضر له مسبحة رائعة.

إذن كل إنسان يتقرّب إلى أي كائن بما يُحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟.

وما يُحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي: مَنْ عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحِبَّهُ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).

فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد، فيقول سبحانه في الحديث القدسي: (ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل).

أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه، فلا ابتكار في العبادات.

إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في "افعل”و"لاتفعل”.

والوسيلة عندنا أيضاً هي منزلة من منازل الجنة.

والرسول -صلى الله عليه وسلم- طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليّ فإنه من صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمَنْ سأل الله لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة).

ولا نريد أن ندخل هنا في مجال التوسل بالنبي أو الأولياء؛ لأنها مسألة لا يصح أن تكون مثار خلاف من أحد.

فبعضهم يحكم بكفر هؤلاء.

ونقول لمن يكفر المتوسلين بالنبي أو الولي: هذِّبوا هذا القول قليلاً؛ إنّ حدوث مثل هذا القول هو نتيجة عدم الفهم، فالذي يتوسل إلى النبي أو الولي هو يعتقد أن له منزلة عند الله.

وهل يعتقد أحد أن الوليّ يجامله ليعطيه ما ليس له عند الله؟.

طبعا لا.

وهناك من قال: إن الوسيلة بالأحياء مُمكنة، وأن الوسيلة بالأموات ممنوعة.

ونقول له: أنت تضيق أمراً مُتسعاً؛ لأن حياة الحي لا مدخل لها بالتوسل، فإن جاء التوسل بحضرته -صلى الله عليه وسلم- إلى الله، فإنك قد جعلت التوسل بحبك لمن علمت أنه أقرب منك إلى الله؛ فحُبك له هو الذي يشفع.    

وإيَّاك أن تظن أنه سيأتي لك بما لا تستحق.

والجماعة التي تقول: لا يصح أن نتوسل بالنبي؛ لأن النبي انتقل إلى الرفيق الأعلى، نقول لهم: انتظروا قليلاً وانتبهوا إلى ما قال سيدنا عُمر -رضوان الله عليه-؛ قال: كنا في عهد رسول الله إذا امتنع المطر نتوسل برسول الله ونستسقي به.

ولما انتقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، توسل بعمه العباس.

وقالوا: لو كان التوسل برسول الله جائزاً بعد انتقاله لما عدل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن التوسل بالنبي بعد انتقاله، وذهب إلى التوسل بعم النبي.

ونسأل: أقال عمر "كنا نتوسَّل بنبيك والآن نتوسَّل إليك بالعباس؟

أم قال: والآن نتوسل إليك بعم نبيك"؟.

ولذلك فالذين يمنعون ذلك يوسعون الشقة على أنفسهم؛ لأن التوسُّل لا يكون بالنبي فقط ولكن التوسل أيضاً بمن يمت بصلة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فساعة يتوسل واحد إلى غيره يعني أنه يعتقد أن الذي توسل به لا يقدر على شيء، إنني أتوسل به إلى الغير لأني أعرف أنه لا يستطيع أن ينفذ لي مطلوبي.

إذن فلنبعد مسألة الشرك بالله عن هذا المجال، ونقول: نحن نتوسل به إلى غيره لأننا نعلم أن المتوسل إليه هو القادر وأن المتوسل به عاجز.

وهذا هو منتهى اليقين ومنتهى الإيمان.

ولكن المتوسِّل به قد ينتفع وقد لا ينتفع، وعندما توسَّل سيدنا عمر بالعباس عَمّ النبي كان يفعل ذلك من أجل المطر.

والمطر في هذه الحالة لا ينتفع به رسول الله لذلك جاء بواحدٍ من آل البيت وكأنه قال: "يا ربُّ عمُّ نبيك عطشان فمن أجله نريد المطر”.

إذن فتوسُّل عمر بن الخطاب بعم النبي دليل ضد الذين يمنعون التوسل بالنبي بعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى.

وحتى نخرج من الخلاف.

نقول: إن العمل الصالح المتمثل في "افعل كذا”و"لا تفعل كذا”هو الوسيلة الخالصة.

وبذلك نخلص من الخلاف ولا ندخل في متاهات.

{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ولنر الإيثار الإيماني الذي يريد الحق أن يُربّيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي تتمثل في الابتعاد عن مَحارِمه، وابتغاء الوسيلة إلى الله في اتباع أوامرِه.

إن الدِّين لم يأتِكَ من أَجل نفسك فحسب، ولكن إيمانك لن يصبح كاملاً إلا أن تُحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون على المنهج فاحرص جيداً على أن يكون ذلك لإخوانك أيضاً.

وإخوانك المؤمنون ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ذلك.

ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله.

وهكذا تتّسع الهِمَّةُ الإيمانية، فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن.

ولذلك يضع لنا الحق الطريق المستقيم ويوضحه ويبيّنه لنا.

وكانت بداية الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بأن لله نعيماً وجزاءً في الآخرة هو خير مما يعيشه قدَّم دمه واستشهد؛ لذلك قال صحابي جليل: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نعم.

وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة.

لابد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها؛ ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر، بل ظل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يُرَبِّيَ من يحملون الدعوة.

فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية.

وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابياً يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص، وأن خالد بن الوليد قد هرب.

وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادّخر خالداً وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد.

وكذلك عمرو بن العاص قد ادَّخره الله إلى نصرٍ آخر للإسلام.

إذن فالجهاد في سبيل الله ضمانٌ للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصولاً إلى أن تقوم الساعة، وذلك لا يتأَتّى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله.

والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار الإيماني.

وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتُحب أن توصّله إلى غيرها، ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمناً، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة، فالناس إذا كانوا أخياراً استفاد الإنسان من خيرهم كله، وإذا كانوا أشراراً يناله من شرِّهم شيء.

إذن فمن مصلحة الخيِّر أن يشيع خيره في الناس؛ لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره؛ لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر.

لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان؛ لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم.

أما إن بقي الناس على شرِّهم وبقي الإنسان الطيب على خيره، فسيظل خير الطيب مبذولاً لهم ويظل شرُّهم مبذولاً للطيب.

إذن من حكمة الإيمان أن "يعدّي”الإنسان الخير للغير.

وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله، ومن أجل انتشار منهج الله لابد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك؛ فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة المعركة لابد من حُسْنِ الإعداد.

وعندما يعدّ المؤمن نفسه يجد أن حركة الحياة كلها تكون معه؛ لأن الدعوة إلى الله تقتضي سُلوكاً طيباً، والسُلوك الطيب ينتشر بين البشر، وهنا يقوى معسكر الإيمان، فيرتقي سلوكاً وعملاً، وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري.

والحق يقول: {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

سبحانه أنزل القرآن وأنزل الحديد، ويتبع ذلك: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} [الحديد: 25].

وجاء معنى البأس من أجل ذلك، وهذا هو السبب الثاني الذي أوصانا به الحق: إيَّاكم أن تأخذوا منهج الله فقط الذي ينحصر في "افعل ولا تفعل”ولكن خذوا منهج الله بما يحمي منهج الله وهو التقدم العلمي باستخراج كنوز الأرض وتصنيعها كالحديد مثلاً، فسبحانه كما أنزل القرآن يحمل المنهج، فقد أنزل الحديد وعلى الإنسان مهمة استنباط الحديد والمواد الخام التي تُسَهّل لنا صناعة الأجهزة العلمية ونقيم المصانع التي تنتج لنا من الحديد فولاذاً، ونحوِّل الفولاذ إلى دروع، ونصنع أدق الأجهزة التي تُهِّيئ للمقاتل فُرصة النصر.

وكذلك نَدّخر المواد الغذائية لتكفي في أيام الحرب.

إذن حركة الحياة كلها جهاد، وإيَّاك أن تقصر فكرة الجهاد عندك على ساحة المعركة، ولكن أعدّ نفسك للمعركة؛ لأنك إن أعددت نفسك جيّداً وعلم خصمك أنك أعددت له، ربما امتنع عن أن يحاربك.

والذي يمنع العالم الآن من معركة ساخنة تدمره هو الخوف من قِبَل الكتل المتوازنة لأن كل دولة تُعدّ نفسها للحرب.

ولو أن قوة واحدة في الكون لهدمت الدنيا.

وقول الحق: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} نأخذه على أنه جهاد في سبيل منهج الله؛ وندرس هذا المنهج ونفهمه وبعد ذلك نجاهد فيه باللسان وبالسِّنان، ونجاهد فيه بالكتاب ونجاهد فيه بالكتيبة.

إذن فقوله الحق: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} يصنع أمة إيمانية مُتحضرة، حتى لا تترك الفرصة للكافر بالله ليأخذ أسباب الله وأسراره في الكون.

فمن يعبد الإله الواحد أولى بسرّ الله في الوجود، ولو فرضنا أنه لن تقوم حرب، لكننا نملك المصانع التي تنتج، وعندنا الزراعة التي تكفي حاجات الناس، عندئذ سنحقق الكفاية.

وما لا تستعمله في الحرب سيعود على السلام.

ويجب أن تفهموا أن كل اختراعات الحياة التقدمية تنشأ أولاً لقصد الحرب، وبعد ذلك تهدأ النفوس وتأخذ البشرية هذه الإنجازات لصالح السلام.

ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}.



سورة المائدة الآيات من 031-035 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة المائدة الآيات من 031-035
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: المائدة-
انتقل الى: