منتديات إنما المؤمنون إخوة (2021 - 2010) The Believers Are Brothers
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2021 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالأحداثالتسجيل

السادة أعضاء وزوارالمنتدى الأفاضل... أحيطكم علماً أنني قد بدأت تنسيق خطوط جميع مساهمات المنتدى والبالغ عددها أكثر من 33000 مساهمة منذ مدة.. وقد وصلتُ بتوفيق الله تعالى في التنسيق حتى منتدى:

فضائل الشُّهور والأيَّام.

قال الفيلسوف توماس كارليل في كتابه الأبطال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مُتمدين من أبناء هذا العصر؛ أن يُصْغِي إلى ما يظن من أنَّ دِينَ الإسلام كَذِبٌ، وأنَّ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- خَدَّاعٌ مُزُوِّرٌ، وآنَ لنا أنْ نُحارب ما يُشَاعُ من مثل هذه الأقوال السَّخيفة المُخْجِلَةِ؛ فإنَّ الرِّسَالة التي أدَّاهَا ذلك الرَّسُولُ ما زالت السِّراج المُنير مُدَّةَ اثني عشر قرناً، لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم اللهُ الذي خلقنا، (وقت كتابة الفيلسوف توماس كارليل لهذا الكتاب)، إقرأ بقية كتاب الفيلسوف توماس كارليل عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، على هذا الرابط: محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

يقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتاب (العرب): "لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين) فكان محمدٌ رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق".
فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البُلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابهِ بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذَكَرَهَا باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم.
المهندس حسن فتحي فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء: هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّجَ من المُهندس خانة بجامعة فؤاد الأول، اشْتُهِرَ بطرازهِ المعماري الفريد الذي استمَدَّ مَصَادِرَهُ مِنَ العِمَارَةِ الريفية النوبية المَبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعُثماني.
رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَةٍ.. فوائدُ فيروس كورونا غير المتوقعة للبشرية أنَّه لم يكن يَخطرُ على بال أحَدِنَا منذ أن ظهر وباء فيروس كورونا المُستجد، أنْ يكونَ لهذه الجائحة فوائدُ وإيجابيات ملموسة أفادَت كوكب الأرض.. فكيف حدث ذلك؟!...
تخليص الإبريز في تلخيص باريز: هو الكتاب الذي ألّفَهُ الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" رائد التنوير في العصر الحديث كما يُلَقَّب، ويُمَثِّلُ هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث.
الشيخ علي الجرجاوي (رحمه الله) قَامَ برحلةٍ إلى اليابان العام 1906م لحُضُورِ مؤتمر الأديان بطوكيو، الذي دعا إليه الإمبراطور الياباني عُلَمَاءَ الأديان لعرض عقائد دينهم على الشعب الياباني، وقد أنفق على رحلته الشَّاقَّةِ من مَالِهِ الخاص، وكان رُكُوبُ البحر وسيلته؛ مِمَّا أتَاحَ لَهُ مُشَاهَدَةَ العَدِيدِ مِنَ المُدُنِ السَّاحِلِيَّةِ في أنحاء العالم، ويُعَدُّ أوَّلَ دَاعِيَةٍ للإسلام في بلاد اليابان في العصر الحديث.


 

 سورة الشورى الآيات من 11-15

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32718
العمر : 69

سورة الشورى الآيات من 11-15 Empty
مُساهمةموضوع: سورة الشورى الآيات من 11-15   سورة الشورى الآيات من 11-15 Emptyالثلاثاء 07 سبتمبر 2021, 11:05 pm

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وقال -تعالى- في أول سورة فاطر: (ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ) (فاطر: 1) الفاطر هو الخالق الذي يخلق الشيء على غير مثال سابق، ولا نموذج يُحتذى، كما يحدث مثلاً في عالم الصناعة الآن، فهناك دولة متقدمة صناعياً فتأتي دول أقل منها تأخذ صناعاتها وتُقلِّدها وتصنع على مثالها، صحيح تُطوِّر فيها وتُجدِّد وتضيف لكن للدولة الأولى السَّبْق في النموذج الأول.

فمعنى (فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ) (الشورى: 11) خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق (جَعَلَ لَكُم) (الشورى: 11) دلتْ على أن كل الأشياء مخلوقة لخدمة بني آدم هذا الخليفة الذي استخلفه الله في الكون؛ لذلك ورد في الحديث القدسي: "يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له“.

وقوله -تعالى-: (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً) (الشورى: 11) يراد بالأزواج هنا الذكورة والأنوثة، كما في قوله -تعالى: (سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ) (يس: 36).

وهذه حقيقة أثبتها العلم الحديث أن الزوجية موجودة في كل شيء حتى في الجمادات، فَهِمْنَاهَا في الموجب والسالب في الكهرباء، ورأيناها في ذرات المادة، قديماً كانوا يعرفونها في الأحياء في الإنسان والحيوان والنبات، وبالتقدم العلمي وجدناها في كل شيء خلقه الله.

وهذا دليل صِدْق قوله -تعالى-: (وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ) (يس: 36).

ومن عجائب الخلق في هذه المسألة أنْ ترى نباتاً يحمل خصائص الذكورة وآخر للأنوثة، ويتم التلقيح بينهما عن طريق الهواء أو الفراشات مثلاً، وفي نبات آخر تجد فيه خصائص الذكورة والأنوثة معاً في شجرة واحدة، فشجرة الجميز مثلاً منها ذكر وأنثى والنخل كذلك، أما شجرة المانجو فهي واحدة تُلقَّح نفسها، ومثلها سنبلة القمح وعود الذرة، فهذه كلها تُلقِّح نفسها، لأن فيها عناصرَ للذكورة وأخرى للأنوثة في نفس النبات.

ومعنى (مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً) (الشورى: 11) يعني: من نفس النوع ومن نفس جنسكم، والطبيعة تجذب كلاً من النوعين الذكر والأنثى إلى الآخر فيحدث تعايش بينهما ينشأ عنه غريزة هي غريزة الجنس، وهذه يصاحبها متعة.

ومن التقاء الذكر والأنثى يحدث النسل، فالإنسان أخدها للنسل وللمتعة معاً، أما الحيوان فأخذها للنسل فقط، فترى الذكر منجذباً إلى الأنثى حتى يحدث الحمل، بعدها لا يقربها.

أمَّا الإنسان فغير ذلك، الإنسان أخذها متعة وبعد ذلك يتهم الحيوان ويقول: شهوة بهيمية، هي في الواقع شهوة إنسانية، فَلِمَ نظلم البهائم؟

ومن نعمه -تعالى- على خَلْقه أنْ جعل الأزواج من جنس واحد ليتم التوافق والانسجام بين النوعين ويحدث التناسل وبقاء النوع؛ لذلك امتنَّ الحق سبحانه على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأن جعل لهم رسولاً من أنفسهم يحمل إليهم منهج الله: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128).

نفهم من ذلك حرص الإسلام على الحياة الأسرية، وأن هذه الحياة ينبغي أن يسودها الوُدّ والوفاق والأُنْس، وأن تُبنى على المحبة، لذلك قال سبحانه: (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21).

والأزواج جمع زوج، وزوج لا تعني الاثنين كما يفهم البعض، إنما تعني (فَرْداً) معه مثله، كذلك كلمة توأم.

(وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً) (الشورى: 11) سبق في سورة الأنعام: (ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ..) (الأنعام: 143-144).

إذن: ما دام قال لنا ثمانية أزواج، ثم عدّد أربعة فكلُّ نوع مكوَّن من زوجين زوج وزوج (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) (الشورى: 11) أي: في الجعل ويذرؤكم يعني يكثركم، نلحظ أنه -تعالى- لم يقُلْ يذرأكم به يعني: يُكثركم بالجعل، إنما (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) (الشورى: 11) وفيه تأتي بمعنى بسببه.

كما في الحديث الشريف: "دخلتْ امرأةٌ النارَ في هِرَّة حبستْها"، يعني: بسبب هرة ونقول مثلاً لما واحد فتوة يعمل جريمة نقول (أهو راح فيها) يعني: بسببها.

وقوله -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11) له مناسبته هنا، فلما تكلم الحق سبحانه عن الأزواج في كل شيء أراد سبحانه أن يُنزِّه ذاته -تعالى- عن هذه المسألة، فقال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11) ولنفي المماثلة نقول: ليس مثله شيء، أما هنا فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11).

إذن: جعل لنفسه مثلاً، لأن العرب تنطق بالمثل وتريد به الإنسان نفسه، فإذا حدث من شخص أمرٌ ما يقولون له: مثلك لا يفعل هذا، يعني: أنت لا يصح أنْ تفعله، لأن مثلك لا يفعله، مثلك لا يجبُنُ عند الحرب، لكن لماذا لا يقولون أنت لا تجبن عند الحرب وأتى بالمثل؟

تأمَّل هنا المرحلية اللغوية، حين تقول: زيد مثل الأسد هذا يعني أنه دون الأسد، فأنت شبَّهته بالأعلى في الصفة.

إذن: المثل أقلّ من الأصل، ولو فُرض أن الحق له مثل لا نقول: إن الله له مثل لأن مثله أدنى منه.

إذن: لا مثْلَ له.

وهذا معنى قول الشاعر:
وَلَمْ أَقُلْ مثْلَكَ أعْنِي به سِوَاكَ يَا فَرْداً بلاَ مُشبهِ

إذن: الأسلوب هنا في نفي المثلية أن يقول ليس مثله شيء، إنما أراد سبحانه أن يؤكد هذه المسألة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11) يعني: لو كان هناك مثل لله لا يكون له شبه، فكيف بالله -تعالى-؟

وكلمة (شَيْءٌ) (الشورى: 11) تطلق على جنس الأجناس يعني: كل ما يُقال له شيء فكل ما يُطلق عليه شيء ليس كمثله.

(وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ) (الشورى: 11) أتى هنا بصفتين شركة بين الحق سبحانه وبين خَلْقه، فأنت تسمع والله يسمع، وأنت تبصر والله يبصر، لكن ينبغي أن نأخذ هذه الصفات لله -تعالى- في إطار (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11) فليس السمع كالسمع وليس البصر كالبصر.

معنى (ٱلسَّمِيعُ) (الشورى: 11) أي: للأصوات (ٱلْبَصِيرُ) (الشورى: 11) للمرئيات.

وفي موضع آخر يقول سبحانه: (وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (المائدة: 71) فالسمع نفسه عمل، والقول عمل والبصر عمل، وسبق أن أوضحنا أن العمل قول وفعل، والقوْلُ خاصٌّ باللسان، والفعل يشمل عمل كل الجوارح عدا اللسان، وبذلك يكون اللسانُ وحده قد أخذ شطر العمل، لأن القول به البلاغ، وبه إعلان الإيمان، وبه يُعبِّر المرء عن نفسه.

وهذه الآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11) تُعلِّمنا كيف نُنزِّه الله -تعالى- عن كل شبيه أو نظير أو مثيل، وتُعلِّمنا أن نأخذ كل وصف مشترك بين الحق وبين الخَلْق في هذا الإطار الإيماني.

ولمَ لا ونحن في صفات البشر نتفاوت، وفي إمكانياتنا نتفاوت، فتجد مثلاً (شيخ الغفر) له بيت و (مصطبة) لاستقبال الضيوف، وشيخ البلد والعمدة كل واحد له بيت وله مصطبة أو حجرة جلوس على قدره، أما المأمور مثلاً فهو أعلى من هؤلاء جميعاً، وعنده ما ليس عندهم، هذا تفاوت بين البشر، فما بالك بالصفات المشتركة بيننا وبين ربنا عز وجل؟



سورة الشورى الآيات من 11-15 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32718
العمر : 69

سورة الشورى الآيات من 11-15 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الشورى الآيات من 11-15   سورة الشورى الآيات من 11-15 Emptyالثلاثاء 07 سبتمبر 2021, 11:07 pm

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

أولاً: لاحظ هنا أسلوب القصر في (لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ) (الشورى: 12) بتقديم الجار والمجرور، فمقاليد السماوات والأرض له وحده ومِلْكه وحده، ومقصورة عليه سبحانه لا يشاركه فيها أحد.

كلمة (مَقَالِيدُ) (الشورى: 12) جمع مقلاد وهو المفتاح؛ لذلك قال -تعالى- في موضع آخر: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ..) (الأنعام: 59) فله سبحانه مفاتيح الخير في السماوات وفي الأرض، ومعنى مفاتيح أنها تغلق على شيء نافع ومفيد.

والغيب خزينة من هذه الخزائن المغلقة، فحين يعطي الله مفتاحها لأحد ويُطلعه على شيء من الغيب يُجريه على لسانه مكرمة وفضلاً منه -تعالى- عليه، ولا يعني هذا أنه أصبح عالماً للغيب ويفتح مكتبَ علم الغيب، بل يأخذ حاجته التي أكرمه الله بها ويعطي المفتاح لصاحبه: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ..) (الأنعام: 59) فمَنْ يدَّعي علم الغيب لا يعرف كيف يتأدب مع الله.

ونحن نستخدم هذه الكلمة (مَقَالِيد) في لغتنا العامة الآن فنقول: فلان بيده مقاليد الحكم أو مقاليد الأمور في الشركة أو المصنع، يعني: هو المسئول الذي يملك القرار وبيده مفاتيح العمل وأسراره.

وقوله -تعالى-: (يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ..) (الشورى: 12) أي: هنا بمفتاح ومقلاد من هذه المقاليد هو مفتاح الرزق، يبسطه سبحانه لمن يشاء ويُوسعه ويُيسِّره، وأيضاً يقبضه ويُضيقه على مَنْ يشاء من عباده، والمقاليد على الأرزاق تشرح لنا قوله -تعالى-: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) (الحجر: 21) يعني: بسط الرزق أو يقبضه بعلم وبقدر وبحكمة.

لا تظن أن الأرزاق توزع هكذا كما اتفق لا.

لأن الموزِّع لها عليم بخَلْقه وخبير بأسرارهم وخفاياهم، حكيم يضع الشيء في موضعه، لذلك لا تتعجب حينما ترى الغني المترف الذي يملك الملايين وجاره لا يجد قوت يومه، لا تتعجب حينما ترى مثلاً أصحاب المحلات التجارية، هذا يبيع ويشتري وعنده رزق وفير وبجواره محل مثله لا يدخله أحد، لا تتعجب لأن وراء هذا وذاك حكمة عرفها مَنْ عرفها وجهلها مَنْ جهلها.

ويكفي أنْ تقرأ: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) (الحجر: 21) وهنا ذيَّل الآية بقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الشورى: 12) يعلم مَنْ يعطي ومن يمنع، ولذلك يقول سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يجلي لنا هذه الحِكَم، يقول: قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "إن من عبادي مَنْ إذا أغنيته لَفسد حاله، ومنهم مَنْ إذا أفقرتُه لصلح حاله“.

والحق سبحانه يقول: (كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ) (العلق: 6-7).

ففَقْر الفقير لحكمة، والغِنَى عند الغني لحكمة، فلا تعترض وتأمل فربما كان المال عندك أداة سطو وبطش وتعدٍّ وطغيان، وربما دعاك المال إلى العصيان أو ولَّد عندك نزوعاً للشر، فحين يمنعك الله هذه الأداة فإنما منعك ليرحمك بالفقر فالغِنَى لا يناسبك، وصلاحك في الفقر، وفي شيء من الرضا بما قَسَمه الله لك، وألاَّ تمدّ عينيك إلى مَنْ هو أعلى منك في متاع الدنيا وزخرفها.

كثيراً ما نرى أولاد الأغنياء فاسدين بسبب كثرة المال في أيديهم، في حين تجد ابن الفقير مُعَافى من هذا، وربما يكون أحسنَ حالاً من ابن الغني، وفي واقعنا نماذج كثيرة من ذلك.

والمؤمن مُطَالب أن يعيش في حدود إمكانياته المادية، والذي يتعب الناس الآن أنك تجد الواحد منا يفرض لنفسه مستوى معيشة معين قبل أن يفرض لنفسه دخلاً يوازي هذا المستوى الذي اختاره لنفسه، فلما يحدث العجز يُضطر للحرام للغش وللسرقة وللرشوة وغيرها من وسائل الكسب الحرام ليغطي نفقات معيشته.

قال -تعالى-: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق: 7).

المؤمن يدخل السوق فيجد فيه ما لذَّ وطاب، الرومي واللحوم والأسماك والفاكهة، وقد تشتاق نفسه إليها لكن يتحلَّى بالرضا ويَقْنع بما في مقدوره، فيشتري كيلو فول أخضر ونصف كيلو جبنة، ويذهب ليأكل في وسط أولاده فيجد لهذه الأكلة البسيطة طعماً ولذة ربما لا يجدها الغني.

أمَّا إن امتدتْ عينه إلى فوقه مستواه فتراه يشتري بالدِّين ويأكل كما يأكل الأغنياء، بل ربما أسرف على نفسه ودخل في منطقة التبذير، ثم بعد أيام يأتي مَنْ يطرق بابه يطالبه بدَيْنه فيجد من مذلة المطالبة أضعاف ما وجد من لذة الطعام.

لذلك الحق سبحانه يخاطب ابن آدم: "يا ابن آدم، خلقتُكَ للعبادة فلا تلعب، وقسمتُ لك رزقك فلا تتعب -ولا يعني هنا تعب الجوارح إنما تعب الفكر والهَمّ وشغل البال- فإنْ رضيتَ بما قسمتُه لك أرحْتُ قلبك وبدنك وكنتَ عندِي محموداً، وإنْ أنت لم تقنع بما قسمتُه لك فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركْضَ الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمتُه لك وكنتَ عندي مذموماً.

يا ابن آدم خلقتُ السماوات والأرض ولم أَعْىَ بخلقهن أيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك، يا ابن آدم لا تطلب مني رزق غَدٍ كما لا أطالبك بعمل غد، يا ابن آدم أنا لك مُحِبٌّ فبحقي عليك كُنْ لي مُحباً”.

وحين يرضى الفقير بما قسمه الله له، ولم يتطلع إلى أعلى من مستواه يقول الله له: رضيتَ بقدري، فالآن أعطيك على قَدْري.

لذلك تجد كل عظماء العالم وقادته بدأوا حياتهم في فاقة وفقر مدقع وقد حدثونا عن تاريخ بعض هؤلاء، وكيف أنهم جاءوا من قاع المجتمع.

ولمَّا تتأمَّل مسألة تضييق الرزق على بعض الخَلْق تجد له حكمة اجتماعية، هذا التفاوت يؤدي إلى نوع من التكامل بين عناصر المجتمع، وتصور لو أن المجتمع كله أغنياء مبسوط لهم الرزقَ، مَنْ سيقوم على خدمتهم؟

مَنْ يصنع لهم ويزرع ويقضي المصالح الأدنى؟

إذن: لا بدَّ من وجود طبقة الفقراء لتقوم بهذا الدور، لا عن تفضُّل إنما عن حاجة يحتاج العامل أجره فيعمل، ويحتاج الخادم أجره فيخدم ويمسح ويكنس، فالحاجة والمنفعة هي التي تربط عناصر المجتمع.

ومن العجيب أنك ترى الآن رجال الأعمال وأصحاب المصالح يشتكون من العمال، يقول لك العامل ما دام معه فلوس وجيبه (مليان) لا يعمل إلى أن ينتهي ما معه من نقود فيعود إلى العمل، وهكذا..

وأذكر من نوادر أستاذنا الشيخ موسى شريف رحمه الله أنْ كان يقول ذات مرة: اللهم ارزق العلماء واغْنهم وافقر الصنّاع، فلما سألناه قال: لأن العالم إنْ لم يكنْ غنياً ربما أذلته فتوى، أما الصانع أو العامل فإنه لا يعمل إلا إذا كان محتاجاً للمال.

وسبق أنْ قلنا: إن الإنسان منا إذا اجتهد في عمله وأخلص له مدة عشر سنين يعيش مرتاحاً باقي عمره، وإنِ اجتهد عشرين سنة ارتاح وأراح أولاده من بعده، وإنِ اجتهد ثلاثين سنة أراح أحفاده، إذن: على قَدْر العمل يكون العطاء.

ثم ينبغي أن نظل على ذكر لتقلُّب الأحوال، والحق سبحانه يقول: (وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ..) (آل عمران: 40) فالنعمة وبسطة الرزق عندك اليوم، وقد تصبح عند غيرك أو تمسي.



سورة الشورى الآيات من 11-15 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32718
العمر : 69

سورة الشورى الآيات من 11-15 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الشورى الآيات من 11-15   سورة الشورى الآيات من 11-15 Emptyالثلاثاء 07 سبتمبر 2021, 11:09 pm

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

هذه الآية هي المذكرة التفصيلية أو التفسيرية للآية الثالثة في أول السورة: (كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ) (الشورى: 3) والتفصيل بعد الإجمال أسلوب من أساليب القرآن الكريم.

قوله -تعالى-: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ..) (الشورى: 13) يعني سَنَّ لكم وبيَّن ووضَّح، ومن هذه المادة شَرَعَ شَرَّع وشريعة يعني طريقة واضحة، والإنسان فيه جانبان المادة والروح.

فكما أن الحق سبحانه ضمن له بقاء حياة المادة بالماء والطعام والهواء، كذلك جعل له حياة لروحه حياة بالقيم والأخلاق.

هذه القيم هي منهج الله الذي نزل على قلب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبهذا المنهج تحيا القلوب والأرواح كما تحيا الأبدان بالطعام والشراب، وهذا الشرع وهذه القيم ليست جديدة في موكب الرسالات، بل هي سنة الله فيمَنْ سبق كان لهم دين وشرع، كل بما يناسبه.

لذلك قال بعدها: (مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً..) (الشورى: 13) يعني: ما أمر به نوحاً وألزمه من التكاليف، واختار نوحاً لأنه كان أول رسول في العموميات، وقد قال بعض العلماء أن نوحاً أُرسل كذلك للناس كافة على اعتبار أن الناس في زمنه كانوا هم ركاب السفينة، فعموميته خاصة بالموجودين معه على السفينة، أما عمومية رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- فكانت عامة للناس في كل مكان على وجه الأرض.

ثم تأمل هنا دقة الأداء القرآني في (مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً..) (الشورى: 13) ما هنا اسم موصول بمعنى الذي، وكان المنطق أن يقول بعدها: وما أوحينا إليك.

باسم الموصول (ما) لكن هنا الكلام عن الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء بالذي وهي أم الموصولات كلها، ومع غيره جاءت (ما) وهي كما يقول النحويون اسم موصول بمعنى الذي، ثم تلاحظ الفعل (وصى) هكذا بالمفرد، إنما مع رسول الله قال: (وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ..) (الشورى: 13) بنون الجمع ويسمونها نون العظمة.

ثم بعد ذلك يعود السياق إلى استخدام (ما) مرة أخرى: (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ..) (الشورى: 13) وهذه تدل على خصوصية لسيدنا رسول الله من بين سائر الرسل عليهم جميعاً السلام.

قوله -تعالى- شرع ووصى، بماذا؟

تأتي بعده (أنْ) ويسمونها أن التفسيرية، يعني: تفسر لنا مدلولَ شرع ووصى (أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ..) (الشورى: 13) ومثله قوله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ..) (القصص: 7) إذن: وصَّى الله هؤلاء الأنبياء بأن يقيموا الدين وبعدم التفرق فيه والاختلاف.

وإقامة الشيء أي جَعْله قائماً، والقيام هو العمدة في الدلالة على القوة والمقدرة، فالإنسان لا يقوم إلا حال قوته، فإن تعب من القيام قعد، فإنْ تعب من القعود يضطجع، فالحق يريد منا أنْ نجعل الدين قائماً يعني: نقوم به لا نقعد ولا ننام، فالقيام هنا كناية عن الاهتمام به والمحافظة عليه (وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ..) (الشورى: 13) نهى عن الاختلاف فيه.

كلمة التفرق هذه وردتْ في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، اقرأ: (وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ) (يوسف: 36) قوله: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ) (يوسف: 36) دلَّتْ على أن الحسْن مُقدَّر حتى عند المسيء فالمعنى: ما جئناك إلا لأنك من المحسنين، ودرجة الإحسان لا تأتي منحة من الله إنما تأتي بالعمل والاستقامة على المنهج.

وقد بيَّن لهم هذا المنهج الذي رفعه إلى درجة الإحسان فقال: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) (يوسف: 37-38).

لذلك أراد سيدنا يوسف عليه السلام أن يُفهمنا أن الوصول إلى درجة الإحسان يسير، وأن يشرح لهما الطريق أولاً، فلم يُحدِّثهما أولاً عن تفسير الرؤيا إنما استغل الموقف لصالح دعوته ورسالته كداعية إلى الله ورآهما في حاجة للتوجيه والوعظ والنصح.

ثم إن حاجتهم إليه لتفسير الرؤيا ستجعل الآذان مُصغية لكلامه، لذلك دخل معهما في هذا الحوار الإيماني الدعوي: (يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ) (يوسف: 39) ثم راح يُحدِّثهم في العقيدة وتصفيتها من شوائب الشرك: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40).

وبعد أنهى مهمته كداعية، أخذ يفسر لهما الرؤيا: (يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف: 41).

ولو أن يوسف عليه السلام قدَّم تفسير الرؤيا على النصيحة ما كان أخذ من صاحبيه الاهتمام المطلوب، لأن العادة أن يكون الإنسان رَهْن حاجته فإنْ قضاها انصرف عنك، وهذه المسألة تعلمنا: إذا كان لك حاجة عند المحتاج إليك فابدأ بها لتجد الاهتمام المطلوب، لأنه في مجيئه إليك شعور بأنك الأعلى.

إذن: قوله سبحانه: (أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ..) (الشورى: 13) لا تأخذوا أرباباً من دون الله، أو لا تتفرقوا في الدين شيعاً وأحزاباً، كما في قوله -تعالى-: (إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ..) (الأنعام: 159) فساعة تتشتت الجماعة فِرَقاً اعلم أنهم جميعاً جانبوا الصواب، لأن الحق واحد يجب أنْ نلتفَّ جميعاً حوله.

(كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ..) (الشورى: 13) كلمة كبُر بالضم يعني عَظُم عليهم وشَقَّ عليهم، أما كبَر بالفتح فتُقال للسنِّ فالمشركون عَظُم عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله -تعالى-، وشَقَّ عليهم أنْ ينطقوا بكلمة الشهادة لا إله إلا الله، وهم يفهمون جيداً معناها ومقتضاها، فهي عندهم ليستْ كلمة تقولها الألسنة إنما هي منهج حياة لها متطلبات، وإلا لكانوا قالوها.

عَظُم في أنفسهم وشَقَّ عليهم أنْ يكون الناسُ سواسيةً كأسنان المشط لا فرقَ بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهم السادة أصحاب السلطة الزمنية من قديم، فكيف يأتي الإسلام ويُسوِّي بين السادة والعبيد فكبُر عليهم ذلك، وعَظُم في أنفسهم.

لذلك وقفوا في وجه رسول الله وعادوه وأخذوا منه موقفَ اللدد والخصومة، لكن الحق سبحانه يُطمئن رسوله فيقول بعدها: (ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى: 13).

الحق سبحانه و-تعالى- يطمئن رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقول له: لا تهتم بموقفهم العدائي لك ومصادمتهم لدعوتك، فهذا أمر طبيعي فَوُقُوفُهُم في وجهك شهادة لك أنك على حق، لأنك ستأخذ منهم وتسلبهم السيادة التي كانت لهم، وتمنع الفساد المنتشر في مجتمعهم وهم منتفعون بهذا الفساد، والناس مُستكينة لهم لأنهم مُستضعفون لا حيلةَ لهم.

إذن: عداؤهم لك أمر طبيعي، فهم يسيرون وفق طبيعتهم وأنت تسير وفق طبيعتك، يعني من شيمتهم الأعتداء والعناد والمكابرة، ومن شيمتك التحمُّل للأذى.

فكأنَّ قوله -تعالى-: (ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى: 13) إشارة إلى أن هؤلاء الصناديد المعاندين للدعوة سوف يكون منهم أنصار لها وأعلام في سمائها، فلا تعجل ولا تحزن ولا تهتم، سوف نأخذهم إلى ساحة الإيمان واحداً تلو الآخر، وبالفعل صدق الله فيما أخبر به رسوله، فقد دخل في الإسلام عمر وخالد وعمرو وعكرمة وغيرهم.

كلمة (يجتبي) بمعنى يختار ويصطفي من عباده مَنْ يشاء لنصرة دينه، وهذا الاصطفاء كأنه مقدمة للهداية، لذلك قال بعدها: (وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى: 13) فيصطفيهم أولاً بأن يبعدهم عن عداوة الدعوة، ويحبِّب إليهم الإيمان كأنه يجهزهم لهذه المهمة.

قرأنا في تاريخ الغزوات مثلاً أن أحد الصحابة يعود من الحرب حزيناً لأنه أفلت منه خالد أو عمرو أو عكرمة ويقول: كنتُ على وشك أنْ أقتله لولا كذا وكذا، وهو لا يدري أن الله يدخره لنصرة دينه وإعلاء كلمته، فالله -تعالى- كان يدخر هؤلاء وكان يُعدهم ويجتبيهم، ثم بعد فترة هداهم للإسلام، فكانوا هم حَمَلة رايته وقادة مسيرته.

وقبل أن نترك هذه الآية ينبغي أن نشير إلى الفتنة التي أثارها بعض المستشرقين حول قوله -تعالى- (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ..) (الشورى: 13) يقولون: ما الضرورة إذن لمجيء الرسالة الآخرة ما دامت الوصية لجميع الرسل واحدة، ثانياً: قالوا بوجود تعارض بين الآيات، لأن الله -تعالى- قال في موضع آخر: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً..) (المائدة: 48).

إذن: فلكل نبي شريعة، وعند محمد أشياء غير ما وصى به.

وللرد على الشبهة الأولى نقول: إن الحق سبحانه و-تعالى- له أشياء ضرورية، ألزم بها جميع الرسل في موكب الرسالات، فهم جميعاً متفقون في هذه الأمور، أولها التوحيد وعدم الشرك بالله، ثم الإيمان بالكتب السماوية وبالرسل، ثم الإيمان بالبعث.

فهذا قَدْر مشترك عند جميع الرسل لا يتغير، لأنها ثوابت الدين وأعمدته، وهي المرادة في قوله -تعالى-: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ..) (الشورى: 13).

فالوصية هنا بالأشياء الضرورية والثابتة في كل الأديان السماوية، فالتوحيد دعوة كل رسل الله، والصلاة وجدناها في كل الشرائع السابقة، وكذلك الزكاة، لذلك لا يمكن أبداً أنْ تخلو رسالة من الرسالات من هذين الأمرين.

ففي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أسكن من ذريته بوادٍ غير ذي زرع علَّل ذلك بقوله: (رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ)  (إبراهيم: 37) ويقول -تعالى- في نفس القصة: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ) (الحج: 26).

وفي قصة سيدنا شعيب عليه السلام يقول له قومه: (قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ..) (هود: 87).

وفي قصة سيدنا زكريا عليه السلام: (فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ..) (آل عمران: 39).

والزكاة كذلك من الثوابت التي جاءت في كل الأديان، اقرأ مثلاً قوله -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ * بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ) (الأعلى: 14-19).

كذلك اتفقت كل الأديان السماوية في تطهير النفس والجوارح من الآثام والمعاصي التي تضر بالنفس وبالمجتمع، لأن التخلية من الآثام تسبق التحلية بالطاعات.

خذ الجوارح من أول القلب إلى القدم تجد كل الأديان السماوية تدعو إلى تطهيرها، فالقلب وهو قائد الجوارح والأم بينها، لذلك قال عنه سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا إن في الجسد مُضْغة إذا صَلُحَتْ صَلُح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب“.

ومطلوب للقلب عدة أشياء: أولاً: عدم الإشراك بالله، ثم عدم الإصرار على المعصية، ثم لا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمة الله.

هذه كلها عقيدة ينبغي أن تستقر في القلب.

كذلك اللسان وهو عمدة البيان والتبليغ يجب أنْ يتطهر من عدة أشياء: أولها: شهادة الزور، ثم قَذْف المحصنات، ثم اليمين الغموس وهو يمين ليس له كفارة، ثم يتطهر اللسان من أنْ يقول الطلاسم التي يقولها السحرة.

تعالَ إلى البطن ينبغي أنْ تتطهر وتبرأ من عدة أشياء: شرب الخمر، أكل الربا، أكل مال اليتيم.

وكذلك اليدان تبرأ من السرقة ومن القتل.

وكذلك العورات تبرأ من الزنا وغيره مما حرَّمه الله عليها، وكذلك الرِّجْلان تبرأ من التولي يوم الزحف، ومن السعي إلى كل ما هو محرَّم.

ومن هذه الثوابت عقوق الوالدين، فهو محرم في كل الأديان كذلك وهو عام في كل الجوارح، وقد حرمه الحق سبحانه لأن بر الوالدين تدريب ورياضة لطاعة الله، ذلك لأن الوالدين سبب الوجود المباشر، والحق سبحانه و-تعالى- سبب الوجود غير المباشر.

فكأن طاعة الوالدين وبرَّهما باب ومدخل لطاعة الله.

وهذا البر محفوظ لهما، حتى وإنْ كانا مشركين: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً..) (لقمان: 15).

لذلك الحق سبحانه و-تعالى- يُعلِّمنا بر الوالدين في موكب الرسالات كلها، ففي قصة سيدنا عيسى عليه السلام، ولأنه جاء من أم بلا أب، وقد تكون هذه المسألة مدخلاً من مداخل الشيطان على سيدنا عيسى، فيُوصيه ربه بأمه فقط: (وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (مريم: 32) حتى يقطع على الشيطان مدخله.

أما في قصة سيدنا يحيى عليه السلام فقال: (وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً) (مريم: 14) بوالديه يعني: أباه وأمه، ونلحظ في القصتين أن سيدنا عيسى عليه السلام هو الذي يتكلم عن أمه ويقول: (وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي..) (مريم: 32) فهذا إقرار واعتراف منه.

أمَّا في قصة سيدنا يحيى، فالحق سبحانه هو الذي يحكي عنه أنه كان براً بوالديه، ونصَّ على البر في قصة سيدنا يحيى، لأن السببية في والديه مفقودة، فأبوه قد بلغ من الكبر عتياً، وأمه كانت عاقراً، إذن: كيف يأتي الولد وهذا أيضاً مدخل من مداخل الشيطان على سيدنا يحيى.

إذن: فالحق سبحانه يريد للجميع أنْ يكون نظيفاً طاهراً من كل هذه الآثام، لذلك طهَّر الجوارح كلها وجعلها أداة بناء ومودة وتراحم، وبنى المجتمع على أسس قويمة تكفل لأفراده الحياة السعيدة المطمئنة، وهذا قاسم مشترك في كل ديانات السماء، وهذه الأمور هي المرادة بقوله سبحانه: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً..) (الشورى: 13).

أما قوله -تعالى-: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً..) (المائدة: 48) فيُراد بها الشرائع والأحكام الخاصة بكل ديانة، وهذه الشرائع تختلف باختلاف المجتمعات والبيئات والداءات الموجودة والآفات المنتشرة بين القوم، فالشرائع تأتي لمعالجة الآفات في مجتمعها ولذلك تختلف من دين لآخر.

فجماعة انتشرت بينهم الرذيلة والفاحشة، وجماعة طففوا المكيال والميزان، وجماعة عبدوا الأصنام، وآخرون عبدوا الكواكب أو الملائكة.

وهكذا، فلا بد إذن أنْ تختلف الشرائع في هذه الأمور الاجتماعية.

من هذا نعلم أن اعتراض المستشرقين لا محلَّ له، فلكل آية موضوعها.

ثم يقول الحق سبحانه: (وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن...).



سورة الشورى الآيات من 11-15 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32718
العمر : 69

سورة الشورى الآيات من 11-15 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الشورى الآيات من 11-15   سورة الشورى الآيات من 11-15 Emptyالثلاثاء 07 سبتمبر 2021, 11:10 pm

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

البيئة المكيَّة كان بها كفار مكة وهم وثنيون يعبدون الأوثان، وكان فيها أهل كتاب يهود أو نصارى، وكان الخلاف بينهما قائماً ومستمراً، ومن غيظ أهل الكتاب من الكفار كانوا يقولون لهم: لقد أطلَّ زمانُ نبي منكم سيأتي ونتبعه ونقتلكم به قتْل عاد وإرم.

والحق سبحانه يخبر عن أهل الكتاب: (وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ) أي: محمد: (كَفَرُواْ بِهِ..) (البقرة: 89).

نعم لقد بشرتْ الكتب السماوية بمجيء محمد وزمانه ومكانه، وكان أهل الكتاب يعرفونه وعندهم أوصافه، وقد اعترف منهم كثيرون بأن محمداً على الحق، وأنه نبي مرسل، ومن هؤلاء عبد الله ابن سلام.

الحق سبحانه يقول عنهم وعن معرفتهم لرسول الله بأوصافه: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ..) (البقرة: 146) لذلك يقول أحدهم: والله إني لأعرف محمداً كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ذلك لأن أوصافه مذكورة في كتبهم.

ومع ذلك لما جاءهم بالحق كفروا به وعاندوه.

يقول -تعالى-: (وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ..) (الشورى: 14) أي: العلم به في كتبهم التي بشَّرتْ به وذكرتْ أوصافه (وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ..) (الشورى: 14) وهي وعْده سبحانه بإمهالهم (إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى..) (الشورى: 14) هو يوم القيامة، (لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ..) (الشورى: 14) أي حُكِم بينهم بهلاك الكافرين واستئصالهم ونجاة المؤمنين، والحق سبحانه لم يقْضِ بإهلاكهم واستئصالهم، بل أخَّرهم لأنه سيكون منهم مَنْ يؤمن ويصير جندياً من جنود الحق.

(وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ) (الشورى: 14) قوله -تعالى-: (وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ..) هم اليهود والنصارى المعاصرون للنبي -صلى الله عليه وسلم- (لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ..) (الشورى: 14) أي من كتابهم (مُرِيبٍ) (الشورى: 14) يدعو إلى الريبة والتردد والحيرة، ذلك لأنهم أخذوا في كتابهم مآخذ عدة أدت بهم إلى هذا الشك وإلى هذه الريبة.

أولاً: نَسُوا بعضه كما أخبر الحق عنهم: (وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ..) (المائدة: 14) كما أخبر عن اليهود في الآية التي قبلها: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ..) (المائدة: 13).

والنسيان يعني عدم الاهتمام بالمنسيِّ، فلو كان مهماً لكانَ على بالهم دائماً وفي بؤرة اهتمامهم، وما لم يُنْسَ من الكتاب تناولوه بالتحريف، ولو كان لهم عذر في النسيان، فما عذرهم في التحريف؟

ثم بعد ذلك كتموا ما أنزل الله، قال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران: 187).

ويا ليتهم وقفوا بمسخ كتابهم عند هذا الحد، إنما تمادوا في مسخه إلى أنْ يؤلفوا الكلام من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله، قال -تعالى- في حقهم: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: 79).



سورة الشورى الآيات من 11-15 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32718
العمر : 69

سورة الشورى الآيات من 11-15 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الشورى الآيات من 11-15   سورة الشورى الآيات من 11-15 Emptyالثلاثاء 07 سبتمبر 2021, 11:12 pm

فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

الإشارة في قوله -تعالى-: (فَلِذَلِكَ..) (الشورى: 15) إشارة للكلام السابق، فلأنهم تفرقوا واختلفوا وكتموا الكتاب وحرفوه، ما داموا فعلوا ذلك، فقُمْ أنت بمهمة الدعوة لتصلح ما أفسد هؤلاء، وتقيم ميزان الحياة بالحق وبالعدل، وترد هؤلاء عَمَّا هم فيه.

ولاحظ هنا أن التعبير يجمع بين القول والعمل (فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ..) (الشورى: 15) يعني: ليكُنْ قولك موافقاً لحركتك، كما قال في موضع آخر: (إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ..) (فصلت: 30).

وسبق أنْ قلنا: إن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين، فاستقم يعني كُنْ على الجادة وعلى الطريق السَّويِّ، وقد سمَّاه القرآن (الصراطَ المستقيم) وسمَّاه (سواء السبيل) وهو الذي يُوصِّلك إلى غايتك من أقرب طريق.

فكأن الحق سبحانه حينما يأمر نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- بذلك إنما يقول له: استقم، لأن استقامتك على المنهج الذي جئتَ به أدْعَى إلى القبول وإلى تصديقك والاستماع لك.

ومعلومٌ أن التعليم والنصح بالعمل أجْدَى وأنفع من الكلام النظري؛ لذلك لما سأل أحد الصحابة رسول الله فقال: يا رسول الله، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال له: "قُلْ آمنتُ بالله ثم استقم“.

وهذا من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-.

وبعد أنْ أمره ربُّه بالاستقامة على منهج الحق نهاه عن اتباع أهواء القوم: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ..) (الشورى: 15) فالهوى سبيل الاختلاف والتفرق، ومن هذه الأهواء قولهم لرسول الله: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وفيها نزلت سورة الكافرون: (وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ..) (الشورى: 15) كتاب هنا نكرة أفادتْ الشمول، يعني: آمنتُ بكل كتاب أنزله الله من قبل.

وكأنها رسالة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى: لماذا آمنتم بالديانات السابقة عليكم، ولم تؤمنوا برسالة محمد، وهي ديانة كباقي الديانات، إذن: لكم سوابق في الإيمان، فلماذا وقفتم عند رسالتي وكذبتم؟

كذَّبوا لأن عندهم مسائل يجادلون بها الضعاف من المسلمين.

مثلاً يقولون لهم: ديننا أقدم من دينكم، وكتابنا أقدم من كتابكم، ورسولنا أقدم من رسولكم، وقرآنكم يشهد لنا، ألم يقل القرآن: (يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ) (البقرة: 122) فنحن إذن مُفضلون على العالمين بشهادة القرآن.

والأفضلية هنا ليستْ على إطلاقها، بل هي مُقيدة بزمانهم.

يعني: فضلتكم على العالمين من أهل زمانكم، وإلا كانوا أفضل من إبراهيم وإسحاق، وهم لا يقولون بذلك.

وقوله -تعالى-: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ..) (الشورى: 15) العدل أنْ تزن بميزان غير جائر، فكل واحد منهم يأخذ حقه، وأنْ يكون الجميع أمامك سواسية، فمثلاً لا تَنْهَ واحداً وتترك الآخر، ولا تفضل أحداً على أحد في مرآك ولا في مجلسك ولا في نظرك.

لذلك كان -صلى الله عليه وسلم- إذا جلس بين أصحابه يُوزِّع نظره عليهم جميعاً، فلا يهتم بواحد دون الآخر.

فالجميع أمامه سواسية، ولو اهتم لواحد بعينه لظنّ أن له أفضلية أو سلطة زمنية أو قوة مركزية، أبداً كانوا جميعاً في نظره سواء، هذه كلها من عدالته -صلى الله عليه وسلم- بين الناس.

وقوله: (ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ..) (الشورى: 15) يعني: ليس ربنا وحدنا، إنما هو ربكم أيضاً، وما دام ربنا وربكم فلا بد أن تكون التربية واحدة لنا جميعاً، وقد أنزل لكم منهجاً له زمن، وأنزل عليَّ منهجاً خاتماً.

ومن كمال التربية: (لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ..) (الشورى: 15) فكلٌّ مُجازَى بعمله (لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ..) (الشورى: 15) لا حجاج ولا جدال.

لماذا؟

لأن الجدل معهم يوصل إلى اللدد والعناد والخصومة ولا يُوصل إلى الحق، والمعنى: أننا لن نلتقي فكُلٌّ منا له طريق.

والحق سبحانه قد تناول هذه المسألة في سورة (الكافرون): (قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 1-6).

إذن: لا مجالَ للجدال لأن المسألة منتهية، الآن علَّمتنا السياسة أن الدول قد تختلف فتقطع العلاقات بينها وبين بعض، ثم تضطرهم ظروف الحياة إلى إعادة العلاقات مرة أخرى وإلى التصالح، أما في مسألة الإيمان والكفر فهما نقيضان لا يمكن أبداً أن يلتقيا.

لذلك لَمَّا تدقق في سورة (الكافرون) تجدها تنفي هذا الالتقاء في الحاضر الآن وفي المستقبل، اقرأ: (لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ) (الكافرون: 1-3) أي: في الحاضر: (وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 4-6) أي: في المستقبل.

وقوله: (ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ) (الشورى: 15) يعني: ما دُمْنا لم نجتمع على الحق في الدنيا فسوف يجمعنا الله جميعاً يوم القيامة للحساب، حيث يجازى كلاً بعمله، ويعطى كل ذي حَقٍّ حقه، وكوْنك تردُّ الأمر في الحكومة إلى عادلٍ، فهذا دليل على أنك على الحق، وكفى بالله حكماً (وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ) (الشورى: 15) المرجع والمآب.



سورة الشورى الآيات من 11-15 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة الشورى الآيات من 11-15
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2021 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: الشورى... جاري استكمالها إن شاء الله-
انتقل الى: