منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة النساء الآيات من 091-100

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 091-100 Empty
مُساهمةموضوع: سورة النساء الآيات من 091-100   سورة النساء الآيات من 091-100 Emptyالأحد 05 مايو 2019, 5:48 am

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [٩١]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

تبدأ هذه الآية بفعل يتحدث عن المستقبل: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} [النساء: 91].

معنى ذلك أن المسلمين لحظة نزول هذه الآية لم يكونوا قد وجدوا مثل هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم الحق، ولو لم يحدث للمعاصرين لنزول القرآن أن وجدوا مثل هؤلاء ماذا كانوا يقولون عن هذا الخبر؟.

لو لم يجدوا مثل هؤلاء القوم لتشككوا في القرآن.

وسبحانه يوضح أني عين معكم، وعين لكم، أخبرتكم بما حدث واختلفتم فيه، وأخبركم بما لم يصل إلى أذهانكم وعلمكم فلا تختلفوا فيه، وهذا دليل على أنكم في رعايتي وفي عنايتي. 

{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} [النساء: 91] وهؤلاء القوم هم قوم من بني أسد وعطفان، وكانوا على مشارف المدينة، وكانوا يقابلون المسلمين فيقولون: "نحن معكم"، وكانوا أيضاً يقابلون الكفار فيقولون: "نحن معكم"، والحقيقة أنهم عاجزون عن مواجهة أي معسكر.

ولذلك يصفهم القرآن: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} [النساء: 91].

وهؤلاء كلما جاءهم الاختبار{أُرْكِسُواْ فِيِهَا} [النساء: 91].

أي فشلوا في الاختبار، فعناصرهم الإيمانية لم تقو بعد، وما زالوا في حيرة من أمرهم.   

وعندما جاءتهم الفتنة لتصهرهم وتكشف ما في أعماقهم ازدادت حيرتهم، فالفتنة هي اختبار، وليت الفتنة شيئاً مذموماً، وعندما يقال: إن فلاناً في فتنة فعلى المؤمن أن يدعو له بالنجاح فيها، فالفتنة ليست مصيبة تقع، ولكن المصيبة تقع إذا رسب الإنسان في الفتنة.

ونعلم أن الفتنة مأخوذة من الأمر الحسي، فتنة الذهب وكذلك الحديد: فتنة الذهب هي صهر الذهب في البوتقة حتى ينصهر؛ فتطفو كالزبد كلُّ العناصر الشائبة المختلطة بالذهب، وكذلك الحديد، يتم صهره حتى تنفصل الذرات المتماسكة بعضها عن بعض.

ويطفو الخبث.

ونعرف أن الحديد أنواع: فالحديد الزهر شوائبه ظاهرة فيه وسهل الكسر.

بينما نجد الحديد الصلب بلا خبث فهو صلب.

وفتنة الذهب والحديد تكشف عن المعادن الغريبة المختلطة بها.

ونقلت كلمة "الفتنة" من المحسات إلى المعاني، وصارت الفتنة هي الاختبار الذي ينجح فيه الإنسان أو يرسب، فهي ليست ضارة في ذاتها، ولكنها ضارة لمن يرسب فيها.

وهكذا كان تنبؤ القرآن الذي يخبر المسلمين بأمر قوم على حدودهم، تجعلهم الفتنة لا يقوون على الإيمان، أي فكلما دعاهم قومهم إلى الشرك وقتال المسلمين رُدُّوا على أعقابهم وانقلبوا على رءوسهم أقبح قلب وأشنعه وكانوا شرّاً من كل عدو عليكم، ويشرح القرآن كيفية سلوك المؤمنين تجاه هؤلاء المرتكسين والمنقلبين في الفتنة: {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 91] ونلحظ أن الحق أمر بتأمين من لجأوا بضعفهم على الرغم من نفاقهم إما إلى المسلمين وإما إلى حلفاء المسلمين حين قال في الآية السابقة: {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء: 90].

وهذا إنصاف وتنبيه إلهي من الحق ألا يسمع أحد صوت حفيظته ويفترس قوماً ضعفاء.

أما الذين يحاولون التمرد والاستسلام لصوت الكفر وإيقاع الأذى بالمسلمين، ولم يلقوا بالسلم للمسلمين ويكفوا أيديهم عنهم، هؤلاء يأتي فيهم الأمر الإلهي: خذوهم واقتلوهم.

وجعل الله للمسلمين على هؤلاء السلطانَ المبين.

والسلطان -كما نعرف- هو القوة، والقوة تأخذ لونين: هناك قوة تقهر الإنسان على الفعل كأن يأتي واحد ويأمر إنساناً بالوقوف فيقف، وكأنْ يأمر القويُّ الضعيفَ بالسجود فيسجد.

وهذا سلطان القوة الذي يقهر القالب، لكنه لا يقدر على قهر القلب أبداً.

والسلطان الثاني هو سلطان الحجة، وقوة المنطق وقوة الأداء والأدلة التي تقنع الإنسان أن يفعل.

والفارق بين سلطان القوة وسلطان الحجة أن سلطان القوة قد يقهر الإنسان على السجود، لكن سلطان الحجة يجعل الإنسان يسجد بالاقتناع.

والسلطان المبين الذي جعله الله للمؤمنين على المنافقين الذين يقاتلون المؤمنين، هذا السلطان يمكن لكم أيها المسلمون قوة تفعلون بها ما تريدون من هؤلاء ما داموا حاولوا القتال وإلحاق الأذى بالمسلمين، فالحزم والعدل هو أخذهم بالعنف.

وحتى نفهم معنى السلطان جيداً فلنتذكر الجدل الذي سيحدث في الآخرة بين الشيطان والذين اتبعوا الشيطان، سنجد الشيطان يقول: لقد أغويتكم، هذا صحيح، وأنتم اتبعتموني، فأنتم المسئولون عن ذلك، فلم يكن لي عليكم من سلطان قوة أو سلطان إقناع: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22].

وبعد أن تكلم الحق عن القتال ومشروعيته، وقتال المنافقين، وقتال الآخرين.

نجد الكلام يصل إلى موضوع القتل.

فأوضح لهم: المسألة أنني أنا الذي عملت البنيان الآدمي، والحياة أنا الذي أهبها، وليس من السهل لباني البنيان أن يحرض على هدمه، إنما أنا أحرض على هدم هؤلاء الذين يقاتلونكم؛ لكي يسلم باقي البنيان لكم، وإياكم أن تجترئوا على بنيانات الناس، فملعون مَنْ يهدم بنيان الله؛ فالنفس التي خلقها الله، إياك أن تقترب من ناحيتها إلا بحقها وذلك بأن اجْتَرَأَتْ على حدود الله؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وهو الذي يأخذ الحياة، وحياة الناس ليست ملكاً لهم؛ فحياة الإنسان نفسه ليست ملكاً لنفسه، ولذلك فمن يقتل واحداً، عُدْواناً دون حق نقتص منه، وأما إن كان ذلك قد قتل خطأ فنأخذ منه الدية، وتنتهي المسألة.

لكن قاتل نفسه تحرم عليه الجنة.

إذن فقبل أن يقول لي: لا تقتل غيرك قال لي: إياك وأن تقتل نفسك.

إذن فسبحانه ليس بغيور فقط على الناس منك، بل يغار عليك أيضاً من نفسك، ولذلك فحين شرع سبحانه القصاص في القتل شرعة ليحميك لا ليجرئك على أن تقتل، أما عندما يأمر سبحانه: أن من قَتَلَ يُقتل.

فهو يقسط ويعدل، والقصد من هذا الحفاظ على حياتين؛ لأنك إن علمت أنك إن قَتَلْتَهُ قُتِلْت لا تقتل.

وما دمت لا تقتل فقد حميت حياتين حياة من كنت ستقتله وحياتك من أن يُقتص منك وهذا هو معنى قوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 179].

إذن فالذي يتفلسف ويقول: هذه بشاعة وكذا وكذا نقول له: الذي يشرع القصاص أيريد أن يَقتل؟

لا، بل يريد أن يحمي حياتك؛ لأن القاتل عندما يعلم أنه إن قَتَلَ يُقتل فلا يقتل، وما دام لا يقتل نكون قد حافظنا على حياته وحياة الآخر.

إذن فقوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] قول صدق.

وعندما تكلم الحق عن القتال والقتل ينبهنا: إياكم وأن تجترئوا بسبب هذه المسائل على دماء الناس ولا على حياتهم؛ لذلك يتكلم سبحانه عن القتل المحظور في الإيمان والإسلام ويقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...}.



سورة النساء الآيات من 091-100 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الأربعاء 08 مايو 2019, 5:56 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 091-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 091-100   سورة النساء الآيات من 091-100 Emptyالأحد 05 مايو 2019, 5:50 am

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [٩٢]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

جاء هذا القول بعد أن تكلم سبحانه عن القتال لتثبيت أمر الدعوة، ولما كان القتال يتطلب قتل نفس مؤمنة نَفْساً كافرة، ناسب ذلك أن يتكلم الحق سبحانه عن القتل.

والقتل -كما نعلم- محاولة إزهاق روح الحي بنقض بنيته.

والحي وإن لم ننقض بنيته حين يأتي أجله يموت.

إذن فنقض البنية من الإنسان الذي يريد أن يقضي على إنسان عملٌ غايتُه إنهاء الحياة، فلا يظنن ظان أن القاتل الذي أراد أن ينقض بنية شخص يملك أن ينهي حياته، ولكنه يصادف انقضاء الحياة، فالذي ينهي الحياة هو الحق سبحانه وتعالى.

ولذلك قلنا: إن الجزاء إنما وقع على القاتل لا لأنه أمات القتيل ولكن لأن القاتل تعجل في أمر استأثر الله وحدهُ به، والقتيل ميت بأجله، فالحق سبحانه وتعالى هو الذي استخلف الإنسان في الكون، والاستخلاف شرحه الحق في قوله: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].

فالله هو الذي جعل الإنسان خليفة في الكون ليعمر هذا الكون، وعمارة الكون تنشأ بالتفكير في الارتقاء والصالح في الكون، فالصالح نتركه صالحاً، وإن استطعنا أن نزيد في صلاحه فلنفعل.

الأرض -على سبيل المثال- تنبت الزرع، وإن لم يزرعها الإنسان فهو يجد زرعاً خارجاً منها، والحق يريد من الإنسان أن ينمي في الأرض هذه الخاصية فيأتي الإنسان بالبذور ويحرث الأرض ويزرعها.

فهذا يزيد الأمر الصالح صلاحاً.

وهذا كله فرع وجود الحياة.

إذن فالاستخلاف في الأرض لإعمارها يتطلب حياة واستبقاء حياة للخليفة.

وما دام استبقاء الحياة أمراً ضرورياً فلا تأتي أيها الخليفة لخليفة آخر مثلك لتنهي حياته فتعطل إحياءه للأرض واستعماره لها.

فالقتال إنما شُرع للمؤمنين ضد الكافرين؛ لأن حركة الكافرين في الحياة حركات مفسدة، ودرء المفسدة دائماً مقدم على جلب المصلحة.

فالذي يفسد الحياة يقاتله المؤمنون كي ننهي الحياة فيه، ونُخَلِّص الحياة من معوق فيها.

إذن فيريد الحق أن تكون الحياة لمن تصلح الأرض بحياته.

والكافرون يعيثون في الأرض فساداً، ويعيشون على غير منهج، ويأخذون خير الضعيف ليصيروا هم به أقوياء، فشرع الله القتال إما ليؤمنوا فيخضعوا للمنهج، وإما ليخلص الحياة من شرهم.

فإذا ما وجه الإنسان القتل لمؤمن -وهو في ذاته صالح للاستعمار في الحياة- يكون قد جنى على الحياة، وأيضاً لو قتل الإنسان نفسه يكون قد جنى على الحياة كذلك، لماذا؟

لأنه أفقد الحياة واحداً كان من الممكن أن يعمر بحركته الأرض.

فإن اجترأ على حياته أو على حياة سواه فلا بد أن نؤدبه.

كيف؟

قال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} [يونس: 27].

والتشريع الإسلامي وضع للقاتل عن سبق إصرار وترصد عقاباً هو القتل.

وبذلك يحمي التشريع الحياة ولا ينمي القتل، بل يمنع القتل.

إذن، فالحدود والقصاصات إنما وضعت لتعطي الحياة سعة في مقوماتها لا تضييقاً في هذه المقومات، والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن القتال المشروع أراد أن يوضح لنا: إياكم أن تتعدوا بهذه المسألة، وتستعملوا القتال في غير الأمر المشروع، فإذا ما اجترأ إنسان على إنسان لينهي حياته في غير حرب إيمانية شرعية فماذا يكون الموقف؟

يقول التشريع: إنه يقتل، وكان يجب أن يكون في بالك ألا تجترئ على إزهاق حياة أحد إلا أن يكون ذلك خطأ منك، ولكن إن أنت فعلت خطأ نتج عنه الأثر وهو القتل.

فماذا يكون الأمر؟

هناك منفعل لك وهو القتيل وأنت القاتل ولكن لم تكن تقصده، هما -إذن- أمران: عدم القصد في ارتكاب القتل الخطأ، والأمر الثاني هو حدوث القتل.

يقول التشريع في هذه المسألة: إن القاتل بدون قصد قد أزهق حياة إنسان، وحياة هذا الإنسان لها ارتباطات شتى في بيئته الإيمانية العامة، وله ارتباطاته ببيئته الأهلية الخاصة كعائلته، العائلة له أو العائل لها أو الأسرة أو الأقرب من الأسرة وهو الأصل والفرع، فكم دائرة إذن؟   

دائرة إيمانية عامة، ودائرة الأهل في عمومها الواسع، ودائرة الأسرة، ودائرة خصوصية الأسرة في الأصل والفرع.

وحين تنهي حياة إنسان في البيئة الإيمانية العامة فسوف تتأثر هذه البيئة بنقصان واحد مؤمن خاضع لمنهج الله ومفيد في حركته؛ لأن الدائرة الإيمانية فيها نفع عام.

لكن دائرة الأهلية يكون فيها نفع خاص قليلاً والدائرة الأسرية نجد أن نفعه فيها كان خاصاً بشكل ما، وفي الأصل والفرع نجده نفعا مُهماً وخاصاً جداً.

إذن فهذا القتل يشمل تفزيعاً لبيئة عامة ولبيئة أسرة ولبيئة أصل وفرع.

ولذلك أريد أن تلاحظوا في أحداث الحياة شيئاً يمر علينا جميعاً، ولعل كثيراً منا لا يلتفت إليه، مع أنه كثير الحدوث، مثلاً: إذا كنا جالسين في مجتمع وجاء واحد وقال: "فلان مات"، وفي هذا المجتمع أناس يعرفونه معرفة عامة.

وآخرون يعرفونه معرفة خاصة ولهم به صلة، وأناس من أهله، وفيه والد الميت أو ابنه، انظروا إلى أثر النعي أو الخبر في وجوه القوم، فكل واحد سينفعل بالقدر الذي يصله ويربطه بمن مات.

فواحد يقول: "يرحمه الله" وثانٍ يتساءل بفزع: "كيف حدث ذلك"؟

وثالث يبكي بكاء مراً، ورابع يبكي جارياً ليرى الميت.

والخبر واحد فلماذا يتعدد أثر وصدى الانفعالات، ولماذا لم يكن الانفعال واحداً؟

نقول: إن الانفعال إنما نشأ قهراً بعملية لا شعورية على مقدار نفع الفقيد لمن ينفعل لموته؛ فالذي كان يلتقي به لِمَاماً ويسيراً في أحايين متباعدة يقول: "رحمه الله".

والذي كان يجالسه كل عيد يفكر في ذكرياته معه، وحتى نصل إلى أولاده فنجد أن المتخرج الموظف وله أسرة يختلف انفعاله عن الخريج حديثاً أو الذي يدرس، أو البنت الصغيرة التي ما زالت تتلقى التعليم، هؤلاء الأولاد يختلف تلقيهم للخبر بانفعالات شتى، فالابن الذي له أسرة وله سكن يتلقى الخبر بانفعال مختلف عن الابن الذي ما زال في الدراسة، وانفعال الابنة التي تزوجت ولها أسرة يختلف عن انفعال الابنة التي ما زالت لم تجهز بعد.

إذن فالانفعال يحدث على مقدار النفعية، ولذلك قد نجدها على صديق أكثر مما نجدها على شقيق.

وقالوا: من أحب إليك، أخوك أم صديقك؟.

قال: النافع.

إذن تلقى خبر انتهاء الحياة يكون مختلفاً، فالحزن عليه والأسف لفراقه إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع.

وهناك واحد يكون وطنه أسرته يعمل على قدر نفعها، وواحد يكون وطنه عائلته وقريته، وواحد وطنه أمته.

وواحد وطنه العالم كله.

إذن فعندما يفجع المجتمع في واحد فالهزة تأتي على قدر وطنه، وعندما يفاجأ الناس بواحد يُقتل عن طريق الخطأ فالفاعل معذور.

ولكن عذره لم يمنع أن تعدى فعله وأن الآخر قد قتل؟.

فالأثر قد حصل، وتحدث الهزة للأقرب له في الانتفاع، ولأن القتل خطأ فلن يتم القصاص من القاتل، ولكن عليه أن يدفع دية، وهذه الدية توزع على الناس الذين تأثروا بفقدان حياته؛ لأن هناك قاعدة تقول: "بسط النفع وقبض الضر".

إنك ساعة ترى شيئاً سينفعك فإن النفس تنبسط، وعندما ترى شيئاً سيضرك فإن النفس تنقبض.

وعندما يأتي للإنسان خبر موت عزيز عليه فإن نفسه تنقبض، وساعة يأتيه من بعد ذلك خير وهو حصوله على جزء من دية القتيل فالنفس تنبسط، وبذلك يتم علاج الأثر الحادث عن القتل الخطأ.

والدية بحكم الشرع تأتي من العاقلة، وبشرط ألا تؤخذ من الأصول والفروع، فلا تجتمع عليهم مصيبة فقد إنسان على يد أحد من أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزّعون فلا يجمع عليهم هذا الأمر مع المشاركة في الدية.

كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلاج هو وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع.

فمن يقتل خطأ لا يقتص منه المجتمع ولكن هناك الدية.

ومن أجل إشاعة المسئولية فالقاتل لا يدفعها، ولكن تدفعها العاقلة؛ لأن العاقلة إذا ما علمت أن من يجني من أهلها جناية وأنّها ستتحمل معه فإنها تعلِّم أفرادها في صيانة حقوق غيرهم؛ لأن كل واحد منها سيدفع، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع.

والحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمناً إلا عن خطأ، فلا يستقيم أن يحدث ذلك عمداً فيقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} [النساء: 92] ومعنى هذا أن مثل هذا القتل لا يصح أن يحدث عن قصد؛ لأن اللُّحمة -بضم اللام- الإيمانية تمنع هذا.

لكن إن حدث هذا فما العلاج؟     

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} [النساء: 92].

ولا يذكر سبحانه هنا القصاص، فالقصاص قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ} [البقرة: 178].

والقصاص حق الولي فله أن يعفو أو أن يأخذ الدية، كأن يقول: عفوت عن القصاص إلى الدّية.

ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص.

فالقصاص حق الولي، والحد حق الله.

وللولي أن يتنازل في القصاص، أما الحدود فلا يقدر أحد أن يتنازل عنها، لأنها ليست حقاً لأحد ولكنها حق الله.

إذن فالقتل الخطأ قال فيه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وهنا قد نسأل: وماذا يستفيد أهل المجنى عليه بالقتل من تحرير رقبة مؤمنة؟.

هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية؟.

قد لا تفيدهم في شيء، لكنها تفيد المجتمع؛ لأن مملوك الرقبة وهو العبد أو الأمة هو مملوك لسيده، والسيد يملك حركة العبد، ولكن عندما يكون العبد حرّاً فهو حر الحركة؛ فحركة العبد مع السيد محدودة، وفي حريته حركة مفيدة للمجتمع.

إذن فالقبض الذي حدث من قتل نفس مؤمنة يقابلها بسط في حرية واحد كان محكوماً في حركته فنقول له: انطلق في حركتك لتخدم كل مجتمعك.

ويريد الحق بذلك أن يفتح مصرفاً لحرية الأرقاء ضمن المصارف الكثيرة التي جعلها الإسلام لذلك.

وبعد هذا القول{وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ} [النساء: 92] لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة خبر القتل.

ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن أياماً ثم يأخذون الأوراق ويصرفون بها الدية أو التعويض، مما يدل على أن في ذلك شيئاً من السلوى وشيئاً من التعزية وشيئاً من التعويض، ولو كانت المسألة مزهوداً فيها لقالوا: "نحن لا نريد ذلك"، ولكن ذلك لا يحدث.

وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب لا يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه، ففي الواقع يكون الحزن من الحزين على نفسه بمقدار ما فات عليه من نفع عندما قُتل له القتيل، والحزين إنما حزن لأن القتيل كان يثري حياته، فلما مات صارت حياة النفع منه بلا إثراء.

ولو رأينا إنساناً يحزن لفقد واحد وقلنا له: احتفظ بجثمانه لمدة أسبوع لترتوي من أشواقك إليه، وبعد ذلك نأخذه منك لندفنه أيرضى؟.

لن يرضى أبداً بذلك.

أو نقول للحزين: "لن نقدم لك طعاماً لمدة أسبوع لأنك في حالة حزن هنا لن يوافق الحزين"، وزوجة الفقيد تذرف عيناها الدمع وتبكي عليه لكنها تأكل وتشرب.

إذن فالمسألة يجب أن تكون واضحة لاستقبال أقضية الحق وهي أقضية لا تنقض نواميس الله في الكون.

وبعد ذلك يريد الحق أن يشيع التعاطف بين الناس، فإذا قال أهل القتيل لأهل القاتل: نحن لا نريد دية، لأن مصيبتكم في القتيل مثل مصيبتنا فيه، وكلنا إخوة فما الذي يجري في المجتمع؟.

الذي يحدث من النفع هو أضعاف أضعاف ما تؤدية الدية، إذن فهذا تربيب للدية، فساعة يعرف الطفل في العائلة أنه كان مطلوباً منهم دية لأن أباه قد قَتَل، وعفا أهل القتيل فلم يأخذوا الدِّية، هذا الطفل سيعرف عندما يَشِبُّ ويعقل الأمور أن كل خير عند أسرته ناتج من هذا العفو وهذه العفّة، فيحدث الود.

إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربب إشاعة المودة والصفاء والنفعية.

فإذا ما حزن واحد لفقدان إنسان بالقتل الخطأ قد يأخذ الدية فينتفع، وإن لم يأخذها فهو ينتفع أكثر؛ لذلك يقول الحق: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} [النساء: 92].

وهذا ما يحدث إذا ما قتل مؤمن مؤمناً خطأ في بيئة إيمانية، ولكن ما الذي يحدث عندما يتم قتل مؤمن لواحد من قوم أعداء والمقتول مؤمن ويعيش بين الكفار؟.

ها نحن أولاء نرى عدالة التشريع الإلهي، وحتى نزداد يقيناً بأن الله هو رب الجميع؛ لذلك قال الحق: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 92] أي كان المقتول من قوم في حالة عداء مع المسلمين فهو لا يستحق الدية؛ لأنه يحيا في قوم كافرين.

هكذا نجد التشريع هنا قد شرع لثلاث حالات: شرع لواحد في البيئة الإيمانية، وشرع لواحد مؤمن في قوم هم أعداء للمؤمنين، وشرع لواحد قد قُتل وهو من قوم متحالفين مع المسلمين.

وكل واحدة لها حكم، والحكم في حالة أن يكون القتيل من قوم بينهم وبين المسلمين عداء وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة، وذلك للتعويض الإيماني فينطلق عبد كان محدود الحركة لأنّ هناك مَن مات وانتهت حركته، وفي هذا تعويض للمجتمع عندما تشيع حركة العبد.

وماذا نفعل في الدية؟

لا يأخذون الدية؛ لأن الدية موروثة، وهم من الكفار وليس بين الكفار والمسلمين توارث أي فليس هنا دية.

وعندما ننظر إلى قول الحق: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ} [النساء: 92] نجد أن كلمة "عدو" مفردة في ذاتها، ولكنها تشمل كل القوم، وفي اللغة نقول: "هو عدو" و "هما عدو" و "هم عدو" وإن تنوعت عداوتهم فهم أعداء، ولكن عندما يتحد مصدر العداء فهم عدو واحد.

والحق يقول: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ولم يورد سبحانه هنا الدية لأن القوم على عداء للإسلام فلا دية لهم؛ لأنه لا توارث.

ويقول الحق: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فإذا أعطى المسلمون قوماً عهداً من العهود فلا بد من الوفاء.  

هذا الوفاء يقتضي تسليم دية لأهله؛ لأن هذا احترام للعهد، وإلا فما الفارق بيننا وبينهم. 

والدية -كما نعلم- تدفعها العاقلة، ويقول الحق في بيان حق الله في أمر القتل الخطأ: {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92] أي فمن لم يجد الرقبة أو لم يتسع ماله لشرائها فصيام الشهرين، بكل أيامهما، فلا يفصل بينهما إلا فاصل معذر كأن يكون القاتل -دون قصد- على مرض أو على سفر.

وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر فعليه استكمال الصوم.

ولماذا هذا التتابع الحكمي؟.

لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يجعل هذه المسألة شاغلة لذهن القاتل، وما دامت تشغل ذهنه فالصيام لا بد أن يكون متتابعاً، فلو لم يكن الصيام متتابعاً لأصابت القاتل غفلة.

{فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92].

ولماذا قال الحق: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} [النساء: 92]؟.

والتوبة -كما نعرف- قد تكون من العبد فنقول: "تاب العبد".

وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال: "تاب الله عليه" ومراحل التوبة ثلاث: حين يشرع الله التوبة نقول: تاب الله على العباد فشرع لهم التوبة فلا أحد يتوب إلا من باطن أن الله شرع التوبة؛ لأنه لو لم يشرع الله التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا.

وتشريع التوبة هو تضييق شديد لنوازع الشر، فلو لم يشرع الله التوبة لكان كل من ارتكب ذنباً يعيث في الأرض بالفساد، فحين شرع الله التوبة عصم المجتمع من الأشرار.

فلأنه شرّع التوبة، فهو -سبحانه- يتوب، هذه هي المرحلة الأولى.

وما دام الله قد شرع التوبة فالمذنب يتوب، هذه هي المرحلة الثانية، وساعة شرع الله التوبة ويتوب المذنب فالله يقبل التوبة، هذه هي المرحلة الثالثة.

وهكذا نرى دقة القرآن حين قال: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 118].

وبعد أن يتوبوا فإن الله يقبل التوبة عن عباده.

إذن فالتوبة الأولى من الله تشريع.

والتوبة الثانية من الله قبول، والوسط بينهما هي توبة الإنسان.

ويذيل الحق الآية: {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 92] فسبحانه يشرع التشريع الذي يجعل النفوس تحيا في مُناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي، فلو تصورنا أن إنساناً قد قُتل خطأ وتركنا أهل المقتول بلا ترضية فلن يستفيد المجتمع الإيماني من قتله.

إذن فالعلم من الله بالنفس البشرية جعل من قتل خطاً يُفيد المجتمع الإيماني بتحرير رقبة، فيزيد المجتمع إنساناً حراً يتحرك حركة إيمانية؛ لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة، حتى نضمن أن تكون الحركة في الخير، فنحن لا نحرر رقبة كافرة؛ لأن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة لسيد فشرها محصور، لكن لو أطلقناها لكان شرها عاماً.

وبعد تحرير الرقبة هناك الدية لننثرها على كل مفزع في منفعته فيمن قُتل، ولا نأخذها من أصول القاتل وفروعه، فلا نجمع عليهم مصيبتين القتل الذي قام به أصلهم أو فرعهم؛ لأن ذلك -لاشك- سيصيبهم بالفزع والخوف والاشفاق على مَن جنى منهم.

وأن يشتركوا في تحمل الدية.

وذلك العمل ناشىء عن حكمة.

فإذا كان الذي يضع الأشياء في موضعها هو خالقها، فلن يوجد أفضل من ذلك لتستقيم الأمور.

وفي المجال البشرى نجد أن أي آلة من الآلات -على سبيل المثال- مكونة من خمسين قطعة، وكل قطعة ترتبط بالأخرى بمسامير أو غير ذلك، وما دامت كل قطعة في مكانها فالآلة تسير سيراً حسناً، أما إذا توقفت الآلة فإننا نستدعي المهندس ليضع كل قطعة في مكانها، وكل شيء حين يكون في موضعه فالآلة تمشي باستقامة، وكل حركة في الوجود مبنية على الحكمة لا ينشأ فيها فساد؛ فالفساد إنما ينشأ من حركات تحدث بدون أن تكون على حكمة.

والحكمة مقولة بالتشكيك، فهناك حكيم وهناك أحكم.

وقديماً -على سبيل المثال- كنا نرى الأسلاك الكهربائية دون عوازل فكان يحدث منها "ماس" كهربائي.

وعندما اكتشفنا العوازل استخدمناها وعدلنا من تصنيعنا للأشياء.

وكنا نجد الأسلاك في السيارة -مثلاً- ذات لون وحجم واحد، فكان يحدث الارتباك عند الإصلاح، لكن عندما تمت صناعة كل سلك بلون معين، فسهل هذا عملية الإصلاح.

فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فما بالنا حين يكون مَنْ يضع الشيء في موضعه هو خالقنا؟

لن نجد أفضل ولا أحسن من ذلك.

فإذا ما رأينا خللاً في المجتمع فلنعلم أن هناك شيئاً قد ناقض حكمة الله.

وعندما نبحث عن العطب سوف نجده، تماماً مثلما تبحث عن العطب في أي آلة وتأتي لها بالمهندس الذي يصلحها.

ويجب أن نرده إلى من خلق المجتمع، ونبحث عن علاج الخلل بحكم من أحكام الله.

ولذلك أرشدنا الحق إلى أننا إن اختلفنا في شيء فلنرده إلى الله وإلى الرسول حتى لا نظل في تعب.

وبعد ذلك يتكلم الحق عن القتل العمد، وقد يقول قائل: أما كان يجب أن يحدثنا الله عن القتل العمد أولاً؟

ونقول: الحق لو تكلم عن القتل العمد أولاً لكان ذلك موحياً أنه يحدث أولاً، ولكن الحق يوضح: لا يصح أن تأتي هذه على خيال المؤمن.

ويسأل سائل: لماذا لم يقل الحق: "وما كان لمسلم".

ونقول: يجب أن ننتبه إلى أن الحق نادى المؤمن لأن الإيمان عمل قلبي، ولهذا كان النداء للمؤمنين ولم يكن النداء للمسلمين؛ لأن الإسلام أمر ظاهري، فقد يقتل إنسان يتظاهر بالإسلام إنساناً مؤمناً.

لهذا نادى الحق بالنداء الذي يشمل المظهر والجوهر وهو الإيمان.

وحين يشرع الحق فلا بد أن يأتي بالجزاء والعقاب للذي يقتل عمداً.

وهو يقول: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً...}.



سورة النساء الآيات من 091-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 091-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 091-100   سورة النساء الآيات من 091-100 Emptyالأحد 05 مايو 2019, 5:56 am

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [٩٣]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والقتل هنا لمؤمن بعمد، فالأمر إذن مختلف عن القتل الخطأ الذي لا يدري به القاتل إلا بعد أن يقع.

وجزاء القاتل عمداً لمؤمن هو جهنم، وليس له كفارة أبداً.

هكذا يبشع الحق لنا جريمة القتل العمد.

لأن التعمد يعني أن القاتل قد عاش في فكرة أن يقتل، ولذلك يقال في القانون "قتل عمد مع سبق الإصرار".

أي أن القاتل قد عاش القتل في تخيله ثم فعله، وكان المفروض في الفترة التي يرتب فيها القتل أن يراجعه وازعه الديني، وهذا يعني أن الله قد غاب عن باله مدة التحضير للجريمة، وما دام قد عاش ذلك فهو قد غاب عن الله، فلو جاء الله في باله لتراجع، وما دام الإنسان قد غاب باله عن الله فالله يغيبه عن رحمته.

{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93] وقالوا في سبب هذه الآية: إن واحداً اسمه مِقْيَسْ بن ضبابة كان له أخ اسمه هشام، فوجد أخاه مقتولاً في بني النجار، وهم قوم من الأنصار بالمدينة.

فلما وجد هشاماً قتيلاً ذهب مِقْيَس إلى سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبره بالخبر، فأرسل معه رجلاً من بني فهر وكتب إليهم أن يدفعوا إلى مِقْيَس قاتل أخيه، فقال بنو النجار والله ما نعلم له قاتلاً، ولكننا نؤدي الدِّيَّة فأعطوه مائة من الأبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مِقْيَس على الفِهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة مُرتدّاً.

وجعل ينشد:
قتلت به فِهـــراً وحمـــلت عقله
سراة بني النجار أربـــاب فارع
حللت به وترى وأدركت ثورتي
وكنت إلى الأوثـــــان أول راجع

فلما بلغ سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك أهدر دمه.

ومعنى "أهدر دمه" أباح دمه، أي أن مَنْ يقتله لا عقاب عليه، إلى أن جاء يوم الفتح فَوُجد "مقيس" متعلقاً بأستار الكعبة ليحتمي بها، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93].

وهنا نجد أكثر من مرحلة في العذاب: جزاء جهنم، خُلود في النار، غَضب من الله، لعنة من الله، إعداد من الله لعذاب عظيم.

فكأن جهنم ليست كل العذاب؛ ففيه عذاب وفيه خلود في النار وفيه غضب وفيه لعنة ثم إعداد لعذاب عظيم.

وهذا ما نستعيذ بالله منه.

فبعضنا يتصور أن العذاب هو جهنم فحسب، وقد يغفل بعض عن أن هناك ألواناً متعددة من العذاب.

وفي الحياة نرى إنساناً يتم حبسه فنظن أن الحبس هو كل شيء، ولكن عندما وصل إلى علمنا ما يحدث في الحبس عرفنا أن فيه ما هو أشر من الحبس.

وهنا وقفة وقف العلماء فيها: هل لهذا القاتل توبة؟

واختلف العلماء في ذلك، فعالم يقول: لا توبة لمثل هذا القاتل.

وعالم آخر قال: لا، هناك توبة.

وجاء سيدنا ابن العباس وجلس في جماعة وجاء واحد وسأله: أللقاتل عمداً توبة؟

قال ابن العباس: لا.

وبعد ذلك بمدة جاء واحد وسأل ابن العباس: أللقاتل عمداً توبة؟

فقال ابن العباس: نعم.

فقال جلساؤه: كيف تقول ذلك وقد سبق أن قلت لا، واليوم تقول نعم.

قال ابن العباس: سائلي أولاً كان يريد أن يقتل عمداً، أما سائلي ثانياً فقد قتل بالفعل، فالأول أرهبته والثاني لم أقَنِّطه من رحمة ربه.

وكيف فرق ابن العباس بين الحالتين؟

إنها الفطنة الإيمانية والبصيرة التي يبسطها الله على المفتي.

فساعة يوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحابته يسأله واحد قائلاً: "أي الإسلام خير"؟

فيقول صلوات الله وسلامه عليه: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف"، ويسأله آخر فيجيبه بقوله: "مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده"، وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يجيب كل سائل بما يراه أصلح لحاله أو حال المستمع، ويجيب كل جماعة بما هو أنفع لهم.

ويسأله عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه-: أي الأعمال أفضل؟ فيقول صلوات الله وسلامه عليه: "الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: أن يَسلم الناس من لسانك".

ونعرف أن آية القتل العمد تتطلب المزيد من التفكر حول نصها{فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93] وهل الخلود هو المكث طويلاً أو على طريقة التأبيد؛ بمعنى أن زمن الخلود لا ينتهي؟

ولو أن زمن الخلود لا ينتهي لما وصف الحق المكث في النار مرة بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 88].

ومرة أخرى بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [النساء: 169].

هذا القول يدل على أن لفظ التأبيد في "أَبَداً" فيه ملحظ يزيد على معنى الخلود دون تأبيد.  

وإذا اتحد القولان في أن الخلود على إطلاقه يفيد التأبيد، وأن: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [النساء: 169] تفيد التأبيد أيضاً، فمعنى ذلك أن اللفظ "أبداً" لم يأت بشيء زائد.

والقرآن كلام الله، وكلام الله مُنَزَّهٌ عن العبث أو التكرار.

إذن لابد من وقفة تفيدنا أن الخلود هو المكث طويلاً، وأن الخلود أبداً هو المكث طويلاً طولاً لا ينتهي، وعلى ذلك يكون لنا فهم.

فكل لفظ من القرآن محكم وله معنى.

ثم إن كلمة "خالدين" حين وردت في القرآن فإننا نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في خلود النار: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 105-107].

فكأن الحق سبحانه وتعالى استثنى من الخلود: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} [هود: 107].

والاستثناء لابد له من زمن، فلا نأخذ الخلود بمعنى التأبيد، ولكن الخلود هو زمن طويل، وكذلك يقول في خلود الجنة: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108].

وقوله الحق: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} [هود: 107] تفيد أن الخلود عندهم ينتهي.

ما دام هناك استثناء؛ فالاستثناء لا بد له من زمن، والزمن مستثنى من الخلود وعلى ذلك لا يكون الخلود تأبيدياً.

وعلينا أن نتناول الآيات بهذه الروح، وفي هذه المسألة نجد وقفة لعالم من أعلام العقائد في العصر العباسي هو عمرو بن عبيد، وكان عمرو من العلماء الذين اشتهروا بالمحافظة على كرامة العلم وعزة العلماء لدرجة أن خليفة ذلك الزمان قال عنه وسط بعض المنتسبين إلى العلم: "كلهم طالب صيد إلا عمرو بن عبيد" وقد كانت منزلته العلمية عالية ونفسه ذات عزة إيمانية تعلو على صغائر الحياة.

وكان عمرو بن عبيد دقيق الرأي، ويحكى عنه قيس بن أنس هذه الحكاية: كنت في مجلس عمرو بن عبيد فإذا بعمرو بن عبيد يقول: "يؤتى بي يوم القيامة فيقال لي: لم قلت بأن قاتل العمد لا توبة له.

قال: فقرأت الآية: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93] وكان يجب أن يلتفت عمرو بن عبيد إلى أن الإلهام الذي جاءه أو الرؤيا التي أراها له الله بأنه سوف يؤتى به يوم القيامة ليسأل لماذا أفتى بألا توبة لقاتل العمد، كان يجب أن يلتفت إلى أن ذلك يتضمن أن لقاتل العمد توبة؛ لأن سؤاله عن ذلك يوم القيامة يشير إلى عتاب في ذلك.

نقول ذلك لنعرف أنَّ الحق سبحانه وتعالى جعل فوق كل ذي علم عليماً، ولكنَّ عمراً ذكر ما جاء في قول الحق: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93].

وقال قيس بن أنس: وكنت أصغر الجالسين سناً، فقلت له: لو كنت معك لقلت كما قلت: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93] وقلت أيضاً: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48].

قال قيس: فوالله ما رد عليّ عمرو بن عبيد ما قلت: ومعنى ذلك موافقة عمرو بن عبيد.

ماذا تفيد هذه؟.

تفيد ألا نأخذ كلمة "خالدين فيها" بمعنى التأبيد الذي لا نهاية له؛ لأن الله قد استثنى من الخلود في آية أخرى.

والحق سبحانه وتعالى بعد أن شرح حكم القتل العمد والقتل الخطأ، بحث العلماء ووجدوا أن هناك قتلاً اسمه "شبه العمد" أي أنه لا عمد ولا خطأً، كأن يأتي إنسان إنساناً آخر ويضربه بآلة لا تقتل عادة فيموت مقتولاً، وهنا يكون العمد موجوداً، فالضارب يضرب، ويمسك بآلة ويضرب بها، وصادف أن تقتل الآلة التي لا تقتل غالباً، وقال العلماء: القتل معه لا به، فلا قصاص، ولكن فيه دية.

وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح: بعد ما حدث وحدثتكم عن القتل بكل صوره وألوانه سواء أكان القتل مباحاً كقتل المسلمين الكافرين في الحرب بينهما، أم القتل العمد، أم القتل الخطأ، أم القتل شبه العمد، لذلك ينبهنا: يجب أن تحتاطوا في هذه المسألة احتياطاً لتتبينوا أين تقع سيوفكم من رقاب إخوانكم، فيقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ...}.



سورة النساء الآيات من 091-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 091-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 091-100   سورة النساء الآيات من 091-100 Emptyالأحد 05 مايو 2019, 5:58 am

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [٩٤]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

فيأيها المؤمنون حين تضربون في سبيل الله فتبينوا وتثبتوا فلا تعمل سيوفكم أو رماحكم أو سهامكم إلا بعد أن تتثبتوا: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 94].

إذن فهذه آية تجمع بين كل المعاني، ففيها الحكم وحيثيته والمراد منه، وسبحانه يبدأها بقوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 94]، والخطاب الإيماني حيثية الالتزام بالحكم، فلم يقل: "يا أيها الناس إذا ضربتم فتبينوا"، ولكنه قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94]، فهو يطلب المؤمنين به بحكم لأنهم آمنوا به إلهاً، وما داموا قد آمنوا فعليهم اتباع ما يطلبه الله فحيثية كل حكم من الأحكام أن المؤمن قد آمن بمن أصدر الحكم، فإياك أيها المؤمن أن تقول: "ما العلة" أو "ما الحكمة" وذلك حتى لا تدخل نفسك في متاهة. 

ولا نزال نكرر هذه المسألة، لأن هذه المسألة تطفو في أذهان الناس كثيراً، ويسأل بعضهم عن حكمة كل شيء، ولذلك نقول: الشيء إذا عرفت حكمته صرت إلى الحكمة لا إلى الآمر بالحكم.

ونرى الآن المسرفين على أنفسهم الذين لا يؤمنون بإله، أو يؤمنون بالله ولكنهم ارتكبوا الكبائر من شهادة زور، إلى ربا، إلى شرب خمر، وعندما يحلل الأطباء للكشف عن كبد شارب الخمر -على سبيل المثال- نجده قد تليف، وأن أي جرعة خمر ستسبب الوفاة.

هنا يمتنع عن شرب الخمر.

لماذا امتنع؟.

لأنه عرف الحكمة.

وقد يكون قائلها له مجوسياً، فهل كان امتناعه عن الحكم تنفيذاً لأمر إلهي؟.

لا، ولكن المؤمن يمتنع عن الخمر لأنها حرمت بحكم من الله والمؤمن ينفذ كل الأحكام حتى في الأشياء غير الضارة، فمن الذي قال: إن الله لا يحرم إلا الشيء الضار؟

إنه قد يحرم أمراً تأديباً للإنسان. 

ونضرب هذا المثل -ولله المثل الأعلى- نجد الزوج يقول لزوجه: إياك أن تعطي ابننا بعضاً من الحلوى التي أحضرتها.

هو يحرم على ابنه الحلوى لا لأنها ضارة، ولكنه يريد تأديب الابن والتزامه.

والحق يقول: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160].

فالذي يذهب إلى تنفيذ حكم الله إنما يذهب إليه لأن الله قد قاله، لا لأن حكمة الحكم مفيدة له، فلو ذهب إنسان إلى الحكم من أجل فائدته أو ضرره فإن الإيمان يكون ناقصاً، والله يدير في كثير من الأوقات حكمته في الأحكام حتى يرى الإنسان وجهاً من الوجوه اللا نهائية لحكمة الله التي خفيت عليه، فيقول الإنسان: أنا كنت أقف في حكمة كذا، ثم بينت لي الأحداث والأيام صدق الله فيما قال.

وهذا يشجع الإنسان أن يأخذ أحكام الله وهو مسلِّم بها.

والحق يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 94] والإيمان هو الحيثية، يا من آمنت بي إلهاً قادراً حكيماً.

اسمع مني ما أريده منك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 94] والضرب -كما نعرف- هو انفعال الجارحة على شيء آخر بعنف وقوة.

وقوله:
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [النساء: 101].

معناها أن الحياة كلها حركة وانفعال، ولماذا الضرب في الأرض؟.

لأن الله أودع فيها كل أقوات الخلق، فحين يحبون أن يُخرجوا خيراتها؛ يقومون بحرثها حتى يهيجوها، ويرموا البذور، وبعد ذلك الرّي.

ومن بعد ذلك تخرج الثمار، وهذه هي عملية إثارة الأرض.

إذن كل حركة تحتاج إلى شدة ومكافحة، والحق يقول: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} [المزمل: 20].

وما دامت المسألة ضرباً في الأرض فهي تحتاج إلى عزم من الإنسان وإلى قوة.

ولذلك يقال: الأرض تحب من يهينها بالعزق والحرث.

وكلما اشتدت حركة الإنسان في الأرض أخرجت له خيراً.

والضرب في سبيل الله هو الجهاد، أو لإعداد مقومات الجهاد.

والحق سبحانه يقول لنا: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].

فالإعداد هو أمر يسبق المعارك، وكيف يتم الإعداد؟

أن نقوم بإعداد الأجسام، والأجسام تحتاج إلى مقومات الحياة.

وأن نقوم بإعداد العُدُد.

والعدد تحتاج إلى بحث في عناصر الأرض، وبحث في الصناعات المختلفة لنختار الأفضل منها.

وكل عمليات الإعداد تطلب من الإنسان البحث والصنعة.

ولذلك يُقال في الأثر الصالح: "إن السهم الواحد في سبيل الله يغفر الله به لأربعة".

لماذا؟.

لأن هناك إنساناً قام بقطع الخشب الذي يتم منه صناعة السهم وصقله، وهناك إنسان وضع للسهم الريش حتى يطيره إلى الإمام، وهناك واضع النَّبْل، وهناك من يرمي السهم بالقوس. 

والحق يريد منا أن نكون أقوياء حتى يكون الضرب منا قوياً، فيقول: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94] ونعرف أن الضرب في سبيل الله لا يكون في ساعة الجهاد فقط، ولكن في كل أحوال الحياة؛ لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

و "تبينوا" تعني ألا تأخذوا الأمور بظواهرها فلا تمضوا أمراً أو تعملوا عملاً إلا إذا تثبتم وتأكدتم حتى لا يصيب المؤمنون قوماً بظلم.

ولهذا الأمر قصة، كان هناك رجل اسمه "محلِّم بن جَثّامة"، وكان بينه وبين آخر اسمه "عامر بن الأضبط الأشجعي" إحن -أي شيء من البغضاء- وبعد ذلك كان "محلم" في سرية، وهي بعض من الجند المحدود العدد وصادف "عامراً الأشجعي"، وكان "عامر" قد أسلم، لذلك ألقى السلام إلى "محلّم" فقال "محلم": إن عامراً قد أسلم ليهرب مني.

وقتل محلم عامراً.

وذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسأله الرسول: ولماذا لم تتبين؟.

ألم يلق إليك السلام، فكيف تقول إنه يقول: "السلام عليكم" لينقذ نفسه من القتل؟

فقال: "محلّم": استغفر لي يا رسول الله.

وإذا ما قال أحد لرسول الله: استغفر لي يا رسول الله.

فرسول الله ببصيرته الإيمانية يعرف على الفور حالَ طالبِ الاستغفار، فإن قال رسول الله: "غفر الله لك" فهو يعلم أنه كان معذوراً، وإن لم يقل رسول الله ذلك، فيعرف طالب الاستغفار أنه مُذنب.

ولأن بين "محلم" و "عامر" إحناً وعداوات قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمحلم: "لا غفر الله لك"؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- علم أن الإحَنَ والبغضاء هي التي جعلته لا يدقق في أمر "عامر".

وقال الرواة: ومات محلّم بعد سبعة أيام من هذه الحادثة، ودفنوه فلفظته الأرض.

فجاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكروا ذلك له فقال: "إن الأرض تقبل مَن هِو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة".

وعندما كانت تأتي آية مخالفة لنواميس الدنيا المفهومة للناس فالنبي يريد ألا يفتتن الناس في هذه الآيات، ومثال ذلك عندما مات إبراهيم ابن النبي، انكسفت الشمس، وقال الناس: انكسفت الشمس من أجل ابن رسول الله.

ولكن لأن المسألة مسألة عقائد فقد وضحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في الحديث الشريف: عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله".

لقد قالوا ذلك تكريماً لرسول الله وابنه إبراهيم، ولكن الرسول يريد أن يصحح للناس مفاهيمهم وعقائدهم.

وكذلك عندما لفظت الأرض "محلم" حتى لا يفتتن أحد ولا يقولن أحد.

إن كل مَنْ لا تلفظه الأرض هو حسن العمل، فهناك كفار كثيرون قد دفنوا ولم يلفظوا.

لذلك قال رسول الله: إن الأرض قبلت من هو شر من "محلم" ولكن الله أراد أن يعظ الناس حتى لا يعودوا لمثلها، ولو لم يقل ذلك، فماذا كان يحدث؟.

قد تحدث هِزة قليلة في جزئية ولظن الناس وقالوا: إن كل من لم تلفظه الأرض فهو حسن العمل، ولكان أبو جهل في حال لا بأس به، وكذلك الوليد بن المغيرة.

لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضع مثل هذه الأمور في وضعها الصحيح؛ لذلك قال: إن الأرض تقبل مَنْ هو شر من "محلم"، ولكن الله أراد أن يعظ القوم ألاّ يعودوا.

{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} [النساء: 94].

وعلى ذكر ذلك قال لي أخ كريم: كنت أسمع إحدى الإذاعات وأخطأوا وقالوا (فتثبتوا) بدل من{فَتَبَيَّنُوۤاْ} في قوله الحق: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} [الحجرات: 6].

وأقول: هذه قراءة من القراءات، والمعاني دائماً ملتقية، فـ "تبين" معناها "طلب البيان ليَثبت".

ونعرف أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف، وكتابة القرآن كانت بغير نقط وبغير شكل، وهذا حال غير حالنا؛ حيث نجد الحروف قد تم تشكيلها بالفتحة والضمة والكسرة.

ونحن نعرف أن هناك حروفاً مشتبهة الصورة.

فـ "الباء" تتشابه مع كل من "الياء"، والـ "نون" والـ "تاء" والـ "ثاء"، ولم تكن هذه النقط موجودة، ولم تكن هذه العلامات موجودة قبل الحجاج الثقفي، وكانوا يقرأون من ملكة العربية ومن تلقين واتباع للوحي، ولذلك: "فتبينوا" ممن تتكون؟

تتكون من: "الـ "فاء" ولم يحدث فيها خلاف، والـ "تاء" وبقية الحروف هي الـ "باء" والـ "ياء" والـ "نون".

وكل واحدة من هذه الأحرف تصلح أن تجعلها "تثبتوا" بوضع النقاط أو تجعلها "تبينوا"، إنه خلاف في النقط.

ولو حذفنا النقط لقرآناها على أكثر من صورة، والذي نتبعه في ذلك هو ما ورد عن الوحي الذي نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولذلك عندما جاءوا بشخص لم يكن يحفظ القرآن وأحضروا له مصحفاً ليقرأ ما فيه فقال: (صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة).

ولم يحدث خلاف في الـ "صاد" ولكن حدث خلاف في الـ "باء" فهي صالحة لتكون باءً أو نوناً، وكذلك "الغين" يمكن أن تكون "عيْناً" وقراءة هذه الآية في قراءة "حفص".

{صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138].

وعندما قرأها الإنسان الذي لا يجيد حفظ القرآن قال: (صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة). 

والمعنى واحد.

ولكن قراءة القرآن توقيفية، واتباع للوحي الذي نزل به جبريل -عليه السلام- من عند الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا يصح لأحد أن يقرأ القرآن حسب ما يراه وإن كانت صورة الكلمة تقبل ذلك وتتسع له ولا تمنعه.

ولذا قالوا: إن للقراءة الصحيحة أركانا هي:
1 - أن تكون موافقة لوجه من وجوه اللغة العربية.
2 - أن تكون موافقة لرسم أحد المصاحف العثمانية.
3 - أن يصح إسنادها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطريق يقيني متواتر لا يحتمل الشك.

وهذه الضوابط نظمها صاحب طيبة النشر فقال:
وكل ما وفق وجه نحو
وكان للرسم احتمالاً
يحوي وصح إسناداً
هو القرآن فهذه
الثلاثة الأركان

وقوله تعالى: {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ} [الأعراف: 156].

هذه هي قراءة "حفص" وقرأ الحسن: (قال عذابي أصيب به من أساء).

صحيح أن كلمة "أساء" وهي من الإساءة فيها ملحظ آخر للمعنى، لكن القراءة الأخرى لم تبعد بالمعنى، وعلى ذلك فكلمة{فَتَبَيَّنُوۤاْ} تُقْرَأُ مرة "فتثبتوا" ومرة تقرأ{فَتَبَيَّنُوۤاْ}، سواء في هذه الآية التي نحن بصددها، أو في الآية التي يقول فيها الحق: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} [الحجرات: 6].

و "التبين" القصد منه التثبت، والتبين يقتضي الذكاء والفطنة فيرى ملامح إيمان من ألقى إليه بالسلام: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} [النساء: 94].

فالمسلم يجب أن يفطن كيلا يأخذ إنساناً بالشبهات، ولذلك نجد النبي يحزم الأمر مع أسامة بن زيد الذي قتل واحداً بعد أن أعلن هذا الواحد إسلامه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فكيف بلا إله إلا الله، هل شققت عن قلبه؟".

ويقول أسامة للرسول: لقد قال الشهادة ليحمي نفسه من الموت.

وتكون الإجابة: هل شققت قلبه فعرفت، فكيف بلا إله إلا الله؟!

فلقول: "لا إله إلا الله" حرمة.

وقد روي أن الذي نزلت فيه هذه الآية هو محلم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} [النساء: 94] وقال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} [النساء: 94].

وأهل العلم بالله يقولون: نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن واحد بغير حق.

وجاء في بعض الروايات الأخرى أنه المقداد، وذلك فيما رواه البزار بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟ الله لأذكرن ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا يا رسول الله: إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال: ادعوا لي المقداد، يا مقداد أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟

قال: فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 94].  

{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [النساء: 94] و{أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} [النساء: 94] يعني جاءكم مستسلماً، أو قال تحية المسلمين، وليس من حق أحد أن يلقي الاتهام بعدم الإيمان على مَنْ جاء مسلماً، أو يقول بتحية الإسلام.

وكلمة "عرض" إذا ما سمعناها، فلنعلم أنها في المعنى اللغوي: كل ما يعرض ويزول وليس له دوام أو استقرار أو ثبات.

ونحن البشر أعراض؛ لأنه ليس لنا دوام أبداً، ويقال: إن الإنسان عرض إذا ما قاس الواحد منا نفسه بالنسبة للكون؛ لأن الكون لا يتم بناؤه على الإنسان؛ فالكون كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول.

والعرض بالنسبة للإنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحاً أو سقيماً، هنا تكون الصحة عرضاً وكذلك المرض، وكذلك السمنة والنحافة، ولون البشرة إذا ما لوحته الشمس قد يتغير من أبيض إلى أسمر، وكذلك الغنى والفقر.

وكل شيء يمكن أن يذهب في الإنسان ويجيء هو عرض بالنسبة للإنسان، ويكون الإنسان جوهراً بالنسبة له.

فإذا قسنا الإنسان بالنسبة إلى ثابت عنه، فالإنسان عرض، فهذا أمر نسبي، وإلاّ فكل شيء عرض، وكل شيء زائل {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} [الرحمن: 27].  

{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [النساء: 94] وعرض الحياة الدنيا هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه الذي يلقى السلام، وقد يكون عرض الحياة الدنيا -هنا- هو كبرياء نفس الإنسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء.

وعندما نجد كلمة "عرض" وهذا العرض في "الحياة الدنيا" نفهم -إذن- أنه عرض فيما لا قيمة له.

ولذلك نجد الشاعر يُعَبِّرُ عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شيء كان عنده، وينسى الإنسان أنه هو شخصياً مُعَرَّضٌ للموت، أي للذهاب عن الدنيا.

فيقول:
نفسي التي تملك الأشيـاء ذاهبة
فكيف آسى على شيء لها ذهبا

وكذلك عرض الحياة الدنيا.

ونفهم كلمة "دنيا" على أساس الاشتقاق، فهي من "الدنو" ومقابله " العلو" ومقابل "الدنيا" هو "العليا".

ومن يُقَوِّم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة؛ لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقي إليه بالسلام؛ لأنه يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها.

والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها، ولا يأخذها من إنسان مثله، فالحياة الدنيا لا تنفعه؛ بدليل أنه معرض للقتل.

{تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94] والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها، ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها، مثال ذلك: أنْ الإنسان يكون سعيداً إذا ما ملك غداءه، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء، ويكون أكثر سعادة واطمئناناً عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيته شهراً أو عاماً، ويكون أكثر إشراقاً عندما يمتلك أرضاً يأخذ منها الرزق، ويمتلكها أولاده من بعده.

إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه، ويحب امتداد حياته في غيره، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد؛ فهو يعرف أنه ميت لا محالة، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه، وإن جاء لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر؛ لأن ذكره يوجد في جيلين.

ونقول لمثل هذا الإنسان: لنفرض أنك ستحيا ألف جيل، لكن ماذا عن حالتك في الآخرة، أَلاَ تُنَشِّئ ولدك على الصلاح حتى يدعو لك؟

ولذلك يفاجئ الحق النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم، ويكشفها أمام صاحبها، فيأتي بالحكم الذي يُظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم.

وعندما أراد سبحانه أن يُحرم دخول المشركين البيت الحرام، وسبحانه يعلم خفايا النفوس؛ لأن المشركين حين يدخلون البيت الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون مكة من أجل موسم اقتصادي يبيعون فيه البضائع التي يعيشون من ريعها وربحها طوال العام.

وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام، يعلم أن أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة، فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} [التوبة: 28].

وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم: وكيف نعيش ونصرف بضائعنا؟

يتابع سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28].

وبذلك يكشف الحق أمام النفوس خواطرها الدفينة؛ فهو العليم بأن الحكم ساعة ينزل ما الذي سيحدث في أذهان سامعيه؛ فهو خالقهم، ولذلك فلا أحد له من بعد ذلك تعليق! وقوله الحق: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [النساء: 94] ينطبق في كل عصر وفي كل  زمان.

ويقول الحق بعد ذلك: {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94].

فسبحانه الرزّاق الوهاب.

ولذلك أنا أحب أن يزين الناس أماكنهم ومساكنهم بلوحات فنية مكتوب عليها: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28].

وكذلك قول الحق: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94].

لعل ذلك يمس قلوب من بيدهم الأمر، فيلتفتوا إلى الله.

وبعد ذلك يقول الحق: {كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 94] وفي هذا دعوة لأن يمر من نزل فيهم القرآن بتاريخهم القريب ويسترجعوا ماضيهم، فلماذا يتهم المسلم أخاه الذي يلقي السلام بأنه ما زال كافراً ولا يفكر أن الذي ألقى إليه السلام هو إنسان يستر إسلامه بين أهله لأنهم كفار؟

وكان المسلم يمر بهذه الحالة عند بداية الإسلام؛ كان المسلم يستر إسلامه عن أهله الذين كانوا كافرين.

وكان المسلمون الأوائل قلة مستذلة تداري إيمانها، فهل سلط الله عليهم أحداً يجترئ على التفتيش على النوايا؟

إذن فمثلما حدث لكم قدروه لإخوانكم.

{كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] والحق يمن عليهم بأنهم صاروا أهل رفعة بكلمة الإسلام، وصار المسلم منهم يمشي عزيز الجانب ولا يجرؤ واحد أن يوجه إليه أي شيء.

ويأتي سبحانه هنا بكلمة "فتبينوا" مرة أخرى بعد أن قالها في صدر الآية.

وكان مقصوداً بها ألا يقتل مسلم إنساناً ألقى السلام لمجرد أن المسلم يفكر في المسألة الاقتصادية، وها هوذا يعيد سبحانه كلمة "فتبينوا"، لقد جاءت أولاً كتمهيد للحيثية، وهي قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [النساء: 94] وتأتي هاهنا نتيجة للحيثية{فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 94].

وسبحانه حين يشرع لا يشرع عن خلاء، لكنه خبير بكل ما يصلح النفس الإنسانية، ولا يعتقدن أحد أنه خلقنا ثم هدانا إلى الإيمان ليخذلنا في نظام الحياة، بل خلقنا وأعطانا المنهج لنكون نموذجاً، وليرى الناس جميعاً أن الذي يحيا في رحاب المنهج تدين له الدنيا.

{إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 94].

كأن الحق يقول: إياك أن تستر بلباقتك شيئاً وتخلع عليه أمراً غير حقيقي؛ لأن الذي تطلب جزاءه هو الرقيب عليك والحسب، ويعلم المسألة من أولها إلى آخرها.

فالذي قتل إنساناً ألقى إليه السلام، لم يقتله لأنه لم يُسلم، ولكن لأن بينهما إحناً وبغضاء، وعليه أن يعرف أن الله عليم بما في النفوس.

ويريد الحق أن يتثبت المؤمن من نفسه حين يوجهها إلى قتل أحد يشك في إسلامه أو في إيمانه، وحسبه من التيقن أن يبدأه صاحبه بالسلام، ويُذَكّر الحق سبحانه المؤمنين بأنهم كانوا قبل ذلك يستخفون من الناس بالإيمان وكانوا مستترين.

فإذا كنتم أيها المؤمنون قد حدث لكم ذلك فاحترموا من غيركم أن يحصل منه ذلك، وثقوا تمام الثقة أن الله عليم خبير، لا يجوز عليه -سبحانه- ولا يخفي عليه أن يدس أحدكم الإحن النفسية ليُبرر قتل إنسان مسلم كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة.

وبعد أن تكلم الحق عن قتال المؤمنين للكافرين، وبعد أن تكلم عن تحريم قتل المؤمن للمؤمن حتى لا يفقد المؤمنون خلية الإيمان، بل تكون حياة كل مؤمن خيراً للحركة الإيمانية في الأرض، لذلك علينا أن نحافظ على حياة كل فرد مؤمن لأنه سيساعدنا في اتساع الحركة الإيمانية، فإن حدث أن قتل مؤمن مؤمناً خطأ، فقد بين سبحانه وتعالى الحكم في الآية رقم 92 من سورة النساء.

وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين الفارق بين مَنْ قعد عن الجهاد في سبيل الله ومن جاهد فقال سبحانه: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...}.



سورة النساء الآيات من 091-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 091-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 091-100   سورة النساء الآيات من 091-100 Emptyالأحد 05 مايو 2019, 6:00 am

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [٩٥]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ولهذه الآية قصة، واقتناص الخواطر من هذه القصة يتطلب يقظة تعلمنا كيف يخاطب الحق خلقه.

فقد حدثنا سيدنا زيد بن ثابت وهو المأمون على كتابه وحي رسول الله، وهو المأمون على جمع كتاب الله من اللخاف ومن العظام ومن صدور الصحابة، حدثنا فقال: -كنت إلى جنب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فغشيته السكينة -وهذه كانت دائماً تسبق نزول الوحي على رسول الله- فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن تَرُضَّها.

أي أن فخذ رسول الله كانت ثقيلة.

والوحي ساعة كان يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ربّما كان يصنع في كيماوية رسول الله تأثيراً مادياً بحيث إذا كان على دابَّةٍ عرف الناس أنه يوحى إليه؛ لأن الدَّابة كانت تئط تحته فإذا كانت فخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فخذ زيد بن ثابت، فلابد أن يشعر سيدنا زيد بثقل فخذ رسول الله وقد جاءه الوحي.

قال زيد: خشيت أن ترضّ فخذه فخذي - أي تصيبها بالدّق الشديد أو الكسر.

فلما سُري عنه قال اكتب: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون"، فقال سيدنا ابن أم مكتوم، وكان -كما نعلم- ضريراً مكفوف البصر قال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين يا رسول الله؟

إنها اليقظة الإيمانية من ابن أم مكتوم، لأنه فهم موقفه من هذا القول، ومن أنه لا يستطيع الجهاد، وعلم أنه إن كانت الآية ستظل على هذا فلن يكون مستوياً مع مَنْ جاهد، ولهذا قال قولته اليقظة: فكيف بمن لا يستطيع ذلك يا رسول الله؟

فأخذت رسول الله السكينة ثانيةً، ثم سرى عنه، فقال لزيد بن ثابت: اكتب: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله".

فكأنها نزلت جواباً مطمئناً لمن لا يستطيع القتال مثل ابن أم مكتوم.

ولقائل أن يقول: وهل كانت الآية تنتظر أن يستدرك ابن أم مكتوم ليقول هذا؟.

ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن ينبه كل مؤمن أنه حين يتلقى كلمة من الله أن يتدبر ويتبيّن موقعه من هذه الكلمة؛ فإذا كان ذلك حال سيدنا ابن أم مكتوم فيما سمع رسول الله عن ربه فهو يعلمنا كيف نستحضر دورنا من أية قضية نسمعها.

وحينما سمع ابن أم مكتوم الآية رأي موقفه من هذه الآية، وهذا ما يريده الحق من خلقه.

وقال زيد بن ثابت: فكتبتها.

إنها الدقة في أداء زيد بن ثابت لتدلنا على صدق الرواية، فحين يكتب أولاً "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" ألا تلتصق كلمة "والمجاهدون" بكلمة "المؤمنين" فإذا زاد الحق سبحانه وتعالى "غير أولي الضرر" فأين تكتب؟

كأن زيد بن ثابت كان عليه أن يقوم بتصغير الكتابة ليكتب "غير أولي الضرر" بين كلمة "من المؤمنين" وكلمة "والمجاهدون".

قال سيدنا زيد بن ثابت: لقد نزلت "غير أولي الضرر" وحدها وكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف -فقد كانوا يكتبون على أكتاف العظم- والكتف التي كتب عليها سيدنا زيد بن ثابت كانت مشروخة وكانت هذه علامة بها.

ويريد الحق بذلك أن ينبه المؤمنين إلى أنهم حين يتلقون كتاب الله يجب أن يتلقوه بيقظة إيمانية بحيث لا تسمع آذانهم إلا ما يمر على عقولهم أولاً ليفهم كل مؤمن موقفه منها، وتمر الآية على قلوبهم ثانية لتستقر في ذاتهم عقيدة.

كذلك كانت قصة زيد بن ثابت وابن أم مكتوم والوحي في هذه الآية: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ} [النساء: 95].

وهناك حالات يأتي الفعل فلا يصلح له فاعل واحد بل لا بد له من اثنين، مثال ذلك عندما نقول: تشارك زيد وعمرو.

وعندما نصف لاعبي الكرة، نجد من يتلقف الكرة واحداً بعد الآخر، فنقول: تلقف اللاعبون الكرة رجلاً بعد رجل.

وعندما يقول الحق: {لاَّ يَسْتَوِي} [النساء: 95] فهذا يدل على أن هناك شيئين لا يتساويان، فأيهما غير المساوي للآخر؟.

كلاهما لا يتساوى مع الآخر، ولذلك يكون الاثنان في الإعراب "فاعلاً"، فلا يساوي المجاهدون القاعدين ولا يساوي القاعدون المجاهدين؛ لأن كلا منهما فاعل ومفعول.

وعندما يقول الحق: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] فما هو مقابل "القاعدين" في الآية الكريمة؟

إنه "المجاهدون"، لكن المقابل في الحياة العادية للـ "القاعدين" هو "القائمون"، ومقابل "المجاهدين" هو "غير المجاهدين".

وبذلك كان من الممكن القول.

لا يستوي القاعدون والقائمون، أو أن يقال: لا يستوي المجاهدون وغير المجاهدين.

فما الحكمة في مجيء القاعدين والمجاهدين؟

إن الحق يريد أن يبين أنه في بداية الإسلام كان كل مؤمن حين يدخل الإسلام يعتبر نفسه جندياً في حالة تأهب، وكانوا دائماً على درجة استعداد قصوى ليلبوا النداء فوراً؛ فالمسلم لم يكن في حالة استرخاء، بل في تأهب وكأنه واقف دائماً ليلبي النداء، وكأن القاعد هو الذي ليس من صفوف المؤمنين، ويبين لنا ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً أو فزعه طار إليها يبتغي القتل والموت مَظَانَّه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأوْدية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير".

فإن لم يكن المؤمن متأهباً فهو قاعد، والقاعد -كما نعرف- هو ضد القائم.

والحق يقول: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً} [النساء: 103].

من هذا القول نعرف أن المقابل للقيام هو القعود.

وعلينا أن نعرف أن لكل لفظ معنىً محدداً، فبعضنا يتصور أن القعود كالجلوس، ولكن الدقة تقتضي أن نعرف أن القعود يكون عن قيام، وأن الجلوس يكون عن الاضطجاع، فيقال: كان مضطجعاً فجلس، وكان قائماً فقعد.

وعندما يقول الحق هنا: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} [النساء: 95] فالقعود مقابل القيام، فكأن المجاهد حالته القيام دائماً، وهو لا ينتظر إلى أن يقوم، لكنه في انتباه واستعداد.

ويوسع الحديث الشريف الدائرة في مسئوليات المجاهد فيرسم صورة للمقاتل أنه على أتم استعداد وعلى صهوة الفرس وممسك باللجام حتى لا تدهمه أية مفاجأة.

وهل كانت هناك مظنة أن يستوي القاعد والمجاهد؟.

لا، ولكن يريد الله أن يبين قضية إيمانية مستورة، فيظهرها بشكل واضح لكل الأفهام.

ونحن نقول للطالب: "إن مَنْ يستذكر ينجح ومَنْ لا يستذكر يرسب" وهذه مسألة بديهية، لكننا نقولها حتى نجعلها واضحة في بؤرة شعور التلميذ فيلتفت لمسئولياته.

وعندما يقول الحق: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [النساء: 95] هل معنى ذلك أن عقلاً واحداً في زمن رسول الله كان يظن المساواة بين القاعد والمجاهد؟

لا، ولكن الحق يريدها قضية إيمانية في بلاغ إيماني من الله.

وبعد ذلك يلفت الأنظار إلى صفة القاعدين الذين لا يستوون مع المجاهدين فيقول: {غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ} [النساء: 95].

والضرر هو الذي يفسد الشيء مثل المرض، وهذا ما يوضحه قول الحق: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 91-92].

فالضعف ضرر أخرج الإنسان عن مقومات الصحة والعافية، والمرض ضرر، والذين لا يجدون مالاً ينفقون منه، ولا الذين يجيئون لرسول الله فلا يكون بحوزة الرسول دواب تحملهم، فينصرفون وأعينهم تفيض من الدمع حزناً لأنهم لا يجدون ما ينفقون.

وكان المؤمن من هؤلاء يحزن لأن رسول الله لم يجد له فرساً أو دابة تنقله إلى موقع القتال: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92].

لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع.

وكلمة {تَوَلَّوْا} هنا لها معنى كبير، فلم يقل الحق: إن أعينهم تفيض من الدمع من غير التولي، وهم لا يدمعون أمام النبي، ولكنهم يدمعون في حالة توليهم، وهذا انفعال نفسي من فرط التأثر؛ لأنهم لا يشتركون في القتال.

وكلمة "تفيض" تدل على أن الدمع قد غلب على العين كلها، فهم لا يصطنعون ذلك، لكن الانفعال يغمرهم؛ لأن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهداً للمُراءاة، ولكن انفعال المؤمنين الذين لا يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم من الدمع.

وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالات التي لا يطالب فيها المؤمن بالقتال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [الفتح: 17].

هؤلاء -إذن- هم أولو الضرر.

{لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95] وما داموا لا يستوون فمَنْ الذي فيهم يكون هو الأفضل؟.

ذلك ما توضحه بقية الآية التي تحمل المقولة الإيمانية الواضحة: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} [النساء: 95].

وسبحانه وعد الاثنين بالحسنى الإيمانية؛ لأن كُلاًّ منهما مؤمن، ولكن للمجاهد درجة على القاعد.

وإن تساءل أحد: ولماذا وعد الله القاعد من أولى الضرر بالحسنى؟

وهنا أقول: علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم والتدبير عندما نقرأ القرآن؛ لأن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر، فصبر لحكم الله في نفسه، ألا يأخذ ثواباً على هذه؟.

لقد أخذ الثواب ولابد -إذن- أن يعطي الحق من لم يأخذ ثواباً مثله فرصة ليأخذ ثواباً آخر حتى يكون الجميع في الاستطراق الإيماني سواء.

لذلك يقول سبحانه: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} [النساء: 95].

والحسنى في أولي الضرر أنه أخذ جزاء الصبر على المصيبة التي أصابته، والذي لم يصب بضرر سيأخذ ثواب الجهاد، وبذلك يكون الجميع قد نالوا الحسنى من الله.

{وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 95].

وسبحانه يضع أجراً جديداً للقائم مجاهداً على القاعد، ففي صدر الآية جاء بـ "درجة" أعلى للقائم مجاهداً، وهنا "أجر عظيم".

ما تفسير هذا الأجر العظيم؟.

التفسير يجيء في قوله: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً...}.



سورة النساء الآيات من 091-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 091-100 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 091-100   سورة النساء الآيات من 091-100 Emptyالأربعاء 08 مايو 2019, 5:44 am

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [٩٦]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

فسبحانه قد أعطى لأولي الضرر درجة، وفضّل المجاهد في سبيل الله على القاعد من غير أولي الضرر درجات عدة.      

وساعة نسمع كلمة "درجة" فهي المنزلة، والمنزلة لا تكفي فقط للإيضاح الشامل للمعنى، ولكن هي المنزلة الارتقائية.      

أما إن كان التغير إلى منازل أخرى أقل وأدنى، فنحن نقول: "دركات" ولا نقول: "درجات".

ولكن هل الدرجات هي لكل المجاهدين؟.      

لا؛ لأننا لابد أن نلحظ الفرق بين الخروج من الوطن وترك الأهل للجهاد؛ وعملية الجهاد في ذاتها؛ فعملية الجهاد في ذاتها تحتاج إلى همة إيمانية، ولذلك جاء الحق بنص في سورة التوبة: { مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[التوبة: 120-121].

هنا يوضح الحق أنه لا يصح لأهل المدينة والأعراب الذين حولهم أن يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله، ولا يرضوا لأنفسهم بالسعة والدعة والراحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشدة والمشقة، فكما ذهب إلى القتال يجب أن يذهبوا؛ لأن الثواب كبير، فلا يصيبهم تعب إلا ولهم عليه أجر العمل الصالح، ولا يعانون من جوع إلا ولهم أجر العمل الصالح، ولا يسيرون في مكان يغيط الكفار إلا ولهم أجر العمل الصالح.      

ولا ينالون من عدو نَيلا إلا ويكتبه الله لهم عملاً صالحاً، فسبحانه يجزي بأحسن ما كانوا يعملون.     

وقام العلماء بحصر تلك العطاءات الربانية بسبع درجات، فواحد ينال الدرجات جميعاً.      

وآخر أصابه ظمأ فقط فنال درجة الظمأ، وآخر أصابه نصب فأخذ درجة النصب أي التعب، وثالث أصابته مخمصة، ورابع جمع ثلاث درجات، وخامس جمع كل الدرجات.      

وعندما نقوم بحساب هذه الدرجات نجدها: الإصابة بالظمأ، النَّصَب -أي التعب- الجوع، ولا يطأون موطئاً يغيط الكفار أي لا ينزلون في مكان يتمكن فيه المسلمون منهم ويبسطون سلطانهم عليهم، والمقصود الحصن الحصين عند الكافر، النَّيْل: التنكيل بالعدو، النفقة الصغيرة أو الكبيرة، وقطع أي واد في سبيل الله، وهذه هي الدرجات السبع التي يجزي الله عنها بأحسن مما عمل أصحابها، كما فسرها العلماء، فمن نال الدرجات السبع فقد نال منزلة عظيمة، وكل مجاهد على حسب ما بذل من جهد.      

فمن المجاهدين مَنْ ينال درجة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو ست أو سبع درجات.      

وعندما نقرأ الآيتين معاً: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 95-96].نجد أن الله يُرغّب المؤمنين في أن يكونوا مجاهدين، وأن يبذلوا الجهد لتكون كلمة الله هي العليا.      

فإذا ما آمن الإنسان فليس له أن يتخلف عن الصف الإيماني؛ لأنه ما دام قد تقع نفسه بالإيمان فلمَ لا ينضم إلى ركب من ينفع سواه بالإيمان؟.      

ويريد الله أن يعبئ كل مَنْ مسّ الإيمان قلبه، وحتى ولو كان موجوداً في مكان يسيطر عليه الكفار، فيدعوه لأن يتخلص من التفاف الكفار حوله وليخرج منضماً إلى إخوانه المؤمنين.      

وليشيع الإيمان لسواه ويعبر عملياً عن حبه للناس مما أحبه لنفسه.      

ولكن هناك من قالوا: نحن ضعاف غير قادرين على الهجرة أو القتال في سبيل الله.      

فيأتي القرآن بقطع العذر لأي إنسان يتخلف عن ركب الجهاد في سبيل الله وسبيل نصرة دين الله فيقول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ...}.





إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [٩٧]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)


هؤلاء هم الذين يظلمون أنفسهم بعدم المشاركة في الجهاد وهذا ما يحدث لهم عندما تقبض الملائكة أرواحهم.  


و "التوفي" معناه "القبض"؛ فيقال: "توفيت دَيْني" أي قبضته مستوفياً.      


ويقال: "توفى الله الإنسان" أي قبضه إليه مستوفياً.      


والقَبض له آمر أعلى، وهو الحق.      


ومن بعد ذلك هناك موكل عام هو "عزرائيل" ملك الموت، وهناك معاونون لعزرائيل وهم الملائكة.      


فإذا نسبت الوفاة فهي تنسب مرة لله، فالله يتوفى: لأنه الآمر الأعلى، وتنسب الوفاة للملائكة في قوله: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [الأنعام: 61].


وتنسب الوفاة إلى عزرائيل.


{ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } [السجدة: 11].


وإذا ما أطلق الحق هذه الأساليب الثلاثة في وصف عملية الوفاة فهل هذا اختلاف وتناقض وتضارب في أساليب القرآن؟


لا، بل هو إيضاح لمراحل الولاية التي صنعها الله، فهو الآمر الأعلى يصدر الأمر إلى عزرائيل، وعزرائيل يطلق الأمر لجنوده.      


وفي حياتنا ما يشرح لنا هذا المثل -ولله المثل الأعلى- فالتلميذ قد يذهب إلى المدرسة بعد امتحان آخر العام ويعود إلى بيته قائلاً: لقد وجدت نفسي راسباً، والسبب في ذلك هم المدرسون الذين قصدوا عدم إنجاحي.      


ويرد عليه والده: المدرسون لم يفعلوا ذلك، ولكن اللوائح التي وضعتها الوزارة لتصحيح الامتحانات هي التي جعلتك راسباً.      


فيرد التلميذ: لقد جعلني الناظر راسباً.      


وهذا قول صحيح؛ لأن الناظر يطبق القوانين التي يحكم بمقتضاها على الطالب أن يكون ناجحاً أو راسباً.      


وقد يقول التلميذ: إن وزير التربية والتعليم هو من جعلني راسباً.      


وهذا أيضاً صحيح؛ لأن الوزير يرسم مع معاونية الخطوط الأساسية التي يتم حساب درجات كل تلميذ عليها، فإذا قال التلميذ: لقد جعلتني الدولة راسباً، فهو قول صحيح؛ لأنه فهم تسلسل التقنين إلى مراحل العلو المختلفة، وأي حلقة من هذه الحلقات تصلح أن تكون فاعلاً.      


ومن هنا نفهم أن الحق سبحانه حين يقول: { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا } [الزمر: 42].


فهذا قول صحيح، مثل قوله سبحانه: { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } [السجدة: 11].


ومثل قوله سبحانه: { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [الأنعام: 61].


كل هذه الأقوال صحيحة؛ لأنها تتعلق بمدارج الأمر.      


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ } [النساء: 97] والظلم هو أن تأتي لغير ذي الحق وتعطيه ما تأخذ من ذي الحق، والظلم يقتضي ظالماً ومظلوماً وأمرا وقع الظلم فيه.      


فكيف يكون الإنسان ظالماً لنفسه وتتوفاه الملائكة على ذلك؟.      


لابد أنهم فعلوا ما يستحق ذلك.      


فساعة تأتي للإنسان الشخصية المعنوية الإيمانية بعد أن آمن بالله وآمن بالمنهج، ثم تحدثه نفسه بالمخالفة، هنا يواجه صراعاً بين أمرين: مسئولية الشخصية الإيمانية التي تَقَبَّل بها المنهج من الله، ووازع النفس التي تلح عليه بالانحراف.      


ويدور ما هو أشبه بالحوار بين المسئولية الإيمانية ووازع النفس الملح بالانحراف.      


وعندما تتغلب النفس الإيمانية يعرف الإنسان أن نفسه صارت مطمئنة وسعيدة، ويقول لنفسه: إنك إن طاوعت وازع الانحراف تكن قد حققت شهوة عاجلة ستكْوى بها في آخر الأمر، وأنت برفضك للشهوة تكون قد أنصفت نفسك.      


ولو طاوعت شهوتك العاجلة تكون قد ظلمت نفسك.      


ومثل ذلك يحدث في حياتنا العادية: عندما تدلل الأم ابنها بينما يطلب منه والده الاستذكار ويحاول أن يردعه ليقوم بمسئوليته الدراسية، إن هذه الأم تظلم ابنها، وكذلك يعطينا الحق فكرة عن الصراع بين الشخصية الإيمانية والنفس الانحرافية التي تريد الهوى فقط فيقول: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } [المائدة: 27].


هنا يقول هابيل لقابيل: - ولماذا تقتلني؟.      


إنني لست أنا الذي تقبل القربان ولكن الذي تقبله هو الله فما ذنبي؟.      


ويأتي بعد ذلك الحوار: { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } [المائدة: 28].


ولنلتفت إلى هذا القول الحكيم: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } [المائدة: 30].


كأن هناك صراعاً في نفس قابيل بين أمرين "اقتل" و "لا تقتل"، النفس الإيمانية تقول: "لا تقتل" والنفس الشهوانية تقول: "بل عليك أن تقتل".      


وتغلبت النفس الشهوانية عندما طوعت له قتل أخيه، ومهدت له ذلك.      


وبعد أن قتل أخاه، وضاعت شِرَّة الغضب صار من النادمين، ثم بدأت الحيثيات تظهر وتتضح.      


ويبعث الله غراباً يبحث ويحفر في الأرض ليواري جثة غراب آخر.      


هنا قال قابيل: { أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي } [المائدة: 31].


وهكذا نرى أن ظلم النفس هو أن نخالف ما شرع الله للنفس لينفعها نفعاً أبدياً مستوفياً، ولكن النفس قد تندفع وراء حبها للشهوات وتمنيها للنفع العاجل الذي لا خلود له، وعندما يحقق الإنسان هذا النفع العاجل لنفسه فهو يظلم نفسه.      


{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } [النساء: 97] إذن فالملائكة تسأل ظالمي أنفسهم: {فِيمَ كُنتُمْ } [النساء: 97] أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟


والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع أي لماذا ظلمتم أنفسكم؟


ولماذا لم تفعلوا مثلما فعل إخوانكم وهاجرتم وانضممتم لموكب الإيمان وموكب الجهاد؟.      


ولماذا ظللتم في أماكنكم محجوزين ومحاصرين ولا تستطيعون الحركة ولا تستيطعون الفِكاك؟


وتكون إجابة الذين ظلموا أنفسهم: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ } [النساء: 97].


وبالله عندما يحكي لنا الله هذه الصورة التي تحدث يوم القيامة فهل سيكون عندنا وقت للاستفادة منها؟.      


طبعاً لا؛ لأنه لن يكون لنا قدرة الاستدراك لنصحح الخطأ.      


والحق حين يقص علينا هذا المشهد فذلك من لطفه بنا، وتنبيه لكل منا: احذروا أن يأتي موقف ويحدث فيه ما أوضحته لكم ولن يستطيع أحد أن يستدرك الحياة ليصنع العمل الطيب.      


وعلى كل منكم أن يبحث أمر نفسه الآن.      


{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ } [النساء: 97] وكلمة {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ } [النساء: 97] تفيد أن قوماً استضعفوهم، أي أنهم لم يكونوا قادرين على الخروج والهجرة ولا يعرفون السبيل إليها، وخافوا على أموالهم وديارهم، والقوم الذين استضعفوهم قالوا لهم: إن خرجتم لا تأخذوا شيئاً من أموالكم.      


هذه هي بعض مظاهر الاستضعاف.      


وهنا تقول الملائكة ما يفيد أن هذا الكلام لا يليق ولا ينفع، تقول الملائكة: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } [النساء: 97].وكأن هذا تنبيه آخر، وإعلان أن مثل هذا القول ومثل تلك الحجة لا قيمة لها؛ لأن الذي يمسكه مكانه وماله دون الله إنما هو من وضع وربط يقينه بالأسباب.      


أما الذي يضع منهج الله فوق مكانه وولده وكل شيء فهذا هو الذي وثق بالله لأنه هو المسبب وهو مانح ومعطي الأسباب.      


{أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } [النساء: 97] وهذا القول على لسان الملائكة قادم من القانون الأعلى، فقد خلق الحق الخلق جميعاً وأسكنهم في الأرض، وهذه الأرض ليست لأحد دون أحد، فمن يضيق به مكان فليذهب إلى مكان آخر.      


وإذا كان الإنسان من ظلمه وجبروته وعتوه قد صنع تحديداً للمكان، فلا ينتقل إنسان من مكان إلى مكان إلا بعد سلسلة طويلة من التعقيدات التي تحول دون الانتقال من مكان إلى مكان، فذلك مناقضة لقضية الخلافة في الأرض؛ لأن الخلافة لم توزع كل جماعة على أرض ما.      


ولكن الإنسان، كل إنسان خليفة في الأرض كل الأرض، مصداقاً لقول الحق: { وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ } [الرحمن: 10].


فقد جعل الله الأرض متضعة مسخرة مذللة للإنسان، والأرض هي أي أرض، والأنام هم كل الأنام.      


وإن لم ينتبه العالم إلى هذه القضية ويجعلها قضية كونية اجتماعية، سيظل العالم في فساد وشقاء.      


فالذي يجعل الحياة في الأرض فاسدة هو خروج بعض الآراء التي تقول: إن الكثافة السكانية تمنع أن نجد الطعام لسكان بلد ما.      


يقولون ذلك في حين أن أرضاً أخرى تحتاج إلى أيد عاملة، ولذلك نجد أن البشرية أمام وضع مقلوب، فأرض في بلاد تحتاج إلى أناس، وأناس في بلاد يحتاجون إلى الأرض.      


ومن الواجب أن تسيح المسألة فتأخذ الأرض التي بلا رجال ما تحتاجه من الرجال من البلاد التي لا أرض فيها. 


وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون الله أرض بلا رجال ورجال بلا أرض، فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر، ولو كان الأمر كذلك لسعدت البشرية، ومن ينقض هذه القضية فعلية أن يعرف أنه ياخذ الخلافة في الأرض بغير شروطها، فالذي يفسد الأمر في الأرض أن الإنسان الخليفة في الأرض نسي أنه خليفة واعتبر نفسه أصيلاً في الكون.      


وما دام قد اعتبر نفسه أصيلاً في الكون فهذا هو الفساد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 97].


إذن، فإن أقام الإنسان على ضيم ولم يعمل فكره وعقله ولم يطرح قضية الكون أمامه ليرى الأرض التي تسعه فيهاجر فيها فعليه أن يعرف أنه مهدد بسوء المصير؛ لأن الله قد جعل له الكون كله ليكون فيه خليفة، أمّا الذين سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملائكة لهم ساعة الوفاة فهم مَن يقول عنهم الحق في الآية التالية: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ...}.




إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [٩٨]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)


وعلينا أن نعرف أن هناك فرقاً بين "مستضعف دعوى ومستضعف حقيقي"، فهناك مستضعف قد قبل استضعاف غيره له وجعل من نفسه ضعيفاً.      


هذا هو "مستضعف دعوى".      


أما "المستضعف الحقيقي" فهو مِن هؤلاء الذين يحددهم الحق: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98].هؤلاء هم المستضعفون فعلاً حسب طبيعة عجزهم من الرجال والنساء والولدان.      


هل الولد من الولدان يكون مستضعفاً؟


نعم؛ لأن الاستضعاف إما أن يكون طارئاً وإما أن يكون ذاتياً؛ فبعض من الرجال يكون مملوكاً لغيره ولا يقدر على التصرف أو الذهاب، وكذلك النساء؛ فالمرأة لا تستطيع أن تمشي وحدها وتحمي نفسها، بل لا بد أن يوجد معها مَنْ يحميها من زوج أو محرم لها، وكذلك الولدان؛ لأنهم بطيعتهم غير مكلفين وهم بذلك يخرجون عن نطاق التعنيف من الملائكة لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.      


وهذه دقة في الأداء القرآني، فالإنسان مكلف بالخروج عن ظلم غيره له ولو بالاحتيال، والاحتيال هو إعمال الفكر إعمالاً يعطي للإنسان فرصة أكثر مما هو متاح له بالفعل.      


فقد تكون القوة ضعيفة.      


ولكن بالاحتيال قد يوسع الإنسان من فرص القوة.      


ومثال ذلك: الإنسان حين يريد أن يحمل صخرة، قد لا يستطيع ذلك بيديه، لكنه يأتي بقضيب من الحديد ويصنع منه عتلة ويضع تحت العتلة عجلة، ليدحرج الصخرة، هذه هي حيلة من الحيل، وكذلك السَّقالات التي نبني عليها، إنها حيلة.      


والذي قام ببناء الهرم، كيف وضع الحجر الأخير على القمة؟ لقد فعل ذلك بالحيلة، والذي جلس لينحت مسلة من الجرانيت طولها يزيد على العشرة الأمتار، ثم نقلها وأقامها إنّه فعل ذلك بالحيلة.      


فالحيلة هو فكر يعطي الإنسان قدرة فوق قدرته على المقدور عليه، كذلك معرفة السبيل إلى الهجرة.      


وكانت معرفة الطرق إلى الهجرة من مكة إلى المدينة في زمن رسول الله تحتاج إلى خبرة حتى يتجنب الواحد منهم المفازات والمتاهات، وحينما قال الرسول بالهجرة أحضر دليلاً للطريق، وكان دليله كافراً، فلا يتأتى السير في مثل هذه الأرض بلا دليل.      


ولننظر إلى قول الحق سبحانه: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى الله...}.




فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [٩٩]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)


{فَأُوْلَـٰئِكَ } [النساء: 99] إشارة إلى مَنْ جاء ذكرهم في الآية السابقة لهذه الآية: { إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } [النساء: 98].


ومع ذلك فإن الله حين أشار إلى هؤلاء المستضعفين بحق قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } [النساء: 99] .      


وكان مقتضى الكلام أن يقول الحق: "فأولئك عفا الله عنهم"، لكن الحق جاء بـ "عسى" ليحثهم على رجاء أن يعفو الله عنهم، والرجاء من الممكن أن يحدث أَوْ لا يحدث.      


ونعرف أن "عسى" للرجاء، وأنها تستخدم حين يأتي بعدها أمر محبوب نحب أن يقع.      


فقد ترجو شيئاً من غيرك وتقول: عساك أن تفعل كذا.      


وقد يقول الإنسان: عساي أن أفعل كذا، وهناك يكون القائل هو الذي يملك الفعل وهذا أقوى قليلاً، ولكن الإنسان قد تخونه قوته؛ لذلك فعليه أن يقول: عسى الله أن يفعل كذا، وفي هذا اعتماد على مطلق القوة.      


وإذا كان الله هو الذي يقول: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } [النساء: 99]، فهذا إطماع من كريم قادر.      


وبعد أن يذكر لنا القصة التي تحدث لكل مَنْ مات وتوفته الملائكة ظالماً نفسه بأن ظل في أرض ومكث فيها، وكان من الممكن أن يهاجر إلى أرض إيمانية إسلامية سواها؛ ومع ذلك فالذي يضع في نفسه شيئاً يريد أن يحقق به قضية إيمانية فهو معانٌ عليها لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...}.



وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [١٠٠]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)


فالذي يهاجر في سبيل الله سيجد السعة إن كان قد وضع في نفسه العملية الإيمانية.      


وفي البداية كان المسلمون يهاجرون إلى الحبشة؛ لأنهم لم يكونوا آمنين في مكة على دينهم.      


ولذلك قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط الله له كونه واستعرض قضية العدالة في الكون، فلم يقبل النبي إلا أن يذهب المهاجرون إلى الحبشة، ولا بد أن الحق قد أعلمه أن الحبشة في ذلك الزمان هي أرض بلا فتنة.      


وقد يقول قائل: ولماذا لم يختر النبي أن يهاجر المهاجرون الأوائل إلى قبيلة عربية في الجنوب أو في الشمال؟ لقد كانت لقريش السيادة على كل الجزيرة العربية بقبائلها، فكل القبائل تحج عند قريش ولم تكن هناك أي بيئة عربية قادرة على أن تقف أمام هوى قريش.      


ولذلك استعرض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد جميعاً إلى أن أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، والعلة في الذهاب إلى الحبشة أن هناك ملكاً لا يظلم عنده أحد.      


وكان العدل في ذاته وساماً لذلك الملك وسماها المؤمنون دار أمن، وإن لم تكن دار إيمان.      


وأما الهجرة إلى المدينة فقد كانت إلى دار الإيمان.      


وعلينا أن نعرف نحن الذين نعيش في هذا الزمان أنه لا هجرة بعد الفتح، إلا إن كانت هجرة يقصد بها صاحبها المعونة على طاعة الله.      


وهو ما يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر مَنْ هجر ما نهى الله عنه".


وهناك هجرة باقية لنا وهي الحج، أو الهجرة إلى طلب العلم، أو الهجرة لأن هناك مجالاً للطاعة أكثر، فلنفترض أن هناك مكاناً يضيق الحكام فيه على الذهاب إلى المسجد، فيترك أهل الإيمان هذا المكان إلى مكان فيه مجال يأخذ فيه الإنسان حرية أداء الفروض الدينية، كل هذه هجرات إلى الله.      


والنية في هذه الهجرات لا يمكن أن تكون محصورة فقط في طلب سعة العيش.      


ولذلك لا يصح أن يكون الشغل الشاغل للناس ما يشغلهم في هذا الزمان هو سعة العيش.      


وها هو ذا الإمام علي -كرم الله وجهه- يقول: عجبت للقوم يَسْعَوْنَ فيما ضُمِن - بالبناء للمجهول - لهم ويتركون ما طلب منهم.      


فكل سعي الناس إنما هو للرزق والعيش وهو أمر مضمون لهم من خالقهم جل وعلا: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 100].


ولن يجد المهاجر إلا السعة من الله.


والشاعر يقول:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

ولكن أخــلاق الرجال تضيق


وقد يقول الإنسان: إنني أطلب سعة الرزق بالهجرة، ونقول: أنت تبحث عن وظيفة لها شكل العمل وباطنها هو الكسل لأنك في مجال حياتك تجد أعمالاً كثيرة.      


ونجد بعضاً ممن يطلبون سعة الرزق يريد الواحد منهم أن يجلس على مكتب ويقبض مرتباً، بينما يبحث المجتمع عن العامل الفني بصعوبة، كأن الذين يبحثون عن سعة الرزق يريدون هذه السعة مع الكسل، لا مع بذل الجهد. 


{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً } [النساء: 100].وساعة تقرأ كلمة "مراغم" تعرف أنها تفتح المجال أمام المستضعفين الذين يستذلهم الجبارون.      


ومادة "مراغم" هي "الراء والغين والميم" والأصل فيها "الرّغام" أي "التراب".      


ويقال: سوف أفعل كذا وأنف فلان راغم، أي أنف فلان يذهب إلى التراب وسأفعل ما أنا مصمم عليه.      


وما دام هناك إنسان سيفعل شيئاً برغم أنف إنسان آخر، فمعناه أن الثاني كان يريد أن يستذله وأراد أن يرغمه على شيء، لكنه رفض وفعل ما يريد.      


وعندما يرى الإنسان جباراً يشمخ بأنفه ويتكبر، فهو يحاول أن يعانده ويصنع غير ما يريد ويجعل مكانه هذا الأنف في التراب، ويقال في المثل الشعبي: أريد أن أكسر أنف فلان.      


وعندما يهاجر من كان مستضعفاً ويعاني من الذلة في بلده، سيجد أرضاً يعثر فيها على ما يرغم أنف عدوه.   


فيقول العدو: برغم أنن ضيقت عليه راح إلى أحسن مما كنت أتوقع.      


ويرغم الإنسان بهجرته أنف الجبارين.      


وكلمة "مراغم" هي اسم مفعول، وتعني مكاناً إذا ما وصلت إليه ترغم أنف خصمك الذي كان يستضعفك، فهل هناك أفضل من هذا؟


{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً} [النساء: 100] أي أنه سبحانه يعطي المهاجر أشياء تجعل من كان يستضعفه ويستذلّه يشعر بالخزي إلى درجة أن تكون أنفه في الرَّغام.      


والمستضعف في أرضٍ ما يجد من يضيق عليه حركته، لكنه عندما يهاجر في سبيل الله سيجد سعة ورزقاً.      


ويتابع الحق الآية: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 100] ولا أحد يعرف ميعاد الموت.      


فإن هاجر إنسان في سبيل الله فقد لا يصل إلى المراغم؛ لأن الموت قد يأتيه، وهنا يقع أجره على الله.      


فإذا كان سبحانه قد وعد المهاجر في سبيله بالمكان الذي يرغم أنف خصمه وذلك سبب، ومن مات قبل أن يصل إلى ذلك السبب فهو قد ذهب إلى رب السبب، ومن المؤكد أن الذهاب إلى رب السبب أكثر عطاءً.      


وهكذا نجد أن المهاجر رابح حياً أو ميتاً.      


{وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 100] وكلمة "وقع أجره على الله" أي سقط أجره على الله.      


كأن الحق سبحانه وتعالى يقول للعبد: أنت عندما تهاجر إلى أرض الله الواسعة، إن أدركك الموت قبل أن تصل إلى السعة والمراغم، فأنت تذهب إلى رحابي.      


والمراغم سبب من أسبابي وأنا المسبب.      


وحتى نفهم معنى: "وقع أجره على الله" علينا أن نقرأ قوله الحق: { وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم } [النمل: 82] والوقوع هنا هو سقوط، ولكنه ليس كالسقوط الذي نعرفه، بل هو الذهاب إلى الله.      


ولماذا يستخدم الحق هنا "وقع" بمعنى "سقط"؟


هو سبحانه يلفتنا إلى ملحظ هام: حيث يكون الجزاء أحرص على العبد من حرص العبد عليه، فإذا ما أدرك العبد الموت فالجزاء يسعى إليه وهو عند الله، ويعرف الجزاء مَن يذهب إليه معرفة كاملة.      


وهكذا يجب أن نفهم قوله الحق: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 100].


والله غفور رحيم حتى لمن توانى قليلاً، وذلك حتى يلحق بالركب الإيماني ويتدارك ما فاته؛ لأن الله يغفر ما فات إن حاول العبد تداركه.      


والهجرة تقتضي ضرباً في الأرض، وتقتضي الجهاد.      


وبعد أن جعل الله الإسلام أركاناً، جاء فحمل المسلم ما يمكن أن يؤديه من هذه الأركان، فأركان الإسلام هي: الشهادة؛ والصلاة؛ والصوم؛ والزكاة؛ والحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، والمسلم ينطق بالشهادة ويؤدي الصلاة، ولكنه قد لا يملك مالاً؛ لذلك يعفيه الحق من الزكاة.      


وقد يكون صاحب مرض دائم فلا يستطيع الصوم، فيعفيه الله من الصوم.      


وقد لا تكون عنده القدرة على الحج فيعفيه الحق من الحج.      


أما شهادة "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فقد لا يقولها المسلم في العمر إلا مرة واحدة.      


ولم يبق إلا ركن الصلاة وهو لا يسقط عن الإنسان أبداً ما دامت فيه الصلاحية لأدائها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر كله الإسلام وعموده الصلاة).


ولأن الصلاة هي الركن الذي لا يسقط أبداً فقد جمع الله فيها كل الأركان، فعند إقامة الصلاة يشهد المسلم ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وخلال الصلاة يصوم الإنسان عن الطعام والشراب، وإضافة إلى ذلك يصوم ويمتنع عن الكلام أيضاً، وهكذا نجد الصلاة أوسع في الإمساك عن ركن الصيام.      


فالإنسان وهو يقيم الصلاة يحبس نفسه عن أشياء كثيرة قد يفعلها وهو صائم، فالصوم -مثلاً- لا يمنع الإنسان من الحركة إلى أي مكان لكن الصلاة تمنع الإنسان إلا من الوقوف بين يدي الله.      


إذن فالصلاة تأخذ إمساكاً من نوع أوسع من إمساك المؤمن في الصيام.      


والزكاة هي إخراج جزء من المال، والمال يأتي به الإنسان من الحركة والعمل.      


والحركة والعمل تأخذ من الوقت.      


وحين يصلي المسلم فهو يزكي بالأصل، إنه يزكي ببذل الوقت الذي هو وعاء الحركة، إذن ففي الصلاة زكاة واسعة.      


والحج إلى البيت الحرام موجود في الصلاة؛ لأن المسلم يتحرى الاتجاه إلى البيت الحرام كقبلة في كل صلاة، وهكذا.      


ولذلك اختلفت الصلاة عن بقية الأركان.      


فلم تشرع بواسطة الوحي، وإنما شرعت بالمباشرة بين رب محمد ومحمد صلى الله عليه وسلم.      


ولأن هذه هي منزلة الصلاة نجد الحق يحذرنا من أن يشغلنا الضرب في الأرض عنها، بل شرع سبحانه صلاة مخصوصة اسمها "صلاة الحرب وصلاة الخوف" حتى لا يقولن أحد إن الحرب تمنعنا من الصلاة، ففي الحرب يكون من الأولى بالمسلم أن يلتحم بمنهج ربه.      


كذلك في السفر يشرع الحق قصر الصلوات: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ...}.



سورة النساء الآيات من 091-100 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة النساء الآيات من 091-100
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: النساء-
انتقل الى: