الفصل الثالث والعشرون 477
النيل: حياة نهر
الفصل الثالث والعشرون

تَمَّ النصرُ للإنسان على النيل في أُسوان، وكان لا بدَّ للإنسان من القيام بعملٍ جَلَلٍ حتى ينالَ ذلك، وكلُّ شيء في ذلك الخزان الفريد في بابه فرعونيٌّ علوًّا واستعمالًا وأثرًا، ولو لَقِيَ نابليون عدوًّا طويلًا كالنيل لحكمنا بهزيمته.        

والنيلُ ضحية طبيعته كجميع ذوي السجايا العظيمة، ويَنتفِع خزان أُسوان من ضَعف النهر؛ أي من عدم انتظام أهوج النيلين.

كان أحد الفراعنة قد شاد سدَّ بحيرة مُوريس في القرن التاسعَ عشرَ قبل الميلاد فيلوح أنه كان يَجمَع من الماء بمقدار ما يُجْمَع في أُسوان في أواخر القرن التاسعَ عشرَ بعد الميلاد.        

ويُروَى أن الصين والهند قامتا بأعمال مماثلة في القرون القديمة.        

نَعَم، يزيد ارتفاع عددٍ من الأسداد على ارتفاع سدِّ أسوان، ولكنك إذا عَدَوْت سَدَّ غاتُن للملاحة في قناة بَنَاما لم تَرَ في العالم سدًّا يمسك من الماء ما يُمسِكه هذا السد.        

وللأسداد الرائعة التي أنشأها السوفيِيت غَرَضٌ آخر، ولما يتم إنشاء سد باولدِر في الولايات المتحدة، ويُمسِك أهم أسداد سويسرة ١٤٠ مليون متر مكعب، ويمسك السد الإسباني —الذي هو أعظم أسداد أوروبة بعد أسداد الاتحاد السوفييتي— ١٢٠٠ مليون متر مكعب، ويُمسك سد نوريس —الذي هو أعظم الأسداد بأمريكة— ٣٥٠٠ مليون متر مكعب.        

وأما سدُّ أُسوان فيمسك خمسة مليارات متر مكعب؛ ولذا يُشْعَر بدحره الماءَ حتى وادي حلفا؛ أي على مسافة ٣٦٠ كيلومترًا من المجرى الفوقانيِّ.

وأهداف سد أسوان خاصةٌ خصوصَ أبعاده، ومن الأسداد عددٌ كبير معدٌّ لتوليد الكهربا، أو القوةِ، وتوزيعها، ومن الأسداد عددٌ آخر لتنظيم جريان المياه، وما أُتِي من الأعمال على النيل فلزيادة مِساحة الأراضي الصالحة للزراعة في بلدٍ كان يُفلَح من أراضيه ٣٣ في المائة ثم صار يُفلَح منها ٥٠ في المائة ولحماية ١٥ مليون إنسان ضدَّ مجاعةٍ تؤدي إليها زيادةُ عدد السكان، ويقوم السدُّ بعَمَل فاوست في تَقَمُّص أطراف الصحراء وتحويلِ خمسين ألفَ كيلومترٍ مربع من الأراضي —أي ما يزيد على مساحة سويسرة بأسرها— إلى أطيانٍ خصيبة، ولم يمكن ذلك إلا لأن مصرَ عاطلةٌ من الجيران، ولأن البُقْعَةَ الواقعةَ حول مجرى النهر الفوقانيِّ قبل أسوان قليلةُ السكان، ولأنه يَسهُل تعويض أهل الضِّفَاف.

ومما لا ريب فيه أن الماء يغمُر أرضَ وطنٍ لا تُقدَّر بثمن، يَغمُر معبدَ بِلَاقَ الجميلَ.

وفكرة سدِّ أسوان قديمةٌ إلى الغاية، غير أنه لم يقدَّم اقتراحٌ عمليٌّ لإنشائه في سوى القرن الأخير، وليس صاحبُ هذا الاقتراح محترِفًا، ولكنه العبقري الهاوي بيكر الذي أبصر المستقبلَ فأوصى في سنة ١٨٦٧م، بإقامته قائلًا بصوتٍ عالٍ: «إن الطبيعة أوجدت دِلْتات، ولا تزال تُوجِد، فلِمَ لا يصنع العِلم من الدِّلتات ما يناسب وسائلَه التي يتصرَّف فيها بإقامته أسدادًا؟» وفي ذلك الحين كان يوجد من الأسداد العصرية القليلة ما لا يَجعَل حل المُعضِلة أمرًا سهلًا، وتبدأ التجربة بإنشاء سَدٍّ على مقياس واسع.

ويضع المهندس المؤمن المِقدام ويلْكُوكْس مشروعًا حوالي سنة ١٨٩٠م، فتَرفضُه الحكومة الإنكليزية، ويُوَفَّق ويلكُوكْس وأصحابه لضمِّ رجلٍ هُمَامٍ مثلهم إليهم، وكان السير إرنست كاسِّل جامعًا في شخصه سذاجةَ الإنكليزيِّ وعنادَه وبَصَرَ الساميِّ وحسابَه، فظهر في مصرَ كأنه يوسفُ جديدٌ جاء من الخارج ليُعِين على نشوئِها، وكان هذا الرجل مطَّلِعًا على قوة المال أكثرَ من اطلاعه على قوة العناصر، وكان عارفًا برائحة مَصْفق١ لندن وضوضائه أكثرَ من وَحْشَة شلالات أفريقية وما ينبعث من المناقع، فوُجِدَ ذاتَ يومٍ حاملًا بيده خرائطَ ومشاريعَ أمام دوافع أسوان.

وفيما كان المهندسون يَحسُبون ضَغطَ الماء وسرعةَ الجريان واتساع الكُوَّات كان كاسل يَجمَعُ نفقاتِ الإنشاء مُضِيفًا إليها —عن نباهةٍ— خمسين في المائة احتياطًا، ثم قال: «حَسَنًا، إلى الأمام».

يُسمَع في المكان الذي يَبلُغ النيلُ فيه غايتَه من العرض ضوضاءٌ جديرٌ بعهد الفراعنة، يُسْمَع رجالٌ من شعوب تُمَيَّز ألوانُها تحت شمس قاسية في تلك السماء العاطلة من المطر فتَخرُج من هؤلاء الرجال العراة روائحُ من كلِّ نوع، ويتكلم هؤلاء الرجال بلغاتٍ من كلِّ فرعٍ، ويَعمَل هؤلاء الرجال بدقَّةٍ في إقامة بناءٍ خافٍ عليهم، وذلك وَفْقَ أوامر مَلِكٍ غيرِ منظور مجدِّدٍ مناظرَ بناء الأهرام بعد ثلاثة آلاف سنة.

وهؤلاء هم العمال العراة أنفسهم، وهؤلاء هم العُرَفَاء الأشدَّاء أنفسهم، وهذه هي الحجارة العظيمة نفسها، وهذا هو الغرانيتُ نفسه، والفرقُ هو في أن يُؤَدَّى العبيدُ أجورًا بدلًا من القوت، والفرقُ هو في أن تَحمِل الأثقالَ الكبيرةَ آلاتٌ مُدرِكةٌ بدلًا من أكتاف الرجال، ولا تُطَاع أهواء ملك يرى نفسه إلهًا، ولا يَبنِي العبيد المعاصرون ضريحَ مَنْ هو فانٍ مثلَهم، وإنما يسير رجلٌ واحد في سبيل الملايين من الآدميين، وإنما يَتَمَثَّل الرجلُ عملًا يُحمَل به عنصرٌ مسيطرٌ على أمرٍ مُبتَكَر.

ويَعقُب الأهرامَ القاتمةَ القائمة على ضِفاف النيل منذ ألوف السنين —والتي أراد بها قهرَ الموت أكثرُ من عاهلٍ معتزلٍ مبجَّلٍ— عملٌ مملوءٌ حياةً وعهودًا مُعَدٌّ لاقتطاعِ أراضٍ جديدة من الصحراء وجَعْلِ محاصيل الأطيان القديمة ثلاثةَ أمثالها، ومع ذلك يَبدُو منظر العمل الثاني ذا مظهرٍ فرعونيٍّ في بدء الأمر.

وفي صحراء الحَجَر والماء تلك تُسْمَع ذاتَ صباحٍ حركة مِجْدَاف الزورق الأول الآتي —كما في اليوم الأول من التكوين— ليُحِلَّ النظامَ محلَّ الفوضى، وكان ذلك في فصل الربيع، وكان ذلك عند انخفاض المياه إلى أقصى حَدٍّ، وتُدَوِّي من الزورق هتافاتٌ غريبة، تدوِّي منه الكلمات: «باب الحارون! الباب الكبير! الباب الصغير»

وهذه هي أسماء ثلاثةٍ من مساقط الماء الكبيرة الخمسة المهيمنة على الشلال والمعدودة خَطِرَةً إلى الغاية منذ القديم، ويُحاط بأدناها كما يُحَاط بتمساح، ولكن لا يُقْتَرَب منه والحِرَاب في اليد، وإنما يُؤْتَى بقِطَعٍ ضخمة من الحجارة ويقام أولُ سدٍّ حوله ويُسْتَنْفَد الماء بالمِضَخَّات ويُسْتَنْزَف ويُمْلَط٢ من الرِّحاب٣ ما هو ضروريٌّ ليُوضَع فيه الفيل الأعظم الذي يَرفع بخُرطومه أثقل الحجارة وينقُلها، ويُجلَب هذا الفيل على سفينة، ويُنصَب بعناء على المكان الجافِّ، ويُزحِل الصخورَ التي كان ألوف الناس ينقلونها قيراطًا قيراطًا ليلَ نهارَ، وذلك في عهد الفراعنة الذين كانوا يأمرون الناس بأن ينحتوا في الغرانيت مِسَلَّاتٍ تمجيدًا لهم، ومن المسلات واحدةٌ لا تزال ناقصةً راقدة على الضِّفة الأخرى هنالك، ويدير ذلك العملاقُ الحديديُّ خُرطومَه المَرِن إلى كل جهة، وهو يَرفَعه ويَخفِضه وَفْقَ أوامر مولاه مع صَرِيفٍ وصَرِّ سلاسلَ وبسهولةٍ كالتي يَجتَثُّ مثالُه بها الأشجارَ عند منبع النيل ليأكلَ ثمارَها.        

وتتوارد مئات آلاتِ رفع الأثقال بعد هذه الآلة المعدنية الأولى، وهي تُطِيع فيَّالَها٤ الحاسبَ كما لو كانت جماعةً من أفيالِ مستعمرة سيلان.

ولم يقم حتى الآن غيرُ سدٍّ موقت مصغَّرٍ معدٍّ لعَزْل مسقط ماءٍ واحد، لعزل مسقط باب الحارون، وكان لا بد من عملٍ شهرين حتى يقوم أول ركنٍ مع جدار تسعة أمتار تُنْصَب الخطوط الأولى عليه، وكان يَعمَل هنالك عشرةُ آلافٍ من النوبيين والمصريين يُنْقَلون على زوارقَ سُودٍ ويَحمِلون حجارةً ثقيلةً على ظهورهم الحُدْبِ مع دَرَارِيعَ٥ وجلابيب بِيضٍ طويلةٍ تُزْعجهم في كلِّ خُطوة فيَغْسِلونها بماء النيل مساءً، والنيلُ الذي أتى هؤلاء الرجالُ لمكافحته يُبْدِي من الكَرَم ما يُنْعِم به عليهم ماءً للشرب والطَّهْو والاغتسال والرَّحْض،٦ وصنعِ المِلَاط وسَيْرِ الآلات.

وعلى الضِّفة اليمنى —وفي سواء السعير— يَستَخرج من الجبل بضعةُ آلاف من النوبيين، العائذين أحيانًا بسَقْفٍ من حصير، غرانيتًا سوانيًّا٧ أبيض ورديًّا.        

وبالقرب من هؤلاء تُبصِر طَلَايِنةً أمهرَ منهم يَنحَتُون حجارةً ويُعِدُّونها دعائمَ للجدران، وفي القرون القديمة كانت مدينةُ سُوَانُو قائمةً هنالك، ومن هنالك كانت تُنْقَل حجارةٌ منها لتُصْنع منها أعمدةٌ لمعابد الفراعنة، ثم يَنقُل النوبيون تلك الحجارةَ بعَرَبات إلى سكةٍ حديدية ويأتون بها إلى الضِّفة وإلى النهر حيث تنتظرها مئاتُ الأيدي لتطرحها في سفنٍ ذاتِ قُلُوع منفوخةٍ قليلًا جالبة إياها إلى أول السدِّ.

وتُبصِر صفوفًا من القوارب محجوبةً وراء ما أُثْبِت من الحجارة هنالك، محاطةً برجالٍ عُرَاةٍ بارزين من الماء، وتُبصِر مئاتٍ من النوبيين اللابسين جلابيبَ يُخرِجون من هذه القوارب أكياسَ أسمنتٍ ثقيلةً وهم يُغَنُّون بألحانٍ محزنة، وتُبصِر فوجًا من المصريين يرفعون قِضبانًا حديديةً إلى الأعلى، وتبصر زُمرةً من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة يأتون، والعريفُ الحاملُ سَوْطًا يَرقُبُهُم، في سِلالٍ بالفحم الضروريِّ لرافعات الأثقال من الآلات، يأتون بهذا الفحم بعد أن يكون قد نُقِلَ سِتَّ مراتٍ بعد خروجه من نيو كاسل وقبلَ حطِّه في وَسَط النهر هنا.

وتُبْصِر أناسًا من السودانيين يَخبِطون ذرعانَهم لِمَا يعتريهم من بَرْدٍ حتى الساعةِ التاسعة صباحًا، وتبصر بجانبهم مهندسًا أوروبيًّا يروِّح على نفسه لتصبُّبِه عَرَقًا من الساعة الثامنة، وتُبصِر هذا المهندسَ ينظِّم أجهزةَ قياس الزوايا، وتبصر الصبيَّ الأسمرَ المُمْسِكَ له محفظةً يفكِّر في الأحذية الجميلة التي يمكن أن تُصنَع من جلدها، وتبصر مِضَخَّة متينةً تَنْتَشِق رملَ النهر بلا انقطاع على حين ترى رجالًا حُدْبَ الظهور يأتون بأكياسِ الرمل الضروريِّ لصنع الأسمنت، وتُبصر رجالًا آخرين يَثْقُبون الصخور المزعجة المغمورة بالماء لنَسْفِها غيرَ ناظرين حتى إخوانَهم الذين يجيئون بالحجارة المنحوتة، ولو لم يُعْلَم أن عزيمةً مبدعة هي التي تُشْرِف على هذا الاختلاط والاختباط لحُكِمَ بأن ذلك مَجْمَعُ مجانين.

وخَلف صمتِ جبال القمر البعيدةِ العميق، وبالقرب من بِلَاقَ ومن المكان الذي يَخِرُّ الماء فيه بلطفٍ حول قِطَعٍ من الحجارة، وحيث يُبْنَى السدُّ، يتألف من صَلْصَلَةِ الحديد فوق الجدار الجديد، ومن حركة الخَرَّامة العاملة بالهواء المضغوط، ومن صَرِير المناشير، ومن الانفجارات المتعاقبة، ومن صوت المدَاقِّ وصَدَى المطارق التي ترتفع وتَقَع، ومن خَشْخَشَة الحَصَا التي تَزْلَق على مُنْحَدَرٍ قبل أن تعود إلى الماء، ومن نُعَاء٨ الآلات، ضجيجٌ، أو تنافرُ ألحانٍ، مؤدٍّ إلى الدُّوَار، ويستغيث الطائر المعروف بأبي مِنجَل ويَفِرُّ إلى تيجان أعمدة المعابد، ويُسْمَع نداؤه وتصفيقُه بأجنحته من خِلال ذلك اللَّغَط نتيجةً لعدم انتظامهما كجميع أصوات الطبيعة.

ولا يُبْدِي الجميع عَجَلَةً ولا هيجانًا، ويُوحِي الجوُّ بالمَرَح، ويُخَيَّل إلى الناظر من بعيدٍ أنه يرى عيدًا من عهد الفراعنة، وبطلُ هذا العيد، أو مَلِكُه، هو المهندس اللابس ثيابًا بِيضًا، وخوذَةً من الفَلِّين٩ والكَتَّان، وتُرسُ هذا المهندس هو إضبارته،١٠ وسيفُ هذا المهندس هو فِرْجَارُه، ويبدو هذا المهندس أميرًا إقطاعيًّا لتلك المِنطقة، وذلك لصمتِه وعدم تَلَوُّثِه وإصدارِه أوامرَه بالإصبع لا بالكلام، ويَفصِله اتزانه عن ذلك الجُمهور ذي المشاعر الصبيانية، وينتظره زورقه الآليُّ بالقرب من الصخرة الواقف عليها، وهو يَبْحَث عن وجود صُدُوعٍ أو نُتُوعٍ١١ أو عن سَدِّ الينبوع بالأسمنت أو عن إمكان قَرْض القَطْرة، التي تَخرُج مع كل ما عُمِل، لقاعدة الرُّكن الذي لا بد من إقامته هنا.

وذلك المهندسُ يشابه الجِرَاحِيَّ الذي يَمسَح بِرَفَادَةٍ١٢ من القطن ما لا يَزَال يَنزِف من الدَّمِ مستوحيًا حَذَرَه وتجرِبته قبل أن يَخِيط الجرحَ، وعلى المهندس أن يكون يَقِظًا ما تَوَقَّفَت الحياة، أو ما خلقه الله أو أبدعه الإنسان من النظام، على قراره، وما وَجَبَ ألا يَنتقم المنبعُ الواقع تحت الأرض لنفسه؛ وذلك لأن الركن إذا ما ارتجَّ ترجرج جميعُ البناء، وهو يظلُّ صامتًا هنالك بين ما يَصدُر عن مكتبه من حركة يوجبها ولا يسمعها كما يثبت ذلك تحديقُه إلى الأرض، وهو يَضَع في جيبه برقيةً يُؤْتَى بها إليه، وهو لا ينظر إلى غير هذا الشِّقِّ الذي يجب أن يَكشِف له عما في الصخر.

ولا يرى هذا المهندسُ قوسَ قُزَحَ الذي يَرْبِط أمامه ذلك الاختلاط بإنشاء السد، ويريد مهندسُ مساقط الماء هذا أن يَستُر بنوره السحريِّ جميع نتائج حسابه، وفرعونُ الأبيض هذا لا يُبصِر بعينه شيئًا، وإنما يَثِب إلى قاربة الآليِّ ويُشير إلى الشرق بإصبعه، وهو يكون بعد عشر دقائق في مكتبه الصغير الذي تَستُر جُدُرَه المُجَصَّصَة مئاتُ الرسوم الدالة على علاقات كلِّ صخرةٍ بالصخور المجاورة، وهو يَحسُب طاقةَ الركن ويقرِّر أن يفحص قاعدتَه غَوَّاصٌ؛ وذلك لأن تَصَدُّعَه بضغط الماء يؤدي إلى انهيار جميع ما بُنِيَ على ما يحتمل.

ولا ينبغي تبديدُ الوقت، ولا بُدَّ من أن تكون ثمانيةُ أركانٍ في مكانها قبل الفيضان القادم، وذلك وَفْقَ حساباتٍ مُحْكَمَةٍ —إحكامَ ما عند الفراعنة— صادرةٍ عن نَفَرٍ مجتمعين في ذلك المكتب.

ولِسُنَنِ النهر —لا لسنن النور— يَخضَع ذلك العمل المعد لقهر النيل، وبعد غِيَاب الشمس، وبعد دخول عشرة آلاف رجل من مختلفِ الألوان في خيامهم على الشاطئ واستلقائهم على حُصرهم، يَنهَض عشرةُ آلاف رجل غيرُهم في الليل اللامع ويَمُدُّون قسم السدِّ الناقص مستعينين ببَكَرَاتِ اتصالٍ راكبين زوارقَ ونقَّالاتٍ مداومين على عيد العمل ذلك ليلًا.

وتُنصَب الفُيُول الفولاذية الكبيرة على الجدار الذي يُبْنَى، وذلك على نور مصابيح محدَّبةٍ، وتَرفع مع الحَذَر خراطيمُها التي لا تَعرِف التعب أكياسَ الحجارة المكسَّرة وتَضَعُها في زوارقَ بَطِينةٍ مُقَيَّدٍ بعضُها ببعض، فيتألَّف منها أسطولٌ صغير يَجُرُّه مركبٌ بخاريٌّ في الليل البهيم، وتَسمَع عند أسفل ذلك الجدار الساتر لثلث عرض النهر غُولًا يُخرِج صفيرَ غضبٍ، ويَنفِثُ هذا التنِّين وميضًا عن لَهَثٍ، ويَبسُط ذراعيه لحماية صِغَاره، وهذه الجَبَّالة التي لا تَشْبَع تبلَع أكياسًا وصناديقَ مملوءةً رملًا، ويساعد الماء على صُنْع البِتُون١٣ الذي يمتزج جيدًا عند طراوة الليل، والذي يُعَدُّ للسيطرة على النهر.

وفوق ذلك —وفي الظلام— تنتصب أركانٌ غيرُ تامَّةٍ كأعمدة مكسورة، كشهود على ماضٍ مَجِيد، وذلك على ألواح مائلة موضوعة في كُوًى واسعةٍ يكاد صُنعُها يَتِمُّ، ويلوح رجالٌ قائمون بتنظيف الحجارة فوق رءوسهم كما لو كان عاهلٌ يَصِلُ غدًا على سفينة فاخرة، ويَكْسُون الأجزاءَ الناقصة وحدَها بالقارِ،١٤ وذلك لضرورة جَفَافِ كلِّ ركنٍ في أربعة أشهر، والوقتُ يُلِحُّ.

وفي الأسفل يَصرُخ رجالٌ حين يَجُرُّون قطعة حجر من مجرى النهر الجافِّ في هذا المكان بعد أن أُحيطت بحبالٍ ضِخَامٍ، وذلك كما لو كان يُؤتَى ببقرِ ماءٍ مذبوح لتقطيعه.

وترى فوق رءوسهم، وفوق مستوى الجدار، وبجانب خُرطوم الفيل، وفي قفصٍ مُهْتَزٍّ، فَتًى يُدير مُخْلًا١٥ عند كلِّ حركةٍ للخُرطوم، مع تَسَلِّيه بالنظر إلى المِصْباح المُحَدَّب المجاور، وترى رجلًا أقربَ من سواه إلى النور غيرَ تابعٍ لناموس الثِّقَل، سيدًا للسَّدِّ والليل، وهذا الرجل هو فرعونُ العيد الصاخب.

-------------------------------------------
١  La Bourse.
٢  ملط الحائط: طلاه بالملاط، وهو الطين الذي يُطلى به الحائط.
٣  الرحاب جمع الرحبة، وهي الساحة أو الفجوة بين البيوت.
٤  الفيال: مروِّض الفيل وقائده.
٥  الدراريع: جمع الدراعة، وهي جبة مشقوقة المقدم.
٦  رحض الثوب: غسله.
٧  نسبة على مدينة سوانو، وكانت أسوان تُسمى بهذا الاسم.
٨  نعا السنور ينعو نعاءً: صَاتَ.
٩  Cork.
١٠  الإضبارة: الحزمة من الصحف.
١١  نتع الماء من العين نتوعًا: خرج قليلًا قليلًا.
١٢  الرفادة: خرقة تُجعَل على الجرح.
١٣  Béton.
١٤  القار: مادة سوداء تُطْلَى بها السفن، وقيل: هو الزفت.
١٥  المخل، عند المولدين: آلة مستطيلة من حديد ونحوه تُرفَع بها الحجارة.