منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة النساء الآيات من 161-165

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:32 am

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [١٦١]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وأي ظلم يتحدث عنه الحق في قوله: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}؟.

الظلم معناه أن يحكم واحد لغير ذي الحق بحق، وقمة الظلم أن يحكم واحد بأن لله شريكاً، ولذلك قال سبحانه: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

وحيثيات حكم الله بتحريم أشياء كانت حلالاً لبني إسرائيل متعددة.

وحين يحرم الله شيئاً فمن المؤكد أنه محدود بالنسبة للمحلَّل؛ فالمحرم قليل، وبقية ما لم يذكره الله إنما يدخل في نطاق الحلال.

مثال ذلك قوله الحق: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 151-152].

يورد الحق هنا المحرمات وهي أشياء محددة محدودة، أما النعم كلها فحلال.

 ومن هذا الأمر نفهم اتساع مدى رحمانية الحق بالخلق، فقد وهبنا الكثير والكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى ولم يحرم إلا القليل.

وتحريم القليل جاء لتبقى كل نعمة في مجالها.

فإذا قال إنسان: حرم الله هذا الشيء لأنه ضار نقول: ما تقوله جائز، ولكن ليس الضرر هو سبب الحكم لِكل المحرمات، فقد يحرم سبحانه أمراً لتأديب قوم ما.

-ولله المثل الأعلى- نرى المسئول عن تربية أسرة قد يحرم على ولد فيها لوناً من الطعام أو جزءاً من مصروف اليد ويكون القصد من ذلك هو العقوبة.

ولماذا استحق بنو إسرائيل عقوبة التحريم؟.

لقد جاءوا من خلف منهج الله وأحلوا لأنفسهم ما حرم الله.

وماداموا قد زاغوا فأحلوا ما حرم الله فالحق يرد عليهم: لقد اجترأتم على ما حرمت فحللتموه، ومن حقي أن أحرم عليكم ما أحللت لكم من قبل ذلك، حتى لا يفهم الإنسان أنه بتحليله لنفسه ما حرم الله قد أخذ شيئاً من وراء الله فلا أحد يمكنه أن يغلب الله.

ولذلك يحرم سبحانه عليه شيئاً من حلاله.

 والتحريم إما أن يكون تحريم تشريع، وإما تحريم طبع أو فطرة أو ضرورة.

نجد الرجل الذي أسرف على نفسه في تناول محرمات كالخمر -مثلاً- يحرم الله عليه أشياء كانت حلالاً له، ويقول له الطبيب: تهرأ كبدك وصار من الممنوع عليك أن تأكل صنوفاً كثيرة من الطعام والشراب.

وهكذا نرى ظلم الإنسان لنفسه، وكيف نتج عنه تحريم أشياء كانت حلالاً له.

ومن أسرف على نفسه في تناول صنف معين من الطعام كالسكر مثلاً فأكَله فوق ما تدعو به الحاجة، نجد سنة الله الكونية تقول له: لقد أخذت أكثر من حقك.

وعطلت في جسدك القدرة على حسن استخدام السكر فصرت مريضاً، إياك أن تتناول السكريات مرة أخرى.

ويشتهي المريض السكر والحلوى ويملك القدرة على شرائهما، ولكنها محرمة عليه، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول له: بظلم منك لنفسك حرمت ما أحللته لك.

وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة، ويقوم له الآخرون بطحن الغلال، ويأمر بأن يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف الدقيق الخالي من أية قدر من "النخالة"، ويصنعون له الخبز الأبيض، ويأكله بينما الاتباع يصنعون لأنفسهم الخبز من الدقيق الأقل نقاوة، فتقول له سنة الله: ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علاجاً لأمعائك لأنك أسرفت على نفسك في أكل الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان الدقيق، فبظلم منك حرمنا ما أحل لك.

 وعندما نَرى إنساناً قد حُرمَ من نعمة من نعم الله التي هي حلال له، نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئاً حرمه الله عليه، أو أسرف في استعمال حق أحله الله له، ولا أحد منا يفلت من رقابة الله.

إذن فالتحريم قد يكون بالتشريع، إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع، وقد يكون تحريماً بالطبع والفطرة إن كان في الأمر إسراف من النفس.

 ولنقرأ دائماً هذه الآية: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} وكذلك الذين يأخذون مالاً بالربا، لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم، لماذا تريدون المال؟.

أتريدون المال لذات المال؛ أم لهدف آخر؟.

صحيح أن المال رزق، لكنه رزق غير مباشر؛ لأنه يَشْتري به الأشياء التي ينتفع بها الإنسان، وهي الرزق المباشر.

وقلنا قديماً: هب أن إنساناً في صحراء ومعه جبل من ذهب لكن الطعام انقطع منه، وجبل الذهب في مثل هذه الحالة لا ينفع، بل يصبح رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب.

والذي يزيد ماله بالربا، أيريد تلك الزيادة من أجل المتع؟.

سبحانه يمحق ذلك المال ويُذهبه في كوارث.

ومن أراد أن يبقي له ما أحل الله إلى أن يأتي أجله فعليه ألا يبيح لنفسه أي شيء حرمه الله.

وبذلك يظل متمتعاً بنعم الله عليه.

فالحق هو القائل: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}.

الإنسان -إذن- هو الذي يظلم نفسه مصداقاً لقوله الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرَّم الله عليهم طيبات أُحِّلت لهم.

ومَنْ الذي نقل الأمر الطيب إلى أمر غير طيب؟.

إنه الإنسان.

ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء؟.

لقد نقل حكم الشيء، فجعل الشيء الحرام شيئاً حلالاً.

{فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}.

كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل الله؟.

لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم في ناحية الضلال وفي جانب الباطل، وليت الأمر وقف عند هذا.

بل أرادوا أيضاً إضلال غيرهم، وهذا هو مضمون الصد عن سبيل الله.

وجعلهم هذا الأمر أصحابَ وزر آخر فوق أوزارهم، فلم يكتفوا بضلالهم بل تحملوا أوزار إضلال غيرهم.

{لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25].

وقد يسمع متشكك هذا القول.

فيتساءل: كيف يناقض القرآن بعضه فيقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} [الأنعام: 164].

ونقول: إن لكل وزر طريقاً وحساباً، فالإنسان يحمل وزر ضلاله وحده إن لم يضل به أحداً غيره، ولكن إن حاول إضلال غيره فهو يتحمل وزر هذا الإضلال.

ويقول الحق في تكملة ظلمهم لأنفسهم: {وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، وقد تعرضنا للربا من قبل.

وقد أخذوا الرشوة، وهو أكل لمال الناس بالباطل؛ وكذلك السرقة، والغش في السلع، كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق، وما أخذ بغير الحق فهو باطل، وأعد سبحانه لهم مسبقاً عذاباً اليماً.

ولكل إنسان مقعدان: مقعد من الجنة إن قُدّر إيمانه، ومقعد من النار إن قُدّر كفره، ولا مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو ازدحام النار، فقد خلق الله مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون، وجعل مقاعد النار على أساس أن كل الناس كافرون.

 ولذلك يقول الحق: {ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 11].

وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه الله المقعد الآخر الذي أعده للكافر؛ فقد كان للكافر قبل أن يكفر مقعدٌ في الجنة لو اختار الإيمان.

وقد أعد الحق العذاب الأليم لهم أي الشديد إيلامه، وهو مهين أيضا أي أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة، فلا أحد يقدر على الجَلَد أمام عذاب الله.

 وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب؟.

ألم يوجد في أهل الكتاب من كان يدير مسألة الإيمان برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عقله، ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرِّة به -صلى الله عليه وسلم- في التوراة والإنجيل؟.

 كان من بينهم من فعل ذلك، ويورد الحق سبحانه وتعالى التاريخ الصادق، فيستثنى من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ...}.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:33 am

لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [١٦٢]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

إذن لم يعمم الله الحكم على أهل الكتاب، الذي سبق بكفرهم وظلمهم لأنفسهم وأخذهم الربا وغير ذلك، بل وضع الاستثناء، ومثال لذلك "عبدالله بن سلام" الذي أدار مسألة الإيمان برسول الله في رأسه وكان يعلم أن اليهود قوم بُهت.

فقال لرسول الله: إني أومن بك رسولاً، والله لقد عرفتك حين رأيتك كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد.

ويقول الحق عن مثل هذا الموقف: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}.

ولا أحد يتوه عن معرفة ابنه؛ كذلك الراسخون في العلم يعرفون محمداً رسولاً من الله ومبلغاً عنه، والراسخ في العلم هو الثابت على إيمانه لا يتزحزح عنه ولا تأخذه الأهواء والنزوات.

بل هو صاحب ارتقاء صفائي في اليقين لا تشوبه شائبة أو شبهة.

{لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}، وقوله الحق: {بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ} هو القرآن، وهو أصل يُرد إليه كل كتاب سابق عليه، فحين يؤمنون بما أنزل إلى سيدنا رسول الله، لابد أن يؤمنوا بما جاء من كتب سابقة.

 والملاحظ للنسق الأسلوبي سيجد أن هناك اختلافاً فيما يأتي من قول الحق: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} فقد بدأ الحق الآية: {لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}.

ونحن نعلم أن جمع المذكر السالم يُرفع بالواو وينصب ويُجر بالياء، ونجد هنا "المقيمين" جاءت بالياء، على الرغم من أنها معطوفة على مرفوع، ويسمي علماء اللغة هذا الأمر بـ "كسر الإعراب"؛ لأن الإعراب يقتضي حكماً، وهنا نلتفت لكسر الحكم.

والأذن العربية التي نزل فيها القرآن طُبِعَتْ على الفصاحة تنتبه لحظة كسر الإعراب.

 لذلك فساعة يسمع العربي لحناً في اللغة فهو يفزع.

وكلنا يعرف قصة العربي الذي سمع خليفة من الخلفاء يخطب، فلحن الخليفة لحنة فصرّ الأعرابي أذنيه، أي جعل أصابعه خلف أذنيه يديرهما وينصبهما ليسمع جيداً ما يقول الخليفة، ثم لحن الخليفة لحنة أخرى، فهبَّ الأعرابي واقفاً، ثم لحن الثالثة فقال الأعرابي: أشهد أنك وُلِّيت هذا الأمر بقضاء وقدر.

وكأنه يريد أن يقول: "أنت لا تستحق أن تكون في هذه المكانة".

وعندما تأتي آية في الكتاب الذي يتحدى الفصحاء وفيها كسر في الإعراب، كان على أهل الفصاحة أن يقولوا: كيف يقول محمد إنه يتحدى بالفصاحة ولم يستقم له الإعراب؛ لكن أحداً لم يقلها، مما يدل على أنهم تنبهوا إلى السرّ في كسر الإعراب الذي يلفت به الحق كل نفس إلى استحضار الوعي بهذه القضية التي يجب أن يقف الذهن عندها: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}.

لماذا؟

لأن الصلاة تضم وتشمل العماد الأساسي في أركان الإسلام؛ لأن كل ركن من الأركان له مدة وله زمن وله مناط تكليف.

فالشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يكفي أن يقولها المسلم مرة واحدة في العمر، والصوم شهر في العام وقد لا يصوم الإنسان ويأخذ برخص الإفطار إن كانت له من واقع حياته أسباب للأخذ برخص الإفطار.

والزكاة يؤديها المرء كل عام أو كل زراعة إن كان لديه وعاء للزكاة.

والحج قد يستطيعه الإنسان وقد لا يستطيعه.

وتبقى الصلاة كركن أساسي للدين.

ولذلك نجد هذا القول الكريم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} [المدثر: 42-43].

وأركان الإسلام -كما نعلم- خمسة وهي واضحة، ومن الجائز ألا يستطيع المسلم إقامتها كلها بل يقيم فقط ركنين اثنين، كالشهادة وإقامة الصلاة.

وحين يقول الحق: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}.

يلفت كل مؤمن إلى استمرارية الودادة مع الله؛ فهم قد يودُّون الله شهراً في السنة بالصيام، أو يودُّون بإيتاء الزكاة كلما جاء لهم عطاء من أرض أو من مال، أو يودّون الله فقط إن استطاعوا الذهاب إلى الحج.

وبالصلاة يودُّ المؤمن ربَّه كل يوم خمس مرات، هي -إذن- إعلان دائم للولاء.

 لقد قلنا: إن الصلاة جمعت كل أركان الدين، ففيها نقول: "أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله"، ونعلم أننا نزكي بالمال، والمال فرع العمل، والعمل يحتاج إلى وقت؛ والإنسان حين يصلي يُزكي بالوقت.

والإنسان حين يصلي يصوم عن كل المحللات له؛ ففي الصلاة صيام، ويستقبل المسلم البيت الحرام في كل صلاة فكأنّه في حج.

 إذن فحين يكسر الحق الإعراب عند قوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} إنما جاء ليلفتنا إلى أهمية هذه العبادة.

ولذلك يقولون: هذا كسر إعراب بقصد المدح.

-فهي منصوبة على الاختصاص- ويخص به الحق المقيمين الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة فيها دوام إعلان الولاء لله.

ولا ينقطع هذا الولاء في أي حال من أحوال المسلم ولا في أي زمن من أزمان المسلم مادام فيه عقل.

ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} كأن كل الأعمال العبادية من أجل أن يستديم إعلان الولاء من العبد للإيمان بالله.

والإيمان -كما نعلم- بين قوسين: القوس الأول: أن يؤمن الإنسان بقمة الإيمان وهو الإيمان بالله.

والقوس الثاني: أن يؤمن الإنسان بالنهاية التي نصير إليها وهي اليوم الآخر.

ويقول سبحانه جزاءً لهؤلاء: {أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً} هو أجر عظيم؛ لأن كل واحد منهم قد شذ عن جماعته من بقية أهل الكتاب ووقف الموقف المتأبي والرافض المتمرد على تدليس غيره، ولأنه فعل ذلك ليُبيّن صدق القرآن في أن الإعلام بالرسول قد سبق وجاء في التوراة.

ومن بعد ذلك يقول الحق: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَا...}.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:35 am

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [١٦٣]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ونعلم أن الحق حينما يتكلم، يأتي بضمير التكلم.

وضمير التكلم له ثلاثة أوجه، فهو يقول مرة: "إنا" ومرة ثانية: "إنني" وثالثة يخاطب خلقه بقوله: "نحن".

وهنا يقول: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ}.

ونشاهد في موقع آخر من القرآن الكريم قوله الحق: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ} [طه: 14].

وفي موضع ثالث يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

لأن الذكر يحتاج إلى صفات كثيرة ومتنوعة تتكاتف لتنزيل الذكر وحفظه.

وحين يخاطب الله خلقه يخاطبهم بما يُجلي مواقع الصفات من الكون الذي نعيش فيه.

والكون الذي نعيش فيه يمتلئ بالكائنات التي تخدم الإنسان، وهذه الكائنات قد احتاجت إلى الكثير لتهيئ للإنسان الكون قبل أن يوجد الإنسان، وذلك حتى يأتي إلى الكون ليجد نعم الله له؛ فالإنسان هو الذي طرأ على كون الله.

 هذا الكون الذي صار إلى إبداع كبير احتاج إلى صفات كثيرة لإعداده، احتاج إلى علم عن الأشياء، وإلى حكمة لوضع كل شيء في مكانه، ولقدرة تبرزه، وإلى غنى بخزائنه حتى يفيض على هذا الموقع بخير يختلف عن خير الموقع الآخر، وساعة يكون العمل مُتطلباً لمجالات صفات متعددة من صفات الحق، يقول سبحانه: "إنَّا" أو "نحن".

وعندما يأتي الحديث عن ذات الحق سبحانه وتعالى يقول: "إني أنا الله".

ولا تأتي في هذه الحالة "إنَّا" ولا تأتي "نحن".

والحق هنا يقول: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي أنه أوحى بمنهج ليصير الإنسان سيداً في الكون، يصون نفسه والكون معاً، وصيانة الكائن والكون تقتضي علماً وحكمة وقدرة ورحمة؛ لذلك فالوحي يحتاج إلى صفات كثيرة متآزرة صنعت الكون.

ورحمة من الله بخلقه أن جعل لهم مدخلاً فيقول على سبيل المثال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} [فاطر: 27].

هو الذي أنزل من السماء ماء، وليس لأحد من خلقه أي دخل في هذا؛ لأن الماء إنما يتبخر دون أن يدري الإنسان، ولم يعرف ذلك إلا منذ قرون قليلة.

وعرفنا كيف يتكون السحاب من البخار، ثم ينزل المطر من بعد ذلك.

إذن لا دخل للإنسان بهذا الأمر؛ لذلك يقول الحق: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}.

ويأتي من بعد ذلك إنصاف الحق للخلق، فيقول: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا}.

ولم يقل: "فأخرجت".

بل أنصف الحق خلقه وهم المتحركون في نعمه بالعقول التي خلقها لهم، فسبحانه يقدر عمل الخلق من حرث وبذر ورى وذلك حتى يخرج الثمر.

 إذن الأسلوب القرآني حين يأتي بـ "إني" يشير إلى وحدة الذات، وحين يأتي بـ "إنَّا" يشير إلى تجمع صفات الكمال؛ لأن كل فعل من أفعال الله يقتضي حشداً من الصفات علماً وإرادة وقدرة وحكمة وقبضاً وبسطاً وإعزازاً وإذلالاً وقهاريةً ورحمانيةً؛ لذلك لابد من ضمير التعظيم الذي يقول فيه النحويون: إن "نحن" و"نا" للمعظم نفسه.

وقد عظم الحق نفسه؛ لأن الأمر هنا حشد صفات يتطلبها إيجاد الكون والقيام على أمر الكون.

ولذلك نجد بعض العارفين الذي لمحوا جلال الله في ذاته وجماله في صفاته يقولون: فسبحان رب فوق كل مظنة تعالى جلالاً أن يُحاط بذاته إذا قال: "إني" ذاك وحدة قدسه وإن قال "إنَّا" ذاك حشد صفاته، وعندما ننظر إلى هذه المسألة، نجد أن الحق سبحانه وتعالى أنصف خلقه لعلهم يعرفونه، فجعل لهم إيجاد أشياء وخلق أشياء.

وحين يتعرض سبحانه لأمر يكون له فيه فعل ويكون لمن أقدره سبحانه من خلقه فيه فعل، فهو يأتي بنون التعظيم لأنه -سبحانه- هو الذي أمدهم بهذه القدرات.

وحين أوجد الحق خلقه من عدم، جعل لخلق من خلقه إيجاداً؛ ولكنْ هناك فرق بين إيجاد المادة، وإيجاد ما يتركب من المادة.

فقد خلق سبحانه كل شيء من عدم، ولكن جعل لخلقه أن يخلقوا أشياء لكن ليست من عدم.

وما ضَنَّ سبحانه وتعالى عليهم بأن يذكرهم بلفظ الخلق فقال: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14].

فكأنه سبحانه وتعالى جعل من خلقه خالقين، لكن الخالقين من خلقه لم يخلقوا من عدم محض، وإنما كوَّنوا مركّباً من موجود في مواده. فأخذوا من مواد خلقها الله فركّبوا وأوجدوا.

والإنسان الذي صنع كوب الماء لم ينشئ الكوب من عدم محض وإن كانت "الكلية" في الكوب غير موجودة فجزئيات إيجاد الكوب موجودة، فالرمل موجود في بيئات متعددة، وموجود أيضاً ما يصهر الرمل، والعقل الذي يأخذ تلك العناصر، والفكر الذي يصنع من الرمل عجينة، ومصمم الآلات التي تصنع هذا الكوب موجود.

إذن فقد أوجد الإنسان كوباً من جزئيات موجودة.

فالفارق -إذن- بين خلق الله وخلق خلق الله؛ أن الله خلق من عدم محض، لذلك وصف ذاته بقوله: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}.

فأنتم أيها البشر إنما تخلقون من مخلوقات الله ولم تخلقوا من غير مخلوق لله؛ فهو سبحانه وتعالى أحسن الخالقين.

وكما أنصف الحق خلقه بأن نسب لهم خلقاً، فلابد من أن يصف نفسه بأنه أحسن الخالقين.

وأيضاً إن خلق الخلق -كما قلنا وأنا لا أزال أكررها لتستقر ثابتة في الأذهان- يجمد الشيء على ما أوجدوه عليه، فيخلقون الكوب ليظل كوباً في حجمه وشكله ولونه، ولكنهم لم يخلقوا كوباً ذكراً وكوباً أنثى ليجتمعا معاً وينشئا أكواباً صغيرة تنمو وتكبر، ولكن الله ينفخ بسرّ الحياة في كل شيء فيوجده، لذلك هو أحسن الخالقين.

ولو نظرت إلى كل شيء في الوجود لوجدت فيه سر الذات الفاعلة، فلو نظرت إلى ذات نفسك، لوجدت لك وسائل إدراك، لوجدت لك سمعاً، ولوجدت لك عيناً، ولوجدت لك أنفاً ولمساً وذوقاً ولكن لبعض الآلات تحكم في اختيارك، فأنت حين تفتح عينيك ترى وإن لم ترد أن ترى تغمض عينيك.

ولكن إذا أردت الا تسمع، أتستطيع أن تجعل في أذنك آلة تقول "لا أسمع"؟

وأنت تفتح فمك لتأكل وتتذوق، ولكن أنت لا تفتح أنفك لتشم.

أنت تمد يدك لتلمس.

وقل لي بالله أي انفعال لك أن أردت أن تضحك؟

ما الآلة التي في بدنك تحركها لتضحك؟

أنت لا تعرف شيئاً إلا سبباً مثيراً يضحك، لكنك لا تعرف ما هي الآلات التي تعمل في جسمك لتضحك.

وكذلك حينما تبكي ما هي الآلات التي تعمل في ذاتك لتجعلك باكياً؟

أنت لا تعرف.

ولذلك جعل الله الإضحاك والإبكاء مع الإيجاد بالحياة، والعدم بالموت جعل ذلك له سبحانه وتعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: 43-44].

جعل الحق في ذاتك الإنسانية أشياء تفعل ولكنك لا تعرف بأي شيء تفعل ولا بأي شيء تنفعل.

والأذن ليس لها ما يسدها عن السمع؛ لذلك لا يأمرك الحق بألا تسمع أي شيء، ولكن الأثر الصالح يأمر: (لا تتسمّع إلى القيلة).

لم يقل الأثر الصالح "لا تسمع إلا قيلة" لأن الإنسان لا يستطيع أن يصم أذنيه عما يدور حوله، لكنه يستطيع ألا يتسمّع بألاّ يلقي بأذنيه إلى ما يقال.

إذن فقد جعل الحق التكليف في مقدور اختيارات المسلم ولذلك قال: {وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68].

واستخدم هنا كلمة "رأيت" لأن المسلم لا يملك شيئاً يسد به أذنيه حتى لا يسمع حديث الذين يخوضون في آيات الله، لكن أمر الله الذين يسمعون ذلك أن يسيروا بعيداً معرضين عن هؤلاء الخائضين.

وسبحانه يوضح لنا ما خفي عنا، وكل شيء في الكون وإن كان ظاهره أنه "يفعل"، لكنه في الحقيقة هو مقهور لما ينفعل لمرادات الله بأمر الله. ولذلك يقول العارفون بالله: من جميل إحسانه إليك أن فعل ونسب إليك.

 فسبحانه وتعالى الذي يفعل كل شيء، وليس على الإنسان إلا توجيه الآلة الفاعلة.

ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان حين يكون قوياً لا يمكنه أن يعطي قوته لضعيف، فلا أحد منا يقول لضعيف: خذ قدراً من قوتي لتساعدك على التحمل، بينما يوضح الله للضعيف عملياً: تعال إلي أعطك من مطلق قدرتي قدراً من القوة لتفعل.

 إذن القوة في المخلوق لا يعطيها أبداً لمثله، بل يعطي أثرها.

مثال ذلك عندما لا يستطيع شخص أن يحمل شيئاً ثقيلاً، فيأتي آخر قَويّ ليحمله عنه، والقوي بفعله إنما يعدي أثر قوته للضعيف، لكنه لا يستطيع أن ينقل قوته إلى ذات الضعيف ليحمل الشيء الثقيل.

والله لا يعدي أثر قوته فحسب ولكنه يمنح ويعطي قوة إلى كل ضعيف يلجأ إليه وإلى كل قوي أيضاً.

وسبحانه يتفضل بالغنى والسعة لكل غني وفقير وبرحمته إلى كل رحيم، وبقدرته لكل قادر، وبحكمته لكل حكيم.

إذن فكل هذه مستمدات من الحق سبحانه وتعالى.

هذا هو كلامنا في "إنَّا".

وحين يتكلم الحق قائلاً: "أوحينا" فهو سبحانه يأتي بصيغة الجمع.

وما الوحي؟

قال العلماء الوحي: إعلام بخفاء؛ لأن وسائل الإعلام شتى، وسائل الإعلام هي التي تنقل قولاً يقوله المبلِّغ فيعلم السامع، أو هو إشارة يشير بها فيفهم معناها الرائي.

وهذه إعلامات ليست بخفاء.

بل بوضوح، وعندما يقول: "أوحينا" فهو يعني أنه قد أعلم، ولكن بطريق خفي.

وحين تطلق كلمة "وحي" يكون لها معانٍ شتى، فكل إعلام بخفاء وحي.

لكن من الذي أوحى في خفاء؟

ومن الذي أُوحي إليه في خفاء؟

وما الذي أُوحي به في خفاء؟

نجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في أجناس الوجود، وقال عن الأرض وهي الجماد: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} [الزلزلة: 1-5].

أي أن الحق قد ضبط الأرض على مسافة زمن قيام القيامة، فتتحدث عندئذ -ولله المثل الأعلى- نحن نقدر العمر الافتراضي لما نصنع لينتهي في وقت محدد.

إذن فقد أوحى الله للجماد وهي الأرض.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:38 am

ويترك لنا سبحانه في صناعة المخلوقين ما يقرب لنا صنعة الخالق، فعندما يريد الإنسان أن يستيقظ في الثالثة صباحاً، وهو وقت لم يعتد فيه هذا الإنسان على الاستيقاظ، فهو يضبط المنبه ليصدر عنه الجرس في الوقت المحدد، كأن الإنسان بهذا الفعل قد أوحى للمنبه، كذلك الحق صنع الأرض وأوحى لها: في الوقت المحدد ستنفجرين بحكم تكويني لك.

ويوحي الحق إلى جنس الحيوان: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68].

هذا إعلام بخفاء من الله للنحل.

فقد جعل الله في تكوينها الغرزي ما يؤدي إلى ذلك.

وهناك فرق بين التكوين الغرزي والتكوين الاختياري؛ فالتكوين الغرزي يسير بنظام آلي لا يعدل عنه، أما التكوين الاختياري فيصح أن يعدل عنه.

ومثال آخر على الآلية نجد الحاسب الآلي المسمى العقلي الإلكتروني ويقوم الإنسان بتخزين المعلومات فيه، وهذا الحاسب الآلي لا يستطيع أن يقول لواضع المعلومات فيه: لا تقل هذه الحقيقة، ولا يستطيع أن يمتنع عن إعطاء ما فيه لمن يطلب هذه المعلومات إن كان يعرف كيفية استدعائها.

فلا اختيار للحاسب الآلي.

ويختلف الوضع في العقل البشري الذي يتميز بالقدرة على انتقاء المعلومات ويعرف كيف يدلي بهذه المعلومات حسب المواقف المختلفة، ويتحكم بوعي فيما يجب أن يُستر وفيما لا يجب ستره، بل إن العقل البشري قد يكذب ويلون المعلومات.

وهو قادر على تغيير الحقائق والتحكم فيها، بينما الحاسب الآلي المسمى بعقل إليكتروني لا يقدر على ذلك؛ لأنه يدلي بالمعلومات حسب ما تم "برمجته" به وتخزينه ووضعه فيه، وهكذا يرتقي الإنسان في الفكر.

 والحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق، أعطى لكل كائن الغرائز التكوينية التي تناسبه أعطى الإنسان القدرة على الاختيار بين البديلات، أما بقية الكائنات فقد أخذت حكم الغريزة.

والكائن الذي يسير بحكم الغريزة لا اختيار له، ولذلك تسير كل أموره مستقيمة بناموس ثابت.

ونرى هذا الأمر بوضوح في حكم قهر السماوات والأرض والكواكب التي لا اختيار لها؛ فهي تسير حسب القوانين التي وضعها الله لها، وكذلك النبات.

فالإنسان قد يزرع شجرة فتنمو بالتسخير الغرسي الذي وضعه الله فيها، وتمتد الشعيرات من الجذور في باطن الأرض؛ لتمتص -بتسخير الله لها- بعض العناصر المحددة في التربة، وينتفع نبات ما بمادة معينة قد لا تصلح لنبات آخر.

ويأتي علماء النبات ليعملوا في حقل دراسات نمو النباتات، وقد يكون بعضهم ضعيف الإيمان بالله، أو أن قدرات الخالق لا توجد في بؤرة شعوره دائماً.

فيقول: إن النبات يتغذى حسب خاصية الأنابيب الشعرية.

وخاصية الأنابيب الشعرية -كما نعرفها- هي صعود السائل إلى الأنابيب التي تكون الواحدة منها لا يزيد قطرها واتساعها على قطر الشعرة.

ويصعد فيها السائل إلى ما فوق سطح الإناء.

وكل سائل في أي إناء إنما يأخذ استطراقاً واحداً.

وعندما نضع الأنابيب الشعرية في قلب هذا الإناء، فالسائل يصعد داخل هذه الأنابيب فوق مستوى الإناء؛ لأن الضغط الجوي داخل الأنابيب يختلف بالنسبة لحجم المياه عنها في داخل الإناء.

وظن العلماء أن النبات يتغذى بهذه الطريقة.

 ونقول لهؤلاء: كيف هذا والنبات يختار عناصر معينة من السائل؛ بينما الأنابيب الشعرية يصعد فيها الماء بكل العناصر الموجودة في الماء؟.

إنك أيها العالم الذي غاب الله عن بؤرة شعورك قد تدعي أن الطبيعة هي التي تفعل ذلك، ولا تلتفت إلى حقيقة واضحة وهي أن النبات ينتقي بالتسخير الرباني الخاص بعضاً من العناصر الموجودة في التربة، لا بخاصية الأنابيب الشعرية.

 وصدق القول الحق: {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ * ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} [الأعلى: 1-3].

فسبحانه الذي قدر فهدى كل شيء إلى احتياجاته.

ويقول الحق أيضاً: {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4].

إذن فسبحانه يوحي لكل نبات بخاصية تكوين غريزي تختلف عن النبات الآخر؛ لذلك نجد الفلاح يضع شجرة الفلفل بجانب عود القصب، بجانب شجرة الرمان، فنجد الفلفل يخرج وله مذاق حريف، والقصب له مذاق حلو، والرمان له مذاق فيه الحلاوة والحموضة، إنه مختلف عن القصب وعن الفلفل، وهذا الاختلاف لم يتم بخاصية الأنابيب الشعرية.

ويقول آخر: هذا الاختلاف إنما حدث بظاهرة الانتخاب الطبيعي.

ونقول: لماذا لا تقول الانتخاب الإلهي وتستريح؟.

إذن فالوحي هو إعلام بخفاء، وقد يكون مطموراً في تكوين الشيء بحيث إذا جاء وقته ينفعل، تماماً مثلما يدق جرس المنبه في الميعاد المحدد.

والوحي إلى الحيوان يتحدد في قوله الحق: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68].

ومن العجيب أن العالم الأمريكي الذي رصد حياته لدراسة النحل في أطواره وأصنافه وأجناسه وبيئاته، قال: أول إنتاج للنحل كان في الجبال وأقدم عسل وجده الإنسان للنحل كان في الخلايا التي عثر عليها في الجبال.

وبعد ذلك وجد الإنسان النحل وعسله في الشجر العالي الذي لا يملكه، ثم استأنس الإنسان النحل وأقام له البساتين والبيوت والخلايا ومما يعرشون.

ولم يقرأ هذا العالم القرآن ليعرف المراحل الثلاث التي جاءت به، لكنه درس بصدق البحث التجريبي، وخرج بالنتيجة نفسها التي جاء بها القرآن.

وفي كل وقت وزمان نجد عالماً من الكافرين يكتشف أشياء تؤيد وتؤكد قضية الإيمان عند المؤمنين.

أما الوحي بالنسبة للإنسان فيأخذ أشكالاً أخرى، يقول الحق: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} [القصص: 7].

ولم يأت إلى أم موسى رسول يُوحى إليها.

لكن الأمر قد استقر في ذهنها، وقد تعب العلماء كثيراً ليقربوا معنى الوحي لأذهاننا، فقالوا عنه: إنه عرفان يجده الإنسان في نفسه ولا يعرف مصدره، ومع هذا العرفان دليل أنه من الله.

ولذلك لا يطلب العقل عليه دليلاً.

والذي يصّدق على هذا هو أننا سمعنا قول الحق: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ}.

وبالله عليكم، اجمعوا الدنيا كلها وقولوا لامرأة: إن خفت على ابنك فألقيه في البحر، هل تصدق الأم ذلك؟!

لا يمكن، لكن أم موسى أخذت هذا الأمر كقضية مسلم بها، فساعة دخل الإيحاء من الله إلى قلبها، أو الإعلام بخفاء إلى وجدانها آمنت به، ومادام الإعلام من الله فلا شيطان يزاحمه، بل يدخل إلى النفس فتستقبله استقبال اليقين والإيمان بلا مناقشة.

وألقت أم موسى بابنها بعد أن أرضعته.

 وأراد الله أن يطمئنها.

فأوضح لها: أَنَا أصدرت الأمر إلى البحر ليلقي الرضيع إلى الساحل.

وأصدرت الأوامر ليلتقطه العدو فرعون.

وأصدرت الأوامر أن يقوم بيت فرعون بتربيته.

 وبعد ذلك هناك وحي للحواريين.

يقول الله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].

وهناك وحي للملائكة كقول الحق: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} [الأنفال: 12].

الوحي ينتظم ويشمل -إذن- كل أجناس الوجود بطريقة خفية عند عالم خفي عنا، وهم الملائكة، وعالم ملحوظ لنا ولأمثالنا مثل الحواريين، ومثل أم موسى.

وساعة يقول: "أوحينا" ينبهنا إلى أن الإعلام بخفاء أمر غير مقصور على الله؛ ذلك أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم: {وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].

ويقول أيضاً عن الشياطين: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].

إذن الوحي هو إعلام بخفاء، وليس الأمر مقصوراً على الحق سبحانه وتعالى، بل يصح أن يكون الوحي من الله، أو من الشياطين، أو من جنود الشياطين.

 وقد يكون الوحي إلى الجماد وإلى الحيوان وإلى الملائكة وإلى الإنسان.

وعندما نحدد معنى الوحي فإننا نقول: الوحي في اللغة إعلام بخفاء من أيّ -سواء أكان من الله أم من الشياطين- ولأيّ ما -سواء للأرض أو للحيوان أو للإنسان- وفي أيِّ -سواء في خير أو شر-.

وكلمة "وحي" تصلح لأي معنى من هذه المعاني بحيث إذا أطلقت انصرفت إليه.

ولكن هي بالمعنى الشرعي لا تطلق إلاّ على الإعلام بخفاء من الله لرسوله، ومثل ذلك حدث لمعنى الصلاة، فالصلاة معناها اللغوي الدعاء، وهناك الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، والصلاة المكتوبة هي الأقوال والأفعال، وأخذ الشرع معنى الصلاة واصطلح على أن كلمة الصلاة حين يطلقها الفقيه تنصرف إلى الأقوال والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:39 am

وفي هذا المعنى الشامل للصلاة نجد سيدنا عمر -رضي الله عنه- وقد دخل عليه حذيفة فسأله: كيف أصبحت؟.

أجاب حذيفة: أصبحت أحِبُّ الفتنة وأكره الحق وأصلّي بغير وضوء ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.

وغضب سيدنا عمر، ولولا دخول سيدنا علي بن أبي طالب لكان لسيدنا عمر شأن آخر مع حذيفة.

وسأل عليٌّ عمر: ما يغضبك يا أمير المؤمنين؟.

قال عمر: سألت حذيفة كيف أصبحت فقال كذا وكذا.

فقال عليٌ -كرَّم الله وجهه-: نعم يا أمير المؤمنين، أصبح يحب الفتنة، أي يحب ماله وولده، فالحق قال: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}، وهو يكره الموت والموت حق ومن فينا يحبه يا أمير المؤمنين؟

وهو يصلي بغير وضوء على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وله في الأرض زوجة وله ولد وهو ما ليس لله في السماء.

إذن فقد أخذ حذيفة الفتنة على معنى مخصوص، وكذلك الموت، والصلاة.

وضربت هذا المثل لأفرق بين المعاني الشرعية والمعاني اللغوية.

ونوضح الفارق بين معنى الوحي الاصطلاحي والمعنى اللغوي، المعنى اللغوي للوحي هو: إعلام بخفاء من أيّ لأيّ بأي.

والوحي بمعناه الشرعي: إعلام بخفاء من الله لرسوله.

وكل الألوان الأخرى من الوحي نأخذها بالمعنى اللغوي.

وقوله الحق هنا في الآية التي نحن بصددها: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ}.

و"أوحينا" هنا قد جاءت للإعلام بخفاء من الله لرسول من رسله.

ونعلم أن صفات الكمال للحق سبحانه وتعالى هي صفات الكمال المطلق.

وكل الخلق مقدورون لقدرته سبحانه.

 ولا يمكن لأحد أن يتصل اتصالاً مباشراً بالأعلى المطلق.

ولا يستطيع أحد أن يتحمل ذلك حتى الرسول.

ولذلك يأتي الحق بنورانيِّين من الملائكة ليأخذوا منه ليعطوا للرسول.

ويسبق ذلك إعداد الرسول لهذه المهمة.

إذن فالمسألة تمر بمراحل تصفية، الأعلى يعطى للملائكة، والملائكة يعطون للمصطفى من الخلق، والمصطفى مصنوع على عين الله ليتلقى الوحي، ومن بعد ذلك يعطي الرسول لغيره من البشر.

وكل ذلك لتقريب مسافات الالتقاء.

وعلى رغم تقريب مسافات الالتقاء تحصل الهزة من آخر مرحلة حين يستقبل من أدنى مرحلة، فحين يستقبل الرسول الوحي من ملك تحدث له هِزَّة.

والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول عن أول لقاء له مع الوحي: (حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ.

قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.

فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.

فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني.

فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربّك الأكرم).

وكان جبينه يتصفد عرقاً، ورجف فؤاده ودخل على زوجه خديجة بنت خويلد فقال: "زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْع.

وكان ذلك أمراً طبيعياً؛ فهذا الملك جبريل متصل ببشر هو محمد بن عبدالله ولابد أن يحدث ذلك للرسول، وذلك حتى يتكيف ليستقبل من المَلَك.

 لكن أتظل هذه الرجفة المتعبة؟.

لا، إن الوحي يَفتر لفترة وتذهب عنه متاعبه فيشتاق الرسول إليه ويصير قادراً على تحمل متاعبه، مثل تفصد الجبين بالعرق، ومثل الثقل في الحركة حتى إذا جاءه الوحي وهو على دابة فهي تئط وتئن، وإن جاءه الوحي وهو جالس وفخذه على فخذ واحد من الصحابة، فيكاد ثقل الرسول يرض عظام الرجل ويكسرها، كل ذلك من المتاعب تحدث للرسول في أثناء الوحي؛ لأن تغييراً كيماوياً يحدث في بدنه -صلى الله عليه وسلم- ليتأكد أن الكلام الذي يتلقاه ليس كلاماً عادياً، لكنه كلام قد جاء بإعجاز، وأنه من عند الله.

 لقد كان للوحي صلصلة كصلصلة الجرس.

وكأن هذا الصوت إعلان أن زمن وساعة الوحي قد جاءت فاستعد لها يا رسول الله.

وعندما تعب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البداية، كان من رحمة الله به أن جعل الوحي يفتر عنه، فيشتاق -صلى الله عليه وسلم- للوحي بسبب حلاوة ما أوحي إليه، ويجعله هذا الشوق مستشرفاً للمتاعب.

وعندما فتر الوحي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال خصومه: رب محمد ودعه وجَفاه.

ولم يتذكروا أن لمحمد رباً إلاّ في هذه المسألة بعد أن اتهموه بالكذب ولم يمتلكوا الذكاء حتى يعبروا عن هذا الأمر بتعبير لا يتناقض مع موقفهم السابق منه.

وحين رأى الحق الإجهاد الحاصل لرسوله جعل الوحي يفتر حتى تبقى حلاوة ما يوحَى به ويذهب التعب ويشتاق رسول الله إلى ما يُوحى إليه.

 إن الشوق وتلك المحبة يجعلان رسول الله لا يشعر بوطأة الألم المادي البشري، والإنسان منا حين يذهب إلى حبيب له يسير في الشوك والوحل ولا يبالي.

إذن ففتور الوحي كان لتربية الشوق في نفسه -صلى الله عليه وسلم- ليستقبل الوحي، ولينتبه كل منا حين يقرأ قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} [الضحى: 4].

أي أن ما سيأتي لك من بعد ذلك سيسرك.

ويقول الحق بعدها: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 1-4].

وحين عرض الحق هذه المسألة بهذه الكيفية أراد أن يبلغنا: لا تظنوا أن رب محمد -كما يقولون- قد جفاه، لا، بل يعده ليستقبل أكثر مما جاء من قبل، فسنن الكون أمامكم، لكن كفرهم أعمى أبصارهم وبصيرتهم، ويقول سبحانه: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 1-3].

وسبحانه يقسم بما شاء على ما شاء.

والضحى هو ضحوة النهار وهي محل الحركة والكدح والجهد والجد والتعب، والليل محل الراحة والسكون.

كأن الحق يوضح: إنكم إن نظرتم في آية الكون لوجدتم أن الله قد جعل الضحى للكدح والليل لنسكن فيه وفتور الوحي هو سكون ليعاود محمد نشاطه في حركة الوحي الجديدة، هو الحق -سبحانه- يقسم: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 1-3] أمجيء الليل بعد النهار ضن من الله على الناس بالنهار؟

لا، إنما الليل عطاء من الله ليسكنوا وليستقبلوا النهار الجديد.

 وأنزل سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حينما سأل اليهود النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينزل عليهم كتاباً من السماء: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153].     

فيأمره الحق أن يوضح: أنا قد أوحى الله إليَّ كما أوحى إلى الرسل السابقين، فهل أنتم شككتم في وحي الله لموسى؟

أشككتم في وحي الله لمن سبق موسى؟

صحيح أنكم شككتم في مسألة عيسى، لكن لنضع الأمر الذي تكذبون فيه جانباً ولنأخذ ما أنتم مصدقون به، فيقول سبحانه: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}.

إذن فأنت يا محمد لست بدعاً في هذه المسألة: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} ويمر العلماء على هذه المسألة مروراً سريعاً، لكننا نقف عندها ونقول: قد يوحي هذا القول أن أول وحي كان لنوح.

والحقيقة أن الوحي الأول كان لآدم من قبل، لكنْ هناك فارق بين الوحي لآدم والوحي للأنبياء من بعده.

ومثال ذلك نوح، فنوح طرأ على أمته وكانت أمته موجودة ثم جاء هو إلى هذه الأمة مبشراً ونذيراً.

أما آدم عليه السلام فقد طرأت عليه أمته؛ لذلك لم يرسله الله بمعجزة، فهو أب للجميع.

والأبناء يقلدون الآباء، بل حتى أبناء الملاحدة يقلدون آباءهم.

وقد أوحى الله لآدم وقال له: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} وإرسال الهدى لآدم هو مجيء الوحي إليه.

 ولماذا جاء نوح في هذه الآية أولاً؟

لأن نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قد طرأ على أمته؛ لذلك احتاج إلى وحي وإلى معجزة.

وأرسل الله نوحاً إلى الناس كافة؛ لعموم الموضوع، فلم يكن هناك من البشر غيرهم.

لكنَّ محمداً -صلى الله عليه وسلم- أرسله الله للناس كافة؛ لأن الإسلام هو الدين الخاتم.

وكان قوم محمد موجودين.

وكذلك كان غيرهم موجوداً.

{إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}.

لماذا قال الحق: {وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد نوح؟، ولماذا قال: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} وذكر أسماء الأنبياء من بعد إبراهيم؟

يقول العلماء: هنا عطف خاص على عام لزيادة التنبيه على شرف هؤلاء،{وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}، وكأن الحق يقول: حين يسألك اليهود -يا محمد- أن تنزل عليهم كتابا من السماء قل لهم: إن الله أوحى إليَّ كما أوحى إلى ألأنبياء السابقين؛ فلست بدعا من الرسل.

وحتى لو أنزل إليهم محمد كتاباً في قرطاس ولمسوه بأيديهم لقالوا: هذا سحر مبين، كما قال: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7].

فالمنْكِر يريد الإصرار على الإنكار فقط.

وليست المسألة جدلاً في حق وإنما هي لَجَاج في باطل.

ويتابع سبحانه وتعالى أسماء الأنبياء الذين أوحى الله إليهم: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} ونلحظ أنه جل وعلا ذكر الوحي عاماً؛ لكنه حينما جاء لداود ذكر اسمَ كتابِه "الزبور" ولم يأت في الآية بأسماء الكتب المنزلة على الرسل السابقين مثل نزول التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى؛ لأن ما جاء به داود في الزبور أمر تُجمع عليه كل الشرائع، وهو تحميد الله والثناء عليه فلم توجد في الزبور أية أحكام.

وقد يقول قائل: إن عيسى أيضاً لم تنزل عليه أحكام في الإنجيل.

ونقول: لأن الإنجيل يلتحم بالتوراة؛ وجاء بالوجدانيات الدينية وكانت التوراة موجودة قبله وفيها الأحكام.

ولذلك فمن عجيب أمر أهل الكتاب من يهود ونصارى، أنهم على رغم اختلافهم في قمة الأمور وهي مسألة عيسى وأم عيسى، جاءوا آخر الأمر ليلتقوا ويسموا الكتابين "العهد القديم والعهد الجديد" ويَعْتبروهما كتاباً واحداً يسمونه الكتاب المقدس.

 وما معنى "الزبور"؟

المادة كلها مأخوذة من "زَبَرَ البئر"، فعندما يقوم الناس بحفر بئر ليأخذوا منها الماء، يخافون أن ينهال التراب من جوانبها عليه فتطمر البئر؛ لذلك يصنعون لجدران البئر بطانة من الحجارة، وفي الريف المصري نجد أنهم يصنعون تلك البطانة من الأسمنت.

وكلمة "زَبَرَ البئر" تؤدي معنى كل عملية لإصلاح البئر؛ ثم أخذ الناس هذه الكلمة في معانٍ مختلفة، فسموا العقل "زَبْراً" لأنه يعقل الأمور.

وإذا كان السياج من الحجارة يعقل التراب عن البئر ويمنعه، فكذلك العقل يحمي الإنسان من الشطط وليضبط الإنسان حريته في إطار مسئوليته ليفكر، ويعقل الغرائز عن الفكاك بالإنسان إلى الشتات والضلال.

ويخطئ الناس في بعض الأحيان في فهم معنى "العقل"؛ ويظنون أن العقل هو إطلاق الحبل على الغارب للأفكار دون انتظام أو مسئولية، ونقول: افهموا أولاً معنى كلمة العقل حتى تعرفوا مهمته.

 ويقول الحق من بعد ذلك: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ...}.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:41 am

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا [١٦٤]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والرسل الذين ذكرهم الله في الآية السابقة ليسوا كل الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلاً فحسب، فكما علمونا في الأزهر الشريف يجب أن نؤمن بخمسة وعشرين رسولاً وقد نظمهم بعض الشعراء في قوله: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا.


وفي سورة الأنعام نجد قوله الحق: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83-86].

وفي هذه الآيات ثمانية عشر رسولاً، وبالإضافة إلى سبعة هم إدريس وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وآدم ومحمد -صلى الله عليه وسلم-، هم إذن خمسة وعشرون رسولاً ذكرهم الله، لكن الآية التي تسبق الآية التي نحن بصددها لم يذكر الله كل أسماء الرسل.

وذكر أسماء بعض الرسل في سورة الأنعام وبعضهم في سورة هود وبعضهم في سورة الشعراء.

ويقول الحق: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} [النساء: 164].

أي أن الخمسة والعشرين رسولاً ليسوا كل الرسل الذين أرسلهم الحق إلى الخلق، فقد قال: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].

أي أنه قد قص علينا أعلام الرسل الذين كانت أممهم لها كثافة أو حيّز واسع أو لرسلهم معهم عمل كثيف، ولكن هناك بعض الرسل أرسلهم سبحانه إلى مائة ألف أو يزيدون مثل يونس عليه السلام: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147].

وكان العالم قديماً في انعزالية.

ولم يكن يملك من وسائل الالتقاء ما يجعل الأمم تندمج.

وكان لكل بيئة داءاتها، ولكل بيئة طابع مميز في السلوك، ولذلك أرسل الله رسولاً إلى كل بيئة ليعالج هذه الداءات، ولا يذكر الداءات الأخرى حتى لا تنتقل من مجتمع إلى مجتمع آخر بالأسوة.

وحين علم الحق بعلمه الأزلي أن خلقه بما أقدرهم هو سبحانه على الفكر والإنتاج والبحث في أسرار الكون سيبتكرون وسائل الالتقاء؛ ليصير العالم وحدة واحدة، وأن الشيء يحدث في الشرق فيعلمه الغرب في اللحظة نفسها، وأن الداءات ستصبح في العالم كله داءات واحدة؛ لذلك كان ولابد أن يوجد الرسول الذي يعالج الداءات المجتمعة، فكان -صلى الله عليه وسلم- الرسول الخاتم والرسول الجامع والرسول المانع.

{وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} [النساء: 164].

ويتكلم الحق سبحانه عن تاريخ النبوات مع قومهم بكلمة "قصصنا" ولذلك حكمة، فالقصص معناه أنه لا عمل في الأحداث للرسول، بل تأتي الأحداث في السياق كما وقعت.

وسبحانه يعلم أزلاً أن خلقه سيبتكرون فناً اسمه "فن القصص".

ومن العجيب أنهم يسمونه فن القصص، وينسج المؤلفون حكايات خيالية أو حكايات ليس لها واقع.

وعندما يأتون إلى التاريخ الواقع يزيد المؤلف جزءا من الأحداث أو يضيف من خياله أشياء، ويقولون هذه متطلبات إتقان فن القصص، ويحرمون أنفسهم من أمانة النقل.

ولذلك يأتي الحق ليوضح لنا أن القص الخاص بالرسل وبغيرهم في القرآن قصص واقعي، حقيقي، حدث فعلاً.

 وكلمة "القصص" مأخوذة من قص الأثر أي أن نسير مع القدم كما تَذهب، فلا نذهب هنا ولا نذهب هناك.

وحكايات الأنبياء في القرآن واقعية.

ومن رواية الحق لا من رواية الخلق، وثمة فارق بين ما يرويه الحق لخلقه ليسيروا على المنهج.

وما يرويه الخلق بعضهم لبعض للتسلية أو غير ذلك.

ونجد روايات الخلق تزدحم في بعض الأحيان بخيال البشر، مثل روايات جورجي زيدان عن الإسلام والأنبياء، وعندما سألوه لماذا أضاف من عنده إلى الواقع، أجاب الإجابة التقليدية: فعلت ذلك من أجل الحبكة القصصية.

ويجب أن نميز ونفرق بين روايات الخلق وقصص الحق ونضعه في بؤرة الشعور حتى لا يُدخل أحد من خياله على قصص القرآن ما ليس فيه، وحتى لا يأتي واحد ذات يوم ويقول: إن كل القصص واحد.

فنحن في القرآن لسنا أمام مؤلف، بل أمام الخالق الأعلى الذي يروي لنا ما يعلمنا.

وسبحانه علم أزلاً ما سيدور في كونه، لذلك قال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} [يوسف: 3].

وسبحانه قد قص على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في القرآن أحسن القصص؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيعالج أجناس العالم التي توزعت على جميع الرسل من إخوانه، ومادام عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرقوا من قبل على الرسل من إخوانه، فلابد أن يوضح سبحانه للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولأمته من بعده: أنّه حدث مع الرسول فلان كذا، وكان مبعوثاً إلى قوم كان موقفهم منه كذا، وكانت داءات ذلك المجتمع هي كذا وكذا.

ومحمد -صلى الله عليه وسلم- - كما نعلم - موْكولٌ إليه علاج كل أجناس البشر وكذلك أمته من بعده، ولابد أن يعرفوا أخبار كُلِّ المجتمعات والرسل: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ}.

إذن فكلمة "قصص" تدل على أنها حكايات لحركة العقيدة التي كانت مع كل الرسل.

والتاريخ -كما نعلم- هو ربط الأحداث بأزمانها، فمرة نجعل الحدث هو المؤرِّخ له، ثم نأتي بأشخاص كثيرين يدورون حول الحدث.

ومرة نجعل الشخص هو الأصل والأحداث تدور حوله، فإذا قلنا كلمة "سيرة" فنعني أننا جعلنا الشخص هو محور الكلام؛ ثم تدور الأحداث حوله.

وإن أرخنا للحدث، نجعل الحدث هو الأصل، والأشخاص تدور حوله.

 مثال ذلك: عندما نأتي لنتكلم عن حدث الهجرة؛ نجعل هذا الحدث هو المحور، ونروي كيف هاجر رسول الله ومعه أبو بكر/ وكيف هاجر عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وبذلك تكون الهجرة هي المحور وكيف دار الأشخاص حول هذا الحدث الجليل.

ومثال آخر: عندما نروي سيرة من السير، مثل سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، نجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- محور الحديث والتاريخ، ونروي كيف دارت الأحداث في حياته.

 إذن فأخبار وقصص الرسل تكون هي المحور ونلتقط الأحداث التي مرت عليهم؛ لأن الرسالات حين تأتي الناسَ بمنهج السماء؛ تنقسم إلى قسمين: قسم نظري يريد الحق أن يعلمه لخلقه بواسطة الرسول، وهو القسم العلمي، فتلك قضايا يجب أن يعلموها.

وقسم عملي؛ لأن الحق يريد من خلقه أن يعلموا ويريد منهم -أيضاً- بعد أن يعلموا أن يطوعوا حركة حياتهم على ضوء ما علموا.

فليست المسألة رفاهية علم، ولكنها مسئولية تطبيق ما علموا في محور "افعل" و"لا تفعل".

ولو كانت المسألة أن يعلم الخلق فقط، لكان من الممكن أن نقول: ما أيسرها من رحلة.

لقد وجدنا كفار قريش عندما طلب الرسول منهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، قاوموا ذلك.

ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال لقالوها.

لكنهم عرفوا مطلوب الكلمة، وعرفوا أنه لن توجد سيادة ولا عبودية ولا أوامر لأحد غير الله، ومعنى ذلك المساواة المطلقة بين العباد.

 إذن فكل تكليف من السماء إنما نزل، والقصد من العلم به هو العمل به، أي توظيف العلم تطبيقاً، فلا قيمة لعلم دون عمل.

وعندما يبلغ الرسول القوم: هذا هو الحكم، ومطلوب من كل واحد منكم أن يطوِّع حركة حياته على ضوء هذا الحكم.

وتجيء الأحكام دائماً في طاقة البشر.

وهناك أناس قد علموا وعملوا وهذه هي قصصهم، هذه قصة فلان وقصة فلان.

فالقصص يعطينا الجانب العملي المطلوب للمنهج، ولذلك قصَّ لنا الحق قصص الرسل في القرآن.

ويبلغنا الحق بالنسب الإيماني، ويعلمنا النسب المعترف به عند الأنبياء، فيحكي قصة نوح عليه السلام، عندما أوْحى إليه بضرورة أن يصنع السفينة، وسَخِر قومُه منه، وبعد أن صنعها جاءه الأمر الإلهي بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين.

ويقول الحق: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 38-40].

قوله الحق: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} كان يجب ألا تمر على فطنة نوح؛ ذلك لأنها تتضمن أن هناك أناساً من أهله لن يؤمنوا، فيقول لابنه: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} [هود: 42].

وكان الرد: {قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} [هود: 43].

فقال نوح: {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} [هود: 43].

وبعد أن غرق ابن نوح وابتلعت الأرض ماءها، نادى نوح ربه فقال: {رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} [هود: 45].

نحن -إذن- أمام لقطة قصصية في قصة نوح.

يلفتنا بها الحق إلى مسألة بنوة الرسالات، فالبنوة هنا منهجية.

ومن يتبع النبي هو الذي يكون من نسبه.

ومن لا يتبع النبي فليس من نسبة، لذلك قال الحق: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}.

فأهل النبوة هم الذين اتبعوا منهج النبي.

ويشرحها لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما قال عن سلمان الفارسي: سلمان منا أهل البيت.

ولم يقل: إن سلمان عربي، أو إنّه من المسلمين، لكنه قال: إنه من أهل البيت.

وقد أوضح الحق ذلك في قصة ابن نوح: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}.

وخاض في معنى{لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} بعض الخائضين باللغو وقالوا: إن أم ابن نوح قد فعلت السوء، ولهؤلاء نقول: استغفروا ربكم وانظروا إلى حيثية الحكم: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46].

إذن فنسبة الأبناء للآباء من الأنبياء نسبة عمل لا نسبة دم ولا نسبة عن زواج أو إنجاب، أما الذين قالوا السوء في امرأة نوح فعليهم أن يستغفروا الله، فالحق سبحانه منزه عن التدليس على رسوله.

وهب أن أم الولد قد فعلت ذلك -معاذ الله- فما ذنب الولد تصير أمه إلى هذا؟

لا دخل للولد بذلك، لكن قول الله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} يدل على أن ثبوت النبوة الإيمانية يكون بالعمل فقط.

 ولننظر إلى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهله وعشيرته.

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين، جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو بطون قريش بطناً بطناً: يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار حتى انتهى إلى فاطمة فقال: يا فاطمة ابنة محمد انقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحماً سأبلها بِبِلالها).



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:43 am

واللقطات القصصية في القرآن تعلمنا الكثير، وأراد الحق أن يثبت بها للأمة المحمدية دقة المنهج الإيماني، فمادام قد أرسل لنا منهجاً لنعلمه، فهو يطلب منا أن نطبق هذا المنهج ونوظفه في حياتنا.

وليس ذلك بدعا، بل هو موجود في قصص الرسل الذين عَلِموا المنهج فطبقوه في ذواتهم أولاً؛ لأن الآفة أن نعلم العلم ولا نطبقه.

 وفي زماننا يقال ويشاع: إن التعليم الديني في المدارس لا يأتي بثمار طيبة في سلوك الطلاب.

 ونقول لمن يرددون ذلك: أنتم لا تفهمون طبيعة التعليم الديني؛ فتعليم الدين لا يمكن أن يتساوى مع تعليم الجغرافيا أو الهندسة وغيرهما من العلوم؛ لأننا عندما نعلم طالباً الهندسة فهو يستطيع أن يكون عالماً متفوقاً فيها ويأخذ المعطيات والنظريات ويتفوق في المجال الهندسي، ولكن لم تطلب منه أية نظرية هندسية أن يعدل سلوكه في الحياة بأن ترشده في السلوك اليومي: افعل كذا ولا تفعل كذا.

 فالنظريات الهندسية لا تتدخل في حياة الطلاب، لكن الطالب عندما يتعلم الدين إنما يتعلم أن يفعل الأمر الديني، ولا يفعل الأشياء المنهي عنها.

والصعب في التعليم الديني هو التطبيق العملي.

وعندما لا يرى التلميذ التطبيق العملي من الذين يعلمونه الدين أو من الأسرة، فإنه لا يتعلم الدين، فيقال للطالب: الدين ينهى عن الكذب، لكن الطالب يجد الكذب سلعة رائجة في المجتمع.

ويقول الدين له: الصلاة عماد الدين وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يجد الطالب من يصلي أمامه أو يجد من يصلي ولا يقيم عمارة الدين باتباع ما تأمر به الصلاة من نهي عن المنكر، إذن ففشل التعليم الديني لا يأتي من ناحية غياب المعلم ولكن من عدم وجود التطبيق العملي للسلوك الديني.

ونعود للقصص القرآني.

جاء القصص ليوضح لنا التطبيق للجانب النظري من الدين، وطبَّقهُ الرسل على أنفسهم.

وأنتم يا أمة الإسلام لستم أقل من أحد، بل أنتم خير أمة أخرجت للناس، وعليكم أن تأخذوا الخير الذي حدث في موكب الرسالات كلها وتطبقوه في ذواتكم.

هذا هو معنى قوله الحق: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ}.

وقد جاء لنا القرآن بعيون القصص حتى نأخذ منها لقطات العبرة.

ويقول قائل: ومن هو الرسول؟

يقول العلماء: هناك رسول وهناك نبي.

وأقام بعضهم مشكلة حول هذا الأمر، فقال بعضهم: كل رسول نبي ولا عكس.

ونقول لأصحاب هذا الرأي: لو نظرنا إلى المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لأرحنا أنفسنا جميعاً، فالقرآن يقول: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} [الحج: 52].

إذن فالنبي أيضاً مرسل من الله، وعلى ذلك فكلاهما -النبي والرسول- مرسل من عند الله، لكنْ يوجد فرق بين أن يرسل الحق تشريعاً مع رسول، ويكون هذا التشريع مستوعباً لأشياء وأحكام لم تكن موجودة في الرسالة السابقة عليه، وبين أن يأتي إنسان مصطفى من الله ليطبق فقط ما جاء في الرسالات السابقة، فالأنبياء قد أرسلهم الله ليكونوا نموذجاً تطبيقياً للشرع السابق عليهم ولم يَأتوا بشرع جديد، لكن الرسول هو من أرسله الله بشرع جديد ليعمل به وأمره الحق بتطبيقه.

هذا هو الزائد في مهمة الرسول.

 إن الحق أرسل الرسل بالشرع والتبليغ والتطبيق، وأرسل الحق الأنبياء ليكونوا الأسوة السلوكية فيطبقوا ما أرسل به الرسل السابقون عليهم، وهذا أمر لا يأتي إلا في الأمم التي لها سجل في المكابرة مع الرسل.

 ولذلك نجد أن اللجاجة دفعت بني إسرائيل إلى التفاخر بأنهم أكثر الأمم أنبياء، صحيح أنهم أكثر الأمم أنبياء.

لكن علينا أن نعرف أن النبوات والرسالات إنما تأتي لتشفي الناس مما بهم من داءات؛ فعندما نقول عن إنسان إنّه أكثر الناس تردداً على الأطباء، فمعنى ذلك أن أمراضه كثيرة، وكذلك بنو إسرائيل كانت داءاتهم كثيرة.

وكثرة الرسل إليهم لا ترفع من منزلتهم.

بل تدل على كثرة أمراضهم.

 إذن فالرسول والنبي كلاهما مرسل.

والفارق أن الرسول معه تشريع سماوي ليبلغه ويطبقه، والنبي مرسل للتطبيق، فإن جئنا لمعنى الرسول اصطلاحياً؛ فهو الموحى إليه بشرع يعمل به وأمره الله بتبليغه.

ويذيل الحق الآية: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} ولا شك أن موسى كان من هؤلاء النبيين الذين شملهم قوله الحق: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ} [النساء: 163].     

ولسائل أن يسأل فيقول: ولماذا خص الله موسى بقوله: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}؟.

 ونقول: الوحي الذي يوحي الله به لأنبيائه هو الوحي الاصطلاحي الشرعي الذي نتكلم عنه دون الوحي اللغوي الذي سبق أن أفضنا فيه.

والحق سبحانه وتعالى قد بين الطريقة التي يخاطب بها أنبياءه المصطفين لأداء رسالتهم إلى خلقه، فقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].

إذن، فطريقة التقاء الحق بالأنبياء؛ إما أن تكون بالوحي، وإما أن تكون من وراء حجاب، وإما أن تكون بإرسال رسول كجبريل عليه السلام. فإذا ما نظرنا إلى الآية وجدنا أن الوحي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وحي خاص، وكلام من وراء حجاب، وإرسال رسول، وكل هذه الأقسام الثلاثة تدخل في إطار الوحي{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً}.

أي ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا إلهاماً وقذفا في القلب، أو يكلمهُ{مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} وهو كلام من الله يسمعه الرسول، لكنه لا يرى المتكلم وهو الله. أما الوحي بواسطة الرسول، فهو نزول جبريل إلى الرسول بما أوحى به الله.

 فإذا ما نظرنا إلى قوله الحق: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} فكأنه سبحانه قد خصه بهذه العبارة ليدل على أنه أوحى لموسى بطريقتين، أولاً: بالطريق الذي أوحى به إلى غيره من الأنبياء، ثانياً: بالطريق الخاص وهو كلام الله الذي بدأ به موسى بالوادي المقدس.

 وقوله الحق: "تكليماً" يدفعنا إلى التساؤل: لماذا جاء الحق بالمصدر هنا؟.

لأن مطلق الوحي بأي وسيلة سماه الله كلاماً.

إذن فالنفخ في الرُّوع كلام، والكلام من وراء حجاب كلام، وإرسال الرسول بالوحي كلام.

والكلام هو ما يدل على مراد المتكلم من المخاطب، بدليل أن الله سمى الوحي في صوره الثلاث كلاماً{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ}.

والخفاء في الوحي إما أن يكون خفاء في الأسلوب، أي لا يسمعه أحد غير الرسول، وقد لا يسمعه الرسول ويكون بقذف الكلام في رُوع الرسول وقلبه وهو يؤدي مؤدي الكلام أي الدلالة على ما في نفس المتكلم الذي يريد نقله للمخاطب.

 أما أن يقول الحق: إنه "تكلم" مع موسى، فهذا نقل من الخفاء إلى العلن، أو يرسل الحق رسولاً بالكلام الموحى به.

وحين قال سبحانه: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} إنما ينبهنا إلى أن الوحي لموسى ليس من الكلام الذي قسمه الحق في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}؛ لأن الله قال في كلامه لموسى: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}.

ووقف العلماء هنا وقفة عقلية وقالوا: كيف يتكلم الله إذن؟.

ونقول: إن كل وصف لله ويوجد مثله لخلقه إنما نأخذه بالنسبة لله في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فإن قلت: إن لله وجوداً وللإنسان وجوداً، فوجود الإنسان ليس كوجود الله، وإن قلنا: إن لله علماً، وللإنسان علماً، فعلم الإنسان ليس كعلم الله، وإن قلنا: إن لله قدرة، وللإنسان قدرة، فقدرة الإنسان ليست كقدرة الله، وإن قلنا: إن لله استواء على العرش وللإنسان استواء على الكرسي، فاستواء الله ليس كاستواء الإنسان.

 إذن فلابد أن تؤخذ كل صفة من صفات الله التي يوجد مثلها في البشر في إطار قوله:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

وبذلك ينتهي الخلاف كله في كل ما يتعلق بصفات الحق.

 فالحق له يدان وله وجه، ولكن لا يمكن للإنسان أن يصور يد الله كيد البشر، بل نأخذها في إطار{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وكذلك وجه الله.

ومادمنا نأخذ صفات الله في إطار{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فلا داعي للمعركة الطاحنة بين العلماء في الصفات وفي تأويل الصفات، ولا داعي أن ينقسم العلماء إلى عالم يؤوّل الصفات وعالم لا يؤول؛ لاداعي أن يقول عالم: إن يد الله هي قدرته فيؤول، وعالم آخر لا يؤول ويقول: لا، إن لله يداً ويسكت.

ونقول للعالم الذي لا يؤول: قل: إن لله يداً وهي تناسب قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

وإذا كنا نحن قد عرفنا في عالمنا أن الأشياء تختلف مواجيدها في الناس باختلاف الناس، فلابد من أن نعرف أن الله لا مثيل له.

وعلى سبيل المثال: يتلقى الإنسان دعوة لمائدة عمدة قرية ما، فيقدم له ألوان طعام تناسب مقام القرية ومنصب القيادة فيها، ويتلقى الإنسان دعوة لمائدة محافظ مدينة فيقدم له طعاماً يناسب مقام المدينة ومنصب القيادة فيها.

ويتلقى الإنسان دعوة رئيس الدولة فيقدم له طعاماً يناسب مقام الدولة وهيبة منصب القيادة فيها، إذن لا تتساوى مائدة طعام العمدة في قرية مع مائدة طعام المحافظ مع مائدة طعام رئيس الدولة، فإذا كان البشر يوجد الشيء الواحد وهو ملون بألوان مقامات المخلوقين فكيف لنا بمقامات الخالق؟

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:44 am

فإذا كان الحق قد أخبرنا أنه كلم موسى تكليماً في قصة الوادي عندما آنس موسى ناراً وذهب إلى النار.

فقال الحق: {إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ * إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ * إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ} [طه: 12-16].

قال له الحق كل ذلك، وبدأه سبحانه بالكلام.

وبعد ذلك جاء لموسى الوحي على طريقة مجيء الوحي للأنبياء.

والحق سبحانه وتعالى أوحى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- على شتى ألوان الوحي.

فقد جاء الوحي لرسول الله إلهاماً، وجاء الوحي لرسول الله من وراء حجاب، وجاء الوحي لرسول الله من خلال رسول.

ومثال الوحي إلهاماً هو الحديث القدسي، وكذلك التشريع النبوي الذي تركه لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومثال الوحي من وراء حجاب هو التكليف بالصلاة، فلم تفرض الصلاة بواسطة جبريل، بل فرضت من الله مباشرة.

 ولا أدخل في نقاش لا جدوى منه حول: أحين فرض الحق على رسوله الصلاة كلمه وسمع منه رسول الله، أم أن رسول الله قد رأى الله وهو يتكلم معه.

لا داعي للخوض في أمر لم يخبرنا الله عن كيفيته، والأدب مع الله يقتضي ذلك.

قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.

وإن القرآن لم يثبت بأية طريقة من طرق الوحي إلا بإرسال رسول، فكل وحي القرآن جاء بواسطة جبريل، فلم تأت آية بالنفخ في الرُّوع.

إنما جاء بالنفخ في الروع الحديث القدسي؛ لأن النفخ في الروع قد يتصور واحد أنه خاطر من الجن أو أمثال ذلك.

وجاءت كل الآيات القرآنية بواسطة جبريل؛ بمقدمات بدنية، ويحدث تغير كيماوي في نفس رسول الله فلا يشك أبداً في أنه جبريل.

وأراد الحق أن يكون الوحي بالقرآن بطريقة لا شك فيها.

 وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسمع صوتاً كصلصلة الجرس؛ وبعد ذلك يتفصد جبين الرسول عرقاً، ويثقل جسم رسول الله حتى إن كان على دابة فهي تئط وتئن ويثقل عليها وتكاد أن يمس بطنُها الأرض.

وإن كان رسول الله يلاصق فخذه فخذ أحد الصحابة، فيكاد أن يرض فخذ الصحابي، وتلك علامات مادية كونية، لا يمكن أن يحدث فيها لبس.

ولقد قالوا من قبل استنادا إلى ظاهر قوله: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} [طه: 134].

لو لم يرسل الحق الرسول لكان لهم حجة.

ونقول للعلماء: لنفهم هذه المسألة حتى نوضح لكم أنكم تختلفون في أمر كان يجب عليكم ألا تختلفوا فيه.

أبالعقل يعلم الإنسان مطلوب الله منه؟

أم أن العقل يهديني إلى وجود قوة أعلى خلقت هذا الكون وتدبره؟.

وما اسم هذه القوة؟.

وما مطلوب هذه القوة؟.

أيعرف العقل ثواب من يتبع المنهج وعقاب من يخرج عن المنهج؟.

كل هذه أمور لا يعرفها العقل، فالعقل حجة في الإيمان بقوة عُليا فوق ذلك الكون وهي التي خلقته وتدبره وتديره، أما الرسول فهو مبلغ بمطلوبات المنهج واسم القوة التي أرسلت والشرائع التي يجب أن يسير على هداها الإنسان، إذن فليس هناك خلاف بين الرأيين.

واسأل: من الذي اكتشف الكهرباء؟.

إنه العقل البشري الباحث وراء أسرار الله في الكون، ولا أحد يجهل هذه المسألة.

وكذلك أسأل: من أول من تكلم في النسبية؟

إنه أينشتين.

وإن سألنا: من أول من تكلم في الجاذبية الأرضية؟.

إسحاق نيوتن، وكل واحد اكتشف شيئاً في الكون صرنا نعرفه.

والذي صمم توليد الكهرباء التي تنير وتضيء وندير بها المصانع، وجعل من سوق الكهرباء صناعة رائجة تعمل فيها القدرات المالية ليشتري الإنسان مصابيح تنير حيزاً محدوداً، ومصانع تعمل في خدمة الإنسان.

أبالله عليكم تعرفون اسم مصمم مولدات الكهرباء ومصصم ومكتشف المصباح الكهربائي، ولا تدرون اسم من خلق الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم.

ولم يَدَّع أحد لنفسه صناعة الشمس، ولا يوجد ابتكار في الكون إلا ومعلوم مَن أبدع هذا الابتكار.

فالذي صنع المصباح إنما ينير به حيزاً محدوداً مهما كبر ضوء المصباح، وبعد محيط دائري معلوم يتلاشى الضوء ويصير الأمر إلى ظلمة، فما بالنا بالشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف نهار.

 إن خلق الشمس يحتاج إلى قدرة تناسب خلقها، وتحتاج إلى حكمة تناسبها، وليس لهذه الشمس محيط من الزجاج ينكسر ونغيره مثلما نفعل مع المصابيح.

كان لابد للعقل البشري أن يفهم أن هذه الكائنات التي في الكون لها صانع يناسبها.

ولا يمكن أن يكون صانعها من الخلق ويسكت عن حقه في صناعة هذه المعجزات، ونحن نرى بعضاً من الناس في بعض الأحيان تدعي ملكية ما ليس لها، فإذا ما جاء الخالق وأبلغنا بواسطة الرسل بصناعته للكون ولم يوجد له مُعارض، فهل هذه الأشياء والكائنات من خلقه أو لا؟.

إنها من خلقه إلى أن يوجد له معارض.

هذه هي مهمة العقل أي أنّه يهتدي إلى القوة التي تخلق وتدبر أمر هذا الكون ولا يغني العقل عن الرسل، ولكن العقل يؤمن في القمة الإيمانية بأن هناك قوة مبهمة عالية تناسب عظمة هذا الكون الذي طرأ عليه الإنسان، ولا يعرف اسم القوة ولا يعرف مطلوب القوة في "افعل"، و"لا تفعل"، ولا يعرف العقل ماذا ادخرت القوة من ثواب للمحسن وعقاب للمسيء.

لذلك لابد من وجود رسول.

إن الحجة -إذن- تكون من شقين: الشق الأول الخاص بالعقل هو في الإيمان بالقوة العليا المبهمة، والشق الثاني الخاص بالرسل هو الإيمان بالبلاغ عن الله اسما وصفة ومطلوباً وجزاء، وهكذا نرى فاتفقوا أيها العلماء ولا ضرورة للخلاف.

 أقول ذلك حتى لا يتمادى الذي يتصيدون لدين الله وأضيف: اتفقوا أيها العلماء على أشياء محددة لأنكم تشتتون الناس بهذه الخلافات؛ فالرسول هو الحجة في الأشياء التي لا دخل للعقل فيها.

ونعرف تاريخياً أن آفة الفلسفة أنها تضع وتتخذ عدداً ضيقاً من المجالات لتبحث فيها، وكانت الفلسفة قديماً هي أمُّ العلوم مجتمعة، فالهندسة كانت فرعاً منها، وكذلك كل الرياضيات، وأيضاً المواد العلمية كالكيمياء والفيزياء وكذلك أصول اللغات.

 لكن عندما رأى العلماء أصحاب التجارب المعملية أن الفلاسفة يدخلون في متاهات نظرية ولا يدخلون إلى مجال التجارب العلمية التطبيقية، تركوا الفلاسفة وأسسوا العلوم التجريبية منفصلة عن الفلسفة.

وأنتج العلم التجريبي لنا كل هذه الاختراعات والاكتشافات المعاصرة التي تسهل علينا الحياة ونستفيد منها.

 لقد ظل الفلاسفة على حالهم يبحثون في النظريات بعيدين عن مجال التجارب العلمية التطبيقية.

ولا تلتقي مدرسة فلسفية بمدرسة أخرى؛ لأنهم يختلفون حيث الجهل طبيعة مسيطرة على الغيب الذي يبحثون عنه ولا يمكن الاهتداء أبداً إلى أسرار الغيب، إنما الغيب يبلغ به الرسل.

والمثال الذي أضربه دائماً واكرره حتى يستقر في الأذهان: لنفترض أننا نجلس في حجرة ثم دق الجرس، هنا تستوي عقولنا جميعاً في أن طارقاً بالباب، ولا نختلف في هذا الأمر.

لكن عندما ندخل في تصور من الطارق؟

يقول واحد: "الطارق رجل" وثانٍ يقول: "الطارق امرأة" وثالث يقول: "الطارق رجل شرطة" ورابع يقول: "صديق لنا" وخامس يقول: "بشير" وسادس يقول: "نذير"، يحدث ذلك لأننا دخلنا إلى متاهات التصور.

وأقول: هذه الأمور لا تُترك للعقل، فلو أردتم راحة أنفسكم لآمنتم بالتعقل، تعقل أن هناك طارقاً بالباب، ثم تتركون للطارق أن يعلن عن نفسه ويقول لكم: أنا فلان وأسمي كذا وصفتي كذا وجئت إليكم من أجل كذا، وبذلك نتفق جميعاً.

لكن الفلاسفة أدخلوا التصور في التعقل.

ولا يمكننا أن نعرف اسم الخالق بالعقل أبداً ولا مطلوبه.

بل لابد أن يبلغ عن نفسه، فإذا انشغل العقل بأن هذا الكون العظيم لابد له من قوة خالقة، فلماذا لا تبلغنا عن نفسها؟.

وإذا ما جاء رسول من أجل أن يحل اللغز الوجودي الذي يعيشه البشر فيبلغنا أن القوة الخالقة اسمها الله.

هنا أراح الحق النفس البشرية بما كانت تتمنى أن تعرفه، ومن عقل العاقل أن يفرح بمجيء الرسول ويستشرف إلى السماع عنه؛ لأن الرسول إنما جاء يحل اللغز الشاغل للنفس البشرية من تفسير مَن خلق الكون بهذه الدقة، وما هي مطلوبات هذه القوة؟

ويحسم الرسول الخلاف عندهم ويحل اللغز الشاغل للبال.

ولذلك نرى الإمام عليا -كرَّم الله وجهه- أمام سؤال من أحدهم: أعرفت محمداً بربك؟

أم عرفت ربك بمحمد؟.

 فأجاب الإمام عليّ وكان باب العلم: لو عرفت ربي بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربي، ولو عرفت محمداً بربي لما احتجت إلى رسول، ولكني عرفت ربي بربي وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني.

 هكذا حدد لنا سيدنا عليّ المسألة.

فالعقل الفطري يؤمن بقوة مبهمة وراء هذا الكون هي التي خلقت وهي التي رزقت وهي التي أمدت بقيوميتها وقدرتها، وبعد ذلك تجيء الرسل من أجل تعريفنا باسم القوة ومطلوبها منا.

والذين يختلفون حول دور العقل في الحجة ودور الرسول في الحجة، عليهم ألا يتوهوا في متاهات نحن في غنى عنها؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون الحجة بمفرده، والرسول إنما هو مبلغ عن القوة، وقد يقول قائل: إذن لابد لكل رسول من رسول، وقد يبلغ التفلسف الطريق المسدود.

 لكن عندما نعلم أن الحق قد صنع كل رسول على عينه معصوماً ليبلغ، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا محمد بن عبدالله استطاع أن يصنع أمة في ثلاث وعشرين سنة ليمتد خيرها إلى يوم القيامة، فعل -صلى الله عليه وسلم- ذلك مبلغاً عن الله ليهدي أمته إلى كيفية عمل الطيب والابتعاد عن العمل الخبيث.

وخلق الله محمداً على خُلق عظيم.

وهكذا نعرف أن الحق قد أراح العقل من ضرورة البحث عن اسم القوة الخالقة ومطلوبها فأرسل الرسل.

 ويقول الحق من بعد ذلك: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...}.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26065
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 161-165 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 161-165   سورة النساء الآيات من 161-165 Emptyالأحد 09 يونيو 2019, 1:45 am

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [١٦٥]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

نعرف أن البشارة تكون بأمر سار يأتي من بعد.

والنذارة هي إخبار بأمر مسيء يأتي من بعد.

والعزيز سبحانه لا يُغلب.

والحكيم سبحانه وضع كل شيء في موضعه، لماذا؟.

لأن الرسل يبشرون وينذرون بأن هناك جنة وناراً وحساباً، فإيَّاكم أن تظنوا أن الذي كفر بقادر على أن يصنع شيئاً لنفسه؛ والله عزيز وغنيُّ عن خلقه جميعاً.

ونعلم أن الحق لا يُحق سلوكاً إلا بنص، وقبل أن يُعًاقِب فهو يضع القواعد التي لا يَصِحُّ الخروج عنها.

وحين يقول الحق: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} فَعِزَّتُهُ وحكمته هي التي أتاحت لنا أن نعرف منهجه.

ويقول الحق من بعد ذلك: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ...}.



سورة النساء الآيات من 161-165 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة النساء الآيات من 161-165
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: النساء-
انتقل الى: