منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

فضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابه بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذكرها باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم، تُنْبِئُ عن مِصرْ َوأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والمُلوك الماضية، والآيات البيِّنات، يشهد لها بذلك القرآنُ، وكفى به شهيداً، ومع ذلك رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مِصْرَ وفي عَجَمِهَا خاصَّة وذِكْرِهِ لقرابتهِ ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحَثِّهِ على بِرِّهِمْ ما لم يُرْو عنه في قوم من العَجَمِ غيرهم، وسنذكرُ ذلك إنٍ شاءَ اللهُ في موضعه مع ما خصَّها اللهُ به من الخِصْبِ والفضلِ وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعُلماء والحُكَمَاءِ والخواص والمُلوك والعجائب بما لم يخصص اللهُ به بلداً غيرها، ولا أرضاً سواها... للمزيد اقرأ: فضائل مصر المحروسة

"حسن فتحي: فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء" (23 مارس 1900 - 30 نوفمبر 1989) هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّج من المهندس خانة (كلية الهندسة حاليًا) بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، اشتهر بطرازه المعماري الفريد الذي استمَدَّ مصادرهُ من العِمَارَة الريفية النوبية المبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعثماني، وتُعَدُّ قرية القرنة التي بناها لتقطنها 3200 أسرة جزءاً من تاريخ البناء الشعبي الذي أسَّسَهُ بما يُعرَفُ ب "عمارة الفقراء"...


شاطر
 

 مُوْسَىْ عليه السلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26825
العمر : 67

مُوْسَىْ عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: مُوْسَىْ عليه السلام   مُوْسَىْ عليه السلام Emptyالثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 6:10 am



مُوْسَىْ عليه السلام

نُبْذَةً:


أَرْسَلَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَأَيَّدَهُ بِمُعْجِزَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا هِيَ الْعَصَا الَّتِيْ تَلْقَفُ الثَّعَابِيْنَ، أَمَّا الْأُخْرَى فَكَانَتْ يَدَهُ الَّتِيْ يُدْخِلُهَا فِيْ جَيْبِهِ فَتَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوَءٍ، دَعَا مُوْسَىْ إِلَىَ وَحْدَانِيَّةِ الْلَّهِ فَحَارَبَهُ فِرْعَوْنَ وَجَمَعَ لَهُ الْسَّحَرَةَ لِّيَكِيْدُوْا لَهُ وَلَكِنَّهُ هَزَمَهُمْ بِإِذْنِ الْلَّهِ تَعَالَىْ، ثُمَّ أَمَرَهُ الْلَّهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ مَعَ مَنْ اتَّبَعَهُ، فَطَارَدَهُ فِرْعَوْنُ بِجَيْشٍ عَظِيْمٍ، وَوَقْتُ أَنَّ ظَنَّ أَتْبَاعُهُ أَنَّهُمْ مُدْرَكُوْنَ أَمَرَهُ الْلَّهُ أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِتَكُوْنَ نَجَاتُهُ وَلِيَّكُوُنَ هَلَاكُ فِرْعَوْنَ الَّذِيْ جَعَلَهُ الْلَّهُ عِبْرَةً لِلْآَخَرِيْنَ.

أَرْسَلَ مُوْسَىْ وَهَارُوْنَ عَلَيْهِمَا الْسَّلَامُ لَأَشُدُّ الْشُّعُوْبِ كَرْها لِلْحَقِّ وَابْتِعَادّا عَنْهُ.. لِذَلِكَ كَانَتْ حَيَاتِهِمَا مَلِيِئَةٌ بِالْأَحْدَاثِ وَالْمَوَاقِفِ.

وَلِكَيْ نَسْتَطِيْعُ عُرِضَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِالشَّكْلِ الْصَّحِيْحِ.. تَمَّ تَقْسِيْمُهُا إِلَىَ أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ، كُلِّ جُزْءٍ يَتَنَاوَلُ مَرْحَلَةُ مِنْ مَرَاحِلُ حَيَاةً هَذَيْنِ الْنَّبِيَّيْنِ الْكَرِيْمَيْنِ.

أَجْزَاءِ الْقِصَّةِ:

الْجُزْءُ الْأَوَّلُ:


يَتَنَاوَلُ نَشْأَةً مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ، وَخُرُوْجِهِ مِنَ مِصْرَ إِلَىَ مَدْيَنَ هَارِبَا مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُوْدَهُ، وَلِقَاءَهُ بِرَبِّهِ فِيْ الْوَادِيْ الْمُقَدَّسُ.

الْجُزْءُ الْثَّانِيْ:

يَتَنَاوَلُ عَوَّدَهُ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ لِمِصْرَ دَاعِيا إِلَىَ الْلَّهِ وَحْدَهُ، وَالْصِّرَاعُ بَيْنَ مُوْسَىْ وَفِرْعَوْنَ فِيْ مِصْرَ، وَغَرَقِ فِرْعَوْنُ وَجُنُوْدُهُ.

الْجُزْءُ الْثَّالِثُ:

يَتَنَاوَلُ حَيَاةً مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ مَعَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، وَالْأَحْدَاثَ الّعَظِيّمَّةَ الَّتِيْ حَدَثَتْ أَثْنَاءَ ضَيَاعُهُمْ فِيْ صَحْرَاءِ سِيْنَاءَ.

الْجُزْءِ الْرَّابِعُ:


يَتَنَاوَلُ بَعْضٍ الْقَصَصَ الَّتِيْ حَدَثَتْ لِمُوْسَى وَقَوْمِهِ، لَكِنَّ الْقُرْآَنَ الْكَرِيْمِ لَمْ يُحَدِّدْ لَنَا زَمَانٌ وَمَكَانٌ وُقُوْعِهَا (مَثَلُ قُصَّةً مُوْسَىْ وَالْعَبْدُ الْصَّالِحُ، وَقِصَّةُ قَارُوْنَ).

الْجُزْءُ الْأَوَّلُ

سِيْرَتِهِ:


أَثْنَاءِ حَيَاةِ يُوَسُفَ عَلَيْ الْسَّلَامُ بِمِصْرَ، تَحَوَّلَتْ مِصْرَ إِلَىَ الْتَّوْحِيْدِ. تَوْحِيْدِ الْلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَهِيَ الْرِّسَالَةُ الَّتِيْ كَانَ يَحْمِلُهَا جَمِيْعِ الْرُّسْلِ إِلَىَ أَقْوَاهُمْ. لَكِنْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، عَادَ أَهْلِ مِصْرَ إِلَىَ ضَلَالَهُمْ وَشِرْكِهِمْ. أَمَّا أَبْنَاءُ يَعْقُوْبَ، أَوْ أَبْنَاءِ إِسْرَائِيْلَ، فَقَدْ اخْتَلَطُوا بِالْمُجْتَمَعِ الْمِصْرِيُّ، فَضَلَّ مِنْهُمْ مِّنْ ضَلَّ، وَبَقِيَ عَلَىَ الْتَّوْحِيْدِ مَنْ بَقِيَ. وَتَكَاثُرٌ أَبْنَاءِ إِسْرَائِيْلَ وَتَزَايَدَ عَدَدُهُمْ، وَاشْتَغَلُوا فِيْ الْعَدِيْدِ مِنْ الْحَرْفِ.

ثُمَّ حَكَمَ مِصْرَ مَلِكٌ جَبَّارٌ كَانَ الْمِصْرِيُّوْنَ يَعْبُدُوْنَهُ. وَرَأَى هَذَا الْمَلِكِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ يَتَكَاثَرُوْنَ وَيْزِيدُوْنْ وَيَمْلِكُوْنَ. وَسَمْعِهِمْ يَتَحَدَّثُوْنَ عَنْ نُبَوَّءَةٍ تَقُوْلُ إِنَّ وَاحِدَا مِنْ أَبْنَاءِ إِسْرَائِيْلَ سَيَسْقُطُ فِرْعَوْنَ مِصْرَ عَنْ عَرْشِهِ. فَأَصْدَرَ الفِرْعَوْنْ أَمْرِهِ أَلَا يَلِدْ أَحَدٌ مِنَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ، أَيُّ أَنْ يَقْتُلَ أَيُّ وَلِيَدٍ ذَكَرٍ.

وَبَدَأَ تَطْبِيْقُ الْنِظَامُ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَشَّارُونَ فِرْعَوْنَ لَهُ، إِنَّ الْكِبَارَ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ يَمُوْتُوْنَ بِآِجَالِهِمْ، وَالْصَّغَارُ يُذَبِّحُوْنَ، وَهَذَا سَيَنْتَهِيَ إِلَىَ إِفْنَاءِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ، فسْتَضْعْفَ مِصْرَ لِقِلَّةِ الْأَيْدِيَ الْعَامِلَةِ بِهَا. وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُنَظِّمَ الْعَمَلِيَّةِ بِأَنَّ يُذَبِّحُوْنَ الْذُّكُوْرَ فِيْ عَامِ وَيُتَرُكَونَهُمْ فِيْ الْعَامِ الَّذِيْ يَلِيْهِ.

وَوَجَدَ الفِرْعَوْنْ أَنَّ هَذَا الْحَلَّ أَسْلَمَ. وَحُمِلَتِ أَمْ مُوْسَىْ بِهَارُوْنَ فِيْ الْعَامِ الَّذِيْ لَا يُقْتَلُ فِيْهِ الْغِلْمَانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلَانِيَةً آَمِنَةً. فَلَمَّا جَاءَ الْعَامِ الَّذِيْ يَقْتُلُ فِيْهِ الْغِلْمَانُ وَلَدٌ مُوْسَىْ. حَمْلٍ مِيْلَادُهُ خَوْفا عَظِيْمَا لِأُمِّهِ. خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَتْلِ.

رَاحَتْ تُرْضِعُهُ فِيْ الْسِّرِّ. ثُمَّ جَاءَتْ عَلَيْهَا لَيْلَةً مُبَارَكَةٍ أَوْحَىَ الْلَّهُ إِلَيْهَا فِيْهَا لِلْأُمِّ بِصُنْعِ صُنْدُوْقُ صَغِيْرٍ لِمُوْسَى. ثُمَّ إِرْضَاعُهُ وَوَضَعَهُ فِيْ الصُّنْدُوقِ، وَإِلْقَاءَهُ فِيْ الْنَّهْرِ.

كَانَ قَلْبُ الْأُمِّ، وَهُوَ أَرْحَمُ الْقُلُوْبِ فِيْ الْدُّنْيَا، يَمْتَلِئُ بِالْأَلَمِ وَهِيَ تَرْمِيْ ابْنِهِا فِيْ الْنَّيْلِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تُعَلِّمُ أَنَّ الْلَّهَ أَرْحَمَ بِمُوْسَى مِنْهَا، وَالْلَّهُ هُوَ رَبَّهُ وَرَبُّ الْنَّيْلِ.

لَمْ يَكَدْ الصُّنْدُوقِ يَلْمِسُ مِيَاهٍ الْنَّيْلِ حَتَّىَ أَصْدَرَ الْخَالِقُ أَمَرَهُ إِلَىَ الْأَمْوَاجُ أَنْ تَكُوْنَ هَادِئَةً حَانِيَةً وَهِيَ تَحْمِلُ هَذَا الْرَّضِيِّعِ الَّذِيْ سَيَكُوْنُ نَبِيّا فِيْمَا بَعْدُ، وَمِثْلَمَا أَصْدَرَ الْلَّهُ تَعَالَىْ أَمْرَهُ لِلْنَّارِ أَنْ تَكُوْنَ بَرْدا وَسَلَاما عَلَىَ إِبْرَاهِيْمَ، كَذَلِكَ أَصْدَرَ أَمْرَهُ لِلْنَّيْلِ أَنْ يَحْمِلَ مُوْسَىْ بِهُدُوْءٍ وَرِفْقٍ حَتَّىَ يُسْلِمُهُ إِلَىَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ. وَحُمِلَتِ مِيَاهُ الْنِّيْلِ هَذَا الصُّنْدُوقِ الْعَزِيْزُ إِلَىَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ. وَهُنَاكَ أَسْلَمَهُ الْمَوْجُ لِلْشَّاطِئِ.

رَفَضَ مُوْسَىْ لِلْمَرَاضَعَ:

وَفِيْ ذَلِكَ الْصَّبَاحُ خَرَجَتْ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ تَتَمَشَّى فِيْ حَدِيْقَةِ الْقَصْرِ. وَكَانَتْ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ تَخْتَلِفُ كَثِيْرَا عَنْهُ. فَقَدْ كَانَ هُوَ كَافِرا وَكَانَتْ هِيَ مُؤْمِنَةً. كَانَ هُوَ قَاسِيْا وَكَانَتْ هِيَ رَحِيْمَة.

كَانَ جَبَّارِا وَكَانَتْ رَقِيْقَةٌ وَطَيِّبَةً. وَأَيْضا كَانَتْ حَزِيْنَةٌ، فَلَمْ تَكُنْ تَلِدُ. وَكَانَتْ تَتَمَنَّىْ أَنْ يَكُوْنَ عِنْدَهَا وُلِدَ. وَعِنْدَمَا ذَهَبَتْ الْجَوَارِيَ لِيَمْلأَنَ الْجِرَارِ مِنَ الْنَّهْرِ، وَجَدْنَ الصُّنْدُوقِ، فَحَمَلْنَهُ كَمَا هُوَ إِلَىَ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ.

فَأَمُرْتِهُنَ أَنَّ يُفَتَحَنّهُ فَفَتَحَنّهُ. فَرَأَتْ مُوْسَىْ بِدَاخِلِهِ فَأَحَسَّتْ بِحُبِّهِ فِيْ قَلْبِهَا. فَلَقَدْ أَلْقَىَ الْلَّهُ فِيْ قَلْبِهَا مَحَبَّتِهِ فَحَمَلَتْهُ مِنْ الصُّنْدُوقِ. فَاسْتَيْقَظَ مُوْسَىْ وَبَدَأَ يَبْكِيَ. كَانَ جَائِعا يَحْتَاجُ إِلَىَ رَضْعَةً الْصَّبَاحِ فَبَكَىّ.

فَجَاءَتْ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ إِلَيْهِ، وَهِيَ تَحْمِلُ بَيْنَ بِيَدِهَا طِفْلَا رَضِيْعا. فَسَأَلَ مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الْرَّضِيِّعِ؟ فَحَدَّثُوهُ بِأَمْرِ الصُّنْدُوقِ. فَقَالَ بِقَلْبٍ لَا يَعْرِفُ الْرَّحْمَةِ: لَابُدْ أَنَّهُ أَحَدُ أَطْفَالِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. أَلَيْسَ الْمَفْرُوْضَ أَنْ يَقْتُلَ أَطْفَالِ هَذِهِ الْسَّنَةِ؟

فَذَكّرْتُ آَسِيَا -امْرَأَةً فِرْعَوْنَ- زَوْجَهَا بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَىَ وَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَسْمَحَ لَهَا بِتَرْبِيَتِهِ. سُمِحَ لَهَا بِذَلِكَ.
عَادَ مُوْسَىْ لِلْبُكَاءِ مَنْ الْجُوْعِ. فَأَمَرْتُ بِإِحْضَارِ الْمَرَاضِعَ. فَحَضَرَتْ مُرْضِعَةٍ مِنْ الْقَصْرِ وَأَخَذَتِ مُوْسَىْ لِتُرْضِعَهُ فَرَفَضَ أَنْ يَرْضَعَ مِنْهَا. فَحَضَرَتْ مُرْضِعَةٍ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَعَاشِرَةُ وَمُوَسَى يَبْكِيَ وَلَا يُرِيْدُ أَنْ يَرْضَعَ. فَاحْتَارَتْ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مَاذَا تَفْعَلُ.

لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ هِيَ وَحْدَهَا الْحَزِيِنَةْ الْبَاكِيَةً بِسَبَبِ رَفَعَ مُوْسَىْ لِجَمِيْعِ الْمَرَاضِعَ. فَلَقَدْ كَانَتْ أَمْ مُوْسَىْ هِيَ الْأُخْرَى حَزِيْنَةٌ بَاكِيَةً.

لَمْ تَكَدْ تَرْمِيْ مُوْسَىْ فِيْ الْنَّيْلِ حَتَّىَ أَحَسَّتْ أَنَّهَا تَرْمِيْ قَلْبِهَا فِيْ الْنَّيْلِ. غَابَ الصُّنْدُوقِ فِيْ مِيَاهٍ الْنَّيْلِ وَاخْتَفَتْ أَخْبَارِهِ. وَجَاءَ الْصَّبَاحُ عَلَىَ أُمِّ مُوْسَىْ فَإِذَا قَلْبِهَا فَارِغٌ يَذُوْبُ حُزْنِا عَلَىَ ابْنِهَا، وَكَادَتْ تُذْهِبُ إِلَىَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ لِتَبْلُغَهُمْ نَبَأَ ابْنَهَا وَلْيَكُنْ مَا يَكُوْنُ.

لَوْلَا أَنَّ الْلَّهَ تَعَالَىْ رَبْطِ عَلَىَ قَلْبِهَا وَمَلَأَ بِالْسَّلامِ نَفْسَهَا فَهَدَأَتِ وَاسْتَكَانَتْ وَتَرَكْتُ أَمَرَ ابْنَهَا لِلَّهِ. كُلَّ مَا فِيْ الْأَمْرِ أَنَّهَا قَالَتِ لِأُخْتِهِ: اذْهَبِيْ بِهُدُوْءٍ إِلَىَ الْمَدِيْنَةِ وَحَاوِلِيْ أَنْ تَعْرِفِيْ مَاذَا حَدَثَ لِمُوْسَى. وَذَهَبَتْ أُخْتٌ مُوْسَىْ بِهُدُوْءٍ وَرِفْقٍ إِلَىَ جُوَارِ قَصْرِ فِرْعَوْنَ، فَإِذَا بِهَا تَسْمَعُ الْقِصَّةِ الْكَامِلَةُ.

رَأَتْ مُوْسَىْ مِنْ بَعِيْدٍ وَسَمِعْتُ بُكَاءَهُ، وَرَأْتِهُمْ حَائِرِيْنَ لَا يَعْرِفُوْنَ كَيْفَ يُرْضَعُونَهُ، سُمِعَتْ أَنَّهُ يَرْفُضُ كُلَّ الْمَرَاضِعَ. وَقَالَتِ أُخْتٌ مُوْسَىْ لِحَرَسِ فِرْعَوْنَ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىَ أَهْلِ بَيْتٍ يُرْضَعُونَهُ ويَكْفُلُونَهُ وَيَهْتَمُّوْنَ بِأَمْرِهِ وَيَخْدِمُوْنَهُ؟

فَفَرِحْتُ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ كَثِيْرا لِهَذَا الْأَمْرِ، وَطَلَبَتْ مِنْهَا أَنْ تَحْضُرَ الْمُرْضِعَةٍ. وَعَادَتْ أُخْتٌ مُوْسَىْ وَأُحْضِرَتِ أُمُّهُ. وَأَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ فَرَضَعَ. وَتَهَلَّلَتْ زَوْجَةً فِرْعَوْنَ وَقَالَتْ: "خُذِيْهِ حَتَّىَ تَنْتَهِيَ فَتَرَةُ رَضَّاعَتَهُ وَأَعِيَدَيْهُ إِلَيْنَا بَعْدَهَا، وسَنُعْطِيكِ أَجْرا عَظِيْما عَلَىَ تَرْبِيَتِكَ لَهُ".

وَهَكَذَا رَدُّ الَلّهَ تَعَالَىْ مُوْسَىْ لِأُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَيَهْدَأُ قَلْبِهَا وَلَا تَحْزَنُ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الْلَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ كَلِمَاتِهِ سُبْحَانَهُ تُنَفِّذُ رَغْمَ أَيُّ شَيْءٍ. وَرَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.

نَشْأَةً مُوْسَىْ فِيْ بَيْتِ فِرْعَوْنَ:

أَتَمَّتْ أَمْ مُوْسَىْ رَضَّاعَتَهُ وَأَسْلَمْتُهُ لَبَيْتُ فِرْعَوْنَ. كَانَ مَوْضِعُ حَبَّ الْجَمِيْعُ. كَانَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّهُ. وَهَا هُوَ ذَا فِيْ أَعْظَمِ قُصُوْرُ الْدُّنْيَا يَّتَرَبَّىَ بِحِفْظِ الْلَّهِ وَعِنَايَتُهُ. بَدَأَتْ تَرْبِيَةُ مُوْسَىْ فِيْ بَيْتِ فِرْعَوْنَ.

وَكَانَ هَذَا الْبَيْتِ يَضُمُّ أَعْظَمُ الْمُرَبِّيَنَّ وَالْمُدَرِّسِيْنَ فِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ. كَانَتْ مِصْرُ أَيَّامُهَا أَعْظَمُ دَوْلَةً فِيْ الْأَرْضِ. وَكَانَ فِرْعَوْنُ أَقْوَىْ مُلْكُ فِيْ الْأَرْضِ، وَمِنْ الْطَّبِيْعِيّ أَنْ يَضُمَّ قَصْرِهِ أَعْظَمُ الْمُدَرَّبِينَ وَالْمُثَقَّفِيْنَ وَالْمُرَبِّيَنَّ فِيْ الْأَرْضِ.

وَهَكَذَا شَاءَتْ حِكْمَةِ الْلَّهِ تَعَالَىَ أَنَّ يَّتَرَبَّىَ مُوْسَىْ أَعْظَمُ تَرْبِيَةُ وَأَنْ يَتَعَهَّدُهُ أَعْظَمُ الْمُدَرِّسِيْنَ، وَأَنْ يُتِمَّ هَذَا كُلُّهُ فِيْ بَيْتٍ عَدُوِّهِ الَّذِيْ سَيَصْطَدِمُ بِهِ فِيْمَا بَعْدُ تَنْفِيذَا لِمَشِيْئَةِ الْخَالِقُ.

وَكَبَّرَ مُوْسَىْ فِيْ بَيْتِ فِرْعَوْنَ. كَانَ مُوْسَىْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ ابْنا لِفِرْعَوْنَ، إِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ مِنَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. وَكَانَ يَرَىَ كَيْفَ يَضْطَهِدُ رِجَالٌ فِرْعَوْنَ وَأَتْبَاعِهِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ.. وَكَبَّرَ مُوْسَىْ وَبَلَّغَ أَشُدَّهُ.. (وَدَخَلَ الْمَدِيْنَةَ عَلَىَ حِيْنِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) وَرَاحَ يَتَمَشَّى فِيْهَا.

فَوَجَدَ رَجُلا مِنْ اتْبَاعِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ يَقْتَتِلُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ، وَاسْتَغَاثَ بِهِ الْرَّجُلُ الْضَّعِيِفُ فَتَدْخُلُ مُوْسَىْ وَأَزَاحَ بِيَدِهِ الْرَّجُلُ الْظَّالِمُ فَقَتَلَهُ. كَانَ مُوْسَىْ قَوِيّا جَدَّا، وَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ قُتِلَ الْظَّالِمُ، إِنَّمَا أَرَادَ إزَاحَتِهُ فَقَطْ، لَكِنْ ضَرَبْتُهُ هَذِهِ قَتَلْتُهُ.

فَفَوْجِئَ مُوْسَىْ بِهِ وَقَدْ مَاتَ وَقَالَ لِنَفْسِهِ: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الْشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِيْنٌ). وَدَعَا مُوْسَىْ رَبَّهُ: (قَالَ رَبِّ إِنِّيَ ظَلَمْتُ نَفْسِيْ فَاغْفِرْ لِيَ). وَغَفَرَ الْلَّهُ تَعَالَىْ لَهُ، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُوْرُ الْرَّحِيْمُ). أَصْبَحَ مُوْسَىْ (فِيْ الْمَدِيْنَةِ خَائِفا يَتَرَقَّبُ). كَانَ هَذَا حَالُ مُوْسَىْ، حَالٍ إِنْسَانٍ مُطَارَدَ، فَهُوَ خَائِفٌ، يُتَوَقَّعُ الْشَّرَّ فِيْ كُلِّ خَطْوَةٍ، وَهُوَ مُتَرَقِّبَ، يَلْتَفِتْ لَأَوْهَىْ الْحَرَكَاتِ وَأَخْفَاهَا.

وَوَعَدَ مُوْسَىْ بِأَنْ لَا يَكُوْنَ ظَهِيْرا لِّلْمُجْرِمِيْنَ. لَنْ يَتَدَخَّلَ فِيْ الْمُشَاجَرَاتِ بَيْنَ الْمُجْرِمِيْنَ وَالَمُشَاغِبَينَ لِيُدَافِعَ عَنِ أُحُدٍ مِنْ قَوْمِهِ. وَفُوْجِئَ مُوْسَىْ أَثْنَاءِ سَيْرِهِ بِنَفْسِ الْرَّجُلِ الَّذِيْ أَنْقَذَهُ بِالْأَمْسِ وَهُوَ يُنَادِيِهِ وَيَسْتَصْرِخِهُ الْيَوْمَ. كَانَ الْرَّجُلُ مُشْتَبِكَا فِيْ عِرَاكِ مَعَ أَحَدٍ الْمِصْرِيِّيْنَ. وَأَدْرَكَ مُوْسَىْ بِأَنْ هَذَا الْإِسْرَائِيْلِيِّ مُشَاغِبٍ.

أَدْرَكَ أَنَّهُ مِنَ هُوَاةُ الْمُشَاجَرَاتِ. وَصَرَخَ مُوْسَىْ فِيْ الْإِسْرَائِيْلِيِّ يُعَنِّفْهُ قَائِلا: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِيْنٌ). قَالَ مُوْسَىْ كَلِمَتَهُ وَانْدَفَعَ نَحْوَهُمَا يُرِيْدُ الْبَطْشِ بِالْمِصْرِيِّ. وَاعْتَقَدَ الْإِسْرَائِيْلِيِّ أَنَّ مُوْسَىْ سَيَبْطّشِ بِهِ هُوَ. دَفَعَهُ الْخَوْفْ مِنْ مُوْسَىْ إِلَىَ اسْتِرْحَامِهُ صَارِخَا، وَذَكَّرَهُ بِالْمِصْرِيِّ الَّذِيْ قَتَلَهُ بِالْأَمْسِ.

فَتَوَقَّفَ مُوْسَىْ، سَكَتَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَتَذَكَّرْ مَا فَعَلَهُ بِالْأَمْسِ، وَكَيْفَ اسْتَغْفِرْ وَتَابَ وَوَعَدَ أَلَّا يَكُوْنَ نَصِيْرا لِلْمُجْرِمِيْنَ. اسْتَدَارَ مُوْسَىْ عَائِدا وَمَضَىَ وَهُوَ يَسْتَغْفِرِ رَبِّهِ.

وَأَدْرَكَ الْمِصْرِيُّ الَّذِيْ كَانَ يَتَشَاجَرَ مَعَ الْإِسْرَائِيْلِيِّ أَنَّ مُوْسَىْ هُوَ قَاتِلُ الْمِصْرِيُّ الَّذِيْ عَثَرُوا عَلَىَ جُثَّتَهُ أَمْسِ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ المُصرَّرِينَ يَعْلَمُ مَنْ الْقَاتِلُ. فَنَشَرَ هَذَا الْمِصْرِيُّ الْخَبَرِ فِيْ أَرْجَاءِ الْمَدِيْنَةِ.

وَانْكَشَفَ سَرَّ مُوْسَىْ وَظَهَرَ أَمْرِهِ. وَجَاءَ رَجُلٌ مِصْرِيٌّ مُؤْمِنٌ مِنَ أَقْصَىْ الْمَدِيْنَةِ مُسْرِعَا. وَنَصَحَ مُوْسَىْ بِالْخُرُوْجِ مِنْ مِصْرَ، لِأَنَّ الْمِصْرِيِّيْنَ يَنْوُونَ قُلْتُهُ.

لَمْ يُذْكَرِ الْقُرْآَنُ الْكَرِيمِ اسْمُ الْرَّجُلِ الَّذِيْ جَاءَ يَحْذَرُ مُوْسَىْ. وَنُرَجِّحُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلا مِصْرِيّا مِنْ ذَوِيْ الْأَهَمِّيَّةِ، فَقَدْ اطَّلَعَ عَلَىَ مُؤَامَرَةٍ تُحَاكُ لِمُوْسَى مِنْ مُسْتَوَيَاتِ عَلَيَّا، وَلَوْ كَانَ شَخْصِيَّةٌ عَادِيّةً لِمَا عُرِفَ.

يَعْرِفُ الْرَّجُلُ أَنَّ مُوْسَىْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ عَلَىَ ذَنَبِهِ بِالْأَمْسِ.. لَقَدْ قُتِلَ الْرَّجُلُ خَطَأً. فَيَجِبُ أَنْ تَكُوْنَ عُقُوْبَتِهِ الْسِّجْنِ عَلَىَ أَقْصَىْ تَقْدِيْرُ.

لَكِنْ رُؤَسَاءِ الْقَوْمِ وَعُلِّيَّتِهِمْ، الَّذِيْنَ يَبْدُوَا أَنَّهُمْ كَانُوْا يَكْرَهُوْنَ مُوْسَىْ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ، وَلِأَنَّهُ نَجَّى مِنْ الْعَامّ الَّذِيْ يَقْتُلُ فِيْهِ كُلُّ مَوْلُوْدٍ ذَكَرٍ، وَجَدُّوا هَذِهِ الْفُرْصَةَ مُنَاسَبَةْ لِلْتَخَلُّصِ مِنْ مُوْسَىْ، فَهُوَ قَاتِلٌ الْمِصْرِيُّ، لِذَا فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ.

خَرَجَ مُوْسَىْ مِنْ مِصْرَ عَلَىَ الْفَوْرِ. خَائِفا يَتَلَفَّتُ وَيَتَسَمَّعُ وَيَتَرَقَّبُ. فِيْ قَلْبِهِ دُعَاءْ لِلَّهِ (رَبِّ نَجِّنِيْ مِنَ الْقَوْمِ الْظَّالِمِيْنَ). وَكَانَ الْقَوْمُ ظَالِمِيْنَ حَقّا. أَلَا يُرِيْدُوْنَ تَطْبِيْقُ عُقُوْبَةُ الْقَتْلِ الْعَمْدْ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئا أَكّثَرَ مِنْ أَنَّهُ مَدَّ يَدَهُ وَأَزَاحَ رَجُلا فَقَتَلَهُ خَطَئأً؟

خَرَجَ مُوْسَىْ مِنْ مِصْرَ عَلَىَ عَجَلٍ. لَمْ يَذْهَبْ إِلَىَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ وَلَمْ يُغَيِّرْ مَلَابِسِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ طَعَاما لِلْطَّرِيقِ وَلَمْ يَعُدْ لِلْسَّفَرِ عُدْتَهُ. لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَابَّةٍ تَحْمِلُهُ عَلَىَ ظَهْرِهَا وَتُوَصِّلُهُ. وَلَمْ يَكُنْ فِيْ قَافِلَةٍ.

إِنَّمَا خَرَجَ بِمُجَرَّدِ أَنْ جَاءَهُ الْرَّجُلُ الْمُؤْمِنِ وَحَذَّرَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَنُصْحِهِ أَنَّ يَخْرُجُ. اخْتَارَ طَرِيْقا غَيْرَ مَطْرُوْقٌ وَسَلَكَهُ. دَخَلَ فِيْ الْصَّحْرَاءِ مُبَاشَرَةً وَاتَّجَهَ إِلَىَ حَيْثُ قَدَّرْتِ لَهُ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةِ أَنْ يَتَّجِهَ. لَمْ يَكُنْ مُوْسَىْ يَسِيْرٌ قَاصِدا مَكَانا مُعَيَّنا. هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَخْرُجُ فِيْهَا وَيُعَبَّرُ الْصَّحْرَاءِ وَحْدَهُ.

مُوْسَىْ فِيْ مَدْيَنٍ:

ظَلَّ يَسِيْرٌ بِنَفْسِيةٍ الْمُطَارَدَ حَتَّىَ وَصَلَ إِلَىَ مَكَانِ. كَانَ هَذَا الْمَكَانُ هُوَ مَدِيْنٌ. جَلَسَ يَرْتَاحُ عِنْدَ بِئْرِ عَظِيْمَةً يَسْقِيَ الْنَّاسَ مِنْهَا دَوَابِّهِمْ. وَكَانَ خَائِفا طَوَالَ الْوَقْتِ أَنْ يُرْسِلَ فِرْعَوْنَ مِنَ وَرَاءَهُ مِنْ يَقْبِضُ عَلَيْهِ.

لَمْ يَكَدْ مُوْسَىْ يَصِلُ إِلَىَ مَدْيَنَ حَتَّىَ أَلْقَىَ بِنَفْسِهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَرَاحَ. نَالَ مِنْهُ الْجُوعُ وَالْتَعَبْ، وَسَقَطَتْ نَعْلَهُ بَعْدَ أَنْ ذَابَتْ مِنْ مَشَقَّةٍ الْسِيَرْ عَلَىَ الْرِّمَالِ وَالْصُّخُوْرِ وَالْتُّرَابِ.

لَمْ تَكُنْ مَعَهُ نُقُوْدٌ لِشِرَاءِ نَعْلَ جَدِيْدَةً. وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُ نُقُوْدٌ لِشِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٌ. لَاحَظَ مُوْسَىْ جَمَاعَةُ مِنَ الْرُّعَاةِ يَسْقُوْنَ غَنَمَهُمْ، وَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ تَكِفَانِ غَنَمِهِمَا أَنْ يَخْتَلِطَا بِغَنَمٍ الْقَوْمِ، أَحَسَّ مُوْسَىْ بِمَا يُشْبِهُ الْإِلْهَامِ أَنَّ الْفَتَاتَيْنِ فِيْ حَاجَةِ إِلَىَ الْمُسَاعَدَةِ. تَقَدَّمَ مِنْهُمَا وَسَأَلَ هَلْ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يُسَاعِدُهُمْا فِيْ شَيْءٍ.

قَالَتْ إِحْدَاهُمَا: نَحْنُ نَنْتَظِرُ أَنْ يَنْتَهِيَ الْرُّعَاةِ مِنْ سَقْيِ غَنَمَهُمْ لِنُسْقِيَ.
سَأَلَ مُوْسَىْ: وَلِمَاذَا لَا تَسْقِيَانِ؟
قَالَتْ الْأُخْرَى: لَا نَسْتَطِيْعُ أَنْ نُزَاحِمُ الْرِّجَالِ.
انْدَهَشَ مُوْسَىْ لِأَنَّهُمَا تَرْعَيَانِ الْغَنَمِ. الْمَفْرُوْضَ أَنَّ يَرْعَىْ الْرِّجَالِ الْأَغْنَامِ. هَذِهِ مُهِمَّةٌ شَاقَّةٌ وَمُتْعِبَةْ وَتَحْتَاجُ إِلَىَ الْيَقَظَةِ.

سَأَلَ مُوْسَىْ: لِمَاذَا تَرْعَيَانِ الْغَنَمِ؟
فَقَالَتْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا: أَبُوْنَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ لَا تُسَاعِدُهُ صِحَّتَهُ عَلَىَ الْخُرُوْجِ كُلُّ يَوْمَ لِلْرَّعْيِ.
فَقَالَ مُوْسَىْ: سَأَسْقِي لَكُمَا.

سَارَ مُوْسَىْ نَحْوَ الْمَاءْ. وَسَقَىْ لَهُمْ الْغَنَمُ مَعَ بَقِيَّةِ الْرُّعَاةِ. وَفِيْ رِوَايَةِ أَنَّ أَنَّ الرُّعَاةَ قَدْ وَضَعُوُا عَلَىَ فَمِ الْبِئْرِ بَعْدَ أَنْ انْتَهَوْا مِنْهَا صَخْرَةٍ ضَخْمَةٍ لَا يَسْتَطِيْعُ أَنْ يُحَرِّكُهَا غَيْرِ عَدَدٍ مِنَ الْرِّجَالِ. فَرَفَعَ مُوْسَىْ الْصَّخْرَةِ وَحْدَهُ. وَسَقَىْ لَهُمَا الْغَنَمِ وَأَعَادَ الْصَّخْرَةُ إِلَىَ مَكَانِهَا، وَتَرَكَهُمَا وَعَادٍ يَجْلِسُ تَحْتَ ظَلَّ الْشَّجَرَةِ. وَتَذَكَّرْ لَحْظَتَهَا الْلَّهِ وَنَادَاهُ فِيْ قَلْبِهِ: (رَبِّ إِنِّيَ لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ).

عَادَتْ الْفَتَاتَانِ إِلَىَ أَبِيْهِمَا الْشَّيْخُ.
سَأَلَ الْأَبِ: عُدَّتْما الْيَوْمَ سَرِيْعَا عَلَىَ غَيْرِ الْعَادَةِ؟!
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا: تَقَابَلْنَا مَعَ رَجُلٍ كَرِيْمٍ سَقَىَ لَنَا الْغَنَمِ. فَقَالَ الْأَبُ لِابْنَتِهِ: اذْهَبِيْ إِلَيْهِ وَقُوْلِي لَهُ: (إِنَّ أَبِيْ يَدْعُوَكَ) لِيُعْطِيَكَ (أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).

ذَهَبَتْ وَاحِدَةً مِنْ الْفَتَاتَيْنِ إِلَىَ مُوْسَىْ، وَوَقَفَتْ أَمَامَهُ وَأَبْلَغْتُهُ رِسَالَةٍ أَبِيْهَا. فَنَهَضَ مُوْسَىْ وَبَصَرَهُ فِيْ الْأَرْضِ. إِنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَهُمَا الْغَنَمِ لِيَأْخُذَ مِنْهُنَّ أَجْرا، وَإِنَّمَا ساعْدُهُما لِوَجْهِ الْلَّهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أُحِسُّ فِيْ دَاخِلِهِ أَنْ الْلَّهَ هُوَ الَّذِيْ يُوَجِّهُ قَدَمَيْهِ فَنَهَضَ. سَارَتْ الْبِنْتُ أَمَامَهُ.

هَبَّتْ الْرِّيَاحَ فَضَرَبَتْ ثَوْبَهَا فَخَفَّضَ مُوْسَىْ بَصَرِهِ حَيَاءً وَقَالَ لَهَا: سَأَسِيْرُ أَنَا أَمَامَكَ ونَبِّهيَنِيّ أَنْتَ إِلَىَ الْطَّرِيْقِ. وَصْلَا إِلَىَ الْشَّيْخِ. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِيْنَ إِنَّ هَذَا الْشَّيْخَ هُوَ الْنَّبِيُّ شُعَيْبُ. عُمَرَ طَوِيْلَا بَعْدَ مَوْتِ قَوْمِهِ.

وَقِيْلَ إِنَّهُ ابْنُ أَخِيْ شُعَيْبُ. وَقِيْلَ ابْنُ عَمِّهِ، وَقِيْلَ رَجُلٌ مُؤْمِنِ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبُ الَّذِيْنَ آَمَنُوْا بِهِ. لَا نَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ شَيْخا صَالِحا. قَدَمَ لَهُ الْشَّيْخُ الْطَّعَامَ وَسَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ قَدِمَ وَإِلَىَ أَيْنَ سَيَذْهَبُ؟ حَدَّثَهُ مُوْسَىْ عَنْ قِصَّتِهِ. قَالَ الْشَّيْخُ: (لَّا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الْظَّالِمِيْنَ).

هَذِهِ الْبِلادِ لَا تَتَّبِعْ مِصْرَ، وَلَنْ يَصِلُو?ا إِلَيْكَ هُنَا. اطْمَأَنَّ مُوْسَىْ وَنَهَضَ لِيَنْصَرِفَ.
قَالَتْ ابْنَةُ الْشَّيْخُ لِأَبِيْهَا هَمْسا: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِيْنُ).
سَأَلَهَا الْأَبِ: كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّهُ قَوِيٌّ؟
قَالَتْ: رَفَعَ وَحْدَهُ صَخْرَةٍ لَا يَرْفَعُهَا غَيْرِ عَدَدٍ رِجَالٌ.

سَأَلَهَا: وَكَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّهُ أَمِيْنٌ؟
قَالَتْ: رَفَضَ أَنْ يَسِيْرَ خَلْفِيّ وَسَارَ أَمَامِيْ حَتَّىَ لَا يَنْظُرُ إِلَيَّ وَأَنَا أَمْشِيَ. وَطَوَالَ الْوَقْتِ الَّذِيْ كُنْتُ أُكَلِّمُهُ فِيْهِ كَانَ يَضَعُ عَيْنَيْهِ فِيْ الْأَرْضِ حَيَاءً وَأَدَبا.

وَعَادَ الْشَّيْخُ لِمُوْسَى وَقَالَ لَهُ: أُرِيْدُ يَا مُوْسَىْ أَنْ أُزَوِّجَكَ إِحْدَىَ ابْنَتَيَّ عَلَىَ أَنْ تَعْمَلَ فِيْ رَعْيِ الْغَنَمِ عِنْدِيْ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، فَمَنْ كَرَمِكَ، لَا أُرِيْدُ أَنْ أُتْعِبَكَ، (سَتَجِدُنِيَ إِنْ شَاءَ الْلَّهُ مِنَ الْصَّالِحِيْنَ). قَالَ مُوْسَىْ: هَذَا اتِّفَاقْ بَيْنِيْ وَبَيْنَكَ. وَاللَّهُ شَاهِدٌ عَلَىَ اتِّفَاقُنَا. سَوَاءُ قَضَيْتَ الْسَّنَوَاتِ الثَّمَانِيَّةُ، أَوْ الْعَشْرِ سَنَوَاتٍ فَأَنَا حُرٌّ بَعْدَهَا فِيْ الْذَّهَابِ.

يَخُوْضُ الْكَثِيْرُوْنَ فِيْ تِيْهِ مَنْ الأَقَاصِيصٌ وَالْرِّوَايَاتِ، حَوْلٍ أَيُّ ابْنَتَيَّ الْشَّيْخُ تَزَوَّجَ، وَأَيُّ الْمُدَّتَيْنِ قَضَىَ. وَالثَّابِتِ أَنَّ مُوْسَىْ تَزَوَّجَ إِحْدَىَ ابْنَتَيَّ الْشَّيْخُ. لَا نَعْرِفُ مَنْ كَانَتْ، وَلَا مَاذَا كَانَ اسْمُهَا.

وَهَذِهِ الْأُمُورُ سَكَتَ عَنْهَا السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ. إِلَا أَنَّهُ اسْتِنَادِا إِلَىَ طَبِيْعَةِ مُوْسَىْ وَكَرَمِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَكَوْنُهُ مِنْ أُوْلِيْ الْعَزْمِ. نَرَىْ أَنّهُ قَضَىَ الْأَجَلَ الْأَكْبَرِ. وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُمَا. وَهَكَذَا عَاشَ مُوْسَىْ يَخْدِمُ الْشَّيْخُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً.

مُوْسَىْ وَرِعِي الْغَنَمِ:

وَكَانَ عَمَلُ مُوْسَىْ يَنْحَصِرُ فِيْ الْخُرُوْجِ مَعَ الْفَجْرِ كُلُّ يَوْمَ لِرَعْيِ الْأَغْنَامِ وَالسِّقَايَةَ لَهَا.
وَلْنَقِفْ هُنَا وَقْفَةٌ تَدَبُّرِ. إِنَّ قُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةِ نُقِلَتْ خُطَىً مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- خُطْوَةٍ بِخُطْوَةٍ. مُنْذُ أَنْ كَانَ رَضِيَعا فِيْ الْمَهْدِ حَتَّىَ هَذِهِ الْلَّحْظَةِ.

أَلْقَتْ بِهِ فِيْ الْيَمِّ لِيَلْتَقَطُهُ آَلِ فِرْعَوْنَ. وَأَلْقَتْ عَلَيْهِ مَحَبَّةً زَوْجَةً فِرْعَوْنَ لِيَنْشَأَ فِيْ كَنَفِ عَدُوِّهِ. وَدَخَلَتْ بِهِ الْمَدِيْنَةَ عَلَىَ حِيْنِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا لِيَقْتُلَ نَفْسَا. وَأُرْسِلْتُ إِلَيْهِ بِالْرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ لِيَحْذَرَهُ وَيَنْصَحُهُ بِالْخُرُوْجِ مِنْ مِصْرَ.

وَصَاحِبَتِهِ فِيْ الْطَّرِيْقِ الصَّحْرَاوِيِّ مِنْ مِصْرَ إِلَىَ مَدْيَنَ وَهُوَ وَحِيْدُ مُطَارَدٌ مِنْ غَيْرِ زَادِ وَلَا اسْتِعْدَادٍ. وَجَمَعْتُهُ بِالْشَّيْخِ الْكَبِيْرُ لِيَأْجُرَهُ هَذِهِ الْسَّنَوَاتِ الْعَشْرِ. ثُمَّ لِيَعُوْدَ بَعْدَهَا فَيَتَلَقَّىْ الْتَّكْلِيْفِ.
هَذَا خَطُّ طَوِيْلٌ مَنْ الرِّعَايَةِ وَالتَّوْجِيْهِ، قَبْلَ الْنِّدَاءِ وَالتَّكْلِيْفُ. تَجْرِبَةٍ الرِّعَايَةِ وَالْحُبُّ وَالْتَّدْلِيْلُ. تَجْرِبَةٍ الِانْدِفَاعِ تَحْتَ ضَغْطِ الْغَيْظَ الْحَبِيْسِ، وَتَجْرِبَةٍ الْنَّدَمُ وَالَاسْتِغْفَارُ. وَتَجْرِبَةٍ الْخَوْفِ وَالْمُطَارَدَةَ.

وَتَجْرِبَةٍ الْغُرْبَةِ وَالْوَحْدِةِ وَالْجُوْعِ. وَتَجْرِبَةٍ الْخِدْمَةِ وَرَغّيِّ الْغَنَمِ بَعْدَ حَيَاةِ الْقُصُورِ. وَمَا يَتَخَلَّلُ هَذِهِ الْتَّجَارِبِ الْضَّخْمَةُ مِنْ تَجَارُبَّ صَغِيْرَةً، وّمَشّاعِرْ وَخَوَاطِرْ، وَإِدْرَاكِ وَمَعْرِفَةِ. إِلَىَ جَانِبِ مَا آَتَاهُ الْلَّهُ حِيْنَ بَلَغَ أَشُدَّهُ مَنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ.

إِنَّ الْرِّسَالَةَ تَكْلِيْفَ ضَخْمَ شَاقٌّ، يَحْتَاجُ صَاحِبِهِ إِلَىَ زَادَ ضَخْمُ مِنْ الْتَّجَارِبِ وَالْإِدْرَاكِ وَالْمَعْرِفَةِ، إِلَىَ جَانِبِ وَحْيٌ الْلَّهِ وَتَوْجِيْهُهُ. وَرِسَالَةُ مُوْسَىْ تَكْلِيْفَ عَظِيْمٌ، فَهُوَ مُرْسَلٌ إِلَىَ فِرْعَوْنَ الْطَّاغِيَةَ الْمُتَجَبِّرُ، أَعْتَىَ مُلُوْكِ الْأَرْضِ فِيْ زَمَانِهِ، وَأَشَدُّهُمْ اسْتِعْلَاءُ فِيْ الْأَرْضِ. وَهُوَ مُرْسَلٌ لِاسْتِنْقَاذُ قَوْمٍ قَدْ شَرِبُوْا مِنْ كُؤُوْسِ الذُّلِّ حَتَّىَ اسْتَمْرَأَوا مَذَاقُهُ. فَاسْتِنْقَاذُ قَوْمِ كَهَؤُلَاءِ عَمِلَ شَاقٌّ عَسِيْرٌ.

فَتَجْرْبةً الْسَّنَوَاتِ الْعَشْرِ جَاءَتْ لِتَفْصِلَ بَيْنَ حَيَاةٍ الْقُصُورِ الَّتِيْ نَشَأَ فِيْهَا مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- وَحَيَاةَ الْجَهْدَ الْشَّاقّ فِيْ الْدَّعْوَةِ وَتَكَالِيفُهَا الْعَسِيْرَةِ. فَلْحَيَاةِ الْقُصُورِ جَوّا وَتَقَالِيْدَ خَاصَّةً. أَمَّا الْرِّسَالَةُ فَهِيَ مُعَانَاةِ لَجَمَاهِيْرْ مِنْ الْنَّاسِ فِيْهِمْ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيْرُ، الْمُهَذَّبِ وَالْخَشِنُ، الْقَوِيُّ وَالْضَّعِيِفُ، وَفِيْهِمْ وَفِيْهِمْ.

وَلِلرِسالَةً تَكَالِيفُهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ وَمَنْ الْتَجَرُّدِ أَحْيَانَا، وَقُلُوْبُ أَهْلِ الْقُصُوْرِ فِيْ الْغَالِبِ لَا تَصْبِرُ طَوِيْلَا عَلَىَ الْخُشُوْنَةِ وُالْحِرْمَانْ وَالْمَشَقَّةِ.
فَلَمَّا اسْتَكْمَلْتَ نَفْسٌ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- تَجَارِبِهَا، وَأُكْمِلَتْ مُرَّانُهَا، بِهَذِهِ الْتَّجْرِبَةِ الْأَخِيرَةِ فِيْ دَارِ الْغُرَّةَ.

قَادَتْ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ خُطَاهُ مُرَّةَ أُخْرَىَ عَائِدَةً بِهِ إِلَىَ مَهْبَطِ رَأْسِهِ، وَمَقَرُّ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَمَجَالُ عَمَلُهُ. وَهَكَذَا نَرَىْ كَيْفَ صُنِعَ مُوْسَىْ عَلَىَ عَيْنٍ الْلَّهُ، وَكَيْفَ تَمَّ إِعْدَادِهِ لِتَلَقِّيَ الْتَّكْلِيْفِ.

عَوْدَةُ مُوْسَىْ لِمِصْرَ:


تَرَىَ أَيْ خَاطَرَ رَاوَدَ مُوْسَىْ، فَعَادَ بِهِ إِلَىَ مِصْرَ، بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا خَائِفا يَتَرَقَّبُ؟ وَأَنْسَاهُ الْخَطَرْ الَّذِيْ يَنْتَظِرُهُ بِهَا، وَقَدْ قُتِلَ فِيْهَا نَفْسا؟ وَهُنَاكَ فِرْعَوْنَ الَّذِيْ كَانَ يَتَآمَرُ مَعَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ لِيَقْتُلُوْهُ؟

إِنَّهَا قُدْرَةِ الْلَّهِ الَّتِيْ تَنْقُلُ خُطَاهُ كُلَّهَا. لَعَلَّهَا قَادَتِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِالْمَيْلِ الْفُطْرِيَّ إِلَىَ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ وَالْوَطَنِ. وَأَنَّسْتُهُ الْخَطَرْ الَّذِيْ خَرَجَ هَارِبا مِنْهُ وَحِيْدَا طَرِيْدَا. لَيُؤَدِّيَ الْمُهَمَّةِ الَّتِيْ خُلِقَ لَهَا.
خَرَجَ مُوْسَىْ مَعَ أَهْلِهِ وَسَارَ.

اخْتَفَىَ الْقَمَرُ وَرَاءَ أَسْرَابَ مَنْ الْسَّحَابَ الْكَثِيفَ وَسَادَ الْظَّلامِ. اشْتَدَّ الْبَرْقِ وَالْرَّعْدِ وَأَمْطَرَتْ الْسَّمَاءِ وَزَادَتْ حِدَّةً الْبَرَدِ وَالْظَّلامُ. وَتَاهَ مُوْسَىْ أَثْنَاءِ سَيْرِهِ. وَوَقَفَ مُوْسَىْ حَائِرَا يَرْتَعِشُ مِنْ الْبَرْدِ وَسَطَ أَهْلِهِ.. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَشَاهَدَ نَارا عَظِيْمَةً تَشْتَعِلُ عَنْ بُعْدَ. امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِالْفَرَحِ فَجْأَةً. قَالَ لِأَهْلِهِ: أَنِّيْ رَأَيْتُ نَارا هُنَاكَ.

أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْلِسُوْا مَكَانَهُمْ حَتَّىَ يَذْهَبَ إِلَىَ الْنَّارِ لَعَلَّهُ يَأْتِيَهِمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ، أَوْ يَجِدَ أَحَدا يَسْأَلُهُ عَنِ الْطَّرِيْقِ فَيَهْتَدِيَ إِلَيْهِ، أَوْ يُحْضِرَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ أَخْشَابِهَا الْمُشْتَعِلَةِ لِتَدْفِئْتِهُمْ.

وَتُحَرِّكْ مُوْسَىْ نَحْوَ الْنَّارِ. سَارَ مُوْسَىْ مُسْرِعَا لِيُدْفِئَ نَفْسِهِ. يَدَهُ الْيُمْنَىَ تُمْسِكُ عَصَاهُ. جَسَدِهِ مُبَلَّلٌ مِنْ الْمَطَرِ. ظَلَّ يَسِيْرٌ حَتَّىَ وَصَلَ إِلَىَ وَادٍ يُسَمُّوْنَهُ طَوَىَ. لَاحَظَ شَيْئا غَرِيْبَا فِيْ هَذَا الْوَادِيْ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَرَدٌ وَلَا رِيَاحٍ. ثُمَّةَ صَمْتُ عَظِيْمٌ سَاكِنٌ. وَاقْتَرِبْ مُوْسَىْ مِنْ الْنَّارِ. لَمْ يَكَدْ يَقْتَرِبُ مِنْهَا حَتَّىَ نُوْدِيَ: (أَنَّ بُوْرِكَ مَنْ فِيْ الْنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ الْلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ).

نَظَرَ مُوْسَىْ فِيْ الْنَّارِ فَوَجَدَ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ. كُلَّمَا زَادَ تَأَجَّجَ الْنَّارِ زَادَتْ خَضِرَةٌ الْشَّجَرَةِ. وَالْمَفْرُوْضُ أَنْ تَتَحَوَّلَ الْشَّجَرَةِ إِلَىَ الْلَّوْنِ الْأَسْوَدِ وَهِيَ تَحْتَرِقُ. لَكِنْ الْنَّارِ تَزِيْدُ وَالْلَّوْنُ الْأَخْضَرَ يَزِيْدُ. كَانَتْ الْشَّجَرَةُ فِيْ جَبَلِ غَرْبِيَّ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَكَانَ الْوَادِيْ الَّذِيْ يَقِفُ فِيْهِ هُوَ وَادِيْ طَوَىَ.

ثُمَّ ارْتَجَّتِ الْأَرْضُ بِالْخُشُوْعِ وَالرَّهْبَةِ وَالْلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُنَادِيْ: يَا مُوْسَىْ
فَأَجَابَ مُوْسَىْ: نَعَمْ.
قَالَ الْلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنِّيَ أَنَا رَبُّكَ
ازْدَادَ ارْتِعَاشَ مُوْسَىْ وَقَالَ: نَعَمْ يَا رَبُّ.

قَالَ الْلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَىْ
انْحَنَىْ مُوْسَىْ رَاكِعا وَجَسَدِهِ كُلِّهِ يَنْتَفِضُ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ.
عَادَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ يَقُوْلُ: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوْحَىْ (13) إِنَّنِيْ أَنَا الْلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِيْ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِيْ (14) إِنَّ الْسَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيْهَا لِتُجْزَىَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىَ (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىَ (16) (طَهَ)

زَادَ انْتِفَاضِ جَسَدِ مُوْسَىْ وَهُوَ يَتَلَقَّىْ الْوَحْيَ الْإِلَهِيِّ وَيَسْتَمِعُ إِلَىْ رَبِّهِ وَهُوَ يُخَاطِبُهُ.
قَالَ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيْمِ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِيْنِكَ يَا مُوْسَىْ
ازْدَادَتْ دَهْشَةُ مُوْسَىْ. إِنَّ الَلّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ هُوَ الَّذِيْ يُخَاطِبُهُ، وَاللَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَصَاهُ. لِمَاذَا يَسْأَلُهُ الْلَّهِ إِذَنْ إِذَا كَانَ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْهُ؟! لَا شَكَّ أَنَّ هُنَاكَ حِكْمَةِ عَلَيَّا لِذَلِكَ.

أَجَابَ مُوْسَىْ: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىَ غَنَمِيْ وَلِيَ فِيْهَا مَآَرِبُ أُخْرَىَ قَالَ الْلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلْقِهَا يَا مُوْسَىْ..
رَمَىَ مُوْسَىْ الْعَصَا مِنْ يَدِهِ وَقَدْ زَادَتْ دَهْشَتِهِ. وَفُوْجِئَ بِأَنَّ الْعَصَا تَتَحَوَّلُ فَجْأَةً إِلَىَ ثُعْبَانٍ عَظِيْمٌ الْحَجْمِ هَائِلٌ الْجِسْمِ.

وَرَاحَ الْثُّعْبَانِ يَتَحَرَّكُ بِسُرْعَةٍ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ مُوْسَىْ أَنْ يُقَاوِمَ خَوْفِهِ. أَحَسَّ أَنَّ بَدَنَهُ يَتَزَلْزَلُ مِنَ الْخَوْفِ. فَاسْتَدَارَ مُوْسَىْ فَزِعا وَبَدَأَ يَجْرِيَ. لَمْ يَكَدْ يَجْرِيَ خَطْوَتَيْنِ حَتَّىَ نَادَاهُ الْلَّهُ: يَا مُوْسَىْ لَا تَخَفْ إِنِّيَ لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُوْنَ.

عَادَ مُوْسَىْ يَسْتَدِيْرُ وَيَقِفُ. لَمْ تَزَلْ الْعَصَا تَتَحَرَّكُ. لَمْ تَزَلْ الْحَيَّةُ تَتَحَرَّكُ.
قَالَ الْلَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ لِمُوْسَى: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيْدُهَا سِيْرَتَهَا الْأُوْلَىْ
مُدَّ مُوْسَىْ يَدَهُ لِلْحَيَّةِ وَهُوَ يَرْتَعِشُ. لَمْ يَكَدْ يَلْمِسُهَا حَتَّىَ تَحَوَّلَتْ فِيَّ يَدَهُ إِلَىَ عَصَا.

عَادَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ يَصْدُرُ لَهُ: اسْلُكْ يَدَكَ فِيْ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءُ مِنْ غَيْرِ سُوَءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الْرَّهْبِ
وُضِعَ مُوْسَىْ يَدَهُ فِيْ جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا فَإِذَا هِيَ تَتَلَأْلَأُ كَالْقَمَرِ. زَادَ انْفِعَالِ مُوْسَىْ بِمَا يَحْدُثُ، وَضَعَ يَدَهُ عَلَىَ قَلْبِهِ كَمَا أَمَرَهُ الْلَّهُ فَذَهَبَ خَوْفِهِ تَمَامَا..
اطْمَأَنَّ مُوْسَىْ وَسَكَتَ. وَأَصْدَرَ الْلَّهُ إِلَيْهِ أَمْرا بَعْدَ هَاتَيْنِ الْمُعْجَزَتَيْنِ -مُعْجِزَةٌ الْعَصَا وَمُعْجِزَةَ الْيَدِ- أَنْ يَذْهَبَ إِلَىَ فِرْعَوْنَ لِيَدْعُوَهُ إِلَىَ الْلَّهِ بِرِفْقٍ وَلِيُنٍ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَخْرُجَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ مِنْ مِصْرَ.

وَأَبْدَى مُوْسَىْ خَوْفِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ. قَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ نَفْسا وَيَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوْهُ. تُوُسِّلَ إِلَىَ الْلَّهِ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ أَخَاهُ هَارُوْنَ. طَمْأَنَ الْلَّهُ مُوْسَىْ أَنَّهُ سَيَكُوْنُ مَعَهُمَا يَسْمَعُ وَيَرَىْ، وَأَنْ فِرْعَوْنَ رَغْمَ قَسْوَتِهِ وَتَجْبُرُهُ لَنْ يَمَسَّهُمَا بِسُوَءٍ.

أُفُّهُمْ الْلَّهُ مُوْسَىْ أَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ. وَدَعَا مُوْسَىْ وَابْتَهِلُ إِلَىَ الْلَّهِ أَنْ يَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وَيُيَسِّرَ أَمْرِهِ وَيَمْنَحُهُ الْقُدْرَةِ عَلَىَ الْدَّعْوَةِ إِلَيْهِ. ثُمَّ قَفَلَ مُوْسَىْ رَاجِعا لِأَهْلِهِ بَعْدَ اصْطِفَاءَ الْلَّهِ وَاخْتِيَارَهُ رَّسُوْلا إِلَىَ فِرْعَوْنَ. انْحَدَرَ مُوْسَىْ بِأَهْلِهِ قَاصِدا مِصْرَ.

يَعْلَمُ الْلَّهُ وَحْدَهُ أَيْ أَفْكَارْ عَبَّرَتْ ذِهْنِ مُوْسَىْ وَهُوَ يَحُثُّ خُطَاهُ قَاصِدا مِصْرَ. انْتَهَىَ زَمَانٌ الْتَّأَمُّلِ، وَانْطَوْتْ أَيَّامٍ الْرَّاحَةِ، وَجَاءَتْ الْأَوْقَاتِ الْصَّعْبَةِ أَخِيِرَا، وَهَا هُوَ ذَا مُوْسَىْ يَحْمِلُ أَمَانَةَ الْحَقِّ وَيَمْضِيَ لِيُوَاجِهَ بِهَا بَطْشَ أَعْظَمُ جَبَابِرَةَ عَصْرِهِ وَأعَتَاهُمْ. يَعْلَمُ مُوْسَىْ أَنْ فِرْعَوْنَ مِصْرَ طَاغِيَةً. يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُسْلِمُهُ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ بِغَيْرِ صِرَاعْ.

يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقِفُ مَنْ دَعَوْتُهُ مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالَتَجَاهْلَ. لَقَدْ أَمَرَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ أَنْ يُذْهِبَ إِلَىَ فِرْعَوْنَ. أَنَّ يَدْعُوَهُ بِلِيْنٍ وَرِفْقٍ إِلَىَ الْلَّهِ. أَوْحَىَ الْلَّهُ لِمُوْسَى أَنَّ فِرْعَوْنَ لَنْ يُؤْمِنَ. لِيَدَعَهُ مُوْسَىْ وَشَأْنَهُ. وَلِيُرَكِّزَ عَلَىَ إِطْلَاقِ سَرَاحَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَالْكَفِّ عَنْ تَعْذِيْبِهِمْ.

قَالَ تَعَالَىْ لِمُوْسَى وَهَارُوْنَ: (فَأْتِيَاهُ فَقُوْلَا إِنَّا رَسُوْلَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ). هَذِهِ هِيَ الْمُهِمَّةِ الْمُحَدَّدَةِ. وَهِيَ مُهِمَّةٌ سَوْفَ تَصْطَدِمُ بِآِلَافِ الْعَقَبَاتِ. إِنَّ فِرْعَوْنَ يُعَذِّبُ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَيَسْتَعْبِدَهُمَ وَيُكَلِّفَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، وَيَسْتَحْيِيَ نِسَائِهِمْ، وَيَذْبَحُ أَبْنَائِهِمْ، وَيَتَصَرَّفُ فِيْهِمْ كَمَا لَوْ كَانُوْا مَلِكَا خَاصَّا وَرَّثَهُ مَعَ مَلَكِ مِصْرَ.

يَعْلَمُ مُوْسَىْ أَنْ الْنِّظَامِ الْمِصْرِيُّ يَقُوْمُ فِيْ بُنْيَانِهِ الْأَسَاسِيَّ عَلَىَ اسْتِعْبَادِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَاسْتِغْلَالِ عَمَلِهِمْ وَجَهْدِهِمْ وَطَاقَاتِهُمْ فِيْ الْدَّوْلَةِ، فَهَلْ يَفْرُطَ الفِرْعَوْنْ فِيْ بِنَاءِ الْدَّوْلَةِ الْأَسَاسِيَّ بِبَسَاطَةٍ وَيَسِّرْ؟ ذَهَبَتْ الْأَفْكَارِ وَجَاءَتْ، فَاخْتَصِرّتِ مَشَقَّةٍ الْطَّرِيْقِ. وَرَفَعَ السِّتَارُ عَنْ مَشْهَدٍ الْمُوَاجَهَةِ.




مُوْسَىْ عليه السلام 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26825
العمر : 67

مُوْسَىْ عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: مُوْسَىْ عليه السلام   مُوْسَىْ عليه السلام Emptyالثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 6:16 am



الْجُزْءُ الْثَّانِيْ

مُوَاجَهَةِ فِرْعَوْنَ:

وَاجَهَ مُوْسَىْ فِرْعَوْنَ بِلَيَّنِ وَرِفْقٍ كَمَا أَمَرَهُ الْلَّهُ. وَحَدَّثَهُ عَنْ الْلَّهِ. عَنْ رَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ. عَنْ وُجُوْبِ تَوْحِيْدِهِ وَعِبَادَتِهِ. حَاوَلَ إِيْقَاظِ جَوَانِبِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِيْ الْحَدِيْثِ. أَلْمَحُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَمْلِكُ مِصْرَ، وَيَسْتَطِيْعُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَ الْجَنَّةِ. وَكُلٌّ مَا عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَتَّقِيَ الْلَّهَ.

اسْتَمَعَ فِرْعَوْنَ إِلَىَ حَدِيْثٍ مُوْسَىْ ضَجِرَا شِبْهُ هَازِئٌ وَقَدْ تَصَوُّرِهِ مَجْنُوْنا تَجَرَّأَ عَلَىَ مَقَامَهُ الْسَّامِيُّ. ثُمَّ سَأَلَ فِرْعَوْنُ مُوْسَىْ مَاذَا يُرِيْدُ. فَأَجَابَ مُوْسَىْ أَنَّهُ يُرِيْدُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ.

وَيُعْجَبُ فِرْعَوْنَ وَهُوَ يَرَىَ مُوْسَىْ يُوَاجِهُهُ بِهَذِهِ الْدَّعْوَى الْعَظِيْمَةِ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْطَّلَبُ الْكَبِيْرُ. فَآَخِرُ عَهْدٍ فِرْعَوْنَ بِمُوْسَى أَنَّهُمْ رَبَّوْهُ فِيْ قَصْرِهِ بَعْدَ أَنْ الْتَقِطُوا تَابُوَّتُهُ. وَأَنَّهُ هَرَبَ بَعْدَ قَتْلِهِ للْقِبْطيّ الَّذِيْ وَجَدَهُ يَتَعَارَكُ مَعَ الْإِسْرَائِيْلِيِّ.

فَمَا أَبْعَدَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ آَخِرِ عَهْدِ فِرْعَوْنَ بِمُوْسَى إِذَنْ وَهَذِهِ الْدَّعْوَى الْعَظِيْمَةِ الَّتِيْ يُوَاجِهُهُ بِهَا بَعْدَ عَشْرٍ سِنِيْنَ! وَمِنْ ثَمَّ بَدَأَ فِرْعَوْنَ يَذْكُرُهُ بِمَاضِيْهِ. يَذْكُرُهُ بِتَرْبِيَتِهِ لَهُ فَهَلْ هَذَا جَزَاءُ الْتَّرْبِيَةِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِيْ لَقِيْتُهَا عِنْدِنَا وَأَنْتَ وَلَيْدُ؟ لِتَأْتِيَ الْآَنَ لَتُخَالِفُ دِيَانَتِنَا، وَتُخْرِجُ عَلَىَ الْمَلِكِ الَّذِيْ تَرَبَّيْتُ فِيْ قَصْرِهِ، وَتَدْعُوَا إِلَىَ إِلَهِ غَيْرِهِ؟!

وَيُذَكِّرُهُ بِحَادِثٍ مَقْتَلِ الْقِبْطِيّ فِيْ تَهْوِيْلِ وَتَجْسِيمٍ. فَلَا يَتَحْدُثُ عَنْهَا بِصَرِيْحِ الْعِبَارَةِ وَإِنَّمَا يَقُوْلُ (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِيْ فَعَلْتَ) فَعْلَتَكَ الْبَشِعَةِ الْشَّنِيْعَةِ (وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِيْنَ) بِرَبِّ الْعَالَمِيْنَ الَّذِيْ تَقُوْلُ بِهِ الْيَوْمَ، فَأَنْتَ لَمْ تَكُنْ وَقْتِهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ! لَمْ تَتَحَدَّثْ بِشَيْءٍ عَنْ هَذِهِ الْدَّعْوَى الَّتِيْ تَدَّعِيَهَا الْيَوْمَ؛ وَلَمْ تَخَطَرْنا بِمُقَدِّمَاتٍ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيْمَ؟!

وَظَنَّ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ رَدَّ عَلَىَ مُوْسَىْ رَدّا لَنْ يَمْلِكَ مَعَهُ جَوَابا. إِلَّا أَنَّ الْلَّهَ اسْتَجَابَ لِدُعَاءِ مُوْسَىْ مِنْ قَبْلُ، فَانْطَلَقَ لِسَانِهِ: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذا وَأَنَا مِنَ الْضَّالِّيْنَ) فَعَلْتَ تِلْكَ الْفَعَلَةِ وَأَنَا بَعْدُ جَاهِلٌ، أَنْدَفِعَ انْدِفَاعٌ الْعَصَبِيَّةِ لِقَوْمِيَ، لَا انْدِفَاعٌ الْعَقِيدَةِ الَّتِيْ عَرَفْتَهَا الْيَوْمَ بِمَا أَعْطَانِيَ رَبِّيَ مِنْ الْحَكَّةِ. (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) عَلَىَ نَفْسِيْ. فَقَسَمَ الْلَّهُ لِيَ الْخَيْرَ فَوَهَبَ لِيَ الْحِكْمَةَ (وَجَعَلَنِيَ مِنَ الْمُرْسَلِيْنَ).

وَيُكَمِّلَ مُوْسَىْ خِطَابِهِ لِفِرْعَوْنَ بِنَفْسِ الْقُوَّةِ: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَّ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ) فَمَا كَانَتْ تَرْبِيَتَيْ فِيْ بَيْتِكَ وَلِيَدا إِلَا مِنْ جَرَّاءِ اسْتِعِبَادِكِ لِبَنِيْ إِسْرَائِيْلَ، وَقَتَلَ أَبْنَائِهِمْ، مِمَّا دَفَعَ أُمِّيَّ لِوَضْعِيِّ فِيْ الْتَّابُوْتِ وَإِلْقَاءَهُ فِيْ الْيَمِّ، فَتَلْتَقَطُهُ فَأتَرْبَىْ فِيْ بَيْتِكَ، لَا فِيْ بَيْتِ أَبَوَيَّ. فَهَلْ هَذَا هُوَ مَا تَمَنَّهْ عَلَيَّ، وَهَلْ هَذَا هُوَ فَضْلُكْ الْعَظِيْمُ؟!

عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ تُدْخِلِ الفِرْعَوْنْ فِيْ الْحَدِيْثِ.. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِيْنَ؟ قَالَ مُوْسَىْ: رَبُّ الْسَّمَاوَاتِ وَالْأَّرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنَّ كُنْتُمْ مُّوْقِنِيْنَ..
الْتَفَتَ فِرْعَوْنَ لِمَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ هَازِئَا: أَلَا تَسْتَمِعُوْنَ؟ قَالَ مُوْسَىْ مُتَجَاوِزا سُخْرِيَةٍ الفِرْعَوْنْ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِيْنَ..

قَالَ فِرْعَوْنُ مُخَاطِبَا مَنْ جَاءُوَا مَعَ مُوْسَىْ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ: إِنَّ رَسُوْلَكُمُ الَّذِيْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُوْنٌ.. عَادَ مُوْسَىْ يَتَجَاوَزَ اتِّهَامِ الفِرْعَوْنْ وَسُخْرِيَتِهِ وَيُكَمِّلَ: رَبُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنَّ كُنْتُمْ تَعْقِلُوْنَ..

نُلَاحِظُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ مُوْسَىْ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ أَوْ رَبِّ مُوْسَىْ وَهَارُوْنَ بِقَصْدِ الْسُّؤَالِ الْبَرِيءَ وَالْمَعْرِفَةِ. إِنَّمَا كَانَ يَهْزَأُ. وَلَقَدْ أَجَابَهُ مُوْسَىْ إِجَابَةٌ جَامِعَةِ مَانِعَةٌ مُحَكَّمَةٌ (قَالَ رَبُّنَا الَّذِيْ أَعْطَىَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىَ).

هُوَ الْخَالِقُ. خَالِقُ الْأَجْنَاسِ جَمِيْعا وَالذَّوَاتِ جَمِيْعا. وَهُوَ هَادِيْهَا بِمَا رَكِبَ فِيْ فِطْرَتِهَا وُجِبِلَّتِهَا مِنْ خَوَاصِّ تُهْدِيْهَا لِأَسْبَابٍ عَيْشِهِا. وَهُوَ الْمُوَجَّهَ لَهَا عَلَىَ أَيِّ حَالٍ. وَهُوَ الْقَابِضُ عَلَىَ نَاصِيَتِهَا فِيْ كُلِّ حَالٍ. وَهُوَ الْعَلِيْمُ بِهَا وَالْشَّاهِدُ عَلَيْهَا فِيْ جَمِيْعِ الْأَحْوَالِ.

لَمْ تُؤْثِرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ الْرَّائِعَةِ وَالموَجِزّةً فِيْ فِرْعَوْنَ. وَهَا هُوَ ذَا يُسْأَلُ: (فَمَا بَالُ الْقُرُوْنِ الْأُوْلَىْ) لِمَ تَعْبُدُ رَبِّكَ هَذَا؟ لَمْ يَزَلْ فِرْعَوْنَ مَاضِيا فِيْ اسْتِكْبَارِهِ وَاسْتِهْزَائِهِ. وَيُرَدُّ مُوْسَىْ رَدّا يَسَتْلَفَتِهُ إِلَىَ أَنْ الْقُرُوْنِ الْأُوْلَىْ الَّتِيْ لَمْ تُعْبَدْ الْلَّهِ، وَالَّتِي عَبَدْتَهُ مَعَا، لَنْ تَتْرُكَ بِغَيْرِ مُسَاءَلَةِ وَجَزَاءُ.

كُلِّ شَيْءٍ مَعْلُوْمٍ عِنْدَ الْلَّهِ تَعَالَىْ. هَذِهِ الْقُرُونُ الْأُوْلَىْ (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّيَ فِيْ كِتَابٍ). أَحْصَىَ الْلَّهُ مَا عَمِلُوهُ فِيْ كِتَابٍ. (لَّا يَضِلُّ رَبِّيَ). أَيْ لَا يَغِيْبُ عَنْهُ شَيْءٌ. (وَلَا يَنْسَىْ). أَيْ لَا يَغِيْبُ عَنْ شَيْءٍ. لِّيَطْمَئِنَّ الفِرْعَوْنْ بَالا مِنْ نَاحِيَةٍ الْقُرُوْنِ الْأُوْلَىْ وَالْأَخِيْرَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا. إِنَّ الْلَّهَ يَعْرِفْ كُلِّ شَيْءٍ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهَا مَا عَمِلْتُهُ وَلَا يُضَيِّعْ شَيْئا مِنْ أُجُوْرِهِمْ.

ثُمَّ اسْتَلَفْتُ مُوْسَىْ نَظَرَ فِرْعَوْنَ إِلَىَ آَيَاتٍ الْلَّهُ فِيْ الْكَوْنِ. وَدَارٌ بِهِ مَعَ حَرَكَةِ الْرِّيَاحْ وَالْمَطَرِ وَالْنَّبِاتِّ وَأَوْصَلَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَىَ الْأَرْضِ، وَهُنَاكَ افْهَمْهُ أَنَّ الْلَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مَنْ الْأَرْضِ، وَسَيُعَيِّدُهُ إِلَيْهَا بِالْمَوْتِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْهَا بِالْبَعْثِ، إِنَّ هُنَاكَ بَعْثا إِذَنْ. وَسَيَقِفُ كُلِّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَامَ الْلَّهِ تَعَالَىْ. لَا اسْتِثْنَاءَ لِأَحَدٍ. سَيَقِفُ كُلِّ عِبَادَ الْلَّهِ وَخَلْقِهِ أَمَامَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. بِمَا فِيْ ذَلِكَ الفِرْعَوْنْ. بِهَذَا جَاءَ مُوْسَىْ مُبَشِّرَا وَمُنْذِرَا.

لَمْ يُعْجَبْ فِرْعَوْنَ هَذَا الْنَّذِيْرُ، وَتَصَاعَدُ الْحِوَارْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوْسَىْ. فَالطُغِيَانَ لَا يَخْشَىُ شَيْئا كَخَشْيَتِهِ يَقَظَةٍ الْشُّعُوْبِ، وَصَحْوَةِ الْقُلُوْبُ؛ وَلَا يُكْرَهُ أَحَدا كَمَا يَكْرَهُ الْدَّاعِيَنَ إِلَىَ الْوَعْيُ وَالْيَقَظَةَ؛ وَلَا يَنْقِمُ عَلَىَ أَحَدٍ كَمَا يَنْقِمُ عَلَىَ مَنْ يَهُزُّوْنَ الْضَّمَائِرُ الْغَافِيَةْ.

لِذَلِكَ هَاجَ فِرْعَوْنَ عَلَىَ مُوْسَىْ وَثَارَ، وَأَنْهَى الْحِوَارْ مَعَهُ بِالْتَّهْدِيْدِ الْصَّرِيْحِ. وَهَذَا هُوَ سِلَاحُ الْطُّغَاةِ عِنَدَمّا يَفْتَقِرُونَ لِلْحَجِّ وَالْبَرَاهِيْنِ وَالْمَنْطِقُ: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَها غَيْرِيّ لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُوْنِيْنَ).

إِلَا أَنَّ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- لَمْ يَفْقِدِ رَبَاطَةَ جَأْشِهِ. كَيْفَ يَفْقِدُهَا وَهُوَ رَسُوْلُ الْلَّهِ، وَالْلَّهُ مَعَهُ وَمَعَ أَخِيْهِ؟ وَبَدَأَ الْإِقْنَاعِ بِأُسْلُوبٍ جَدِيْدٍ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةٌ (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِيْنٍ) فَهُوَ يَتَحَدَّىْ فِرْعَوْنَ، وَيُحْرِجُهُ أَمَامَ مَلَأَهُ، فَلَوْ رَفَضَ فِرْعَوْنُ الْإِصْغَاءِ، سَيَظْهَرُ وَاضِحَا أَنَّهُ خَائِفٌ مِنْ حُجَّةٍ مُوْسَىْ (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنَّ كُنْتَ مِنَ الْصَّادِقِيْنَ).

أَلْقَىَ مُوْسَىْ عَصَاهُ فِيْ رُدَّهَةِ الْقُصَّرُ الْعَظِيْمَةِ. لَمْ تَكَدْ الْعَصَا تُلْمَسُ الْأَرْضِ حَتَّىَ تَحَوَّلَتْ إِلَىَ ثُعْبَانٍ هَائِلٌ يَتَحَرَّكُ بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيْ جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ كَالْقَمَرِ.

تَحَدِّيَ الْسَّحَرَةُ:

وَتَبْدَأُ الْجَوَلَةَ الْثَّانِيَةُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. حَيْثُ شَاوَرَ فِرْعَوْنَ الْمَلَأُ مِنْ حَوْلِهِ فِيْمَا يَجِبُ فِعْلُهُ. وَالْمَلَأُ لَهُمْ مَصْلَحَةً فِيْ أَنْ تَبْقَىَ الْأُمُوْرِ عَلَىَ مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَهُمْ مُقَرَّبُوْنَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَلَهُمْ نُفُوْذُ وَسُلْطَانٍ.

فَأَشَارُوا أَنَّ يُرِدْ عَلَىَ سَحْرِ مُوْسَىْ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ، فَيَجْمَعُ الْسَّحَرَةُ لِتَحَدِّي مُوْسَىْ وَأَخَاهُ.
حَدَّدَ الْمِيْقَاتِ، وَهُوَ يَوْمُ الْزِّيْنَةِ. وَبَدَأَتْ حَرَكَةُ إِعْدَادُ الْجَمَاهِيْرِ وَتَحِمِيسُهُمْ فَدَعَوْهُمْ لِلْتَّجَمُّعِ وَعَدَمِ الْتَّخَلُّفِ عَنْ الْمَوْعِدُ، لِيُرَاقِبُوْا فَوْزَ الْسَّحَرَةُ وَغَلَبَتِهِمْ عَلَىَ مُوْسَىْ الْإِسْرَائِيْلِيِّ! وَالْجَمَاهِيْرِ دَائِمَا تَتَجَمَّعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ.

أَمَّا الْسَّحَرَةُ، فَقَدْ ذَهَبُوْا لِفِرْعَوْنَ لِيَطْمَئِنُونَ عَلَىَ الْأَجْرِ وَالْمُكَافَأَةُ إِنَّ غَلَبُوْا مُوْسَىْ. فَهُمْ جَمَاعَةُ مَأْجُوْرَةٌ، تُبْذَلُ مَهَارَتَهَا مُقَابِلَ الْأَجْرُ الَّذِيْ تَنْتَظِرُهُ؛ وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِعَقِيْدَةٍ وَلَا صِلَةً لَهَا بِقَضِيَّةٍ، وَلَا شَيْءَ سِوَىْ الْأَجْرِ وَالْمَصْلَحَةُ.

وَهُمْ هُمْ أُلَاءِ يَسْتَوْثِقُونَ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَىَ تَعَبِهِمْ وَلَعِبَهُمْ وَبَراعَتِهُمْ فِيْ الْخِدَاعْ. وَهَا هُوَ ذَا فِرْعَوْنَ يَعِدُهُمُ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْأَجْرِ. يَعِدُهُمُ أَنَّ يَكُوْنُوْا مِنَ الْمُقَرَّبِيْنَ إِلَيْهِ. وَهُوَ بِزَعْمِهِ الْمَلِكُ وَالْإِلَهُ! وَفِيْ سَاحَةِ الْمُوَاجَهَةِ.

وَالْنَّاسِ مُجْتَمِعُوْنَ، وَفِرْعَوْنَ يَنْظُرُ. حَضَرَ مُوْسَىْ وَأَخَاهُ هَارُوْنَ عَلَيْهِمَا الْسَّلَامُ، وَحَضَرَ الْسَّحَرَةُ وَفِيْ أَيْدِيَهِمْ كُلُّ مَا أَتْقَّنُوهُ مِنْ أَلْعَابٍ وَحِيْلَ، وَكُلُّهُمْ ثِقَةٌ بِفَوْزِهِم فِيْ هَذَا الْتَّحَدِّيَ. لِذَا بَدَءُوْا بِتَخْيِيْرِ مُوْسَىْ: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَّكُوْنَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىَ) وَتَتَجَلَّىْ ثِقَةٌ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- فِيْ الْجَانِبِ الْآَخَرِ وَاسْتَهانَتِهُ بِالْتَّحَدِّيَ (بَلْ أَلْقُوْا) فَرَمَىَ الْسَّحَرَةُ عِصِيَّهُمْ وَحِبَالَهُمْ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوْا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ).

رَمَىَ الْسَّحَرَةُ بِعِصِيِّهِمْ وَحِبَالَهُمْ فَإِذَا الْمَكَانِ يَمْتَلِئُ بِالَّثَّعَابِيْنِ فَجْأَةً (سَحَرُوَا أَعْيُنَ الْنَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوَهُمْ وَجَاءُوْا بِسِحْرٍ عَظِيْمٍ). وَحَسْبُنَا أَنْ يُقَرِّرَ الْقُرْآَنَ الْكَرِيْمَ أَنَّهُ سِحْرٌ عَظِيْمٌ (وَجَاءُوْا بِسِحْرٍ عَظِيْمٍ)، لَنُدْرِكَ أَيُّ سِحْرٍ كَانَ. وَحَسْبُنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُمْ (سَحَرُوَا أَعْيُنَ الْنَّاسِ) وَأَثَارُوَا الرَّهْبَةِ فِيْ قُلُوْبِهِمْ (وَاسْتَرْهَبُوَهُمْ) لِنَتَصَوَّرَ أَيُّ سِحْرٍ كَانَ. فَنَظَرَ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ إِلَىَ حِبَالَ الْسَّحَرَةُ وَعِصِيُّهُمْ وَشَعْرُ بِالْخَوْفِ.

فِيْ هَذِهِ الْلَّحْظَةِ، يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ بِأَنَّ مَعَهُ الْقُوَّةِ الْكُبْرَىَ. فَهُوَ الْأَعْلَىَ. وَمَعَهُ الْحَقِّ، أَمَّا هُمْ فَمَعَهُمْ الْبَاطِلِ. مَعَهُ الْعَقِيْدَةِ وَمَعَهُمْ الْحِرْفَةُ. مَعَهُ الْإِيْمَانُ بِصِدْقِ الَّذِيْ دَفَعَهُ لِمَا هُوَ فِيْهِ وَمَعَهُمْ الْأَجْرَ عَلَىَ الْمُبَارَاةِ وَمَغَانِمَ الْحَيَاةِ. مُوْسَىْ مُتَّصِلٌ بِالْقُوَّةِ الْكُبْرَىَ وَالْسَّحَرَةُ يَخْدِمُوْنَ مَخْلُوْقا بَشِّرِيّا فَانِّيَا مُهِمَّا يَكُنْ طَاغِيَةً جَبَّارا.

لَا تَخَفْ (وَأَلْقِ مَا فِيْ يَمِيْنِكَ) وُستَهْزَمِهُمْ، فَهُوَ سِحْرٌ مِنْ تَدْبِيْرِ سَاحِرٌ وَعَمَلِهِ. وَالْسَّاحِرُ لَا يُفْلِحُ أَنَّىَ ذَهَبَ وَفِيْ أَيّ طَرِيْقِ سَارَ، لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَىَ الْخَيَالِ وَالْإِيْهَامُ وَالْخِدَاعِ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَىَ حَقِيْقَةِ ثَابِتَةِ بَاقِيَةً.

اطْمَأَنَّ مُوْسَىْ وَرَفَعَ عَصَاهُ وَأَلْقَاهَا. لَمْ تَكَدْ عَصَا مُوْسَىْ تُلَامِسُ الْأَرْضِ حَتَّىَ وَقَعَتْ الْمُعْجِزَةٌ الْكُبْرَىَ. وَضَخَامَةٌ الْمُعْجِزَةٌ حُوِّلَتْ مَشَاعِرَ وَوِجْدَانُ الْسَّحَرَةُ، الَّذِيْنَ جَاءُوَا لِلْمُبَارَاةّ وَهُمْ أَحْرَصَ الْنَّاسِ عَلَىَ الْفَوْزُ لِنَيْلِ الْأَجْرِ. الَّذِيْ بَلَغَتْ بَرَاعَتِهِمْ لَحْدٌ أَنَّ يَشْعُرُ مُوْسَىْ بِالْخَوْفِ مِنْ عَمَلِهِمْ. تَحَوَّلَتْ مَشَاعِرُهُمْ بِحَيْثُ لَمْ يُسْعِفُهُمْ الْكَلَامِ لِلْتَّعْبِيْرِ: (فَأُلْقِيَ الْسَّحَرَةُ سُجَّدَا قَالُوْا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُوْنَ وَمُوَسَى).

إِنَّهُ فِعْلُ الْحَقِّ فِيْ الْضَّمَائِرِ. وَنُوْرٌ الْحَقِّ فِيْ الْمَشَاعِرِ، وَلَمْسَةِ الْحَقِّ فِيْ الْقُلُوْبِ الْمُهَيَّأَةً لِتَلَقِّيَ الْحَقِّ وَالْنُّوْرَ وَالْيَقِينْ. إِنَّ الْسَّحَرَةُ هُمْ أَعْلَمُ الْنَّاسِ بِحَقِيْقَةِ فَنَّهُمُ، وَمَدَىْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ إِلَيْهِ. وَهُمْ أَعْرَفُ الْنَّاسِ بِالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوْسَىْ. فَهُمْ أَعْلَمُ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ عَمَلِ بَشِّرِ أَوْ سَاحِرٍ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ الْقُدْرَةِ الَّتِيْ تَفُوْقُ قُدْرَةِ الْبَشَرِ وَالْسِّحْرُ.

وَالْعَالِمُ فِيْ فَنِّهِ هُوَ أَكْثَرُ الْنَّاسِ اسْتِعْدَادَا لِلْتَّسْلِيمِ بِالْحَقِيقَةِ حِيْنَ تَتَكَشَّفُ لَهُ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِدْرَاكَا لِهَذِهِ الْحَقِيْقَةِ، مِمَّنْ لَا يَعْرِفُوْنَ فِيْ هَذَا الْفَنِّ إِلَا الْقُشُورَ. وَمِنْ هُنَا تُحَوِّلُ الْسَّحَرَةُ مِنْ الْتَّحَدِّيَ الْسَّافِرْ إِلَىَ الْتَّسْلِيمِ الْمُطْلَقِ، الَّذِيْ يُجَدِّدُوْنَ بُرْهَانَهُ فِيْ أَنْفُسِهِمْ عَنْ يَقِيْنٍ.

هَزَّتْ هَذِهِ الْمُفَاجَأَةِ الْعَرْشِ مِنْ تَحْتِهِ. مُفَاجَأَةٌ اسْتِسْلَامٌ الْسَّحَرَةُ -وَهُمْ مِنْ كَهَنَةِ الْمَعَابِدِ- لَرَّبُّ الْعَالَمِيْنَ. رَبِّ مُوْسَىْ وَهَارُوْنَ. بَعْدَ أَنْ تَمَّ جَمْعِهِمْ لِإِبْطَالِ دَعْوَةَ مُوْسَىْ وَهَارُوْنَ لَرَّبُّ الْعَالَمِيْنَ! وَلِأَنَّ الْعَرْشِ وَالسُّلْطَانُ أَهُمْ شَيْءٍ فِيْ حَيَّاتِ الْطَّوَاغِيْتَ، فَهُمْ مُسْتَعِدُّوْنَ لِارْتِكَابِ أَيُّ جَرِيْمَةِ فِيْ سَبِيِلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا.

تُسَائِلُ فِرْعَوْنَ مُسْتَغْرَبا (آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ) كَأَنَّمَا كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ فِيْ أَنَّ يَعُوْدُوْا لِلْحَقِّ. لَكِنَّهُ طَاغِيَةً مُتَكَبِّرٍ مُتَجَبِّرُ أَعْمَىً الْسُّلْطَانِ عَيْنَيْهِ عَنِ الْحَقِّ.

وَيَزِيْدُ فِيْ طُغْيَانِهِ فَيَقُوْلُ (إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوْهُ فِيْ الْمَدِيْنَةِ لِتُخْرِجُوَا مِنْهَا أَهْلَهَا) إِنَّ غَلَبَتْهُ لَكُمْ فِيْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّمَا كَانَ عَنْ تَشَاوَرَ مِنْكُمْ وَرِضَا مِنْكُمْ لِذَلِكَ، وَهُوَ يَعْلَمُ وَكُلُّ مَنِ لَهُ عَقْلُ أَنَّ هَذّا الَّذِيْ قَالَهُ مَنْ أَبْطَلَ الْبَاطِلِ.

وَيَظَلُّ الْطَّاغِيَةِ يَتَهَدَّدُ (فَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ) وَيَتَوَعَّدُ (لَأُقَطِعَنَ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِيْنَ) لَكِنْ الْنَّفْسَ الْبَّشَرِيَّة حِيْنَ تَسْتَيْقِنَ حَقِيْقَةً الْإِيْمَانِ، تَسْتَعْلِيَ عَلَىَ قُوَّةِ الْأَرْضِ، وَتَسْتَهِيْنُ بِبَأْسٍ الْطُّغَاةِ، وَتَنْتَصِرُ فِيْهَا الْعَقِيدَةَ عَلَىَ الْحَيَاةِ, وَتَخْتَارُ الْخُلُوْدِ الدَّائِمُ عَلَىَ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ. (قَالُوا إِنَّا إِلَىَ رَبِّنَا مُنْقَلِبُوْنَ) إِنَّهُ الإِيْمَانِ الَّذِيْ لَا يَتَزَعْزَعُ وَلَا يَخْضَعَ.

وَيُعْلِنُ الْسَّحَرَةُ حَقِيْقَةِ الْمَعْرَكَةِ (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا) فَلَا يَطْلُبُوْنَ الْصَّفْحَ وَالْعَفْوَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إِنَّمَا يَطْلُبُوْنَ الثَّبَاتَ وَالْصَّبْرُ مِنْ رَبِّهِمْ (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِيْنَ). فَيَقِفُ الطُّغْيَانِ عَاجِزا أَمَّا هَذَا الْوَعْيُ وَهَذَا الاطْمِئْنَانِ. عَاجِزا عَنْ رَدِّ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِيْنَ لِطَّرِيْقِ الْبَاطِلُ مِنْ جَدِيْدٍ. فَيَنْفُذُ تَهْدِيْدِهِ، وَيَصلْبِهُمْ عَلَىَ جُذُوْعِ الْنَّخْلِ.

الْتَّآمُرِ عَلَىَ مُوْسَىْ وَمَنْ آَمَنَ مَعَهُ:

وَتَبْدَأُ جَوْلَةٍ جَدِيْدَةٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَهَاهُمْ عُلَيَّةَ الْقَوْمِ مَنْ الْمِصْرِيِّيْنَ، يَتَآمَرُوْنَ وَيُحَرِّضُوْنَ فِرْعَوْنَ وَيُهَيِّجُونَهُ عَلَىَ مُوْسَىْ وَمَنْ آَمَنَ مَعَهُ، وَيُخَوِّفُوْنَهُ مِنْ عَاقِبَةِ الْتَّهَاوُنِ مَعَهُمْ. وَهُمْ يَرَوْنَ الْدَّعْوَةِ إِلَىَ رُبُوْبِيَّةِ الْلَّهِ وَحْدَةُ إِفْسَادا فِيْ الْأَرْضِ.

حَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا بُطْلَانِ شَرْعِيَّةٌ حُكْمُ فِرْعَوْنَ وَنِظَامُهُ كُلِّهِ. وَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ يُسْتَمَدُّ قُوَّتِهِ مِنْ دِيَانَتِهِمْ الْبَاطِلَةِ، حَيْثُ كَانَ فِرْعَوْنَ ابْنُ الْآَلِهَةِ. فَإِنَّ عَبْدَ مُوْسَىْ وَمَنْ مَّعَهُ الْلَّهُ رَبُّ الْعَالَمِيْنَ، لَنْ تَكُوْنَ لِفِرْعَوْنَ أَيُّ سَطْوَةِ عَلَيْهِمْ. فَاسْتَثَارَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِرْعَوْنَ، وَأَشْعَرْتُهُ بِالْخَطَرِ الْحَقِيقِيَّ عَلَىَ نِظَامُهُ كُلُّهُ فَفَكَّرَ بِوَحْشِيَتِه الْمُعْتَادَةُ وَقَرَّرَ (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـيُ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُوُنَ).

لَمْ يَكُنْ هَذَا الْتَّنْكِيْلِ الْوَحْشِيُّ جَدِيْدا عَلَىَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. فَقَدْ نُفِّذَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحُكْمُ فِيْ إِبَّانِ مُوَلِّدُ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ. فَبَدَأَ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- يُوْصِيْ قَوْمِهِ بِاحْتِمَالِ الْفِتْنَةِ، وَالْصُّبْرُ عَلَىَ الْبَلِيَّةِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِالْلَّهِ عَلَيْهَا. وَأَنْ الْأَرْضِ لِلَّهِ يُوْرِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَالْعَاقِبَةُ لِمَنْ يَتَّقِيَ الْلَّهَ وَلَا يَخْشَىُ أَحَدَا سِوَاهُ (قَالَ مُوْسَىْ لِقَوْمِهِ اسْتَعِيْنُوْا بِالْلَّهِ وَاصْبِرُوَا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُوْرِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ).

إِلَا أَنْ قَوْمِهِ بَدَءُوْا يَشْتَكُوْنَ مِنْ الْعَذَابِ الَّذِيْ حَلَّ بِهِمْ (قَالُو?ا أُوْذِيْنَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) إِنَّهَا كَلِمَاتٍ ذَاتَ ظِلٍّ! وَإِنَّهَا لِتَشَيْ بِمَا وَرَاءَهَا مِنَ تُبْرَمُ! أُوْذِيْنَا قَبْلُ مَجِيْئِكَ وَمَا تَغَيَّرَ شَيْءٍ بِمَجِيْئِكَ. وَطَالَ هَذَا الْأَذَى حَتَّىَ مَا تَبْدُوَ لَهُ نِهَايَةْ! فَيُمْضِيَ الْنَّبِيِّ الْكَرِيْمِ عَلَىَ نَهْجِهِ. يَذْكُرُهُمْ بِالْلَّهِ، وَيُعَلِّقُ رَجَاءَهُمْ بِهِ، وَيُلَوِّحُ لَهُمْ بِالْأَمَلِ فِيْ هَلَاكِ عَدُوِّهِمْ. وَاسْتِخِلَافِهُمْ فِيْ الْأَرْضِ.

مَعَ الْتَّحْذِيْرُ مِنْ فِتْنَةِ الِاسْتِخْلَافِ، فَاسْتِخِلَافَ الْلَّهُ لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ ابْتِلَاءٌ لَهُمْ، فَهُوَ اسْتِخْلَافِ لِلِامْتِحَانِ: (قَالَ عَسَىَ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِيْ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ) وَيَنْقُلُنَا الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمِ إِلَىَ فَصْلِ آَخَرَ مِنْ قُصَّةٍ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ. وَمَشْهَدٍ آَخَرَ مِنْ مَشَاهِدِ الْمُوَاجَهَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. حَيْثُ يَحْكِيْ لِمَا قِصَّةِ تَشَاوَرَ فِرْعَوْنَ مَعَ الْمَلَأُ فِيْ قَتْلِ مُوْسَىْ.

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوْنِيْ أَقْتُلْ مُوْسَىْ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِيْنَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِيْ الْأَرْضِ الْفَسَادَ) أَمَّا مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ فَالْتَجَأَ إِلَىَ الْرُّكْنِ الْرُّكَيْنِ، وَالْحِصْنُ الْحُصَيْنِ، وَلَاذَ بِحَامِيّ اللّائِذِينَ، وَمُجِيرٌ الْمُسْتَجِيْرِيْنَ (وَقَالَ مُوْسَىْ إِنِّيَ عُذْتُ بِرَبِّيْ وَرَبِّكُمْ مِّنَ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ).

مَوْقِفِ الْرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ:

كَادَتْ فِكْرَةٌ فِرْعَوْنَ أَنْ تَحْصُلَ عَلَىَ الْتَّصْدِيْقِ لَوْلَا رَجُلٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ. رَجُلٌ مِنْ رِجَالِ الْدَّوْلَةِ الْكِبَارِ، لَا يَذْكُرُ الْقُرْآَنَ اسْمُهُ، لِأَنَّ اسْمَهُ لَا يُهِمُّ، لَمْ يُذْكَرِ صِفَتِهِ أَيْضا لِأَنَّ صِفَتَهُ لَا تَعْنِيْ شَيْئا، إِنَّمَا ذُكِرَ الْقُرْآَنُ أَنَّهُ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ. ذَكَرَهُ بِالْصِّفَةِ الَّتِيْ لَا قِيْمَةَ لِأَيِّ صِفَةِ بَعْدَهَا.

تَحْدُثُ هَذَا الْرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، وَكَانَ (يَكْتُمُ إِيْمَانَهُ)، تُحَدِّثُ فِيْ الِاجْتِمَاعِ الَّذِيْ طُرِحَتْ فِيْهِ فِكْرَةً قُتِلَ مُوْسَىْ وَأَثْبَتَ عَقِّمْ الْفِكْرَةِ وسَطحِيَّتِهَا. قَالَ إِنَّ مُوْسَىْ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ الْلَّهَ رَبَّهُ، وَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ عَلَىَ كَوْنِهِ رَسُوْلا، وَهُنَاكَ احْتِمَالَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ مُوْسَىْ كَاذِبا، أَوْ يَكُوْنَ صَادِقا، فَإِذَا كَانَ كَاذِبا (فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يَسْتَوْجِبُ قَتَلَهُ. وَإِذَا كَانَ صَادِقا وقَتَّلْنَاهُ، فَمَا هُوَ الْضَّمَانُ مِنْ نَجَاتِنَا مِنْ الْعَذَابِ الَّذِيْ يَعِدُنَا بِهِ؟

تُحَدِّثُ الْمُؤْمِنِ الَّذِيْ يَكْتُمُ إِيْمَانَهُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّنَا الْيَوْمَ فِيْ مَرَاكِزِ الْحُكْمُ وَالْقُوَّةَ. مِنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ الْلَّهِ إِذَا جَاءَ؟ وَمَنْ يُنْقِذُنَا مِنْ عُقُوْبَتِهِ إِذَا حَلَّتِ؟ إِنَّ إِسْرَافَنَا وِكَذَّبَنَا قَدْ يَضِيعَانِنا.

وَبَدَتْ كَلِمَاتِهِ مُقْنِعَةٍ. إِنَّهُ رَجُلٌ لَيْسَ مُتَّهَما فِيْ وَلَائِهِ لِفِرْعَوْنَ. وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِ مُوْسَىْ. وَالْمَفْرُوْضُ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِدَافِعِ الْحِرْصِ عَلَىَ عَرْشِ الفِرْعَوْنْ. وَلَا شَيْءٌ يُسْقِطُ الْعُرُوشِ كَالْكَذِبِ وَالْإِسْرَافُ وَقَتْلِ الْأَبْرِيَاءُ.

وَمِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ اسْتُمِدَّتْ كَلِمَاتٍ الْرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ قُوَّتِهَا. بِالْنِّسْبَةِ إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَوُزَرَائِهِ وَرِجَالُهُ. وَرَغِمَ أَنْ فِرْعَوْنَ وَجَدَ فِكْرَتِهِ فِيْ قَتْلِ مُوْسَىْ، صَرِيْعَةً عَلَىَ الْمَائِدَةِ. رَغْمَ تَخْوِيْفٌ الْرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ لِفِرْعَوْنَ.

رَغِمَ ذَلِكَ قَالَ الفِرْعَوْنْ كَلِمَتَهُ الْتَارِيْخِيَّةِ الَّتِيْ ذَهَبْتَ مَثَلا بَعْدَهُ لِكُلِّ الْطُّغَاةِ: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَا أَرَىَ وَمَا أَهْدِيْكُمْ إِلَّا سَبِيِلَ الرَّشَادِ).
هَذِهِ كَلِمَةُ الْطُّغَاةِ دَائِمَّا حِيْنَ يُوَاجِهُوْنَ شُعُوْبِهُمُ (مَا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَا أَرَىَ). هَذَا رَأَيْنَا الْخَاصِّ، وَهُوَ رَأْيُ يَهْدِيَكُمْ سَبِيِلَ الرَّشَادِ. وَكُلُّ رَأْيٍ غَيْرِهِ خَاطِئٌ. وَيَنْبَغِيْ الْوُقُوْفِ ضِدَّهُ وَاسْتِئْصَالُهُ.

لَمْ تَتَوَقَّفْ الْمُنَاقَشَةِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ. قَالَ فِرْعَوْنُ كَلِمَتَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقْنَعْ بِهَا الْرَّجُلُ الْمُؤْمِنِ. وَعَادَ الْرَّجُلُ الْمُؤْمِنِ يَتَحْدُثُ وَأَحْضَرَ لَهُمْ أَدِلَّةُ مِنَ الْتَّارِيْخِ، أَدِلَّةُ كَافِيَّةٍ عَلَىَ صِدْقِ مُوْسَىْ. وَحْذَرُهُمخّ مِنْ الْمِسَاس بِهِ. لَقَدْ سَبَقَتْهُمْ أُمَمٌ كَفَرْتُ بَرْسِلْهَا، فَأَهْلَكَهَا الْلَّهِ: قَوْمٌ نُوْحٍ، قَوْمٍ عَادَ، قَوْمِ ثَمُوْدَ.

ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ بِتَارِيْخِ مِصْرُ نَفْسِهِ. ذَكِّرْهُمْ بِيُوْسُفَ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ حِيْنَ جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ، فَشَكَّ فِيْهِ الْنَّاسُ ثُمَّ آَمَنُوُا بِهِ بَعْدَ أَنْ كَادَتْ الْنَّجَاةِ تُفْلِتُ مِنْهُمْ، مَا الْغَرْابَةِ فِيْ إِرْسَالِ الْلَّهِ لِلْرُّسُلِ؟ إِنَّ الْتَّارِيْخَ الْقَدِيْمِ يَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ مَوْضِعُ نَظَرَ. لَقَدْ انْتَصَرَتْ الْقِلَّةِ الْمُؤْمِنَةِ حِيْنَ أَصْبَحْتِ مُؤْمِنَةً عَلَىَ الْكَثْرَةِ الْكَافِرَةِ.

وَسُحِقَ الَلّهَ تَعَالَىْ الْكَافِرِيْنَ. أُغْرِقُهُمْ بِالَّطُّوْفَانِ، وصْعَقَهُمْ بَالصُّرْخَةٌ. أَوْ خَسْفٍ بِهِمْ الْأَرْضَ. مَاذَا نَنْتَظِرُ إِذَنْ؟ وَمَنْ أَيْنَ نَعْلَمُ أَنَّ وُقُوْفَنَا وَرَاءَ الفِرْعَوْنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا وَيُهْلِكَنَا جَمِيْعا؟

كَانَ حَدِيْثٌ الْرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ يَنْطَوِيْ عَلَىَ عَدِيْدُ مِنْ الْتَّحْذِيْرَاتِ الْمُخِيفَةً. وَيَبْدُوَ أَنَّهُ أَقْنِعْ الْحَاضِرِيْنَ بِأَنَّ فِكْرَةٌ قُتِلَ مُوْسَىْ فِكْرَةٌ غَيْرِ مَأْمُوْنَةٌ الْعَوَاقِبِ. وَبِالتَّالِيَ فَلَا دَاعِيَ لَهَا.

إِلَا أَنْ الْطَّاغِيَةِ فِرْعَوْنَ حَاوَلَ مَرَّةً أُخْرَىَ الْمُحَاوَرَةُ وَالتَّمْوِيْهِ، كَيْ لَا يُوَاجِهُ الْحَقِّ جَهْرَةً، وَلَا يَعْتَرِفُ بِدَعْوَةٍ الْوَحْدَانِيَّةِ الَّتِيْ تَهُزُّ عَرْشِهِ. وَبُعَيْدَ عَنْ احْتِمَالٍ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا فَهُمْ فِرْعَوْنَ وَإِدْرَاكِهِ. فَطَلَبَ أَنْ يُبْنَىْ لَهُ بِنَاءً عَظِيْمٌ، يَصْعَدُ عَلَيْهِ لِيَرَىْ إِلَهٌ مُوْسَىْ الَّذِيْ يَدَّعِيْهِ.

وَبَعِيْدَا أَنْ يَكُوْنَ جَادا فِيْ الْبَحْثِ عَنْ إِلَهِ مُوْسَىْ عَلَىَ هَذَا الْنَّحْوِ الْمَادِّيِّ الْسَّاذَجِ. وَقَدْ بَلَغَ فَرَاعِنَةِ مِصْرَ مِنْ الْثَّقَافَةِ حَدَّا يُبْعِدُ مَعَهُ هَذَا الْتَّصَوُّرِ. وَإِنَّمَا هُوَ الاسْتِهْتَارُ وَالسُّخْرِيَةَ مِنْ جِهَةِ. وَالْتَّظَاهُرِ بِالْإِنْصَافِ وَالتَّثَبُّتِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىَ.

بَعْدَ هَذَا الاسْتِهْتَارُ، وَهَذَا الْإِصْرَارِ، أَلْقَىَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنِ كَلِمَتَهُ الْأَخِيرَةِ مُدَوِّيَةٌ صَرِيْحَةٌ:
وَقَالَ الَّذِيْ آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوْنِ أَهْدِكُمْ سَبِيِلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الْدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحا مِّنَ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُوْنَ فِيْهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوُكُمْ إِلَىَ الْنَّجَاةِ وَتَدْعُوْنَنِيْ إِلَىَ الْنَّارِ (41) تَدْعُوْنَنِيْ لِأَكْفُرَ بِالْلَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِيَ بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوُكُمْ إِلَىَ الْعَزِيْزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُوْنَنِيْ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِيْ الْدُّنْيَا وَلَا فِيْ الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَىَ الْلَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِيْنَ هُمْ أَصْحَابُ الْنَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُوْنَ مَا أَقُوْلُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيْ إِلَىَ الْلَّهِ إِنَّ الْلَّهَ بَصِيْرٌ بِالْعِبَادِ (44) (غَافِرِ)

أَنْهَى الْرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ حَدِيْثِهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْشَّجَاعَةِ. بَعْدَهَا انْصَرَفَ. انْصَرَفَ فَتَحَوَّلَ الْجَالِسُوْنَ مِنْ مُوْسَىْ إِلَيْهِ. بَدَءُوْا يَمْكُرُوْنَ لِلْرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ. بَدَءُوْا يَتَحَدَّثُوْنَ عَمَّا صَدَرْ مِنْهُ. فَتَدَخَّلَتْ عِنَايَةٌ الْلَّهُ تَعَالَىْ (فَوَقَاهُ الْلَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوْا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ) وأنَجَتِهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُوْدَهُ.

ابْتِلَاءً الْلَّهَ أَهْلِ مِصْرَ:

أَمَّا حَالُ مِصْرَ فِيْ تِلْكَ الْفَتْرَةِ. فَلَقَدْ مَضَىْ فِرْعَوْنُ فِيْ تَهْدِيْدِهِ، فَقُتِلَ الْرِّجَالِ وَاسْتَحْيَا الْنِّسَاءِ. وَظِلٍّ مُوْسَىْ وَقَوْمَهُ يَحْتَمِلُوْنَ الْعَذَابِ، وَيَرْجُوْنَ فَرَّجَ الْلَّهُ، وَيَصْبِرُوْنَ عَلَىَ الِابْتِلَاءِ. وَظِلٍّ فِرْعَوْنُ فِيْ ظِلَالِهِ وَتَحَدَّيْهِ.

فَتَدَخَّلَتْ قُوَّةً الْلَّهْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ، وَشَاءَ الَلّهَ تَعَالَىْ أَنْ يُشَدِّدَ عَلَىَ آَلِ فِرْعَوْنَ. ابْتِلَاءً لَهُمْ وَتَخْوِيْفِا، وَلِكَيْ يَصْرِفُهُمْ عَنْ الْكَيْدُ لِمُوْسَى وَمَنْ آَمَنَ مَعَهُ، وَإِثْبَاتا لَنُّبُوَّةِ مُوْسَىْ وَصِدْقَهُ فِيْ الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَهَكَذَا سُلِّطَ عَلَىَ الْمِصْرِيِّيْنَ أَعْوَامٍ الْجَدْبِ. أَجْدَبَتْ الْأَرْضِ وَشُحٌّ الْنَّيْلِ وَنَقَصَتْ الْثِّمَارِ وَجَاعَ الْنَّاسِ، وَاشْتَدَّ الْقَحْطِ. لَكِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ لَمْ يُدْرِكُوْا الْعَلَاقَةٌ بَيْنَ كُفْرُهُمْ وَفِسْقِهِمْ وَبَيْنَ بَغْيِهِمْ وَظُلْمِهِمْ لِعِبَادِ الْلَّهِ. فَأَخَذُوا يُعَلِّلُونَ الْأَسْبَابُ.

فَعِنْدَمَا تُصِيْبَهُمْ حَسَنَةً، يَقُوْلُوْنَ إِنَّهَا مِنْ حُسْنِ حَظُّهُمْ وَأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّوْنَهَا. وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ سَيِّئَةٍ قَالُوْا هِيَ مِنْ شُؤْمِ مُوْسَىْ وَمَنْ مَّعَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِمْ!
وَأَخَذَتْهُمُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَاعْتَقَدُوْا أَنَّ سِحْرٌ مُوْسَىْ هُوَ الْمَسْئُوْلُ عَمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ قَحْطٍ. وَصُوَرُ لَهُمْ حُمْقَهُمْ أَنِ هَذَا الْجَدْبِ الَّذِيْ أَصَابَ أَرْضَهُمْ، آَيَةً جَاءَ بِهَا مُوْسَىْ لِيَسِحْرِهُمْ بِهَا، وَهِيَ آَيَةٌ لَنْ يْؤْمِنُوا بِهَا مَهْمَا حَدَثَ.

فَشَدَّدَ الْلَّهُ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْنَ إِلَىَ الْلَّهِ، وَيُطْلِقُونَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَيُرْسِلُونَهُمْ مَعَهُ. فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْطُّوفَانَ، وَالْجَرَادَ، وَالْقُمَّلَ -وَهُوَ الْسُّوْسُ- وَالْضَّفَادِعَ، وَالْدَّمَ. وَلَا يَذْكُرُ الْقُرْآَنُ إِنَّ كَانَتْ جُمْلَةَ وَاحِدَةً، أَمْ وَاحِدَةٍ تِلْوَ الْأُخْرَى.

وَتَذَكَّرْ بَعْضٍ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا جَاءَتْ مُتَتَالِيَةً وَحْدَةُ تِلْوَ الْأُخْرَى. إِلَا أَنْ الَمُهُمْ هُوَ طَلَبُ آَلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُوْسَىْ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ رَبِّهِ لِيُنْقِذَهُمْ مِنْ هَذَا الْبَلَاءِ. وْبْعُدُونَهُ فِيْ كُلِّ مَرَّةٍ أَنْ يُرْسِلُوْا بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ إِذَا أَنْجَاهُمْ وَرَفَعَ عَنْهُمْ هَذَا الْبَلَاءِ (قَالُوَا يَا مُوْسَىْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيَّ إِسْرَآئِيْلَ).

فَكَانَ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- يَدْعُوَ الْلَّهَ بِأَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ الْعَذَابُ. وَمَا أَنْ يَنْكَشِفَ الْبَلَاءِ حَتَّىَ يَنْقُضُوْنَ عَهْدَهُمْ، وَيَعُوْدُوْنَ إَلَىْ مَا كَانُوْا فِيْهِ (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْرِّجْزَ إِلَىَ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوْهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ).
لَمْ يَهْتَدِ الْمِصْرِيُّوْنَ، وَلَمْ يُوْفُوْا بِّعُهُوْدِهِمْ، بَلْ عَلَىَ الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. خَرَجَ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ، وَأَعْلَنَ أَنَّهُ إِلَهٌ. أَلَيْسَ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ، وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِيَ مِنْ تَحْتِهَ، أُعْلِنَ أَنَّ مُوْسَىْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. وَرَجُلٌ فَقِيْرٌ لَا يَرْتَدِيَ أَسْوِرَةٌ وَاحِدَةً مِنَ الْذَّهَبِ.

وَيُعَبَّرُ الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمِ عَنْ أَمْرِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوْهُ). اسْتَخَفَّ بِعُقُوْلِهِمْ. وَاسْتَخَفَّ بِحُرِّيْتِهُمْ. وَاسْتَخَفَّ بِمُسْتَقْبَلِهِمُ. وَاسْتَخَفَّ بآدِمَيْتِهُمْ. فَأَطَاعُوْهُ.

أَلَيْسَتْ هَذِهِ طَاعَةٌ غَرِيْبَةٌ. تَنْمَحِيَ الْغَرْابَةِ حِيْنَ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوْا قَوْما فَاسِقِيْنَ. إِنَّ الْفِسْقْ يَصْرِفُ الْإِنْسَانَ عَنْ الالْتِفَاتِ لِمُسْتَقْبَلِهِ وَمَصَالِحِهِ وَأُمُوْرِهِ، وَيُوْرِدُهُ الْهَلَاكِ. وَذَلِكَ مَا وَقَعَ لِقَوْمٍ فِرْعَوْنَ.

خُرُوْجٍ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ مِنْ مِصْرَ:

بَدَا وَاضِحَا أَنَّ فِرْعَوْنَ لَنْ يُؤْمِنَ لِمُوْسَى. وَلَنْ يَكُفَّ عَنْ تَعْذِيْبِهِ لِبَنِيْ إِسْرَائِيْلَ، وَلَنْ يَكُفَّ عَنْ اسْتِخْفَافِهِ بِقَوْمِهِ. هُنَالِكَ دَعَا مُوْسَىْ وَهَارُوْنَ عَلَىَ فِرْعَوْنَ.

وَقَالَ مُوْسَىْ رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِيْنَةً وَأَمْوَالِا فِيْ الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيِلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىَ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىَ قُلُوْبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوْا حَتَّىَ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيْبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيْمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيِلَ الَّذِيْنَ لَا يَعْلَمُوْنَ (89) (يُوْنُسَ)

لَمْ يَكُنْ قَدْ آَمَنَ مَعَ مُوْسَىْ فَرِيْقٌ مِّنَ قَوْمِهِ. فَانْتَهَىَ الْأَمْرُ، وَأُوْحِيَ إِلَىَ مُوْسَىْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ مَعَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. وَأَنْ يُكَوِّرُ رَحِيْلِهِمْ لَيْلَا، بَعْدِ تَدْبِيْرٍ وَتَّنْظِيْمِ لِأَمْرِ الْرَّحِيْلِ. وَنَبَأَهُ أَنْ فِرْعَوْنَ سَيَتَبِعَهُمْ بِجُنْدِهِ؛ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُوْمُ قَوْمِهِ إِلَىَ سَاحِلِ الْبَحْرِ (وَهُوَ فِيْ الْغَالِبِ عِنْدَ الْتِقَاءِ خَلِيْجِ السُّوَيْسِ بِمطَّقةً الْبُحَيْرَاتِ).

وَبَلَغَتِ الْأَخْبَارِ فِرْعَوْنَ أَنَّ مُوْسَىْ قَدْ صَحِبَ قَوْمِهِ وَخَرَجَ. فَأَرْسَلَ أَوَامِرَهُ فِيْ مُدُنِ الْمَمْلَكَةِ لِحَشْدِ جَيْشٌ عَظِيْمٌ. لَيُدْرِكُ مُوْسَىْ وَقَوْمَهُ، وَيُفْسِدُ عَلَيْهِمْ تَدْبِيْرِهِمْ. أُعْلِنَ فِرْعَوْنَ الْتَّعْبِئَةِ الْعَامَّةِ.

وَهَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْكُلَ صُوْرَةِ فِيْ الْأَذْهَانِ، أَنَّ مُوْسَىْ وَقَوْمَهُ يُشَكِّلُونَ خَطَرَا فَعَلَىَّ فِرْعَوْنَ وَمُلْكُهُ، فَيَكُفَّ يَكُوْنُ إِلَها مِنْ يَخْشَىُ فِئَةٍ صَغِيْرا يَعْبُدُوْنَ إِلَهَ آَخَرَ؟! لِذَلِكَ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَهْوِيْنِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ بِتَقْلِيْلِ شَأْنٍ قَوْمٍ مُوْسَىْ وَحَجَمِهُمْ (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيْلُوْنَ) لَكِنَّنَا نُطارِدُهم لِأَنَّهُمْ أَغَاظُوْنا، وَعَلَىَ أَيِّ حَالٍ، فَنَحْنُ حَذِرُوْنَ مُسْتَعِدُّوْنَ مُمْسِكوْنْ بِزِمَامِ الْأُمُورِ.

وَقَفَ مُوْسَىْ أَمَامَ الْبَحْرْ. وَبَدَا جَيْشِ الفِرْعَوْنْ يَقْتَرِبُ، وَظَهَرَتْ أَعْلَامَهُ. وَامْتَلَأَ قَوْمٍ مُوْسَىْ بِالْرُّعْبِ. كَانَ الْمَوْقِفِ حَرَجا وَخَطِيْرِا. إِنَّ الْبَحْرَ أَمَامَهُمْ وَالْعَدُوُّ وَرَائِهِمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ سُفُنٌ أَوْ أَدَوَاتٌ لِعُبُورِ الْبَحْرِ، كَمَا لَيْسَتْ أَمَامَهُمْ فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْقِتَالِ. إِنَّهُمْ مَجْمُوْعَةٌ مِنَ الْنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالْرِّجَالُ غَيْرَ الْمُسَلَّحِينَ. سَيَذَبَّحَهُمْ فِرْعَوْنُ عَنْ آَخِرِهِمْ.

صَرَخَتْ بَعْضَ الْأَصْوَاتِ مِنْ قَوْمٍ مُوْسَىْ: سَيُدْرِكُنَا فِرْعَوْنَ. قَالَ مُوْسَىْ: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّيَ سَيَهْدِيْنِ). لَمْ يَكُنْ يَدْرِيَ مُوْسَىْ كَيْفَ سّتِكَوْنُ الْنَّجَاةِ، لَكِنْ قَلْبُهُ كَانَ مُمْتَلِئا بِالثِّقَةِ بِرَبِّهِ، وَالْيَقِينْ بِعَوْنِهِ، وَالَتَأَكَّدَ مِنَ الْنَّجَاةِ، فَاللَّهُ هُوَ الَّلِيْ يُوَجِّهْهُّ وَيَرْعَاهُ.

وَفِيْ الْلَّحْظَةِ الْأَخِيْرَةِ، يَجِيْءُ الْوَحْيُ مِنْ الْلَّهِ (فَأَوْحَيْنَا إِلَىَ مُوْسَىْ أَنِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ) فَضَرَبَهُ، فَوَقَعَتْ الْمُعْجِزَةٌ (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالَطَّوْدِ الْعَظِيْمِ) وَتَحَقُّقِهِ الْمُسْتَحِيْلْ فِيْ مَنْطِقِ الْنَّاسِ، لَكُنَّ الْلَّهِ إِنَّ أَرَادَ شَيْئا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُوْنُ.
وَوَصَلَ فِرْعَوْنَ إِلَىَ الْبَحْرِ. شَاهِدٌ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ.

شَاهِدٌ فِيْ الْبَحْرِ طَرِيْقا يَابِسا يَشُقُّهُ نِصْفَيْنِ. فَأَمَرَ جَيْشِهِ بِالتَّقَدُّمِ. وَحِيْنَ انْتَهَىَ مُوْسَىْ مِنْ عُبُوْرِ الْبَحْرِ. وَأَوْحَىَ الْلَّهُ إِلَىَ مُوْسَىْ أَنْ يُتْرَكَ الْبَحْرِ عَلَىَ حَالِهِ (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُوْنَ).

وَكَانَ الْلَّهُ تَعَالَىْ قَدْ شَاءَ إِغْرَاقُ الفِرْعَوْنْ. فَمَا أَنْ صَارَ فِرْعَوْنُ وَجُنُوْدُهُ فِيْ مُنْتَصَفِ الْبَحْرِ، حَتَّىَ أَصْدَرَ الْلَّهُ أَمْرَهُ، فَانْطَبَقَتْ الْأَمْوَاجُ عَلَىَ فِرْعَوْنَ وَجَيْشَهُ. وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَجَيْشَهُ. غَرِقَ الْعِنَادِ وَنَجَا الْإِيْمَانِ بِالْلَّهِ.

وَلَمَّا عَايَنَ فِرْعَوْنَ الْغَرَقُ، وَلَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ الْنَّجَاةِ (قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلِـهَ إِلَا الَّذِيْ آَمَنَتْ بِهِ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ) سَقَطَتْ عَنْهُ كُلَّ الْأَقْنِعَةِ الزَّائِفَةِ، وَتَضَائَلَ، فَلَمْ يَكْتَفِيَ بِأَنْ يُعْلِنُ إِيْمَانِهِ، بَلْ وَالِاسْتِسْلَامِ أَيْضا (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ) لَكِنْ بِلَا فَائِدَةٍ، فَلَيْسَ الْآَنَ وَقْتُ اخْتِيَارٍ، بَعْدَ أَنْ سَبَقَ الْعِصْيَانِ وَالاسْتِكْبَارُ: (آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِيْنَ).

انْتَهَىَ وَقْتُ الْتَّوْبَةَ الْمُحَدَّدِ لَكِ وَهَلَكَتْ. انْتَهَىَ الْأَمْرُ وَلَا نَجَاةٌ لَكِ. سَيَنْجُو جَسَدِكَ وَحْدَهُ. لَنْ تَأْكُلَهُ الْأَسْمَاكُ، وَلِيَنُ يَحْمِلُهُ التَّيَّارِ بَعِيْدا عَنِ الْنَّاسِ، بَلْ سَيَنْجُو جَسَدُكَ لِتَكُوْنَ آَيَةً لِمَنْ خَلْفَكَ.
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُوْنَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيْرا مِّنَ الْنَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) (يُوْنُسَ)

أُسْدِلَ الْسَّتَارِ عَلَىَ طُغْيَانِ الفِرْعَوْنْ. وَلَفَظَتْ الْأَمْوَاجُ جُثَّتَهُ إِلَىَ الْشَّاطِئِ. بَعْدَ ذَلِكَ. نَزَلَ الْسِّتَارِ تَمَاما عَنْ الْمِصْرِيِّيْنَ. لَقَدْ خَرَجُوْا يَتَّبِعُوْنَ خَطّا مُوْسَىْ وَقَوْمَهُ وَيَقِفُونَ أَثَرَهُمْ. فَكَانَ خُرُوْجِهِمْ هَذَا هُوَ الْأَخِيرُ.

وَكَانَ إِخْرَاجا لَهُمْ مِنْ كُلِّ مَا هُمْ فِيْهِ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُوْنٍ وَكُنُوْزٍ؛ فَلَمْ يَعُوْدُوْا بَعْدَهَا لِهَذَا الْنَّعِيمِ! لَا يُحَدِّثُنَا الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمِ عَمَّا فَعَلَهُ مَنْ بَقِىَ مِنْ المُصرَّرِينَ فِيْ مِصْرَ بَعْدَ سُقُوْطِ نِظَامٍ الفِرْعَوْنْ وَغَرَّقَهُ مَعَ جَيْشِهِ.

لَا يُحَدِّثُنَا عَنْ رُدُوْدْ فِعْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ دَمَّرَ الْلَّهُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوْا يُشَيِّدُونَ. يَسْكُتُ السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ عَنْهُمْ. وَيَسْتَبْعِدُهُمْ تَمَامَا مِنَ الْتَّارِيْخِ وَالْأَحْدَاثَ.




مُوْسَىْ عليه السلام 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26825
العمر : 67

مُوْسَىْ عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: مُوْسَىْ عليه السلام   مُوْسَىْ عليه السلام Emptyالثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 6:28 am



الْجُزْءُ الْثَّالِثُ

نَفْسِيَّةٌ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ الْذَّلِيْلَةُ:


لَقَدْ مَاتَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ. غَرِقَ أَمَامَ عُيُوْنِ الْمِصْرِيِّيْنَ وَبَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. وَرَغْمَ مَوْتِهِ، فَقَدْ ظَلَّ أَثَرِهِ بَاقِيا فِيْ نُفُوْسِ الْمِصْرِيِّيْنَ وَبَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. مِنَ الْصَّعْبِ عَلَىَ سَنَوَاتٍ الْقَهْرِ الْطَّوِيْلَةِ وَالْذَلِ الْمُكَثَّفُ أَنَّ تَمُرُّ عَلَىَ نُفُوْسٍ الْنَّاسِ مُرّ الْكِرَامِ.

لَقَدْ عُوِّدَ فِرْعَوْنَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ الذُّلِّ لِغَيْرِ الْلَّهِ. هُزِمَ أَرْوَاحُهُمْ وَأَفْسَدَ فِطْرَتِهِمْ فَعُذِّبُوا مُوْسَىْ عَذَابا شَدِيْدا بِالْعِنَادِ وَالْجَهْلِ.
كَانَتْ مُعْجِزَةٌ شَقَّ الْبَحْرُ لَمْ تَزَلْ طَرِيَّةً فِيْ أَذْهَانِهِمْ، حِيْنٍ مَرُّوْا عَلَىَ قَوْمٍ يَعْبُدُوْنَ الْأَصْنَامَ.

وَبَدَلَا مِنْ أَنْ يَظْهَرُوْا اسْتِيَائِهُمْ لِهَذَا الْظُّلْمِ لِلْعَقْلِ، وَيَحْمَدُوا الْلَّهُ أَنْ هَدَاهُمُ لِلْإِيْمَانِ. بَدَلَا مِنْ ذَلِكَ الْتَفِتُوْا إِلَىَ مُوْسَىْ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهَا يَعْبُدُوْنَهُ مِثْلَ هَؤُلاءِ الْنَّاسِ. أَدْرَكْتُهُمْ الْغَيْرَةِ لِمَرْأَى الْأَصْنَامَ، وَرَغِبُوا فِيْ مِثْلِهَا، وَعَاودُهُمْ الْحَنِيْنِ لَأَيَّامِ الْشِّرْكِ الْقَدِيْمَةَ الَّتِيْ عَاشُوْهَا فِيْ ظِلِّ فِرْعَوْنَ.

وَاسَتْلَفْتِهُمْ مُوْسَىْ إِلَىَ جَهْلِهِمْ هَذَا، وَبَيَّنَّ لَهُمْ أَنْ عَمِلَ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْلَّهَ فَضّلَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ عَلَىَ الْعَالَمِيْنَ فَكَيْفَ يَجْحَدُ هَذَا الْتَّفْضِيْلِ وَيَجْعَلْ لَهُمْ صَنَما يَعْبُدُوْنَهُ مِنْ دُوْنِ الْلَّهِ. ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ بِفِرْعَوْنَ وَعَذَابَهُ لَهُمْ، وَكَيْفَ أَنَّ الْلَّهَ نَجَّاهُمْ مِنْهُ، فَكَيْفَ بَعْدَ ذَلِكَ يُشْرِكُوْنَ بِالْلَّهِ مَالْا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.

مَوْعِدُ مُوْسَىْ لِمُلْاقَاةِ رَبِّهِ:

انْتَهَتْ الْمَرْحَلَةِ الْأُوْلَىْ مِنْ مُهِمَّةِ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ، وَهِيَ تَخْلِيْصُ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ مِنْ حَيَاةٍ الذُّلِّ وَالتَّعْذِيْبِ عَلَىَ يَدِ فِرْعَوْنَ وَجُنُدُهُ. وَالسِّيَرِ بِهِمْ إِلَىَ الْدِّيَارِ الْمُقَدَّسَةِ. لَكِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُوْنُوْا عَلَىَ اسْتِعْدَادٍ لِلْمُهِمَّةِ الْكُبْرَىَ، مُهِمَّةٌ الْخِلَافَةِ فِيْ الْأَرْضِ بِدَيْنٍ الْلَّهِ. وَكَانَ الِاخْتِبَارِ الْأَوَّلِ أَكْبَرُ دَلِيْلٍ عَلَىَ ذَلِكَ.

فَمَا أَنْ رَأَوْا قَوْما يَعْبُدُوْنَ صَنَمَا، حَتَّىَ اهْتَزَّتِ عَقِيْدَةِ الْتَّوْحِيْدِ فِيْ نُفُوْسِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنَ مُوْسَىْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ وَثَنا يَعْبُدُوْهُ. فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ رِسَالَةٍ مِفْصَلَةٌ لِتَرْبِيَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وِإِعْدَادِهَا لِمَا هُمْ مُقْبِلُونَ عَلَيْهِ. مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْرِّسَالَةِ كَانَتْ مُوَاعَدَةٍ الْلَّهِ لِعَبْدِهِ مُوْسَىْ لِيُلْقَاهُ.

وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُوَاعَدَةُ إِعْدَادُ لِنَفْسٍ مُوْسَىْ لِيَتَهَيَّأَ لِلْمَوْقِفِ الْهَائِلَ الْعَظِيْمُ. فَاسْتَخْلَفَ فِيْ قَوْمِهِ أَخَاهُ هَارُوَنَ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ.

كَانَتْ فَتْرَةٍ الْإِعْدَادِ ثَلَاثِيْنَ لَيْلَةً، أُضِيْفَ إِلَيْهَا عَشْرَ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً. يُرَوِّضَ مُوْسَىْ فِيْهَا نَفْسَهُ عَلَىَ الْلِّقَاءِ الْمَوْعُوْدِ؛ وَيَنْعَزِلُ فِيْهَا عَنْ شَوَاغِلٌ الْأَرْضِ؛ فَتَصْفُوَ رُوْحُهُ وَتَتَقَوَّى عَزِيْمَتُهُ.

وَيُذْكَرَ ابْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ عَنْ أَمْرِ هَذِهِ الْلَّيَالِي: "فَذَكَرَ تَعَالَىْ أَنَّهُ وَاعَدَ مُوْسَىْ ثَلَاثِيْنَ لَيْلَةً؛ قَالَ الْمُفَسِّرُوْنَ: فَصَامَهَا مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- وَطَوَاهَا، فَلَمَّا تَمَّ الْمِيْقَاتُ اسْتَاك بِلِحَاءِ شَجَرَةٍ، فَأَمَرَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ أَنْ يُكْمِلُ الْعَشَرَةِ أَرْبَعِيْنَ".

كَانَ مُوْسَىْ بِصَوْمِهِ -أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً- يَقْتَرِبُ مِنَ رَبِّهِ أَكْثَرَ. وَكَانَ مُوْسَىْ بِتَكْلِيمِ الْلَّهِ لَهُ يَزْدَادَ حُبّا فِيْ رَبِّهِ أَكْثَرَ. فَطَلَبَ مُوْسَىْ أَنْ يَرَىَ الْلَّهَ. وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ أَيْ مَشَاعِرَ كَانَتْ تَجِيْشُ فِيْ قَلْبِ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْصَّلَاةُ وَالْسَّلَامُ حِيْنَ سَأَلَ رَبَّهُ الْرُّؤْيَةِ.

أَحْيَانَا كَثِيْرَةً يَدْفَعُ الْحُبِّ الْبَشَرِيَّ الْنَاسْ إِلَىَ طَلَبِ الْمُسْتَحِيْلْ. فَمَا بَالُكَ بِالْحُبِّ الْإِلَهِيِّ، وَهُوَ أَصْلُ الْحُبِّ؟ إِنَّ عُمْقِ إِحَسَّاسْ مُوْسَىْ بِرَبِّهِ، وَحُبَّهُ لِخَالِقِهِ، وَانْدِفَاعُهُ الَّذِيْ لَمْ يَزَلْ يُمَيِّزُ شَخْصِيَّتِهِ.

دُفْعَهً هَذَا كُلُّهُ إِلَىَ أَنْ يَسْأَلَ الْلَّهَ الْرُّؤْيَةِ.
وَجَاءَهُ رَدَّ الْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ: قَالَ لَنْ تَرَانِيْ
وَلَوْ أَنَّ الْلَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ قَالَهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئا، لَكَانَ هَذَا عَدْلَا مِنْهُ سُبْحَانَهُ، غَيْرِ أَنْ الْمَوْقِفِ هُنَا مَوْقِفُ حَبَّ إِلَهِيْ مِنْ جَانِبِ مُوْسَىْ.

مَوْقِفِ انْدِفَاعٌ يُبَرِّرُهُ الْحُبِّ وَلِهَذَا أَدْرَكْتُ رَحْمَةِ الْلَّهِ تَعَالَىْ مُوْسَىْ. أَفْهَمُهُ أَنَّهُ لَنْ يَرَاهُ، لِأَنَّ أَحَدا مِنْ الْخَلْقِ لَا يَصْمُدُ لِنُّورِ الْلَّهِ. أَمْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَىَ الْجَبَلِ، فَإِنَّ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ يَرَاهُ.
قَالَ تَعَالَىْ: (وَلَـكِنِ انْظُرْ إِلَىَ الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِيْ فَلَمَّا تَجَلَّىَ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكا وَخَرَّ مُوْسَىْ صَعِقا) لَا يَصْمُدُ لِنُّورِ الْلَّهُ أَحَدٌ.

فَدُكَّ الْجَبَلِ، وَصَارَ مُسَوّىً فِيْ الْأَرْضِ. وَسَقَطَ مُوْسَىْ مَغْشِيّا عَلَيْهِ غَائِبَا عَنْ وَعْيِهِ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تَنَزَّهَتْ وَتَعَالَيْتَ عَنْ أَنْ تَرَىَ بِالْأَبْصَارِ وَتُدْرِكُ. وَتَبَّتْ إِلَيْكَ عَنْ تُجَاوِزُنِي لِلْمَدَىْ فِيْ سُؤَالِكَ! وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِيْنَ بِكَ وَبِعَظَمَتِكَ.

ثُمَّ تَتَدَارَكَهُ رَحْمَةٍ رَبِّهِ مِنْ جَدِيْدٍ. فَيَتَلَقَّىْ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- الْبُشْرَىَ. بُشْرَىَ الِاصْطِفَاءِ. مَعَ الْتَّوْجِيْهِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَىَ قَوْمِهِ بَعْدَ الْخَلَاصِ. قَالَ تَعَالَىْ: (قَالَ يَا مُوْسَىْ إِنِّيَ اصْطَفَيْتُكَ عَلَىَ الْنَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِيِّ فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الْشَّاكِرِيْنَ)

وَقَفَ كَثِيْرٍ مِّنَ الْمُفَسِّرِيْنَ أَمَامَ قَوْلُهُ تَعَالَىْ لِمُوْسَى: (إِنِّيَ اصْطَفَيْتُكَ عَلَىَ الْنَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِيِّ). وَأَجْرَيْتَ مُقَارَنَاتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. فَقِيْلَ إِنَّ هَذَا الِاصْطِفَاءِ كَانَ خَاصا بِعَصْرِهِ وَحْدَهُ، وَلَا يَنْسَحِبُ عَلَىَ الْعَصْرِ الَّذِيْ سَبَقَهُ لِوُجُوْدِ إِبْرَاهِيْمَ فِيْهِ، وَإِبْرَاهِيْمَ خَيْرٌ مِنْ مُوْسَىْ، أَيْضا لَا يَنْطَبِقُ هَذَا الِاصْطِفَاءِ عَلَىَ الْعَصْرِ الَّذِيْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ، لِوُجُوْدِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الْلَّهِ فِيْهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا.

وَنُحِبُّ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ هَذَا الْجِدَالَ كُلِّهِ. لَا لِأَنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ سَوَاءْ. إِذَ إِنَّ الَلّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ يُحَدِّثُنَا أَنَّهُ فَضْلِ بَعْضِ الْنَّبِيِّيْنَ عَلَىَ بَعْضٍ، وَرَفَعَ دَرَجَاتٍ بَعْضُهُمْ عَلَىَ الْبَعْضِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْتَّفْضِيْلِ يَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ مِنْطَقَةِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنَا، وَلْنَقِفْ نَحْنُ فِيْ مَوْقِعِ الإِيْمَانِ بِجَمِيْعِ الْأَنْبِيَاءِ لَا نَتَعَدَّاهُ.

وَلْنُؤَدِّ نَحْوَهُمْ فُرُوْضِ الاحْتِرَامُ عَلَىَ حَدٍّ سَوَاءٍ. لَا يَنْبَغِيْ أَنْ يَخُوْضَ الْخَاطِئُونَ فِيْ دَرَجَاتٍ الْمَعْصُومِينَ الْمُخْتَارِيْنَ مِنْ الْلَّهِ. لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ أَنْ نُفَاضِلُ نَحْنُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ. الْأُوْلَىْ أَنْ نُؤْمِنَ بِهِمْ جَمِيْعا.

ثُمَّ يُبَيِّنُ الْلَّهُ تَعَالَىْ مَضْمُوْنُ الْرِّسَالَةِ (وَكَتَبْنَا لَهُ فِيْ الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلَا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوَا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيْكُمْ دَارَ الْفَاسِقِيْنَ) فَفِيْهَا كُلِّ شَيْءْ يَخْتَصُّ بِمَوْضُوْع الْرِّسَالَةِ وَغَايَتُهَا مِنْ بَيَانِ الْلَّهِ وَشَرِيْعَتِهِ وَالتَّوْجِيْهَاتِ الْمَطْلُوْبَةِ لِإِصْلَاحِ حَالٍ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَطَبِيْعَتِهَا الَّتِيْ أَفْسَدَهَا الذُّلِّ وَطُوْلِ الْأَمَدُ!

عُبَادَةَ الْعِجْلَ:


انْتَهَىَ مِيْقَاتُ مُوْسَىْ مَعَ رَبِّهِ تَعَالَىْ. وَعَادٍ غَضْبَانَ أَسِفا إِلَىَ قَوْمِهِ. فَلَقَدْ أَخْبَرَهُ الْلَّهُ أَنْ قِمُوهُ قَدْ ضَلُّوْا مِنْ بَعْدِهِ. وَأَنَّ رَجُلا مِنَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ يُدْعَىَ الْسَّامِرِيُّ هُوَ مِنْ أَضَلِّهِمْ. انْحَدَرَ مُوْسَىْ مِنَ قِمّةُ الْجَبَلِ وَهُوَ يَحْمِلُ أَلْوَاحٍ الْتَّوْرَاةِ، قَلْبِهِ يَغْلِيَ بِالْغَضَبِ وَالْأَسَفُ.

نَسْتَطِيْعُ أَنْ نَتَخَيَلَ انْفِعَالِ مُوْسَىْ وَثَوْرَتِهِ وَهُوَ يَحُثُّ خُطَاهُ نَحْوَ قَوْمِهِ.
لَمْ يَكَدْ مُوْسَىْ يُغَادِرُ قَوْمِهِ إِلَىَ مِيْقَاتِ رَبِّهِ. حَتَّىَ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ الْسَّامِرِيُّ. وَتَفْصِيْلَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ أَنَّ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ حِيْنَ خَرَجُوْا مِنْ مِصْرَ، صَحِبُوا مَعَهُمْ كَثِيْرَا مِنْ حُلِيٍّ الْمِصْرِيِّيْنَ وَذَهَبُهُمْ، حَيْثُ كَانَتْ نِسَاءٌ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ قَدْ استُعُرْنّهُ لِلْتَّزَيُّنِ بِهِ، وَعِنْدَمَا أُمِرُوَا بِالْخُرُوْجِ حَمَلُوْهُ مَعَهُمْ. ثُمَّ قَذَفُوْهَا لِأَنَّهَا حَرَامٌ. فَأَخَذَهَا الْسَّامِرِيُّ، وَصَنَعَ مِنْهَا تِمْثَالَا لَعَجَّلَ.

وَكَانَ الْسَّامِرِيُّ فِيْمَا يَبْدُوَ نَحّاتا مُحْتَرِفَا أَوْ صَائِغَا سَابِقَا، فَصَنَعَ الْعِجْلَ مُجَوَّفا مِنَ الْدَّاخِلِ، وَوَضَعَهُ فِيْ اتِّجَاهِ الرِّيَحُ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ الْهَوَاءَ مِنْ فَتَحْتُهُ الْخَلْفِيَّةُ وَيَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ فَيُحَدِّثُ صَوْتا يُشْبِهُ خُوَارٌ الْعَجُولُ الْحَقِيقِيَّةِ.

وَيُقَالُ إِنَّ سَرَّ هَذَا الْخُوَارِ، أَنَّ الْسَّامِرِيُّ كَانَ قَدْ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ سَارَ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- حِيْنَ نَزَلَ إِلَىَ الْأَرْضِ فِيْ مُعْجِزَةٌ شَقَّ الْبَحْرِ.

أَيُّ أَنَّ الْسَّامِرِيُّ أَبْصَرَ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْرَّسُوْلِ -جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ الْسَّلامُ- فَوَضَعَهَا مَعَ الْذَّهَبِ وَهُوَ يَصْنَعُ مِنْهُ الْعِجْلَ. وَكَانَ جِبْرِيْلُ لَا يَسِيْرُ عَلَىَ شَيْءٍ إِلَّا دَبَّتْ فِيْهِ الْحَيَاةُ. فَلَمَّا أَضَافَ الْسَّامِرِيُّ الْتُّرَابُ إِلَىَ الْذَّهَبِ، ثُمَّ صُنِعَ مِنْهُ الْعِجْلَ، خَارَ الْعِجْلَ كَالْعُجُولِ الْحَقِيقِيَّةِ.

وَهَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الَّتِيْ قَالَهَا الْسَّامِرِيُّ لِمُوْسَى عَلَيْهِ الْسَّلَامُ.
بَعْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ الْسَّامِرِيُّ عَلَىَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ بِمَا صَنَعَهُ..
سَأَلُوْهُ: مَا هَذَا يَا سَامِرِيُّ؟
قَالَ: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوْسَىْ!
قَالُوْا: لَكِنِ مُوْسَىْ ذَهَبَ لِمِيْقَاتِ إِلَهَهُ.
قَالَ الْسَّامِرِيُّ: لَقَدْ نَسِيَ مُوْسَىْ. ذَهَبَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ هُنَاكَ، بَيْنَمَا رَبِّهِ هُنَا.

وَهَبَتْ مَوْجَةُ مِنَ الْرِّيَاحِ فَدَخَلْتُ مِنْ دُبُرٍ الْعِجْلَ الْذَّهَبِ وَخَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ فَخَارٍ الْعِجْلَ. وَعَبْدُ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ هَذَا الْعِجْلُ. لَعَلَّ دَهْشَةٍ الْقَارِئُ تَثُوْرُ لِهَذِهِ الْفِتْنَةِ. كَيْفَ يُمْكِنُ الِاسْتِخْفَافِ بِعُقُوْلِ الْقَوْمِ لِهَذِهِ الْدَّرَجَةِ؟! لَقَدْ وَقَعَتْ لَهُمْ مُعْجِزَاتْ هَائِلَةً.

فَكَيْفَ يَنْقَلِبُوْنَ إِلَىَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامَ فِيْ لَحْظَةٍ؟ تَزُوْلُ هَذِهِ الدَّهْشَةَ لَوْ نَظَرْنَا فِيْ نَفْسِيَّةِ الْقَوْمِ الَّذِيْنَ عَّبَدُوْا الْعِجْلَ.

لَقَدْ تَرَبَّوْا فِيْ مِصْرَ، أَيَّامٍ كَانَتْ مِصْرُ تَعْبُدِ الْأَصْنَامَ وَتَقَدَّسَ فِيْمَا تُقَدِّسُ الْعِجْلَ أَبِيَسُ، وَتَرَبَّوْا عَلَىَ الذُّلِّ وَالْعُبُوْدِيَّةُ، فَتَغَيَّرَتْ نُفُوْسِهِمْ، وَالْتَوَتْ فِطْرَتِهِمْ، وَمَرّتِ عَلَيْهِمْ مُعْجِزَاتْ الْلَّهِ فَصَادَفْتُ نُفُوْسَا تَالِفَةٌ الْأَمَلْ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْنَعَهُ لَهُمْ أَحَدٌ.

إِنَّ كَلِمَاتُ الْلَّهِ لَمْ تَعُدُّهُمْ إِلَىَ الْحَقِّ، كَمَا أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الْحِسِّيَّةِ لَمْ تُقْنِعُهُمْ بِصِدْقِ الْكَلِمَاتّ، ظَلُّوْا دَاخِلَ أَعْمَاقِهِمْ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. كَانُوْا وَثَنِيِّيْنَ مِثْلَ سَادَتِهِمْ الْمِصْرِيِّيْنَ الْقُدَمَاءِ. وَلِهَذَا الْسَّبَبِ انْقَلَبُوَا إِلَىَ عِبَادَةِ الْعِجْلِ.
وَفُوْجِئَ هَارُوَنَ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ يَوْمَا بِأَنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ يَعْبُدُوْنَ عِجْلا مِنَ الْذَّهَبِ. انْقَسَمُوا إِلَىَ قِسْمَيْنِ: الْأَقَلِّيَّةِ الْمُؤْمِنَةِ أَدْرَكْتُ أَنَّ هَذَا هُرَاءً. وَالَأَغْلْبِيّةً الْكَافِرَةِ طَاوَعْتَ حَنِيْنِهَا لِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. وَوَقَفَ هَارُوْنَ وَسَطِ قَوْمِهِ وَرَاحَ يَعِظُهُمْ.

قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ بِهِ، هَذِهِ فِتْنَةٌ، اسْتُغِلَّ الْسَّامِرِيُّ جَهْلِكُمْ وَفْتِنْكُمْ بِعَجَلَه. لَيْسَ هَذَا رَبُّكُمْ وَلَا رِبْ مُوْسَىْ (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الْرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُوْنِيْ وَأَطِيْعُوْا أَمْرِيْ).

وَرَفَضَ عَبْدَةُ الْعِجْلَ مَوْعِظَةٌ هَارُوْنَ. لَكِنْ هَارُوْنَ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- عَادَ يَعِظُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِمُعْجِزَاتٍ الْلَّهِ الَّتِيْ أَنْقَذَهُمْ بِهَا، وَتَكْرِيمِهِ وَرِعَايَتِهِ لَهُمْ، فَأَصِمُوا آَذَانِهِمْ وَرَفَضُوْا كَلِمَاتِهِ، وَاسْتَضْعَفُوهُ وَكَادُوْا يَقْتُلُوْنَهُ، وَأَنْهَوْا مُنَاقَشَةُ الْمَوْضُوْعِ بِتَأْجِيلِهِ حَتَّىَ عَوْدَةِ مُوْسَىْ.

كَانَ وَاضِحا أَنَّ هَارُوْنَ أَكْثَرَ لَيِّنا مِنْ مُوْسَىْ، لَمْ يَكُنْ يَهُابُهُ الْقَوْمِ لِلِيْنِهِ وَشَفَقَتِهِ. وَخَشِيَ هَارُوْنَ أَنَّ يَلْجَأُ إِلَىَ الْقُوَّةِ وَيُحَطِّمُ لَهُمْ صَنَمِهِمْ الَّذِيْ يَعْبُدُوْنَهُ فَتَثُورُ فِتْنَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ. فَآَثَرَ هَارُوْنَ تَأْجِيْلُ الْمَوْضُوْعِ إِلَىَ أَنْ يَحْضُرَ مُوْسَىْ.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ مُوْسَىْ بِشَخْصِيَّتِهِ الْقَوِيَّةُ، يَسْتَطِيْعُ أَنْ يَضَعَ حَدّا لِهَذِهِ الْفِتْنَةِ. وَاسْتَمَرَّ الْقَوْمِ يَرْقُصُوْنَ حَوْلَ الْعِجْلِ.

انْحَدَرَ مُوْسَىْ عَائِدا لِقَوْمِهِ فَسَمِعَ صِيَاحٍ الْقَوْمِ وَجَلَبَتُهُمْ وَهُمْ يَرْقُصُوْنَ حَوْلَ الْعِجْلِ. تَوَقَّفَ الْقَوْمِ حِيْنَ ظَهَرَ مُوْسَىْ وَسَادَ صَمْتُ. صَرَخَ مُوْسَىْ يَقُوْلُ: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُوْنِيْ مِنْ بَعْدِيَ).

اتَّجَهَ مُوْسَىْ نَحْوَ هَارُوْنَ وَأَلْقَىَ أَلْوَاحٍ الْتَّوْرَاةِ مِنْ يَدِهِ عَلَىَ الْأَرْضِ. كَانَ إِعْصَارُ الْغَضَبِ دَاخِلَ مُوْسَىْ يَتَحَكَّمُ فِيْهِ تَمَامَا. مُدَّ مُوْسَىْ يَدَيْهِ وَأَمْسَكَ هَارُوْنَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَشَعْرِ لِحْيَتِهِ وَشَدَّهُ نَحْوَهُ وَهُوَ يَرْتَعِشُ. قَالَ مُوْسَىْ:
يَا هَارُوْنُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوْا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِيْ (93) (طَهَ)

إِنَّ مُوْسَىْ يَتَسَاءَلُ هَلْ عَصَىَ هَارُوْنَ أَمْرِهِ. كَيْفَ سَكَتَ عَلَىَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ؟ كَيْفَ طَاوعِهُمْ عَلَىَ الْبَقَاءِ مَعَهُمْ وَلَمْ يَخْرُجْ وَيَتْرُكُهُمْ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ؟ كَيْفَ سَكَتَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ أَصْلَا؟ إِنَّ الْسَّاكِتُ عَنْ الْخَطَأِ مُشْتَرِكٍ فِيْهِ بِشَكْلٍ مَا.

زَادَ الْصَّمْتُ عُمْقَا بَعْدَ جُمْلَةٍ مُوْسَىْ الْغَاضِبَةِ. وَتُحَدِّثُ هَارُوْنَ إِلَىَ مُوْسَىْ. رَجا مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. بِحَقِّ انْتِمَائِهُما لِأُمِّ وَاحِدَةً. وَهُوَ يَذْكُرُهُ بِالْأُمِّ وَلَا يَذْكُرُهُ بِالْأَبِ لِيَكُوْنَ ذَلِكَ أَدْعَى لِاسْتِثَارَةً مَشَاعِرَ الْحِنْوُ فِيْ نَفْسِهِ.

أَفْهَمُهُ أَنَّ الْأَمَرُّ لَيْسَ فِيْهِ عِصْيَانَ لَهُ. وَلَيْسَ فِيْهِ رِضَا بِمَوْقِفِ عَبْدَةُ الْعِجْلَ. إِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَتْرُكَهُمْ وَيَمْضِيَ، فَيَسْأَلَهُ مُوْسَىْ كَيْفَ لَمْ يُبْقِ فِيْهِمْ وَقَدْ تَرَكَهُ مُوْسَىْ مَسْؤُوْلا عَنْهُمْ، وَخَشِيَ لَوْ قَاوْمِهُمْ بِعُنْفٍ أَنَّ يُثِيْرُ بَيْنَهُمْ قِتَالِا فَيَسْأَلَهُ مُوْسَىْ كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَنْتَظِرْ عَوْدَتِهِ.

أُفُّهُمْ هَارُوْنَ أَخَاهُ مُوْسَىْ بِرِفْقٍ وَلِيُنٍ أَنَّ الْقَوْمَ اسْتُضَعَفُوهُ، وَكَادُوْا يَقْتُلُوْنَهُ حِيْنَ قَاوْمِهُمْ. رَجا مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ حَتَّىَ لَا يَشْمَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ، وَيَسْتَخِفُّ بِهِ الْقَوْمَ زِيَادَةُ عَلَىَ اسْتِخْفَافِهِمْ بِهِ. أَفْهَمُهُ أَنَّهُ لَيْسَ ظَالِمَا مَثَلُهُمْ عِنَدَمّا سَكَتَ عَنْ ظُلْمِهِمْ.

أَدْرَكَ مُوْسَىْ أَنَّهُ ظَلَمَ هَارُوْنَ فِيْ غَضَبِهِ الَّذِيْ أَشْعَلْتُهُ غَيْرَتِهِ عَلَىَ الْلَّهِ تَعَالَىْ وَحِرْصَهُ عَلَىَ الْحَقِّ. أَدْرَكَ أَنَّ هَارُوْنَ تَصْرِفْ أَفْضَلُ تَصْرِفْ مُمْكِنَ فِيْ هَذِهِ الْظُّرُوْفِ. تَرَكَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَاسْتَغْفِرْ الْلَّهَ لَهُ وَّلِأَخِيْهِ.

الْتَفَتَ مُوْسَىْ لِقَوْمِهِ وَتَسَاءَلَ بِصَوْتٍ لَمْ يَزَلْ يَضْطَرِبُ غَضَبَا: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدا حَسَنا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُّمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّنَ رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي).

إِنَّهُ يُعَنِّفْهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ ويَلَفْتِهُمْ بِإِشَارَةٍ سَرِيْعَةُ إِلَىَ غَبَاءً مَا عَمِلُوهُ. عَادَ مُوْسَىْ يَقُوْلُ غَاضِبَا أَشَدَّ الْغَضَبِ: (إِنَّ الَّذِيْنَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّنَ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِيْ الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِيْ الْمُفْتَرِيْنَ).

لَمْ تَكَدْ الْجِبَالَ تَبْتَلِعُ أَصْدَاءُ الْصَّوْتِ الْغَاضِبِ حَتَّىَ نُكِسَ الْقَوْمِ رُءُوْسِهِمْ وَأَدْرَكُوَا خَطَّأَهُمْ. كَانَ افْتِرَاؤُهُمْ وَاضِحَا عَلَىَ الْحَقِّ الَّذِيْ جَاءَ بِهِ مُوْسَىْ. أَبْعَدَ كُلِّ مَا فَعَلَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ لَهُمْ، يَنْكْفِئُونَ عَلَىَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامَ؟! أْيُغَيبُ مُوْسَىْ أَرْبَعِيْنَ يَوْما ثُمَّ يَعُوْدُ لِيَجِدَهُمْ يَعْبُدُوْنَ عِجْلا مِنَ الْذَّهَبِ.

أَهَذَا تَصْرِفْ قَوْمِ، عَهْدَ الْلَّهِ إِلَيْهِمْ بِأَمَانَةٍ الْتَّوْحِيْدِ فِيْ الْأَرْضِ؟ الْتَفَتَ مُوْسَىْ إِلَىَ الْسَّامِرِيِّ بَعْدَ حَدِيْثِهِ الْقَصِيْرُ مَعَ هَارُوْنَ. لَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ هَارُوْنَ بَرَاءَتَهُ كَمَسْئُوّلَ عَنْ قَوْمِهِ فِيْ غَيْبَتِهِ، كَمَا سَكَتَ الْقَوْمُ وَنَكْسُوا رُءُوْسِهِمْ أَمَامَ ثَوْرَةٌ مُوْسَىْ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَسْئُوْلُ الْأَوَّلِ عَنِ الْفِتْنَةِ.

لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْسَّامِرِيُّ. تُحَدِّثُ مُوْسَىْ إِلَىَ الْسَّامِرِيِّ وَغَضَبِهِ لَمْ يَهْدَأُ بَعْدَ: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ
إِنَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْ قِصَّتِهِ، وَيُرِيْدُ أَنْ يُعْرَفْ مِنْهُ مَا الَّذِيْ حَمَلَهُ عَلَىَ مَا صَنَعَ.

قَالَ الْسَّامِرِيُّ: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
رَأَيْتُ جِبْرِيْلَ وَهُوَ يَرْكَبُ فَرَسَهُ فَلَا تَضَعْ قَدَّمَهَا عَلَىَ شَيْءٍ إِلَّا دَبَّتْ فِيْهِ الْحَيَاةُ. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الْرَّسُوْلِ

أَخَذَتْ حَفْنَةً مِنْ الْتُرَابَ الَّذِيْ سَارَ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ وَأَلْقَيْتُهَا عَلَىَ الْذَّهَبِ. فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِيَ نَفْسِيْ..
هَذَا مَا سَاقَتْنِيْ نَفْسِيْ إِلَيْهِ.

لَمْ يُنَاقَشْ مُوْسَىْ، عَلَيْهِ الْسَّلَامُ الْسَّامِرِيُّ فِيْ ادِّعَائِهِ. إِنَّمَا قَذَفَ فِيْ وَجْهِهِ حُكْمَ الْحَقِّ. لَيْسَ الْمُهِمْ أَنْ يَكُوْنَ الْسَّامِرِيُّ قَدْ رَأَىَ جِبْرِيْلَ، عَلَيْهِ الْسَّلَامُ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثْرِهِ. لَيْسَ الْمُهِمْ أَنْ يَكُوْنَ خُوَارٌ الْعِجْلَ بِسَبَبِ هَذَا الْتُّرَابَ الَّذِيْ سَارَ عَلَيْهِ فَرَسٌ جِبْرِيْلُ، أَوْ يَكُوْنَ الْخُوَارِ بِسَبَبِ ثَقْبِ اصْطَنَعَهُ الْسَّامِرِيُّ لْيَخُوّرِ الْعِجْلَ.

الْمُهِمْ فِيْ الْأَمْرِ كُلِّهِ جَرِيْمَةٌ الْسَّامِرِيُّ، وَفِتْنَتِهِ لِقَوْمٍ مُوْسَىْ، وَاسْتِغْلَالُهُ إِعْجَابٍ الْقَوْمِ الْدَّفِيْنْ بِسَادَتِهِمْ الْمِصْرِيِّيْنَ، وَتَقْلِيْدَهُمْ لَهُمْ فِيْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. هَذِهِ هِيَ الْجَرِيمَةُ الَّتِيْ حَكَمَ فِيْهَا مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِيْ الْحَيَاةِ أَنْ تَقُوْلَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَىَ إِلَهِكَ الَّذِيْ ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِيْ الْيَمِّ نَسْفا).

حُكْمُ مُوْسَىْ عَلَىَ الْسَّامِرِيُّ بِالْوَحْدَةِ فِيْ الْدُّنْيَا. يَقُوْلُ بَعْضٌ الْمُفَسِّرِيْنَ: إِنَّ مُوْسَىْ دَعَا عَلَىَ الْسَّامِرِيُّ بِأَنَّ لَا يَمَسَّ أَحَدا، مُعَاقَبَةِ لَهُ عَلَىَ مَسِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِيْ لَهُ مَسُّهُ.

وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْرَ أَخْطَرُ كَثِيْرَا مِنْ هَذِهِ الْنَّظْرَةُ الْسَّرِيْعَةِ. إِنَّ الْسَّامِرِيُّ أَرَادَ بِفِتْنَتِهِ ضَلَالٍ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَجَمَعَهُمْ حَوْلَ عَجَلَهْ الْوَثَنِيِّ وَالْسِّيَادَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ جَاءَتْ عُقُوْبَتِهِ مُسَاوِيَةً لِجُرْمِهِ، لَقَدْ حُكُمَ عَلَيْهِ بِالْنَّبْذِ وَالْوِحْدَةِ.

هَلْ مَرَضٌ الْسَّامِرِيُّ مَرَّضَا جِلْدِيّا بَشِعَا صَارَ الْنَّاسُ يَأْنَفُونَ مِنْ لَمْسِهِ أَوْ مُجَرَّدٌ الاقْتِرَابَ مِنْهُ؟ هَلْ جَاءَهُ الْنَّبْذُ مِنْ خَارِجٍ جَسَدِهِ؟ لَا نَعْرِفُ مَاذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْأُسْلُوبِ الَّذِيْ تَمَّتْ بِهِ وَحْدَةُ الْسَّامِرِيُّ وَنَبْذِ الْمُجْتَمَعِ لَهُ. كُلِّ مَا نَعْرِفُهُ أَنَّ مُوْسَىْ أَوَقِّعْ عَلَيْهِ عُقُوْبَةً رَهِيْبَةٌ، كَانَ أَهْوَنُ مِنْهَا الْقَتْلُ، فَقَدْ عَاشَ الْسَّامِرِيُّ مَنْبُوْذَا مُحْتَقَرَا لَا يَلَمِسُ شَيْئا وَلَا يَمَسُّ أَحَدا وَلَا يَقْتَرِبُ مِنْهُ مَخْلُوْقٌ. هَذِهِ هِيَ عُقُوْبَتَه فِيْ الْدُّنْيَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عُقُوْبَةَ ثَانِيَةً، يُبُهَمُهَا السِّيَاقِ لِتَجِيءَ ظِلَالُهَا فِيْ الْنَّفْسِ أَخْطَرُ وَأَرْعِبْ.

نَهَضَ مُوْسَىْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْسَّامِرِيُّ إِلَىَ الْعِجْلِ الْذَّهَبِ وَأَلْقَاهُ فِيْ الْنَّارِ. لَمْ يَكْتَفِ بِصِهْرِهِ أَمَامَ عُيُوْنِ الْقَوْمِ المَبُهُوَتَينَ، وَإِنَّمَا نُسَفِّهَ فِيْ الْبَحْرِ نَسْفا. تُحَوِّلُ الْإِلَهِ الْمَعْبُوْدِ أَمَامَ عُيُوْنِ الْمَفْتُوْنِيْنَ بِهِ إِلَىَ رَمَادٍ يَتَطَايَرُ فِيْ الْبَحْرِ.

ارْتَفَعَ صَوْتِ مُوْسَىْ: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ الْلَّهُ الَّذِيْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْما) هَذَا هُوَ إِلَهُكُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْصَّنَمَ الَّذِيْ لَا يُمْلَكُ لِنَفْسِهِ نَفْعا وَلَا ضَرّا.
بَعْدَ أَنْ نَسَفَ مُوْسَىْ الْصَّنَمُ، وَفَرَغَ مِنْ الْجَانِيْ الْأَصْلِيِّ، الْتَفَتَ إِلَىَ قَوْمِهِ، وَحَكَمَ فِيْ الْقَضِيَّةِ كُلَّهَا فَأَفْهِمْهُمُ أَنَّهُمْ ظُلِمُوْا أَنْفُسِهِمْ وَتَرْكُ لِعَبَدَةِ الْعِجْلِ مَجَالَا وَاحِدَا لِلْتَّوْبَةِ. وَكَانَ هَذَا الْمَجَالِ أَنْ يَقْتُلَ الْمُطِيْعِ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْ مِنَ عَصَىَ.

قَالَ تَعَالَىْ:
وَإِذْ قَالَ مُوْسَىْ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوْبُوْا إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْتَّوَّابُ الْرَّحِيْمُ (54) (الْبَقَرَةِ)
كَانَتْ الْعُقُوْبَةُ الَّتِيْ قَرَّرَهَا مُوْسَىْ عَلَىَ عَبَدَةِ الْعِجْلَ مَهُوْلَةً، وَتَتَّفِقُ مَعَ الْجُرْمِ الْأَصْلِيِّ.

إِنَّ عُبَادَةَ الْأَوْثَانِ إِهْدَارِ لْحَيَاةِ الْعَقْلِ وصَحَوْتِهُ، وَهِيَ الْصَّحْوَةِ الَّتِيْ تُمَيِّزُ الْإِنْسَانَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ، وَإِزَاءَ هَذَا الْإِزْهَاقِ لِصَحْوَةِ الْعَقْلِ، تَجِيْءُ الْعُقُوْبَةَ إِزْهَاقا لْحَيَاةِ الْجَسَدِ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ بَعْدُ الْعَقْلِ لِلْإِنْسَانِ حَيَاةً يَتَمَيَّزُ بِهَا. وَمَنْ نَوْعٌ الْجُرْمِ جَاءَتْ الْعُقُوْبَةَ. جَاءَتْ قَاسِيَةً ثُمَّ رَحِمَ الْلَّهُ تَعَالَىْ وَتَابَ. إِنَّهُ هُوَ الْتَّوَّابُ الْرَّحِيْمُ .

أَخِيِرَا. سَكَتَ عَنْ مُّوْسَى الْغَضَبُ. تَأَمَّلْ تَعْبِيْرِ الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمِ الَّذِيْ يُصَوِّرُ الْغَضَبْ فِيْ صُوْرَةِ كَائِنْ يَقُوْدُ تَصَرُّفَاتِ مُوْسَىْ، ابْتِدَاءِ مِنْ إِلْقَائِهِ لِأَلْوَاحِ الْتَّوْرَاةِ، وَشَدَّهُ لِلْحَيَّةِ أَخِيْهِ وَرَأْسُهُ. وَانْتِهَاءً بِنَسْفِ الْعِجْلَ فِيْ الْبَحْرِ، وَحِكَمِهِ بِالْقَتْلِ عَلَىَ مَنْ اتَّخَذُوْهُ رَبّا.

أَخِيِرَا سَكَتَ عَنْ مُّوْسَى الْغَضَبُ. زَايَلَهُ غَضَبِهِ فِيْ الْلَّهِ، وَذَلِكَ أَرْفَعُ أَنْوَاعِ الْغَضَبِ وَأَجدَرَهَا بِالاحْتِرَامِ وَالْتَّوْقِيْرِ. الْتَفَتَ مُوْسَىْ إِلَىَ مُهِمَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ حِيْنَ زَايَلَهُ غَضَبِهِ فَتُذَكِّرَ أَنَّهُ أَلْقَىَ أَلْوَاحٍ الْتَّوْرَاةِ. وَعَادٍ مُوْسَىْ يَأْخُذُ الْأَلْوَاحِ وَيُعَاوِدُ دَعْوَتُهُ إِلَىَ الْلَّهِ.

رَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَ رُؤُوْسِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ:

عَادَ مُوْسَىْ إِلَىَ هُدُوْئِهِ، وَاسْتَأْنَفَ جِهَادِهِ فِيْ الْلَّهِ، وَقَرَأَ أَلْوَاحٍ الْتَّوْرَاةِ عَلَىَ قَوْمِهِ. أَمْرَهُمُ فِيْ الْبِدَايَةِ أَنَّ يَأْخُذُوَا بِأَحْكَامِهَا بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ. وَمَنْ الْمُدْهِشِ أَنْ قَوْمِهِ سَاومُوهُ عَلَىَ الْحَقِّ. قَالُوْا: انْشُرْ عَلَيْنَا الْأَلْوَاحِ فَإِنْ كَانَتْ أَوَامِرَهَا وَنَوَاهِيُّهَا سَهْلَةٌ قَبِلْنَاهَا.

فَقَالَ مُوْسَىْ: بَلْ اقْبَلُوْهَا بِمَا فِيْهَا. فَرَاجَعُوَا مِرَارَا، فَأَمَرَ الْلَّهُ تَعَالَىْ مَلَائِكَتَهُ فَرَفَعْتُ الْجَبَلِ عَلَىَ رُءُوْسِهِمْ حَتَّىَ صَارَ كَأَنَّهُ غَمَامَةَ فَوْقَهُمْ، وَقِيْلَ لَهُمْ: إِنَّ لَمْ تَقْبَلُوْهَا بِمَا فِيْهَا سَقَطَ ذَلِكَ الْجَبَلِ عَلَيْكُمْ، فَقَبِلُوا بِذَلِكَ، وَأَمَرُوْا بِالْسُّجُودِ فَسَجَدُو?ا. وَضَعُوُا خُدُوْدَهُمْ عَلَىَ الْأَرْضِ وَرَاحُوْا يَنْظُرُوْنَ إِلَىَ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ هَلَعَا وَرُعْبَا.

وَهَكَذَا أُثْبِتَ قَوْمٍ مُوْسَىْ أَنَّهُمْ لَا يُسَلَّمُونَ وُجُوْهَهُمْ لِلَّهِ إِلَّا إِذَا لَوَيْتُ أَعْنَاقِهِمْ بِمُعْجِزَةٍ حِسِّيَّةٌ بَاهِرَةٌ تُلْقِيَ الْرُّعْبَ فِيْ الْقُلُوْبِ وَتَنْثَنِيْ الْأَقْدَامَ نَحْوَ سُجُوْدِ قَاهِرُ يَدْفَعُ الْخَوْفِ إِلَيْهِ دَفْعا. وَهَكَذَا يُسَاقُ الْنَّاسِ بِالْعَصَا الْإِلَهِيَّةِ إِلَىَ الْإِيْمَانِ. يَقَعُ هَذَا فِيْ ظِلِّ غِيَابِ الْوَعْيِ وَالْنُّضْجِ الْكَافِيَيْنِ لِقِيَامِ الاقْتِنَاعَ الْعَقْلِيِّ.

وَلَعَلَّنَا هُنَا نُشِيْرُ مُرَّةَ أُخْرَىَ إِلَىَ نَفْسِيَّةٌ قَوْمٍ مُوْسَىْ، وَهِيَ الْمَسْئُوْلُ الْأُوَلِ عَنْ عَدَمِ اقْتِنَاعِهُمْ إِلَا بِالْقُوَّةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ. لَقَدْ تَرَبَّىَ قَوْمٍ مُوْسَىْ ونْشَئُوا وَسَطِ هَوَانٍ وَذُلٍ، أُهْدِرَتْ فِيْهِمَا إِنْسانِيْتِهُمْ وَالْتَوَتْ فِطْرَتِهِ.

وَلَمْ يَعُدْ مُمْكِنا بَعْدَ ازْدِهَارْ الذُّلِّ فِيْ نُفُوْسِهِمْ وَاعْتِيَادَهُمْ إِيَّاهُ، لَمْ يَعُدْ مُمْكِنَا أَنْ يُسَاقُوْا إِلَىَ الْخَيْرِ إِلَا بِالْقُوَّةِ. لَقَدْ اعْتَادُوا أَنْ تُسَيِّرُهُمْ الْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ لِسَادَتِهِمْ الْقُدَامَىْ، وَلَا بُدَّ لِسَيِّدِهِمْ الْجَدِيْدِ (وَهُوَ الْإِيْمَانُ) مِنْ أَنْ يُقَاسِيْ الْأَهْوَالِ لتَسَيِيْرِهُمْ، وَأَنْ يَلْجَأَ مُضْطَرّا إِلَىَ أُسْلُوْبِ الْقُوَّةِ لِيُنْقِذَهُمْ مِنْ الْهَلَاكِ. لَمْ تَمُرَّ جَرِيْمَةٌ عُبَادَةَ الْعِجْلَ دُوْنِ آَثَارِ.

اخْتِيَارُ سَبْعِيْنَ رَجُلا لِّمِيقَاتِ الْلَّهِ:

أَمَرَ مُوْسَىْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرُوْا الْلَّهَ وَيَتُوْبُوْا إِلَيْهِ. اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِيْنَ رَجُلا، الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، وَقَالَ انْطَلِقُوَا إِلَىَ الْلَّهِ فَتُوْبُوْا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ وَسَلُوهُ الْتَّوْبَةُ عَلَىَ مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ. صُوْمُوْا وَتَطَهَّرُوْا وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ. خَرَجَ مُوْسَىْ بِهَؤُلَاءِ الْسَّبْعِيْنَ الْمُخْتَارِيْنَ لِمِيْقَاتِ حَدَّدَهُ لَهُ الْلَّهُ تَعَالَىْ. دَنَا مُوْسَىْ مِنْ الْجَبَلِ.

وَكَلَّمَ الْلَّهُ تَعَالَىْ مُوْسَىْ، وَسَمِعَ الْسَّبْعُوْنَ مُوْسَىْ وَهُوَ يُكَلِّمُ رَبِّهِ. وَلَعَلَّ مُعْجِزَةٌ كَهَذِهِ الْمُعْجِزَةٌ تَكُوْنُ الْأَخِيرِة، وَتَكُوْنُ كَافِيَّةٍ لِحَمْلِ الْإِيْمَانُ إِلَىَ الْقُلُوْبِ مَدَىْ الْحَيَاةِ. غَيْرِ أَنْ الْسَّبْعِيْنَ الْمُخْتَارِيْنَ لَمْ يَكْتَفُوْا بِمَا اسْتَمِعُوَا إِلَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَةِ. إِنَّمَا طَلَبُوْا رُؤْيَةِ الْلَّهِ تَعَالَىْ. قَالُوْا سَمِعْنَا وَنُرِيْدُ أَنْ نَرَىْ. قَالُوْا لِمُوْسَى بِبَسَاطَةٍ: (يَا مُوْسَىْ لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىَ نَرَىْ الْلَّهَ جَهْرَةً).

هِيَ مَأْسَاةُ تُثِيْرُ أَشَدَّ الْدَّهْشَةُ. وَهِيَ مَأْسَاةَ تُشِيْرُ إِلَىَ صَلَابَةٌ الْقُلُوْبُ وَاسْتِمْسَاكَهَا بِالْحِسِّيَّاتِ وَالْمَادِّيَّاتِ. كُوْفِئَ الْطَّلَبِ الْمُتَعَنِّتِ بِعُقُوْبَةٍ صَاعِقَةً. أَخَذْتُهُمْ رَجْفَةٌ مُدَمِّرَةٌ صُعِقْتُ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ عَلَىَ الْفَوْرِ. مَاتُوْا.

أَدْرَكَ مُوْسَىْ مَا أَحْدَثَهُ الْسَّبْعُوْنَ الْمُخْتَارُوْنَ فَمَلَأَهُ الْأَسَىْ وَقَامَ يَدْعُوَ رَبَّهُ ويُنَاشِدِهُ أَنَّ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ، وَأَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا فَعَلَ الْسُّفَهَاءُ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ طَلَبِهِمْ رُؤْيَةِ الْلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ وَهُمْ عَلَىَ مَا هُمْ فِيْهِ مِنْ الْبَشَرِيَّةِ الْنَّاقِصَةِ وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ غَيْرِ سَفَاهَةٍ كُبْرَىْ. سَفَاهَةٍ لَا يُكَفَّرُ عَنْهَا إِلَا الْمَوْتُ.

قَدْ يَطْلُبُ الْنَّبِيِّ رُؤْيَةُ رَبِّهِ، كَمَا فَعَلَ مُوْسَىْ، وَرَغْمَ انْطِلَاقِ الْطَّلَبِ مِنْ وَاقِعْ الْحُبِّ الْعَظِيْمُ وَالْهَوَىَ الْمُسَيَّطَرَ، الَّذِيْ يُبَرِّرُ بِمَا لَهُ مِنْ مَنْطِقٍ خَاصٌّ هَذَا الْطَّلَبَ، رَغْمَ هَذَا كُلِّهِ يُعْتَبَرُ طَلَبَ الْرُّؤْيَةِ تَجَاوُزا لِلْحُدُودِ، يُجَازَىَ عَلَيْهِ الْنَّبِيُّ بِالْصَّعْقِ، فَمَا بَالُنَا بِصُدُوْرِ هَذَا الْطَّلَبِ مِنْ بَشَرٍ خَاطِئِيْنَ، بَشِّرِ يُحَدِّدُونَ لِلْرُّؤْيَةِ مَكَانا وَزَمَانا، بَعْدَ كُلِّ مَا لَقَوْهُ مِنْ مُعْجِزَاتِ وَآَيَاتِ..؟ أَلَيْسَ هَذَا سَفَاهَةٍ كُبْرَىْ..؟

وَهَكَذَا صُعِقَ مَنْ طَلَبَ الْرُّؤْيَةِ.. وَوَقَفَ مُوْسَىْ يَدْعُوَ رَبَّهُ وَيَسْتَعْطِفُهُ وَيَتَرْضَاهُ.. يَحْكِيْ الْمَوْلَىْ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءْ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ بِالْتَّوْبَةِ عَلَىَ قَوْمِهِ فِيْ سُوْرَةِ الْأَعْرَافِ:

وَاخْتَارَ مُوْسَىْ قَوْمَهُ سَبْعِيْنَ رَجُلا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الْرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّنَ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْسُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِيْ مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِيْنَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِيْ هَـذِهِ الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيْ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيّ أُصِيْبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِيْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِيْنَ يَتَّقُوْنَ وَيُؤْتُوْنَ الْزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُوْنَ (156) الَّذِيْنَ يَتَّبِعُوْنَ الْرَّسُوْلَ الْنَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِيْ يَجِدُوْنَهُ مَكْتُوْبا عِنْدَهُمْ فِيْ الْتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيْلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الْطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِيْ كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوُا بِهِ وَّعَزَّرُوْهُ وَنَصَرُوْهُ وَاتَّبَعُوا الْنُّوْرَ الَّذِيَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ (157) (الْأَعْرَافِ)

هَذِهِ كَانَتْ كَلِمَاتٌ مُوْسَىْ لِرَبِّهِ وَهُوَ يَدْعُوَهُ وَيَتَرْضَاهُ. وَرَضِيَ الْلَّهُ تَعَالَىْ عَنْهُ وَغَفَرَ لِقَوْمِهِ فَأَحْيَاهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَاسْتَمِعْ الْمُخْتَارُوْنَ فِيْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الْبَاهِرَةِ مِنْ تَارِيْخِ الْحَيَاةُ إِلَىَ الْنُّبُوَّءَةِ بِمَجِيْءِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

سَنُلَاحِظُ طَرِيْقَةِ الْرُّبُطَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمَاضِيَ فِيْ الْآَيَةِ، إِنَّ الَلّهَ تَعَالَىْ يَتَجَاوَزَ زَمَنِ مُخَاطَبَةِ الْرَّسُوْلِ فِيْ الْآَيَاتِ إِلَىَ زَمَنِيْنَ سَابِقِيْنَ، هُمَا نُزُوْلِ الْتَّوْرَاةِ وَنُزُوْلِ الْإِنْجِيْلِ، لِيُقَرِّرَ أَنَّهُ (تَعَالَىْ) بَشَّرَ بِمُحَمَّدٍ فِيْ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ الْكَرِيْمَيْنِ.

نَعْتَقِدُ أَنَّ إِيْرَادِ هَذِهِ الْبُشْرَىَ جَاءَ يَوْمَ صَحِبَ مُوْسَىْ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِيْنَ رَجُلا هَمَّ شِيُوْخَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ وَأَفْضَلُ مَنْ فِيْهِمْ، لِمِيْقَاتِ رَبِّهِ. فِيْ هَذَا الْيَوْمِ الْخَطِيْرِ بِمُعْجِزَاتِهِ الْكُبْرَىَ، تَمَّ إِيْرَادِ الْبُشْرَىَ بِآَخَرَ أَنْبِيَاءَ الْلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

يَقُوْلُ ابْنُ كَثِيْرٍ فِيْ كِتَابِهِ قِصَصٌ الْأَنْبِيَاءِ، نُقِلَا عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ مُوْسَىْ قَالَ لِرَبِّهِ: يَا رَبِّ إِنِّيَ أَجِدُ فِيْ الْأَلْوَاحِ أُمَّةٌ هِيَ خِيْرٌ أُمَّةً أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ، يَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِيْ.
قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ أَحْمَدُ. قَالَ: رَبِّيَ إِنِّيَ أَجِدُ فِيْ الْأَلْوَاحِ أُمَّةٍ أَنَاجِيْلُهُمْ فِيْ صُدُوْرِهِمْ يَقْرَءُوْنَهَا. وَكَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَقْرَءُوْنَ كِتَابَهُمْ نَظَرا، حَتَّىَ إِذَا رَفَعُوْهَا لَمْ يَحْفَظُوَا شَيْئا وَلَمْ يَعْرِفُوْهُ. وَإِنَّ الْلَّهَ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْحِفْظِ شَيْئا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدا مِّنَ الْأُمَمِ. رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِيْ. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ أَحْمَدُ.

قَالَ: رَبِّ إِنِّيَ أَجِدُ فِيْ الْأَلْوَاحِ أُمَّةٍ يُؤْمِنُوْنَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَبِالْكِتَابِ الْآَخِرِ، وَّيُقَاتِلُوْنَ فُضُوْلِ الْضَّلالَةَ. فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِيْ.
قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ أَحْمَدُ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّيَ أَجِدُ فِيْ الْأَلْوَاحِ أُمَّةٍ صَدَقَاتُهُمْ يَأْكُلُوْنَهَا فِيْ بُطُوْنِهِمْ، وَيُؤْجَرُوْنَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِّنَ الْأُمَمُ إِذَا تَصَدَّقَ أَحَدُهُمْ بِصَدَقَةٍ فَقَبَّلْتُ مِنْهُ بَعَثَ الْلَّهُ عَلَيْهَا نَارا فَأَكَلَتْهَا، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ تَرَكْتُ فَتَأْكُلَهَا الْسِّبَاعِ وَالْطَّيْرِ. وَإِنْ الْلَّهِ أَخَذَ صَدَقَاتُهُمْ مِنْ غَنِيِّهِمْ لْفَقِيْرِهُمْ. رَبِّ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِيْ.
قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ أَحْمَدُ.

قَالَ: رَبَّ فَإِنِّيَ أَجِدُ فِيْ الْأَلْوَاحِ أُمَّةٍ إِذَا هُمْ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ ثُمَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً أَمْثَالِهَا إِلَىَ سَبْعِمِائَةَ ضِعْفٍ. رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِيْ.
قَالَ: تِلْكَ أُمَّةٌ أَحْمَدُ.

نُزُوْلِ الْمَنَّ وَالْسَّلْوَىِ:

سَارَ مُوْسَىْ بِقَوْمِهِ فِيْ سَيْنَاءَ. وَهِيَ صَحْرَاءِ لَيْسَ فِيْهَا شَجَرٌ يَقِيْ مِنْ الْشَّمْسِ، وَلَيْسَ فِيْهَا طَعَامٌ وَلَا مَاءَ. وَأَدْرَكْتِهُمْ رَحْمَةِ الْلَّهِ فُسَّاقِ إِلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالْسَّلْوَىِ وَظِلَلُهُم الْغَمَامَ. وَالْمَنُّ مَادَّةٌ يَمِيْلُ طَعْمُهَا إِلَىَ الْحَلَاوَةِ وَتُفْرِزُها بَعْضُ أَشْجَارِ الْفَاكِهَةِ. وَسَاقَ الْلَّهَ إِلَيْهِمْ الْسَّلْوَىِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْطُّيُوْرِ يُقَالُ إِنَّهُ (السَّمَّانِ).

وَحِيْنَ اشْتَدَّ بِهِمُ الْظَّمَأُ إِلَىَ الْمَاءْ، وَسِيْنَاءُ مَكَانٍ يَخْلُوَ مِنْ الْمَاءِ، ضَرَبَ لَهُمْ مُوْسَىْ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا مِنْ الْمِيَاهِ. وَكَانَ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ يَنْقَسِمُوْنَ إِلَىَ12سِبْطَا. فَأَرْسَلَ الْلَّهُ الْمِيَاهِ لِكُلِّ مَجْمُوْعَةٌ. وَرَغِمَ هَذَا الْإِكْرَامَ وَالحَفَاوَةً، تَحَرَّكَتْ فِيْ الْنُّفُوْسِ الْتِوَاءَاتِهَا الْمَرِيضَةً.

وَاحْتَجَّ قَوْمٌ مُوْسَىْ بِأَنَّهُمْ سَئِمُوا مِنْ هَذَا الْطَّعَامِ، وَاشْتَاقَتْ نُفُوْسِهِمْ إِلَىَ الْبَصَلَ وَالثُّوْمَ وَالْفُوُلُ وَالْعَدَسُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ أَطْعِمَةً مِصْرِيَّةٌ تَقْلِيْدِيَّةً. وَهَكَذَا سَأَلَ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ نَبِيُّهُمْ مُوْسَىْ أَنْ يَدْعُوَ الْلَّهَ لِيُخْرِجَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ.
وَعَادٍ مُوْسَىْ يَسَتْلَفْتِهُمْ إِلَىَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَحَنِيْنُهُمْ لَأَيَّامِ هَوَانِهِمْ فِيْ مِصْرَ، وَكَيْفَ أَنَّهُمْ يَتَبْطُرُونَ عَلَىَ خَيْرِ الْطَّعَامِ وَأَكْرَمَهُ، وَيُرِيْدُوْنَ بَدِّلْهُ أَدْنَىَ الْطَّعَامَ وَأَسْوَأَهُ.

الْسِيَرْ بِاتِّجَاهِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ:

سَارَ مُوْسَىْ بِقَوْمِهِ فِيْ اتِّجَاهِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. أَمْرٍ مُوْسَىْ قَوْمَهُ بِدُخُوْلِهَا وَقِتَالِ مَنْ فِيْهَا وَالِاسْتِيْلَاءِ عَلَيْهَا. وَهَا قَدْ جَاءَ امْتِحَانِهِمْ الْأَخِيرِ. بَعْدَ كُلِّ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ الْمُعْجِزَاتُ وَالْآَيَاتِ وَالْخَوَارِقُ. جَاءَ دُوْرِهِمْ لِيُحَارِبُوْا -بِوَصْفِهِمْ مُؤْمِنِيْنَ- قَوْما مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ.

رَفَضَ قَوْمُ مُوْسَىْ دُخُوْلَ الْأَرَاضِيَ الْمُقَدَّسَةِ. وَحَدَّثَهُمْ مُوْسَىْ عَنْ نِعْمَةَ الْلَّهِ عَلَيْهِمْ. كَيْفَ جَعَلَ فِيْهِمْ أَنْبِيَاءٌ، وَجَعَلَهُمْ مُّلُوْكا يَرِثُوْنَ مُلْكُ فِرْعَوْنَ، وَآَتَاهُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدا مِّنَ الْعَالَمِيْنَ.

وَكَانَ رَدٌّ قِوْمِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يَخَافُوْنَ مِنَ الْقِتَالِ. قَالُوْا: إِنَّ فِيْهَا قَوْما جَبَّارِيْنَ، وَلَنْ يَدْخُلُوَا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ حَتَّىَ يَخْرُجَ مِنْهَا هَؤُلَاءِ.
وَانْضَمَّ لِمُوْسَى وَهَارُوْنَ اثْنَانِ مِنَ الْقَوْمِ. تَقُوْلُ كُتُبِ الْقُدَمَاءِ إِنَّهُمْ خَرَجُوْا فِيْ سِتِّمِائَةٍ أَلْفَ.

لَمْ يَجِدْ مُوْسَىْ مِنْ بَيْنِهِمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ عَلَىَ اسْتِعْدَادٍ لِلْقِتَالِ. وَرَاحَ هَذَانِ الْرَّجُلَانِ يُحَاوِلانِ إِقْنَاعَ الْقَوْمِ بِدُخُوْلِ الْأَرْضِ وَالْقِتَالِ. قَالَا: إِنَّ مُجَرَّدِ دُخُوْلِهِمْ مِنْ الْبَابِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الْنَّصْرُ. وَلَكِنَّ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ جَمِيْعَا كَانُوْا يتَدَثِرُونَ بِالْجُبْنِ وَيَرْتَعِشُونَ فِيْ أَعْمَاقِهِمْ.

مُرَّةَ أُخْرَىَ تُعَاوِدُهُمْ طَبَيْعَتَهُمْ الَّتِيْ عَاوِدَتِهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ حِيْنَ رَأَوْا قَوْما يَعْكُفُونَ عَلَىَ أَصْنَامِهِمْ. فَسَدَتْ فِطْرَتِهِمْ، وَانْهَزِمُوْا مِنَ الْدَّاخِلِ، وَاعْتَادُوا الذُّلِّ،


مُوْسَىْ عليه السلام 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26825
العمر : 67

مُوْسَىْ عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: مُوْسَىْ عليه السلام   مُوْسَىْ عليه السلام Emptyالثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 6:44 am



مُرَّةَ أُخْرَىَ تُعَاوِدُهُمْ طَبَيْعَتَهُمْ الَّتِيْ عَاوِدَتِهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ حِيْنَ رَأَوْا قَوْما يَعْكُفُونَ عَلَىَ أَصْنَامِهِمْ. فَسَدَتْ فِطْرَتِهِمْ، وَانْهَزِمُوْا مِنَ الْدَّاخِلِ، وَاعْتَادُوا الذُّلِّ، فَلَمْ يَعُدْ فِيْ اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنَّ يُحَارِبُوْا. وَإِنْ بَقِيَ فِيْ اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنَّ يَتَوَقُحُوا عَلَىَ نَبِيِّ الْلَّهِ مُوْسَىْ وَرَبُّهُ.

وَقَالَ قَوْمٌ مُوْسَىْ لَهُ كَلِمَتَهُمْ الْشَّهِيْرَةِ: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُوْنَ) هَكَذَا بِصَرَاحَةٍ وَبِلَا الْتِوَاءُ. أَدْرَكَ مُوْسَىْ أَنْ قَوْمِهِ مَا عَادُوْا يُصْلِحُوْنَ لِشَيْءٍ. مَاتَ الفِرْعَوْنْ وَلَكِنَّ آَثَارِهِ فِيْ الْنُّفُوْسِ بَاقِيَةً يَحْتَاجُ شِفَاؤُهَا لِفَتْرَةٍ طَوِيْلَةُ. عَادَ مُوْسَىْ إِلَىَ رَبِّهِ يُحْدِثُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَا نَفْسِهِ وَأَخَاهُ.

دَعَا مُوْسَىْ عَلَىَ قَوْمِهِ أَنْ يُفَرِّقَ الْلَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.

وَأَصْدَرَ الَلّهَ تَعَالَىْ حُكْمُهُ عَلَىَ هَذَا الْجِيْلِ الَّذِيْ فَسَدَتْ فِطْرَتُهُ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ. كَانَ الْحُكْمُ هُوَ الْتِّيْهِ أَرْبَعِيْنَ عَاما. حَتَّىَ يَمُوْتَ هَذَا الْجِيْلِ أَوْ يَصِلُ إِلَىَ الْشَّيْخُوْخَةِ. وَيُوَلِّدُ بَدَلَا مِنْهُ جِيْلٌ آَخَرُ، جِيْلٌ لَمْ يَهْزِمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْدَّاخِلِ، وَيَسْتَطِيْعُ سَاعَتَهَا أَنْ يُقَاتِلَ وَأَنْ يَنْتَصِرُ.

قِصَّةِ الْبَقَرَةِ:

بَدَأَتْ أَيَّامٍ الْتِّيْهِ. بَدَأَ الْسِيَرْ فِيْ دَائِرَةِ مُغْلَقَةٌ. تَنْتَهِيَ مِنْ حَيْثُ تَبْدَأُ، وَتَبْدَأُ مِنْ حَيْثُ تَنْتَهِيَ، بَدَأَ الْسِيَرْ إِلَىَ غَيْرِ مَقْصَدَ. لَيْلَا وَنَهَارَا وَصَبَاحا وَمَسَاءً. دَخَلُوْا الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ سِيْنَاءَ.

مُكْثٍ مُوْسَىْ فِيْ قَوْمِهِ يَدْعُوَهُمْ إِلَىَ الْلَّهِ. وَيَبْدُوَ أَنَّ نُفُوْسَهُمْ كَانَتْ مُلْتَوِيَةٍ بِشَكْلٍ لَا تُخْطِئُهُ عَيْنٌ الْمُلَاحَظَةِ، وَتَبْدُوَ لَجَاجَّتِهُمْ وَعِنَادِهِمْ فِيْمَا يُعْرَفُ بِقِصَّةٍ الْبَقَرَةِ. فَإِنَّ الْمَوْضُوْعَ لَمْ يَكُنْ يَقْتَضِيَ كُلَّ هَذِهِ الْمُفَاوَضَاتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوْسَىْ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَوْجِبُ كُلُّ هَذَا الْتَّعَنُّتِ.

وَأَصْلُ قِصَّةِ الْبَقَرَةِ أَنْ قَتِيْلا ثَرِيّا وَجَدَ يَوْما فِيْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ، وَاخْتَصَمَ أَهْلِهِ وَلَمْ يَعْرِفُوْا قَاتَلَهُ، وَحِيْنَ أَعْيَاهُمُ الْأَمْرِ لَجَئُوْا لِمُوْسَى لِيَلْجَأَ لِرَبِّهِ. وَلَجَأُ مُوْسَىْ لِرَبِّهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمِهِ أَنْ يَذْبَحُوْا بَقَرَةً. وَكَانَ الْمَفْرُوْضِ هُنَا أَنَّ يذَبِح الْقَوْم أَوَّلَ بَقَرَةٌ تُصَادْفَهُمْ.

غَيْرَ أَنَّهُمْ بَدَءُوْا مُفاوَّضَتِهُمْ بِاللَجَاجَةً. اتَّهِمُوْا مُوْسَىْ بِأَنَّهُ يَسْخَرْ مِنْهُمْ وَيَتَّخِذَهُمْ هُزُوا، وَاسْتَعَاذَ مُوْسَىْ بِالْلَّهِ أَنْ يَكُوْنَ مِنَ الْجَاهِلِيَنَ وَيُسَخِّرُ مِنْهُمْ. أَفْهَمَهُمْ أَنَّ حَلَّ الْقَضِيَّةِ يَكْمُنُ فِيْ ذَبْحِ بَقَرَةٌ. إِنَّ الْأَمْرَ هُنَا أَمْرٌ مُعْجِزَةٌ، لَا عِلَاقَةَ لَهَا بِالْمَأْلُوْفِ فِيْ الْحَيَاةِ، أَوْ الْمُعْتَادِ بَيْنَ الْنَّاسِ.

لَيْسَتْ هُنَاكَ عَلَاقَةً بَيْنَ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ وَمَعْرِفَةِ الْقَاتِلِ فِيْ الْجَرِيمَةِ الْغَامِضَةِ الَّتِيْ وَقَعَتْ، لَكِنَّ مَتَىَ كَانَتْ الْأَسْبَابُ الْمَنْطِقِيَّةِ هِيَ الَّتِيْ تَحْكُمُ حَيَاةً بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ؟ إِنَّ الْمُعْجِزَاتِ الْخَارِقَةِ هِيَ الْقَانُوْنِ الْسَّائِدُ فِيْ حَيَاتِهِمْ، وَلَيْسَ اسْتِمْرَارِهَا فِيْ حَادِثِ الْبَقَرَةِ أَمْرا يُوْحِيْ بِالْعُجْبِ أَوْ يُثِيْرُ الْدَّهْشَةُ.
لَكِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ هُمْ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ. مُجَرَّدِ الْتَّعَامُلُ مَعَهُمْ عَنَتْ. تَسْتَوِيَ فِيْ ذَلِكَ الْأُمُورِ الْدُّنْيَوِيَّةِ الْمُعْتَادَةُ، وَشُؤُونِ الْعَقِيْدَةِ الْمُهِمَّةِ. لَا بُدَّ أَنْ يُعَانِيَ مِنَ يَتَصَدَّى لِأَمْرٍ مِنْ أُمَوِرِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ.

وَهَكَذَا يُعَانِيْ مُوْسَىْ مِنْ إِيْذَائِهِمْ لَهُ وَاتَّهَامَهُ بِالسُّخْرِيَةِ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ أَنَّهُ جَادَ فِيْمَا يُحَدِّثُهُمْ بِهِ، وَيُعَاوِدُ أَمْرِهِ أَنْ يَذْبَحُوْا بَقَرَةً، وَتَعُوْدُ الْطَّبِيْعَةِ الْمُرَاوَغَةِ لِبَنِيْ إِسْرَائِيْلَ إِلَىَ الْظُّهُورِ، تَعُوْدُ اللَّجَاجَةُ وَالْالْتِوَاءِ، فَيَتَسَاءَلُونَ: أَهِيَ بَقَرَةٌ عَادِيّةً كَمَا عَهِدْنَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْحَيَوَانِ؟ أَمْ أَنَّهَا خَلْقٌ تَفَرَّدَ بِمَزِيَّةٍ، فَلْيَدْعُ مُوْسَىْ رَبَّهُ لِيُبَيِّنَ مَا هِيَ.

وَيَدْعُوَ مُوْسَىْ رَبَّهُ فَيَزْدَادُ الْتَّشْدِيْدِ عَلَيْهِمْ، وَتُحَدِّدُ الْبَقَرَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذِيْ قَبْلَ، بِأَنَّهَا بَقَرَةٌ وَسَطِ. لَيْسَتْ بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ، وَلَيْسَتْ بَقَرَةٌ فِتْيَةٌ. بَقَرَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ.
إِلَىَ هُنَا كَانَ يَنْبَغِيْ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُفَاوَضَاتُ لَمْ تَزَلْ مُسْتَمِرَّةٌ، وَمْرَاوِغِةْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ لَمْ تَزَلْ هِيَ الَّتِيْ تَحْكُمُ مَائِدَةِ الْمُفَاوَضَاتِ.

مَا هُوَ لَوْنُ الْبَقَرَةِ؟ لِمَاذَا يَدْعُوَ مُوْسَىْ رَبَّهُ لِيَسْأَلَهُ عَنْ لَوْنٍ هَذَا الْبَقَرَةِ؟ لَا يُرَاعُوْنْ مُقْتَضَيَاتِ الْأَدَبِ وَالْوَقَارِ اللّازِمَيْنِ فِيْ حَقِّ الْلَّهِ تَعَالَىْ وَحَقَّ نَبِيِّهِ الْكَرِيْمِ، وَكَيْفَ أَنَّهُمْ يَنْبَغِيْ أَنْ يَخْجَلُوا مِنْ تَكْلِيْفِ مُوْسَىْ بِهَذَا الْاتِّصَالِ الْمُتَكَرِّرَ حَوْلَ مَوْضُوُعِ بَسِيْطٌ لَا يَسْتَحِقُّ كُلٌّ هَذِهِ اللَّجَاجَةُ وَالْمُرَاوَغَةِ. وَيُسْأَلُ مُوْسَىْ رَبَّهُ ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ لَوْنِ الْبَقَرَةِ الْمَطْلُوْبَةِ. فَيَقُوْلُ أَنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ، فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ الْنَّاظِرِيْنَ.

وَهَكَذَا حُدِّدَتْ الْبَقَرَةِ بِأَنَّهَا صَفْرَاءُ، وَرَغْمَ وُضُوْحَ الْأَمْرِ، فَقَدْ عَادُوْا إِلَىَ اللَّجَاجَةُ وَالْمُرَاوَغَةِ. فَشَدَّدَ الْلَّهُ عَلَيْهِمْ كَمَا شَدَّدُوْا عَلَىَ نَبِيِّهِ وَآذَوْهُ. عَادُوْا يَسْأَلُوْنَ مُوْسَىْ أَنْ يَدْعُوَ الْلَّهَ لِيُبَيِّنَ مَا هِيَ، فَإِنَّ الْبَقَرِ تَشَابَهَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَهُمْ مُوْسَىْ عَنْ بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مُعَدَّةٌ لِحَرْثِ وَلَا لَسَقْيِ، سَلِمَتِ مَنْ الْعُيُوبِ، صَفْرَاءُ لَا شِيَةَ فِيْهَا، بِمَعْنَىً خَالِصَةً الصُّفْرَةُ.

انْتَهَتْ بِهِمْ اللَّجَاجَةُ إِلَىَ الْتَّشْدِيْدِ. وَبَدَءُوا بَحْثَهُمْ عَنْ بَقَرَةٌ بِهَذِهِ الْصِّفَاتِ الْخَاصَّةِ. أَخِيِرَا وَجَدُوْهَا عِنْدَ يَتِيْمٌ فَاشْتَرَوْهَا وَّذَبَحُوْهَا.

وَأَمْسَكَ مُوْسَىْ جُزْءٌ مِنْ الْبَقَرَةِ (وَقِيْلَ لِسَانِهَا) وَضَرَبَ بِهِ الْقَتِيْلُ فَنَهَضَ مِنْ مَوْتِهِ. سَأَلَهُ مُوْسَىْ عَنْ قَاتِلِهِ فَحَدَّثَهُمْ عَنْهُ (وَقِيْلَ أَشَارَ إِلَىَ الْقَاتِلِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَدَّثَ) ثُمَّ عَادَ إِلَىَ الْمَوْتِ.

وَشَاهِدٍ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ مُعْجِزَةٌ إِحْيَاءِ الْمَوْتَىَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، اسْتَمِعُوَا بِآَذَانِهِمْ إِلَىَ اسْمِ الْقَاتِلُ. انْكَشَفَ غُمُوْضٍ الْقَضِيَّةِ الَّتِيْ حَيَّرَتْهُمْ زَمَنَا طَالَ بِسَبَبِ لَجَاجَّتِهُمْ وَتَعَنُّتِهِمْ.

نَوَدُّ أَنْ نَسَتَلَفتُ انْتِبَاهِ الْقَارِئُ إِلَىَ سُوَءِ أَدَبٍ الْقَوْمَ مَعَ نَبِيِّهِمْ وَرَبُّهُمْ، وَلَعَلَّ السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ يُوَرِّدُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيْقِ تَكْرَارِهُمْ لِكَلِمَةُ "رَبِّكَ" الَّتِيْ يُخَاطِبُوْنَ بِهَا مُوْسَىْ. وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِمْ أَنْ يَقُوْلُوْا لِمُوْسَى، تَأَدَّبَا، لَوْ كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُوْلُوْا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ادْعُ لَنَا رَبَّنَا.

أَمَّا أَنْ يَقُوْلُوْا لَهُ: فَكَأَنَّهُمْ يُقْصِرُوْنَ رُبُوْبِيَّةِ الَلّهَ تَعَالَىْ عَلَىَ مُوْسَىْ. وَيَخْرُجُوْنَ أَنْفُسِهِمْ مِنْ شَرَفٍ الْعُبُوْدِيَّةِ لِلَّهِ. انْظُرُ إِلَىَ الْآَيَاتِ كَيْفَ تُوْحِيْ بِهَذَا كُلِّهِ. ثُمَّ تَأَمَّلْ سُخْرِيَةٍ السِّيَاقِ مِنْهُمْ لِمُجَرَّدِ إِيْرَادِهِ لِقَوْلِهِمْ: (الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) بَعْدَ أَنْ أَرْهَقُوْا نَبِيُّهُمْ ذَهَابَا وَجَيْئَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَعْدَ أَنْ أَرْهَقُوْا نَبِيُّهُمْ بِسُؤَالِهِ عَنْ صِفَةِ الْبَقَرَةِ وَلَوْنُهَا وَسَنَّهَا وَعَلَامَاتِهَا الْمُمَيِّزَةُ، بَعْدَ تَعَنُّتِهِمْ وَتَشْدِيدِ الْلَّهُ عَلَيْهِمْ، يَقُوْلُوْنَ لِنَبِّيِهِم حِيْنَ جَاءَهُمْ بِمَا يَنْدُرُ وُجُوْدِهِ وَيَنْدُرُ الْعُثُورُ عَلَيْهِ فِيْ الْبَقَرِ عَادَةً.

سَاعَتَهَا قَالُوْا لَهُ: "الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ". كَأَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ قَبْلَهَا مَعَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَا جَاءَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ أَوَّلِ كَلِمَةٍ لِآِخَرَ كَلِمَةُ. ثُمَّ انْظُرْ إِلَىَ ظِلَالِ السِّيَاقِ وَمَا تَشِيْ بِهِ مِنْ ظُلْمِهِمْ: (فَذَبَحُوْهَا وَمَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ) أَلَا تُوْحِيْ لَكْ ظِلَالْ الْآَيَاتِ بِتَعَنَتِهُمْ وَتَسْوَيُفَهُمْ ومُمَارَاتِهُمْ ولَجَاجَّتِهُمْ فِيْ الْحَقِّ؟

هَذِهِ الْلَّوْحَةِ الْرَّائِعَةِ تَشِيْ بِمَوْقِفِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ عَلَىَ مَوَائِدِ الْمُفَاوَضَاتِ. هِيَ صُوْرَتُهُمْ عَلَىَ مَائِدَةِ الْمُفَاوَضَاتِ مَعَ نَبِيِّهِمْ الْكَرِيْمِ مُوْسَىْ.

إِيْذَاءِ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ لِمُوْسَى:

قَاسَى مُوْسَىْ مِنْ قَوْمِهِ أَشَدُّ الْمُقَاسَاةِ، وَعَانَى عَنَاءَ عَظِيْما، وَاحْتَمَلَ فِيْ تَبْلِيْغُهُمْ رِسَالَتَهُ مَا احْتَمَلَ فِيْ سَبِيِلِ الْلَّهِ. وَلَعَلَّ مُشْكِلَةَ مُوْسَىْ الْأَسَاسِيَّةَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَىَ قَوْمٍ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِالْهَوَانِ وَالْذَلِ، وَطَالَ بَقَاؤُهُمْ فِيْ جَوِّ يَخْلُوَ مِنْ الْحُرِيَةَ، وَطَالَ مُكْثَهُمْ وَسَطِ عُبَادَةَ الْأَصْنَامَ، وَلَقَدْ نَجَحْتُ الْمُؤَثِّرَاتِ الْعَدِيدَةِ الْمُخْتَلِفَةَ فِيْ أَنْ تَخْلِقَ هَذِهِ الْنَّفْسِيَّةِ الْمُلْتَوِيَةٍ الْخَائِرَةِ الْمَهْزُومَةٍ الَّتِيْ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ.

إِلَا أَنْ تُعَذِّبَ أَنْبِيَائِهَا وَمُصْلْحِيُّهَا. وَقَدْ عَذب بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ مُوْسَىْ عَذَابا نَسْتَطِيْعُ -نَحْنُ أَبْنَاءَ هَذَا الْزَّمَانِ- أَنْ نُدْرِكَ وَقْعُهُ عَلَىَ نَفْسِ مُوْسَىْ الْنَّقِيَّةُ الْحَسَّاسَةِ الْكَرِيْمَةِ. وَلَمْ يَقْتَصِرْ الْعَذَابُ عَلَىَ الْعِصْيَانِ وَالْغَبَاءْ وَاللِّجَاجَةُ وَالْجَهْلِ وَعِبَادَةً الْأَوْثَانِ، وَإِنَّمَا تَعَدَّىْ الْأَمْرُ إِلَىَ إِيْذَاءِ مُوْسَىْ فِيْ شَخْصِهِ.

قَالَ تَعَالَىْ: يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا لَا تَكُوْنُوْا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوْسَىْ فَبَرَّأَهُ الْلَّهُ مِمَّا قَالُوْا وَكَانَ عِنْدَ الْلَّهِ وَجِيْها (69) (الْأَحْزَابُ)
وَنَحْنُ لَا تَعْرِفُ كُنْهَ هَذَا الإِيْذَاءُ، وَنَسْتُبَعدّ رِوَايَةِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الَّتِيْ يَقُوْلُوْنَ فِيْهَا أَنَّ مُوْسَىْ كَانَ رَجُلا حَيِيا يَسْتَتِرُ دَائِمَا وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَرَىَ أَحَدٌ مِنَ الْنَّاسِ جَسَدِهِ فَاتَّهِمْهُ الْيَهُوْدِ بِأَنَّهُ مُصَابٌ بَمَرَضِ جِلْدِيّ أَوْ بَرَصٍ، فَأَرَادَ الْلَّهُ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوْا، فَذَهَبَ يَسْتَحِمُّ يَوْمَا وَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَىَ حَجَرٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا الْحَجَرُ يَجْرِيَ بِثِيَابِهِ وَمُوَسَى يَجْرِيَ وَرَاءَ الْحَجَرِ عَارِيّا حَتَّىَ شَاهَدَهُ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ عَارِيّا وَلَيْسَ بِجِلْدِهِ عَيْبٍ.

نَسْتَبْعِدُ هَذِهِ الْقِصَّةِ لتَفاهَتِهَا، فَإِنَّهَا إِلَىَ جُوَارِ خِرَافَةِ جَرْيَ الْحَجَرَ بِمَلابِسِهِ، لَا تُعْطِيَ مُوْسَىْ حَقَّهُ مِنَ الْتَّوْقِيْرِ، وَهِيَ تَتَنَافَى مَعَ عِصْمَتِهِ كَنَبِيٍّ.
وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْيَهُوْدَ آَذَوْا مُوْسَىْ إِيْذَاءِ نَفْسِيّا، هَذَا هُوَ الْإِيْذَاءِ الَّذِيْ يُدْمِيْ الْنُّفُوْسُ الْكَرِيْمَةِ وَيَجْرَحُهَا حَقّا، وَلَا نَعْرِفُ كَيْفَ كَانَ هَذَا الإِيْذَاءُ، وَلَكِنَّنَا نَسْتَطِيْعُ تَخَيَّلْ الْمَدَىَ الْعَبْقَرِيٍّ الْآَثِمُ الَّذِيْ يَسْتَطِيْعُ بُلُوْغِهِ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ فِيْ إِيْذَائِهِمْ لِمُوْسَى.

فَتْرَةِ الْتِّيْهِ:

وَلَعَلَّ أَعْظَمَ إِيْذَاءِ لِمُوْسَى، كَانَ رَفَضَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ الْقِتَالِ مِنْ أَجْلِ نَشْرِ عَقِيْدَةِ الْتَّوْحِيْدِ فِيْ الْأَرْضِ، أَوْ عَلَىَ أَقَلِ تَقْدِيْرٍ، الْسَّمَاحِ لِهَذِهِ الْعَقِيْدَةِ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَىَ الْأَرْضِ فِيْ مَكَانْ، وَتَأْمَنُ عَلَىَ نَفْسِهَا، وَتُمَارِسُ تَعْبُدْهَا فِيْ هُدُوُء. لَقَدْ رَفَضَ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ الْقِتَالُ. وَقَالُوْا لِمُوْسَى كَلِمَتَهُمْ الْشَّهِيْرَةِ: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُوْنَ).

وَبِهَذِهِ الْنَّفْسِيَّةِ حِكَمٌ الْلَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْتّيْهِ. وَكَانَ الْحُكْمُ يُحَدَّدُ أَرْبَعِيْنَ عَاما كَامِلَةً، وَقَدْ مَكَثَ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ فِيْ الْتِّيْهِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، حَتَّىَ فَنِيَ جِيْلٍ بِأَكْمَلِهِ. فَنَىِ الْجِيْلِ الْخَائِرُ الْمَهْزُومُ مِنَ الْدَّاخِلِ، وَوَلَدَ فِيْ ضَيَاعٍ الْشَّتَاتِ وَقَسْوَةِ الْتِّيْهِ جِيْلٍ جَدِيْدٍ. جِيْلٌ لَمْ يَّتَرَبَّىَ وَسَطَ مُنَاخٍ وَثَنِيِّ، وَلَمْ يَشُلُّ رُوْحُهُ انْعِدَامُ الْحُرِّيَّةِ.

جِيْلٌ لَمْ يَنْهَزِمِ مِنَ الْدَّاخِلِ، جِيْلٌ لَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيْعُ الْأَبْنَاءِ فِيْهِ أَنَّ يَفْهَمُوْا لِمَاذَا يَطَّوَّفَ الْآَبَاءِ هَكَذَا بِغَيْرِ هَدَفٍ فِيْ تِيْهِ لَا يَبْدُوَ لَهُ أَوَّلَ وَلَا تَسْتَبِيْنَ لَهُ نِهَايَةْ. إِلَا خَشْيَةً مِنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ. جِيْلٍ صَارَ مُسْتَعِدّا لِدَفْعِ ثَمَنِ آدِمّيْتِهُ وَكَرَامَتِهِ مِنْ دِمَائِهِ. جِيْلٍ لَا يَقُوْلُ لِمُوْسَى (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُوْنَ).

جِيْلٌ آَخَرُ يَتَبَنَّىْ قِيَمُ الْشَّجَاعَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، كَجُزْءٍ مُهِمٌّ مِنْ نَسِيْجِ أَيُّ دِيَانَةً مِنْ دِيَانَاتُ الْتَّوْحِيْدِ. أَخِيِرَا وَلَدٍ هَذَا الْجِيْلِ وَسَطِ تِيْهٍ الْأَرْبَعِيْنَ عَاما.
وَلَقَدْ قُدِّرَ لِمُوْسَى. زِيَادَةٌ فِيْ مُعَانَاتِهِ وَرَفْعَا لدَرَّجَتِهُ عِنْدَ الْلَّهِ تَعَالَىْ.

قُدَّرَ لَهُ أَلَا تَكْتَحِلُ عَيْنَاهُ بِمَرْأَى هَذَا الْجِيْلِ. فَقَدْ مَاتَ مُوْسَىْ عَلَيْهِ الْصَّلَاةُ وَالْسَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ الْأَرْضَ الَّتِيْ كَتَبَ الْلَّهُ عَلَيْهِمُ دُخُوْلِهَا.
وَقَالَ رَسُوْلُ الْلَّهِ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ كَانَ قَوْمُهُ يُؤْذُوْنَهُ فِيْ الْلَّهِ: قَدْ أُوْذِيَ مُوْسَىْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ.

مَاتَ هَارُوْنُ قَبْلُ مُوْسَىْ بِزَمَنٍ قَصِيْرٌ. وَاقْتَرِبْ أَجَلٍ مُوْسَىْ، عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ. وَكَانَ لَمْ يَزَلْ فِيْ الْتِّيْهِ. قَالَ يَدْعُوَ رَبَّهُ: رَبِّ أَدْنِنِي إِلَىَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً حَجَرٍ.

أَحَبَّ أَنْ يَمُوْتَ قَرِيْبا مِّنَ الْأَرْضِ الَّتِيْ هَاجَرَ إِلَيْهَا. وَحَثَّ قَوْمه عَلَيْهَا. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ، وَمَاتَ فِيْ الْتِّيْهِ. وَدُفِنَ عِنْدَ كَثِيْبٍ أَحْمَرُ حَدَّثَ عَنْهُ آَخِرَ أَنْبِيَاءَ الْلَّهِ فِيْ الْأَرْضِ حِيْنَ أُسْرِىَ بِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِيَ مَرَرْتُ بِمُوْسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّيَ فِيْ قَبْرِهِ عِنْدَ الْكَثِيْبِ الْأَحْمَرِ.

تَرْوِيْ الْأَسَاطِيْرِ عَدِيْدَا مِنْ الْحِكَايَاتِ حَوْلَ مَوْتِ مُوْسَىْ، وَتَحْكِي أَنَّهُ ضَرَبَ مَلَكٌ الْمَوْتُ حِيْنَ جَاءَ يَسْتَلُّ رُوْحُهُ، وَأَمْثَالٌ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كَثِيْرَةً. لَكِنَّنَا لَا نُحِبُّ أَنْ نَخُوْضَ فِيْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ حَتَّىَ لَا نَنْجَرِفُ وَرَاءَ الْإِسْرَائِيْلِيَّاتِ الَّتِيْ دَخَلْتَ بَعْضَ كُتُبِ الْتَّفْسِيْرِ.
مَاتَ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ- فِيْ الْتِّيْهِ، وَتَوَلَّى يُوْشَعُ بْنُ نُوُنٍ أَمْرٍ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ.




مُوْسَىْ عليه السلام 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26825
العمر : 67

مُوْسَىْ عليه السلام Empty
مُساهمةموضوع: رد: مُوْسَىْ عليه السلام   مُوْسَىْ عليه السلام Emptyالثلاثاء 12 أكتوبر 2010, 6:52 am



الْجُزْءِ الْرَّابِعُ

مُوْسَىْ وَالْعَبْدُ الْصَّالِحُ:

قَالَ تَعَالَىْ:

وَإِذْ قَالَ مُوْسَىْ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىَ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبا (60) (الْكَهْفِ)
كَانَ لِمُوْسَى -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- هَدّفْ مِنْ رِحْلَتِهِ هَذِهِ الَّتِيْ اعْتَزِمُهَا،, وَأَنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ مِنْ وَرَائِهَا امْرا، فَهُوَ يُعْلِنُ عَنْ تَصْمِيْمُهُ عَلَىَ بُلُوْغِ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ مُهِمَّا تَكُنْ الْمَشَقَّةِ، وَمَهْمَا يَكُنْ الْزَّمَنِ الَّذِيْ يَنْفِهِ فِيْ الْوُصُوْلَ.

فَيُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الْتَّصْمِيِمْ قَائِلا (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبا).
نَرَىْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيْمَ لَا يُحَدَّدُ لَنَا الْمَكَانِ الَّذِيْ وَقَّتَ فِيْهِ الْحَوَادِثَ، وَلَا يُحَدَّدُ لَنَا الْتَّارِيْخُ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَسْمَاءِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ مَاهِيَّةِ الْعَبْدُ الْصَالِحُ الَّذِيْ الْتَقَاهُ مُوْسَىْ، هَلْ هُوَ نَبِيّ أَوْ رَسُوْلٌ؟ أَمْ عَالِمُ؟ أُمُّ وَلِيٍّ؟

اخْتُلِفَ الْمُفَسِّرُوْنَ فِيْ تَحْدِيْدِ الْمَكَانِ، فَقِيْلَ إِنَّهُ بَحْرٍ فَارِسَ وَالْرُّوْمِ، وَقِيْلَ بَلْ بَحْرٍ الْأُرْدُنِّ أَوْ الْقُلْزُم، وَقِيْلَ عِنْدَ طَنْجَةَ، وَقِيْلَ فِيْ أَفْرِيْقْيَا، وَقِيْلَ هُوَ بَحْرُ الْأَنْدَلُسِ.. وَلَا يَقُوْمُ الْدَّلِيلُ عَلَىَ صِحَّةِ مَكَانٍ مِنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ، وَلَوْ كَانَ تَحْدِيْدُ الْمَكَانِ مَطْلُوْبا لُحدِّدِهُ الَلّهَ تَعَالَىْ.. وَإِنَّمَا أُبْهِمَ السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ الْمَكَانِ، كَمَا أُبْهِمَ تَحْدِيْدِ الْزَّمَانِ، كَمَا ضَبَّبَ أَسْمَاءُ الْأَشْخَاصِ لِحِكْمَةٍ عَلَيَّا.

إِنَّ الْقِصَّةَ تَتَعَلَّقُ بِعِلْمٍ لَيْسَ هُوَ عَلِمْنَا الْقَائِمِ عَلَىَ الْأَسْبَابِ.. وَلَيْسَ هُوَ عِلْمُ الْأَنْبِيَاءِ الْقَائِمِ عَلَىَ الْوَحْيِ.. إِنَّمَا نَحْنُ أَمَامَ عِلْمُ مِنْ طَبِيْعَةِ غَامِضَةِ أَشَدُّ الْغُمُوْضْ.. عِلْمٍ الْقَدْرِ الْأَعْلَىَ، وَذَلِكَ عَلَمٌ أُسْدِلَتِ عَلَيْهِ الْأَسْتَارِ الْكَثِيْفَةِ.. مَكَانَ الْلِقَاءِ مَجْهُوْلٌ كَمَا رَأَيْنَا.. وَزَمَانٍ الْلِّقَاءِ غَيْرَ مَعْرُوْفٍ هُوَ الْآَخَرُ.. لَا نَعْرِفُ مَتَىَ تَمَّ لِقَاءَ مُوْسَىْ بِهَذَا الْعَبْدِ.

وَهَكَذَا تَمْضِيَ الْقِصَّةِ بِغَيْرِ أَنْ تُحَدِّدَ لَكِ سُطُوْرِهَا مَكَانٍ وُقُوْعِ الْأَحْدَاثِ، وَلَا زَمَانِهِ، يُخْفِيَ السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ أَيْضا اسْمُ أَهَمِّ أَبْطَالِهَا.. يُشِيْرُ إِلَيْهِ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ بِقَوْلِهِ: (عَبْدا مِّنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَّدُنَّا عِلْما) هُوَ عَبْدُ أَخْفَىَ السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ اسْمُهُ.. هَذَا الْعَبْدْ هُوَ الَّذِيْ يَبْحَثُ عَنْهُ مُوْسَىْ لِيَتَعَلَّمُ مِنْهُ.

لَقَدْ خَصَّ الْلَّهُ تَعَالَىْ نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- بِأُمُوْرٍ كَثِيْرَةٌ. فَهُوَ كَلِيْمِ الْلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَحَدُ أُوْلِيْ الْعَزْمِ مِنَ الْرُّسُلِ، وَصَاحِبُ مُعْجِزَةٌ الْعَصَا وَالْيَدِ، وَالْنَّبِيّ الَّذِيْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْتَّوْرَاةَ دُوْنَ وَاسِطَةٍ، وَإِنَّمَا كَلَّمَهُ الْلَّهُ تَكْلِيْما.. هَذَا الْنَّبِيُّ الْعَظِيمُ يَتَحَوَّلُ فِيْ الْقِصَّةِ إِلَىَ طَالِبِ عِلْمٍ مُتَوَاضِعُ يَحْتَمِلُ أُسْتَاذِهِ لِيَتَعَلَّمَ..

وَمَنْ يَكُوْنُ مُعَلِّمِهِ غَيَّرَ هَذَا الْعَبْدْ الَّذِيْ يَتَجَاوَزَ السِّيَاقِ الَقُرْآنيَّ اسْمُهُ، وَإِنْ حَدَّثَتْنَا الْسَّنَةِ الْمُطَهَّرَةٌ أَنَّهُ هُوَ الْخَضِرُ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- كَمَا حَدَّثْتَنَا أَنَّ الْفَتَى هُوَ يُوْشَعُ بْنُ نُوُنٍ، وَيُسَيِّرُ مُوْسَىْ مَعَ الْعَبْدِ الَّذِيْ يَتَلَقَّىْ عَلِمَهُ مَنْ الْلَّهِ بِغَيْرِ أَسْبَابِ الْتَّلَقِّيَ التي نَعْرِفُهَا.

وَمَعَ مَنْزِلَةً مُوْسَىْ الْعَظِيْمَةَ إِلَّا أَنَّ الْخَضِرَ يَرْفُضُ صُحْبَةِ مُوْسَىْ.. يَفْهَمُهُ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيْعَ مَعَهُ صَبْرَا.. ثُمَّ يُوَافَق عَلَىَ صُحْبَتِهِ بِشَرْطِ.. أَلَا يَسْأَلُهُ مُوْسَىْ عَنْ شَيْءٍ حَتَّىَ يُحْدِثُهُ الْخَضِرِ عَنْهُ.

وَالْخِضْرِ هُوَ الْصَّمْتُ الْمُبْهَمُ ذَاتِهِ، إِنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ، وَتَصَرُّفَاتُهُ تُثِيْرُ دَهْشَةٍ مُوْسَىْ الْعَمِيقَةِ.. إِنَّ هُنَاكَ تَصَرُّفَاتِ يَأْتِيَهَا الْخَضِرِ وَتَرْتَفِعُ أَمَامَ عَيْنَيْ مُوْسَىْ حَتَّىَ لِتَصِلَ إِلَىَ مَرْتَبَةُ الْجَرَائِمِ وَالْكَوَارِثُ.. وَهُنَاكَ تَصَرُّفَاتِ تَبْدُوَ لِمُوْسَى بِلَا مَعْنَىً.. وَتُثِيرُ تَصَرُّفَاتِ الْخَضِرِ دَهْشَةٍ مُوْسَىْ وَمُعَارَضَتِهِ.. وَرَغْمَ عِلْمَ مُوْسَىْ وَمَرْتَبَتَهُ، فَإِنَّهُ يَجِدُ نَفْسَهُ فِيْ حَيْرَةٍ عَمِيْقَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِ هَذَا الْعَبْدْ الَّذِيْ آَتَاهُ الْلَّهُ مِنْ لَّدُنْهُ عِلْما.

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيْ الْخُضَرِ: فِيْهِمْ مِنْ يَعْتَبِرُهُ وَلِيّا مِّنَ أَوْلِيَاءَ الْلَّهِ، وَفِيْهِمْ مَنْ يَعْتَبِرُهُ نَبِيا.. وَقَدْ نُسِجَتْ الْأَسَاطِيْرِ نَفْسَهَا حَوْلَ حَيَاتَهُ وَوُجُوْدَهُ، فَقِيْلَ إِنَّهُ لَا يَزَالُ حَيّا إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ قَضِيَّةِ لَمْ تُرِدْ بِهَا نُصُوْصٌ أَوْ آَثَارٍ يُوَثِّقُ فِيْهَا، فَلَا نَقُوُلُ فِيْهَا إِلَّا أَنَّهُ مَاتَ كَمَا يَمُوْتُ عِبَادَ الْلَّهِ.. وَتَبْقَىَ قَضِيَّةٌ وِلَايَتِهِ، أَوْ نُبُوَّتَهُ.. وسَنُرْجِئْ الْحَدِيْثِ فِيْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ حَتَّىَ نَنْظُرَ فِيْ قِصَّتِهِ كَمَا أَوْرَدَهَا الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمِ.

قَامَ مُوْسَىْ خَطِيْبا فِيْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ، يَدْعُوَهُمْ إِلَىَ الْلَّهِ وَيُحَدِّثُهُمْ عَنْ الْحَقّ، وَيَبْدُوَ أَنَّ حَدِيْثَهُ جَاءَ جَامِعا مَانِعا رَائِعَا.. بَعْدَ أَنْ انْتَهَىَ مِنْ خِطَابِهِ سَأَلَهُ أَحَدُ الْمُسْتَمِعِيْنَ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ: هَلْ عَلَىَ وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ اعْلَمُ مِنْكَ يَا نَبِيَّ الْلَّهِ؟

قَالَ مُوْسَىْ مُنْدَفِعَا: لَا..
وَسَاقَ الَلّهَ تَعَالَىْ عِتَابَهُ لِمُوْسَى حِيْنَ لَمْ يُرِدِ الْعِلْمُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيْلُ يَسْأَلُهُ: يَا مُوْسَىْ مَا يُدْرِيْكَ أَيْنَ يَضَعُ الْلَّهُ عِلْمَهُ؟
أَدْرَكَ مُوْسَىْ أَنَّهُ تُسْرِعُ.. وَعَادٍ جِبْرِيْلُ، عَلَيْهِ الْسَّلَامُ، يَقُوْلُ لَهُ: إِنْ لِلَّهِ عَبْدا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ.

تَاقَتْ نَفْسٌ مُوْسَىْ الْكَرِيْمَةِ إِلَىَ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَانْعَقَدَتْ نِيَّتِهِ عَلَىَ الْرَّحِيْلِ لْمُصَاحِبةً هَذَا الْعَبْدُ الْعَالَمِ.. سَأَلَ كَيْفَ الْسَّبِيلُ إِلَيْهِ.. فَأَمَرَ أَنْ يَرْحَلَ، وَأَنَّ يَحْمِلُ مَعَهُ حُوْتا فِيْ مِكْتَلٍ، أَيُّ سَمَكَةَ فِيْ سَلَّةٍ.. وَفِيْ هَذَا الْمَكَانِ الَّذِيْ تَرْتَدُّ فِيْهِ الْحَيَاةُ لِهَذَا الْحُوْتِ وَيَتَسَرَّبُ فِيْ الْبَحْرِ، سَيَجِدُ الْعَبْدُ الْعَالَمِ.. انْطَلِقْ مُوْسَىْ -طَالِبٍ الْعِلْمِ- وَمَعَهُ فَتَاهُ..

وَقَدْ حَمَلَ الْفَتَىْ حُوْتا فِيْ سَلَّةٍ.. انْطَلَقَا بَحْثَا عَنِ الْعَبْدِ الْصَّالِحِ الْعَالَمِ.. وَلَيْسَتْ لَدَيْهِمْ أَيُّ عَلَامَةُ عَلَىَ الْمَكَانِ الَّذِيْ يُوْجَدُ فِيْهِ إِلَا مُعْجِزَةٌ ارْتِدَادِ الْحَيَاةِ لِلْسَّمَكَةِ الْقَابِعَةُ فِيْ الْسَّلَّةِ وَتُسَرِّبُهُا إِلَىَ الْبَحْرِ.

وَيَظْهَرُ عَزْمِ مُوْسَىْ -عَلَيْهِ الْسَّلَامُ- عَلَىَ الْعُثُورَ عَلَىَ هَذَا الْعَبْدِ الْعَالَمِ وَلَوْ اضْطَرَّهُ الْأَمْرُ إِلَىَ أَنْ يَسِيْرَ أَحْقَابا وَأَحْقَابّا. قِيَلَ أَنَّ الْحُقْبُ عَامٍ، وَقِيْلَ ثَمَانُوْنَ عَاما. عَلَىَ أَيّةِ حَالٍ فَهُوَ تَعْبِيْرٌ عَنْ الْتَصْمِيْمْ، لَا عَنْ الْمُدَّةِ عَلَىَ وَجْهِ الْتَّحْدِيْدِ.

وُصِلَ الاثْنَانِ إِلَىَ صَخْرَةِ جُوَارِ الْبَحْرِ.. رَقَدَ مُوْسَىْ وَاسْتَسْلَمَ لِلْنُّعَاسِ، وَبَقِيَ الْفَتَى سَاهِرَا.. وَأَلْقَتْ الْرِّيَاحَ إِحْدَىَ الْأَمْوَاجُ عَلَىَ الْشَّاطِئِ فَأَصَابَ الْحُوْتَ رَذَاذْ فَدَبَّتْ فِيْهِ الْحَيَاةُ وَقَفَزَ إِلَىَ الْبَحْرِ.. (فَاتَّخَذَ سَبِيْلَهُ فِيْ الْبَحْرِ سَرَبا).. وَكَانَ تَسَرَّبَ الْحُوتِ إِلَىَ الْبَحْرِ عَلَامَةً أَعْلَمَ الْلَّهُ بِهَا مُوْسَىْ لِتَّحْدِيْدِ مَكَانٍ لِقَائِهِ بِالْرَّجُلِ الْحَكِيْمُ الَّذِيْ جَاءَ مُوْسَىْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ.

نَهَضَ مُوْسَىْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَمْ يُلَاحَظُ أَنَّ الْحُوتَ تَسَرَّبَ إِلَىَ الْبَحْرِ.. وَنَسِيَ فَتَاهُ الَّذِيْ يَصْحَبُهُ أَنَّ يُحْدِثُهُ عَمَّا وَقَعَ لِلْحُوتِ.. وَسَارَ مُوْسَىْ مَعَ فَتَاهُ بَقِيَّةُ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا وَقَدْ نَسْيا حُوْتَهُمَا.. ثُمَّ تَذْكُرُ مُوْسَىْ غَدَاءَهُ وَحْلِ عَلَيْهِ الْتَّعَبَ.. (قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِيَنَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبا).. وَلَمِّعُ فِيْ ذِهْنِ الْفَتَى مَا وَقَعَ.

سَاعَتَئِذٍ تُذَكِّرُ الْفَتَى كَيْفَ تَسَرَّبَ الْحُوتِ إِلَىَ الْبَحْرِ هُنَاكَ.. وَأَخْبَرَ مُوْسَىْ بِمَا وَقَعَ، وَاعْتَذَرْ إِلَيْهِ بِأَنَّ الْشَّيْطَانَ أَنْسَاهُ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ مَا وَقَعَ، رَغْمَ غَرَابَةِ مَا وَقَعَ، فَقَدْ اتَّخَذَ الْحُوْتِ (سَبِيْلَهُ فِيْ الْبَحْرِ عَجَبا).. كَانَ أَمْرا عَجِيْبا مَا رَآَهُ يُوْشَعُ بْنُ نُوُنٍ، لَقَدْ رَأَىَ الْحُوْتِ يَشُقُّ الْمَاءِ فَيَتْرُكُ عَلَامَةً وَكَأَنَّهُ طَيْرٍ يَتَلَوَّىْ عَلَىَ الْرِّمَالِ.

سَعْدٍ مُوْسَىْ مِنْ مُرُوْقَ الْحُوتِ إِلَىَ الْبَحْرِ وَ(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ).. هَذَا مَا كُنَّا نُرِيْدُهُ.. إِنَّ تَسَرَّبَ الْحُوْتِ يُحَدَّدُ الْمَكَانِ الَّذِيْ سَنَلْتَقِيْ فِيْهِ بِالْرَّجُلِ الْعَالَمِ.. وَيَرْتَدُّ مُوْسَىْ وَفَتَاهُ يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا عَائِدِيْنَ.. انْظُرُ إِلَىَ بِدَايَةِ الْقِصَّةِ، وَكَيْفَ تَجِيْءُ غَامِضَةِ أَشَدُّ الْغُمُوْضْ، مُبْهَمَةٌ أَعْظَمُ الْإِبْهَامِ.
أَخِيِرَا وَصَلَ مُوْسَىْ إِلَىَ الْمَكَانِ الَّذِيْ تَسَرَّبَ مِنْهُ الْحُوْتُ.. وَصْلَا إِلَىَ الْصَّخْرَةِ الَّتِيْ نَامَا عِنْدَهَا، وَتَسَرَّبَ عِنْدَهَا الْحُوْتُ مِنَ الْسَّلَّةِ إِلَىَ الْبَحْرِ.. وَهُنَاكَ وَجَدَا رَجُلا.

يَقُوْلُ الْبُخَارِيِّ إِنَّ مُوْسَىْ وَفَتَاهُ وَجَدَا الْخَضِرِ مُسَجَّىً بِثَوْبِهِ.. وَقَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وَطَرَفُ تَحْتَ رَأْسِهِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوْسَىْ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: هَلْ بِأَرْضِكَ سَلَامٌ..؟ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ مُوْسَىْ: أَنَا مُوْسَىْ.

قَالَ الْخَضِرُ: مُوْسَىْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ.. عَلَيْكَ الْسَّلَامَ يَا نَبِيَّ إِسْرَائِيْلَ.
قَالَ مُوْسَىْ: وَمَا أَدْرَاكَ بِيَ..؟

قَالَ الْخَضِرُ: الَّذِيْ أَدْرَاكَ بِيَ وَدَلَّكَ عَلَيَّ.. مَاذَا تُرِيْدُ يَا مُوْسَىْ..؟ قَالَ مُوْسَىْ مُلَاطِفا مُبَالِغَا فِيْ الْتَّوْقِيْرِ: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىَ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا). قَالَ الْخَضِرُ: أَمَا يَكْفِيَكَ أَنَّ الْتَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ.. وَأَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيَكَ..؟ يَا مُوْسَىْ (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْرا).

نُرِيْدُ أَنْ نَتَوَقَّفَ لَحْظَةٍ لِنُلَاحِظَ الْفِرَقَ بَيْنَ سُؤَالِ مُوْسَىْ الْمُلَاطِفُ الْمُغَالِيِ فِيْ الْأَدَبِ.. وَرَدَ الْخَضِرِ الْحَاسِمِ، الَّذِيْ يُفْهَمُ مُوْسَىْ أَنِ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِيْ لِمُوْسَى أَنْ يَعْرِفَهُ، كَمَا أَنَّ عِلْمَ مُوْسَىْ هُوَ عِلْمُ لَا يَعْرِفُهُ الْخَضِرِ..

يَقُوْلُ الْمُفَسِّرُوْنَ إِنَّ الْخُضَرُ قَالَ لِمُوْسَى: إِنَّ عِلْمِيّ أَنْتَ تَجْهَلُهُ.. وَلَنْ تُطِيْقَ عَلَيْهِ صَبْرا، لِأَنَّ الْظَّوَاهِرِ الَّتِيْ سَتَحْكُمُ بِهَا عَلَىَ عِلْمِيّ لَنْ تَشْفِيَ قَلْبِكَ وَلَنْ تُعْطِيَكَ تَفْسِيْرا، وَرُبَّمَا رَأَيْتُ فِيْ تَصَرُّفَاتِيَ مَا لَا تَفْهَمُ لَهُ سَبَبَا أَوْ تَدْرِيْ لَهُ عِلَّةٌ.. وَإِذَنْ لَنْ تَصْبِرُ عَلَىَ عِلْمِيّ يَا مُوْسَىْ.

احْتَمَلَ مُوْسَىْ كَلِمَاتِ الْصَّدِّ الْقَاسِيَةِ وَعَادٍ يَرْجُوْهُ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بمُصَاحِبَتِهُ وَالْتَّعَلُّمِ مِنْهُ.. وَقَالَ لَهُ مُوْسَىْ فِيْمَا قَالَ إِنَّهُ سَيَجِدُهُ إِنِ شَاءَ الْلَّهُ صَابِرا وَلَا يَعْصِيَ لَهُ أَمْرَا.
تَأَمَّلْ كَيْفَ يَتَوَاضَعْ كَلِيْمِ الْلَّهِ وَيُؤَكِّدُ لِلْعَبْدِ الْمُدَّثِّرُ بِالْخَفَاءِ أَنَّهُ لَنْ يَعْصِيَ لَهُ أَمْرَا.

قَالَ الْخَضِرُ لِمُوْسَى -عَلَيْهِمَا الْسَّلامُ- إِنَّ هُنَاكَ شَرْطا يَشْتَرِطَهُ لِقَبُوْلِ أَنَّ يُصَاحِبَهُ مُوْسَىْ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ هُوَ أَلَّا يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّىَ يُحْدِثُهُ هُوَ عَنْهُ.. فَوَافَقَ مُوْسَىْ عَلَىَ الْشَّرْطِ وَانْطَلَقَا..

انْطَلِقْ مُوْسَىْ مَعَ الْخَضِرِ يَمْشِيَانِ عَلَىَ سَاحِلِ الْبَحْرِ.. مَرَّتْ سَفِيْنَةٍ، فَطَلَبَ الْخُضْرَ وَمُوَسَى مِنْ أَصْحَابِهَا أَنْ يَحْمِلُوَهُمَا، وَعُرِفَ أَصْحَابُ السَّفِيْنَةِ الْخُضْرَ فَحَمَلُوهُ وَحَمَلُوْا مُوْسَىْ بِدُوْنِ أَجْرٍ، إِكْرَامَا لِلْخَضِرِ، وَفُوْجِئَ مُوْسَىْ حِيْنَ رَسَتْ السَّفِيْنَةُ وَغَادَرَهَا أَصْحَابِهَا وَرُكَّابُهَا..

فُوْجِئَ بِأَنَّ الْخَضِرَ يَتَخَلَّفُ فِيْهَا، لَمْ يَكَدْ أَصْحَابِهَا يَبْتَعِدُوْنَ حَتَّىَ بَدَأَ الْخَضِرِ يَخْرِقُ السَّفِيْنَةِ.. اقْتُلِعَ لَوْحا مِنْ أَلْوَاحِهَا وَأَلْقَاهُ فِيْ الْبَحْرِ فَحَمَلَتْهُ الْأَمْوَاجُ بَعِيْدا.

فَاسْتَنْكَرَ مُوْسَىْ فَعْلَةٌ الْخَضِرِ. لَقَدْ حَمَلْنَا أَصْحَابُ السَّفِيْنَةِ بِغَيْرِ أَجْرٍ.. أَكْرَمُوْنَا.. وَهَا هُوَ ذَا يَخْرِقُ سَفِيِنَتِهِمْ وَيُفْسِدُهَا.. كَانَ الْتَّصَرُّفُ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ مُوْسَىْ مَعِيْبا.. وَغَلَبَتْ طَبِيْعَةِ مُوْسَىْ الْمُنْدَفِعَةٍ عَلَيْهِ، كَمَا حَرَكَتِهِ غَيْرَتِهِ عَلَىَ الْحَقِّ، فَانْدَفَعَ يُحَدِّثُ أُسْتَاذِهِ وَمُعَلِّمِهِ وَقَدْ نَسِيَ شَرْطِهِ الَّذِيْ اشْتَرَطَهُ عَلَيْهِ: (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إِمْرا).

وَهْنَا يَلْفِتُ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ نَظَرَ مُوْسَىْ إِلَىَ عَبَثُ مُحَاوَلَةُ الْتَّعْلِيْمِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيْعَ الْصَّبُرْ عَلَيْهِ (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْرا)، وَيَعْتَذِرُ مُوْسَىْ بِالْنِّسْيَانِ وَيَرْجُوْهُ أَلَا يُؤَاخِذُهُ وَأَلَا يَرْهَقُهُ (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِيْ بِمَا نَسِيْتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِيْ عُسْرا).

سَارّا مَعَا.. فَمَرَّا عَلَىَ حَدِيْقَةِ يَلْعَبُ فِيْهَا الْصِّبْيَانُ.. حَتَّىَ إِذَا تَعِبُوْا مِنْ الْلَّعِبِ انْتَحَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَاحِيَةٍ وَاسْتَسْلَمَ لِلْنُّعَاسِ.. فُوْجِئَ مُوْسَىْ بِأَنْ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ يُقْتَلُ غُلَاما.. وَيَثُورُ مُوْسَىْ سَائِلَا عَنْ الْجَرِيْمَةِ الَّتِيْ ارْتَكَبَهَا هَذَا الْصَّبِيِّ لِيَقْتُلَهُ هَكَذَا..

يُعَاوِدُ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ تَّذْكِيْرِهِ بِأَنَّهُ أَفْهَمُهُ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيْعَ الْصَّبُرْ عَلَيْهِ (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْرا).. وَيَعْتَذِرُ مُوْسَىْ بِأَنَّهُ نَسِيَ وَلَنْ يُعَاوِدُ الْأَسْئِلَةِ وَإِذَا سَأَلَهُ مَرَّةً أُخْرَىَ سَيَكُوْنُ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُفَارِقَهُ (قَالَ إِنَّ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَّدُنِّي عُذْرا).

وَمَضَىَ مُوْسَىْ مَعَ الْخَضِرِ.. فَدَخَلَا قَرْيَةٍ بِخِيْلَةً.. لَا يَعْرِفُ مُوْسَىْ لِمَاذَا ذَهَبَا إِلَىَ الْقَرْيَةِ، وَلَا يَعْرِفُ لِمَاذَا يَبِيَّتَانِ فِيْهَا، نُفِّذَ مَا مَعْهُمَا مِنْ الْطَّعَامِ، فَاسْتَطْعَمَا أُهِلَّ الْقَرْيَةِ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوْهُمَا.. وَجَاءَ عَلَيْهِمَا الْمَسَاءِ، وَأَوَى الاثْنَانِ إِلَىَ خَلَاءٍ فِيْهِ جِدَارِ يُرِيْدُ أَنْ يَنْقَضَّ.. جِدَارِ يَتَهَاوَىَ وَيَكَادُ يَهُمُّ بِالْسُّقُوطِ.. وَفُوْجِئَ مُوْسَىْ بِأَنْ الْرَّجُلُ الْعَابِدِ يَنْهَضُ لِيَقْضِيَ الْلَّيْلَ كُلَّهُ فِيْ إِصْلَاحِ الْجِدَارُ وَبِنَائُهُ مِنْ جَدِيْدٍ..

وْيَنْدُهشّ مُوْسَىْ مِنْ تَصَرُّفِ رَفِيْقُهُ وَمُعَلِّمِهِ، إِنَّ الْقَرْيَةَ بِخِيْلَةً، لَا يَسْتَحِقُّ مَنْ فِيْهَا هَذَا الْعَمَلِ الْمَجَّانِيِ (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرا).. انْتَهَىَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ.. قَالَ عَبْدُ الْلَّهِ لِمُوْسَى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِيْ وَبَيْنِكَ).

لَقَدْ حَذَرَ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ مُوْسَىْ مِنْ مَغَبَّةِ الْسُّؤَالِ. وَجَاءَ دَوْرُ الْتَّفْسِيْرِ الْآَنَ.. إِنَّ كُلِّ تَصَرُّفَاتِ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ الَّتِيْ أَثَارَتْ مُوْسَىْ وَحَيَّرْتُهُ لَمْ يَكُنْ حِيْنَ فَعَلَهَا تَصْدُرُ عَنْ أَمْرِهِ.. كَانَ يَنْفُذُ إِرَادَةِ عَلَيَّا.. وَكَانَتْ لِهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْعُلْيَا حَكَمْتَهَا الْخَافِيَةُ، وَكَانَتْ الْتَّصَرُّفَاتِ تَشِيْ بِالْقَسْوَةِ الْظَّاهِرَةِ، بَيْنَمَا تُخْفِيَ حَقِيْقَتُهَا رَحْمَةً حَانِيَةً..

وَهَكَذَا تُخْفِيَ الْكَوْارِثَ أَحْيَانَا فِيْ الْدُّنْيَا جَوْهَرِ الْرَّحْمَةِ، وَتَرْتَدِيّ الْنِّعَمِ ثِيَابٌ الْمَصَائِبِ وَتُجِيْدُ الْتَّنَكُّرِ، وَهَكَذَا يَتَنَاقَضُ ظَاهِرٌ الْأَمْرُ وَبَاطِنُهُ، وَلَا يَعْلَمُ مُوْسَىْ، رَغْمَ عِلْمِهِ الْهَائِلَ غَيْرَ قَطْرَةً مِنْ عِلْمٍ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ، وَلَا يَعْلَمُ الْعَبَدُ الْرَّبَّانِيُّ مِنْ عِلْمِ الْلَّهِ إِلَا بِمِقْدَارٍ مَا يَأْخُذُ الْعُصْفُوْرَ الَّذِيْ يُبَلِّلُ مِنْقَارُهُ فِيْ الْبَحْرِ، مِنْ مَاءٍ الْبَحْرِ..

كَشَفَ الْعَبْدُ الْرَّبَّانِيُّ لِمُوْسَى شَيْئَيْنِ فِيْ الْوَقْتِ نَفْسِهِ.. كَشْفَ لَهُ أَنْ عَلَّمَهُ -أَيْ عَلَمٌ مُوْسَىْ- مَحْدُوْدٌ.. كَمَا كَشَفَ لَهُ أَنْ كَثِيْرا مِّنَ الْمَصَائِبِ الَّتِيْ تَقَعُ عَلَىَ الْأَرْضِ تُخْفِيَ فِيْ رِدَائِهَا الْأَسْوَدِ الْكَئِيبُ رَحْمَةً عُظْمَىَ.

إِنْ أَصْحَابُ السَّفِيْنَةِ سيُعْتَبِرُونَ خَرْقٌ سَفِيِنَتِهِمْ مُصِيَبَةٌ جَاءَتْهُمْ، بَيْنَمَا هِيَ نِعْمَةٌ تَتَخَفَّى فِيْ زِيِّ الْمُصِيبَةُ.. نِعْمَةَ لَنْ تَكْشِفُ الْنِّقَابِ عَنْ وَجْهِهَا إِلَا بَعْدَ أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ وُيُصَادِرُ الْمُلْكُ كُلِّ الْسُفُنْ الْمَوْجُوْدَةِ غَصَبْا، ثُمَّ يُفْلِتُ هَذِهِ السَّفِيْنَةَ الْتَّالِفَةِ الْمَعِيبَةً.. وَبِذَلِكَ يَبْقَىْ مَصْدَرُ رِزْقٍ الْأَسِرَّةِ عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ، فَلَا يَمُوْتُوْنَ جُوْعا.

أَيْضا سَيَعْتَبِرُ وَالِدٌ الْطِّفْلِ الْمَقْتُوْلِ وَأُمُّهُ أَنَّ كَارِثَةٌ قَدْ دَهَمُتِهُما لِقَتْلِ وْحِيَدُهُما الْصَّغِيْرِ الْبَرِيءَ.. غَيْرِ أَنْ مَوْتُهُ يُمَثِّلُ بِالْنِّسْبَةِ لَهُمَا رَحْمَةً عُظْمَىَ، فَإِنَّ الْلَّهَ سَيُعْطِيْهُما بَدَلَا مِنْهُ غُلَامُا يَرْعَاهُمَا فِيْ شَيْخُوخْتِهُما وَلَا يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانا وَكُفْرا كَالْغُلَامِ الْمَقْتُوْلِ.

وَهَكَذَا تَخْتَفِيَ الْنَّعْمَةِ فِيْ ثِيَابِ الْمِحْنَةِ، وَتَرْتَدِيّ الْرَّحْمَةِ قِنَاعَ الْكَارِثَةَ، وَيَخْتَلِفُ ظَاهِرٌ الْأَشْيَاءِ عَنْ بَاطِنِهَا حَتَّىَ لِيَحْتَجَّ نَبِيٍّ الْلَّهُ مُوْسَىْ إِلَىَ تَصْرِفْ يَجْرِيَ أَمَامَهُ، ثُمَّ يَسَتْلَفَتِهُ عَبْدُ مِنْ عِبَادِ الْلَّهِ إِلَىَ حِكْمَةِ الْتَّصَرُّفِ وَمَغْزَاهُ وَرَحْمَةُ الْلَّهِ الْكُلِّيَّةَ الَّتِيْ تُخْفِيَ نَفْسَهَا وَرَاءَ أَقْنِعَةِ عَدِيْدَةٌ.

أَمَّا الْجِدَارُ الَّذِيْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ بِإِقَامَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ أَجْرا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، كَانَ يُخَبِّئُ تَحْتَهُ كَنْزَا لِغُلَامَيْنِ يَتِيْمَيْنِ ضَعِيْفَيْنِ فِيْ الْمَدِيْنَةِ. وَلَوْ تَرَكَ الْجِدَارُ يَنْقُضُ لِظَهْرِ مِنْ تَحْتِهِ الْكَنْزِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْصَّغِيْرَانِ أَنْ يَدْفَعَا عَنْهُ..

وَلَمَّا كَانَ أَبُوْهُمَا صَالِحا فَقَدْ نَفْعِهِمَا الْلَّهِ بِصَلَاحِهِ فِيْ طُفُولْتِهُما وَضَعْفَهُمَا، فَأَرَادَ أَنْ يَكْبَرَا وَيَشْتَدُّ عَوْدَهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا وَهُمَا قَادِرَانْ عَلَىَ حِمَايَتِهِ.

ثُمَّ يَنْفَضُّ الْرَّجُلُ يَدَهُ مِنَ الْأَمْرِ. فَهِيَ رَحْمَةٌ الْلَّهِ الَّتِيْ اقْتَضَتْ هَذَا الْتَّصَرُّفُ. وَهُوَ أَمْرٌ الْلَّهَ لَا أَمْرِهِ. فَقَدْ أَطْلَعَهُ عَلَىَ الْغَيْبِ فِيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيْمَا قَبْلَهَا، وَوَجْهِهِ إِلَىَ الْتَّصَرُّفِ فِيْهَا وُفِّقَ مَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْبِهِ. وَاخْتَفَىَ هَذَا الْعَبْدُ الْصَّالِحُ..

لَقَدْ مَضَىْ فِيْ الْمَجْهُوْلِ كَمَا خَرَجَ مِنْ الْمَجْهُوْلِ.. إِلَا أَنَّ مُوْسَىْ تَعْلَمُ مِنْ صُحْبَتِهِ دَرْسَيْنِ مُهِمَّيْنِ: تَعْلَمَ أَلَا يَغْتَرَّ بِعِلْمِهِ فِيْ الْشَّرِيِعَةِ، فَهُنَاكَ عِلْمٍ الْحَقِيقَةِ. وَتَعْلَمُ أَلَا يَتَجَهَّمُ قَلْبِهِ لِمَصَائِبِ الْبَشَرِ، فَرُبَّمَا تَكُوْنُ يَدُ الْرَّحْمَةِ الْخَالِقَةٌ تُخْفِيَ سِرَّهَا مِنَ الْلُّطْفِ وَالْإِنْقَاذِ، وَالإِيْنَاسِ وَرَاءَ أَقْنِعَةِ الْحُزْنِ وَالْآَلَامِ وَالْمَوْتُ.

هَذِهِ هِيَ الْدُّرُوسِ الَّتِيْ تَعْلَمُهَا مُوْسَىْ كَلِيْمِ الْلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُوْلُهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدُ الْمُدَّثِّرُ بِالْخَفَاءِ وَالْآنَ مَنْ يَكُوْنُ صَاحِبُ هَذَا الْعِلْمَ إِذَنْ..؟ أَهُوَ وَلِيٌّ أَمْ نَبِيٌّ..؟

يَرَىَ كَثِيْرٌ مِنْ الصُّوْفِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْرَّبَّانِيُّ وَلِيَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْلَّهِ تَعَالَىْ، أَطْلَعَهُ الْلَّهُ عَلَىَ جُزْءٍ مِنَ عِلْمِهِ الْلَّدُنِّيِّ بِغَيْرِ أَسْبَابِ انْتِقَالِ الْعِلْمِ الْمَعْرُوْفَةِ.. وَيَرَىْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الْصَّالِحَ كَانَ نَبِيّا.. وَيُحْتَجُّ أَصْحَابُ هَذَا الْرَّأْيَ بِأَنَّ سِيَاقْ الْقِصَّةِ يَدُلّ عَلَىَ نُبُوَّتِهِ مِنْ وُجُوْهٍ:

1. أَحَدُهَا قَوْلُهُ تَعَالَىْ:
فَوَجَدَا عَبْدا مِّنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَّدُنَّا عِلْما (65) (الْكَهْفِ)

2. وَالْثَّانِيْ قَوْلُ مُوْسَىْ لَهُ:
قَالَ لَهُ مُوْسَىْ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىَ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْرا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرا (68) قَالَ سَتَجِدُنِيَ إِنَّ شَاءَ الْلَّهُ صَابِرا وَلَا أَعْصِيَ لَكَ أَمْرا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِيْ عَنْ شَيْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرا (70) (الْكَهْفِ)

فَلَوْ كَانَ وَلِيا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ، لَمْ يُخَاطِبُهُ مُوْسَىْ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ، وَلَمْ يُرِدْ عَلَىَ مُوْسَىْ هَذَا الرَّدُّ. وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ نَبِيٍّ، لَكَانَ هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْصُوْما، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَافِعٍ لِمُوْسَى، وَهُوَ الْنَّبِيُّ الْعَظِيمُ، وَصَاحِبُ الْعِصْمَةَ، أَنَّ يَلْتَمِسُ عِلْما مِنْ وَلِيٍّ غَيْرِ وَاجِبِ الْعِصْمَةَ.

3. وَالْثَّالِثُ أَنَّ الْخَضِرَ أُقَدِّمَ عَلَىَ قَتْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ بِوَحْيٍ مِنْ الْلَّهِ وَأَمَرَ مِنْهُ..

وَهَذَا دَلِيْلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَىَ نُبُوَّتِهِ، وَبُرْهَانٌ ظَاهِرُ عَلَىَ عِصْمَتِهِ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَجُوْزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَىَ قَتْلِ الْنُّفُوْسِ بِمُجَرَّدِ مَا يُلْقَىَ فِيْ خُلْدِهِ، لِأَنَّ خَاطِرَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ الْعِصْمَةَ.. إِذْ يَجُوْزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ بِالِاتِّفَاقِ.. وَإِذَنْ فَفِيْ إِقْدَامُ الْخُضْرَ عَلَىَ قَتْلِ الْغُلَامُ دَلِيْلِ نُبُوَّتِهِ.


4. وَالْرَّابِعُ قَوْلٍ الْخَضِرِ لِمُوْسَى:

رَحْمَةً مِّنَ رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِيْ
يَعْنِيْ أَنَّ مَا فَعَلْتُهُ لِمَ أَفْعَلُهُ مِنْ تِلْقَاءَ نَفْسِيْ، بَلْ أَمْرٌ أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الْلَّهِ وَأُوْحِيَ إِلَيَّ فِيْهِ.
فَرَأَىَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيّا، أَمَّا الْعِبَادِ وَالَصُّوْفِيَّةِ رَأَوْا أَنَّهُ وَلِيّا مِّنَ أَوْلِيَاءَ الْلَّهِ.

وَمِنْ كَلِمَاتِ الْخَضِرِ الَّتِيْ أَوْرَدَهَا الصُّوْفِيَّةِ عَنْهُ.. قَوْلٍ وَهَبْ بْنِ مُنَبِّهٍ: قَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوْسَىْ إِنَّ الْنَّاسَ مُعَذِّبُونَ فِيْ الْدُّنْيَا عَلَىَ قَدْرِ هُمُوْمَهُمُ بِهَا. وَقَوْلُ بِشْرٍ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِيَ.. قَالَ مُوْسَىْ لِلْخَضِرِ: أَوْصِنِيْ.. قَالَ الْخَضِرُ: يَسَّرَ الْلَّهُ عَلَيْكَ طَاعَتِهِ.

وَنَحْنُ نَمِيْلِ إِلَىَ اعْتِبَارِهِ نَبِيّا لَعَلِمَهُ الْلَّدُنِّيِّ، غَيْرَ أَنَّنَا لَا نَجِدُ نَصا فِيْ سِيَاقِ الْقُرْآَنَ عَلَىَ نُبُوَّتِهِ، وَلَا نَجِدَ نَصّا مَانِعا مِنْ اعْتِبَارِهِ وَلِيّا آَتَاهُ الْلَّهُ بَعْضَ عِلْمِهِ الْلَّدُنِّيِّ.. وَلَعَلَّ هَذَا الْغُمُوضِ حَوْلَ شَخْصِهِ الْكَرِيْمِ جَاءَ مُتَعَمِّدا، لِيُخْدَمَ الْهَدَفُ الْأَصْلِيِّ لِلْقِصَّةِ..

وَلَسَوْفَ نُلْزِمُ مَكَانُنَا فَلَا نَتَعَدَّاهُ وَنَخْتَصمّ حَوْلَ نُبُوَّتِهِ أَوْ وِلَايَتِهِ.. وَإِنْ أَوْرَدْنَاهُ فِيْ سِيَاقِ أَنْبِيَاءَ الْلَّهِ، لِكَوْنِهِ مُعَلِّمَا لِمُوْسَى.. وَأُسْتَاذَا لَهُ فَتْرَةً مِنَ الْزَّمَنِ.




مُوْسَىْ عليه السلام 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
مُوْسَىْ عليه السلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: القصص والسيرة النبوية العطرة :: قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام-
انتقل الى: