منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالأحداثالتسجيل

معجزة الإسراء والمعراج :الإسراء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلي المسجد الأقصى في فلسطين وبجسده الشريف في ليلة واحدة، كان حدثاً فريداً ومعجزة ربانية خَصَّ الله تعالي بها نبيه -صلى الله عليه وسلم-، حتي أن الله تعالي كَلّمَهُ من وراء حجاب دون واسطة بينهما... قال الله تعالي: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ولندع سيدنا أنس ابن مالك -رضي الله عنه- يروي لنا المعجزة كما سمعها من النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا العنوان: معجزة الإسراء والمعراج.

فضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابه بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذكرها باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم، تُنْبِئُ عن مِصرْ َوأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والمُلوك الماضية، والآيات البيِّنات، يشهد لها بذلك القرآنُ، وكفى به شهيداً، ومع ذلك رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مِصْرَ وفي عَجَمِهَا خاصَّة وذِكْرِهِ لقرابتهِ ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحَثِّهِ على بِرِّهِمْ ما لم يُرْو عنه في قوم من العَجَمِ غيرهم، وسنذكرُ ذلك إنٍ شاءَ اللهُ في موضعه مع ما خصَّها اللهُ به من الخِصْبِ والفضلِ وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعُلماء والحُكَمَاءِ والخواص والمُلوك والعجائب بما لم يخصص اللهُ به بلداً غيرها، ولا أرضاً سواها... للمزيد اقرأ: فضائل مصر المحروسة

"حسن فتحي: فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء" (23 مارس 1900 - 30 نوفمبر 1989) هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّج من المهندس خانة (كلية الهندسة حاليًا) بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، اشتهر بطرازه المعماري الفريد الذي استمَدَّ مصادرهُ من العِمَارَة الريفية النوبية المبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعثماني، وتُعَدُّ قرية القرنة التي بناها لتقطنها 3200 أسرة جزءاً من تاريخ البناء الشعبي الذي أسَّسَهُ بما يُعرَفُ ب "عمارة الفقراء"...


 

 أعمدة الرحمة في سورة الكهف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27239
العمر : 67

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Empty
مُساهمةموضوع: أعمدة الرحمة في سورة الكهف   أعمدة الرحمة في سورة الكهف Emptyالإثنين 06 يناير 2014, 11:13 pm

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Radm10


ردم ذو القرنين رحمة الله في الارض
من هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً؟
كيف عرفوا فساد يأجوج ومأجوج؟
كيف عرفوا الفساد من الصلاح؟
الدكتور / أسعد أحمد السعود 
محتوى الكتاب
1. المقدمة
2. أعمدة الرحمة في سورة الكهف
- عمود الرحمة الأول – الإيمان بيوم البعث – فتية أو أصحاب الكهف
- عمود الرحمة الثاني - التناصح ( صاحب الجنتين )
- عمود الرحمة الثالث – موسى وعبدالله – خرق السفينة – قتل الغلام – بناء الجدار
- عمود الرحمة الرابع – ردم ذو القرنين – والحديث الشريف – النبوءة - من هؤلاء القوم كيف عرفوا الفساد من الصلاح.
3. ذكر رحمت ربك عبده زكريا.
4. واتل عليهم نبأ ابني آدم.
5. تبارك الذي بيده الملك – المجادلة.
6. ما بين الإسراء والملك.
7. يوم الجمعة يوم الرحمة.
8. ليلة القدر ليلة الرحمة.
9. عمود الرحمة في الاحتساب والصبر على المصيبة.
10. عمود الرحمة في أمر القتال.
11. توسعة وإفاضة وعودة.
12. عمود الرحمة في القصاص.
13. عمود الرحمة في الرزق.
14. عمود الرحمة الوصل المرتجى بين العبد وربه.
15. ويبشرهم ربهم بالرحمة والرضوان والجنة. 
أعمدة الرحمة في سورة الكهف 222210
مقدمة
الحمدلله خالق الموت والحياة الرحمن الرحيم المنعم على عباده بالحياة الدنيا ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ندعوه وكل رجائنا منه أن يكون هذا الكتاب والفائدة المرجوة منه خالصاً له كما هدانا إليه نبي الهدى والرحمه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وعلى من والاه واتبع سنته ومن اقتدى أثرها الى يوم الدين.
وبعد:
لعل جملة قالها ( رجل صالح آتاه لله من كل شئ ) كانت مدعاه للمضي بكتابة هذا الكتاب، فكانت حافزاً شديداً للبحث عن ظروف اطلاقها وابعاد مراميها، ألا وهي قول ذو القرنين في سورة الكهف بعد فراغة من بناء ( الردم ) قال تعالى الآية ( 98 ): (( قال هذا رحمة من ربي).
(( فإذا جاء وعد ربي جعلة دكاء....)).
(( وكان وعد ربي حقاً )).
فكيف تمر السنون تلوا السنين وهذه الكلمات من الآية بين الدعوة والوعيد يقرؤها كل الناس وكل المؤمنين ومع مدار الأيام بدعوة أن هذه الردم هو رحمة بالناس جميعاً وأن هذه الرحمة مرهون بقاؤها بالإيمان أو الفساد ولم يتوقف عندها أي من أولئك ليعطيها حقها من النذير والبشير.
وذلك كما جاء في الحديث الشريف الذي سوف نأتي عليه في موضعه من أمر هذا الردم، وقد زادنا شوقاً واقداماً لما اثار من تساؤلات حول الرابط الذي يربط ربطاً مباشراً بين( الدعوتين ) ! دعوة ذي القرنين تلك، ودعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الرابط هو السبب الذي ترتعد له القلوب وتلتف من أجله الساق بالساق ومن أجل هذا كان المبرر لاتخاذي ( العنوان ) مدخلاً لموضوع كان ثرياً غنياً وبذات الوقت وعراً لا تتسم مسالكه إلاّ بالحذر نظراً لما آلت إليه محاولات السابقين غير العميقة ولا المتأنية فيما يخص ( الرحمة ) من كل مسببات تحقيقها أو عدمها إن كان بهذه الحالة أو تلك أو بهذا الموضوع أو ذاك.
ألا وقد طغت حالة ( التعميم والتكرار والضبابية ) في كل موضع ذكرت أو ذكروه فيه ( السابقون ) سواء كان ذلك تفسيراً أو وصفاً أو أطلاقاً ولا زال كذلك، وقد تكون محاولتي قد أتت وبأذن الله تعالى بثمارها الطيبة في هذا الكتاب وخاصة بمعنى ( الرحمة ) بكل جاهزيتها ( الآنية والدائمة ) الماضية منها والمستقبلية وكذلك في حياتنا اليومية الجماعية والفردية وبكل مسمياتنا مؤمنين كنا أو غير ذلك.
من أجل ذلك أقتضى البحث  أن أشير إليها وأحددها كلاً بموضوعه ا سماً وصفة وحجماً وثقلاً، وكذلك بمكان وساعة وجودها. ويحيط بكل هذا، ذكرها في ا آيات الله في القرآن العظيم رسماً ولغة ولفظاً وشرعاً إن كان مباشراً أو غير مباشر وبناء عليه وجب أن نذهب سوية الى كتاب الله في آياته وسنة نبية لندرس معاً ( رحمة الله ) ونشير إلى صروحها الراسخات في الأرض والشاهقة الى اعالي السماء.
وجب كذلك  قبل كل هذا وذاك توضيح فكرة التسمية والاطلاقة بـ( أعمدة ) ومن أين اتت فكرتها وكيف استوضحت مضمونها واستقيت معانيها الحقيقية انشاء الله تعالى.
قال تعالى: في سورة الرعد الآية (2))) الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون )).
ولقد أستوقفني  عدة أسس رئيسية في هذه الآية العظيمة وهي التالي:
1- رفع..... منذ ان خلقها وإلى الآن وإلى قيام الساعة حيث تكون ( مطويات بيمينة ).
2- عمد...... لا يراها الانسان لكن هل يراها الذي خلقها فقط ؟ أو أنها غير موجودة.
3- يدبر..... يفصل كل ما في الكون وكل ما فيه آيات.
4- لقاء...... الرب المدبر المفصل االرافع المستوى على العرش في يوم هل نحن مؤمنون أو كيف نؤمن به.
إذاً هناك عمل وتدبر وإيمان والله الخالق الرحمن الرحيم وضع كل هذه الآيات بين يدي هذا الإنسان المخلوق  وبكل رحمة ورأفة قال له لعلك تؤمن بلقائي يوم القيام ولماذا ؟ وهو لا يرى هذه الأعمدة في حياته.
اذاً كل ما كان من رأفة ورحمة من الخالق اذا آمن الانسان بيوم لقاء ربة أن يرى حقيقة الأعمدة التي أوصلته إلى حيث الخالق الرحمن الرحيم يجلس على العرش ويستظل بظلة ويتنّور بنورة ويا سبحانك يا الله.
إذاً ماذا كانت مهمة هذه الأعمدة في الحياة الدنيا؟
الجواب: مهمتها وصل وايصال المؤمن الى خالقة وبارئة الى حيث العرش ويا سبحان الله!
لقد أوقفتنا أعمال ومعاني ارتبطت بمفاصل حياة الانسان الأساسية وهو يقوم بتنفيذها وبإقامتها وتطبيقها ولا يتدبرها ولا يربط  بعضها ببعض، وهذه الأعمال:
لقد ورثنا نحن العرب أقوالاً وأعمالاً وأمثالاً  من الأسس التي تقوم منها حياتنا وبأختصار شديد أن القبائل العربية كانت منتشرة في ارجاء الجزيرة العربية وهم رحّل وينتقلون حيث الماء والكلا ولكن فيما إذا اراد أي انسان أن يبحث عن مكان قبيلة بنى فلان أو هذه القبيلة أو تلك فأول الاشارة تأتي أن هناك ( مضارب ) بني فلان أو هنا مضاربهم أو هنا كانت مضاربهم.
وكلمة ( مضارب ) جاءت معانيها في القرآن العظيم تعبر عن القوة في فعل الشيء وفي سورة المزمل آية (2) ((...... وآخرون يضربون في الأرض..... )).
جاءت في البحث القوى عن العيش من الكلاء والماء والمسكن، والذي يهم في البدء بأعمال الحرث والزرع يقوم بضرب الارض بمعوله من أجل بذر البذار وهكذا، وان (مضارب القوم ) حيث تكون نزلهم وأول ما يقوم به الفرد وكذلك أفراد القبيلة الآخرون حيث يجدون المكان المناسب هو ضرب ( العمود ) في الأرض ليرفع به وعليه البيت ويثبته ليصبح قوياً حيث يقيم بجانبه مع أفراد عائلته والآخرين من حوله بمضاربهم وكذلك والبيوت هذه وغالباً ما كانت مصنوعة ومنسوجة من ( شعر الماعز ) لانه يكون متوفراً وقويا ومتيناً وكذلك سهل التدبر في التنقل والترحال فمن هذا ( يضرب ) بها المثل على كبرها واتساعها حيث كل فرد ومكانته في القبيلة يكون بيته مناسبا له ولأفراد عائلته ولضيوفه.
فكان البيت يقام على ( عمود ) واحد أواثنان أو ثلاثة وكلما كانت أعمدة البيت كثيرة كان البيت بالوقت نفسة كبيراً وينم عن حال صاحبه والحال هذه من مآلها:
فالفرد الإنسان إذا ما كان منفرداً ليس له من الاحتياج في كثرة الأعمدة ولكن المصدر الاساسي حينما يتزوج الانسان من زوجه فان اول عمل يقوم به ( يضرب ) عمود بيته الجديد ( ليصل به الرحم الجديد ) ومن حول هذا العمود وبقوته ومتانته وبقائة يكون رحمه الجديد أكثر أمناً وأماناً وأكثر قوة في الحياة ليتكاثر ويحقق انسانيته واجتماعيته ويثبت معنى وجوده في الحياة، قال تعالى في الروم الاية (21) ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)).
وبذلك وبهذه ( الآيات المفصلات ) يكون قد حقق الغاية الآسمى من وجوده في هذا الكون الا وهو الخلافة في الأرض وتحقيق سنة الله في الزواج والتكاثر واستمرار النسل، فإقامة عمود البيت هو إقامة العمود الذي يصله برحمه ومن هنا جاءت فكرة التسمية والإطلاقة بأن أي عمل يقوم به الانسان العبد المؤمن بالله ليصل به إلى الله إلى اليوم الآخر حيث العرش كان هو ( عمود صلة ) يصل به الله والوصل اسمه الرحمة ومن يصل الله أو الله يصله ويقربه إليه هو ذات المعنى والغاية ( رحمه ).   
بقي شيئا مهما في هذه المقدمة كان لابد الا ان اشير اليه وهو الذي سيحمل كل قارئ لهذا الكتاب  انشاء الله تعالى الى ان يتجلد بالصبروالتشوق معا ليعرف كيف (قسم الله) الرحمة الى القسم ال ( تسع وتسعين،وهي التي اختصها في خزائنه عند العرش)والقسم الآخر(الواحد)انزله الى الحياة الدنيا،وهذا جعله ثلاث أقسام ترتبط بعضها ببعض بدوام اقامة شرع الله في الحياة الدنيا وذلك ب ( دوام ردم يأجوج ومأجوج الذي يكون دوامه باقامة شريعة محمد وهذه لاتقوم الا بدوام ايمان العبد المطلق بيوم الوعد) هدانا الله واياكم اليه، هذا والله أعلم،
والله من وراء القصد وهو أعلم بالمتقين
الاوائل من المحرم 1435هجريه
الرياض  د/ أسعد أحمد السعود
أعــــمدة الرحــــمة
ردم ذو القرنين رحمة الله في الارض
سوف نتكلم عن أعمدة الرحمة كما وردت في القرآن العظيم أو نقول كما ذكرها الله خالقنا ومدبر كل شيء في آياته البينات وكما وجدناها بينة جلية في بعض من السورالآخرى وبعض من الايات المتفرقات في القرآن العظيم وسوف نتناول الرئيسة منها ومن ثم نتناول المكملات لها في موضوعنا، وكذلك نعطف على الآيات التي وردت أو تكررت فيها الرحمة ( كلمة أو موضوعاً أو مثالاً ) ونتناولها في سياقها الشرعي واللغوي في القصد البنائي المنهجي للبحث ككل وسبحان الله العظيم لقد وجدت ومن خلال التحليل والتدقيق والربط المتين بين المعاني والوقائع لتفاصيل الأمثال التي ضربت استدلالاً في هذه السور الثلاث:
1- سورة الكهف.
2- سورة الملك.
3- سورة الجمعة.
وهي تتكامل تكاملاً عظيماً وتكون بنياناً عملاقاً مرصوصاً لا ريب فيه أبداً في الحديث عن الرحمة وكم سعدت عندما كان يقيني يسابق الحروف المنسابة من رأس القلم لتسجيل ما فتح الله من سهولة ويسر في فهم ذكر الرحمة  ولله المنه.
أعمدة الرحمة في سورة الكهف
وفي مقدمة بلاغية متكاملة بقول المولى عز وجل: (( الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا )).
ففي هذه الآية ثلاث معالم: تؤلف ( معجزة ) وهي غير صريحة لفظاً يعني ( الغائبة ) عن اللفظ والكتابة والحاضرة بأعمدة هدايتها الراسخة أو هي ثلاث معجزات في آية وأحده.
وهذه المعجزات هي:
1- انزل الكتاب ( معجزة الانزال ).
2- على عبده ( معجزة الرسل ).
3- لم يجعل له عوجا ( معجزة الرسالة أو الكتاب ذاته ).
وقبل الحديث عن الاسم والخصوصية لكل من المعجزات الثلاث وفي ذات السياق فعبارة ( الحمدلله ) تنسحب في القول لكل زمان ومكان فإن المعاني تنساب على الكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله ولم يجعل لها عوجا وإذا وضعنا اسم الكتاب واسم الرسول وصفة الحكمه لكل كتاب لوجدنا كل ذي شأن يقابله خاصيته.
ومثال على ذلك كالتالي:
1- أنزل الكتاب ( التوراة ).
2- على عبده ( موسى ).
3- لم يجعل له عوجا ( حكمة بالغه وتفصيل كل شيء ).
وكذلك:
1- أنزل الكتاب ( الصحف والزبور – والإنجيل ).
2- على عبده ( ابراهيم وداود وعيسى ).
3- لم يجعل له عوجا ( الحكمة البالغة في كل منها ) وهكذا..
ولكن وباعتبارنا نتحدث الان ونسوق الكلمات كتابة ولفظاً من حروف آيات الله في ذكر الله القرآن الكريم فأن التخصيص بالاسم يكون كالتالي:
1- انزل الكتاب ( القرآن العظيم ).
2- على عبده ( محمد صلى الله عليه وسلم ).
3- ولم يجعل له عوجا ( معجزة متكاملة في الرسم واللفظ وفي المعنى والمثل وفي الذكر وفي الاول والاخر وإلى اخرة ).
وبالمباشرة ذاتها ومن دون أن يترك الاخبار أي حيز لأي عبارة أو كلمة يتابع الاعجاز الإلهي لوصل جمل البلاغ ببعضها فيقول الله القيم على الهدايات الثلاث أن ذلك من أجل:
1- الانذار:
2- التبشير:
الانذار: لينذر الذين لا يتبعون ما جاء به الرسل لا يؤمنون بوحدانية الله ( ببأس شديد ).
التبشير: ليبشر الذين يؤمنون أن لهم أجراً حسنا ( يتبعون الرسل ) يعملون الصالحات ( توحيد الالوهية ).
ويضرب الله عز وجل في سورة الكهف ( أربعة أمثلة ) عبر عنها القرآن العظيم عندما قص أحداثها بأنها آيات عجبا، وكما نحن نفهم عندما نقرؤها بأنها حدثت في الازمان الغابرة وهي الان تروى لسيد الهداية نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم لتكون بين يديه مثلاً اعجازياً لشد ودعم عضد دعوته المباركة.
- المثال الاول:الايمان ( بيوم البعث ) وأن الناس سيبعثون جميعاً من رقادهم،
عمود الرحمة الاول ( فتيه أو أصحاب الكهف ):
وبتفصيل دقيق لأطراف وأحداث المثل يتبين لنا الاتي:
1- فتية: آمنوا بوحدانية الله عز وجل (  عمل صالح ).
2- قومهم: اتخذوا من دون الله ( آلهة ) أخرى يعبدونها ( عمل غير صالح ).
احتدام الصراع بين الطرفين:
1- هروب الفتيه المؤمنين واختفائهم ( موت أو هزيمة نهائية ).
2- علو شأن القوم المشركين واستمتاعهم بالحياة الدنيا.
حديث العلم، حديث وإخبار القيم:
1. من كان يؤمن بوحدانية الله: فإنه يؤمن بيوم البعث وأن الله حي قيوم.
2. من كان لا يؤمن بالله ويشرك بوحدانيته لا يؤمن ولا يعرف بيوم البعث لأنه ينفي وجوده كلياً.
الدليل والبرهان بيوم البعث في الحياة الدنيا:
1- بعث الفتيه من رقا دهم: وعادوا إلى قومهم الذين ظلموهم ورجموهم.
2- نزل الموت والزوال بالقوم المشركين في الحياة الدنيا وتبدلوا بأقوام موحده مؤمنه وقد وجد كل فريق ما كان يدعوا إليه ويؤمن به حاضراً بين أيديهم.
الخلاصة: 
لقد انكشفت احداثيات القصة ( بخطين ) لا ثالث لهما وهما:
1. الخط الأول – خط الموت، والزوال لمن لا يؤمن بالله.
2. الخط الثاني – خط الحياة – الحياة الدنيا لمن يؤمن ويعبد الله.
أين الهداية إلى الرشد في هذا المثل:
نعود إلى رواية ( عالم الغيب والشهادة ) في الكتاب الذي نزله على رسوله ولم يجعل له عوجا، فيقول الله عز وجل.
(( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالو ربنا أتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من  أمرنا رشدا )).
في هذه الآية العظيمة: نداء استغاثة عاجل:
1. هم فتيه مؤمنه موحده صابرة محتسبة.
2. مطلب واضح وبين ( آتنا من لدنك رحمة ) ( صفتها عاجلة وقتية آنّيه ).
3. ويكون التعرف والهداية إلى هذه المنزلة هو: (الأمر الرشيد) الذي تجتمع عليه قلوبهم كلها وتستقر إلية نفوسهم بالأجماع ومن دون أدنى شك.. إذاً:
الحالة: حالة طوارئ وليس هناك وقت للتريث والفتية ( مُدرَكُون ) من قومهم الذين يلاحقونهم ويبحثون عنهم ليمسكوهم أو يرجموهم أو يقتلوهم، ليس لديهم حيله  لا بالعدد ولا بالعتاد ولا بالقوة فما وجدوا بين أيديهم غير الدعاء لمن يؤمنون به.
أسئلة اعتراضية:
- هل دعى الفتية بهلاك القوم الظالمين ( ريح – مطر – أمراض....)؟
- هل دعى الفتية بدق طبول الحرب بين طرفين غير متكافئين.
- هل طلب الفتية من طرف لقوم آخرين بمناصرتهم على قومهم.
- هل........ أسئلة لا تنتهي.
جاء الرد السريع بالاجابة:
قال تعالي: (( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً ))
إذاً هو الكهف !؟: وجاء ذكر لفظ الكهف بالآية (9) والآية (10) والآية (11) والآية (16) بالتعريف بكل صيغ الآيات الاربعه مما يؤكد قول الله عز وجل أن الكهف كان معروفاً لدى هؤلاء الفتية وقد كانوا يقضون فيه ساعات وأيام تعبدهم ومدارستهم وأنهم حينما اشتد بهم وعليهم الخطب جاءهم الوحي أن عودوا وأؤو إليه وكانت صيغة الايحاء بالجمع وليس بالفرد ومن ثم يقوم الفرد منهم بأمر الاخرين كانت الصيغه أمر وخطاب مباشر ( فأووا إلى الكهف ) وهذا هو الامر الرشيد الذي جمعهم أولاً ولذا كانت سرعة استجابتهم إلية سريعة ومن غير ابطاء أو تأخير.
وتذكرنا هذه الحالة: بحالة مريم أم عيسى عليهما السلام عندما اشتد بها الحمل والمخاض فكانت ( النخلة ) كما ذكرتها الآيات الكريمات بالتعريف فهي كانت معروفه لدى مريم قال تعالى في سورة مريم الآية (23) والآية (25) (( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة )).
(( وهزي إليك بجذع النخلة........)).
مرفقاً: والخطاب كذلك وحي للجماعة الفتية كلها قال تعالى ((..... ويهيئ لكم من أمركم مرفقا )) وكلمة ( أمركم ) هنا تعني حالتكم الراهنة التي تعيشونها أو الأمر الراهن  الذي ألم بكم وأما ( مرفقا ): هو المنعه أو الحائل الذي يرفق بكم ويصف إلى جانبكم ويقدم لكم المساعدة وهم لا يعلمون كيف يكون ذلك!؟
والكهف هنا جاء بمثل ما جاء بذكر النار في ذات الساعة من أمر ابراهيم عليه السلام وكذلك كما الامر الذي مر به لوط عليه السلام والبحر في أمر بني اسرائيل وكذلك الأمر ذاته في هجرة سيد الخلائق عليه الصلاة والسلام (( إذ هما في الغار.... )).
النار والبحر والكهف والغار كلها جمادات لا حياة ولا حركة ولكن لكل منها هيبة ومخافة تلقيها في نفس كل من يعتقد بها ويتخذ لها أهمية في إلهامه في الحياة.
ولما كان الكهف في حياة هؤلاء الفتية مكان بعيدأ منعزلاً آمناً وارف الظل واقياً من حر الشمس لا تصل إليه الوحوش ولا ترغب به وليس مناسباً لمعيشتها وتكاثرها إذ هو عريض المدخل واسع من الداخل وهذه ليست صفات كهوف الوحوش أو تتسم بضيق المدخل وظلمته وشدة رطوبته من الداخل بسهولة حراسته والدفاع عنه وكذلك لحفظ الصغار منها لساعات وأيام وكذلك ليس هو بالمكان المناسب للإقامة أو للعيش أو للبقاء فيه لأيام أو لأشهر فما بالك لمئات السنين اذاً ما هي العوامل التي يتمتع بها هذا الكهف لحفظ هؤلاء الفتية والرفق بهم: إن ذلك كان أمراً عجيبا وكان ذلك من آيات الله وكما كانت النار برداً وسلاماً وكما انفلق البحر وأصبح كل فرقكالطود العظيم وكما الغار أصبح قديماً تتراكم عليه أعشاش الطيور وخيوط العناكب فلا يلقي عليه النظر ولا الاهتمام فإن هذا الكهف أصبح مأوى للموتى وأي موتى!؟ أجساد بشر غضة تتحرك ولا تنطق ولا تسمع النداء انه مشهد مرعب كما وصفه القرآن العظيم الآية (18) (( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو أطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا )).
بالإضافة لكل ما وصفته الآية من مشهد مرعب لبقاء ثيابهم بزينتها كما هي لم يمسها تبدل أو تغير أو سوء وقد مر عليها أعوام وأعوام وهذا ما جعل انكشاف أمرهم بغرابة ثيابهم وشكلها وورقهم التي حملوا ليقتاتوا بها في المدينة.
وعد الحق:
ولما أنكشف أمر الفتية كان الوقع أو الظهور للفريقين مختلفاً تماماً فبالنسبة للفتية: لم يجدوا من قومهم الذين هربوا منهم أحداً ابداً فقد تبدلوا بأناس آخرين ولم يلقوا منهم ما كانوا يحذرون منه، وأما بالنسبة لهؤلاء القوم ( الجدد ) الذين عثروا عليهم لم يقابلوهم بالطرد والرجم أو القتل بل بالترحاب والمؤانسة وقد علموا منهم ما كانوا يتناقلونه من الاخبار جيل بعد جيل.
عمود الرحمة:
قال الفتية يدعون ربهم الله في ساعة العسرة:
قال تعالى الآية (10) ((...... ربنا آتنا من لدنك رحمة......)) فأتاهم الامر باللجوء إلى الكهف ووصلتهم الاجابه قال تعالى الآية (16) ((..... ينشر لكم ربكم من رحمته......)) 
وجه المقارنه بين مفردات الآيتين:
الآية (10) (( آتنا من لدنك رحمه.....)).
الآية (16) (( ينشر لكم ربكم من رحمته....)).
الطلب كان( آتنا...... رحمه ) ( مهما كانت ) مبهمة مجهولة لا يعرفون كيف تأتيهم وما حجمها وما شكلها وما كينونتها تسليم مطلق غير محدد.
الجواب كان ينشر لكم ولغة الجواب كانت بالخصوص وليس بالعموم أي أن الطلب كان خاصية ( آتنا ) وأما الجواب فجاء بالنشر على مكان خاص  ( لكم ) وليس عليكم.
فالجواب كان معبراً عن ( جود غامر ) من لدن رحمن فكلمة لكم: تشمل العمل ونتائجه المترتبة من فعله، فما هو العمل ؟: دعوة الفتية إلى عبادة الله ( العمل الصالح ) في القوم الذين طردوهم، قال تعالى الآية (2) ((... ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات... ))، وما هي النتائج المترتبة من فعلها الآية ذاتها (2) ((.... أن لهم أجراً حسناً )).
ويكون ذلك في الحياة الدنيا والآخرة:
1. في الحياة الدنيا: أجر من استجاب للدعوة وآمن بها وهذه رحمة الحياة الدنيا.
2. في الاخرة ((....... أجراً حسناً )) لكل من الداعي والمستجيب (( ماكثين فيه ابداً )) الرحمة في الجنه وهو الخلود.
قال تعالى  الآية (14) (( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا )) القول الشطط هو كثرة الطلب والاستعجال به وفي قول الفتيه هذا شيء من الندم والاستغفار.
والآية (21) (( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق.....)) حيث وعدهم بالرحمة وها هي منشورة يرونها رأي العين قائمة في كل البلاد وجدوا أهل المدينه وقد انتشرت الرحمة عليهم جميعاً بإسلامهم وقد أفنى اؤلئك القوم الظالمون وأيضاً ليزدادوا يقين أن الساعة ( يوم البعث )  لا ريب فيها وقد بعثهم من بعد رقادهم لمئات السنين وكذلك سيبعث كل الناس في ذلك اليوم المهيب. 
العمود الثاني: التناصح.
حوار الصاحبين: التناصح – الندم – والولاية.
ويضرب الله تعالى المثل الثاني في سورة الكهف للعمود الثاني لرحمة الله في الارض ألا وهو الحوار والنصح بين رجلين متصاحبين وفي مفهوم القاعدة الشرعية رجل رشيد ورجل غير رشيد ولكن آيات الله في بلاغة قصها لأحسن القصص تضع الموازين الدقيقة متوازية بين أحرف الكلمات والجمل وتترك تحديد موضعها وأبعاد تأثيرها لاستنتاج واستخراج العبر من ترابط الأحداث وتتاليها في انسياب أخاذ وإلى نهاية رواية الحدث وقد لا تجد كلمة واحده تشير أو تدل على العبرة أبداً وذلك من أجل الفائدة العظيمة المتكونة من تتالي القراءة والدرس ليلاً ونهاراً وهذا ديدن ضرب الأمثال على مدى توالي آيات القرآن العظيم ولعل أهم سؤال يطرح في هذا الموضع هو التالي:
- ما لذي كان يجمع هذين الرجلين الصاحبين المتناقضين في كل شيء.
- ما الذي كان يقربهما إلى بعضهما بالرغم من تباين حالتيهما غني وفقير.
- ما الذي كان يجبرهما على الاستمرار بالصحبة وكل منهما كان يجاهر برأيه ومعتقده أمام الآخر ومن دون مواربة أو غموض.
ونترك الإجابة ولا نستبق رواية احداث هذه القصة الرائعة المثيرة ونقول وبالله التوفيق:
وجه المقارنه: مع عناصر وأحداث قصة فتية الكهف:
1. فتية مؤمنون: ضعفاء ( رسل ) – صاحب أقل مالاً وولداً – مؤمن.
2. قوم مشركون: أقوياء ( سلطة وحاكم ) – صاحب أكثر مالاً وولداً – ظالم.
3. دعوة لعبادة الله – دعوة لشكر الله ( حوار ونصح ).
4. حرب علنية ( رجم وقتل وطرد ) – استخفاف بالناصح والهزؤبهعلانية وجهراً.
5. اعتقاد بإستمرار الحياة الدنيا – اعتقاد ببقاء جنتيه حتى ولو كان هناك حياة ثانية جهاراً نهارا.
يتبع إن شاء الله...


أعمدة الرحمة في سورة الكهف 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27239
العمر : 67

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Empty
مُساهمةموضوع: رد: أعمدة الرحمة في سورة الكهف   أعمدة الرحمة في سورة الكهف Emptyالإثنين 06 يناير 2014, 11:30 pm

أعمدة الرحمة في سورة الكهف 35479610
الدليل والبرهان على الجزاء بالحياة الدنيا:
1/ أصبحت الجنتين صعيداً زلقا في حياة صاحبها وأمام ناظريه.
2/ الندم على ظلمة وعدم قبول النصح بقوله تعالى الآية (42) (( يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا )).
3/ قول الصاحب الناصح قال تعالى الآية (39): (( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولدًا )).
وقولة تعالى الآية (44): (( هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقبا )) أي أن يرجع الانسان كل ما يكتسبه من علم وعمل إلى الولي الحق الله.
العمود الثالث:
قال تعالى: (( فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا )) الآية ( 65)
لقد أوتي هذا العبد الذي ذكرته الآية الكريمة وأجتمع به نبي الله موسى عليه السلام ( خاصيتان ) أو ( أداتان ) أو أي وسيلتان او معجزتان ( اطلاقة ) تناسب ما آتاه الله وبالتأكيد لا نقول أن آتاه الله ( أسمان ) أبداً ولو كان ذلك لوجدنا اختلافاً شديداً بأحداث القصة ونتائجها وكذلك لوجدنا شيئاً غير الذي أرادته هذه الآية أو هذه الايات.
ولو افترضنا افتراضاً أن الرحمة التي أوتيت لهذا العبد اسماً مجرداً لكان اسم هذا العبد ( رحمن ) وحاشى أن يكون باسم الرحمن الذي هو أحد اسماء الله الحسنى ولذا كان ذكر الآية لهاتين الخاصيتين أو الاداتين أو كما قلنا ذكراً لغوياً منكراً بدون الـ التعريف وبذات الوقت تعطي دلالة أنها ( بضع من ).
أو جزء من وتكون على الشكل التالي:
1. آتاه الله ( رحمة ) غير معرفة مجهولة التحديد وهي بضع أو جزء أو كمية أو عدد  أو حالات معينة.
2. ونحن لا نزيد في الكلام أكثر مما ذكرته أحداث القصة وهي مخصصة بالحديث وضرب المثل لثلاث حالات:
- لأصحاب السفينة. ( مساكين يعملون في البحر ).
- لأهل الغلام. ( أبواه مؤمنين ).
- لأصحاب الجدار. ( الغلامين يتيمين ).
ويجب أن يتكون لدينا يقيناً ونحن في خضم استعراض الأحداث في هذه القصهالمجيده وهذا اليقين هو ترادف الرحمة مع العلم والترادف يعني التلازم بالوجود الزمني والتلازم بالغاية والعبر والأهداف وكذلك والتلازم بالمثل أيضاً وإذا خلا أحدهما دون الآخر أصبح هناك اختلالاً واضطراباً.
والغاية السامية  من ورود وذكر أحداث القصه التي جاء ذكر تلازم الرحمة بالعلم ولو كان ذلك التلازم محدوداً مؤقتاً أنيناً فهو الذي يشكل أو يجسد العمل الصالح الذي هو ( عمود الرحمة ) وهذا سؤال أو طلب الحكمة مباشرة وليس أي علم هو رشيد والعلم الرشيد كما طلبة النبي موسى عليه السلام كان هذه بمعرفة سابقة متكونة أصلا وهناك فرق فالذي يطلب التعلم ويقضي في تحصيلة سنين وسنين من عمرة ومن ثم بعد جهد وخبره ومعرفة واسعة يتكون لدية الحكمة أي الرشد.
ومثل هذا التلازم قد تردد ورود ذكرها كثيراً في القرآن العظيم فمثلاً:
في سورة الانبياء الآية (79) قال تعالى (( ففهمناها سليمان وكلاً أتينا حكماً وعلماً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين )).
فالحكم الرشيد هو الذي يتلازم به العلم مع الحكم وهو بالتالي عمود رحمة يرتفع إلى أعالي السماء وهكذا من مثل هذه الآية الكريمة نعود إلى أحداث موضوعنا ونرى بترتيب تفصيلها المتتالي ترجمه دقيقه للحكم الرشيد الذي تقوم الرحمة على أرجائه وما سؤال النبي موسى عليه السلام من عبد الله إلا بداية عامه ومدخلاً للأحداث المتوالية المتلاحقة.
قال موسى يطلب من عبد الله بصيغه السؤال قال تعالى الآية (66): (( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا )).
 نلاحظ أن طلب موسى كان واضحاً بينناً حريصاً حرص نبي على تقصي العصمة في كل شيء مخافة الجهل حاشاه الله فكان طلبه ذو اتجاهين:
الاتجاه الاول: الاتباع من أجل أخذ العلم.
الاتجاه الثاني: أن يكون العلم راشداً وهذا شرطه.
وكذلك نجد أن طلب موسى عليه السلام فيه ( إصرار ) وذلك تأكيداً لما أوحي إلية من الله عز وجل أن العبد قد أوتي ( رحمة وعلمًا ) فالكلمتان جاءتا ذكراً ورواية من رب العرش في الآية ( 65 ). وأما موسى عليه السلام فجمعهما في صيغة شاملة شرعية ( صيغة أو لغة البشر ) فكان قوله تعالى (( مما علمت رشدا)) لتأكد العلم المبين من أن هذا ستظهر آثار تطبيقه على الحياة مباشرة ليقام به عمود رحمة وهذا ما سوف نجده بالتفاصيل يقام عمود الرحمة.
أولاً: خرق السفينة
فالذي قام بخرق السفينة وهي عائمة على الماء هو من آتاه الله ( رحمة وعلما ) وإذا سألنا نحن ( فأين الرحمة وأين العلم ) ؟ ( من هذا العمل المفاجئ المريب ).
وقبل أن نجيب أو نستبق مجريات الحدث كما سبقنا بذلك رسول الله موسى عليه السلام ولم يتجلد بالصبر فإننا نحن هنا بعيدون كل البعد عن مجريات الحدث فلا يحل لنا إلا أن نقرأ ونتدبر لنصل إلى الحكمة والموعظة الحسنة.
ولنا فيه حسنة إن شاء الله تعالى:
فالحادث هنا كما قال عنه موسى عليه السلام ( لقد جئت شيئاً إمرا) فيه ( ريبة ) ويحدث أمراً يترتب عليه تخريب وغرق وموت فالحادثة: قضائية والجرم قائم فيه فاعل بين وقائم عليه موسى عليه السلام شاهداً بين فلا بد هنا من قيام محكمة ولو كانت ذهنية افتراضية تقضي بحيثيات وأحداث الجريمة أولاً بأول وتصدر حكماً عادلاً يناسب ما انتهت إلية من أفعال أي يجب أن يكون القرار بالحكم ( عادلاً رشيداً ).
كما قال النبي سليمان عن الهدهد في سورة النمل قال تعالى: (..... أولياتيني بسلطان مبين )... ولكن:
1. الفاعل كان مكلفاً ينفذ ما أمر به.
2. السفينة لم تغرق.
3. لم يترتب على عيبها موت أحد من الركاب.
4. انحصرت القضية أو الفعله بإحداث العيب فلم تعد صالحة للإبحار وبالتالي لم يعد لها قيمة أو نفع يذكر وقد خفت أحداث الجرم كثيراً مع هذه ظل قائمًا بالعيب البسيط الذي أحدث.
وكما ورد في آيات الله أن كلاً من الفاعل والشاهد من عباد الله الخاصين المصطفين وهما رسولان معصومان مكلفان بأداء رسالة ومهمة معينة بتوقيت وزمن واحد ولكننا نحن الذين نقرأ ونتحرى ونتدبر ما كانا يقولانه ويفعلانه.
ومن خلال نص آيات الله التي جاءتا بالخبر نكتب ونتحرى التالي:
فكان لا بد أن يصدر الحكم فوراً وأن يتوضح سبب الخرق وإحداث العيب فالوقت لا يتسع (والصبر) ينفذ فالريب الذي ظهر لا بد أن يزول بظهور السلطان وبيان سبب الفعله ( الجرم ) وهنا لا بد لنا من وقفه للرجوع إلى آيات الله في القرآن العظيم لنقرأ ما جاءت به من جلاء هذا الريب.
إن جلاء الريب في الآيات جاء بعد أن قضى موسى عليه السلام مع عبد الله الذي آتاه الرحمة والعلم ( القصص أو الاحداث الثلاث ) أي أننا نحن الذين نقرأ القرآن نعيش بأحداث القصص الثلاث ثم ننتهي إلى الآيات التي تذكر أسباب الافعال وزوال الريب والتعجب إلا أننا هنا وفي كتابنا نقوم بربط القصة الواحدةباحداثها كاملة بعضها ببعض، الافعال والأسباب والعلل وبشكل منفصل لتحقيق أهداف وغايات ما نريده وذلك بتفصيل وترتيب فقرات الموضوع أولاً بأول ( عن القصة الثانيه والثالثة وهكذا.
أولاً: ونبدأ النظر والتحليل بالقصة  الاولـى: السفينة وأصحابها المساكيـن...
قال تعالى الآية (71) (( فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال اخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا )).
وقال تعالى الآية (79) (( وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا )).
العلم الذي آتاه الله للعبد يتفرع إلى جهتين:
الجهة الاولى: بأصحاب السفينة كانوا مساكين.
الجهة الثانية: الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبًا
وهنا ينجلي (دور) النبي موسى عليه السلام وذلك على الشكل الذي نشير إلية ونؤمن به وإن كان ذلك من علم الماضي الذي طوى التاريخ أحداثه إلا أن سيرة حياته الشريفة كما جاءت في آيات الله تبارك وتعالى تعطينا دلائل لا ريب فيها أنه كان عليه السلام قوياً لا يخاف أبداً كما وصفه ربه تعالى وكان شريعة نافذة لا صبر لدية مع الظلمة والملوك الجبابرة ولذلك كان يقول له العبد الذي آتاه الله رحمة وعلما (( إنك لن تستطيع معي صبرا )).
اولاً: لا يستطيع النبي موسى صبراً أمام من يأتي الأفعال المريبة والظاهرة بمخالفة شرع الله.
ثانياً: لا يستطيع النبي موسى صبراً إذا علم أن هناك ملكاً ظالماً يجور بملكة وسلطانه على المساكين ويحرمهم أسباب رزقهم وعيشهم.
وهنا: يبدأ عمود الرحمة ينهض ويقام ما بين العلم بالشيء علماً واضحاً بيناً تنجلي به أسباب الجهل بالأفعال وما بين إقامة الحق ومحاربة الظلم وأي صبر يتجلد به نبي الله وكليمه وصنيعه موسى وها قد علم وها قد عرف كل سبب
الرحمة بالمساكين في الحيلولة دون أخذ سفينتهم غصبا ولو كان ذلك بإحداث العيب فيها عنوة والرحمة بمنع جور الملك أن يمتد ظلمة على عامة الناس المساكين وأين كان الأمر الرشيد في هذا الفعل الأمر الرشيد هو بهذا الفعل الدقيق الذي يتجه إلى التضحية والإيثار وتحمل الأذى بالصبر والابتعاد عن التصادم فتخريب السفينة فعل رشيد وهو عند الله رحمه مما اذا امتنع عن اعطاء السفينة الى الملك أو التصادم معه وهم لا حول لهم ولا قوة.
ثانياً: احداث قصة قتل الغلام
لقد مرت بحياة النبي موسى عليه السلام عدة حوادث ( قتل ) ذكرتها آيات الله في محكم تنزيله متفرقات في سورة عدة وقد ذكرت كل حادثة قتل مترادفة مع ذكر اسبابها مباشرة وكل منها كانت بوقت وظرف مختلف عن الاخرى وكل منها كذلك احيطت بعناية خاصة من مراحل نبوته وبعثته عليه السلام بحيث كانت كل واحدة منها عبرة ودرس في الايمان والتصديق بنبوته وكذلك تكون آية لمن حوله ولمن خلفه ولعلنا وقبل الدخول لموضوع حديثنا نأتي إلى ذكر تلك الحوادث من دون ذكر الآيات كاملة.
وهي مرتبة زمنياً مع سيرة حياته عليه السلام وهي كالتالي:
1. قتل الرجل القبطي وهو في مصر قبل بعثته عليه السلام.
2. قتل فرعون لزوجه وللسحرة الذين آمنوا بموسى.
3. خسف الارض بقارون وبداره وبملكه.
4. غرق فرعون وجنده.
5. حادثة قتل النفس من بني اسرائيل ( في سورة البقرة ) وذلك من أجل فرض الشريعة والقضاء العادل بإقامة الحدود.
6. حادثة قتل الغلام التي نحن بصدد الحديث عنها من سورة الكهف قال تعالى الآية (74).
(( فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكرا)).
لقد توضحت في هذه الآية الكريمة عدة بيانات جلية ساطعة لا غموض حولها أبداً وعلى أساس هذه البيانات بنى كل فريق موقفه مباشرة من حادثة القتل:
أولاً: بيانات الآية
1. الفاعل ( القاتل ) رجل بالغ بل هو راشد بل هو عبد لله مبعوث لأداء رسالة لنبي مبعوث.
2. المقتول (غلام ) أو هو صغير السن لم يبلغ الحلم أو هو طفل لا يمتلك من القوة أو الفتوه شيئاً.
3. من لفظ الآية تحديداً يدل على وجود شريعة وحدود مشرعة بين يدي نبي وهو موسى عليه السلام وخاصة فيما يخص قتل النفس مهما كانت صغيره أم كبيرة.
4. جاء كلمة ( نكرا ) التي قالها نبي الله على عجل ولم يصبر على القتل العمد أولاً كما ظن موسى وثانياً لكون المقتول غلاماً كما رأى بأم عينية.
هذه بيانات ساطعة جاءت بها الآية الكريمة (74) وهي بيانات شرعية تكون ركناً أساسياً وفاعلاً في تنظيم شريعة الحدود وقيام القضاء العادل بتطبيقها وتنفيذها  فكيف حدثت كل هذه البيانات في زمن قصير جداً وتواترت أبعادها في ساعة حدوثها فكان ما كان من أمر عدم صبر النبي موسى عليه السلام وعدم تريثه والنظر بها والحكم عليها.
إننا ونحن نقرأ وندرس ونستنبط هذه البيانات الساطعات يحكمنا أمران حتميان لا نزاع في التسليم المطلق بهما.
الأمر الاول: التسليم المطلق بالحادثة ومن قام بها وبكل أبعادها وكما حدثت في زمنها سواء كان لها تفسير بائن لاحق أم لم يكن وكان أمر الله مفعولا مقدرًا.
الامر الثاني: نحن الذين نقرأ ونتدبر آيات الله في القرآن العظيم ونؤمن بما جاء فيها ونمتثل لشريعة الدين الاسلامي وكما جاء بها نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ننظر إلى الحادثة فيما إذا حدثت مثيلتها ولو كان ظاهراً أمام أعيننا أو بين ظهرانيتنا ضمن حدود الشريعة لا زيادة ولا نقصان وليس هناك من يدعي أو لا يدعي وليس هناك من يعلوا أو ينخفض فكل يحاسب بذنبه وبفعلته  والله أعلم.
وبناء على هذا  التسليم بهذين الامرين نعود ونلقي الضوء من خلال كل منهما على البيانات التي فصلنا ذكرها من الآية (74) ونقول:


ثانياً: إدعاء الفريق الاول ( عبد الله )
1. قال عبد الله بادعائه مبعداً أي شبهة عن نفسه مبرئً ذمته الطاهرة أصلاً مقدماً براءته من كل ما حصل وكان ذلك من كل من الضرورة بمكان حيث هو أمام حضره نبي الله موسى والفائدة العظيمه المرجوة من هذه الحادثة هي مخصصه ومقدرة له مسبقاً.
قال تعالى: الاية (82) (( ... وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليها صبرًا )).
2. إن كل تفاصيل الحادثة ارتبطت بكون المقتول كان غلاماً وموته بهذه السن من عمره كان درءاً لمفسدة عظيمة كانت ستحل بوالديه المؤمنين فيما إذا كبر هذا الغلام وقد أصبح أبواه طاعنين في السن فالآية التالية (80) قدمت تفسيراً أو تأويلا أو سبب لقتل الغلام وكان ذلك احتساباً لزمن قادم لا يعلمه إلا الله وهما كبيرين عاجزين عن الدفاع عن نفسيهما فقد يعمل على ارهاقهما طغيانا منه وكفرا وسواء كان موت هذا الغلام بالقتل كما حدث أمام ناظري النبي موسى أم لم يكن كذلك وربما كان عبد الله هنا محجوباً عن انظار بقية الغلمان والناس الذين كانوا موجودين آنذاك مع الغلام فيكون الموت مفاجئاً عادياً ليس فيه آثار قتل ابداً.
ولكن العبرة ظلت قائمة على اركانها وتحضرنا هنا آيات محكمات من القرآن العظيم تلف في معانيها جوانب عدة من هذه القضية ولعل ذكرها يساعدنا على الاحاطة بتأويل الآية (74): جاء في سورة لقمان قال تعالى الآية (13) (( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم )).
وأول ما نسجله في هذه الساعة عندنا هو أن  نقوم بربط الآيتين السابقتين ببعضهما نجد ذاك الخطر المحدق بالوالدين فيما إذا أشرك هذا الغلام فهو سيظلم نفسه بإقرار عذابها في الدنيا والآخرة ومن ثم سيمتد ظلمه على أقرب  رحمه وهما الوالدين فالموت في الآية (74) من الكهف جاء بقطع دابر الظلم العظيم وأن النصيحة والوعظ والقول الحسن كان غالباً ومحورياً في الآية (13) من سورة لقمان وحكمة الله سبحانه وتعالى كانت بالغه عندما أتى إلى الحادثة من وجهها الاجتماعي الآخر فكانت مقسطه بالغه في حكمتها في الآية (15) من سورة لقمان ((وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون )) فقول الله تعالى هنا بالمثل يعني فما بالك أيها الغلام المؤمن إذا وجدت والديك مشركين بالله فما أنت فاعل بهما ؟ هل تقتلهما ؟ هل تطيعهما في ما أشركا؟ والله تعالى يقدم المعروف بالصحبة على الطاعة وأما القتل فهو من الظلم أما القتل فلا يقوم عليه إلا من كان في حكم الله وحدوده عالماً عادلاً وهذا هو عمود الرحمة الذي أقامه عبد الله بقتل الغلام ولم يصبرعلى رؤيته نبي الله موسى عليه السلام فسارع إلى القول (( ... لقد جئت شيئاً نكرًا )).
ثالثاً: إدعاء الفريق الثاني ( نبي الله موسى ).
وكما حددنا وأشرنا على البيانات التي جاءت بالآية (74) فإن نبي الله موسى استنكر قتل الغلام وذلك من وجهتين (شرعيتين ) إذ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
الوجهه الشرعية الأولى:
قيام رجل بالغ يمتلك من القوة البدنيه ما تجعله متفوقاً تفوقاً كاملاً بالفتك بغلام صغير ضعيف البنية لا حيلة له بالدفاع عن نفسه أبداً وهذا ما جعل الامر أكثر انكاراً بحيث يكون ميزان كفة القوة بالجسم وبالسن راجحة لا محالة أمام كفة الغلام ويكفي المقياس هنا أنه غلام والادعاء هنا يقام على أن العدوان باطل لا محالة وأن الحق يجاري جانب الضعيف والانتصار له واجب شرعي مهما كانت الاسباب الظاهريه وغير الظاهرية حتى ولو كان الاعلان عنها سابق لجرم القتل عمداً ومن غير عمد وهذا كله يعود إلى النصوص الشرعية أولها وآخرها على السواء وهي كذلك لا تفرق بتطبيق حدودها على أي من الطرفين بكون انتماء أحدهما  لدين والآخر لغيره.
الوجهة الشرعية  الثانية:
إن نبي الله موسى عليه السلام كان بحياته قائماً حاكماً على قومه ويحكم عليهم بما أنزل الله عليه من الحكمه والموعظة الحسنة وكان الخصوم يلجئون إلية لفض نزاعاتهم  ولم يقتصر الأمر على بني قومه إذ يمتد قضاؤه على الاقوام المخالطه لهم في كل أحوالهم حتى أن هذه الواقعه التي نحن بصدد الحديث عنها كانت بقوم وبأرض تصفها آيات الله أنها بعيدة أو هي مجاورة أو هي متخطية لوجود وانتشار قومه من بني اسرائيل إلا أن صيته كان ممتداً بالآفاق حينها وكان يعرف عليه السلام بصفاته العظيمة التي منحها اياه رب العزة جل جلالة فكان مهاباً هيبة عظيمة.
والواقعة هذه التي وقعت أمام ناظريه عليه السلام واستنكرها مباشرة ولم يصبر حتى ينجلي سببها كانت ركناً من هذا الحكم الذي شرع بهفاقام عدله على اساسه بين الناس فكيف به يفاجأ بإنزال (حكم القصاص) بغلام حدث صغير من دون أن تكون هناك محاكمة تقام فيها كافة الأدلة وكافة الاسباب.
ولو حدثت كل هذه الاجراءات شرعية كاملة وصدر فيها حكم نهائي بالقصاص القتل بالقتل ( النفس بالنفس ) فالحكم هنا وبحالة الغلام هذه يكون غير نافذ أبداً لوقوع ( السن ) في طرفي النزاع فالسن هنا يكون عاملاً وحاجزاً في عدم تنفيذ حكم القصاص ولو كان مجانباً للحق والصواب وهذا يكون في حال فيما اذا كانت أمور الادعاء واضحة بينه ولكن ومرة أخرى يدخل عامل السن في ايقاف حكم القصاص ذلك لان الغلام بحداثة سنه وأي غلام كان لا يستطيع أي شرع أن يأخذ بكون هذا السن هو سن الرشاد للقيام بعملية قتل فإذاً يجب أن تُذكر أو تُعرف كل الاضطرابات العقلية التي لا تكون ناضجة وبالتالي لا تستطيع أن تتحكم بالإدارة والوعي العقلي للجسم في مثل سن الغلام هذا.
وعلى اساس هذه القاعده الشرعية يكون قتل الغلام ولو كان قصاصاً عادلاً يكون غير نافذ أبداً إلى أن تحين أو تتوفر شروط نفاذها وإن توفرت فإنها ستغير حتماً من أحكام القضاء ذاتها وهذه هي الرحمة بالعلم بالقصاص وبإفتراض أن هذا الرجل ( عبد الله ) كان هو منفذ الحكم باعتباره والداً أو وصياً أو نائباً أو أي تمثيل يمثله في الحياة الدنيا فإن الحكم الشرعي لا يبدل بواقع الأمر شيئاً فلا ينفذ الا إذا كان الامر محجوباً عن أعين الناس ولا يعرف كنهه إلا أنه وقد مات هذا الغلام ميته وبأي سبب إلا باستثناء القتل العمد فإن ذلك يرجعنا إلى ذلك العبد الذي آتاه الله رحمة وعلماً من علم الله وما نفاذ صبر النبي موسى إلا باستعجاله لعلمه وتطبيقه لشريعة الله وإرضائه.
فكان من أولي العزم والشدة في أمرة فكان رحمة أولا.
كان من أولي العزم والشدة كذلك في أمره الذي ينهيه عن المنكر ثانياً.
وكان  رحمة في حكمه وعدله بقولة: (( لقد جئت شيئاً نكرا )) فقد كان بشراً حينها والعبد في مقابلته رسولاً خاصاً وكلاً منهما كانا يمتثلان لأمر الله في نشر حكمة وعدله وإقامة عمود رحمته على عباده والله أعلم.
ثالثاً: إقامة الجدار
قال تعالى  في سورة الكهف الآية (77) (( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبو أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا )).
قبل أن نخوض في أمر موسى عليه السلام وعبد الله فيما اتفقا عليه وقد وصلا إلى هذه القرية التي ذكرتها الآية الكريمة فأشكل اتفاقهما بإقامة الجدار فإننا نقرأ:
أولا: أمراً أخر كان في غاية العجب أوجزت وصفه ولخصت معانية كلمتان خفيفتان ولكنهما ثقيلتان فيما رمتاإلية بجملة من الخصال ذات الاهداف البعيدة في طريق الإيمان وهاتان الكلمتان هما:
(( استطعما.. و فأبوا.. )).
لقد كان في علم ( عبدالله ) أن يصل إلى هذه القرية كما كان في الرسالة التي يحملها وأهلها كما هم في معيشتهم وطباعهم وخصالهم والنبي موسى يصاحبه يسمع ويرى في بادئ الامر طلباً منهم طعاماً وأي طعام مهما كان نوعه فالغاية القريبة أن يكون طعاماً لسد الرمق وكفاية الجوع فمنذ بدء الرحلة والطعام قد نفذ منهم كما روت الآية باتخاذ الحوث طريقة إلى البحر سربا وكان هذا سبباً أولياً ومباشراً لطالب الطعام من هذه الحاضرة وأما الغاية الكبرى والبعيدة هو استكشاف خصال أهل هذه القرية وقد حصلوا أو وصلوا إليها وذلك بغلق الابواب في وجوههم وعدم الاستجابة لطلبهم من الطعام فكلمة ( فأبوا ) تعطي وتدل على الرفض للطلب أما بسبب خصلة البخل الشديد أو بسبب كراهيتهم وخوفهم من الغرباء والله أعلم.
إن عبد الله لم يقف حانقاً غاضباً من أهل القرية عندما رفضوا ضيافتهم فهو في حالته (والله أعلم ) لم يكن ليأكل طعام البشر أبداً وذلك لجهلنا بتكوين خلقه أهو ملاك أم غير ذلك فالموضوع يتصل مباشرة بالنبي موسى عليه السلام فهو المعني بما يرى ويسمع وهنا وبهذه الساعة الحرجه يدخل طرفاً ثالثاً غريباً بين الفريقين ألا وهو ( الجدار ).
فأصبح الأمر أكثر عجبا وأكثر غموضاً.
1- أهل القرية ( البخلاء ).
2- عبد الله والنبي موسى بحالة جوع شديد.
3- الجدار الذي يريد أن ينقص.
قال تعالى الآية (77) ((.... فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه......)).
لما رأى عبد الله ذلك الجدار وهو بحالته التي وصفتها الآية مائلاً آيلاً للسقوط بسبب قدمه وهشاشة بنيانه سارع إلى إعادة بنيانه فاعتدل الجدار وعاد إلى قوته واستقامته ونلاحظ تلازم الشبه بين حالة ( عبد الله ) من الارهاق والتعب والجوع وبين حالة الجدار المتشقق الآيل للسقوط كلاهما وصلا إلى لحظه الانهيار ولكن الدرس لم يقف عند هذا الحد.
والعبرة والفائدة ستبدأ بالظهور منذ هذه الساعة:
1. إن رفض الاطعام والضيافة لم يقابله الغضب والحنق والكراهية.
2. إن شدة الجوع يماثلها شدة التشقق وقرب السقوط في الجدار.
3. ولد الايثار بدل أن يولد الغضب.
4. حق العمل والأعمار يقابله حق طلب الاجر عليه.
قال تعالى في الآية (77) ((.... قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا )).
وكان هذا كلام موسى عليه السلام لأنه يسمع ويرى ما وصلت إلية حالتهما ولسان حاله وكأنه يستعرض كل وقائع الأحداث في هذه القرية بقولة وتعجبت يا عبد الله إنك لم تقابل رفضهم ضيافتنا بالغضب فالحق أصبح مشروعاً أن تطلب منهم الاجر على اقامتك للجدار فالأجر هنا سيعطينا فرصة سانحة لشراء الطعام أو مقايضتهم أي أن أهل هذه القرية سوف يقبلون اطعامنا بالأجر.
ولكن الطعام ليس هو الغاية أيها الصاحب فكلانا في وضع قد كفانا الله ربنا عن الحاجة إلية فالعبرة أعظم من ذلك وهي تأتي مشرعة كالآتي:
1. عجيب أمر هذه القرية ! فالظلم أصبح منتشراً بينهم الرغم من سكنهم مع بعضهم بعضا متقاربين متعارفين بينهم صلات إن لم يكونوا من أرحام بعضهم وهذا هو الصحيح والغالب عليهم ولكن حالة البخل الشديدة جعلتهم يظلمون بعضهم بعضا فالإيثار وإكرام الضيف من علائم التراحم وهذا غير موجود بينهم ودليل ذلك.
2. جدار البيت الآيل للسقوط فكم من السنين مرت عليه وهو بهذه الحالة ولا أحد من أهل هذه القرية تثار فيه الحمية أو صلة القربى أو الجوار ليقوم بإصلاحه ؟ فمن المؤكد أن من كان يحسب على جواره يعرف تماماً أنه يعود بملكيته لأيتام ومع ذلك فلا يوجد أحد منهم يتقدم بالأعمار أو الصيانة أو الرعاية.
3. والأمر الخطير الذي أشارات إلية الآيتان (77) و (82) هو المهم في ما ترميا إلية وهو الآتي:
* ذكرت الآية ( 77) أن الجدار في بيت من بيوت القرية.
* ذكرت الآية (82 ) أن ملكية الجدار تعود ليتيمين يعيشان في المدينة.
والسؤال الذي نطرحه هنا هو:
لماذا هذين اليتيمين يعيشان في المدينة ولماذا لم يبقوا ويترعرعوا مع اقرانهم وأقربائهم وعشيرتهم. وفي بيتهم آمنين مطمئنين إلى أن يكبرا حتى يبلغا سن الرشد؟
والجواب: وأي جواب مهما كان فإنه يعاضد ويساند ما جاءت به الآية ( 77) من رفض أهل القرية اطعام الضيفان والحال كذلك يخفي خصالاً أشد نكالاً حتى مع الايتام بعدم رعايتهما خوفاً من الانفاق عليهما ولو كانوا بصلات رحم أو جوار أو غير ذلك وهنا تتجلى الاسباب على أمتهان البخل الشديد.
4. ومن هنا جاء في الآية (82) قال تعالى ((... وكان أبوهما صالحا...)) وأي صلاح كان يتمتع به هذا الوالد الذي كان يعرف تماماً أهل قريته وكانوا يتصفون من الصفات المنفرة ما جعله يدفن ما كان يملكه من كنز مهما كان نوعه ومن خلال هذه المعاني يستدل القارئ على أنه كنز أموال متعددة الاجناس فأهل قريته ليس فيهم الآمين الذي يأتمنه حتى لودع مال ولدية وليس فيهم الكريم وليس فيهم المؤثر على نفسه حتى يصلح لهم الجدار.
5. وجاء الصاحبان: عبدالله الذي آتاه الله رحمة من عنده وعلمه علماً من لدنه والنبي موسى عليه السلام وقدما بإيضاح وضاح كل تلك المعاني وكشفا كل تلك الأحوال والخصال.
6. فأين الرحمة وأين العلم ولم كان صبر موسى عليه السلام ينفذ بسرعة فلنرى ذلك مع كل خطوة عمل عملاه هذين العبدين في تلك القرية.
أولاً: تجلى العلم الذي أوتي لعبدالله كما أخبرنا في الآية (65) في حادثة القرية:
1- أن الله عز وجل أخبره بخصال أهل القرية كما ذكرناها في الشرح.
2- أن الله عز وجل أخبره بقصة اليتيمين اللذان يعيشان في المدينة وكان أبوهما صالحاً.
3- أن الله عز وجل أخبره بحالة الجدار الذي يريد أن ينقض.
4- أن الله عز وجل أخبره بالكنز المدفون تحت الجدار.
وكل هذا العلم لا يعلمه موسى عليه السلام بل علمه من خلال ما قام به مع عبد الله:
1/ قدما إلى القرية واستطعما أهلها فأبوا ( خصال أهلها ).
2/ أقام الجدار ليعلم من ذلك ثلاثة أمور ( أن الجدار للغلامين اليتيمين، وأن اهل القرية لن يعطوهما الآجر إذا ما طالباهم بذلك، والثالث الآيثار ).
3/ وسبب إقامة الجدار حتى لا ينكشف أمر الكنز من جهة وحتى يحين بلوغ اليتيمين الشده في عمرهما فيستخرجا كنزهما بأيديهما.
4/ قال عبد الله لموسى عليه السلام قال تعالى: (( وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا )) الآية (82)
5/ محور وهدف كل هذه القصه كان إقامة الجدار مقابل ما كان يتصف به أهل القرية وهو ( رحمة من ربك ).
وعمود الرحمة كان العمل الصالح وهو إقامة الجدار والنهي عن المنكر وهو الذي كان يتصف به أهل القرية.
ثانياً: تجلى عدم صبر النبي موسى عليه السلام بما رآه في أمر أهل القرية:
1. قال تعالى في آخر سورة الكهف الآية (110) (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )).
2. وقال تعالى في سورة طه الآية (84) (( وعجلت إليك رب لترضى )).
3. وقال تعالى في سورة طه الآية (92) (( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا )).
والآية (93) (( الا تتبعن أفعصيت أمري )).
4. وقال تعالى في سورة البقرة الآية (67) (( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )).
5. وقال تعالى في سورة الكهف الآية (77) ((.... قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا )).
فإذا استعرضنا مجمل العبارات التي كان يرد بها النبي موسى عليه السلام على من كان يخاطبهم أو يجادلهم أو يأمرهم  أو ينهاهم في الآيات ( الاربع ) الماضيات وكانت الآتي:
- عجلت... لترضى.
- ما منعك..... إذ رأيتهم ضلوا.
- أفعصيت أمري.
- أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.
ثم تضيف إليها ما كان يرد به على عبدالله في بحثنا هذا.
- لقد جئت شيئاً امرا.
- لقد جئت شيئاً نكرا.
- لو شئت لاتخذت عليه أجرا.
وكذلك نزيد ذكر قول الله عز وجل في سورة القصص في الآية (14).
(( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين )).
ولما لم يبعث بعد فقد كان في عين الله عز وجل عندما وكز القبطي فقضى عليه قال موسى عليه السلام قال تعالى في سورة القصص الآية (16) (( قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفرلي  فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ))، وقولة الآية (17) (( قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين )).
يتبع إن شاء الله...


أعمدة الرحمة في سورة الكهف 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27239
العمر : 67

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Empty
مُساهمةموضوع: رد: أعمدة الرحمة في سورة الكهف   أعمدة الرحمة في سورة الكهف Emptyالإثنين 06 يناير 2014, 11:50 pm

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Images?q=tbn:ANd9GcT6ByseoOwxXG2pXC5clW-dhiUNcOuEYvwXVC2eUuL4F6bk04xA
تعقيب
ربط تاريخي افتراضي:
نتذكر قول الله عز وجل في موسى قبل بعثته وهو لا زال يعيش في مصر الفرعونية (( آتيناه حكماً وعلماً....)) ولم يقل فيه (( آتيناه رحمة وعلما )) لانه لا زال بشراً عادياً ولم يكن نبياً بينما قال عز وجل في العبد (( آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما )).
وتجري المقارنة والربط كالاتي:
أقدم موسى على وكز الرجل الفرعوني فقتله نصرة لرجل من شيعته فقط ولم تكن النصرة لدرء مفسده أو نصرة لدين أو لإظهار حق يريده الله عز وجل وبالتالي هو عمل غير صالح فهو إذا ليس فيه رحمة أبداً ولذلك تنبه إلى نفسه وانطوى إليها ودعا ربه ( إني ظلمت نفسي ) وقولة (( فلن أكون ظهيراً للمجرمين )) فقد عرف الحق أن الرجل من شيعته كان رجلاً مجرما و أنه قد قتل نفساً بغير حق فهو قد أتى شيئاً نكرا ).
ثم نرجع إلى الحادثة في قتل الغلام من سورة الكهف المباركة فإن موسى عليه السلام لا يعلم أن صاحبه قد آتاه الله رحمة إلى جانب العلم كما جاء في الاثر ولذلك عندما رآه يفعل بالسفينة (فعل المجرمين ) ويقتل الغلام (قتل المجرمين ) فلم يصبر أبداً على انكار الفعل فهو نبي الله قد آتاه حكماً ويحكم على الحدود وهو أشد الخلق وأحرص الناس على مخافة الله ومحبته وكسب رضاه.
وهنا يتضح لنا الفرق بين:
- العلم الذي آتاه الله لعبده صاحب موسى.
- والعلم الذي آتاه الله لنبيه موسى.
فعلم الأول: محددد ومكلف وظرفي بمعنى أنه مخصص لأمور محددة كما اتضح ذلك فيما مر معنا من سورة الكهف فلذا كان يجب أن يقرن هذا العلم المحدود برحمة من الله حتى يكون عبره ودرساً وذكراً للذاكرين وللدارسين وللمؤمنين عامه وأما علم النبي موسى علم الانبياء والرسل فهو علم ينشر للناس كافة بكل دقائقه وتفاصيله من أجل الاتباع والاحتذاء في أول الزمان وآخره والرحمة لمن يعمل بالاتباع على نفسه والرحمة لم يأمر به والرحمة لم ينه عن نواهيه.
(فالرحمة التي كلف بحملها موسى هي الشريعة المحكمة التي نشر تعاليمها وبكل تفاصيلها ).
ويضرب الله الآمثال وقد ضرب مثلاً ( الجدار الذي يريد أن ينقض ) فهل نحن عامة الناس مسلمين ومؤمنين بمختلف درجاتهم هل كان من الواجب على أي فرد إذا ما رأى جدار متهدم أو يريد ان ينقض يسارع لبنائه أو اقامته؟ هل أي فرد من الناس مكلف بأن يقوم بمثل هذا العمل؟ وهل يقترف الفرد ذنباً أو اثماً فيما إذا لم يقوم بذلك العمل أو يكسب أجراً اذا ما اقامه وهل يقيمه بكلفة من ماله الخاص أو ماذا عساه أن يعمل وهل كل جدار يريد أن ينقض يكون ليتيمين أو يكون تحته كنز إن ذلك يخرج عن نطاق الشرع.
 إن الامر الذي يمكن أن نشير إليه الآن فيما يخص هذا الجانب المشابه لتلك الحادثه الواقعة منذ الاف السنين هو الآتي:
- من واجب ولاة القرى وحكام المدن في بلاد المسلمين كافه أو من ينوبون عنهم في سلطانهم أن يقوموا بإقامة جدران أو اسوار حول البيوت المهجورة وحول الاراضي غير المأهولة والخالية من العمران إن كان يعرف أصحابها أم لم يعرفوا فمن الواجب الشرعي أن تنقذ اقامة الجدران والأسوار لحمايتها من عمليات السطو غير الشرعي على ملكيتها ولحفاظها لأصحابها ومن أجل أن لا تستغل البيوت المهجورة والخالية لايذاء الناس إن كانوا من جيرانها أم السكان عامة خوفاً ودرءاً من كل مفسده قد تظهر أو تحدث في قابل الأيام وهذه تعتبر أقرب الأشياء مشابهة ويضرب بها المثل والله اعلم والله يهدي إلى سواء السبيل.
العمود الرابع: سد ذو القرنين ( رحمة الله في الارض )
إن أعظم ساعة أو يوم حدث في تاريخ الفتح بل إن صفة أعظم يجب أن تقرن هنا بصفه مرادفه لمكانه ولأهمية الحدث ذاته مثل جليل أو مهيب أو أي صفه أخرى مما يليق بيوم وبساعه قدوم سيد الخلائق فاتحاً مكة المكرمة ويتجلى هذا الحدث العظيم الجليل بما نادى به أهل مكة يومها وقلوب المؤمنين تخفق فرحاً بينما قلوب المشركين مشرئبه لدى الحناجر.
وهذا الموقف بكل دقائقه وتفاصيله قد تغنى بوصفه كل من شارك ذاك الحدث العظيم الجليل ولكن كل أولئك وكل الذي أتو فيما بعد والذين من بعدهم بمئات السنين وتمضي السنون وإلى يوم القيامة لم يصلوا ولم يرتقوا بالوصف إلى ما نطق به وفعله سيد الهدى وقائد الغر المحجلين في تلك الساعة المباركة.
ماذا تظنون أني فاعل بكم؟
وساد الصمت وسرى الجمود في القلوب التي كانت تنبض قبل قليل وتوقف الجميع وشخصت الأبصار ولما تغمد السيوف في جرابها بعد: ولقد أثخن هؤلاء القوم في ايذاء حبيب الله ولم يتركوا وسيلة للوصول إلى ما ينالون منه حتى أنهم أحزنوا قلبه الطاهر في قتل أحب الناس إليه وأفقدوه ساعة قيلولته التي يناجي فيها ربه بروحه التواقة إلى نصر دين الله.
اذهبوا فأنتم الطلقاء:
- من دخل البيت الحرام فهو أمن.
- من دخل بيت أبو سفيان فهو أمن.
- من دخل بيته فهو آمن.
- ثلاثة أعمده رحمه اقامها نبي الهدى والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الجليل المهيب ومنذ ذلك اليوم وإلى هذه الساعة وإلى يوم الساعة ستظل هذه الأعمدة قائمة شامخه إلى عناني السماء الدنيا شاهده شاخصة على رسالته وإلى يوم الدين.
- قال تعالى في سورة الفتح الآية (25) (( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفاً أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً اليماً )).
ثلاثة أعمده رحمة نادى بها نبي الرحمة منذ ذلك اليوم وأصبحت أعمدة الرحمة في دين الله على وجه البسيطة إلى يوم القيامة.
لقد أرساها ورسخها ثم غاب المصطفى وعاد إلى بارئه وظلت دعوته هذه بين الناس وبدونها لا يمكن للايمان بدين محمد صلى الله عليه وسلم أن يصفوا في هذه الحياة الدنيا.
- إن الرجل سلطان في بيته ورحمة الله تلف به وبأهله داخل أسوار هذا السلطان وكل تفاصيل دينه تغيب عن أعين الناس من حوله عندما يدخل أسوار بيته ولم يعد يراها إلا ربها فهو الشاهد الوحيد عليه هنا موضع حرثه وهنا أمن ثربه وهنا قدر قوت يومه فهو في مأمن وبعيد من كل شيء.
- المؤمن بدعوة محمد سوف يقيم في سلطانه اركان الدعوة عاليه وعلى أهل بيته وسوف يخرج ساعة استجابة لنداء الحق إلى كل سبيل فيه وجه الله.
- الذي لا يؤمن بدعوة محمد ويظل على ضلاله سوف يقيم في حدود سلطانه السلم ويعلن العهد والميثاق بألا يقتل أو يحارب الدعوة بأي شكل من الأشكار فهو آمن وسوف يخرج ساعة لاستجابة متاع الحياة الدنيا وسوف يشارك الناس حياتهم بأقدارها وسوف يرجع إلى عالم الغيب والشهادة فينبئه بما كان يعمل.
وأما بيت أبا سفيان: فهو السلطان ذاته القيم السيد على الناس من قومه يقول فيطاع ويشير فيأمر، هو الوالي والقائد وحامل لواء الحرب. وهو أولاً وأخيراً العزيز في أهله وأهل عشيرته والقرية كلها ومن حولها من الأحلاف والمتاع والمصالح يجري السفراء والرسل ويستقبل في بلاد الملوك والأباطرة فكيف والحالة هذه وفي مثل هذه الساعة العصبية أن يقال له أو يؤمر بأن يدخل بيته فالقائد المختار والرسول المجتبى كان في هذه الساعة أرحم من أبي سفيان على نفسه فأتاه (عبدالله) وابن عشيرته وابن أخيه الكريم من حيث لا يدري وهي:
( الخطوة الاستراتيجية ) التي أوحى بها ربه عز في علاه وهي العمود الثاني لرحمة الله على هؤلاء القوم قوم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كان أمراً وطلباً ورحمة ارتعشت لها القلوب وتسابقت دفقات الدم إلى العروق لتحيي من قد ظن أنه الموت والفراق.
من دخل بيت أبا سفيان فهو آمن فهو السلطان على قومه وناسه وأهل بيته ومن لا بيت ولا أهل له ومن ينضوي تحت رايته ويتأمر بأمره ويتحرك بمشورته من وزراء وقاده وجند وعامة الناس هم بأمان في ظل رمز الحكم والسلطان بيت القائد وربيت الوالي وبيت عامة الناس انه ركن الحكم وتنظيم الدوله في دين الله أشار وحكم به سيد الخلائق وأصبح سنة يتبع به في كل مدن وقرى البلاد التي انضوت تحت راية دين الله دين محمد صلى الله عليه وسلم منذ تلك الساعة وإلى قيام الساعة لا يوجد فقير ولا يوجد مشرد هائم لا مأوى له في أي بقعة إلا وكان الوالي مسؤول عنه فاحوال الرعية بأمنها وأمانها هي من أمن وأمان بيت الوالي وحاكم المسلمين.
وأما بيت الله الحرام في مكة المكرمة:
فهو كل الأمان وهو كل الأمن وهو أحب بقعة على وجه الأرض إلى الخالق عز وجل وقد سميت الكعبة ببيت الله الحرام يحرمة الله إلى يوم القيامة فلم يحل فيه القتال ولا يعضد في شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلي خلالها وكانت دعوة نبي الله وخليله ابراهيم ثم أكدها حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن دخل البيت الحرام فهو آمن وقد أصبحت القرية كلها آمنة ومركز الأمن كله على وجه الأرض فتبوأت شرعاً رأس الهرم الحكم في دين الله وكان ركن الحج وزيارته مرة واحد في عمر المسلم مهما كان من العامه أم من الحكام فإذا بلغ المسلم قدرة الاستطاعة لزيارته فيحج إليه فهو موعد في كل عام وإلى يوم القيامة يجتمع حوله الحجاج من كل مقاماتهم يلجؤون إلى خالقهم ويسألونه المغفرة والرحمة اجتماع حاشد في ظل رحمة الله لا خوف على أحد ولا خوف من أحد لا جيوش تحميهم ولا جيوش تخيفهم هم بأمان من الله في ذلك اليوم المهيب. 
وهكذا هو بيت الله الحرام ينشر رحمته وأمنه على الأمة كلها بعامتها وخاصتها فالكل هنا في هذه البلدة متساوون في كل شيء خافضين جناح الذل لخالقهم كل متاع الحياة الدنيا محطم هناك خارج الحدود والمواقيت التي حدد أمكنتها نبي الهدى فالمتاع هو الأخر اصبح في قائمة المفسدات إنه يوم ترفع فيه أعمدة الرحمة إلى أبواب السماء العلا إن كل مسلم يأت لأداء ركن الحج إلى بيت الله الحرام يبني (سداً) في (الميقات) سداً قوياً عالياً منيعاً ليحول به بين نفسه وبينه واها وهذا السد يبنيه القاصد لبيت الله الحرام ليذود به عن نفسه من متاع الحياة الدنيا الفاسد فلا رفث ولا فسوق ولا جدال يقيم عمود رحمة صاعدة إلى أبواب السماء لتطرق باب الرحمن الرحيم فيظل هذا العمود مقاماً قائماً قوياً ثابتاً بين ما مضى وبين ما هو قابل من الحياة إلى الموت وإلى يوم قيام الساعة.
أعمدة الرحمة في سورة الكهف Images?q=tbn:ANd9GcQxCnyteDoNZBDjfJGwqWErPmcWIFNIJOftK55DF2FN5BfWiSNyHg
قال تعالى في سورة الكهف الآية (98) }قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان عد ربي حقا{.
لقد أطلق رسول الله (ذو القرنين) هذه العبارة على السد العظيم بعد الانتهاء من بنائه (قال هذا رحمة من ربي) وكيف تكون رحمة من الله ولم تكن قوية صلبة منيعة عالية شامخة إلى عنان السماء.
وقد قال الله تعالى في الآية (97) }فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا{.
فالسطوع والسطع يكون منالأعالي أو من القمم أو من أعلى خط من الشيء وهذا الوصف يدل على مدى الارتفاع لهذا السد فهو شاهق يحجب قدرة أو كثرة أو كثافة (يأجوج ومأجوج) من الاعتلاء على قمته أو ظهره.
وكذلك وصف صلابة ومتانة بنيانه بحيث لا يستطيع هؤلاء القوم (يأجوج ومأجوج أن يحدثوا به (نقبا) أو ثغرة باطلاقة الوصف والتعبير مهما أوتوا من قوة.
وقد تولى سبحانه وتعالى وصف السد بهذه الخصلتين تأكيداً منه جل في علاه وهو القوي المتين ويفهم ذلك من سياق قراءة الآية وتتابعها بما قبلها وما بعدها فالدالة المهمة هنا تفهم بأن السد قد بناه ذو القرنين مع ما توفر معه (من الأسباب من كل شيء) بالإضافة إلى (قوة) (القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا) حيث استعان بهم ذو القرنين بقوله قال تعالى الأية (95) (فأعينوني بقوة....).
كل ذلك تم بإيحاء من الله عز وجل، ومنه كان قولذو القرنين وهو في كامل وأكيد يقينه وعلمه بأن هذا السد (رحمة من ربي) وكم كان هذا العمل مشابهاً تماماً لما جاء في سورة هود بقوله عز وجل الآية (37) }واصنع الفلك بأعيننا ووحينا{ وقد كان السبب هو الفساد في الأرض.
وخلاصة الوصف بشقية الخارجي والباطني الذي تألف منه يعني (أن رحمة الله) وأي رحمة وفي أي زمان وأي مكان: هي من القوة والمتانة والصلابة وكذلك هي من العلو والارتفاع والشموخ إلى عنان السماء وسواء كانت هذه الرحمة صغيرة أم كبير حدثت في أي زمان وفي أي مكانتظل راسخة لا تزول إلى يوم القيامة وإذا عمل ابن ادم عملاً صالحاً فسوف يلازمة هذا العمل الصالح إلى يوم الحساب ليكون له رحمة لا تنقص منها شيء ولا يعلوا عليها شيء ولا تصاب بأي سوء انشاء الله.
ولكن سد ذو القرنين هذا رحمة من الله قائمة في الأرض منذ أن أقيم وبني في ذلك الزمان وسيبقى كذلك إلى أن يجعل الله الأرض ومن عليها بما فيها السد دكاء وهذا وعد وكان  الله وعد الله حقا.
نعود إلى تفاصيل الآيات وكلماتها وتعابيرها وكيف يكون سد ذو القرنين رحمة الله في الأرض:
أولاً: القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً:
لقد دعتنا قراءة الآية (93) والآية (94) من سورة الكهف إلى وقفة نستطلع من خلالها ثلاثة أسئلة لا يمكن لنا أن نمر على قراءتها من دون أن نخوض بأجوبتها خوضاً يمهد لنا معنى قول ذو القرنين (هذا رحمة من ربي).
وهذه الأسئلة هي:
1- من هؤلاء القوم؟ ونعني بذلك المسميات البارزة فيهم أو الظاهرة على حياتهم؟
2- ما هو القول الذي لا يكادون يفقهونه؟
3- وكيف عرفوا أن (يأجوج ومأجوج) مفسدون في الأرض؟ وما كان ميزانهم في معرفة الفساد من الصلاح؟
الجواب الأول للتساؤل الأول:
قال تعالى في الآية (93) }حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما....{.
وهنا تعطينا الآية الكريمة لمحة وصورة عن حالة المكان ونعنى بذلك (الجغرافيا) فالحالة الأولى وعلى الأفق من النظر هناك سدين ويقول ابن كثير في تفسيره أنهما جبلان متقابلان يكادان أن يتصلان ببعضهما ولكن هناك بقيت فجوة أو ثغرة وكأن يأجوج ومأجوج كانوا يأتون أو يخرجون منها وكذلك نفهم من هذا الوصف أن هذين السدين أو الجبلين هما يشكلان من بداية النظر نهاية أرض وادي أو نهاية أرض منبسطة واسعة رحبة أو أن ذلك السدين يشكلان بداية بطن وادي واسع ممتد يشرف من عليها تماماً وهذه هي وصف الحالة الثانية للأرض التي وصفتها الآية بقولها }وجد من دونهما قوماً....{ أي أن ذو القرنين وجد عند مطاف وصوله هؤلاء القوم منتشرون على هذه الأرض أو بطن الوادي أو السهل الواسع قبل وصوله أو معرفته بما وراء ذلك السدين أو الجبلين فبوصف هذه الأرض يصبح التعرف على هؤلاء القوم يماثل الوصف تماماً بأنهم قوم زراعة وفلاحة وليسوا من أقوام الجبال فكانت حالتهم تتوافق وما كانوا يعانونه وما اشتكوا منه إلى ذو القرنين.
وإذا قلنا أن أهل الزراعة لا يكترثون بالصناعة كثيراً إلا بما يتعلق بصناعة منتوجات ثمارهم ومنتوجات رعيهم وتربيتهم للحيوانات التي تأتلف مع الزراعة فكانوا أصحاب عمل ومشقة ولا وقت لديهم لغير ذلك وحتى فقهم للحديث ولأساليب البيع والشراء والحنكة في التجارة فلا يجيدونها وهذا يعطي مؤشر مباشر أن أصحاب الزراعة والفلاحة وتربية الحيوانات لا يختلطون مع اقوام المدن والقرى حيث التجارة والمنافسة والربح والخسارة ومن هذا يكون ضعف أو صعوبة تعلمهم أو فقههم للمجادلات محدوداً جداً وهذه الصفات غالبة على أهل الاراضي والأمطار الزراعية وهي عامة بتوالي العهود والدهور.
الجواب الثاني للتساؤل الثاني:
وعندما وصل إليهم ذو القرنين وأخذ يدعوهم لعبادة الله ويحذرهم وينذرهم وجدوا في ذلك صعوبة بالغة في استيعاب حديث ذو القرنين فاختصروا الجهد والمشقة بذلك واتجهوا بحديثهم إلى ما كان يشغل بالهم ويهدد رزقهم ولربما يجعل حياتهم في خوف وخطر دائم ألا وهو (خطر يأجوج ومأجوج) وقد أستبق القرآن العظيم في بداية الحديث عن ذكر ذو القرنين إيضاحاً بما كان يحمل من تكليف من الله عز وجل من دعوة الأقوام إلى عبادة الله وعدم الاشراك به وقد بينت الآيات (86)-(87)-(88) تفاصيل الدعوة وأنه كان يتوفر لديه بما مكن الله له من دعاة ومشرعين وقضاة وقوة لتنفيذ ما كان يقضي ويفتي به بين الناس فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكان يشرح للناس الجزاء بالجنة والجزاء بالعذاب والعقوبة بالنار اذا ما أعيد الناس إلى يوم الحساب.
وخلاصة القول أنه تبين من سياق الآيات ما كان يدعوا به ذو القرنين فعندما وصل إلى هؤلاء من دون السدين وعرض عليهم الأمر كله وشرح لهم دعوته إلى عبادة الله لم ينكروا مقالته في الدعوة ولم يرفضوها ولم يقروها، إنما كان ردهم اعترافاً صحيحاً بحالتهم العقلية والنفسية وأرخوا أطراف بساطهم: بالاستسلام الكامل لذو القرنين لما رآوه من عظمة وقوة وتسامح وعدل في قضائه ولما كان الأمر الوحيد الذي يجيدونه في حياتهم هو (المقايضة) أي المبادلة بما لديهم مع مطالبهم من مكملات الحياة (لباس وأدوات حرث وفلاحة وموارد بناء مساكن...آلخ) فقد كان مطلبهم الوحيد هو كف الخطر المحدق بهم دائماً ومنعه نهائياً من تهديد أرزاقهم وممتلكاتهم بأن يبني لهم سداً.
الجواب الثالث للتساؤل الثالث:
لقد استوقفتنا كلمتان متناقضتان في التفسير وفي المقاصد:
أعمدة الرحمة في سورة الكهف 2012-634854645197483470-748_Inner_630x371
الأولى في الآية (93) عندما قال عنهم رب العزة }لا يكادون يفقهون قولا{ والثانية في قولهم قال تعالى: }قالوا ياذا القرنين إنه يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض....{.
فكيف نفهم أو كيف نقرب بين الكلمتين أو العبارتين:
- لا يفقهون قولا:
- مفسدون في الأرض:
فعندما دعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله وعدم الاشراك به وأخذ يبين لهم المعروف ويبين لهم المنكر، هذا ظلم وهذا عمل صالح وهذا جزاؤه الجنة وهذا جزاؤه النار لم يفقهوا شيئاً من كل هذا المقال إلا شيئاً واحداً، هو أمر واحد فقط لا غير وقد كان هاجسهم وشاغلهم الوحيد (قوم يأجوج ومأجوج).
ولربما ومن سياق الجدال وتبادل المعلومات أن ذو القرنين لم يكن يعرف ولم يتعرف بعد على خبرهم وأما هؤلاء القوم فقد وجدوا ضالتهم من خلال تفاصيل الدعوة وتبيان وصف الأعمال ما يرضي الله منها وما يغضبه هذا فيه ظلم وهذا فيه الجزاء الحسنى فما إن استعرضوا هذا الشريط حتى وجدوا وصف ما يقوم به يأجوج ومأجوج بأنهم قوم مفسدون وهكذا انطقوا بالوصف والتعبير الصحيح وما أن سمع ذو القرنين وعرف بخبر هؤلاء القوم المفسدون حتى انتفض مجلجلاً متهيأ كل ما سخر له رب العزة من امكانيات يساعده في ذلك هؤلاء القوم البسطاء الذين لا يكادون يفقهون ما دعاهم إليه هم يعيشون في جهل بسبب انعزالهم في البادية أو في أرض الزراعة أو بسبب اميتهم ولكن بفطرتهم المنعزلة وبعدم تمتعهم بأي من عوامل الحنكة والمجادلة ظلوا باستسلامهم وسلامهم لا يعرفون الظلم ولا يعرفون الاعتداء إلا ظلم واعتداء قوم يأجوج ومأجوج وكان اعتداء وظلما فاجراً عليهم ولهذا كان تعبيرهم بكلمة (مفسدون) لانهم كانوا يخربوا لهم حرثهم وزرعهم وينهبون غلالهم وثمارهم ولربما كذلك حيواناتهم ولربما كانوا يقتلون من كان يقف في وجههم أيضاً إنه فساد عظيم.
قال تعالى في الآية (94) }فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا{ يمنعهم ويقف حائلاً بوجههم وبطريق عدوانهم وظلمهم وفسادهم.
وما كان يثني عزم رسول الله ذو القرنين عندما سمع بخبر قوم يأجوج ومأجوج وبعدما علم عنهم ما قد علم من هؤلاء القوم إلا أن وافقهم مطلبهم واستجاب لفكرتهم إنها الوسيلة الناجحة والأداة القوية والآية المخيفة لقوم مفسدين إن ما علمه ذو القرنين عن قوم يأجوج ومأجوج وما يمتلكونه من قدرات وصفات مخيفة ومرعبة لا يستطيع أي شيء أن يمنعهم أو يحدهم عن فسادهم إلا هذا السد العظيم فقال:
قال تعالى الآية (95) }ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً{ وهكذا أصبح هذا الردم حاجزاً بين قومين، قوم مفسدون وقوم لا يظهر على أمرهم غير الصلاح أو أنهم قد أبرموا عهداً وميثاقاً مع ذو القرنين بالاستجابة في نشر الدعوة إلى عبادة الله بينهم وعلى ما يبدو أن الأمر لم يقف عند حد بناء السد وقد حصل العزل والفصل وأداء المهمة لكل من الفرقاء الثلاثة كما أوردت ذكرهم آيات الله العظيمة فالحل في ظاهر الحدث آتي أوكله فوراً ولكن قول ذو القرنين قال تعالى }قال هذا رحمة من ربي{ لا يحسم ذاك الحل على أنه انتهى واكتمل في حينه، وإنما يدل على أن هناك تبعات ستتوالى بظهورها فيما بعد.
فلنعد إلى دراسة حالة الفرقاء الثلاثة كلاً على حده ونتأكد من ذلك في:
1- رسالة ذو القرنين:
قال: قال تعالى الآية (89) }فإذا جاء وعد ربي جعله دكاءً...{.
وهذا تصريح وتبليغ كامل البينة لا لبس في مفرداته ولا يحتمل تأويلاً غير نبوءة واحدة مفادها (أن هذا السد سيظل قائماً بهيئته التي بني فيها وانتهى عليها لا يتصدع ولا يتهدم ولا يصيبه القدم ولا يستطيع أحد أن يثقبه أو يحدث فيه خرقاً ولا أحد يستطيع أن يظهر عليه ولا من فوقه مهما دالت عليه الدهور والعصور والأزمان سيظل كالحاجز يفصل بين الفساد وبين الصلاح ما دامت الحياة الدنيا ولا يزول إلا بزوالها أي لا يتهدم إلا بأمر الله عز وجل وهو الأمر بيوم القيامة وهو الوعد الحق.
2- القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا:
هم غير مفسدين على اطلاق اللغة والمعنى معاً كما هم عليه وبذات الوقت هم غير مصلحين بدليل عدم فقههم لما دعاهم إليه ذو القرنين ولكن الذي يسهل ويبشر بنجاح الدعوة فيهم أنهم عقدوا وأبرموا العهد والميثاق مع ذو القرنين على محاربة الفساد بمساعدتهم القوية في بناء السد وهذا الجانب هو الذي تتجه إليه أنظار الانبياء والرسل في صلب دعوتهم عندما يعقدون صلحاً من أجل السماح لنشر الدعوة فيقبلها من يقبل بها ويؤمن بما دعي إليها فلا قتال ولا صد ولا منع، ويغني ذلك في ظاهر الدعوة انتشار الصلاح انحسار الفساد أي محاربته بشكل سلمي هادئ شيئاً فشيئاً إلى أن يأتي الله بالفرج والنصر.
3- يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض:
وجاء التعبير دقيقاً في الآية الكريمة (94) على لسان القوم البسطاء أو الأميين فيأجوج ومأجوج مفسدون، ولم يقولوا إنهم (فاسدين) وهناك فرق في المعنى كبير ونضرب الآن المثال في بعض آيات الله في القرآن العظيم:
وقبل ذلك نطرح سؤالاً على الفريقين هو التالي:
- هل يقبل فريق الفاسدين (النصح) أو النصيحة؟
- هل يقبل فريق المفسدين (النصح) أو النصيحة؟
ولا يفوتنا حصر معنى الفساد بشكله الذي نقصده هنا هو فساد الفطرة:
- في سورة نوح قال تتعالى الآية (21) }قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا{ والآية (22) }ومكروا مكراً كباراً{.
- وفي سورة هود قال تعالى (91) }قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز{.
- وفي سورة القصص قال تعالى الآية (20) }قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين{.
وفي سورة التحريم قال تعالى الآية (8) }يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الآنهار{.
ولما كان الفساد هو فساد الفطرة فإن وروده كتعبير وصفة وفعل جاء كثيراً في مفردات القرآن العظيم، ولكن وجه الغرابة أنها لم ترد أبداً بـ كلمة (فاسد) فلم يرد استعمالها وإنما ورد على وجه الخصوص بـ (فسق) (فاسق) (فاسقون) ولا يختلف المراد كثيراً بين هذا وذاك إلا باقتراب المعنى والفعل من (الموت) ونستطيع أن نؤكد أن (الفسق) هو الخروج عن الشيء كما جاء في المصباح المنير أي لا يزيد عن العمل فالفسق بالعمل والفاسق من أصبح عمله متميزاً مخالفاً خاصاً به ولما كان الفاسد هو (الميت) فإنه لا حياة فيه ولذلك لم يأت القرآن على ذكره.
وإنما جاء على الذين يفسدون أي يقومون بفعل الموت ذاته وعلى هذا النحو جاء في القرآن العظيم:
1- اسم الساحر: يونس (81) قال تعالى }ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين{.
2- الكافرون: الذين يخادعون الله البقرة الآية (12) }ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون{.
3- اسم السارق في سورة يوسف الآية (73) }قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين{.
4- قال تعالى في سورة البقرة الآية (205) }وإذا تولى سعى في الآرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد{.
5- ثلاثة أفعال جاء ذكرها في سورة العنكبوت الآية (29) – (30) قال تعالى }أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالو أتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين{. }قال رب انصرني على القوم المفسدين{.
فاصـــلة تـاريخيــة:
وقد اخترت هذا العنوان لأهمية ما انتهيت إليه من دراسة حالة الفرقاء الثلاثة وبناء عليها تكونت التساؤلات التالية:
السؤال الأول:
بالحكم الشرعي الذي أقره ذوالقرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون ومع ذلك لم يدعو ربه لينزل عليهم بأس الله بل حكم عليهم بالنفي من الأرض جميعاً (عزل أو سجن) في مكان وجودهم وعيشهم، وذلك ببناء السد إلى يوم القيامة.
السؤال الثاني:
هؤلاء القوم الذين حدثهم ذوالقرنين ولم يفقهوا قوله، ماحل بهم وأين انتهوا ونقصد هنا هل يستطيع أن نحدد جنسهم وبلادهم وأين هم يقيمون؟
السؤال الثالث:
ما هو مضمون رسالة الدعوة التي كان يحملها ويبلغها للناس في مشارق الأرض ومغاربها وفي صيغة ثانية لهذا السؤال ما جوهر وأبعاد الرسالة وهل كان فيها شيء يذكر يخص هؤلاء القوم الذين ساعدوه في بناء السد؟
الفاصلة تعني طوراً جديداً:
إن المدقق في قراءة التساؤلات الثلاثة لا يجد بداً من أن يشير إلى وحدة الإجابة عليها ولو كان هو ذاته من كان سيجيب عليها ذلك لسبب مهم جداً وهو وجود وحدة التفكير في نهج الحدث كله أصلاً ومنه نقول أننا نحن من سيقوم بالإجابة الموحدة للتساؤلات الثلاثة وليس على كل تساؤل بمفرده لقناعتنا وكما قلنا أن وحدة النهج هي التي تحتم علينا الإجابة بالصيغة العامة الشاملة ولو جاء فيها بعض التفصيل لمفردات الحدث في قصة ذو القرنين لأن بعض التفصيل يأتي أساساً من الدليل على شرح وتفصيل الأجابة لأكثر من تساؤل ولاشتراكه في تكوين الحدث زماناً ومكاناً ويخص قوماً أو ناساً بعينهم كما تسميهم الإجابة ذاتها ولو كان فيها تعميماً كما قلنا وسوف نقوم باغتنام الفرصة هنا لدعوة كل من سيقرأ ويتفحص ويدقق في قراءة التساؤلات والاجابة عليها ومن بعد أن يفرغ تماماً من كل ذلك ندعوه أن يقوم طوعاً ببناء موازي لهذه الفاصلة بكل هيئاتها ولينظر على ماذا سيحصل أو يتشكل بين يديه وأمام ناظريه.
ولتكن بداية الاجابة هي بداية ذوالقرنين في تتبع الأسباب كما أخبر عنه المولى عز وجل قال تعالى في الآية (86) }حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوماً قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً{.
وهذه الآية الكريمة أوضحت لنا أمرين مهمين جداً:
الأمر الأول: هو ساعة غروب الشمس وقد بدت كحالتها اليومية ومنذ أن خلقها الله عز وجل لا تبديل فيها ولا تغيير عندما تغرب كل يوم في مثل هذه الساعة من أخر النهار تبدو كقرص متوهج خارج من عين نار حمئة متقدة وفي أيامنا نحن الآن عند محاولة أي منا النظر في هذا القرص المتوهج لا يسعة ذلك إلا أن يأتي (بعدسات) معتمة ويضعها على عينيه من أجل أن تصبح لديه القدرة على المشاهدة والنظر طويلاً في حالة هذه الآية العظيمة فماذا يشاهد الناظر؟ يشاهد قرصاً متوهجاً مستديراً كامل الاستدارة وسط (سواد) معتم يحيط به من كل جانب ولا شيء يرى غير هذا أبداً وهكذا هي حال الشمس منذ أن تظهر للنظر مشرقة في أول النهار حتى ساعة غيبتها ولا تبديل ولا تغيير في شكلها ولونها إلا في موضع منازلها في كبد السماء بالنسبة لاستدارة قوسي سطح الأرض على مدا الساعة وهكذا ولكن الأية الكريمة التي ننظر في معجزتهاالآن هي تصف حالة الشمس في اللحظة هذه من بدء افولها بأخر النهار مستودعة السواد ليأخذ مكان نورها وأشعتها إلى مكان أخر من هذا الكوكب المعجزة الذي قدره المولى فأحسن تقديره جل في علاه.
هذه الآية: تذكر أن رسول الله ذوالقرنين قد وصل في هذه الساعة إلى مكان ما من سطح الأرض وجد في هذه الساعة قوماً لم تذكر الأية ماذا كانوا يفعلون أو يصنعون ثم انتقلت بالذكر بأمر الله إلى:
الأمر الثاني: هو أمر الله قال تعالى }قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا{ وهنا نلاحظ أن هناك فجوة ما بين الأمرين! هذه الفجوة تتسع لتساؤل مفاده.
- لماذا أمر الله تعالى ذوالقرنين إما العذاب وإما الحسنى أو العفو؟!
- ماذا كان يصنع هؤلاء القوم حتى ينزل فيهم الأمر؟!
- لا بد من وجود سبب أو خبر قد رآه أو عرفه أو أحاط به والأية لم تذكره لعدم أهميته في مكنون دعوة ذوالقرنين أو السبب كونه سهل الاحاطة به ومعالجته ولا يتطلب جهداً نظراً لجنس السبب ذاته، قال تعالى في سورة الاسراء الآية (15): }وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً{.
يتبع إن شاء الله...


أعمدة الرحمة في سورة الكهف 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27239
العمر : 67

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Empty
مُساهمةموضوع: رد: أعمدة الرحمة في سورة الكهف   أعمدة الرحمة في سورة الكهف Emptyالثلاثاء 07 يناير 2014, 12:08 am

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Hqdefault
الإحاطة بالخبر:
وكما مر معنا من ذكر النبي موسى مع عبدالله في أحداث السفينة والغلام والجدار وفي كل منها قد كان في علم الله أن هناك ملكاً ظالماً وأن الغلام سيرهق أبويه والجدار كان ليتمين في المدينة فإن علم الله قد سبق حدث وصول ذوالقرنين إلى هؤلاء القوم فوجدهم قائمين بضلالتهم يعبدون الشمس في هذه الساعة من غروبها، وما كان لذو القرنين أن يشهد على كفرهم ويكون عليهم من الشاهدين لو أنه قد وصلهم أو بلغهم قبل هذا الوقت أو بعده وما كان لرسول مكلف ومبعث من الله ذو القوة المتين أن يشهد على قوم بالكفر والضلالة ويعبدون الشمس من دون الله أن يتركهم وحالهم هذه أبداً فكانت الرسالة واضحة والإحاطة بالخبر يقيناً تراه العين وتثبته الأعضاء والجوارح.
- ما وجدت ياذوالقرنين؟
وقد أخبر ذوالقرنين ربه ما وجد وما رأت عيناه وهاله حالة هؤلاء القوم.
قال تعالى في سورة المائدة الآية (71) }قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضراً ولا  نفعا والله هو السميع العليم{.
قال تعالى في سورة المائدة الآية (117) }ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم{.قال تعالى في سورة المائدة الآية (109) }يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب{.
قال تعالى في سورة الكهف الآية (86) }قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا{.
قال تعالى في سورة الكهف الآية (87) }قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا{.
وهنا يرفع ذو القرنين (عمود رحمة) من وعلى هذه البقعة من الأرض.
- أنذرهم.
- وأعطاهم فرصة الاختيار
- ووضع أمام أيديهم عاقبة الأمور.
قال تعالى في سورة الكهف الآية (29) }وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها{.
وقال تعالى في سورة الكهف الآية (30) }إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا{.
عمود الرحمة:
جهاد الظلم والشرك بالله والأمر بالمعروف وعمل الصالحات
ثم أتبع ذو القرنين سببًا
وهنا نخل مع قصة ذو القرنين في ما سبق وأشرنا إليه بتساؤلاتنا الثلاث الماضيات وابتدأنا بالإجابة عليها بأحداث قصة قوم مغرب الشمس وقد عرفنا دقائق تفاصيلها وكذلك تفاصيل ما بعدها عندما بلغ ما بين السدين ونتابع ذلك بقول الله عز وجل:
وفي سورة الانبياء التي ساعدتنا آياتها الكريمات المبينات بهذا الفتح المبين التي نقصده في بحثنا (رحمة الله في الأرض)
الآية الأولى (95).
قال تعالى: }وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون{.
جاء في تفسير ابن كثير هذه الأية العظيمة قول ابن عباس: وجب، يعني قد قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد، وفي رواية عن ابن عباس: أنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والقول الأول أظهر والله أعلم وفي سياق ذكر القرون أو القرى التي اهلكت ونزل فيه العقاب الجماعي (بشر وحجر وشجر كاملاً) قبل هذه الأية من سورة الانبياء كان هناك ذكر لنوع الرجز الذي اهلكت به في الآية (40) من سورة العنكبوت.
قال تعالى: }فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله يظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون{ وهكذا كان ذلك العهد من زمان تلك القرى كفرت وفسدت وحاربت الانبياء والرسل فأهلكت وقد ذكرت تفاصيلها في سورة كثيرة من القرآن العظيم ثم جاءت الآية (95) بقول الله أنهم لا يرجعون إلى الحياة الدنيا أبداً وهذا الأمر الالهي العظيم وكأنه توقف أو نسخ وذلك أطلقنا عليه (طور) من الحياة البشرية في الحياة الدنيا وذلك في كتابنا (الاصطفاء الرباني) الذي نشرته شبكة الإلوكة على موقعها الإلكتروني
وفي ابتداء (الطور) (الثاني) من الحياة البشرية في الحياة الدنيا وتأسيساً له أرسل ذو القرنين ليجوب الأرض مغاربها ومشارقها يذكر ويبشر بعهد جديد من الرسالات الإلهية للبشر جميعهم مفاده وحقيقته أن الله رب السموات والأرض هو المعبود لا إله إلا هو وأن على الانسان أن يعبده ولا يشرك به شيئاً وأنه سيرسل أنبياء ورسلاً منكم أيها الناس حاملي صحفاً وكتباً فيها من كل شيء هدى ورحمة وإن كنتم الأن لا تفقهون قولي فإنكم وحينها ستفقهون قول الرسل والانبياء من تلك الصحف والكتب وستبقى بين أيديكم لتعلموا وتتبعوا منها كل شيء وإلى يوم القيامة وبناء على هذا النهج الجديد:
قام ذو القرنين ببناء (سد الرحمة) رحمة الله في الأرض لا ليهلك قرية أو قوماً وإنما أية عظيمة ليخيف بها الناس إذا ما انحرفوا يوماً عن عبادة الله والاخلاص له بعبادته وظلت كذلك من يومها إلى يوم الوعد الحق.
ويأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ولكن لم يهلكوا أبداً ذلك لأن الله عز وجل لم يذكر في آيات القرآن العظيم أنهم حاربوا (ذو القرنين) أو غيره من الانبياء والرسل من قبله كما في أخبار تلك القرى الحرام وأنهم لا يرجعون وإنما قال سيرجعون ويخرجون يوماً ما من أيام علائمقيام الساعة وهو اليوم الوعد الحق.
وأما أولئك القوم الذين لم يفقهوا قول ذي القرنين وفقهوا في الوقت ذاته معنى وتفصيل فساد يأجوج ومأجوج فقد اطمأن بهم الحال بعد بناء السد العظيم وانتشر الأمن والأمان بينهم فراحوا يتوسعوا في حلهم وترحالهم حيث هجرتهم وامتدت بهم الأرض بما رحبت فمنهم من ظل يحمل في ذاكرته قول وعدل ورحمة ذو القرنين وسده ومنهم من زاد به الجهل وظلت صورة يأجوج ومأجوج تتربص به ومنهم من هام على وجه الأرض يبتغي غاية في العيش أكبر  والأمان أكثر والكل عاش برحمة من عند الله وبقيت الحياة الدنيا ما دام السد قائماً بإذن الله.
الأية الثانية (96) }حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون{.
وهذه الأية المباركة ذكرت تتابعاً بعد الأية (95) مباشرة وكما ذكرنا لترابط المعنى والغاية الالهية في العقاب والثواب من جهة وللتذكير ولتخويف للمسلمين والمؤمنين من جهة أخرى، فلم تترك مجالاً أو زماناً أو حتى (للسكتة) أثناء تلاوة أو قراءة أو تدبر أو تفسير الآيتين، فالمجمل والملخص يطفوا إلى ذروة التفكير بأن الناس كل الناس يعيشون في ظل رحمة الله (سد ذو القرنين) منذ ذلك التاريخ وإلى هذه الساعة وإلى ساعة الوعد الحق.
ولكن السنة النبوية الشريفة فصلت وبينت (الاساسات) الصلبة والمتينة لبقاء عمود الرحمة قائماً مرتفعاً شامخاً لا يتصدع وهذا التفصيل وهذا البيان الذي جاء مسانداً ومعاضداً لكل تلك الآيات التي جاءت بذكر بناء عمود الرحمة وبقائه وذكرت العوامل والمؤثرات التي تدل أو تنبئ بقرب زواله ولا بد لنا هنا من ذكر ما نريد أن نعتبره تصديراً مسبقاً في الاستنتاج وهو قولنا أن أولئك القوم الذين شهدوا وساعدوا ذوالقرنين ببناء السد وكانوا لا يفقهون قوله هم القوم أنفسهم بجنسهم وبدينهم الذي يدينون به سيشهدون انهيار  وزوال السد وسيرون يأجوح ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون هذا والله أعلم ولنرى ذلك من السنة النبوية الشريفة.
الحديث الشريف:
أعمدة الرحمة في سورة الكهف Images?q=tbn:ANd9GcSNC2VlqPLCnFcYV5cl8JHm-X07IiWCG52MHobb7ffV2A2RQvS_
قال الأمام أحمد حدثنا: سفيان عن الزهري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمه عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم – قال سفيان أربع نسوة.
-قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه، وهو محمر وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق، قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ((نعم إذا كثر الخبيث)).
حديث صحيح في البخاري ومسلم وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الاسناد يقول أبن كثير في تفسيره، منها رواية الزهري عن عروة هما تابعيان، ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده، كلهن يروي بعضهن عن بعض، ثم كل منهم صحابية، ثم ثنتان ربيبتان، وثنتان زوجتان رضي الله عنهن.
وأنا العبد الفقير لا أزكي نفسي على أحد من خلقه ولكن أدعو كل من يقرأ هذا الحديث الشريف أن يدقق في الأشياء التالية:
1- عظمة صحته.
2- عظمة نبوة ناطقه.
3- عظمة ما أخبر عنه وأنذر به.
4- عظمة صيغته ومفرداته.
- وأما ما يفيد في إخبارانا عن عظمة صحته فالمقدمة كانت موجز كافية مفيدة لا لبس فيها.
- وأما عن عظمة نبوة ناطقة فالسابقات السابقات كانت رائدات في اعلامنا عن ذلك ولم يخل في أحد جهداً في اقرار ذلك ونقتطف من السابقات ونتذكر الآية العظيمة في سورة الانبياء (107) قال تعالى }وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين{ وهذا قول مالك السموات والأرض في نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم على أنه (رحمة) للعالمين وإذا كان (ردم يأجوج ومأجوج) وما قام به من حبس ونفي فساد هؤلاء القوم منذ ذلك الزمان وإلى اليوم الوعد الحق فإن (الرسول النبي الأمي) شهد له الخالق رب العالمين وما أرسله إلا (رحمة للعالمين) أي إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بحابس وصاد فقط لفساد البشرية فمنذ أن خلقت ووجدت في الحياة الدنيا على الأرض وإنما هو مجاهد ومحارب له وليس هو قائم بذلك بقيام ردم كردم يأجوج ومأجوج وإنما بهدي القرآن العظيم وآياته وسنته العظيمة في عالم الحياة الدنيا وعالم الآخرة فهو الرحمة القائمة منذ أول زمان وإلى أخره وهو الرحمة القائمة في يوم الحساب وإلى يوم الخلود.
إن القرآن العظيم وسنة محمد صلى الله عليه وسلم هما الرحمة المهداة للناس ضد فساد ذاتهم وهما الاصلاح الناجح الذي تستقيم به الحياة الدنيا وبدونها تفسد الأرض ويعم الهرج والمرج وإذا انتشر الفساد والمفسدون واختفى الاصلاح والمصلحون ليس على الحياة حينها غير يوم الوعد وسوف نجد عظمة ما أخبرنا عنه وأنذر به سيدنا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث العظيم بكل دقائقه وجزئياته أنه:
- انتفض من نومه المبارك وهو النبي ينام كنوم البشر ولكن لا تنام جوارحه وكينونته الشريفة وقد اخبر برؤى وبنبوءة من عند الله أن ردم يأجوج ومأجوج قد فتح بقدر ما أشار باصبعيه الشريفتين وهي ترسم حلقة لا نعلم كم كانت فتحة هذه الحلقة وكم كان اتساعها، ومهما كان ذلك الاتساع ومهما بلغ فإنه وعلى كل القياسات والاتساعات فهي بحجم اصابع اليد طولاً وعرضاً فإنها لا تسمح مطلقاً.
بمرور أي جسم منها فيما إذا كان هذا الاتساع أو هذه الفتحة في جدار أصم قاسي وفيما إذا كانت هذا الثقب من ردم يكون عرضه بعرض رق أو شعرة أو عرض جدار بناء لبيت عادي وأما إذا كان هذه الفتحة في جدار أطلق عليه ردم عظيم أو سد عظيم فالأمر يصعب فيه التصديق ويطول فيه التفكير وينعدم الأمان فيما إذا استطاعت أن تعبر منها نسمة هواء حتى تكون مبعثاً لليسر في الدخول والخروج ومع ذلك:
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فتحاً قد حدث في ردم يأجوج ومأجوج وكانت هذه النبوة في حياته الشريفة بفترة ما بعد الهجرة في المدينة المنورة وكان الناس قد عرفوا الكثير عن قصة ذي القرنين والردم الذي حبس يأجوج ومأجوج وخاصة وأن نزول سورة الكهف كان في العهد المكي من سيرته العطرة، وأما وقد حدثت النبوءة وكان ليلتها المباركة بقرعة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها والتي تزوجها صلى الله عليه وسلم في السنة الخامسة للهجرة المباركة فإن يأجوج ومأجوج وفسادهم في الأرض كانت ذكراهم ترتعد لها القلوب فما إن وحّد رسول الله وصاح بشهادة التوحيد (لا إله إلا الله) حتى شاركته زوجه بهذا الاحمرار والغضب من الخطب الجلل وعرفت جيداً ما الذي يقصده ويعينه في قوله: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا: وما كان ظنها عندما سمعت قوله صلى الله عليه وسلم: إلا أن يوم الهلاك قد أن أوانه ومع ذلك لم تنسى أين هي رضي الله تعالى عنها ومع من تعيش وفي وسط أي الناس فهي الزوج الصالح وهي القريبة بنت عمته الودودة وهي كانت ربيبة رسول الله قبل أن تصبح زوجه وتتشرف بمقام أم المؤمنين وما قصة طلاقها من زيد بن ثابت في القرآن العظيم إلا خير شاهد على كل ما ذكر فردت بسؤالها الذي يحتوي على كل المشهد من قصة ذي القرنين: أنهلك وفينا الصالحون؟ ولم يغب عن علمها أن يوم الهلاك ذاك لا يقوم على المؤمنين والصالحين ولكن الهلاك في الحياة الدنيا الآن فقد قال رسول الله عنه ((نعم إذا كثر الخبيث)).
والشاهد المهم في حديث رسول الله هو أمرين مهمين:
أولاً: حدث الفتح في الردم وقد نبأ به رسول الله وفي حياته.
ثانياً: قوله ويل للعرب من شر قد اقترب.
الأمر الأول:
ويعني ويدل وبشكل مباشر أن (فساداً ما) قد انتشر وأنه سينتشر بين الناس وقد دلل عليه صلى الله عليه وسلم بقوله (إذا كثر الخبيث)).
والانتشار والكثرة يزدادان مع ازدياد وتقدم الحياة ويقف بوقوفها وهذا يرجع بالمعنى والنبوءة للمستقبل والمستقبل الذي أشار اليه حديث رسول الله ما بعد عهده وحياته صلى الله عليه وسلم إلى ما شاء الله من حياة الناس فيما بعد.
وما الخبيث إذا كثر:
قال تعالى في سورة البقرة الأية (267) }ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون{.
وقال في سورة آل عمران الآية (179) }ما كان ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب{.
وقال تعالى في سورة النساء الأية (2) }وأتو اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب{.
وقال تعالى في سورة المائدة الأية (100) }قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث{.
وقال تعالى في سورة الأنفال الأية (37)}يميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركُمَهُ جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون{.
ومن هذه الأيات الكريمات تتوضح لنا مؤشرات تفصل الخبيث بعضه عن بعض:
1- خبيث الأخلاق والنفس.
2- خبيث المال.
3- خبيث العمل.
وقد تجتمع هذه (الخُبُث) في واحد من الناس أو قد لا تجتمع إلاّ واحدة في واحد أو ثنتين بواحد وهكذا قد يكثروا هؤلاء وقد يشكلوا مجموعة أو قوماً أو قرية أو أمة.
الأمر الثاني:
قوله صلى الله وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب.
ونحن نقول ما الدلالات التي أشار بها رسول الله بقوله (ويل للعرب):
- ولماذا ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق: العرب بردم يأجوج ومأجوج وأن الفتح في الردم يعني اقتراب الشر منهم.
- وهل كان العرب بعيدون عن هذا الشر قبل فتح الردم.
وليس بعيد أبداً عن من يحيط بذاكرته تاريخ وزمن نزول سور وآيات القرآن العظيم المتلازم.
تلازماً شديداً مع السيرة العطرة لنبي الهدى وأحاديثه وشرحه وتفصيله وتفسيره لأيات الله وكل ذلك كان ممزوجاً مزجاً لا انفصال ولا انفصام بعضه عن بعض وخاصة في حاضنته وبيئته التي شكلت البوتقة الصلبة المتماسكة منذ ولادته عليه الصلاة والسلام وإلى يوم بعثته وإلى ان اكتمل هذا الدين العظيم ووفاته ورحيله إلى البارئ جل في علاه. ولا نجد شكاً في أن كل ما قلناه الآن يلخصه بمساراته الرئيسة هذا الحديث الشريف في الصحيحين.
المسار الزمني والتاريخي:
ويجمع هذا المسار كلاً من:
1- زمن نطق الحديث الشريف
2- زمن راوي الحديث المباشر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- الابعاد الدينيه الفقهية في المفردات المحورية التي تلتف حولها أهداف الحديث كلية وباختصار شديد فإن راوي الحديث المباشر هو زوج النبي زينب بنت جحش وهي التي نزل بها وبزوجها زيد بن ثابت ولد الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبني والخبر في سورة الأحزاب التي نزلت اثناء وبعد انتهاء غزوة الأحزاب سنة خمسن من الهجرة وسميت السورة باسمها ومن ثم الراوي الثاني وهو أيضاً أم حبيبة بنت أبي سفيان والتي بني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة للهجرة بعد قدومها من هجرتها في الحبشة.
وهذا يعني أن حادثة رؤى النبي صلى الله عليه وسلم كانت في احدى الليالي عندما كانت قرعة زينب رضي الله عنها ما بين العامين الخامس والسابع وبعد أن اجتمعت الزوجتين ببعضيهما بعد زواج أم حبيبة من النبي من السابعة للهجرة جرى نقل الحادثة برواية زينب إلى( المتلقى )الجديد الثاني (أم حبيبة) وهكذا وللأهمية البالغة جداً أن المفردة المحورية التي يترتب عليها كثيراً من المسائل الفقهية التي وردت في الحديث الشريف هي كلمة (الخبيث) وهذه الكلمة وردت في الآيات. الخمس التي ذكرناها كلاً في جملتها وكلاً في فقهما وكلاً في تمايز جنس الخبيث الذي فصلناه عن بعضه، وكل كلمة وردت مرة واحدة في الصورة وبتعريفها بالألف واللام بما يتسق مع جنسها في التوجيه الالهي فالمرات الخمس جاءت بالأيات الخمس وبالسور الخمس البقرة- آل عمران – النساء – المائدة – الانفال بالتسلسل ولم ترد بمثل لفظها ورسمها ومعناها في أي سورة من سور القرآن العظيم ان كان تكراراً أو تشديداً أو تذكيراً أبداً.
وهذه السور كما يعلم الجميع أنها مدنية وقد شملت التشريع كله الحلال والحرام والحدود والصغائر والكبائر وتنظيم المجتمع والأمر وتشريع المال بجملته كسباً وإرثاً وصدقة وزكاة ورباً إلى اخره والذي نرمى إليه أن كل الناس في المدينة قد عرف وتفقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذا التشريع تفسيراً وتطبيقاً وعبادة وتعاملاً وهكذا ولكن:
برز في مسار الدعوة ما قد يعطينا رافداً قوياً أو دافعاً أو سبباً وجيهاً مكملاً لقول الرسول في رؤيته فتح الردم وهو أنه صلى الله عليه وسلم بعد ما فرع من معركة (الأحزاب) وما استبشر فيها بفتح بلاد فارس والروم فإن نظره ونفسه الشريفة لم تكن ملتفة إلا لقريته التي أخرجته عنوة وفيها بيت الله الحرام فدين الله مكتمل بجوانبه الكبيرة والصغيرة قولاً وعملاً وهو دين السماء ودين الأرض فالعبادات والشعائر لا تكتمل ولا تصح إلا بزمانها ومكانها والبيت الحرام جزء لا يتجزأ من دين الله العظيم وها قد من الله على رسوله والمؤمنين أسباب القوة والمنعة وبسطت له كثيراً من قبائل العرب طاعة واسلاماً وهنا تزامن ذلك الشوق والتوق إلى البيت العتيق برؤى الدخول إليه وكانت (عمرة) (الحديبية) في السنة السادسة للهجرة الشريفة وكان ما كان من صلح ومن اتفاق مهد الطريق إلى فتح مكة الفتح العظيم الذي تكلمنا عنه (والعرب) كل العرب حول المدينة ومكة لا زالوا عصبة قوية متماسكة بدين الله حول نبي الهدى والرحمة ولكن:
وإلى هنا كنا نستعرض بحديثنا ثلاث نبوءات متتاليات لم ترتبط بعضها ببعض إلا في الرؤية أو النبوءة الوسطى بقوله صلى الله عليه وسلم (ويل للعرب).
فالرؤيا الأولى كانت في الخندق (فتح بلاد فارس وفتح الروم).
والرؤيا الثانية والوسطى (فتح ردم يأجوج ومأجوج).
والرؤيا الثالثة (عمرة الحديبية) و (فتح مكة).
وإذا أردنا أن نعيد ترتيب تزامن الرؤى الثلاث من حيث وقوعها المستقبلي حيث هي نبوءات ستتحقق بمشيئة الله تعالى كما أخبرنا عنها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم فإنها ستكون كالتالي:
1- فتح مكة.
2- فتح بلاد فارس والروم.
3- ويل للعرب من شر قد اقترب (فتح الردم).
ونقول لمن يعلم ولمن لا يعلم أن رؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق كما يصفها بحرفتيها وبهيئتها وبزمانها وبمكانها لا شبهة فيها ولا ظن وها قد دال الزمان والمكان على أكثرها ولله الحمد ولكن:
نريد هنا أن نستمر بحديثنا للتدليل شيئاً فشيئاً على الفكرة التي نحثبصددها فالعصبة لا زالت كما هي صافية العلم والدين حول معلمها وقد كبر حجمها وزاد تلاحمها وعظمت قوتها وقد فتحت واستعادت بيت الله الحرام فأضيف عليها ما قد استبشر به بني الهدى والرحمة ولا زالت بقلب جزيرتها (جزيرة العرب ) وما غزوة تبوك بالثلاثين ألف خير دليل على ما وصلت إلية هذه العصبة من دين وعمل وإمرة في لواء رسول الله ولكن:
وحينما نزلت آخر آية من كتاب الله ( اليوم أكملت لكم دينكم ) لم تطول الأيام بعدها حتى أقترن زمانها بوداع الحبيب أحبائه وفارق قومه وعصبته إلى الرفيق الأعلى وما كان أن يتركها ويرحل وهي في حيرة من أمرها تتخبط في حزنها على فراقة وشاءت القدرة الإلهية أن يربط هذه العصبة بما كان قد نبأهم به ألا وهو جيش ( أسامة ) وذلك لتحقيق البشرى بمنازعة كسرى وبني الأصفر عروشهم الظالمة. وهذا هو الشر والخير معاً ولله الأمر من قبل ومن بعد قال تعالى في سورة الجمعة الآية ( 2 ) } هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين {.
في هذه الآية الكريمة تفصيل من المولى عز وجل لأركان بعثة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم زماناً ومكاناً، فما أحب إلى الله من أن يمنن على رسوله باسم ( النبي الأمي ) وذلك لارتباطه الوثيق بقومه الذين نحن بصدد الحديث عنهم وهم ( الأميين ) وكما وصفهم رب السموات والأرض وأطلق عليهم بهذا الاسم فإن النبي الأمي جاء إليهم برسالته الاسلام لينقلهم من ( الأميه ) إلى ( العلم ) كما أرتقى به ربه من الأمية إلى ( العلم ) حينما بدأ به الوحي بكلمة ( أقرأ ).
وأما هؤلاء القوم فقالت عنهم الآية أنهم:
- وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
وقد وصفتهم آية أخرى  من سورة فصلت قال تعالى الآية ( 5 ):
}  وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إلية وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب {.
فما الذي علمة النبي ( الأمي ) لقومه ( الأميين ) كما جاء في الآية السابقة:
1- يتلوا عليهم آيات القرآن العظيم: ( النبأ والتاريخ الاول والآخر ).
2- ويزكيهم ( يطهرهم من الخبث ) بكل أنواعه وأجناسه.
3- ويعلمهم الكتاب: ينقلهم من الأميه إلى القراءة والكتابة ليدبروا آياته.
4- ويعلمهم الحكمة: الفقه والتفسير والحديث وتنظيم حياتهم من جميع جوانبها.
وبعد: فقد تركهم رسول الله كما قال على ( المحجة البيضاء ) وهم لا زالوا عصبة وليبدأو ويباشروا من بعده كما أسلفنا بحمل هذه المحجة البيضاء وليعرضوها ويدعون بها غيرهم من الأقوام والأمم الأخرى غير العرب، وقد وضع لهم وأشار إلى بداية هذا الطريق بتهيئة وتكوين ( جيش أسامة ) عمود رحمة ارتفع شامخاً من بعده دعمته ورسخته هذه العصبة الأمية.
ولكن: لم يترك ذلك بدون أن يضع لهم المحاذير من خطورة الدعوة فالمحجة البيضاء سوف لن يكون طريق دعوتها ابيضاً كذلك فالمخاوف جمّة وكثيرة وكما انبأهم بذلك الشر الذي اقترب منهم قال لهم ايضاً ( سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ) قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال ( أدو إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم ).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيم بأصحابه ولم يقف عند أي ركن من أركان حياتهم إلا وأقام لهم ( عمود رحمة ) فيه فمثل ما كان يبشرهم فإنه بالوقت ذاته كان ينذرهم وأيما كان الأمر بالمعروف كان عملاً صالحاً وكان عمود رحمة يظل قائماً ما دامت السموات والأرض وإن كثر الخبيث بينهم من  خبيث الأخلاق والنفس أو المال أو العمل  فإن نذر الهلاك تأتي من كل حدب تطرق الأبواب هذا والله أعلم. 
( ذكر رحمت ربك عبده زكريا ) سورة مريم – (2).
ويقول الله عز وجل مخبراً حبيبه نبي الرحمة بأن أخاه النبي زكريا هو رحمة الله في الأرض بذلك الزمان فكيف كان ذلك؟
الشبه والمثل في الخبر والأثر.
1- قال الله تعالى في سورة مريم الآية (48) قول ابراهيم الخليل:
( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى إلا أكون بدعاء ربي شقياً ).
( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب وكلأ جعلنا نبيا ).
(ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا ).
2- وقال تعالى في سورة البقرة الآية (132).
( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنية ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم وإسماعيل وأسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون ).
3- وقال تعالى في سورة محمد الآية (13).
( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ).
ولنبدأ بالمثل الأول ابراهيم الخليل: في اقامة عمود الرحمة في الأرض:
وحياة الخليل ودعوته كلها كانت رحمه ولكن ركن العمود القوي كان أولاً مع القوم الكافرين وخاصة منهم أباه الذي وقف منه موقف الصاد المحارب لدعوته:
وكانت تفاصيل بنائها كالتالي:
1- حرقوه بالنار: وهي طريقة تعتبر أشد تنكيلاً وعذاباً وموغلة في القتل.
2- هدده أبوه ومن معه بالرجم: وهو كذلك تعبيراً للصد العنيف والكره الشديد.
وسيلة خليل الرحمن للدفاع عن نفسه:
وكأن ربه الرحمن يقول له كما قال لحبيبه المصطفى بعد دهور من الزمن:
( لست عليهم بمسيطر ) ( فسيكفيكهم الله ).
وقال له ايضاً قل ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ).
وماذا ايضاً قال: قل ( وأدعوا ربي عسى إلا أكون بدعاء ربي شقياً ).
فماذا كان دعاء خليل الرحمن ؟: لم يكن دعاؤه على من ظلمه عامة وإنما دعا لنفسه بالنصرة، نصرة دعوته ونبوته وكيف كان ذلك:
دعى الخليل أن يرزقه ذرية طيبة تؤمن بدعوته وتكون فيها الإمامة  للناس جمعياً ! وما أعظم وما أقوى شيئ من هذا الموقف العمود القوي الراسخ الذي تجذر بأعماق الأرض ومن عليها وأرتفع به إلى أعالي السماء، وهاهم أبناء ذريته ينبت منهم نبياً تلو نبي إلى ان ختم الله بهم حبيبه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
والمثل الثاني:
هو حياة النبي يعقوب وأبنائه الذين سماهم رب العزة ببني اسرائيل وهو الاسم الذي اختاره جل جلاله لنبيه يعقوب، وقد عجت الحياة منذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا بأختيار بني اسرائيل وملوكهم وأنبيائهم ولكن القصة والموقف والدعاء كانت مقصودة بتلك الساعة التي حضر فيها الموت نبي الله يعقوب عليه السلام وأبنائه جميعاً حولة بما فيهم نبي الله الصديق يوسف عليه السلام ومع علمه بما علمه الله ومع ما كان يعانية من ابنائه وقصتهم المشهورة مع أخيهم يوسف فقد آثر أن يقف الموقف الذي يجب أن يقفه بإقامة عمود الرحمة وليشهد الله ربه عليه أولاً وثانياً أبنه النبي يوسف وثالثاً بقية أبنائة وهم المقصودين بهذه الوصية العظيمة:
ما تعبدون من بعدي ؟ إذا أشتمل هذا السؤال على عقدين اثنين:
1- العقد الأول: غياب الحاكم الدنيوي ( الأب ).
2- العقد الثاني: غياب الحاكم والمرجع الديني ( النبي ).
وما كان النبي يعقوب ليسأل عن هذين العقدين إلا لمعرفته التامة بأبنائه وما صنعوا به وبأخيهم يوسف ولذا كان حريصاً على أخذ الموثق منهم ( وكم مرة أخذ منهم هذا الموثق  ) ولكن كما قلنا إن شهادة الموت تلازم صاحبها إلى يوم لقاد الشاهد الأوحد يوم السؤال ( ماذا أجبتم ).
فهذين العقدين لا يمكن أن يدوم أحدهمها بدون الآخر ولا يمكن أن يغيبا عن وجه الأرض سوية ولا يمكن للعدل أن يسود باختلال وجودهما أو بطغيان أحدهما على الآخر.
والنبي يعقوب عليه السلام كان يجمع في حياته هذين العقدين بالرغم من أنه كان يعيش إلى جانب ولده النبي يوسف الذي كان ( عزيز مصر ونبياً ) وكذلك كان مصاحباً ( ملك مصر مع وجود يوسف نبياً ) إلا أن يعقوب عليه السلام كان يحمل رسالة خاصة إلى بنيه من بعده ومن بعد ولده يوسف عليه السلام وكان هذا فضل الله على بني يعقوب ومن هنا كانت وصيته تمثل عمود رحمة عموداً قوياَ شامخاً لا يتصدع إلا بتصدع أحد العقدين أو الأثنين معاً.
فالوصية تصبح نافذة بغياب الموصي وبحضور الموصى لهم وبهم:
1- غياب الأب: يعني:
2- بقاء الأبناء من بعده وهم قسمين كما نصت الوصية على الحضور:
1- أخوة بين ذكور وأناث ( أخوة يوسف ) ( بني اسرائيل ).
2- من بينهم اخاً نبياً وحاكماً ( يوسف ).
يتبع إن شاء الله...


أعمدة الرحمة في سورة الكهف 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 27239
العمر : 67

أعمدة الرحمة في سورة الكهف Empty
مُساهمةموضوع: رد: أعمدة الرحمة في سورة الكهف   أعمدة الرحمة في سورة الكهف Emptyالثلاثاء 07 يناير 2014, 12:22 am

حيثيات أو تفصيلات الوصية:
1- في الأمور الدنيوية الحياتية: يأتون موثقاً بأن يكونوا عصبة واحدة لا يفرق بينهم أحد وأن يكونوا رعية واحدة تحت ظل حاكم ( أو ملك ) منهم ( من سبط أحد الأخوة ) ينظمهم ويوحد صفوفهم لتستقيم حياتهم.
2- أن يعبدوا الله وحده وأن يقوموا بتصريف شؤون حياتهم وارتباط بعضهم ببعض بتطبيق شريعة دين أبوهم ( يعقوب ) وآبائهم اسحق واسماعيل وإبراهيم وإذا خلا النبي من حياتهم ( وقت الوصية ) فإن الله عز وجل أختصهم ببعث نبي من احدا اسباطهم ليقوم عليهم بالدين فيما بعد.
وهذه الوصية أصبحت سنة الله في هذا الكون إذ لا يمكن أن تخلوا جماعة أو قوم أو أمة مهما صغر أو كبروا إلا وأن يقوم عليهم أميراً أو حاكماً وديناً يشد من أزر الجماعة ويكون لهم طريقاً إلى الله حتى ولو غاب النبي فإن العلماء ورثة الأنبياء والرجال الصالحون مكملونهم وهكذا يكتمل ويتعاض العقدان ولا ينفرطان ابداً وبوجودهما معاً يرتفع ويقام عمود رحمة وبدونهما أو أحدهما يغيب العدل ويكثر الخبيث.
المثل الثاني:
أعمدة الرحمة في سورة الكهف Pg177
أنزل الله تعالى في القرآن العظيم آيات عظيمات تعتبر نهجاً جديداً قوياً في مواجهة من يكفر بالله ورسوله وردعاً لمن يعتدي ويصد عن دين الله وأول هذه الأيآت جاءت في سورة الأنفال قال تعالى من الأثر (5):
} كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون {.
وحتى الآية (13)  } ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب {.
والآية (34) } وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون {.
والعذاب الذي ذكرته الآية هو المحور وهو المداد الذي التفت حولة الدعوة العامة لرسل الله جميعاً وكما عرفنا ماسبق في قضة ذي القرنين كيف كان الأمر الآلهي بعذاب من يصد عن دعوة ذي القرنين إلى عباده الله كان ذلك مبشراً بعهد جديد للناس كافة على وجه الأرض إذ كان الرجز والعذب ينزل من السماء على القرية بما فيها من بشر وحجر وشر وقد توضحت تلك الأحداث في دراستنا هذه بدلائلها واليوم تنزل آيات الله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بنهجها الرباني المغاير لما سبق كما ذكرنا وها نحن نتابع ذكر هذه الآيات التي تحث ( النبي الأمي ) على قتال المشركين والكفار عامة ومن صد عن دعوة دين الله في الأرض كافة وقد تركزت هذه الدعوة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم على قريته التي أخرجته وكانت من الشدة بحث بحيث قورنت شدة قسوتها على محمد تباعة والدعوة عامة كقوة وشدة قسوتها تلك القرى التي أهلكت وأنزل عليها البأس كما في الآية التي ذكرناها باستهلالنا لهذه القصة من المثل الثالث نذكرها ثانية للفائدة العظيمة التي نريد أن نوضحها بفكرتنا في هذا الكتاب:
قال تعالى في سورة محمد الآية ( 13 ) (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ).
لكن هذه القرية ليست ككل القرى إذ يكون فيها أول بيت وضع للناس لعبادة الله وسمي باسمة جل في علاه ( بيت الله الحرام ) ومن أجل هذا البيت المحرم نزلت الآيات الكريمات توجيهاتها الالهية بتطهير البيت ومن حولة والقرية كلها من الرجس والمشركين وهي كالتالي:
قال تعالى  في سورة التوبة الآية (27) (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا... ).
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين(14) الآية (29) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق...).
الآية (73) (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ).
الآية (123) ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله  مع المتقين ).
وهكذا كان الأمر في بدايته عندما نزل على ذي القرنين بالاختيار كيفما وجده في واقع حال الناس بكفرهم سواء كان شديداً قاسياً أم بدرجة ضعيفة بقوله تعالى ( إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ).
وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته للإسلام فإن الأمر من حيث نهجة أصبح سنة وركناً من أركان الدين فنزل أمر الله قاطعاً حاسماً وليس فيه خيار.
( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار...):
1- الأمر في حياة النبي جهاد.
2- الأمر في حياة النبي ومن بعده الذين آمنوا جهاد وقتال.. ( ركن وسنة ).
ولماذا وكيف ؟ وأين ذلك كله من الرحمة
قال تعالى في سورة البقرة الآية (193)  (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ).
- والفتنة تعني في هذه الآية الشرك وإن الشرك لظلم عظيم.
- وقتال المشركين لما فيه من قتل الرجال وإزهاق الأرواح.
فإن الله عز وجل يقول ( والفتنة أشد من القتل.. ) ( 191 ) البقرة.
أي أن بقاء الشرك أي الفتنة ظاهره هي أكبر عند الله من القتل ذاته ومن هذا الأمر نرجع إلى المعنى العظيم الذي أمر به رب العزة ورسوله ومن بعده المؤمنين أن يقاتلوا المشركين أينما وجدوا ويتخنوا فيهم القتل وإن خمدت الفتنة وأختفت فإن الدين دين الله يظهر ويعلو شأنه على الأرض ويكون رحمة للناس وأمنًا.
وكذلك فيما إذا عم العهد والأتفاق بين المشركين وأمة المؤمنين فلا نقص لهذا العهد إلاّ إذا نقض أهل الشرك عهدهم وليس هناك مولاة للمشرك أبداً فقد جاء في تفسير إبن كثير للآية (73) من الأنفال قال تعالى: { والذين كفروا بعضهم ؟أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير }.
أي أن لم تجانبو المشركين وتوالوا المؤمنين وإلاّ وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر و؟أختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساداً منتشر عريض طويل.
وحال عبدالله ونبيه زكريا وقد وجد نفسه في وسطهذا الفساد الهائج الطاغي على حياة الناس كلها ولم يعد يجد من أحد يقاوم هذا الطغيان غير نفسه المباركة الطاهرة وهي ضعيفة وحيدة وقد بلغ من الكبر غتياً وقد وهن منه العظم وليس هذا فحسب فإنما يناجي من لامعين سواه:
قال تعالى في سورة مريم الآية (5) { وإني خفت الموالي من ورائي وكانت أمرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً }.
{ يرثني ويرث من آل يعقوب وأجعلة رب رضياً }.
كان النبي زكريا عليه السلام كبيراً في بني اسرائيل ووجوده كان أمناً لهم ورحمة من فساد البقية الباقية منهم ولم يعد منهم إلاّ بعض البيوت المؤمنة الصابرة المحتسبة والقليل من كهنة معابدهم والذين لا يستطيعون فعل شيء إلاّ الموالاة للقوة الغازية الغاشمة لإمبراطورية قيصر الروم لبلاد المشرق من أرض الشام والمقدس من فلسطين.
وما كان لنبي الله المجيب إليه إلا أن يلجا إليه بدعائه وهو قائم في المحراب يصلي وكله أمل به جل في علاه أن يفرج هذه الكربة العظيمة وتنزاح غيمة الفساد والكفر ويعود الناس إلى دين الله ولما كان اليقين شديداً بقولة تعالى، إلا أن يقيناً آخراً كان يقض مضجع مقامه ومحرابه ألا وهو ( العبد البشر ) فقد تجاوز سن الانجاب هو وزوجه التي اصبحت عاقراً أو هي كذلك منذ أن تزوجها فلم تنجب له ذرية فكان عليه السلام يعيش هذه الحالة منذ بداية عمره وقد زادت حدتها عندما وصل به الحال وقومه والناس من شده الفساد والظلم ولم يأتيه البشير بأي علم أو نبأ يخص تلك الحالة وقد زاد شوقه وخوفه كثيراً عندما رأى من ( مريم ) ابنة أخته مالا يراه في أي من سبط بني اسرائيل من الاحبار والكهنة ولا من ذرياتهم فكان حنوناً عليها يحيطها ويكلؤها برعايته فكانت عابدة محتسبة.
قال تعالى في سورة آل عمران الآية (37): (( فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب )).
(( هنالك دعا زكريا ربهُ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء )).
اذاً كانت نفس النبي زكريا خائفة وفي قرارتها أمران لهما من الأهمية البالغة التي أجبرته أن يدعو الله عز وجل ولذلك قال عليه السلام: قال تعالى في سورة مريم الآية:(4) (....... ولم أكن بدعائك رب شقيا ).
وهذان الأمران هما:
- الأمر الأول: خوفه من ذهاب لدين الله وطغيان الكفر والفساد بين الناس.
- الأمر الثاني: علمه كنبي الى بني اسرائيل أن النبوة ستنقطع بموته ولم يجب وقد بلغ من العجز والعقور في زوجه.
فوراثة النبوة كانت في بني اسرائيل في سبط واحد والملوك وحكامهم من سبط ثان غيره كما تبين لنا ذلك عندما كنا نتكلم عن يعقوب عليه السلام وبنيه تذكر الآية (27) من سورة العنكبوت  ومن هنا كان حبه وشغفه وخوفه بأن واحد عليه السلام بألاّ تنقطع الرسالة من السماء وألا يفسد الناس على وجه الأرض وبالتالي خوفه الشديد من عدم ظهور الدين وعلوّه، فكان وصف ربه الرحمن الرحيم له كما قال عنه في مستهل سورة مريم (( ذكر رحمت ربك عبده زكريا )).
أي عندما نقرأ القرآن ونتلوا ذكر حياة النبي زكريا نعلم علم اليقين بأن هذا النبي هو رحمة الله على الأرض بذلك  الزمان وكل من يستن بسنته ويختط بخطاه: اظهار لدين الله ومحاربة الفساد فهو بهذا العمل الصالح يقيم عمود رحمة عظيمة.
وتعقيب منا على ذكر حياة ( رحمة الله ) النبي زكريا ومع دعائه فقد من الله عليه بغلام حنون، باراً بوالديه تقيا وأتاه الله الحكم والنبوة صبياً استجابة له قال تعالى الآية (7) (( يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا )).
وقد أكمل النبي يحيى رسالة آبائه ولكن قوة الفتن كانت كبيرة جداً حيث انتهت حياة كلاً من النبي زكريا وولده النبي يحيى بالقتل على أيدي ابناء جلدتهما وقومها وكانوا بغطاء وبدعم كامل من القوة العسكرية الطاغية حكام اورشليم المستعمرين الوثنيين.
وبالتزامن من ذلك كان علم الله وقدره المقدر فوق كل ذلك وكانت رحمة الله أكبر وأوسع وهو الذي خلق العباد كلهم من أول الزمان ليكونوا تحت طاعته ومع مديح رب العزة لنبية زكريا والإطراء الذي انزله به والتكريم الذي منحه اياه فقد كانت رحمه الله تجري ( برحم اخر ) من بني اسرائيل وكانت مشيئة الله في غاية اكبر من ان يستطيع الفساد وقوته المتمثلة بفساد بني اسرائيل واحبارهم وعسكرية الروم من ورائهم وقد سبق دعاء النبي زكريا دعاءً لما خلق الله في رحم (امرأة عمران).
قال تعالى في سورة آل عمران الآية (35) { اذ قالت أمرأه عمران رب أني نذرت لك مافي بطني محرراً فتقبل مني أنك انت السميع العليم }.
وحينها لم يكن يعلم النبي زكريا عليه السلام هذا النذر الخالص الموحد الذي حررته هذه المرأة النقية المؤمنة الموحدة بما أحتوى رحمها  الطاهر لخالقها البارئ المصور فكان علم الله لا يحيطه علم بهذا المحتوى ولم يخلق بعد وهنا يندر لنا أن نقارب حديثين أو واقعين مع بعضهما التجلي لنا عظمة رحمه الله في خلقه وفي ضرب الأمثال وعلم الانبياء ورحمتهم بالناس وارتباط دعوتهم مع بعضها بعضاً سابقها ولاحقها.
الواقعه الأولى: والتي مرت معنا في حياة النبي موسى عليه السلام والعبد الصالح الذي اتاه الله العلم والرحمة وفي نهاية المطاف كيف اطلع على خبر وتأويل الاحداث التي كان علمها من علم الغيب بأمر وبإذن الله عز وجل وكان رحمة منه كما ذكرناها.
الواقعة الثانية: دعاء النبي زكريا ربة بإنجاب من يرثةبالنبوه وكانت أمراته عاقراً ولم يكن يعلم بأن هناك في ( البيت الأخر ) ( آل عمران ) من كان يدعو وينذر بذات الدعاء ولكن لما قد ( خلق ) ( وتكون ) وبذات الوقت أيضاً لم تكن صاحبة أو حاملة ( الجنين ) تعلم شيء عما تحملة أبداً وفي تعبيرنا نحن نقول إنها ( مفارقة ) في المعنى اللغوي ولكل في المعنى الشرعي لتدبير خلق الله وعلمة الذي لا يحيطة علم نقول وبالله التوفيق ان لو بعث عبداً صالحاً ( يعلم ويخبر ) كلاً من النبي زكرياً وأمرأة عمران عما يخزنة الغيب من خبر فماذا يكون تدبيرهما وكيف سيصبح حالهما ؟ وماذا سيكون تأثير ذلك بدعاء ونذر كل منهما وحال بني اسرائيل عامة من حولهما وحال أحبار اليهود وكانهم ومن ورائهم الغزاة الطغات الروم؟
وكل تلك الاحداث كانت تجري والفساد يكبر ويستشري بين الناس والدين أصبح ( عباءة ) من اجل تمكين من لادين لهم في التسلط على حياة العامة لاستبعادهم وسلبهم اموالهم وارزاقهم وتفريق جمعهم ولهذا انتهت الفتن الى ذروة جبروتها بقتل النبي زكريا عليه السلام ومن بعده أبنه يحيى ظلماً وشركاً بالله جل شأنه ولكن لم يهدم عمود الرحمة الذي أقامة النبي زكريا بدعائة الشجي لا بمقتله ولا بمقتل ولدة النبي يحيى وإنما ظل قائماً شامخاً بولادة ( عيسى أبن مريم عليه السلام ) وبعثه صبياً إلى بني اسرائيل يبشرهم وينذرهم بزوال الطاغوت الفساد المتمثل بإمبراطورية الروم والفرس معاً وذلك ببعث رسول الرحمة والانسانية جميعا من بعد اسمه ( أحمد ).
{ واتل عليهم نبأ أبني آدم بالحق } المائدة ( 27 ).
وفي مستهل الحديث عن هذا النبأ الحق الذي أمر رب العباد نبيه الهادي الأمين أن يتلوه على قومه الأميين ومن كان معهم من أهل الكتاب ومن حولهم من الأقوام يفيدنا أن نسأل أنفسنا وكذلك نسأل من يقرأ هذا الحديث معنا السؤال المهم التالي:
ما علاقة أو ما الرابط بين: نبأ أبني آدم والنبأ الذي أخبرنا به الحبيب المصطفى عن فتح ردم ياجوجوماجوج وللجواب عن هذا السؤال وجب علينا أن نرجع كل نبأ إلى مصدرة ونضعه في سياق معانية القرآنية ومعانية في السنة النوبية الشريفه ثم نرى أهمية ذلك في دعم حديثنا عن الرحمة التي تشكل الموضوع الاساسي في كتابنا هذا والله الموفق
أعمدة الرحمة في سورة الكهف 1
أولاً: قال تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لا قتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين } المائدة (27).
والآية الكريمة تعطينا دلائل رئيسية تمثل جسوراً بين صفتين وهي:
الدلالة الأولى:
وجود عنصرين متضادين من جنس واحد وتعني بهما الآية ( البشر ) أو ( عباد الله ).
الدلالة الثانية:
وجود تنافس في الدعوة والاستجابة ( الأعمال ).
الدلالة الثالثة:
وجود حساب ونتائج ( قبول او لا قبول ) في الحياة ( تعاليم شريعتهم ).
الدلالة الرابعة:
بناء عمود الرحمة
وبداية نعلق نحن بقولنا بأنه ولطالما كان هذا ( النبأ ) مكتمل البناء تماماً من حيث وقائعة في الحياة الدنيا وبفترة زمانية ومكانية واحدة فإننا نقول أن هذا النبأ مكتمل الاركان وهو ( حق يقين ولا ريب فيه ) وكأننا في حالنا في سورة الكهف الآية ( 13) وهي تقص نبأ الفتية بقول الله عز وجل { نحن نقص عليك نبأهم بالحق..}.
والنبأ الذي يتلوة المصطفى عليه الصلاة والسلم جاء بالكتاب الذي لا ريب فيه على الذين يؤمنون بالغيب، والإيمان بالغيب هو ذات الإيمان الذي دفع بالذي تقبل منه القربان أن يؤمن منذ البداية بما يؤمر فيتبعة خطوة بخطوة منيباً إلى الله بكل جوارحه لا يستهزئ ولا يضيع وقتاً لحطام الدنيا فكان جاداً صادقاً مخلصاً ولذا عندما طلب منه تقديم (قرباناً) امتحاناً لايمانه قدمه من طيب نفس زاكية غير عابئ لثمنه أو حجمه أو وزنه وغير مكترث إن كان قليلا ام كثيراً وسواء كان ذلك هو جل ما كان يملك أو كان رأس ماله كله وهكذا كان وفي مقابلة ذلك القربان الذي عفت عنه النار فلن تتقبله حيث كان ( خبيثاً ) غير زاكي إلا ما هو دنئ ورخيص ومريض وضعيف وكان يفعل كل ذلك في غفلة من أمره ويحسب أن لن يره أحد وعندما فؤجئ بنتيجة أعماله ودرجة ايمانه وافلاس حاله عند ربه سعى الى ترجيح كفة ميزان دنياه الفانيه لصالحه فاستعمل قوة الشيطان ولبس تاج الجبروت بقتل نفس مؤمنه عن سابق اصرار وعمد.
ونخلص الى القول هنا الاتي:
- الرفض البائن للقربان جاء ملخصاً بالآية (27 ) ((... إنما يتقبل الله من المتقين )).
والمعيار الذي فصل بين الفريقين هو:
1- القربان الطيب – صاحبه من المتقين.
2- القربان الخبيث – صاحبه أثخن في الفساد فأضاف إلى صدقته الخبيثة القتل العمد فأصبح من اصحاب النار.
قال تعالى في سورة المائدة الآية (32).
(( من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعا....)).
ولماذا ضرب الله مثلا في بني آدم ليكونا عبره لبني اسرائيل وخص بالذكر لهم القتل والفساد في الارض؟
فوجه التماثل والتشابه في ضرب المثل بين ( ابني آدم ) و(بني اسرائيل) كان صارخاً بائناً:
1- الرعاية الالهيه مباشرة وعاجله غير اجله.
2- صلة القربى والنسب تكون محصورة غير مختلطه ( أبناء ).
3- العقوبة والحساب يجري كل منهما بين أظهرهم وعلى مرأى من أعينهم وسمعهم.
4- شريعة كل منهما تنزل بمقتضى الحكمة الالهية لحياة وتنظيم حالهم وأصولهم الخاصة الآتية والمتبدلة والنسخ مستمراً بتبدل قوة ايمانهم.
5- وجود الخاصة منهم كان وجوداً في الزمان والمكان ذاته معاً.
الشق الاول ( القتل ) من المثل:
- من قتل نفس بغير نفس أو فساد في الارض.
(( فكأنما قتل الناس جميعا)).
- ففي مثل ابني آدم قتل اخ لأخيه ويمثل ذلك قطع فرع رئيسي قبل نشوء الذرية وقد تبين ان الذي قتل هو ( المؤمن المتقي ) وبقي الفرع الفاسد الكافر ومنه نشأت الذرية التي تلقت كل الوان الفساد من الاب الفاسد كذلك.
- وفي مثل بني اسرائيل فهم من ذرية يعقوب عليه السلام ( اخوه يوسف ) أو الاسباط الاثني عشر فكلهم اخوه وابناء عمومة واحفاد لاب وجد واحد فالقتل واي قتل  يعني قتل وقطع فرع من الذرية والقتل العمد بغير نفس يكون منشأهالغيره والحسد والتعدي والاستيلاء على الملك والمال من نساء وولد ولن يكون بأي حال من الاحوال خطأ ابداً فالقتل الخطأ يحدث دائماً في الاختلاط مع الاقوام الاخرى وكان هذا نادراً في مثل بني اسرائيل وقد ضرب الله مثلاً حادثه ذبح البقرة في سورة البقرة من أجل كشف شخص ( القاتل ) العمد وفي حضور النبي موسى عليه السلام وبين ابناء الفروع الاقرباء من بني اسرائيل.
ولو انتشر القتل العمد من دون أن يكشف القاتل ويحاسب من فوره لانتشر المفسدين انتشاراً واسعاً في الذرية وفي ذات الوقت يقل وينكمش عدد المؤمنين ودورهم من أجل ذلك كان الامر الالهي ينزل من فوره إلى النبي يأمره بتتبع آثار القاتل وكشفه ومحاسبته ولا ننسى هنا ذكر شيوع قتل الانبياء كذلك من بني اسرائيل من قتل ابناء اقوامهم فقد لجأوا إلى قتل ( قطع الفرع الرئيسي) لظنهم أن الله لن يبعث من بعده رسولا ويظل الفساد منتشراً فيما بينهم وتظل بحوزتهم مقدرات الذرية من ارض ومال وإرث ونساء وولد.
الشق الثاني (الحياه ) من المثل:
- (( ومن احياها فكأنما احياء الناس جميعا....)).
والعبرة المقصوده في ضرب المثل الالهي في هذا الشق من الاية الكريمة حيث يبدأ نطاق دعوتها كما رأينا في دائرة الذرية ثم يتسع إلى أن يشمل الاقوام عامة أي كما في تتمة تتبع الايات التي تليها في نفس سورة المائدة بدأ توجيه ضرب المثل من ابني ادم ثم انتقل إلى بني اسرائيل ومن ثم انتقل تشريع معنى الحياة بتطبيق حدود القصاص إلى الناس عامة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن أجل فهم هذا التتابع نرجع إلى ذكر معنى الموت ومعنى الحياه كما كان قصد ضرب المثل في التشريع قال  تعالى في سورة الانفال الآية (24): (( يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إلية تحشرون )).
وقال تعالى في سورة الانعام الاية (122) (( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثلة في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون )).
وقال تعالى في سورة فاطر الآية (32) (( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير )).
وقال تعال في سورة فاطر الاية: (19-20) (( وما يستوي الاعمى والبصير )) (( ولا الظلمات ولا النور )).
اولاً:
في الاية ( 24 ) الخطاب المباشر في دعوة الذين آمنوا بأن يأخذوا كل الشريعه وأركانها التي جاءت مفصلة في الكتاب وزاد في شرحها وتبيان مسائلها ودقائقها الرسول المكلف بذلك ويزيد الله عز وجل في النداء بوضوح جلي أن ما يدعوا إلية الرسول في هذه الشريعه هو الذي يجعلكم أحياء تعيشون الحياة التي يرضاها لكم رب العزة وأن لا حياة بدون الآخذ الكامل لهذه الشريعه وجاء التحذير الشدير بالإسراع للأخذ ذلك لان الايمان في القلب يقلبة الله بين الليل والنهار
وفي الاية ( 122 ) يصف المولى عز وجل من يؤمن ويأخذ بالهدايه من الكتاب والرسول كمن كان ميتاً وان كان يعيش ويدب على وجه الارض فهو يمشي ويرى ويتكلم ويأكل ويشرب ولكنه بحكم المبيت تماما ليس منه نفع ولا ضر مستحكم في الظلامة يتخططه وما هو بخارج منه ثم دخل الايمان قلبه فعادت إليه الحياة بكل حقائقها ومعانيها فانقشع عنه الظلام وأصبح منتظماً مستقيماً في كل اتجاهات حياته اليومية والمعاشية.
والاية (19-20): يقارن رب العزة بين ما هو أعمى لا يبصر ما حولة وبين ماهو بصير يرى كل شيء ذاك يعيش بظلام دامس وهذا بنور ساطع ذاك كافر لا يؤمن بالله ولا برسوله وهذا مؤمن بشريعة الله كتاباً وسنة وحكمة فهما لا يستويان أبداً مثلا ذاك يلزمة من يعينة في كل شيء من حياته وهذا منطلق لا يعيقة عائق يعتمد على نفسه وذاته بما؟ أعطاه اياه ربه وفي كل شيء والايه (32):
ان كل ما جاء في الايات الثلاث السابقات ( 24-122)- ( 19-20 ) في مجمل ماجاء بها لا يقتصر ضرب المثل فيهم على أناس بعينهم من أمة أو جيل قوم أو بزمن من الازمان وينتهون بنهاية حياتهم ذلك لان الله يخلق أمماً بعد أمم واقوام بعد أقوام وكل ذلك من أجل ان يعبدوه ولا تقف الحياة ابداً اذ يبعث رسولاً يبلغ ويبشر ويدعو،ومثل ذلك بوراثة الكتاب كذلك وما جاء به ليظل الدين والايمان مستمراً لا انقطاع فيه ابداً وحدد وذلك بأن الذي لا يأخذ بالكتاب بالظالم والمقتصد وهو ظالم لنفسه ولا أحد يظلمة وبالتالي فهو الذي يوتي بالعذاب بما نحسب يراه وأما المؤمن بالكتاب فهو صاحب الخير كل الخير لنفسه وللناس من حوله  وهو السابق بفعل ذلك بمشيئة وفضل الله تعالى.
ثانياً:
وفي المعنى الرمزي والمعنى الحقيقي لكلمة ( موت او حياة وكلمة ( ظالم أو سابق بالخيرات ) وكلمة ( أعمى أو بصير ) وكلمة ( ظلمات أو نور ) وكلمة ( قتل أو سلم بالحياة ).
كل هذه الكلمات استعملت لغة بالتعبير الرمزي وبالتعبير الحقيقيعلى ما يجري في حياة الأنسان العبد الفرد سواء كان منفرداً او كان مجموعة أو كان قوما او كان أمة على من كان ( كافراً أو مؤمن ) ( كافرين أو مؤمنين ).
ويمكن أن نحصر كل هذه التعبيرات الرمزية والحقيقية كالتالي:
الأعمى = الظالم = الميت = الظلمات = لا دين له أو كافر.
وهو في الشرع سواء بسواء لا حرمه عنده لمحرم وكل ما حوله مباح يفعل المحرمات بلا ضابط ولا حد ولا شرع في المأكل والمشرب وباقي المتاع من ( المال والنساء والأولاد والدماء ).
وينسحب هذا الميزان الكوني من الفرد إلى القوم الى الأمة كالتالي: من الفرد الذي لا حرمة عنده إلى الأمة التي تنتهك الأعراض والمال من الفرد الظالم القاتل الى الأمة الظالمة القاتلة من الفرد الذي يحارب الدين وشرع الله الى الأمة التي تحارب دين الله ورسولة وهكذا من الفرد الظالم الذي يعيش في ظلمة الى الأمة الظالمة التي تعيش ظلمة.
ثالثاً:
وكما اشارت اليه الأيات الكريمات كان هذا الميزان محصوراً في الاسرة او القبيلة او القوم الذي يرتبطون بالنسب والقربى ومن ثم نزل هذا الميزان على الاسباط من بني اسرائيل من دون سائر الامم وكان ضرب المثل بهم وفيهم واضحاً بيناً عندما بدأت ذراي الاسباط تتكاثر وتتفرع وفي النهاية أخذت تختلط مع ( الاقوام الأخرى )، ولكن: عندما زالت كل تلك القرون وجاءت بالميزان على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخذ تشريع القصاص وتطبيق الحدود في كل شيء يتفرع ويراعي تفرع أمة محمد من أقوام الدنيا والأمم قاطبة فأصبح ( الوزر ) الواحد لا يحمل إلا نفسه سواء كان ثواباً أم عقاباً وسواء كان الكفر البائن منفرداً ام جماعياً ومن أجل ذلك كان التشريع بالقصاص بالايات التاليات من سورة المائدة من الايات ( 23 ) الى الايات ( 38 ) الى الاية (42) بقول الله تعالى { سماعون للكذب أكاّلون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وأن حكمت بينهم بالقسط أن الله يحب المقسطين }.
وإلى الآية الجامعة الشاملة ( 45) قال تعالى { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الظالمون } وهذا حكم الله وهذه رحمة الله.
فمن لم يحكم يصبح ظالماً لنفسة ظالماً لغيرة ظالماً لأمتة ومن تصدق ( بالعفو ) فقد أقام عمود رحمة له ولغيرة ولأمتة ومن حكم بما أنزل الله فقد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وعمل صالحاً وهذا حياة للناس جميعاً حياة عدل وأمن وأمان ورحمة.


أعمدة الرحمة في سورة الكهف 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
أعمدة الرحمة في سورة الكهف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: القـرآن الكـريم :: اقـرأ سـورة الكـهف-
انتقل الى: