منتديات إنما المؤمنون إخوة (2024 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. علمي.. تاريخي.. دعوي.. تربوي.. طبي.. رياضي.. أدبي..)
 
الرئيسيةالأحداثأحدث الصورالتسجيل
(وما من كاتب إلا سيبلى ** ويبقى الدهر ما كتبت يداه) (فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه)

soon after IZHAR UL-HAQ (Truth Revealed) By: Rahmatullah Kairanvi
قال الفيلسوف توماس كارليل في كتابه الأبطال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مُتمدين من أبناء هذا العصر؛ أن يُصْغِي إلى ما يظن من أنَّ دِينَ الإسلام كَذِبٌ، وأنَّ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- خَدَّاعٌ مُزُوِّرٌ، وآنَ لنا أنْ نُحارب ما يُشَاعُ من مثل هذه الأقوال السَّخيفة المُخْجِلَةِ؛ فإنَّ الرِّسَالة التي أدَّاهَا ذلك الرَّسُولُ ما زالت السِّراج المُنير مُدَّةَ اثني عشر قرناً، لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم اللهُ الذي خلقنا، (وقت كتابة الفيلسوف توماس كارليل لهذا الكتاب)، إقرأ بقية كتاب الفيلسوف توماس كارليل عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، على هذا الرابط: محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

يقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتاب (العرب): "لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين) فكان محمدٌ رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق".
فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البُلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابهِ بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذَكَرَهَا باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم.
(وما من كاتب إلا سيبلى ** ويبقى الدهر ما كتبت يداه) (فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه)

المهندس حسن فتحي فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء: هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّجَ من المُهندس خانة بجامعة فؤاد الأول، اشْتُهِرَ بطرازهِ المعماري الفريد الذي استمَدَّ مَصَادِرَهُ مِنَ العِمَارَةِ الريفية النوبية المَبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعُثماني.
رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَةٍ.. فوائدُ فيروس كورونا غير المتوقعة للبشرية أنَّه لم يكن يَخطرُ على بال أحَدِنَا منذ أن ظهر وباء فيروس كورونا المُستجد، أنْ يكونَ لهذه الجائحة فوائدُ وإيجابيات ملموسة أفادَت كوكب الأرض.. فكيف حدث ذلك؟!...
تخليص الإبريز في تلخيص باريز: هو الكتاب الذي ألّفَهُ الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" رائد التنوير في العصر الحديث كما يُلَقَّب، ويُمَثِّلُ هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث.
الشيخ علي الجرجاوي (رحمه الله) قَامَ برحلةٍ إلى اليابان العام 1906م لحُضُورِ مؤتمر الأديان بطوكيو، الذي دعا إليه الإمبراطور الياباني عُلَمَاءَ الأديان لعرض عقائد دينهم على الشعب الياباني، وقد أنفق على رحلته الشَّاقَّةِ من مَالِهِ الخاص، وكان رُكُوبُ البحر وسيلته؛ مِمَّا أتَاحَ لَهُ مُشَاهَدَةَ العَدِيدِ مِنَ المُدُنِ السَّاحِلِيَّةِ في أنحاء العالم، ويُعَدُّ أوَّلَ دَاعِيَةٍ للإسلام في بلاد اليابان في العصر الحديث.


 

 الجزء الثامن

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:14 am

السلف والسلفية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
توجد الآن جماعة تطلق على نفسها اسم السلفية ويقصدون بهذه التسمية الرجوع إلى الأيام الأولى للإسلام، ويقاطعون كل شىء جديد بتهمة أنه بدعة، لم تكن أيام السلف، فما حكم الدين فى ذلك؟

الجواب
كثرت الفرق والجماعات فى التاريخ الإسلامى كما كثرت فى الأديان السابقة وإلى جانب الواقع الذى يشهد لذلك ورد حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم يقول "افترقت اليهود على إحدى وستين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وستين فرقة، وستفترق أمتى على ثلاث وستين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة" قيل وما هى يا رسول الله؟ قال "هى التى على ما أنا عليه وأصحايى" رواه أحمد وأبو داود، وجاء فى بعض الروايات "سبعين بدل "ستين ".
وقد وجدت فرق كثيرة بقدر العدد المذكور فى الحديث وحاول بعض المؤلفين فى الفرق كالبغدادى وغيره أن يحصرها فى هذا العدد، وإن كان البعض يرى أن العدد لا مفهوم له وأن المراد هو بيان كثرة الفرق، على غرار ما قالوا فى تفسيره قوله تعالى {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} التوبة: 80.
والملاحظ أن كل فرقة فى العقائد أو الفروع تحاول أن تجعل نفسها الفرقة الناجية وذلك من آثار التعصب الذى تخلقه أو تساعد عليه عوامل كثيرة، وأهل السنة قالوا: نحن الفرقة الناجية، وهم أعدل الفرق وإن كانوا هم أيضا قد تفرقوا فرقا صغيرة، كالأشعرية والماتريدية. وقد ذم الله هذا التفرق فقال: {ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعا. كل حزب بما لديهم فرحون} الروم: 31، 23 وقال {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء} الأنعام: 159.
وظهر أخيرا من يطلقون على أنفسهم "السلفية" نسبة إلى السلف أى القدامى وحددهم ابن حجر حين سئل عن عمل المولد النبوى بأنهم أهل القرون الثلاثة وشاعت هذه التسمية عند الوهابيين الذين يأخذون بمذهب محمد بن عبد الوهاب، الذى انتشر فى السعودية وصار مذهبا لهم، وذلك لتبرمهم بأن منبعهم هو هذا المذهب الجديد، الذى اهتموا فيه بآراء ابن تيمية، وعملوا على نشرها فى العالم الإسلامى كله.
والسلف الصالح ينبغى أن نحترمهم لأنهم خير القرون التى تلت قرن الصحابة واحترامهم يكون بالاقتداء بهم فى سلوكهم، أما منهجهم الفكرى فلا يجب التزامه فى كل شىء، ونحن نعلم أن السلف والخلف مختلفان فى موقفهم من الآيات المشتبهات التى فيها إثبات اليد والعين لله، فالسلف يؤمنون بها على ظاهرها مع اعتقاد أنه سبحانه ليس كمثله شىء، والخلف يؤولونها على معنى القدرة والعناية، أى بما يلزم هذه الأشياء وجاءت المقولة فى ذلك عند علماء الكلام: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم.
والإسلام لا يرضى التعصب لأى فكر ما دام هناك ما يخالفه، وهذا ما ينبغى مراعاته فى الآراء الاجتهادية بوجه عام، وإذا سلمت العقيدة فلا ضرر فى الأمور الفرعية أن يقتدى فيها بأى مذهب من المذاهب المعروفة.
هذا، ويبنغى التنبه إلى أن كثيرا من الفرق نشأت بأسماء مختلفة مع اتفاقها أو تقاربها فى المحتوى، ومع ذلك كل منها تدَّعى أنها الفرقة الناجية، وقد تصرح بأن غيرها لا يستحق النجاة، فنرجو الله الهداية للجميع، حتى لا يساعدوا العدو فيما يدبر لهم من سوء.
وأما موقف الإسلام من كل جديد فيرجع إليه فى بحث "البدعة"
(10/295)
________________________________________
الوساطة والشفاعة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للإنسان أن يساعد إنسانا ضعيفا بأن يتوسط له عند الكبار لنيل خير أو دفع شر؟

الجواب
يقول الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا} النساء:85 وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال "اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب " وفى رواية "ما شاء" وفى رواية أبى داود "اشفعوا تؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبى صلى الله عليه وسلم "لو راجعتيه" قالت: يا رسول الله: تأمرنى؟ قال "إنما اشفع" قالت لا حاجة لى فيه.
وروى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضى الله عنه، فقال عيينة: يا ابن أخى، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لى عليه، فاستأذن فأذن له عمر، فلما دخل قال: هى يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} الأعراف: 199 وإن هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله تعالى.
هذه نصوص وحوادث تحث على الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن الشفاعة فى إسقاط حد أو تخفيفه أو فى أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى وصى أو ناظر على طفل أو مجنون أو وقف أو نحو ذلك فى ترك بعض الحقوق التى فى ولايته، فكلها شفاعة محرمة، تحرم على الشافع ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعى فيها إذا علمها، والحديث صحيح فى رفض النبى صلى الله عليه وسلم شفاعة أسامة بن زيد فى عدم إقامة حد السرقة على المرأة الشريفة، وفى قَسَمِه أن فاطمة بنته لو سرقت لقطع يدها.
والكِفل الوارد فى الآية معناه الحظ والنصيب، ومعنى "مقيت" المقتدر والمقدَّر كما قاله ابن عباس وآخرون من المفسرين. وقال آخرون منهم المقيت هو الحفيظ، وقيل: هو الذى عليه قوت كل دابة ورزقها وقيل غير ذلك "الأذكار للنووى ص 323"
(10/296)
________________________________________
المداحون

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك حديث يقول: احثوا فى وجوه المداحين التراب؟

الجواب
روى مسلم عن المقداد رضى الله عنه أن رجلا جعل يمدح عثمان رضى الله عنه. فجثا المقداد على ركبتيه وجعل يحثو فى وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا رأيتم المداحين فاحثوا فى وجوههم التراب" والحثو والحثى هو الحفن باليدين.
وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال:
سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلا يثنى على رجل ويطربه فى المدحة فقال "أهلكتم -أو قطعتم -ظهر الرجل" والإطراء هو المبالغة فى المدح وتجاوز الحد، وقيل: هو المدح. ورويا أيضا عن أبى بكر رضى الله عنه أن رجلا ذكر عند النبى صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبى صلى الله عليه وسلم "ويحك قطعت عنق صاحبك " يقوله مرارا "إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحدا" قال العلماء: إن مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته، قد يكون فى وجه الممدوح وقد يكون بغير حضوره، فأما الذى فى غير حضوره فلا منع منه، إلا أن يجازف المادح ويدخل فى الكذب فيحرم عليه بسبب الكذب، لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذى لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة، بأن يبلغ الممدوح فيفتن به أو غير ذلك.
وأما المدح فى وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضى إباحته واستحبابه وأحاديث تقتضى المنع منه. قال العلماء: وطرق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان وحسن يقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شىء من هذه الأمور كره مدحه كراهة شديدة.
والأحاديث الواردة فى الإباحة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح لأبى بكر رضى الله عنه "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟ وفى الحديث الآخر "لست منهم" أى لست من الذين يلبسون أزرهم خيلاء، وفى الحديث الآخر "يا أبا بكر، لا تبك، إن أمن الناس على فى صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" وفى الحديث الآخر "أرجو أن تكون منهم" أى "من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها" وفى الحديث الآخر "ائذن له وبشره بالجنة" وفى الحديث الآخر "اثبت أُحد، فإنما عليك نبى وصدِّيق وشهيدان".
هذا فى أبى بكر وأما عمر رضى الله عنه فقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "دخلت الجنة فرأيت قصرا، فقلت لمن هذا؟ قالوا لعمر، فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك" فقال عمر رضى الله عنه: بأبى وأمى يا رسول الله، أعليك أغار، وفى الحديث الآخر "يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك".
وفى شأن عثمان رضى الله عنه صح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "افتح لعثمان وبشره بالجنة" وفى شأن على رضى الله عنه صح أنه قال "أنت منى وأنا منك" وفى حديث آخر: "أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون وموسى".
وفى غير الخلفاء الراشدين جاء فى بلال قوله صلى الله عليه وسلم "سمعت دُف نعليك فى الجنة" وجاء فى أُبى بن كعب "ليهنك العلم أبا المنذر" وجاء فى عبد الله بن سلام "أنت على الإسلام حتى تموت" وجاء فى أنصاريين "ضحك الله عز وجل -أو عجب- من فعالكما" وجاء فى الأنصار "أنتم من أحب الناس إلى" وجاء فى أشج عبد القيس "إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة" وكل هذه الأحاديث مشهورة فى الصحيح كما ذكره النووى فى"الأذكار" ص 273 -375 ووردت آثار كثيرة فى مدح الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم. وقال الإمام الغزالى فى آخر كتاب الزكاة من إحياء علوم الدين: إذا تصدق إنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن ينظر:
فإن كان الدافع للصدقة ممن يحب الشكر عليها ونشرها فينبغى للآخذ أن يخفيها، لأن قضاء حقه ألا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فينبغى أن يشكره ويظهر صدقته، وقال سفيان الثورى رحمه الله: من عرف نفسه لم يضره مدح الناس
(10/297)
________________________________________
الشكر على المعروف

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يحدث أن يصنع بعض الناس معروفا لى، ولكنى لا أستطيع أن أقابل معروفه بمعروف، فماذا أفعل؟

الجواب
روى البخارى ومسلم أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: أتى النبى صلى الله عليه وسلم الخلاء -فوضعت له وضوءا -ماء يتطهر به- فلما خرج قال "من وضع هذا"؟ فأخبر فقال "اللهم فقهه فى الدين" وثبت فى صحيح مسلم أنه قال لأبى قتادة لملاحظته له فى السفر "حفظك الله بما حفظت به نبيه" وروى الترمذى بإسناد قال عنه: حسن صحيح قوله صلى الله عليه وسلم "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ فى الثناء" وروى النسائى وابن ماجه أن النبى صلى الله عليه وسلم استقرض من عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألفا، فلما دفع إليه القرض دعا له وقال "بارك الله لك فى أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء".
من السنة إذا صنع للإنسان معروف أن يكافئ فاعله بمثل معروفه أو أحسن، بناء على قوله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} النساء: 86 لكن ربما لا يستطيع الإنسان أن يقوم بذلك، وهنا يكفى أن يشكر الفاعل ويدعى له بالخير، فقد ورد فى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "من اصطنع إليكم معروفا فجازوه، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين " رواه أبو داود والنسائى ورواه الطبرانى باللفظ المذكور وروى أبو داود والنسائي أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير ولا أحسن مواساة فى قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة، قال صلى الله عليه وسلم "أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم"؟ قالوا: بلى، قال "فذاك بذاك".
وهنا سؤال: ماذا لو كان صانع المعروف غير مسلم كيف نشكره وندعو له؟ والإجابة: أن يدعى له بالهداية وصحة البدن والعافية، بدليل مارواه ابن السنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم استقى -يعنى طلب ماء يشربه- فسقاه يهودى، فقال له "جمَّلك الله " فما رأى الشيب حتى مات
(10/298)
________________________________________
القصد فى الموعظة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يحدث أن بعض الخطباء يطيلون فى الخطبة مما يجعل بعض الحاضرين يفكر فى الانصراف عن سماعها أو تنبيه الخطيب حتى يختصر فما رأى الدين فى ذلك؟

الجواب
روى مسلم عن عمار بن ياسر رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة" ومعنى "مئنة" علامة دالة.
والمقصود من إطالة الصلاة بالنسبة إلى هذا الحديث الإطالة بالنسبة إلى الخطبة، وليس التطويل الذى يشق على المؤمنين، حتى يتفق مع الحديث: كانت خطبته قصدا وصلاته قصدا. فيستحب لمن وعظ جماعة أو ألقى عليهم علما أن يقتصد فى ذلك ولا يطيل تطويلا يملهم حتى لا يضجروا وتذهب حلاوة العلم، ويكرهوا سماع الخير فيقعوا فى المحظور، وكان الصحابة رضوان الله عليهم ملتزمين بهذا الهدى، فقد روى البخارى ومسلم عن شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود يذكرنا فى كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم فقال: أما إنه يمنعنى من ذلك أنى أكره أن أملكم، وإنى أتخولكم بالموعظ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.
ومما يتصل بهذا من أدب الدعوة والإمامة ألا يطيل الإمام فى الصلاة مراعاة لظروف المأمومين، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة وقد صح فى البخارى ومسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين اشتكى البعض طول صلاته "أفتَّان أنت يا معاذ" ثلاث مرات، والمعنى أن التطويل سبب لخروجهم من الصلاة، وسبب لكراهة صلاة الجماعة، وأنه عذاب لهم، والإسلام لا يحب ذلك.
ومن الأدب أن تكون الموعظة مفهومة بأسلوب مناسب،وليس فيها غرائب تحار فى فهمها العقول، روى البخارى عن على رضى الله عنه أنه قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
(10/299)
________________________________________
الثعلب والقنفذ

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى قيام بعض الفلاحين باصطياد حيوانات من الحقول وذبحها وأكلها، مثل الثعلب والقنفذ؟

الجواب
الثعلب حلال أكله عند الشافعية، اعتمادا على عادة العرب فى ذلك، فيندرج تحت عموم قوله تعالى {يسألونك ماذا أُحل لهم قل أحل لكم الطيبات} المائدة: 4 قال ابن الصلاح: ليس فى حل الثعلب حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى تحريمه حديثان فى إسنادهما ضعف ... وبالحل قال طاووس وعطاء وقتادة وغيرهم من التابعين. وكره أبو حنيفة ومالك أكله، وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه، لأنه سبع.
أما القنفذ فهو أيضا حلال عند الشافعية، للدليل السابق فى الثعلب، وقد أفتى ابن عمر بإباحته. وما رواه أبو داود عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى أنه خبيث وأن ابن عمر رجع عن قوله فى حله فرواته مجهولون. قال البيهقى: ولم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحل. وسئل عنه مالك فقال: لا أدرى راجع كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميرى ففيه توضيح للأدلة
(10/300)
________________________________________
زلة العالم

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما الحكم فيما لو فعل العالم فعلا يتناقض مع ما هو معروف فى الدين؟

الجواب
إن هذا السؤال يستلزم بيان نقطتين، الأولى موقف العالم من هذه الزلَّة، والثانى موقف الناس منه.
وقبل الإجابة نقرر أنه لا يوجد أحد معصوم من الخطأ إلا من عصم الله، فكل ابن آدم معرض لذلك، وخير الخطائين التوابون كما صح فى الحديث، كما نقرر أن فى الشريعة أمورا متفقا على حكمها من الحل أو الحرمة، وأمورا اختلفت فيها الأقوال، فما كان متفقا على حكمه لا تجوز مخالفته ويجب التنبيه على هذه المخالفة قياما بواجب النصح والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما كان فيه خلاف ينبغى لمن اختار رأيا والتزمه حتى ظن الناس أنه هو الصحيح. ثم اختار رأيا آخر أثار دهشة الناس أن يبين السبب فى ذلك ليعلم الناس أن الحكم الخلافى لا يجب التزام رأى واحد فيه، كما أن من علم أن المسألة فيها خلاف فى الحكم لا ينبغى أن يعترض على من اتبع أى رأى من الآراء.
وقد تحدث الإمام النووى فى كتابه "الأذكار" ص 319 عن ذلك فقال: اعلم أنه يستحب للعالم والمعلم والقاضى والمفتى والشيخ المربى وغيرهم ممن يقتدى به ويؤخذ عنه أن يجتنب الأفعال والأقوال والتصرفات التى ظاهرها خلاف الصواب وإن كان محقا فيها، لأنه إذا فعل ذلك ترتب عليه مفاسد.
من جملتها توهم كثير ممن يعلم ذلك منه أن هذا جائز على ظاهره بكل حال، وأن يبقى ذلك شرعا وأمرا معمولا به أبدا، ومنها وقوع الناس فيه بالتنقص واعتقادهم نقصه وإطلاق ألسنتهم بذلك، ومنها أن الناس يسيئون الظن به فينفرون عنه، وينفرون غيرهم عن أخذ العلم عنه، وتسقط رواياته وشهادته، ويبطل العمل بفتواه، ويذهب ركون النفوس إلى ما يقوله من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرة، فيبنغى له اجتناب أفرادها فكيف بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شىء من ذلك وكان محقا فى نفس الأمر لم يظهره، فإن أظهره أو ظهر، أو رأى المصلحة فى إظهاره ليعلم جوازه وحكم الشرع فيه فينبغى أن يقول: هذا الوجه الذى فعلته ليس بحرام، أو إنما فعلته لتعلموا انه ليس بحرام إذا كان على الوجه الذى فعلته، وهو كذا وكذا، ودليله كذا وكذا.
واستدل النووى على ذلك بما رواه البخارى ومسلم عن سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فكبَّر وكبر الناس وراءه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر حتى فرغ من صلاته، ثم أقبل على الناس فقال "أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى" والأحاديث فى هذا الباب كثيره كحديث صفية حينما رآها مع الرسول على باب المسجد ليلة فظن بعض المارة سوءا فبادر وقال: "إنها صفية" أى ليست امرأة أجنبية، وبيَّن لهم أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، فربما سول لهم سوءا فى الظن، وجاء فى البخارى أن عليا رضى الله عنه شرب قائما وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتمونى فعلت.
والمسألة الثانية أن على التابعين الآخذين عن هذا الشيخ إذا رأوا منه شيئا فى ظاهره مخالفة لمعروف أن يسألوه عنه بنية الاسترشاد - لا بنية النقد والاعتراض - فإن كان قد فعله ناسيا تداركه، وإن كان فعله عامدا وهو صحيح فى نفس الأمر بيَّنه لهم، فقد روى البخارى ومسلم عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة -أى أفاض منها- حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ: فقلت: الصلاة يا رسول الله، فقال "الصلاة أمامك".
يقول النووى: إن أسامة قال ذلك لأنه ظن أن النبى صلى الله عليه وسلم نسى صلاة المغرب، وكان قد دخل وقتها وقرب خروجه.
كما روى البخارى ومسلم أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال:
يا رسول الله مالك عن فلان، والله إنى لأراه مؤمنا؟ وروى مسلم عن بريدة أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، فقال عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال "عمدا صنعته يا عمر" ونظائر هذا كثيرة فى الصحيح.
فالخلاصة أن العالم ومن يقتدى به إذا ظهر منه قول أو فعل يرى المتعلمون أنه مخالف، ينبغى أن يبين لهم وجه الصواب، وينبغى لهم أيضا أن يسألوه عن ذلك بأدب واحترام ولا يبادروا بإساءة الظن به، ولا يعارضوا بأسلوب غير لائق
(10/301)
________________________________________
التثبت من القول

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
بعض الناس يحب أن يخطب فى القرى ويجذب الانتباه إليه فيروي أحاديث دون أن يتثبت من صحتها، وحكايات قد تكون مختلقة، فما رأى الدين فى ذلك؟

الجواب
يقول الله سبحانه {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} الإسراء: 36 ويقول {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ق: 18 وروى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "كفى بالمرء كذبا أن يحدِّث بكل ما سمع" وروى مسلم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال "بحسب المرء من الكذب أن يحدِّث بكل ما سمع " وروى أبو داود بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال "بئس مطية الرجل زعموا".
هذه النصوص تنفر من الإسراع فى رواية حديث أو حكاية خبر أو إصدار حكم قبل أن يتثبت الإنسان منه. والله سبحانه سائل من تجرأ على ذلك يوم القيامة، ومطلع على نيته، وتشتد حرمة الكذب إذا نسب إلى الله سبحانه أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى يقول {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} النحل: 116 والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخارى ومسلم وكما يحرم الكذب فى نقل الآيات والأحاديث يحرم فى الحكم على الشىء بالحل أو الحرمة، لأن ذلك من اختصاص الله سبحانه وما أذن فيه للرسل، قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} النحل: 116.
ونسبة أقوال أو أفعال إلى غير من لم تصدر عنه كذب عليه وفيه إيذاء وضرر والله يقول: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} الأحزاب: 58 وفى الحديث "لا ضرر ولا ضرار".
وأكثر من يلجئون إلى هذه الطريقة مراءون غير مخلصين لله، يريدون أن يتحدث الناس عنهم بكثرة العلم، أو ينالوا منهم مغنما دنيويا، والرياء شرك محبط للثواب والوعيد عليه شديد فى نصوص القرآن والسنة، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لا يجيب إلا بما يعلم، فإن كان عنده علم أجاب، وإلا رجع إلى الله سبحانه، والوقائع شاهدة على ذلك، كما فى سؤالهم له عن الروح وذى القرنين وأصحاب الكهف، وعن خير البقاع وشرها، والحديث معروف فى قيام الجهلاء بالفتوى بعد موت العلماء، فضلوا وأضلوا
(10/302)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:14 am

الإرهاب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو الإرهاب،وما موقف الإسلام منه؟

الجواب
الإرهاب هو التخويف، والرهبة هى الخوف، وكل العباد لابد أن يرهبوا الله أى يخافوه قال تعالى: {وإياى فارهبون} البقرة: 40 ومع تخويف الله بعقاب العاصين، يكون الرجاء بثواب الطائعين، قال تعالى {نبِّى عبادى أنى أنا الغفور الرحيم. وأن عذابى هو العذاب الأليم} الحجر: 49، 50 وهذان الأمران لابد أن يلازما كل إنسان فى حياته، وإن قال العلماء: ينبغى تغليب الخوف على الرجاء ووضح ذلك كبارهم فقالوا: ينبغى تغليب الخوف على الرجاء فى فترة الشباب وتوافر أسباب القوة التى قد تدعو إلى الانحراف، أما فى فترة الضعف بكبر السن وقرب الأجل فينبغى تغليب الرجاء على الخوف، قالوا ذلك عند شرح البيت الشعرى فى العقائد:
وغلِّب الخوف على الرجاء * وسر لمولاك بلا تناء والله سبحانه يرهبنا أى يخوفنا من عقابه إن انحرفنا فيقول {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} الإسراء: 59 والإنسان يرهب غيره بأساليب متنوعة ولأغراض متعددة فإن كان لغرض مشروع كالتأديب والنهى عن المنكر كان مشروعا، ومنه تأديب الصبى إذا ترك الصلاة، "واضربوهم عليها لعشر" وتأديب الزوجة الناشز {واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن} النساء: 34 ومنه إرهاب العدو منعا لعدوانه علينا، وذلك بالاستعداد لمقاومته وبوسائل أخرى كالدعاية لتخويفه، قال تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} الأنفال: 60. أما الإرهاب بدون سبب مشروع فهو محرم، ذلك أن الإسلام دين السلام، لا يبدأ بعدوان ويؤثر السلامة على المخاطرة التى لم نلجأ إليها، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} البقرة: 208 وهو دخول فى السلم بين المسلمين بعضهم مع بعض وبينهم وبين غيرهم، قال تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} الأنفال: 61 وموقف النبى صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية تطبيق عملى لهذا المبدأ العظيم، ووعد إن جاءوه بخطة سلم قبلها منهم، وكانت شروط الصلح مؤكدة لذلك، حتى إن بعض الصحابة شعر فيها بشىء من الذلة والضعف ولكن حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم بددت كل ذلك، وهو القائل فى حديثه الذى رواه البخارى ومسلم، وقد انتظر العدو فى بعض أيامه حتى مالت الشمس "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ".
وذلك كله إيثار للسلم والأمن الذى هو نعمة أساسية فى حياة الإنسان كما فى الحديث الذى رواه الترمذى "من أصبح آمنا فى سربه معافى فى بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".
وقد امتن الله بالأمن على قريش فقال {الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} قريش: 4 وجعل مكة حرما آمنا، وأقسم أنها البلد الأمين، ووعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وكذلك من آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أى شرك، وجعل سلب الأمن عقابا لمن كفر بأنعم الله، وشرف السلام فكان اسما من أسمائه وسمى به الجنة وجعله تحية المسلمين فيما بينهم وتحية الملائكة لهم فى الجنة وكان نزول القرآن فى ليلة السلام، وكل ذلك وردت به النصوص فى القرآن والسنة "انظر كتابنا: دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
ومن أجل الحفاظ على الأمن والسلام حرم الاعتداء على الحقوق ووضع لها عقوبات صارمة فحرم القتل والسرقة وانتهاك الأعراض بالزنا والقدح والاتهام، وحرم الإفساد فى الأرض وعده محاربة الله ورسوله، كما حرم الإسلام كل ما يقلق الأمن ويساعد على التفرق والمنازعات، كالربا والبخل والنميمة وشهادة الزور والخيانة والكبر والهجران، وإباء الصلح مع من طلبه والاعتداء على المخالف فى العقيدة {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} التوبة: 7 إلى غير ذلك من الإجراءات التى ذكرت كثيرا منها فى كتابى المشار إليه.
وبلغ من اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على أمن الناس أنه قال "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهى وإن كان أخاه لأبيه وأمه " رواه مسلم وقال "من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من فزع يوم القيامة" وروى أبو داود أن بعض الصحابة كان يسير مع النبى صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزغ فقال صلى الله عليه وسلم "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما" وفى حديث رواه الترمذى بنسد حسن "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا" وفى حديث رواه البزار والطبرانى وغيرهما عن عامر بن ربيعة أن رجلا أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم " وروى الطبرانى أن عبد الله بن عمر سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول "من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة" بل إن النظرة المخيفة نهى عنها الحديث الذى رواه الطبرانى "من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه بها بغير حق أخافه الله يوم القيامة" وبخصوص الإرهاب بالسلاح جاء الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدرى لعل الشيطان يترع فى يده فيقع فى حفرة النار ومعنى "يترع " بكسر الراء وبالعين يرمى، وروى "ينزغ " بالزاى المفتوحة وبالغين، ومعناه أيضا يرمى ويفسد، وأصل الترع الطعن والفساد "الترغيب والترهيب للمنذرى ج 3 ص 198 ".
وتكفى هذه النصوص لبيان أن تخويف الآمن بدون وجه حق من المنكرات التى تتنافى مع الأخوة الإنسانية، والتى تحول دون التطور الذى يلزمه الهدوء والاطمئنان على الحقوق، تلك المنكرات التى تهوى بالإنسان الذى كرمه الله إلى درك الوحوش فى الغابات التى تسيرها الغرائز ويتحكم فيها منطق الأثرة والأنانية والقوة
(10/303)
________________________________________
أعداء الإسلام

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو سبب العداء السافر بين الدول الغربية والإسلامية وكيف يتقى المسلم شر هذا العداء وأثره فى مجتمع للمسلمين؟

الجواب
السبب ببساطة - وذلك فى نظرى- أن الدول الآن قائمة على التنافس والغلب، والأجانب جميعا يعتقدون أن الإسلام فيه كل عناصر القوة، بدليل الواقع الذى لا يستطيعون إنكاره يوم أن كان المسلمون متمسكين بدينهم حق التمسك علما وعملا، وهم لا ينسون الحروب الصليبية، ولا ينسون العروش القديمة التى أزالها الإسلام.
وقد تمكن هؤلاء من الثأر من الإسلام بالتغلب على المسلمين واستعمار بلادهم، واجتهدوا فى تحويلهم عن الدين، أو إضعاف صلتهم به بكل وسيلة حتى لا تقوم لهم دولة كما كانت من قبل، وأذكر بهذه المناسبة أن مسلما إنجليزيا اسمه "خالد شالدريك" ألقى محاضرة فى جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة فى النصف الأول من القرن العشرين بيَّن فيها الأسباب التى دعته إلى اعتناق الإسلام، وكان منها أنه نظر إلى الحرب الشرسة الموجهة من العالم المتحضر إلى الإسلام وعدم اهتمام هؤلاء، بالأديان الأخرى، فعرفت أن المحاربين للإسلام يعتقدون أنه قلعة حصينة فيها كل عناصر القوة أما الأديان الأخرى فما أيسر الاستيلاء عليها ودكَّ حصونها إن كانت لها حصون. ومن هنا -يقول-اتجهت إلى دراسة الإسلام فعرفت أن فيه كل عناصر القوة والصدق، فأسرعت إلى الدخول فيه.
ومن هنا يجب على المسلمين جميعا، أفرادا وجماعات ودولا، أن ينتبهوا إلى ما يراد بهم، وأن يفيقوا من غفلتهم، وأن يعودوا إلى الإسلام عقيدة وشريعة، بالفهم الصحيح والتطبيق الدقيق الشامل فى كل الميادين، مؤمنين تماما بأن دينهم فيه كل عناصر القوة واستقلال الشخصية، والنصوص فى ذلك كثيرة "اقرأ: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية"
(10/304)
________________________________________
رابعة العدوية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هناك كلام كثير عن رابعة العدوية فى نشأتها الأولى وانتهاء حياتها بالتصوف، واشتهارها بالحب الإلهى، فهل من كلمة موجزة عنها؟

الجواب
رابعة هى بنت إسماعيل العدوية البصرية، ولقبها ابن خلكان بأم الخير، وذكر أنها مولاة آل عتيك، فخذ من قبيلة الأزد، كانت فى أول أمرها تعزف بالمعازف ثم تابت وقضت حياتها بالبصرة كأنها مسجونة وماتت بها فى سنٍّ لا تقل عن ثمانين سنة، وذلك فى عام 185 هـ (801م) ولم تكن وفاتها سنة135 هـ (752 م) لأن محمد بن سليمان الذى ولى البصرة من قبل العباسيين منذ سنة145 هـ- 172 هـ قد خطبها فأبت وتفرغت للعبادة، وقالوا: إنها ولدت فى العام الذى بدأ فيه الحسن البصرى مجالس تعليمه، وذلك سنة95 هـ أو 96 هـ، فأكثر الذين كتبوا عنها قالوا: إنها ولدت وعاشت فى القرن الثانى من الهجرة وماتت فى أخرياته.
كانت كثيرة العبادة تلبس الصوف وما إليه من ثياب الشعر، زاهدة فى الدنيا، ولعل أظهر ما تميزت به كلامها فى الحب والمحبة كما فى كتاب "مدارج الساكين" لابن القيم، ومن شعرها المأثور فى ذلك:
أحبك حبين، حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذى هو حب الهوى * فشغلى بذكرك عمن سواكا وأما الذى أنت أهل له * فكشفك لى الحجب حتى أراكا فلا الحمد فى ذا ولا ذاك لى * ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا ذكر الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين "أن محمد بن سليمان الهاشمى والى البصرة أرسل إليها كتابا يخطبها وذكر فيه مقدار غناه وأن مهرها سيكون كبيرا فردت عليه بعد المقدمة: اعلم أن الزهد فى الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابى هذا فهيئ زادك، وقدم لمعادك وكن وصى نفسك ولا تجعل الناس أوصياءك فيقتسموا تراثك، وصم عن الدنيا وليكن إفطارك على الموت. وأما أنا فلو أن أعطانى ما أعطاك وأمثاله ما سرنى أن أشتغل طرفة عين عن الله.
ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى دائرة المعارف الإسلامية "مادة تصوف" وتعليق الشيخ مصطفى عبد الرازق ص 357
(10/305)
________________________________________
النص والاجتهاد

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قولهم: لا اجتهاد مع النص، وهل هذا يمنع الاجتهاد فيما يجُد من الأمور فى الحياة؟

الجواب
هذا التعبير يقصد به أن الإنسان إذا أراد أن يعرف حكما شرعيا ينبغى أن يرجع إلى الكتاب والسنة، فإن وجد فيها الحكم اقتنع به وأراح نفسه ولا يكلفها البحث عنه فى مصادر أخرى يقوم عليها الاجتهاد كالقياس ونحوه.
فالذى يريد أن يعرف وجوب الصلاة يكفيه قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} البقرة: 43 وقوله صلى الله عليه وسلم "بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ... " رواه البخارى ومسلم.
والذي يريد أن يعرف عدد الصلوات المفروضة وعدد ركعات كل منها فليرجع إلى سنة النبى صلى الله عليه وسلم وفيها الكثير مما يدل على ذلك. وأى اجتهاد يخالف ما نص عليه القرآن والسنة فهو مرفوض. وهذا لا يمنع القول بجواز الاجتهاد فى النص بمعنى أنه إذا امتنع الاجتهاد لمعرفة الحكم مع وجود النص، فإن النص نفسه يجوز فيه الاجتهاد، لا لقبوله أو رفضه، ولكن لفهمه فهما دقيقا إذا كان فيه اشتباه مثلا، إن تشريع الوضوء للصلاة جاء صريحا فى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} المائدة: 6 فمسح الرأس مطلوب، لكن هل يجب مسح جميع الرأس أو يكفى مسح البعض؟ إن الباء التى تعدى بها الأمر بالمسح هى التى اجتهد فيها العلماء من أجل معرفة القدر الممسوح وذلك لأن لها عدة معان فى اللغة العربية والقرآن الكريم عربى يفسر عند عدم وجود النص على ضوء هذه اللغة فقال بعض الفقهاء بوجوب مسح كل الرأس، واكتفى البعض بمسح جزء من الرأس، وتوضيح ذلك ليس محله الآن.
فالخلاصة أن الاجتهاد لمعرفة الحكم ليس له محل ما دام النص موجودا، أما الاجتهاد فى النص لفهمه فهما دقيقا فيجوز على القواعد التى وضعها العلماء لذلك، وهى مذكورة فى موضع آخر من هذه الفتاوى
(10/306)
________________________________________
حياك الله وبياك

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى: حياك الله وبياك، ومن الذى قالها؟

الجواب
جاء في كتاب "حياة الحيوان الكبرى للدميرى- الغراب" أن آدم حج إلى مكة وجعل قابيل وصيا على بنيه فقتل قابيل هابيل، فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ فقال لا أدرى، فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه، فمن ذلك الوقت لم تشرب الأرض دما.
ثم إن آدم بقى مائة عام لا يبتسم حتى جاءه ملك الموت فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: وما بياك؟ قال أضحكك
(10/307)
________________________________________
النظم الاقتصادية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تشيع فى هذه الأيام ألفاظ تتحدث عن الاقتصاد مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية فما هى مقومات كل منها، وما هى مقومات النظام الإسلامى؟

الجواب
الكلام على هذه المصطلحات طويل، ويكفى هنا أن نعرف مقومات كل منها باختصار حتى يمكننا أن نعرف الفرق بينها وبين النظام الإسلامى.
1- الاشتراكية تقوم على أركان أهمها:
أ- تقليل الفوارق الطبقية من أجل الوصول إلى المجتمع اللاطبقى.
ب- تسلم البروليتاريا للحكومة لإنشاء حكومة ديكتاتورية.
ج- تأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالية فى البلاد.
د- قيام التوزيع على قاعدة: كلٌّ حسب طاقته، ولكل حسب عمله.
2- والشيوعية تقوم على أركان أهمها:
أ- محو الملكية الخاصة فى الإنتاج والاستهلاك.
ب- تذويب الفوارق بحيث لا توجد طبقة متميزة.
ج- محو السلطة السياسية وتحرير المجتمع من الحكومة.
3- والرأسمالية تقوم على أركان أهمها:
أ- إقرار الملكية الخاصة بغير حدود.
ب- حرية الفرد واستقلال ملكيته وتنميتها.
ج- ضمان حرية الاستهلاك، وضمان حرية الاستغلال.
4- الاقتصاد الإسلامى يقوم على أركان أهمها:
أ- إقرار الملكية المزدوجة: الخاصة والعامة.
ب- الحرية الاقتصادية فى نطاق الإسلام خلقا وتشريعا.
ج- العدالة الاجتماعية بالتكافل والتوازن.
ويمكن الرجوع إلى كتاب: اشتراكية الإسلام للدكتور مصطفى السباعى لتوضيح ذلك
(10/308)
________________________________________
علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؟

الجواب
يقول القشيرى المتوفى بمدينة نيسابور يوم الأحد 16 من ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة من الهجرة فى رسالته فى التصوف: اليقين هو العلم الذى لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف، ولا يطلق فى وصف الحق سبحانه، لعدم التوقيف. فعلم اليقين هو اليقين، وكذلك عين اليقن نفس اليقين، وحق اليقين نفس اليقين.
فعلم اليقين على موجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان. وعين اليقين ما كان بحكم البيان -أى بطريق الكشف- وحق اليقين ما كان بنعت العيان. فعلم اليقين لأرباب العقول، وعين اليقين لأصحاب العلوم، وحق اليقين لأصحاب المعارف "ص 74" والشيخ زكريا الأنصارى فى شرحه للرسالة يقول: هذه الألفاظ عبارات عن علوم جلية مع تفاوتها فى القوة، بناء على أن اليقين مقول على أفراده بالتشكيك، والثلاثة مذكورة فى القرآن، قال تعالى: {لو تعلمون علم اليقين} التكاثر: 5 وقال {لترونها عين اليقين} التكاثر: 7. وقال {إن هذا لهو حق اليقين} الواقعة: 95 وذكر القرطبى فى تفسيره "ج 17 ص 234 " لسورة الواقعة أن معنى حق اليقن محض اليقين وخالصه، وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما، قال المبرد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين فهو من باب إضافة الشىء إلى نفسه عند الكوفيين، وعند البصريين حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد، وقيل:
أصل اليقين أن يكون نعتا للحق، فأضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع والمجاز كقوله "ولدار الآخرة ".
وذكر فى تفسير سورة التكاثر "ج 20 ص 174" أن علم اليقين بالنار يكون فى الدنيا عن طريق العقل والقلب، وعين اليقين يكون فى الآخرة عند المعاينة بعين الرأس والمشاهدة فيراها يقينا لا تغيب عن عينه
(10/309)
________________________________________
الذكر واللهو

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فيما نراه فى بعض حلقات الذكر من الضرب بالدفوف والمزامير وغيرها؟

الجواب
نقل القرطبى عن أبى بكر الطرطوشى رحمهما الله تعالى أنه سئل عن قوم يجتمعون فى مكان يقرءون شيئا من القرآن، ثم ينشد لهم منشد شيئا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة، هل الحضور معهم حلال أم لا؟ فأجاب: مذهب الصوفية أن هذا بطالة وجهالة وضلالة إلى آخر كلامه، قلت: وقد رأيت أنه أجاب بلفظ غير هذا، وهو أنه قال:
مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإِسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، فهو دين الكفار وعبَّاد العجل، وإنما كان مجلس النبى صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار. فينبغى للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور فى المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم.
هذا مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين. "حياة الحيوان الكبرى للدميرى- العجل "
(10/310)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:15 am

شم النسيم

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يحتفل المصريون بيوم شم النسيم، فما هو أصل هذا الاحتفال، وما رأى الدين فيه؟

الجواب
النسيم هو الريح الطيبة، وشمه يعنى استنشاقه، وهل استنشاق الريح الطيبة له موسم معين حتى يتخذه الناس عيدا يخرجون فيه إلى الحدائق والمزارع، ويتمتعون بالهواء الطلق والمناظر الطبيعية البديعة، ويتناولون فيه أطايب الأطعمة أو أنواعا خاصة منها لها صلة بتقليد قديم أو اعتقاد معين؟ ذلك ما نحاول أن نجيب عليه فيما يأتى:
كان للفراعنة أعياد كثيرة، منها أعياد الزراعة التى تتصل بمواسمها، والتى ارتبط بها تقويمهم إلى حد كبير، فإن لسنتهم الشمسية التى حددوها باثنى عشر شهرا ثلاثة فصول، كل منها أربعة أشهر، وهى فصل الفيضان ثم فصل البذر، ثم فصل الحصاد. ومن هذه الأعياد عيد النيروز الذى كان أول سنتهم الفلكية بشهورها المذكورة وأسمائها القبطية المعروفة الآن.
وكذلك العيد الذى سمى فى العصر القبطى بشم النسيم، وكانوا يحتفلون به فى الاعتدال الربيعى عقب عواصف الشتاء وقبل هبوب الخماسين، وكانوا يعتقدون أن الخليقة خلقت فيه، وبدأ احتفالهم به عام 2700 ق. م وذلك فى يوم 27 برمودة، الذى مات فيه الإِله "ست" إله الشر وانتصر عليه إله الخير. وقيل منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.
وكان من عادتهم فى شم النسيم الاستيقاظ مبكرين، والذهاب إلى النيل للشرب منه وحمل مائه لغسل أراضى بيوتهم التى يزينون جدرانها بالزهور. وكانوا يذهبون إلى الحدائق للنزهة ويأكلون خضرًا كالملوخية والملانة والخس، ويتناولون الأسماك المملحة التى كانت تصاد من بحر يوسف وتملح فى مدينة "كانوس" وهى أبو قير الحالية كما يقول المؤرخ "سترابون" وكانوا يشمون البصل، ويعلقونه على منازلهم وحول أعناقهم للتبرك.
وإذا كان لهم مبرر للتمتع بالهواء والطبيعة وتقديس النيل الذى هو عماد حضارتهم فإن تناولهم لأطعمة خاصة بالذات واهتمامهم بالبصل لا مبرر له إلا خرافة آمنوا بها وحرصوا على تخليد ذكراها. لقد قال الباحثون:
إن أحد أبناء الفراعنة مرض وحارت الكهنة فى علاجه، وذات يوم دخل على فرعون كاهن نوبى معه بصلة أمر بوضعها قرب أنف المريض، بعد تقديم القرابين لإِله الموت "سكر" فشفى. وكان ذلك فى بداية الربيع، ففرح الأهالى بذلك وطافوا بالبلد والبصل حول أعناقهم كالعقود حول معابد الإله "سكر" وبمرور الزمن جدت أسطورة أخرى تقول: إن امرأة تخرج من النيل في ليلة شم النسيم يدعونها "ندَّاهة" تأخذ الأطفال من البيوت وتغرقهم، وقالوا: إنها لا تستطيع أن تدخل بيتا يعلق عليه البصل "محمد صالح -الأهرام: 30/ 4/1962م.
ثم حدث فى التاريخ المصرى حادثان، أولهما يتصل باليهود والثانى بالأقباط، أما اليهود فكانوا قبل خروجهم من مصر يحتفلون بعيد الربيع كالمصريين، فلما خرجوا منها أهملوا الاحتفال به، كما أهملوا كثيرا من عادات المصريين، شأن الكاره الذى يريد أن يتملص من الماضى البغيض وآثاره. لكن العادات القديمة لا يمكن التخلص منها نهائيا وبسهولة، فأحب اليهود أن يحتفلوا بالربيع لكن بعيدا عن مصر وتقويمها، فاحتفلوا به كما يحتفل البابليون، واتبعوا فى ذلك تقويمهم وشهورهم.
فالاحتفال بالربيع كان معروفا عند الأمم القديمة من الفراعنة والبابليين والأشوريين، وكذلك عرفه الرومان والجرمان، وإن كانت له أسماء مختلفة، فهو عند الفراعنة عيد شم النسيم، وعند البابليين والأشوريين عيد ذبح الخروف، وعند اليهود عيد الفصح، وعند الرومان عيد القمر، وعند الجرمان عيد "إستر" إلهة الربيع.
وأخذ احتفال اليهود به معنى دينيا هو شكر الله على نجاتهم من فرعون وقومه.
وأطلقوا عليه اسم "عيد بساح" الذى نقل إلى العربية باسم "عيد الفصح" وهو الخروج، ولعل مما يشير إلى هذا حديث رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى أن اليهود تصوم عاشوراء، فقال لهم "ما هذا اليوم الذى تصومونه"؟ قالوا: هذا يوم عظيم، نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه. وفى رواية فنحن نصومه تعظيما له.
غير أن اليهود جعلوا موعدا غير الذى كان عند الفراعنة، فحددوا له يوم البدر الذى يحل فى الاعتدال الربيعى أو يعقبه مباشرة.
ولما ظهرت المسيحية فى الشام احتفل المسيح وقومه بعيد الفصح كما كان يحتفل اليهود. ثم تآمر اليهود على صلب المسيح وكان ذلك يوم الجمعة 7 من أبريل سنة 30 ميلادية، الذى يعقب عيد الفصح مباشرة، فاعتقد المسيحيون أنه صلب فى هذا اليوم، وأنه قام من بين الأموات بعد الصلب فى يوم الأحد التالى، فرأى بعض طوائفها أن يحتفلوا بذكرى الصلب فى يوم الفصح، ورأت طوائف أخرى أن يحتفلوا باليوم الذى قام فيه المسيح من بين الأموات، وهو عيد القيامة يوم الأحد الذى يعقب عيد الفصح مباشرة، وسارت كل طائفة على رأيها، وظل الحال على ذلك حتى رأى قسطنطين الأكبر إنهاء الخلاف فى "نيقية" سنة 325 ميلادية وقرر توحيد العيد، على أن يكون فى أول أحد بعد أول بدر يقع فى الاعتدال الربيعى أو يعقبه مباشرة، وحسب الاعتدال الربيعى وقتذاك فكان بناء على حسابهم فى يوم 21 من مارس "25 من برمهات" فأصبح عيد القيامة فى أول أحد بعد أول بدر وبعد هذا التاريخ أطلق عليه اسم عيد الفصح المسيحى تمييزا له عن عيد الفصح اليهودى.
هذا ما كان عند اليهود وتأثر المسيحيين به فى عيد الفصح. أما الأقباط وهم المصريون الذين اعتنقوا المسيحية فكانوا قبل مسيحيتهم يحتفلون بعيد شم النسيم كالعادة القديمة، أما بعد اعتناقهم للدين الجديد فقد وجدوا أن للاحتفال بعيد شم النسيم مظاهر وثنية لا يقرها الدين، وهم لا يستطيعون التخلص من التقاليد القديمة، فحاولوا تعديلها أو صبغها بصبغة تتفق مع الدين الجديد، فاعتبروا هذا اليوم يوما مباركا بدأت فيه الخليقة، وبشَّر فيه جبريل مريم العذراء بحملها للمسيح، وهو اليوم الذى تقوم فيه القيامة ويحشر الخلق، ويذكرنا هذا بحديث رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة "صحيح مسلم بشرح النووى" ج 6 ص 142".
فاحتفل أقباط مصر بشم النسيم قوميا باعتباره عيد الربيع، ودينيا باعتباره عيد البشارة، ومزجوا فيه بين التقاليد الفرعونية والتقاليد الدينية. وكان الأقباط يصومون أربعين يوما لذكرى الأربعين التى صامها المسيح عليه السلام، وكان هذا الصوم يبدأ عقب عيد الغطاس مباشرة، فنقله البطريرك الإِسكندرى ديمتريوس الكرام، وهو البطريرك الثامن عشر " 188 - 234 م " إلى ما قبل عيد القيامة مباشرة، وأدمج فى هذا الصوم صوم أسبوع الآلام، فبلغت عدته خمسة وخمسين يوما، وهو الصوم الكبير، وعمَّ ذلك فى أيام مجمع نيقيه " 325 م " وبهذا أصبح عيد الربيع يقع فى أيام الصوم إن لم يكن فى أسبوع الآلام، فحرم على المسيحيين أن يحتفلوا بهذا العيد كعادتهم القديمة فى تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ولما عز عليهم ترك ما درجوا عليه زمنا طويلا تخلصوا من هذا المأزق فجعلوا هذا العيد عيدين، أحدهما عيد البشارة يحتفل به دينيا فى موضعه، والثانى عيد الربيع ونقلوه إلى ما بعد عيد القيامة، لتكون لهم الحرية فى تناول ما يشاءون، فجعلوه يوم الاثنين التالى لعيد القيامة مباشرة، ويسمى كنسيًّا "اثنين الفصح" كما نقل الجرمانيون عيد الربيع ليحل فى أول شهر مايو.
من هذا نرى أن شم النسيم بعد أن كان عيدا فرعونيا قوميا يتصل بالزراعة جاءته مسحة دينية، وصار مرتبطا بالصوم الكبير وبعيد الفصح أو القيامة، حيث حدد له وقت معين قائم على اعتبار التقويم الشمسى والتقويم القمرى معا، ذلك أن الاعتدال الربيعى مرتبط بالتقويم الشمسى، والبدر مرتبط بالتقويم القمرى، وبينهما اختلاف كما هو معروف، وكان هذا سببا فى اختلاف موعده من عام لآخر، وفى زيادة الاختلاف حين تغير حساب السنة الشمسية من التقويم اليوليانى إلى التقويم الجريجورى. وبيان ذلك: أن التقويم القمرى كان شائعا فى الدولة الرومانية، فأبطله يوليوس قيصر، وأنشأ تقويما شمسيا، قدر فيه السنة ب 25، 365 يوما، واستخدم طريقة السنة الكبيسة مرة كل أربع سنوات، وأمر يوليوس قيصر باستخدام هذا التقويم رسميا فى عام 708 من تأسيس روما، وكان سنة 46 قبل الميلاد، وسمى بالتقويم اليوليانى، واستمر العمل به حتى سنة 1582 م حيث لاحظ الفلكيون فى عهد بابا روما جريجوريوس الثالث عشر خطأ فى الحساب الشمسى، وأن الفرق بين السنة المعمول بها والحساب الحقيقى هو 11 دقيقة، 14 ثانية، وهو يعادل يوما فى كل 128 عاما، وصحح البابا الخطأ المتراكم فأصبح يوم 5 من أكتوبر سنة 1582 هو يوم 15 أكتوبر سنة 1582 م وهو التقويم المعروف بالجريجورى السائد الآن. وعندما وضع الأقباط تاريخهم وضعوه من يوم 29 من أغسطس سنة 284 م الذى استشهد فيه كثيرون أيام " دقلديانوس" جعلوه قائما على الحساب اليوليانى الشمسى، لكن ربطوه دينيا بالتقويم القمرى، وقد بنى على قاعدة وضعها الفلكى "متيون" فى القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أن كل 19 سنة شمسية تعادل 235 شهرا قمريا، واستخدم الأقباط هذه القاعدة منذ القرن الثالث الميلادى. وقد وضع قواعد تقويمهم المعمول به إلى الآن البطريرك ديمتريوس الكرام، وساعده فى ذلك الفلكى المصرى بطليموس.
وبهذا يحدد عيد القيامة "الذى يعقبه شم النسيم" بأنه الأحد التالى للقمر الكامل "البدر" الذى يلى الاعتدال الربيعى مباشرة. وقد أخذ الغربيون الحساب القائم على استخدام متوسط الشهر القمرى لحساب ظهور القمر الجديد وأوجهه لمئات السنين "وهو المسمى بحساب الألقطى" وطبقوه على التقويم الرومانى اليوليانى، فاتفقت الأعياد المسيحية عند جميع المسيحيين كما كان يحددها التقويم القبطى، واستمر ذلك حتى سنة 1582 م حين ضبط الغربيون تقويمهم بالتعديل الجريجورى. ومن هنا اختلف موعد الاحتفال بعيد القيامة وشم النسيم.
أستمحيك عفوا أيها القارئ الكريم إذْ أتعبتك بذكر تطورات التقويم وتغير مواعيد الأعياد، إذ قد لخصتها من عدة مواضع من كتاب "تاريخ الحضارة المصرية، ومن بحث للدكتور عبد الحميد لطفى فى مجلة الثقافة "عدد 121" لسنتها الثالثة فى 22 / 4 / 1941 م ومن منشورات بالصحف: الجمهورية 15/4/1985، الأهرام 20/4/1987، 11/4 /1988 فإنى قصدت بذلك أن تعرف أن عيد الربيع الحقيقى ثابت فى موعده كل عام، لارتباطه بالتقويم الشمسى. أما عيد شم النسيم فإنه موعد يتغير كل عام لاعتماده مع التقويم الشمسى على الدورة القمرية، وهو مرتبط بالأعياد الدينية غير الإسلامية، ولهذه الصفة الدينية زادت فيه طقوس ومظاهر على ما كان معهودا أيام الفراعنة وغيرهم، فحرص الناس فيه على أكل البيض والأسماك المملحة، وذلك ناشىء من تحريمها عليهم فى الصوم الذى يمسكون فيه عن كل ما فيه روح أو ناشىء منه، وحرصوا على تلوين البيض بالأحمر، ولعل ذلك لأنه رمز إلى دم المسيح على ما يعتقدون وقد تفنن الناس فى البيض وتلوينه حتى كان لبعضه شهرة فى التاريخ.
فقد قالوا: إن أشهر أنواع البيض بيضة هنرى الثانى التى بعث بها إلى "ديانادى بواتييه" فكانت علبة صدف على شكل بيضة بها عقد من اللؤلؤ الثمين، كما بعث لويس الرابع عشر للآنسة "دى لا فاليير" علبة بشكل بيضة ضمنها قطعة خشب من الصليب الذى صلب عليه المسيح، ولويس الخامس عشر أهدى خطيبته "مدام دى بارى" بيضة حقيقية من بيض الدجاج مكسوة بطبقة رقيقة من الذهب، وهى التى قال فيها الماركيز "بوفلر" لو أنها أكلت لوجب حفظ قشرتها "مهندس/ محمد حسن سعد - الأهرام 25 من أبريل 1938.
وقيصر روسيا "الإِسكندر الثالث" كلف الصائغ "كارل فابرج" بصناعة بيضة لزوجته 1884 م، استمر فى صنعها ستة أشهر كانت محلاة بالعقيق والياقوت، وبياضها من الفضة وصفارها من الذهب، وفى كل عام يهديها مثلها حتى أبطلتها الثورة الشيوعية 1917 م.
وبعد، فهذا هو عيد شم النسيم، الذى كان قوميا ثم صار دينيا، فما حكم احتفال المسلمين به؟ لا شك أن التمتع بمباهج الحياة من أكل وشرب وتنزه أمر مباح ما دام فى الإِطار المشروع، الذى لا ترتكب فيه معصية ولا تنتهك حرمة ولا ينبعث من عقيدة فاسدة. قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} المائدة: 87 وقال {قل من حرَّم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق} الأعراف: 32. لكن هل للتزين والتمتع بالطيبات يوم معين أو موسم خاص لا يجوز فى غيره، وهل لا يتحقق ذلك إلا بنوع معين من المأكولات والمشروبات، أو بظواهر خاصة؟ هذا ما نحب أن نلفت الأنظار إليه. إن الإِسلام يريد من المسلم أن يكون فى تصرفه على وعى صحيح وبُعد نظر، لا يندفع مع التيار فيسير حيث يسير ويميل حيث يميل، بل لا بد أن تكون له شخصية مستقلة فاهمة، حريصة على الخير بعيدة عن الشر والانزلاق إليه، وعن التقليد الأعمى، لا ينبغى أن يكون كما قال الحديث " إمَّعة " يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن يجب أن يوطِّن نفسه على أن يحسن إن أحسنوا، وألا يسىء إن أساءوا، وذلك حفاظًا على كرامته واستقلال شخصيته، غير مبال بما يوجه إليه من نقد أو استهزاء، والنبى صلى الله عليه وسلم نهانا عن التقليد الذى من هذا النوع فقال "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" رواه البخارى ومسلم.
فلماذا نحرص على شم النسيم فى هذا اليوم بعينه والنسيم موجود فى كل يوم؟ إنه لا يعدو أن يكون يوما عاديًّا من أيام الله حكمه كحكم سائرها، بل إن فيه شائبة تحمل على اليقظة والتبصر والحذر، وهى ارتباطه بعقائد لا يقرها الدين، حيث كان الزعم أن المسيح قام من قبره وشم نسيم الحياة بعد الموت.
ولماذا نحرص على طعام بعينه فى هذا اليوم، وقد رأينا ارتباطه بخرافات أو عقائد غير صحيحة، مع أن الحلال كثير وهو موجود فى كل وقت، وقد يكون فى هذا اليوم أردأ منه فى غيره أو أغلى ثمنا.
إن هذا الحرص يبرر لنا أن ننصح بعدم المشاركة فى الاحتفال به مع مراعاة أن المجاملة على حساب الدين والخلق والكرامة ممنوعة لا يقرها دين ولا عقل سليم، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول " من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكَّله الله إلى الناس " رواه الترمذى ورواه بمعناه ابن حبان فى صحيحه
(10/311)
________________________________________
لبس الحرير

المفتي
عطية صقر - مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم ارتداء الملابس الحريرية المنسوجة من ألياف صناعية؟

الجواب
الحرير الذى وردت فيه النصوص هو الحرير الطبيعى المأخوذ من دودة القز، أما الحرير الصناعى فيشبهه فى النعومة ولكن لا يأخذ حكمه، روى ابن ماجه عن على رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله فى يمينه بذهبا فجعله فى شماله ثم قال "إن هذين حرام على ذكور أمتى، حل لإناثهم" وقد تقدم بيان حكم الذهب، أما الحرير فجاء فيه إلى جانب ما ذكر ما رواه البخارى ومسلم "لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة" وما روياه أيضًا "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له" وروى البخارى عن حذيفة: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب فى آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيهما، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه.
ومحل الحرمة إذا لم تكن هناك ضرورة للبسه، كدواء من آفات أو حكة، فقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بذلك كما رواه البخارى ومسلم. والسفارينى فى كتابه "غذاء الألباب" بيَّن الأشياء التى يباح استعمال الحرير فيها، ومذاهب الفقهاء بخصوصها، مثل كيس المصحف وأطراف الثوب والأزرار وما إليها بما لا يزيد على أربع أصابع كما رواه مسلم.
جاء فى"ج 2 ص 157" من غذاء الألباب: يحرم لبسه وافتراشه والاتكاء عليه وتوسده وتعليقه وستر الجدر به غير الكعبة المشرفة، كما تحرم التكة وخيط السبحة، وذكر الدميرى الشافعى فى شرح المنهاج أنه يجوز حشو الجبة والمخدة من الحرير والجلوس عليه إذا بسط فوقه ثوب، ويحل خيط السبحة، وتحرم بطانة الجبة من الحرير، وفى لبس الصبيان له رأيان.
والمحرم من الحرير هو الخالص أما المخلوط فيحرم إذا كان الحرير غالبا فى الوزن أو المظهر، وجاء فيه أن أول من لبس الحرير قوم لوط كما ذكره السيوطى فى كتابه "الأوائل" وأن أول من استخرجه من الديدان وتعلمه من الجن هو "جمشيد" وكان فى أول أمره ملكا عادلا ثم طغى فسلب ملكه وهرب إلى الهند ومات مجوسيا قتله الضحاك من ملوك اليمن، وذكر السيوطى أن أول اتخاذ الرجال الحرير فى هذه الأمة فى خلافة على رضى الله عنه الذى سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول "أوشك أن تستحل أمتى فروج النساء والحرير" وهذا أول حرير رأيته على المسلمين، وقد أخرج البخارى تعليقا. وأبو داود والنسائى قول النبى صلى الله عليه وسلم "ليكونن من أمتى يستحلون الحِر والحرير" والحر- بكسر الحاء - فرج المرأة.
وذكر كلاما كثيرا عن صناعة الحرير والاتجار فيه والترفه به والصلاة فيه وغير ذلك من المسائل يمكن الرجوع إليها فى هذا الكتاب، وهو "غذاء الألباب " للسفارينى الحنبلى المتوفى سنة 1188 هجرية من صفحة 157 -172 من الجزء الأول. وفيه معلومات طيبة.
وأرى أن لبس الحرير الصناعى الذى يقارب فى مادته أو هيئته الحرير الطبيعى لا يليق بالرجال، وإذا قصدت به المباهاة كان حراما من أجل ذلك
(10/312)
________________________________________
العزلة والاختلاط

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى شاب لا يتعامل إلا مع المتعمقين فى الدين، ولا يصلى فى الجامع بل فى منزله خشية التعامل مع شباب قريته الذين لا يتورعون عن المعاصى كالغيبة والسباب، ولا يتعامل فى المدرسة إلا مع المتمسكين بالدين؟

الجواب
تحدث العلماء عن الاختلاط والعزلة أيهما أفضل، ووضح الإمام الغزالى ذلك فى كتابه "إحياء علوم الدين ".
وهذا الشاب إذا كان ضعيف الإرادة والعزيمة وخاف على نفسه الانحراف إذا تعامل مع جماعة فله الحق فى اعتزالهم، ولكن بعد أن يقوم بواجبه نحوهم، من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهنا يصدق عليه قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركّم من ضل إذا اهتديتم} المائدة: 105 والحديث الذى رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى "ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك نفسك ودع عنك أمر العوام".
أما إذا كان إيمانه قويا وإرادته قوية فمن الخير أن يختلط بالناس، ولا يحرم نفسه من صلاة الجماعة فى المسجد، ويقوم فى الوقت نفسه بالنصح والإرشاد بالقدر المستطاع، فلعل الله يهدى به الضالين، ولأن يهدى الله به رجلا واحد خير له من حمر النعم كما فى الحديث الشريف
(10/313)
________________________________________
حق الضيافة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
مع اختلاف نظم الحياة والمجتمعات أصبحت بيوتنا لا تسمح بإقامة الضيوف فيها لعدة أيام، والإسلام أمرنا بإكرام الضيف وبخاصة مع أولى الأرحام، فما هى الأسس التى وضعها الإسلام لهذه العلاقات؟

الجواب
صح عن النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه البخارى ومسلم أنه قال "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" ومن إكرامه إطعامه وتقديم ما يلزمه، ومنه الإيواء فى مسكن مناسب.
ونظرا لتغير الظروف فى بعض البلاد والأزمان قد يصعب على الإِنسان تدبير مكان لائق للضيف يقيم به المدة المطلوبة، ولذلك فكر بعض الناس فى إعداد دار للضيافة تواجه بها مثل هذه الحالة كالفندق.
جاء فى كتاب "غذاء الألباب" للسفارينى "ج 2 ص 128" أن إبراهيم عليه السلام أول من بنى دار الضيافة وجعل فيها كسوة الشتاء والصيف ومائدة منصوبة عليها طعام. وأثنى السفارينى على ضيافة إبراهيم من أحد عشر وجها يمكن الرجوع إليها. ثم قال: ضيافة المسلم المسافر المجتاز واجبة على المسلم النازل به فى القرى والأمصار مجانا يوما وليلة، وذلك قدر كفايته، وللضيف حق المطالبة بذلك إذا امتنع عنها، وقال:
تُسَنُّ ثلاثة أيام، وجاء فى حديث رواه البخارى ومسلم وغيرهما قوله "ولا يحل له -أى للضيف - أن يثوى -يقيم- عنده حتى يحرجه".
إذا كانت صلة الرحم مطلوبة فهى فى نطاق الوسع، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وننصح الضيوف والأقارب عند زيارتهم لأصدقائهم أو أقاربهم أن يراعوا ظروفهم، وبخاصة فى البيوت الضيقة فلا يطيلوا الإِقامة عندهم.
وحبذا لو أقام أهل البلد أو الحى دارا لمثل هذه الظروف. وقد يكون فى الفنادق فى المدن منفذ للطوارئ وفيها مستويات تتناسب مع قدرة المضيف. وعلى كل حال فالذوق إحساس نبيل تنبغى مراعاته منعا للإِحراج فى الإِقامة بالذات ما دام هناك متسع فى أماكن خاصة لذلك
(10/314)
________________________________________
بين الفتوى والقضاء

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
بعض الأحكام الشرعية قد تصدر أحيانا من جهات متعددة، وقد يكون الحكم فى المسألة الواحدة مختلفا من جهة إلى أخرى، فأى الجهات نصدق؟ وهل يجب الالتزام بالفتوى؟

الجواب
كانت الأحكام الشرعية سهلة المأخذ فى صدر الإِسلام، إما من القرآن وإما من السنة. فكان القرآن يجيب على الأسئلة وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيب على ما يوجه إليه من أسئلة، وكان الصحابة والتابعون من بعدهم يعرفون الأحكام ويعلِّمون من لم يعرفها من الذين لم تتيسر لهم معرفتها مباشرة من الكتاب والسنة.
والمفروض فيمن يجهل حكما شرعيًّا أن يسأل عنه من يعرفه، والمفروض أيضا فيمن يعلم أن يعلِّم من لا يعلم، والنصوص فى ذلك معروفة.
ومن الأحكام الشرعية ما هو موضع اتفاق لا يختلف فيه اثنان، كصلاة الظهر أربع ركعات، ومنها ما فيه اختلاف لعدم ورود النص الصريح الواضح فيه، وقام المجتهدون بمحاولة معرفته من المصادر الأساسية حسب القواعد المعروفة للاستنباط. وذلك كقراءة الفاتحة خلف الإِمام. وفى هذا النوع قد تختلف الآراء، ويمكن لأى إنسان أن يأخذ بأى رأى منها دون حرج بعيدا عن التلفيق الذى تتتبع فيه الرخص ويُسْلِمُ إلى حكم فى المسألة لا يقول به أحد من المجتهدين كالزواج بغير صداق ولا ولى ولا شهود.
وكان فى الصحابة مجتهدون تختلف أنظارهم فى المسألة الواحدة، وكذلك كان فى التابعين مثلهم، وكان الاختلاف محدودا، ثم كثر بتقدم الزمن وكثرة الحوادث التى لم يرد فيها نص وليست لها نظائر سابقة يقاس عليها إن توافرت عوامل الصحة للقياس، وبانتشار العلماء فى الأقطار كان بعض الأقطار يميل إلى رأى العالم البارز فيها، وحدث فى بعض الأقطار أن اختار الحاكم فيها رأيا من آراء العلماء ليكون القضاء والفتوى على أساسه، وجاءت القاعدة التى قررها الأصوليون وهى "حكم الحاكم يرفع الخلاف" فطبقت فى بعض البلاد على المؤسسات الرسمية، وتركت لغيرها الحرية فى اتباع أى رأى من الآراء الاجتهادية واختياره للإجابة على الأسئلة التى توجه إليها. فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم كانت السلطات الثلاثة المعروفة حديثا فى يده عليه الصلاة والسلام، وهى السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية. ثم فصلت بعد ذلك بتطور النظم، ومن السلطة التشريعية كان منصب الإِفتاء، ومن القضائية كان منصب القضاء. وظهرت الصفة الرسمية لهذين المنصبين فى الدولة الإِسلامية فى عهد السلطان سليمان القانونى سنة 926 هـ (1520م) ونهض بأمور الدنيا والدين، ولما ضعفت الدولة العثمانية ظهر فى مصر نظام الامتياز ونشأت المحاكم المختلطة سنة 1875 م، وصدرت اللائحة الشرعية سنة 1880 م، وجرى نص المادة "25" منها بأن المحاكم الشرعية هى المختصة بنظر مواد الأحوال الشخصية وما يتفرع عنها، وكذا فى مواد القتل " ما يسمى الآن بالقانون الجنائى " ولذلك كان عرض الأحكام على "المفتى" واجبا، ثم جاءت المحاكم الأهلية سنة 1883 م التى صنعها الاستعمار، فضعف شأن المحاكم الشرعية واقتصرت على الأحوال الشخصية فقط.
كان الجامع الأزهر الشريف هو المرجع لمعرفة الأحكام الشرعية عند الحاجة إليها، فكانت المحاكم تطلب من شيخه الرأى فى المسألة الدينية ليستنير به القاضى فى الحكم، وصدر قرار رسمى بمنصب الإِفتاء مع منصب مشيخة الأزهر ثم أضيف منصب الإِفتاء إلى وزارة العدل فكان يختار المفتى من كبار القضاة ومن أعضاء المحكمة العليا الشرعية بالذات، ثم ألغى القضاء الشرعى سنة 1955 م، ومع ذلك بقى منصب المفتى إلى الآن، وحصرت مهمته الرسمية فى أمرين: إثبات أوائل الشهور العربية وبخاصة ما فيها مواسم، وأخذ الرأى فى الإعدام بالقصاص بعد إجراءات المحاكمة، ورأيه فى الأمر الأول ملزم كما كان رأى المحكمة العليا الشرعية قبل إلغائها ملزما، ورأيه فى الأمر الثانى استشارى غير ملزم.
وآراؤه فى المسائل الأخرى -بعد إلغاء الاحتفال بالمحمل وبوفاء النيل- ليست رسمية، وبالتالى ليست ملزمة، فهى كرأى أى عالم من علماء الدين، فى المسائل الفرعية والجزئية والمحلية أما المسائل الكبرى والقضايا الهامة التى تعم العالم الإِسلامى فالمرجع فيها هو شيخ الأزهر بوصفه رئيسا لمجمع البحوث الإِسلامية حسب القانون الأخير رقم 103 لسنة 1961م.
العلاقة بين الإِفتاء والقضاء:
قال الخبراء: إن هناك فرقا بين الإِفتاء والقضاء من جهتين، الأولى أن الفتوى لا تتعدى أن تكون إخبارا عن الله تعالى لمجرد بيان الحكم، وليس فيها إلزام بهذا الحكم، أما القضاء فهو إلى جانب الإخبار عن الله تعالى ببيان الحكم، فيه إلزام بهذا الحكم، وللقاضى حق إقامة الحدود والقصاص. وله الحبس والتعزير عند عدم الامتثال.
والثانية أن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى، يعنى كل ما فيه قضاء يمكن أن يكون فيه فتوى، وليس العكس، يعنى ليس كل ما فيه فتوى يمكن أن يكون فيه قضاء، فالأحكام الشرعية قسمان، قسم يقبل القضاء مع الفتوى كمسائل المعاملات والأحوال الشخصية فى الزواج والطلاق وما يتعلق بهما، وقسم لا يقبل إلا الفتوى كالعبادات فليس للقاضى أن يحكم بصحة الصلاة أو بطلانها.
وذلك إلى جانب أن القضاء يقوم على خصومة يستمع فيها القاضى إلى الدعوى وأدلتها، بخلاف الفتوى فليس لها ذلك، إذ هى واقعة يطلب صاحبها حكم الشرع فيها.
ثم قال الخبراء: قد تكون الفتوى ملزمة إذا التزم المستفتى بالعمل بها، أو شرع فى تنفيذ الحكم الذى كشفته الفتوى، أو اطمأن قلبه إلى صحتها، أو لم يجد إلا مفتيا واحدا، فلو وجد أكثر من مفت وتوافقت الفتويان لزم العمل بها، وإن اختلفتا فإن استبان له الحق فى إحداهما لزمه العمل بها، وإلا كان عليه العمل بفتوى من يطمئن إليه علما ودينا.
بعد هذا أقول للسائل: إن أى فتوى من عالم موثوق به توافق أى مذهب من المذاهب الفقهية المعروفة يجوز الأخذ بها، أيا كانت وظيفة العالم، كما يجوز له عدم الأخذ بها لأنها غير ملزمة إلا فى الأحوال التى سبق ذكرها، وذلك فيما عدا ما يصدر من المفتى الرسمى بخصوص مواعيد المناسبات الدينية التى كانت من اختصاص المحكمة العليا الشرعية، فذلك قضاء أو يشبهه، ويمكن الرجوع إلى الفتوى الخاصة بأن اختلافهم رحمة
(10/315)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:15 am

الغيبة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
من الأمراض الخلقية المتفشية بين الناس مرض الغيبة، نريد توضيحا لمعناها وما تتحقق به والباعث عليها وأثرها وما هو علاجها؟

الجواب
الكلام عن الغيبة يكون عن عدة أمور هى:
1 - تعريفها: هى ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تدرون ما الغيبة"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال " ذكرك أخاك بما يكرهه " قيل: أرأيت إن كان فى أخى ما أقوله؟ قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه " رواه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى، سواء فى ذلك أن يكون ما يكرهه الإِنسان فى بدنه أو نسبه أو خلقه أو قوله أو فعله أو فى غير ذلك، وقال الحسن: ذكر الغير على ثلاثة أنواع: الغيبة والبهتان والإِفك. فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإِفك أن تقول ما بلغك.
2 - ما تتحقق به الغيبة قد تكون باللسان، وقد تكون بالإِشارة، وقد تكون بالمحاكاة والتقليد، بل قد تكون بالقلب وانعقاده على العيب وهو سوء الظن قالت السيدة عائشة رضى الله عنها: دخلت علينا امرأة، فلما ولَّتْ أومأتُ بيدى أنها قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام "اغتبتيها" رواه ابن أبى الدنيا وابن مردويه. كما قالت عائشة: حاكيت إنسانا - يعنى قلدته، فقال لى النبى صلى الله عليه وسلم "ما يسرنى أنى حاكيت إنسانا ولى كذا وكذا" رواه الترمذى وصححه، يعنى: لو أعطيتُ شيئا كثيرا من المال فى مقابل أننى أقلِّد أحدا بما يكرهه، لا أفعل ذلك - ولو سمع إنسان شخصا يغتاب أحدا فرضى بكلامه واستلذه ولم ينكره كان شريكا فى الغيبة، لأنه رضى بذكر أخيه بالعيب.
3 - أثرها فى الدنيا: تفرق بين الناس، وتورث العداوة فيما بينهم، وفيها فضيحة وهتك أستار، وقد تجر إلى ما هو أسوأ من ذلك.
4 - الأسباب الباعثة عليها: أسبابها كثيرة، منها: الحقد والغضب، ومجاملة الأقران وموافقة الرفقاء، والتقدم عند الرئيس لهدم المغتاب، والهزل وإضاعة الوقت والتبرؤ من العيب لإِلصاقه بغيره والحسد السخرية والاحتقار، بل قد يبعث عليها الغضب لله، فقد روى أحمد بإسناد صحيح عن عامر بن واثلة أن رجلاً مرَّ على قوم فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم فسلَّم عليهم فردوا عليه السلام، فلما جاورهم قال رجل منهم إنى لأبغض هذا فى الله، فلما بلغه ذلك اشتكاه إلى النبى صلى الله عليه وسلم ليبين له لماذا يبغضه فى الله، فسأله فقال الرسول لماذا تبغضه؟ فقال: أنا جاره والله ما رأيته يصلى صلاة قط! إلا هذه المكتوبة، فقال الرجل: وهل رأيتنى أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو الركوع أو السجود؟ فقال لا، كما سأله عن مثل ذلك فى الصوم حيث لا يصوم إلا رمضان، وعن الزكاة فلا يتجاوزها إلى الصدقات الأخرى، فقال الرسول للرجل " قُمْ فلعله خير منك " والمراد أنه ما دام يقوم بالفرائض فلا يصح أن يعاب ويبغض لأنه لم يقم بالنوافل - " الإحياء ج 3 ص 128".
5 - صفات المغتاب: الذى يغتاب غيره فيه صفات ذميمة، فهو حقود، عديم المروءة، مفتخر، حسود، مُرَاءٍ، غافل عن الله، غافل عن عيوبه هو، فاسق لأن الغيبة من الكبائر، مضيع لحسناته لأن من اغتابه يأخذ منها، حامل لسيئات غيره، مشيع على المسلم ما ليس فيه من أجل أن يعيبه، وفى ذلك حديث رواه الطبرانى بإسناد جيد " من ذكر امرأ بشىء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله فى نار جهنم حتى يأتى بنفاد ما قال " وفى رواية " أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها برئ يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة فى النار حتى يأتى بنفاد ما قال" أى حتى يأتى بالدليل على ما اتهمه به، والمغتاب مسلم ناقص الإسلام، لحديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " رواه البخارى ومسلم.
6- أثرها على العبادة: رأى بعض الفقهاء أن الغيبة تبطل الصيام، فإن لم تبطله نقصت من ثوابه، للحديث الذى رواه أحمد فى الفتاتين اللتين كانتا تغتابان أثناء الصيام، حيث استقاءت كل منهما قيحًا ودما وصديدا ولحما وذلك أمام النبى صلى الله عليه وسلم فقال " إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس " وكان عطاء من كبار علماء التابعين يرى بطلان الوضوء والصلاة والصيام بالغيبة " الإِحياء ج 3 ص 124 " وحسنات المغتاب تنقل إلى من يغتابه، يقول الحسن لرجل قال له: لماذا تغتابنى، أنت لست عظيما حتى أحكمك فى حسناتى " ص 129 " وروى عن الحسن أن رجلا قال له: إن فلانا قد اغتابك، فبعث إليه رطبا على طبق، وقال له بلغنى أنك أهديت إلىَّ من حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرنى فإنى لا أقدر أن أكافئك على التمام " ص، 134 ".
7 -عقابها عند الله: المغتاب انتهك حرمة أخيه، والحديث يقول "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " رواه مسلم، وروى حديث ضعيف يقول إن الغيبة أشد من الزنى، (ص 207 ترغيب) وقد غضب النبى من سماع الغيبة، كما غضب على عائشة حين قالت عن صفية: إنها قصيرة، فقال لها " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح.
وجعلها القرآن كأكل لحم الميت فى قوله تعالى {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} الحجرات:
12 وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده فقال النبى صلى الله عليه وسلم " تَخَلَّلْ " فقال: ومِم أتخلل وما أكلت لحما؟ قال " إنك أكلت لحم أخيك" رواه الطبرانى ورواته رواة الصحيح، وفى حديث مقبول أن المغتابين يؤذون أهل النار برائحتهم ومنظرهم القبيح زيادة على ما هم فيه من الأذى، وجاء فى حديث أيضًا أن لحم الميت يقرب للمغتاب ويقال له كله ميتا كما أكلته حيا، كما جاء فى حديث رواه ابن حبان فى صحيحه أن أكل جيفة الحمار أهون من الغيبة، وجاء فى حديث أحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم مَرَّ ليلة الإِسراء على قوم يأكلون الجيف وأخبره جبريل أنهم الذين يأكلون لحوم الناس، وفى حديث رواه أبو داود أن المغتابين لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، كما رآهم النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وفى حديث رواه أحمد أن ريحا منتنة ارتفعت فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بأنها رائحة الذين يغتابون المؤمنين، وأخرج أحمد بسند رجاله ثقات أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذَّبان، أى يعذب من فيهما، ووضع عليهما جريدة عسى أن يخفف الله بها عنهما، وذلك من أجل الغيبة والبول، أو فى النميمة والبول، "الترغيب ج 3 ص 208" والغيبة -كما سبق- تبطل العبادة عند بعض العلماء، وتأكل الحسنات، وتحمل صاحبها سيئات الناس الذين اغتابهم.
8-عدم المشاركة فيها: من سمع شخصا يغتاب غيره لا ينبغى أن يوافقه ويسكت ويرضى، فالله يقول فى شأن الصالحين {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} القصص: 55. ويقول {وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره.. .
} الأنعام: 68 ويجب الذب عن عرض أخيه، فقد جاء فى الحديث الذى رواه الترمذى وحسنه " من ردَّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة".
9 -ما يباح من الغيبة: إذا كان ذكر الإنسان غيره بما يكرهه محرما لأنه غيبة، فقد تكون هناك حالات يجوز للإنسان أن يذكر عيوب غيره لا من أجل التحقير والاستهزاء، وذلك فى مثل التظلم لنيل الحق وعرض الظلامة بذكر ما يكرهه الظالم، قال تعالى {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} النساء: 148 حيث لا ينال الحق إلا بذكر الظالم بالرشوة أو التباطؤ فى العمل أو السرقة ... ففى الحديث " إن لصاحب الحق مقالا" رواه البخارى ومسلم، وفى حديثهما أيضا " مَطل الغنى ظلم " وروى أبو داود والنسائى وابن ماجه بإسناد صحيح قوله صلى الله عليه وسلم " لَىُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه " أى تأخر القادر عن سداد دينه يبيح لصاحب الدين طلب عقوبته والتحدث فى عرضه بما يكرهه.
ومنها التوسل بالغيبة لإِزالة منكر، وذلك بالدلالة عليه، كما بلغ زيد ابن أرقم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ما قاله أبى بن خلف {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} المنافقون: 8 وعبد الله بن مسعود بلغ النبى صلى الله عليه وسلم عيب بعض المسلمين قسمته للمال، كما تباح الغيبة للفتوى، فقد قالت هند للنبى صلى الله عليه وسلم عن زوجها أبى سفيان: إنه شحيح ولا يعطيها ما يكفيها النفقة (متفق عليه) وذكر الصحابة أمام النبى امرأة تكثر من الصلاة والصيام ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها، كما رواه ابن حبان وصححه الحاكم، فقال " هى فى النار " ولم ينكر عليهم أنهم عابوها بذلك. ومنها تحذير المسلمين من شره بذكر عيبه كقول النبى صلى الله عليه وسلم " بئس أخو العشيرة " متفق عليه، وقال الغزالى فى كتابه "الإِحياء ج 3 ص 132" يجوز كشف بدعة المبتدع وفسقه حتى لا ينخدع الناس به،ففيه توعية ونصيحة للمسلمين للبعد عن شره، ومنها المشورة عند شراء شىء فيذكر العارف بعيوبه ما فيه من عيوب، والمشورة عند الزواج أيضا لمعرفة حال العروسين، فالمستشار مؤتمن، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس عن معاوية بأنه صعلوك لا مال له، حين استشارته فى زواجها منه، وكذلك لو كان الشخص مجاهرا بفسقه ومعصيته ولا يبالى أن يذكره الناس بالسوء، فقد روى فى حديث "أترغبون عن ذكر الفاجر، اهتكوه حتى يعرفه الناس، اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس" "الإِحياء ج 3 ص 132 " فمن ألقى جلباب الحياء عن وجهة فلا غيبة له، كما روى فى حديث ضعيف. وقال عمر " ليس لفاجر حرمة" ص 133. وجاء فى المصدر السابق ص 132:
كانوا يقولون: ثلاثة لا غيبة لهم، الإِمام الجائر، والمبتدع، والمجاهر بفسقه.
وليس من الغيبة أن يذكر الإِنسان غيره بلقب يعرف به ويشتهر، ولا يكاد يعرف بغيره، كالأعرج والأسود.
10- كفارة الغيبة: من وقعت منه غيبة يجب أن يتوب منها، وذلك بالندم والعزم على عدم العود إلى المعصية، وتتم التوبة باستحلال المظلوم وطلب العفو عنه، وكذلك بالاستغفار له، يقول ابن القيم:
لا يلزم استحلاله كالحقوق المالية، لعدم فائدة ذلك، ولأنه ربما يترتب عليه ضرر " غذاء الألباب ج 1 ص 93".
11 -علاج الغيبة: علاجها يكون بالتوعية من أخطارها الدنيوية والأخروية التى سبق بعضها، كما تعالج بانشغال الإِنسان بعيوب نفسه بدل الانشغال بعيوب الناس، وكذلك عدم مجاملة الناس بالاشتراك فيها، وخشية الله من الحقد والحسد وحب الذات وكراهة الخير للناس، ونهى المغتاب وعدم سماع غيبته، وتعويد اللسان على الكلام الطيب وعفته عن القول الخبيث، يقول مالك بن دينار:
مر عيسى عليه السلام ومعه الحواريون بجيفة كلب، فقال الحواريون:
ما أنتن ريح هذا الكلب، فقال عيسى عليه السلام: ما أشد بياض أسنانه، كأنه نهاهم عن غيبة الكلب وذكر القبيح " الإِحياء ج 3 ص 125".
يمكن الرجوع إلى "إحياء علوم الدين" ج 3 وإلى "الترغيب والترهيب" ج 3 وإلى "غذاء الألباب" ج 1
(10/316)
________________________________________
النميمة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
من الأمراض الخلقية الشائعة مرض النميمة، نريد كلمة جامعة عنها وما هو السبيل إلى علاجها؟

الجواب
الكلام عن النميمة يتناول عدة أمور هى:
1 -تعريفها: هى نقل الكلام بين طرفين لغرض الإِفساد. يقول الغزالى " الإحياء ج 3 ص 135 ": تطلق النميمة فى الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا، وتعرَّف النميمة أيضا بكشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه طرف ثالث وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز والإِيماء، فالنميمة إفشاء السر وكشف الستر عما يكره كشفه، وجاء فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم مر على قبرين يعذَّبان فوضع عليهما جريدة وقال إنهما يعذبان فى كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة بين الناس. يقول ابن القيم: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة والدماء، فمن ترك الاستبراء الذى هو مقدمة الصلاة، ومن نَمَّ والنميمة أصل العداوة المريقة للدماء، فحظهما العذاب الشديد " غذاء الألباب ج 1 ص 91 " ويقول الشاعر:
لى حيلة فيمن ينم وليس للكذاب حيلة * من كان يخلق ما يقول فحيلتى فيه قليلة 2 -مظاهرها: تكون النميمة بين الحبيبين وبين الزوجين، وبين الأسرتين، وبين الدولتين، وبين الرئيس والمرءوسين.
3 - آثارها: التفرقة بين الناس، قلق القلب، عار للناقل والسامع، حاملة على التجسس لمعرفة أخبار الناس، حاملة على القتل، وعلى قطع أرزاق الناس، جاء فى الحديث " لا يبلغنى أحد منكم عن أصحابى شيئا، فأنا أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر".
4 -صفات النمام: النمام ذليل، جاء فى إحياء علوم الدين "ج 3 ص 35 " أن رجلا سأل حكيما عن السماء وما أثقل منها؟ فقال:
البهتان على البرىء، وعن الأرض وما أوسع منها؟ فقال: الحق، وعن الصخر وما أقسى منه؟ فقال: قلب الكافر وعن النار وأحَرَّ منها؟ فقال: الحسد، وعن الزمهرير وما أبرد منه؟ فقال: الحاجة إلى القريب إذا لم تنجح. وعن البحر وما أغنى منه؟ فقال: القلب القانع، وعن اليتيم وما أذل منه؟ فقال: النمام إذا بان أمره، النمام كذاب، غشاش، مغتاب، خائن للسر، غادر للعهد، غال حسود، منافق، مفسد يحب الشر للناس، الصدق لا يذم من أحد إلا من النمام، ذو وجهين، متجسس، فاسق.
5 -أسبابها والغرض منها: إرادة السوء للمحكى عنه، وحب المحكى إليه والتزلف إليه، والتسلية والفضول.
6- عقابها: جاء فى الحديث " لا يدخل الجنة نمَّام " رواه البخارى ومسلم، عذابه فى القبر كما مر فى الحديث، حبسه فى جهنم حتى يأتى بالدليل على ما قاله، وقد مر فى موضوع الغيبة، هو ذو وجهين من أشد الناس عذابا يوم القيامة كما فى البخارى وقال تعالى {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} النساء: 108 وفى حديث أحمد " شرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرِّقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب " وفى حديث أبى داود " من كان له وجهان فى الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة" النميمة تحلق الدين لأنها تفسد ذات البين، كما فى حديث أبى داود والترمذى وصححه، وجاء فى حديث الطبرانى أنه قيل لعبد الله بن عمر: إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، فقال: كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليس له قيمة أدبية كما قال الله فى الوليد أو غيره {ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم} القلم: 10، 11 النمام شؤم لا تنزل الرحمة على قوم هو فيهم، فقد جاء فى الإحياء "ج 3 ص 35" عن كعب الأحبار أن بنى إسرائيل أصيبوا بقحط، فاستسقى موسى عليه السلام مرات، فما سقاهم الله، فأوحى إليه أن السبب هو وجود نمَّام معكم، فقال موسى: ومن هو يا رب حتى أخرجه؟ فقال: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما. والله أعلم بصحة هذا الخبر.
7-علاج النميمة: يكون بتوعية النمام بخطورة النميمة، بمثل ما سبق من الآيات والأحاديث والحكم، والتنفير منها بأنها صفة امرأة لوط، التى كانت تدل الفاسقين على الفجور، فعذبها الله كما عذبهم، وأنها صفة العتاة من المشركين كالوليد بن المغيرة الذى نهى الله نبيه عن طاعته، إلى غير ذلك من المنفرات لهذا المنكر، وحثه على التوبة منها قبل أن يقضى عليه.
وكذلك يكون علاجها من جهة السامع للنميمة، ببيان أنه أُذنٌ لا شخصية له، يقع فريسة لكل كلام ينقل إليه، وبيان أنه عدو للناس بسبب كلمة يسمعها، فيوقع عليهم الشر، أو يمنعهم الخير، وإظهار أنه كما يُنَمُّ له يُنَمَّ عليه، فالذى نقل إليه الكلام سينقل عنه الكلام، وأنه يحمل وزرا مع النمام لأنه يشجعه على ذلك.
واجب السامع عدم تصديق النميمة لأن النمام فاسق والفاسق مردود الشهادة، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} الحجرات:
6 كذلك يجب عليه أن ينصحه قياما بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن يبغضه لوجه الله لأنه مبغوض من الله والناس، وألا يظن سوءا بمن نقل عنه الكلام، فالله يقول {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} الحجرات: 12 وألا يحمله الكلام المنقول إليه على التجسس والبحث فالله قد نهى عن التجسس، وألا يحكى هذه النميمة حتى لا يكون نماما.
روى عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل ذكر له شيئا عن رجل آخر، فقال له عمر: إن شئت نظرنا فى أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية {هماز مشاء بنميم} وإن شئت عفونا عنك، فقال العفو يا أمير المؤمنين ولا أعود لذلك أبدا.
وقال رجل لعبد الله بن عامر، وكان أميرا، بلغنى أن فلانا أعلم الأمير أنى ذكرته بسوء، قال: قد كان ذلك، قال: فأخبرنى بما قال لك حتى أظهر كذبه عندك، قال: ما أحب أن أشتم نفسى بلسانى، وحسبى أنى لم أصدقه فيما قال، وقال مصعب بن الزبير: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شىء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعى، فلو كان صادقا فى قوله لكان لئيما فى صدقه، حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.
والسعاية هى النميمة، إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية. دخل رجل على سليمان بن عبد الملك الأمير الأموى، فقال له: إنى مكلمك كلاما فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته، فأذن له فى الكلام فقال: إنه قد أحاط بك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك فى الله، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، ولا تُصغ إليهم فيما استحفظك الله إياه ... أعلى قُرَبِهِمْ البغى والنميمة، وأجل وسائلهم الغيبة والوقيعة، وأنت مسئول عما أجرموا، وليسوا مسئولين عما أجرمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
ورفع بعض النمامين إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم، ويحمله على أخذه لكثرته، فكتب على ظهر الرقعة: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، ابتعد عن العيب فالله أعلم بالغيب، الميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعى لعنه الله.
وللمزيد يمكن الرجوع إلى إحياء علوم الدين الجزء الثالث
(10/317)
________________________________________
عجائب الدنيا السبع

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى العجائب السبع التى يتحدث عنها الناس؟ وما موقف الدين منها؟

الجواب
الروايات كثيرة فى تعيين هذه العجائب، وهى روائع فنية معمارية اعتبرها القدماء بمثابة عجائب، وهى حسب أكثر الروايات شيوعا سبع:
1- أهرام الجيزة المصرية، أو الهرم الأكبر وحده الذى بناه "خوفو" فيما بين سنتى 3733، 3700 قبل الميلاد على أرجح الأقوال.
مساحة القاعدة 13 فدانا، وارتفاعه 146 مترا، له مدخل فى الجانب الشمالى يفضى إلى ممر ضيق منحدر، يمر خلال حجرات تنتهى إلى حجرة الدفن. استغرق بناؤه حوالى عشرين عاما، بحجارة يزن الواحد منها فى المتوسط طنين ونصف الطن، نقلت من الضفة الشرقية لنهر النيل إلى الغرب بجهد خارق للعادة. وهى ما تزال مزارا للعالم إلى يومنا هذا.
2 - حدائق بابل المعلقة، وهى حدائق مقامة على أسوار مدينة بابل على نهر الفرات فى أيام حكم الملك "نبوخذ نصر" وينطق " بختنصر" الذى امتد لمدة أربع وأربعين سنة من توليه الحكم سنة 604 قبل الميلاد، كانت المدينة محل إعجاب الزوار من جميع أرجاء العالم، وتحدث عنها المؤرخون القدماء" فى القرن الخامس قبل الميلاد، والحدائق شرفات متدرجة بعضها فوق بعض تميل إلى الداخل، وتصل بينها درجات من الرخام، وكانت تروى بنافورات تستمد الماء من خزان كبير فى أعلى طبقة يملأ من النهر برافعة حلزونية، وكانت تتصل بكل طبقة قاعات فسيحة للحفلات وأحواض للسباحة تملأ بماء ملون، مع نافورات ومساقط يختلط خريرها بتغريد الطيور. وبعض المؤرخين ينسب هذه الحدائق إلى الملكة "سميراميس".
3 - تمثال الإِله " زيوس " الأوليمبى، نحته الفنان الإغريقى "فيدياس" وطعَّمه بالياقوت والزبرجد، وجعل له ثيابا من الذهب، وأقامه فى معبد " زيوس " فى الغيضة المقدسة بأوليمبيا، وكاد يصل - عندما اكتمل فى سنة 457 قبل الميلاد - إلى سقف القاعة الذى كان ارتفاعه نحو عشرين مترا، وكانت هذه البقعة هى مركز الألعاب الأوليمبية التى كانت تعقد كل خمس سنوات، وقد نقله الإِمبراطور "تيودور" الأول إلى القسطنطينية فيما بعد، حيث قضى عليه حريق شب فى سنة475 ميلادية.
4 -ثمثال الشمس فى " رودس" كانت جزيرة رودس فى عهد الإِغريق مركزا للفنون والصناعات، وكان أهلها يعبدون إله الشمس "وهيليوس " فكرموه بتمثال صنعه أحد كبار النحّاتين " تشاريس " فى القرن الثالث قبل الميلاد، بحيث يشرف على مرفأ " رودس " استغرق نحته اثنى عشر عاما وكان من البرونز يزداد بريقه عندما تقع عليه أشعة الشمس، وارتفاعه يبلغ ثلاثةّ وثلاثين مترا، ويمسك بيمينه شعلة. لم يدم أكثر من ستين سنة أسقطه زلزال سنة 224 قبل الميلاد.
5 - معبد "ديانا" ويسمى معبد " أرتميس " ابنة الإِله " زيوس " التى يعدها الإِغريق ربة الطبيعة، ويقيمون لها سنويا حفلات كبيرة ويسميها الرومان " ديانا " أقاموا لها معبدا فى " أفسوس " كبرى اثنتى عشرة مدينة يونانية فى آسيا الصغرى. بناه المهندس المعمارى الإِغريقى "تشرسيفورن " فى القرن السادس قبل الميلاد، ثم أحرقه "هيروستراتوس " سنة 356 قبل الميلاد، فأعاد،الإغريق بناءه، فهدمه "القوط " ثانية عندما اجتاحوا المدينة سنة 262 قبل الميلاد، وقيل: إن الذى بناه هو المهندس المعمارى للإِسكندر الأكبر المقدونى "ديتوكراتيس " وكان المعبد مقاما على بعد ميل من مدينة " أفسوس " عرضه حوالى خمسين مترا، ويزيد طوله على مائة متر، وبه مائة عمود، ارتفاع الواحد منها ستون مترا، وسُمكه متران، وسقفه مكسو بالرخام وأبوابه مطعمة بالعاج والذهب.
6 - ضريح " هاليكارناسوس " بآسيا الصغرى، فقد كان يحكم بلاد " كاريا" قبل ميلاد المسيح بحوالى ثلثمائة سنة ملك يدعى "ماوسولوس " ولما مات حوالى سنة 353 قبل الميلاد أصرت زوجته "أرتميسيا" على عمل ضريح له فى مدينة " هاليكارناسوس " عاصمة ملكه. وضع تصميمه المهندس " بيثيوس " وماتت الزوجة قبل أن يتم الضريح فاستمر العمل حتى كمل وكان ارتفاعه نحو ثلاثة وأربعين مترا، ومحيطه الخارجى نحو 122 مترا، صنعت قاعدته من الحجر الأخضر المعرق بالرخام، وأقيم فوق قمته تمثال لعربة قتال، وظل المعبد قائما حتى هدمه زلزال قبيل القرن الخامس عشر الميلادى.
7 - منار الإِسكندرية، المشهور بمنار " فاروس " نسبة إلى جزيرة صغيرة أوصلها الإِسكندر بالشاطئ عندما أمر المهندس "ديتوكراتس " بإنشاء المدينة والمرفأ لهداية السفن بعد أن ارتطمت بالصخور فى الظلام سفينة كانت تحمل عروسا لأحد مساعديه وقد عهد إلى هذا المساعد بالذات ويدعى " سوستراتوس " ببنائه على شكل برج شاهق بلغ ارتفاعه 122 مترا من عدة طبقات، وفوق القمة قفص من حديد، به ثغرات واسعة، وكانت النار توقد فيه كل مساء. وفى بعض الروايات أن المنار أنشئ سنة 270 قبل الميلاد فى عهد بطليموس فيلا ديلفوس " بطليموس الثانى" وقد ظل قائما حوالى 1500 سنة ثم دمره زلزال فى القرن الرابع عشر الميلادى.
هذه المعلومات مختصرة من بحث فى دائرة معارف الشعب "المجلد الأول ص 95 -99" وقد انتهت هذه العجائب ولم يبق منها إلا الأهرام، وهى عجائب استرعت الانتباه فى أزمانها من حيث الهندسة والضخامة والمواد، وقد جدت فى العالم الآن عجائب وعجائب فى مجالات كثيرة لم تكتف بالأرض بل وصلت إلى الفضاء، والدين يقول إن هذه العجائب تدل على جبروت العقل الإِنسانى الذى فسح الله له المجال فى الكون كله، والمهم أن يستخدم ذلك فى شكر المنعم بها وهو الله، وفى خدمة الإنسان الذى جعله الله خليفة فى الأرض وأمره أن يعمرها بالخير، مع الإِيمان بأن كل شىء له نهاية، وأن غرور الإِنسان سيتحطم حتما {إذا الشمس سُرت وإذا النجوم انكدرت " وإذا الجبال سيِّرت} التكوير: 1 - 3 {فلينظر الإِنسان ممَّ خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب. إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر} الطارق: 5 - 10 {إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ق: 37.
ومن العجائب التى بعد الميلاد: برج بيزا المائل، وسور الصين العظيم، وتمثال النبى موسى، وبرج إيفل، وضريح تاج محل، وتمثال عروس البحر فى فرجينيا، ومتحف الأرميتاج
(10/318)
________________________________________
كرة القدم

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
والدى يحرم علىَّ أن ألعب الكرة مع زملائي، ويقول: إنها من اللهو الذى نهى الله عنه، فهل هذا صحيح؟

الجواب
من المعلوم أن الأشياء التى لا ضرر فيها ولم يرد نص من الشرع يمنعها تبقى على الأصل وهو الحل الذى يدل عليه عموم قوله تعالى {هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا} البقرة: 29 وقوله {وسخَّر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه} الجاثية:
13.
والتكاليف الشرعية هى فى حدود الوسع والطاقة، ولا تحرم الإنسان من التمتع بطيبات الحياة فى الحد المعقول، كما سبق ذكره فى الترويح عن النفس، ومن الترويح الألعاب الرياضية التى كان لكل جماعة اختيار ما يناسبها، وقد سبق الكلام عليها، وذكرنا آدابها "المجلد الثالث ص 196 وما بعدها".
وكرة القدم من الرياضات القديمة، جاء فى مجلة العربى الصغير "أكتوبر 1978 م " أنها بدأت فى الصين قبل نحو ثلاثة آلاف سنة أى قبل " كونفشيوس " ووضعوها فى البرامج العسكرية سنة 500 قبل الميلاد، وانتشرت فى اليونان أيام الإِغريق وذكرت فى شعر هوميروس صاحب الإِلياذة والأوديسا، ثم ورثها الرومان وانتشرت فى مستعمراتهم، ثم انتقلت إلى بريطانيا وشجعتها، إلا أنها منعت ثلاث مرات سنة 1314، 1349، 1447 بسبب أنها غطت على لعبة الفروسية المهمة، وأنها ألهت الشباب عن صلاة الأحد، ففقدت شعبيتها عدة قرون حتى أوائل القرن التاسع عشر فأحيوها وخاصة بين المدارس الثانوية، ثم غطت جميع أرجاء الكرة الأرضية تقريبا. وبالجملة فهى فى أصلها حلال، ويجب الاحتفاظ بالآداب المطلوبة فى الرياضة كلها، مع مراعاة عدم طغيان اللعب والمشاهدة على الواجبات
(10/319)
________________________________________
الطب واختلاف الأديان

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم أجاز للمريض أن يعالجه طبيب غير مسلم؟ وهل كان هناك أطباء فى زمانه؟

الجواب
الأطباء والعلماء المتخصصون فى فنون المعرفة موجودون فى كل عصور التاريخ، والدين الإِسلامى لا يعارض العلاج من الأمراض، بل يأمر به، كما ذكر فى الإجابة على بعض الأسئلة، والطب كغيره لابد أن يكون عند ذوى الاختصاص، وأول من درس الطب واشتغل به من العرب هو الحارث بن كَلَدَة الثقفى، عاش فى الجاهلية وأدرك الإسلام، تعلم الطب فى مدرسة جنديسابور التى أسسها كسرى الأول ملك فارس بإقليم خوزستان سنة 555 ميلادية، " دائرة معارف الشعب. المجلد الخامس ص 325".
روى أبو داود عن سعيد أنه قال: مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده على صدرى حتى وجدت بردها على فؤادى وقال " إنك مفئود" أى مريض بالقلب، إيت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه يتطبب.
جاء فى كتاب " الآداب الشرعية" لابن مفلح: أن اليهودى أو النصرانى إذا كان خبيرا بالطب ثقة عند الإِنسان جاز أن يُستطب، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله.
وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلا هاديا خِرِّيتًا - ماهرا - واستأمنه على نفسه وماله. وذكر حديث الحارث بن كلدة، ثم قال: وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه ويعامله، فلا ينبغى أن يعدل عنه. وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابى أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهى عنها.
وفى صلح الحديبية بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عينًا له من خزاعة وقبل خبره، وفى هذا دليل على جواز التداوى عند الكافر وقبول خبره فى وصف المرض ووصف دوائه إذا كان غير متهم فيما يصفه وغير مشكوك فى أمانته
(10/320)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:16 am

السر والعلن فى الصدقة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الصدقة السرية خير من العلنية وما الدليل على ذلك؟

الجواب
المدار فى الخيرية على الإِخلاص فى العمل، فالسر خير من الجهر إن خاف المتصدق على نفسه الرياء، وعليه يحمل الحديث فى السبعة الذين يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".
والجهر خير من السر إذا قصد المتصدق أن يقتدى به غيره، وأن يكون هناك تنافس فى الخير، كما حدث في التصدق لتمويل غزوة العسرة، حيث كانت المنافسة شديدة، ولم يعب الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا تصدق بأكثر مما تصدق به غيره ليكون أحسن منه، فقد ظن بعضهم أنه تصدق بما لم يستطع غيره أن يتصدق به ففوجئ بمن كان أحسن منه، وهو أبو بكر الصديق رضى الله عنه الذى دفع كل ما عنده من نقود وأبقى لعياله الله ورسوله، وكما حدث تنافس الصحابة لتقديم تموين للفقراء من مضر، وقال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم "من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
قال تعالى {إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} البقرة: 271 وجاء فى تفسير القرطبى لهذه الآية بعد ذكر الأقوال فى معناها قوله: والتحقيق فيه أن الحال فى الصدقة تختلف بحال المعطى لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها.
أما المعطى فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وذلك لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل.
وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف.
وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطى لها بالرياء، وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل.
ثم قال القرطبى ناقلا عن الكيا الطبرى: إن فى هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى، وأنها حق الفقير، وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه على ما هو أحد قولى الشافعى، وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذى إظهاره أولى، لئلا تلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة فى الفرض أبعد عن التهمة.
وذكر آراء أخرى وهى كلها اجتهادية، والأولى -كما سبق- أن يراعى ما فيه كثرة النفع فيعمل به، وما فيه قلته فلا يعمل به، والأنظار فى ذلك مختلفة. ومهما يكن من شىء فلابد فى كل صدقة مفروضة أو غير مفروضة من الإِخلاص لله وعدم الرياء، فالرياء شرك خفى
(10/321)
________________________________________
حكمة تحريم الزنا

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس إذا كانت الحكمة من تحريم الزنا هى المحافظة على الأنساب من اختلاطها فهل يظل محرما إذا أمكنت السيطرة على الحمل بمنعه بالوسائل الحديثة، أو يجوز لأى شخص أن يباشر أية امرأة مع وجود هذه الموانع؟

الجواب
يقول الله سبحانه: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} الإِسراء: 32 إن الزنا هو مباشرة الرجل لامرأة بغير عقد زواج صحيح، وقد سمَّاه الله فاحشة والفواحش هى كبائر الذنوب، كما ذمه سبيلا إلى المتعة الجنسية، فالله سبحانه جعل فى الرجل والمرأة هذه الشهوة من أجل تكاثر الجنس البشرى، كما يحصل التكاثر والإِنتاج بعاملين لا بعامل واحد فى الحيوان والنبات وغيرهما، قال تعالى {ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} الذارايات: 49 وتكاثر الجنس البشرى لابد أن يكون منظما لينشأ الجيل فى بيئة مستقرة تؤهله لتحمل المسئولية بعد والديه، ولا تكون البيئة المستقرة إلا بالزواج الشرعى الذى تحدد فيه الحقوق والواجبات للزوجين وللذرية الناتجة منهما.
والاتصال الجنسى مع الموانع من الحمل لا يكون به تناسل إذا جاز لكل إنسان أن يلجأ إليه، وفيه تعطيل لحكمة الله فى خلق آدم وحواء لتحقيق الخلافة فى الأرض، كما أن الاتصال الجنسى بدون حدود لا يؤهل لهذه الخلافة.
ومن هنا تظهر الحكمة فى تحريم الزنا المتمثلة فيما يأتى:
1 - ضمان التناسل الجدير بتسلسل النوع البشرى وبقائه لتحقيق خلافة الإِنسان فى الأرض.
2 - حماية الغيرة الطبيعية الموجودة فى الإِنسان، وهو أجدر بها من بعض الحيوانات والطيور التى تغار فيها الذكور على إناثها، لأنها كلها مسخرة له بأمر الله فلا يكون أقل منها فى الغيرة.
3 - وقاية الإِنسان من أمراض خطيرة سببها الاتصال الجنسى غير المنظم، ويؤكد هذا ما ظهر أخيرا من انتشار مرض فقد المناعة المعروف بالإيدز، ويلتقى مع الحديث الشريف المقبول فى مثل هذه المواطن " يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التى لم تكن فى أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين - أعوام القحط - وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاه أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما فى أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم " رواه البيهقى.
4 - حماية الأنفس من القتل بسبب الغيرة التى تأبى أن يتصل شخص بزوجة آخر أو بنته أو قريبته بغير عقد شرعى.
5 - ضمان التوارث الصحيح بين أعضاء الأسرة المعروفة بالنسب الصحيح، ومنع الدخيل من التوارث.
6 - عدم ضمان التناسل مع وجود الموانع من الحمل، فإرادة الله غالبة، وهنا يضيع النسل أو ينسب زوراً لغير أصله، والإِسلام حرم إلصاق الشخص نسبه بغير أصله، كما حرم التبنى.
7 -المحافظة على كرامة المرأة، حتى لا تكون سلعة مباحة يتداولها كل من يريد قضاء شهوته، كأى متاع آخر يعرض لمن يريد.
من هذا وغيره نعرف حكمة تحريم الزنا وأنها ليست قاصرة على حفظ الأنساب فقط، ولخطورة آثاره وصفه الله فى الآية بأنه فاحشة وساء سبيلا، وحرَّمته كل الأديان من أجل ذلك، وحتى القوانين الوضعية لم تبحه على إطلاقه، فالطبيعة البشرية السوية تأباه ولذلك جعل الإِسلام عقوبته قاسية، فهى للبكر مائة جلدة وللثيب الرجم حتى الموت. وقسوة هذه العقوبة تتضاءل أمام الأخطار الناشئة عن الزنا، وأمام الفوائد الناجمة عن تحريمه، والله سبحانه حكيم خبير فى تشريعه للناس قال تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} البقرة: 216
(10/322)
________________________________________
التداوى والتوكل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سمعنا أن مريضا وصف له نقل كلية من صحيح، فقال له بعض الناس: لا داعى للعلاج، فأجله محدود، وليسلِّم أمره إلى الله فان أبا بكر رضى الله عنه عندما مرض قيل له: لو دعونا لك طبيبا، فقال:
الطبيب قد نظر إلىَّ وقال: إنى فعال لما أريد. فهل التداوى من الأمراض ينافى الرضا بقضاء الله؟

الجواب
قرأت العبارة المأثورة عن أبى بكر رضى الله عنه فى إحياء علوم الدين "ج 4 ص 346" عندما تحدث الإِمام الغزالى عن العلاقة بين التداوى والتوكل على الله، وذلك بعد كلامه عن السعى فى إزالة الضرر " ص 343" وقال: إن السبب الذى يقطع بأنه يزيل الضرر كالماء المزيل للعطش، والخبز المزيل لضرر الجوع - ليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت، أما السبب الذى يظن بأنه يزيل الضرر كالذى عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل، ودلل على أن التداوى مشروع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، بل أمر به، وساق من قوله حديث "ما من داء إلا له دواء، عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام " رواه أحمد، وزاد عليه العراقى حديث البخارى " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" وحديث مسلم " لكل داء دواء" وساق الغزالى من فعل النبى صلى الله عليه وسلم أنه تداوى غير مرة من العقرب وغيرها، وذكر العراقى أن الطبرانى رواه بإسناد حسن، وكان إذا نزل عليه الوحى صدع رأسه فيغلفه بالحناء، كما رواه البزار وابن عدى فى الكامل، وكان إذا خرجت به قرحة جعل عليها الحناء كما رواه الترمذى وابن ماجه، وفى رواية البخارى جعل عليها التراب، وفصد عرقا لسعد بن معاذ كما رواه مسلم، وساق من الأمر به حديث " تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء" رواه الترمذى وصححه وابن ماجه، وأمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية.
ثم ذكر الغزالى أن هذه الأدوية أسباب مسخَّرة بحكم الله فلا يضر استعمالها مع النظر إلى مسبب الأسباب وهو الله، دون الطبيب والدواء. وقال فى " ص 246" إن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون، ولكن جماعة من الأكابر تركوه كأبى بكر وأبى الدرداء وأبى ذر وقال: ليس فى تركهم الدواء مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد يكون لبعضهم انكشاف بأن الدواء لا يمنع أجله، إما برؤية صادقة أو بحدس وظن أو بكشف محقق قد يكون منه ما حدث لأبى بكر حيث قال لعائشة فى أمر الميراث: إنما هن أختاك، وكانت لها أخت واحدة ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى، فلا يبعد مع هذا الكشف أن يكون قد كشف له أجله ولا حاجة إلى التداوى الذى شوهد الرسول يتداوى ويأمر به.
وقد يكون ببعض من لم يتداووا علة مزمنة لا يقطع بفائدة التداوى منها، وقد يكون لبعضهم أسباب أخرى يمكن الرجوع إلى معرفتها فى المرجع المذكور " ص 47، 48، 49 " ورد الغزالى على من يقولون: إن ترك التداوى أفضل فى كل الأحوال، بأن الرسول فعله وأمر به، وبأنه حذر من دخول بلد فيه الطاعون، ومن الخروج منه إذا وقع به، ونفذه عمر فى طاعون وقع بالشام، ولما قيل له:
أفرارا من قدر الله؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله؟ رواه البخارى مع مراعاة أن قوة الإِيمان لها دخل فى هذا الموضوع، وليس كل الناس سواء فى ذلك، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال " فر من المجذوم فرارك من الأسد " رواه البخارى، فذلك تشريع لعامة الناس وهو الذى أكل مع المجذوم وقال " كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا على الله " رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وغيرهم " جمع الجوامع ص 628".
من هنا نعرف أن التداوى مأمور به، كسبب من أسباب الشفاء الذى هو من الله سبحانه، ومن كانت عندهم قدرة على التداوى وقصَّروا فقد خالفوا هدى النبى صلى الله عليه وسلم، وأن من أثر عنهم ترك التداوى وكان الأخذ عنهم تشريعا قد تكون لهم أسباب مقبولة، فلا يتخذ ما أثر عنهم حجة فى كل الأحوال، والحديث العام معروف " قيدها وتوكل " رواه ابن خزيمة والطبرانى بإسناد جيد.
ومن أراد التوسعة فى معرفة موقف الإِسلام من الصحة عامة فعليه بكتاب الطب النبوى لابن القيم وفى كتابنا "توجيهات دينية واجتماعية" لمحة عنه
(10/323)
________________________________________
المصالح المرسلة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى المصالح المرسلة وما قيمتها فى التشريع؟

الجواب
المصادر الأساسية للتشريع هى القرآن والسنة بالاتفاق، ثم القياس والإجماع على رأى الجمهور. وما عدا ذلك من العرف والمصالح المرسلة والاستحسان وما إليها فيه خلاف كبير.
والمصالح المرسلة هى التى لم يشهد لها أصل معين، كما قضى عمر رضي اللْه عنه على محمد بن مسلمة أن يمر خليج جاره فى أرضه، لأنه ينفع جاره ولا يضر محمدا، فعلل الفتوى بأصل عام وهو إباحة النافع وحظر الضار.
وهذا الرأى إذا توسع فيه عاد بالضرر، لأنه قد يؤدى إلى ترك كثير من السنن التى لم يحط بها الإنسان علما مع تفرقها فى البلاد. والاستحسان ترك القياس على أصل معين، وذلك لأثر قد ورد، أو للرجوع إلى أصول عامة، أو أصل معين آخر، وهو عند أهل الرأى ليس قولا بمجرد الهوى، ويكثر استعمال المصالح المرسلة والاستحسان فى المعاملات والأمور الدنيوية وتنظيم المسائل السياسية والقضائية والحربية والعلاقات الدولية.
والمالكية لهم قسط كبير فى الاعتماد على المصالح المرسلة فى التشريع، ويليهم الحنابلة كما قال ابن دقيق العيد، يقول البغدادي فى "جنة الناظر" إن الإمام مالكا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح فى جزئياته وكلياته، وأن لا مصلحة إلا وهى معتبرة فى جنسها، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة.
ومن أمثلة الحكم بهذا الأصل من فتاوى السلف وأقضيتهم قضاء الصحابة بتضمين الصناع كالخياطين والصباغين الذين يدعون سرقة ما أعطى لهم لخياطته وصباغته ولم يقيموا بينة على أنه تلف بغير سبب منهم، فيقضى عليهم بالضمان، حتى يحتاطوا فى حفظ ما عندهم، ومنها قتل الجماعة بالواحد إذا لم يعينوا القاتل، ومنها فرض الضرائب على الأغنياء إذا لم تكف الموارد الشرعية من الزكاة ونحوها للجهاد فى سبيل الله.
وإذا كان العمل بالمصالح المرسلة يؤدى إلى الاختلاف فى الأحكام من بلد إلى بلد فلا مانع من ذلك، فالخلاف فى مثل هذه الأمور الفرعية الدنيوية لا يضر ما دامت الأصول مرعية "انظر مقال الشيخ محمد الخضر حسين - مجلة الأزهر- المجلد الثالث ص 159 "
(10/324)
________________________________________
أسرى الحرب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يشكو الناس كثيرا من سوء معاملة الأسرى فى الحروب، حتى الحروب التى تقع بين المسلمين بعضهم مع بعض، نريد معرفة هدى الدين فى ذلك؟

الجواب
يقول الله تعالى {ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يُثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم} الأنفال:
67-69.
ويقول: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مَنًّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} محمد: 4.
ويقول {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا} الأحزاب: 26 صياصيهم: حصونهم.
نزلت هذه الآيات فى المدينة، والآية الأولى نزلت فى غزوة بدر، والثانية قيل: نزلت قبلها وقيل بعدها، والثالثة نزلت فى غزوة الأحزاب. ومعنى "يثخن فى الأرض" يكثر القتل ويبالغ فيه، ومعنى "عرض الدنيا" ما كان يريده البعض من الفداء بالمال، ولم يقصد به النبى صلى الله عليه وسلم ولا كبار الصحابة، ومعنى {لولا كتاب من الله سبق} سبق حكمه بأنه لا يعذب أحدا إلا بعد نهيه، لولا ذلك لعذبتكم، ثم أحلَّها الله فقال {فكلوا مما غنمتم حلالا} وقيل فى المعنى: لولا سبقكم بالإيمان بالكتاب وهو القرآن الذى استحققتم به الصفح والعفو، أو لولا أنه سبق فى اللوح المحفوظ أنه حلال لكم لعوقبتم. بل قال البعض:
إن هذه الآية ليس فيها إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها تعنى: ما كان لنبى قبلك أن يكون له ذلك، ولكنك خصصت بجوازه، كما فى الحديث الشريف "أحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى".
على أن الآية الثانية قد بررت ما فعله الرسول من اختياره بعد المشاورة رأى أبي بكر فى أخذ الفداء حيث تقول {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} وأقر الله النبى والصحابة على ما أخذوه، وأنزل تطييبا لبعض الأسرى الذين كانوا يريدون القتال بعد أن أخذ منهم الفداء {يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} الأنفال:
70.
ومما ورد من الأحاديث فى شأن الأسرى أن النبى صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه فى أسارى بدر فأشار عليه أبو بكر رضى الله عنه بأن يأخذ منهم فدية يتقوى بها المسلمون ويطلقهم، لعل الله أن يهديهم إلى الإسلام، وقال عمر رضى الله عنه:
أرى أن تمكَنَّا منهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر، فمال الرسول إلى رأى أبى بكر، فلما كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله يبكى هو وأبو بكر، فقال: من أى شى تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبكى للذى عرض علىَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علىَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة.." وأنزل الله {ما كان لنبى ... } وقد تكلم العلماء فى أى الرأيين أصوب فرجحت طائفة قول عمر، بدليل هذا الحديث ورجحت طائفة أخرى قول أبي بكر، وذلك لاستقرار الأمر عليه وموافقته للكتاب الذى سبق من الله بإحلال ذلك لهم،ولموافقته للرحمة التى غلبته الغضب،ولتشبيه الرسول لأبى بكر فى ذلك بإبراهيم عليه السلام إذ قال {فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم} إبراهيم: 36 وبعيسى عليه السلام فى قوله {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} المائدة: 118 كما شبه عمر فى رأيه بنوح عليه السلام فى قوله {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا} نوح: 26 وبموسى عليه السلام فى قوله {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} يونس: 88.
وبكاء النبى صلى الله عليه وسلم كان رحمة لنزول العذاب على من أراد بذلك وجه الدنيا، والرسول لم يرد هو ولا أبو بكر وجه الدنيا، ولكن العذاب لو نزل فسيعم الجميع.
وقد ثبت من الأحاديث والتاريخ الموثوق به أن النبى صلى الله عليه وسلم سلك مع الأسرى عدة طرق:
1 - فمنهم من أمسكه وضرب عليه الرق، سواء أكانوا من أولاد العرب أم من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى.
2 -ومنهم من أمر بقتله، مثل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وذلك لشدة عداوتهما للنبى صلى الله عليه وسلم وكان ذلك فى رجوعه من غزوه بدر، وقال "لو كان المطعم بن عدى حيًّا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنَى لتركتهم له " وكيهود بنى قريظة.
3-ومنهم من فداه بالمال، كعمه العباس فى غزوة بدر، وقد استأذنه الأنصار أن يترك له فداءه، فقال "لا تدعوا منه درهما" كما رواه البخارى.
4 - ومنهم من جعل فداءه عملا يؤديه للمسلمين، كبعض أسرى بدر الذين افتدوا أنفسهم بتعليم أولاد الأنصار الكتابة، وكان منهم زيد ابن ثابت.
5 -ومنهم من مَنَّ عليه الرسول بغير مقابل، كأبى العاص بن الربيع زوج ابنته زينب وأبى عزة الجمحى الذى تركه بدون مال لما ذكر له كثرة بناته، وسبى هوازن ردَّهم بعد القسمة للغنائم واستطاب قلوب الغانمين فطيبوا له -أى وافقوا- ومن لم تطب نفسه بذلك عوَّضه بكل إنسان ستًّا من الأنعام فى الزكاة.
6 - وثبت أنه صلى الله عليه وسلم بادل أسرى المسلمين بأسرى الكفار، فقد استوهب من سلمة بن الأكوع جارية نفلها إياه أبو بكر فى غزوة فزارة كما رواه مسلم -فوهبها له، فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسا من المسلمين، وفدى رجلين من المسلمين برجل من عقيل.
وأسر ثمامة بن أثال سيد بنى حنيفة، فربطه فى سارية المسجد ثم أطلقه فأسلم،كما رواه مسلم، كما هبط عليه فى صلح الحديبية سبعون متسلحون يريدون غِرته فأسرهم ثم منَّ عليهم.
وإزاء هذه المرويات من فعل النبى صلى الله عليه وسلم اختلف الفقهاء فى الأسرى، فذهب الجمهور ومنهم الشافعي -إلى أن الإمام مخيَّر فيهم، إن شاء قتل كما فعل ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كبعض أسرى بدر، وإن شاء منَّ بلا شىء وإن شاء استرقَّ من أسر. غير أن الأوزاعى وسفيان ومالكا يكرهون أخذ المال من الأسير، لما فى ذلك من تقوية العدو بالرجال.
وهذا التخيير متروك للإمام ليفعل ما فيه المصلحة، وقد روى عن على أن جبريل أمر النبى أن يخيِّر أصحابه فى الأسارى، إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء. ولكن الإمام أبا حنيفة يقول: إن التخيير قد نُسخ، والحكم الآن هو: إما القتل وإما الاسترقاق.
ويقول مجاهد من علماء التابعين: ليس اليوم منٌّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
ومنشأ الخلاف فى التخيير وعدمه هو آية {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فلما منًّا بعدُ وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} فقال أبو حنيفة: إن الحرب هنا فى الآية هى بدر، فالمن والفداء هو فى بدر فقط، وأما بعدها فالحكم هو القتل أو الرق، فالغاية على هذا هى للمن والفداء حتى يكون الحكم منسوخا، فإن جعلت الغاية للإثخان وشد الوثاق - أى القتل والأسر- كان المراد بالحرب جنسها، يعنى أى حرب كانت، لكن الجمهور يرى أن الغاية هى للمن والفداء مع إرادة جنس الحرب.
وقال العلماء أيضا: إن من أسلم قبل الأسر لم يسترق -أى لا يضرب عليه الرق -وأن النبى صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر لم يفد بمال، بل كان يمن أو يفادى أسيرا بأسير.
هذا وقد أوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالأسرى خيرا، فقد ثبت أنه لما وزع الأسرى على الصحابة قال لهم "استوصوا بالأسرى خيرا" ويقول أحدهم -وهو أبو عزير بن عمير- كنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصُّونى بالخبز وأكلوا التمر، لوصية الرسول إياهم بنا. وكان الفداء ما بين 1500، 4000 درهم كما يراه الرسول من حال الأسير.
هذا هو الحكم فى الأسرى من الكفار، أما أسرى الحروب بين المسلمين فلا تنطبق عليهم كل هذه الأحكام وبخاصة القتل والاسترقاق، والواجب معاملتهم بالحسنى فإن كثيرا منهم أو أكثرهم مضطر إلى خوض المعركة، لصرامة القوانين العسكرية.
"زاد المعاد لابن القيم فى باب الجهاد، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية فى غزوة بدر، وسيرة ابن هشام فى غزوة بدر، وشرح النووى على صحيح مسلم فى كتاب الجهاد وكتب التفسير والفقه
(10/325)
________________________________________
الصحف والمجلات

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نحن مضطرون إلى قراءة الصحف والمجلات للاطلاع على الأخبار وزيادة المعلومات، ولكن نجد فيها أمورا خارجة أحيانا عن الدين والذوق، كالصور الفاضحة والإعلانات عن سهرات راقصة، وترويج أفكار شاذة وغير ذلك، فهل نقاطع الصحف أم ماذا نفعل، وهل من الدين نشر هذه الأشياء؟

الجواب
يطلق الكتَّاب على الصحافة اسم السلطة الرابعة -بعد التشريعية والتنفيذية والقضائية- لقوة أثرها فى توجيه الشعب وفى إصدار الأحكام على الأشخاص والتصرفات، وتكوين الرأى العام، وهى تقوم على الإعلام والإخبار، وعلى الرأى والمعلومات المتنوعة.
والصحافة بهذا المفهوم لم يعرف أول نشأتها، فقيل: إن أقدم جريدة هى " كين بان " الصينية التى صدرت عام 911 قبل الميلاد، وقيل: هى " الوقائع الرسمية" الرومانية التى صدرت عام 58 قبل الميلاد، وكان مؤسسها هو " يوليوس قيصر" ثم دخلت الصحافة عصرها الحديث بعد اختراع الطباعة، فظهرت أول صحيفة باسم "لاغازيت " وكانت أسبوعية من ثمان صفحات لنشر أخبار فرنسا وأوروبا ثم انتشرت فى العالم " جريدة القبس 9 / 2 / 1975 م ".
ويذكر الدكتور خليل صابات أن أول صحيفة فى العالم العربى ظهرت هى: الوقائع المصرية بالقاهرة سنة 1828 م، وبريد الجزائر بالجزائر سنة 1830 م، وحديقة الأخبار ببيروت سنة 1858 م، والرائد التونسى بتونس سنة 1860 م، وسورية بدمشق سنة 1865 م وطرابلس غرب بطرابلس سنة 1866 م، وزوراء ببغداد سنة 1869 م، وصنعاء بصنعاء سنة 1877 م، وحجاز بمكة المكرمة سنة 1882 م، والمغرب بطنجة سنة 1889 م، والغازيتة السودانية بالخرطوم سنة 1899 م. وكان صدور العدد الأول من الوقائع المصرية في يوم الثلاثاء 24 أو 25 من جمادى الأولى سنة 1244 هـ " 3 من ديسمبر سنة 1828 م " " الأهرام 4 / 12 / 1978، 7 / 7 / 1984 ".
وكانت الأخبار فى الجاهلية تنشر عن طريق الشعراء والرواة والأسواق كعكاظ ومجنة وذى المجاز، وهى تحمل الصدق والكذب فى المدح والهجاء، وجاء فى ذلك قول الله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون.
وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظُلموا وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون} الشعراء: 224-227.
وتعددت وسائل الإِعلام وتطورت، وكثر منها فى هذه الأيام الصحافة بأنواعها المختلفة، والإِذاعة المسموعة والمرئية، والكتب والنشرات وما إليها، وهى -كما قلنا- تقوم على نشر الأخبار وعلى التعليق عليها أو على أشياء أخرى، وعلى نشر الأفكار ومناقشتها للتأييد أو الرفض إلى غير ذلك من الموضوعات، والواجب عليها الالتزام بالقيم والآداب والقوانين التى تضمن لها عدم الانحراف، وتضمن نجاحها فى رسالتها، ومن ذلك:
1 -التزام الصدق فى نقل الأخبار، بالتحرى عنها والتثبت منها، وعدم التعجل فى النشر للفوز بالسبق الصحفى، وأدلة ذلك مذكورة فى موضوع الإِشاعة.
2 - نشر المعلومات المفيدة التى تحكمها القيم الدينية والقوانين الصحيحة، والبعد عن ترويج الأفكار الشاذة والمنحرفة.
3-الحيدة فى التعليق ونقد الآراء وعدم التحيز والتعصب والخروج بذلك عن حدود الآداب.
4 - البعد عن نقد الثوابت من قواعد الدين، لأن ذلك يؤدى إلى رفضها وبلبلة الأفكار حولها، والنصوص فى ذلك كثيرة.
5 -إذا كانت القوانين تحمى حرية الرأى والصحافة فليس معنى ذلك أنها حرية مطلقة، ولكن هى مقيدة بقيود الثوابت من شعائر الدين والأخلاق والأعراف الصحيحة.
6 - الرقابة الشديدة على الصحافة ووسائل الإعلام لضمان عدم انحرافها، ووضع العقوبات الرادعة على المخالفات، وبخاصة على الإِشاعات والأخبار الخطيرة فى الحرب والسياسة مثلا.
7 - العناية الشديدة بالناحية الدينية تحريرا ونشرا ورقابة وجزاء، فللدين أثره الذى لا ينافس فى تصحيح الفكر وتقويم السلوك.
وعلى من يقرؤون الصحف ألا يسارعوا فى تصديق أخبارها الفردية التى لم تصدر عن جهة موثوق بها، والمبادرة بالرد على الأكاذيب من الأخبار والأفكار، ولا أقول بمقاطعتها تماما، فلا غنى عنها. وبالجملة فإن رسالة الصحافة والإِذاعة ووسائل الإِعلام الأخرى تقوم على أمور أربعة أساسية: نظافة النشر، ويقظة التلقى، وصدق الرقابة، وعدالة الجزاء.
وهى كلها متضامنة فى تحقيق رسالتها، والتقصير فى واحد منها يؤدى إلى انحرافها الذى يجرف أمامه المتهم والبرىء {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال:25
(10/326)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:16 am

علاج المعاصى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نفسى تغلبنى كثيرا فارتكب المعصية ولا أقدر على منع نفسى منها، فهل من علاج لهذا المرض؟

الجواب
معروف أن الإنسان ليس عقلا فقط ولكنه عقل وروح وغرائز وشهوات، العقل يشده إلى العالم العلوى، عالم الطهر والكمال.
والغرائز تشده إلى العالم السفلى عالم الشهوات الذى تعيش فيه الحيوانات، والمعركة مستمرة بين القوتين، وبقدر انتصار إحداهما يكون الحكم على الإِنسان وتقديره، ومن رحمة الله تعالى به ساعده فى هذه المعركة لتتحقق كرامته، وذلك بإمداده بالوحى الذى تنزلت به الرسل، وبقدر تقبله لهذا المدد الإلهى يكون انتصاره، قال تعالى لآدم حين أهبطه من الجنة إلى الأرض {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى} طه:
123، 124 وهذا القرار الحكيم ليس لشخص آدم فقط، بل له ولذريته من بعده إلى نهاية الدنيا، ولذلك جاء بعده قوله تعالى {وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} طه: 127.
ومن رحمته أيضا بالإِنسان لم يكتب عليه الطرد من رحمته إلى الأبد لهزيمته فى معركة من المعارك، فالشيطان الذى حقت عليه اللعنة إلى يوم الدين بأول مخالفة عصى فيها ربه، أقسم ألا يترك بنى آدم ينعمون برحمة الله، فهو يعمل ليل نهار وبكل وسيلة لإغوائهم كما قال تعالى {قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} الأعراف: 16، 17.
ولكن فتح باب الأمل لمن هزم فى معركة من المعارك المستمرة التى حشد فيها الشيطان جنوده من ذريته وممن حالفوه من الأعوان كالنفس بغرائزها والشهوات بقوتها، فأعذره إذا رجع إلى ربه، نادما على ضعفه وهزيمته، مادًا إليه يده طالبا المعونة منه، بل حثه على معاودة الجهاد وأمره بالتوبة ووعده إن أخلص فيها بالمغفرة والقبول، كما فعل بأبيه آدم {وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} طه: 121، 122 ذلك أن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، كما قال صلى الله عليه وسلم.
من هنا نعلم أن علاج المعصية هو التوبة النصوح الصادقة، والأمل فى النصر بعد الهزيمة، ويساعد على ذلك دوام ذكر الله والإِيمان بأنه رقيب مطلع على السر والنجوى، فذلك يقويه على البعد عن المعصية إن سولت له بها نفسه، وعلى الرجوع إلى الله إن تورط فيها {قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} الزمر: 53، 54. ويعجبنى فى هذا المقام ما قرأته نقلا عن بعض الكتب القديمة أن رجلا قال لطبيب: أعندك دواء لداء الذنوب؟ فقال: نعم، قال وما هو؟ قال: خذ عروق الفقر، وزنجبيل الصبر، واخلطهما بسفوف الذكر، وامزجهما برقائق الفكر، واجعل معه إهليلج التواضع والخشوع، ودقه فى مهراس التوبة والخضوع، ولتَّه بماء الدموع وضعه فى طنجير التذلل، وأوقد تحته نار التوكل، وحرِّكه بملعقة الاستغفار، حتى يزبد زبد التوفيق والوقار، ثم اجعله فى آنية المحبة، وبرِّده بمروحة المودة، وصفِّه بمصفى الأحزان، وصب عليه عصير الأجفان، واجعل معه حقيقة الإِيمان، وامزجه بخوف الرحمن، وتغَذَّ قبل شربه بمر الصيام، ودم على هذا ما عشت من الأيام، وإياك أيها العليل أن تقرب فى أيام دوائك شيئا من الآثام، فإنها تجر عليك ما رجوت برأه من الأسقام، وتجنب فى دوائك العجب والرياء، والبس لباس الحياء، وشد على وسطك منطقة الصدق والوفاء، وإياك أن تدخل بيتك إلا من باب التوبة والصفاء، فإذا دمت على هذا الدواء صفا قلبك بين القلوب، وزالت عنك أوجاع الذنوب " قطوف لعلى الجندى -منبر الإِسلام عدد جمادى الآخرة سنة 1390 هـ "
(10/327)
________________________________________
الحكمة والدبلوماسية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ذكرت كلمة الحكمة فى القرآن كثيرا، وقال بعض المعاصرين إنها تلتقى مع الدبلوماسية المعروفة الآن. فهل هذا صحيح؟

الجواب
الحكمة المذكورة فى القرآن لها عدة معان، تختلف بحسب المواضع العشرين التى ذكرت فيها، يقول الراغب الأصفهانى " 502هـ " فى مفرداته: الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذى وصف به لقمان فى قوله عز وجل {ولقد آتينا لقمان الحكمة} لقمان: 12، ونبه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل فى الله تعالى: هو حكيم، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره. ومن هذا الوجه قال الله تعالى {أليس الله بأحكم الحاكمين} التين: 8 وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة نحو {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} يونس: 1 وعلى ذلك قال تعالى {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة} القمر: 4، 5.
ثم ذكر النسبة بين الحكم والحكمة، بأن الحكم أعم، فكل حكمة حكم وليس كل حكم حكمة، وجاء فى التفاسير أقوال كثيرة فى معنى الحكمة، ولا شك أن من معانيها وضع الشىء فى موضعه، فهى فى الرأى سداد، وفى القول صواب، وفى الفعل استقامة والشخص الذى عنده هذه المعانى يكون موفقا وسعيدا فى دنياه وأخراه كما قال تعالى {يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} البقرة: 219 ومنهم الأنبياء ومن على شاكلتهم.
وقد تلتقى مع الدبلوماسية فى هذا المعنى، وإن كانت مقاييس الدبلوماسية غير مقاييس الدين، ولعل من تقارب معناهما قوله تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن} النحل: 125 ومقومات الحكمة فى الدعوة مبسوطة فى كتابنا " الدين العالمى ومنهج الدعوة إليه " وكتابنا " الدعوة الإِسلامية دعوة عالمية ".
ولتمام التوضيح للعلاقة بين الحكمة والدبلوماسية ألخص هنا كلمة عنها للسيد / على سلطان سفير قطر فى القاهرة نشرت بجريدة البلاغ الكويتية فى 4 / 8 / 1974 جاء فيها: أن الدبلوماسية لفظ مشتق من اللفظ اليونانى " دبلوما" أى الوثيقة أو الشهادة التى تطوى على نفسها، والتى كانت تصدر عن الشخص الذى بيده السلطة العليا فى البلاد، وتخوِّل حاملها امتيازات خاصة.
ولم تدخل هذه اللفظة فى المعجم الدولى إلا منذ أواسط القرن السابع عشر، عندما حلت محل لفظة " المفاوضة " وتطور مدلولها مع الزمن وأصبح يشير إلى معان مختلفة:
1 -إما للدلالة على النهج السياسى فى زمن معين، فيقال مثلا:
تطورت الدبلوماسية العربية فى القرن الحالى، وصارت غير ما كانت عليه فى القرن الماضى.
2 -وإما للدلالة على اللباقة التى يتحلى بها شخص ما بالنسبة إلى علاقاته مع الغير، فيقال مثلا: فلان عنده دبلوماسية رفيعة.
3 -وإما للدلالة على المفاوضات وما يتبعها من مراسم، فيقال:
هذه المعضلة تحتاج إلى حل دبلوماسى.
4 - وإما للدلالة على مهنة السياسى الذى يقوم -على حد تعبير الأستاذ أرنست ساتو- بمهمة التوفيق بين مصالح بلاده ومصالح البلاد المعتمد لديها، وهذا المعنى هو السائد الآن.
والدبلوماسية تحتاج إلى استخدام الذكاء واللباقة فى إدارة دفة العلاقات الرسمية بين حكومات الدول المستقلة، ولذلك ينصحون الدبلوماسى بأن يكون قليل الكلام كثير الإِصغاء، حتى إذا اضطر إلى التعليق أو الإِجابة كان رأيه سديدا، لأنه بعد تفكير عميق. لقد كان "ميترنيخ " يتقن سبع لغات، ومع هذا فقد قيل عنه: إنه يتقن الصمت فى اللغات السبع.
وعند التفاوض يعرض الموضوع تدريجيا، ويقف عند الحد الذى يعرف فيه استعداد محدِّثه ودرجة قبوله لما يعرضه، وعندئذ يغير مجرى الحديث بالنسبة لما شاهده على وجه محدثه من استحسان أو استهجان. ومن المهم أن يعرض المفاوض أفكاره على مراحل، بحيث يجزئ الصعوبة ويحصل على موافقة الطرف الآخر على مختلف الأجزاء تباعا.
ومن المتعارف عليه فى لغات الدبلوماسيين: إذا قال الدبلوماسى: نعم، يعنى بذلك ربما، وإذا قال: ربما يعنى بذلك: كلا، وإذا قال: كلا يكون قد تخلى عن اللغة الدبلوماسية.
قال أحد الظرفاء: اكتشفت فن خداع الدبلوماسيين، ذلك أننى أتكلم الصدق، ومع ذلك أراهم لا يثقون فى قولى، وقال آخر:
الدبلوماسى هو الرجل الذى يفطن لعيد ميلاد السيدة ولكنه ينسى السن الذى بلغته.
هذا، ومظاهر الدبلوماسية فى الإِسلام التى تلتقى مع الحكمة فى مفهومها كثيرة، وميادينها متعددة، فهى تكون مع الرجل في بيته ومعه فى جيرانه ومعه فى أصدقائه، ومعه فى رؤسائه، ومعه فى المجتمع كله وتكون على المستوى الفردى والجماعى والدولى، وتوضيح ذلك يطول، ويمكن الرجوع إليه فى معالجة كل موضوع على حدة.
وبخاصة موضوع المداراة والكنية والتعريض
(10/328)
________________________________________
لا سِيَّما

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يخطئ كثير من المتحدثين فى شكل الكلمة التى تلى تعبير "لاسيما" فهل من توضيح للنطق الصحيح؟

الجواب
معلوم أن القرآن الكريم نزل باللغة العربية، والحديث النبوى نقل إلينا باللغة العربية، واستنباط الأحكام الشرعية منهما لابد فيه من معرفة اللغة العربية نحوًا وصرفا، وبلاغة، فقد يكون الحكم صحيحا فى رفع آخر الكلمة، وخطأ فى نصبه أو جره، بل قد يؤدى الخطأ فى الإعراب إلى الكفر، كما قرأ بعض المسلمين " أن الله برىء من المشركين ورسوله " بجر اللام من " رسوله " والصواب رفعها، فالمعنى على الجر أن الله برىء من الرسول كما أنه برىء من المشركين، واعتقاد ذلك كفر.
والمعنى على الرفع أن الرسول برىء من المشركين كما أن الله برىء منهم، وهذا صحيح.
ومن أجل خطورة اللحن فى القرآن أشار علىّ رضى الله عنه على أبى الأسود الدؤلى بوضع قواعد علم النحو.
وأصبح تعلم النحو واجبًا لصحة القراءة وصواب استنباط الحكم والحماية من الخطأ.
وعبارة " لا سيما" قال العلماء فى إعرابها: "لا" نافية للجنس، و "سِىَّ" تشبه كلمة "مثل" وزنا ومعنى، وهى اسم "لا" وخبرها محذوف وجوبا، ويقدر بكلمة "ثابت" ومعنى "لا سيما" لا يوجد مثيل لما يأتى بعدها.
وأصل " سِىَّ" سِوْىْ، قلبت الواو ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت فى الياء.
ويجوز فى الإِسم الواقع بعد "ما" من عبارة "لا سيما" الجر والرفع مطلقا، والنصب إن كان نكرة. وقد روى بالأوجه الثلاثة قول امرئ القيس:
ألا رب يوم صالح لك منهما * ولا سيما يوم بدارة جلجل والجر أرجحها، وهو إضافة " سىَّ" إليه و "ما" زائدة بينهما، مثلها فى قوله تعالى {أيما الأجلين} القصص: 28.
وأما الرفع فهو على أنه خبر لمبتدأ محذوف و "ما" موصولة، أى اسم موصول، والجملة بعدها صلة للموصول لا محل لها من الإعراب أو تكون "ما" نكرة موصوفة بالجملة بعدها فهى فى محل جر، والتقدير ولا مثل شىء هو رفيقه و "سىَّ" مضاف، و"ما" مضاف إليه، فعلى كل من وجهى الجر والرفع تكون فتحة " سىَّ " فتحة إعراب، لأن اسم "لا" النافية للجنس إذا كان مضافا يكون منصوبا.
وأما نصب النكرة بعدها فعلى التمييز، و "ما" كافة عن الإِضافة والفتحة فتحة بناء، مثلها فى "لا رجل" والمعرفة لا يجوز نصبها عند الجمهور، وجوز بعضهم نصبها، بجعل "ما" كافة، و"لا سيما" بمنزلة "إلا" الاستثنائية، فما بعدها منصوب على الاستثناء، كما جاء فى حواشى الأشمونى:
وما يلى "لا سيما إن نكرا * فاجرر أو ارفع ثم نصبه اذكرا فى الجر "ما" زيدت وفى رفع ألف * وصْلٌ لهما وتنكيرٌ وصف وعند رفع مبتدا قدِّر وفى * رفع وجر أعربن "سى" تفى وانصب مميزا وقل "لا سيما * يوم" بأحوال ثلاث فاعلما والنصب إن يعرف اسم فامنعا * وبعد "سىِّ" جملة فوقعا أجاز ذا الرَّضى ولا تحذف "لا" * من "سيما" و"سى" خفف تفضلا وامنع على الصحيح الاستثنا بها * ثم الصلاة للنبى ذى البها " حاشية الصاوى على شرح الدردير للخريدة ".
أنا أعلم أن هناك صعوبة -عند البعض- فى فهم هذا الكلام، وبخاصة الشعر، فليكن رياضة ذهنية لمن يهتمون بذلك، أما غيرهم فيكفى أن يعرفوا أن الاسم الذى يأتى بعد "لا سيما" يجوز رفعه وجره مطلقا، أى إن كان نكرة أو معرفة، أما نصبه فلا يجوز إلا إذا كان نكرة. فإذا قلت: أنا أحب الطلاب ولا سيما المجتهد، جاز لك الرفع والجر فقط، وإذا قلت: أنا أحب الطلاب ولا سيما مجتهد، جاز لك الرفع والجر والنصب أيضًا
(10/329)
________________________________________
حكم التحية بالسلام

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجب على الإنسان إذا مر على غيره أن يلقى عليه السلام، وهل يجب على هذا الغير أن يرد عليه السلام، وما جزاء التقصير فى ذلك؟

الجواب
يقول الله سبحانه {فإذا دخلتم بيوتا فسلِّموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} النور: 61 ويقول {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها} النور: 27 ويقول {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} النساء: 86 ويقول {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام} الذاريات: 24، 25.
1 -التحية بين الناس تقليد قديم ولهم فيها طقوس مختلفة يمكن الرجوع لمعرفة بعضها فى الجزء الثانى من موسوعة الأسرة. والتحية بصيغة السلام قديمة جدا، شرعها الله لأبينا آدم عليه السلام كما يدل عليه حديث البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال:
اذهب فسلِّم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا:
السلام عليك ورحمة الله، فزادوا: ورحمة الله " والآيات تدل على أن السلام تحية أهل الجنة فيما بينهم، وتحية الملائكة لهم.
والآية الرابعة تدل على أن الملائكة سلمت على سيدنا إبراهيم عليه السلام، فرد عليهم السلام، والآية الأولى تدل على مشروعية التحية بالسلام فى شريعة الإِسلام، وأنها مأمور بها، والآية الثانية تنهى عن التهاون فيها، والآية الثالثة تأمر برد التحية على من يبدأ بها، وتحث على أن يكون الرد أحسن من البدء.
2 -ولا يشك عاقل فى أن التحية بالسلام من عوامل التآلف بين الناس، وإشاعة الأمن والمحبة فيما بينهم، ولذلك اختارها الله سبحانه لتكون تحية أهل الجنة بعضهم مع بعض وتحية الملائكة لهم، بعد تحية الله لهم عند دخولها، قال تعالى {تحيتهم يوم يلقونه سلام} الأحزاب:
44 وقال {ادخلوها بسلام آمنين} الحجر: 46 وقال {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} الرعد: 23، 24 وقال {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام} يونس: 10.
ولذلك حث عليها النبى صلى الله عليه وسلم فى أكثر من حديث، منها "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم.
[" لا تؤمنوا " بحذف النون لغة صحيحة معروفة، أو مشاكلة للفعل المنصوب قبلها، كما فى شرح ابن علان لأذكار النووى] وروى البخارى ومسلم أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم: أي الإِسلام خير؟ فقال "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ".
3-والصيغة المشروعة للتحية هى فى الحد الأدنى أن يقول المبتدئ السلام عليك، ويسن أن يزيد: ورحمة الله وبركاته، وأن يكون بصيغة الجمع لقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وثواب الحد الأدنى عشر حسنات وكل زيادة بعشر. كما فى حديث رواه أبو داود والترمذى بإسناد حسن ويكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام، فإنها تحية الموتى كما ورد فى حديث صحيح رواه الترمذى. وللفقهاء تفريعات يرجع إليها فى أذكار النووى.
4 - وإذا كانت التحية مشروعة ومأمورا بها، فما هى درجة الأمر، هل الوجوب أو الندب؟ قال العلماء: الابتداء مندوب يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه، والإجابة واجبة يثاب المرء على فعلها ويعاقب على تركها.
وإذا كان البادئ بالسلام جماعة كانت السنة على الكفاية، يكفى تسليم واحد منهم، والأفضل أن يسلموا جميعا، وأما رد السلام من الجماعة فيكون واجبا على الكفاية أى يكفى أن يرد واحد منهم، والأفضل أن يردوا جميعا، وإن تركوه جميعا أثموا. والدليل على ذلك حديث رواه أبو داود "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم" وقد مر فى ص 653 من المجلد الثانى حكم التحية بالمراسلة أو الإِذاعة. كما مر فى ص 657 حكم الاكتفاء فى التحية بالإِشارة باليد، وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا جبريل يقرأ عليك السلام" قالت: قلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.
5 - وإذا كانت تحية السلام مشروعه فهناك أحوال استثنائية لا تشرع فيها، منها:
1 -إذا كان المسلَّم عليه مشغولا بالبول أو موجودا فى حمام فيكره إلقاء السلام عليه، ولا يستحق جوابا إن سلَّم، بل يكره.
2 -من كان نائما أو ناعسا لا يلقى عليه السلام.
3- وكذلك من كان مصليا أو مؤذنا فى حال الصلاة والأذان ويحرم على المصلى أن يرد بصيغة المخاطب "عليكم" وتبطل صلاته، ولا تبطل إن كان الرد بصيغة الغائب "وعليه" ويستحب الرد بالإِشارة لا بالكلام، وإن رد بعد الصلاة فلا بأس، ولا يكره للمؤذن أن يرد، لأنه شىء يسير لا يبطل الأذان ولا يخل به.
4 -إذا كان المسلَّم عليه يأكل واللقمة فى فمه. لا يسلَّم عليه ولا يستحق جوابا والرد مندوب أما إذا كان على الأكل وليست اللقمة فى فمه فلا بأس بالسلام عليه ويجب الجواب وكذلك فى حال المبايعة وسائر المعاملات يندب السلام وتجب الإجابة.
5 -السلام على من يستمعون خطبة الجمعة مكروه، لأنهم مأمورون بالإِنصات، فإن خالف وسلَّم لا يجب الرد، وعلى رأى من يقول:
إن الإِنصات سنة يرد عليه واحد فقط من الحاضرين.
6 - والمشتغل بقراءة القرآن يكره السلام عليه، فإن سلَّم فالراجح وجوب الرد، ثم استئناف القراءة، ولا يكتفى بالرد بالإِشارة كما قال البعض. ومثل قارئ القرآن المشتغل بالدعاء والاستغراق فيه، فيكره السلام عليه، كما يكره السلام على المشتغل بالتلبية فى الإِحرام.
7 - المرأة الأجنبية إن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لا يسلم الرجل عليها، ولو سلم لم يجز لها رد الجواب، وهى لا تسلم عليه ابتداء، وإن سلمت لم تستحق جوابا، فإن أجابها كره له ذلك. وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها، وإذا كانت النساء جمعا فيسلم عليهن الرجل، أو كان الرجال جمعا كثيرا فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة، وقد مر ذلك فى صفحة 363 من المجلد الثالث.
8-الفاسق بارتكاب منكر ولم يتب لا يسلَّم عليه ولا يرد عليه السلام، وقد مر ذلك.
9- غير المسلم لا يسلم عليه تحريما أو كراهة، وقد مر الكلام فى ذلك أيضًا.
وقد جمع بعض الشعراء الحالات المستثناة من السلام فى قوله:
رد السلام واجب إلا على * مَنْ بصلاة أو بأكل شغلا أو شرب وقراءة أو أدعية * أو ذكر، وفى خطبة أو تلبية أو فى قضاء حاجة الإنسان * أو فى إقامة أو الأذان أو سلَّم الطفل أو السكران * أو شابة يخثسى بها افتتان أو فاسق أو ناعس أو نائم * أو حالة الجماع أو تحاكم أو كان فى حمام أو مجنونا * فواحد من بعده عشرونا هذا، ويستحب للإِنسان إذا دخل بيته أن يسلم وإن لم يكن فيه أحد، وليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، وذلك للآيتين الأوليين المذكورتين فى أول الإجابة، وللحديث الحسن الصحيح الذى رواه الترمذى عن أنس قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا بنى إذا دخلت على أهلك فسلِّم تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك ".
ومن أراد الاستزادة فى موضوع السلام فليرجع إلى "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" للإِمام النووى
(10/330)
________________________________________
الوقت من ذهب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ظهرت ابتكارات حديثة لقتل الوقت وإلهاء الشباب عن العمل الجاد، فما موقف الدين من ذلك؟

الجواب
لا بد للإِجابة على ذلك من بيان قيمة الوقت فى نظر الإِسلام، ملخصا من كتابى "توجيهات دينية اجتماعية": إن الوقت هو الظرف الزمنى الذى يؤدى فيه الإِنسان نشاطه الذى يفيد منه فى حياته الدنيوية والأخروية، فضياع أى جزء منه خسارة كبيرة، ويندم يوم القيامة على التفريط فيه، كما قال تعالى فى أهل النار {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أوَلم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} فاطر: 37.
والزمن وهو أثر من أثار دورات الفلك لا يقع تحت إرادة الإِنسان، وهو إذا مضى لا يعود. كما يقول الحسن البصرى: ما من يوم ينبثق فجره إلا نادى مناد من قِبل الحق: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد: فتزود منى بعمل صالح فإنى لا أعود إلى يوم القيامة.
والعمر وهو رأس مال العبد الذى ينفق منه مهما كثر فهو قليل، ومهما طال فهو قصير، والآمال تخترمها الآجال، ومن هنا حث الإِسلام على المبادرة بالعمل الصالح وعدم ضياع أية لحظة من لحظات العمر فى غير ما يفيد، ومن مظاهر هذا ما جاء فى حديث البخارى "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ" وما جاء فى حديث حسن صحيح رواه الترمذى والبيهقى "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" وما جاء فى حديث ابن أبي الدنيا بإسناد حسن "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " وما جاء فى خطبة أبى بكر الصديق رضي الله عنه: إنكم تغدون وتروحون فى أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم فى عمل الله -ولا تستطيعون ذلك إلا بالله- فسابقوا فى مهل بأعمالكم قبل أن تنقضى آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم، فالوحا الوحا، النجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا أمره، سريعا سيره. وما قاله بعض البلغاء: من أمضى يومه فى غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثَّله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
وما قاله الإمام الشافعى، وهو النموذج الصالح لطلب العلم:
سهرى لتنقيح العلوم ألَذُّ لى * من وصل غانية وطيب عناق وتمايلى طربا لحل عويصة * أشهى وأعظم من مدامة ساق وألذ من نقر الفتاة لدفها * نقرى لألقى الرمل عن أوراقى وصرير أقلامى على صفحاتها * أبهى من الدوكاء والعشاق أأبيت سهران الدجى وتبيته * نوما وتبغى بعد ذاك لحاقى؟ وما قاله عمر بن الخطاب وهو نموذج صالح لكل العاملين والمسئولين، حين جاء معاوية بن خديج يبشره بفتح الإِسكندرية فوصل المدينة وقت القيلولة فظن أنه نائم يستريح ثم علم أنه لا ينام فى ذلك الوقت: ... لئن نمت النهار لأضيعن حق الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن حق الله، فكيف بالنوم بين هذين الحقَّين يا معاوية؟ بعد هذه السطور القليلة في بيان قيمة الوقت وخطورة التفريط فى استغلاله فى الخير نعلم أن الإِفراط فى اللهو بكل الوسائل الحديثة غير مشروع، وهو حرام إن ضيَّع واجبا لله أو للأسرة أو للنفس أو للمجتمع، وحرام إن كان على قمار ومراهنة، وحرام إن ترتب عليه ضرر دينى أو صحى أو اقتصادى، والنصوص فى ذلك كثيرة، ويمكن الرجوع إليها عند الإجابة على أحكام أدوات اللعب "ص 209 من المجلد الثالث من هذه الفتاوى" والرياضة البدنية "ص 196 من المجلد الثالث" والتليفزيون "ص 212 من المجلد الثالث" والموسيقى والغناء "ص 238 من المجلد الأول" وأجهزة الفيديو "ص 412 من المجلد الثانى"
(10/331)
________________________________________
التجسس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى {ولا تجسسوا} فكيف نوفق بين النهى عن التجسس وما فعله النبى صلى الله عليه وسلم من إرسال من يتجسس على العدو لمعرفة أخباره؟ وما هو عقاب الجاسوس؟

الجواب
التجسس مأخوذ من الجس، وهو فى الأصل مَسُّ العرق وتعرُّف نبضه للحكم به على الصحة والسقم، كما فى مفردات الأصفهانى، ومنه اشتق الجاسوس، فالتجسس محاولة العلم بالشىء بطريقة سرية لا يفطن لها، أو البحث عما يكتم من الأمور، وقيل: هو والتحسس - بالحاء- بمعنى واحد، وقيل: إن الثانى هو طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: هو تطلبها لنفسه، أما التجسس فهو طلبها لغيره، وقيل غير ذلك.
والتجسس على المسلم منهى عنه لأن فيه كشفا للعورات، ولذلك أجاز النبى صلى الله عليه وسلم أن تفقأ عين من نظر إلى بيت غيره من نافذة أو غيرها ليتعرف ما بداخله بغير إذنهم كما رواه البخارى ومسلم. وقال "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" رواه أبو داود بإسناد حسن وقال "من استمع خبر قوم وهم له كارهون صُبَّ له في أذنه الآنك يوم القيامة" رواه البخاري، والآنك هو الرصاص المذاب وقد أجازه بعض العلماء إذا كان فيه مصلحة مع جريمة ستقع، وهو أليق بالمسئولين عن الأمن إذا كانت الجريمة فيها ضرر لغير من يرتكبها، أما لو استتر بها وضررها يعود عليه فقط فلا يجوز التجسس، وحملت عليه بعض أحداث في أيام عمر رضي الله عنه ذكرها القرطبي في تفسيره "16 ص 333". أما التجسس على العدو للحذر منه والاستعداد لمقاومته فمشروع، روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بَسْبَسة بن عمرو الأنصاري عينا لتقصي أنباء عير أبي سفيان فى غزوة بدر، وقد ذهب صلى الله عليه وسلم بنفسه ومعه أبو بكر إلى بدر وقابلا رجلا وسألاه عن أخبار قريش وعرفا منه مكانهم، ولما كان الرجل قد شرط عليهما أن يعرف من هما قال النبي صلى الله عليه وسلم أخيرا "نحن من ماء" ثم انصرفا عنه، وحار الرجل في معرفة هذا النسب، ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقصد أنهما خلقا من ماء. كما بعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص مع جماعة إلى بدر لهذا الغرض، وقبل خروجه إلى بدر أرسل طلحة بن عبيد الله وآخر لذلك، وكانت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة -بين مكة والطائف- فى رجب من السنة الثانية للهجرة لاستطلاع أخبار قريش، وفي سنة أربع أو خمس من الهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بريدة بن الخصيب الأسلمي ليعرف أخبار بني المصطلق عند ماء يسمى "المريسيع".
وإذا كان التجسس على العدو مشروعًا، فإن التجسس له ونقل أخبار المسلمين إليه محظور، وحادث حاطب بن أبي بلتعة معروف، حيث أرسل خطابا إلى أهل مكة يخبرهم فيه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيغزوهم وأعطاه لامرأة لحق بها في الطريق فأخذه منها من أرسلهم الرسول لذلك، وكان ضبطه في مكان يسمى "روضة خاخ " ولما سئل حاطب عن ذلك لم يكذب وأقر بأنه لم يفعله كفرا ولا رِدة، ولكن لمصلحة شخصية له، ولما أراد عمر قتله قال له الرسول عليه الصلاة والسلام "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ونزل في ذلك أول سورة الممتحنة.
الخبر طويل في كتب السيرة والتفسير مروى بطريق صحيح وجاء فى بعض رواياته أن الرسول أمر بضرب عنق المرأة حاملة الكتاب إن لم تدفعه لهم.
وهنا تحدث الفقهاء عن عقوبة الجاسوس، فقالوا: إن كان كافرا يقتل، في حال الحرب، وكذلك في حال السلم إن كان هناك عهد لأنه نقض للعهد، وإن كان مسلما أو ذميًّا يعاقبان تعزيرًا، إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان. وقال مالك بقتله مطلقا لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض، وهو حد الحرابة "تفسير القرطبي "ج 18 ص 50 - 53 ".
وجاء فى زاد المعاد لابن القيم "ج 2 ص 170" تعليقا على ذلك قوله: فيه جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما، والعفو عن حاطب لأن الله قد غفر لأهل بدر وهو منهم، فمن لم يكن كذلك جاز قتله، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعى وأبو حنيفة لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجان بقصة حاطب. والصحيح أن قتله راجع إلى رأى الإمام فإن رأى فى قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه اهـ.
وهو رأى معقول يرجع فيه لتقدير المسئولين ومصلحة الأمة، وقتله إما حد وإما تعزير، وآية المحاربة والإفساد في الأرض فيها متسع للآراء.
هذا، ورجال المباحث والمخابرات المكلفون بالبحث عن المجرمين، وتتبع أخبار المتهمين أو المشبوهين تتحكم في الحكم عليهم نياتهم فالأعمال بالنيات، كما يتحكم فيه التزام الحق والعدل، والبعد عن الشبهات والإغراءات، والعلم بأن الله رقيب حسيب، وأن الآخرة خير وأبقى.
تنبيه: الطابور الخامس:
أول ما نشأ هذا التعبير أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام 1936 م واستمر ثلاث سنوات، وأول من أطلقه الجنرال الإسباني "كوبيو دنيلانو" وكان أحد قوات الثوار، وكان يتحدث عن قواته الزاحفة على مدريد، وكانت تتألف من أربعة طوابير من الثوار. ثم قال: إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الثوار في قلب مدريد، ويقصد به مؤيدي الثورة من أهالى مدريد.
ثم أصبح هذا الوصف شائعا فى الجاسوسية وعمليات التخريب التى تتم داخل البلد بوساطة أعوان أعدائها، وزاد انتشاره بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1939 م واعتمد هتلر على كثير من الجواسيس داخل البلاد التى يحاربها، ثم استعمل "الطابور الخامس" لمروجى الإِشاعات ومنظمى الحروب النفسية، "اليقظة 9 / 15 / 1978". هذا، وقد ألف "كرايم كانت" كتابا فى الجاسوسية جاء فيه أنها فَنٌّ قديم معناه:
فن الحصول على معلومات من الأعداء بأسلوب سرى للاستفادة منها فى الحروب، وقد استخدمها المصريون حوالى سنة 3600 قبل الميلاد على يد القائد "ثيوت" وجاء فى التوراة أن موسى عليه السلام أرسل جواسيس إلى أرض كنعان، عاد منهم اثنان بمعلومات رفضها الإِسرائيليون فعاقبهم الله بالتيه أربعين عاما. لعل مما يشير إلى ذلك قولهم {إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} المائدة: 22 واستغلها اليونان وأشهر أساطيرهم فيها " حصان طروادة" ثم تطورت وتبادلت الدول السفراء - فهم إلى جانب سفارتهم جواسيس لدولهم، واعتمد عليهم يوليوس قيصر سنة 55 ق. م فى غزواته.
وفى العصور الوسطى كانت هناك جواسيس، وذكر من أشهرهم فى إنجلترا فى عهد إدوارد الأول "السير توماس توبر فيل" الذى أعدم لتجسسه عليها بعد أن تجسس لها ضد فرنسا. وتميزت العصور الوسطى بوجود جهازين، أحدهما للتجسس والثانى لمكافحته.
وأول بوليس سرى كان فى عهد الملكة الإنجليزية إليزابيث الأولى.
بفضل "فرنسيس والسينغهام" الذى كان يستخدم الشفرة فى تجسسه
(10/332)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:17 am

رعاية الشباب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يوجد اهتمام كبير فى بعض البلاد برعاية الشباب، وتنازعت عدة جهات هذه المهمة، ولكل منها برنامج، والواقع يشهد أن الجهود المبذولة لم تحقق الغرض المرجو منها، فهل فى الإسلام ما يعالج هذه القضية؟

الجواب
من المعلوم أن الإِسلام بما جاء به من قرآن وحديث يحقق الهدف الذى نص عليه فى عدة مواضع، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وهذه الهداية شاملة لكل الأنشطة التى تحقق السعادة فى الدارين، وكاملة لا تحتاج إلى إضافات لأصولها التى تتحقق بها صلاحيتها لكل زمان ومكان. ولبيان منهج الإِسلام فى رعاية الشباب لابد من معرفة أن الشباب -سواء أكان هذا اللفظ جمعا لمفرد هو شاب، أم مصدر الفعل شبَّيتصل بمرحلة من عمر الإنسان هى الحد المتوسط بين الطفولة الضعيفة الساذجة والشيخوخة المتميزة بخصائصها التى تشبه إلى حد كبير مرحلة الطفولة عند الكثيرين.
ومرحلة الشباب تتميز بالتفتح الذهنى والقوه البدنية وخصب العاطفة، والأمل الواسع والحرص الشديد على الأخذ من كل ألوان الحياة بأكبر نصيب. والشباب بهذه الميزات قوة لا تعد لها قوة فى إخصاب الحياة ونموها إذا أحسن استغلاله، والشبان فى كل العصور والبيئات موضع الفخر والاعتزاز للأفراد والجماعات.
ومن هنا كان من أوجب الواجبات أن يستغل استغلالا طيبا، فتنبه العقلاء إلى ذلك وجاءت الأديان مشجعة على الإفادة من هذه القوة الكبيرة، وكان للإسلام القدح المعلَّى فى هذا الميدان، ووضعت كتب فى التربية من أجل ذلك، ويهمنا أن نبين القواعد الأساسية لهذه التربية مختصره من كتابى "تربية الأولاد فى الإسلام" ضمن الموسوعة الكبرى للأسرة، وهى أربعة: التكامل، العناية بالعقل والخلق، التبكير بها، والتعاون عليها.
1 - لابد أن تكون تربية الشباب أو رعايتهم شاملة للجسم والعقل والخلق والروح، فهى كلها متضامنة فى تحديد معالم الشخصية للشباب وتوجيه السلوك. وفى الحديث " إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا" والذى يرجع إلى موضوع الرياضة فى الإسلام يتبين له ذلك بوضوح، وخير نموذج لتكامل الرعاية وصية لقمان لابنه التى سجلها القرآن الكريم، فهى شاملة للعقيدة التى لا تشرك مع الله شيئا، وبر الوالدين كرمز لشكر المنعم، ورقابة الله الذى يعلم السر وأخفى، وتوثيق العلاقة بالله عن طريق الصلاة، وكذلك العلاقة بين الناس بنشر العلم، مع التذرع بالصبر فى مجال الكفاح، والمعاملة بالتواضع ولين الجانب والأدب والحياء والسكينة والوقار [سورة لقمان: 13- 19] .
2 -يجب أن تحظى الرعاية العقلية والخلقية والروحية بقدر كبير من العناية، لأنها ستجر إلى الرعاية البدنية، وهى صمام أمن يقى الشباب المخاطر، ونور كاشف يضىء له الطريق، وفى الحديث الذى رواه الترمذى "ما نحل والد ولده من نحل أفضل من أدب حسن" والشاب المستقيم فى ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله كما فى حديث البخارى ومسلم. ولذلك كانت استقامة السلوك للأولاد هى موضع طلب الأنبياء من الله عندما سألوه الذرية، كما قال إبراهيم {رب هب لى من الصالحين} الصافات: 150 وكما قال زكريا {رب هب لى من لدنك ذرية طيبة} آل عمران: 38.
3-يجب أن تبدأ الرعاية من وقت مبكر ليتعودها الطفل ويشب عليها، فمن أدَّب ولده صغيرا سُرَّ به كبيرا كما قال ابن عباس.
4 -والتعاون على هذه الرعاية واجب، فهى عبء ثقيل ينوء به فرد واحد أو جهة خاصة، وألوانها الكثيرة تحتاج إلى تخصصات ودرايات كاملة، وهى كلها متضافرة فى التأثير على السلوك، فالبيت والمدرسة والنوادى والساحات والمنظمات ودور اللهو والصحافة والمناهج والنظم وخط السير الاقتصادى والسياسى والاجتماعى كل هؤلاء لا بد من تعاونهم على هذه المهمة، والتقصير فى بعضها سيؤثر حتما على النتيجة المرجوة، ولا بد من أمرين هامين فى هذه المهمة الجماعية: أولهما إخلاص كل جهة فى تنفيذ ما يخصها، وثانيهما: الشعور بالروح الجماعية وانعدام الأنانية واللامبالاة.
هذه هى الخطوط الأساسية لرعاية الشباب على ضوء الإِسلام، فهل يسير على نهجها كل من يتشوف أو يسارع إلى الاشتراك فى هذه المهمة الجليلة؟
(10/333)
________________________________________
بروتوكولات حكماء صهيون

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نسمع أخيرا أن هناك ما يسمى ببروتوكولات حكماء صهيون، فهل هى غير التلمود الذى وضعه اليهود منذ مئات السنين؟

الجواب
مما قرأت عن هذا الموضوع أقتطف بعضا من مقال الدكتور عبد الوهاب المسيرى المنشور بأهرام الجمعة 22 / 2 / 1974 م، حيث جاء فيه:
إن البروتوكولات البالغ عددها أربعة وعشرين: تذكر أن حاخامات اليهود وقادتهم عقدوا مؤتمرا سريا بهدف وضع خطة محكمة بالتعاون مع الماسونيين الأحرار ومع الليبراليين لإقامة وحده عالمية تخضع لسلطان اليهود، وتديرها حكومة يهودية عالمية يكون مقرها القدس.
والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شىء، عن الخير والشر وعن الثورة والرجعية وعن الاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس مثلا يقول: كى نخرب العالم -أى نحن اليهود- سنزيد من أجور العمال -وهى اتجاهات اشتراكية- ولكننا فى الوقت ذاته سنرفع أثمان الضرورات الأولية فنسترد الأجور - وهى اتجاهات رأسمالية - ونعرض الصناعة للخراب والعمال للفوضى -وهى اتجاهات فوضوية- واليهود مسئولون عن كل الأفكار الحديثة وترويجها -اليمينى منها واليسارى- فالبروتوكول الثانى يقول: إن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، وإن الأثر غير الأخلاقى لاتجاهات هذه العلوم لدى غير اليهود سيكون واضحا، ولكن ينبغى أن ندرس أثرها على أخلاق الأمم والجماعات.
والرأى السائد الآن أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسى كتبه صحفى مسيحى يدعى "موريس جول" بعنوان "حوار فى جهنم بين ميكيافيلى ومونتيسكيو" أو "السياسة فى القرن التاسع عشر" ونشر فى بروكسل عام 1864 م فتحول الحوار إلى مؤتمر، وتحول الفيلسوفان إلى حكماء صهيون.
وقد لاقت البروتوكولات رواجا كبيرا بعد نشوب الثورة البلشفية التى كان يسميها البعض إذ ذاك بالثورة اليهودية ثم انتقلت إلى غرب أوروبا، وبلغت قمة رواجها فى هزيمة ألمانيا وموقف هتلر من اليهود.
ثم انتهى الكاتب إلى قوله: إن الصهيونى والمعادى للسامية يشتركان فى إنكار القيم الإِنسانية، وينكران على اليهودى إنسانيته السوية، ولذلك فهما يسيران بجوار بعضهما، ولكن الفارق بينهما أن الصهيونى يعرف بالضبط ما يريد، أما المعادى للسامية -وبخاصة إذا كان غريبا- فهو أداته الطيعة السهلة دون أن يدرى ذلك.
هذا، ويمكن معرفة كثير عن اليهود وأثرهم فى الإِفساد- بالاطلاع على مقال أنيس منصور فى أخبار اليوم بتاريخ 6 / 10 / 1973، 11/ 3 / 1973 وفى آخر ساعة 29 / 1 / 1975 ومقال الدكتور حسين مؤنس فى مجلة آخر ساعة بتاريخ 21 / 8 / 1974.
وفى كلام للدكتور حسين مؤنس عن المافيا تحدث عن سريتهم فى كل أعمالهم، وذكر أن معظم الداعين إلى الإِلحاد من اليهود، ومنهم الكاتب الأمريكى صاحب كتاب "إن الله مات" ويدعون إلى التحلل والفساد، وثبت بالإِحصاء أن 80 % من أصحاب الملاهى المتبذلة وبيوت الدعارة ودور نشر المجلات والمطبوعات الجنسية هم يهود، وصاحب مجلة "بلاى بول" هو "عفنر" اليهودى ويقول " روجيه بريفيت ": إن اليهود إذا ذلوا كان وقع الذلة عليهم عظيما، وفشت الوشاية ضد بعضهم فكان معظم من قبض عليهم النازيون بسبب ذلك. فهم أنانيون لا يحب الواحد منهم إلا نفسه فى مثل هذه المواقف انتهى.
ولعل مما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} الحشر: 14.
ومن خطبة للرئيس الأمريكى "بنجامين فرانكلين" سنة 1879 م بمناسبة وضع دستور الولايات المتحدة ذكر خطر اليهود على البلاد - وخطابه لا تزال منه نسخة مخطوطة بمعهد فرانكلين فى بنسلفانيا على الرغم من سرقة اليهود للنسخة الأصلية، وجاء فى هذا الخطاب قوله:
أيها السادة،فى كل أرض حل بها اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقى، وأفسدوا الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم.
وقد أدى بهم الاضطهاد إلى العمل على خنق الشعوب ماليا كما هو الحال فى البرتغال وأسبانيا، فمنذ أكثر من 1700 عام وهم يندبون حظهم الأسيف، ويعنون بذلك أنهم قد طردوا من ديار آبائهم، ولكنهم أيها السادة لن يلبثوا إذا ردت إليهم الدول اليوم فلسطين أن يجدوا أسبابا تحملهم على ألا يعودوا إليها، لماذا؟ لأنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض، فلا بد من العيش بين المسيحيين وغيرهم ممن لا ينتمون لعرفهم. ثم يقول:
وإذا لم يبعد هؤلاء بنص الدستور عن الولايات المتحدة فإن سيلهم سيتدفق فى غضون مائة سنة إلى حدّ يقدرون معه على أن يحكموا شعبنا، ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذى بذلنا فى سبيله دماءنا، وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية، ثم يضيف:
لن تمضى مائة سنة حتى يكون مصير أحفادنا العمل فى الحقول لإِطعام اليهود، على حين يظل اليهود فى البيوتات المالية يفركون أيديهم مغتبطين، إننى أحذركم أيها السادة، أنكم إن لم تبعدوا اليهود نهائيا فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم فى قبوركم. إن اليهود لن يتخذوا مُثلنا العليا ولو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع استبدال جلده الأرقط ... "مجلة البلاغ الكويتية فى10 / 8 / 1975 م"
(10/334)
________________________________________
المافيا

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تترد كلمة "المافيا" على الألسنة كثيرا، كقوة إرهابية، فمتى وكيف نشأت؟

الجواب
أمثال هذه الأمور يهتم بها المختصون، ومع ذلك ينبغى أن نعرف شيئا ولو قليلا عنها لنحذر من مخاطرها، على حد قول القائل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه ومن مقال للدكتور حسين مؤنس جاء فيه أن المافيا تنظيم سرى لنفر من عتاة المجرمين فى صقلية والولايات المتحدة، ورجالها يعرفون فى إيطاليا باسم "المافيوزى" ظهروا أول مرة فى صقلية فى العقد الثالث من القرن الماضى "التاسع عشر" وذلك نتيجة غزو نابليون لصقلية وضمها لإِيطاليا، ولما انتهى نابليون سنة 1819 وانفصلت صقلية عن إيطاليا أصبح أمرها فوضى، فسيطر على الجزيرة جماعة إقطاعيون استعانوا بمن يجمع لهم الأموال من الفلاحين، فاعتمدوا على "المافيوزى" وبتطور الأمور أصبحوا قوة ذات تأثير كبير، بل صاروا دولة داخل دولة لها قوانينها، ومارسوا ما تحرمه الحكومة من بيع المخدرات والسطو على الآمنين وممارسة كل وسائل الإِجرام ولم يقض عليهم إلا موسولينى.
ولما اختفت من صقلية انتقلت فروع منها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى أواخر القرن الماضى وعملت لحساب بعض الأغنياء، وتركزت بعد الحرب العالمية الأولى فى شيكاغو ونيويورك، وهنا تنبه اليهود إلى أهميتهم فاستعانوا بهم فنشطت الحكومة للقضاء عليهم، وكان من أساليبهم استخدام النساء والعشيقات ومن أشهرهن "فرجينيا هيلد" التى تنقلت بين عشاق كثيرين فقبض عليها ونفيت سنة 1934 م إلى النمسا وماتت فى 23 مارس 1966 م بعد أن كنبت تاريخ حياتها، وفيه تكوين هيئة اسمها هيئة قتلة المافيا شركة مساهمة، وكانت فى فندق بنيويورك سنة 1931 م وكل كبارها يهود. فهم أول من نظم جماعة من المافيا فى أمريكا. وبعد إنشاء هذه الشركة التى كانت لحماية أموالهم استخدمت لإِرهاب التجار المنافسين لهم.
وقد عجز البوليس عن الحد من إجرامهم، واستعمل اليهود المافيا فى فرض سلطانهم، ومعظم الوظائف الكبيرة قائمة على إرهابهم حتى أستاذية الجامعات والصحافة ووسائل الإعلام التى تفننوا فيها. وتنبه لشرهم "هنرى فورد" وألف كتابا فى مغالبهم، فحاولوا تدمير صناعة السيارات التى أنشأها، لكنه كان قويا فقاومهم، ثم جاء ابنه - وصالحهم فوقع تحت نفوذهم
(10/335)
________________________________________
العرف

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" وما هو الحكم فيما يراه كثير من المسلمين الآن مما يخالف الدين؟

الجواب
هذا الحديث ليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود، أى حديث موقوف غير مرفوع، رواه أحمد فى مسنده، وقال العلائى عنه: لم أجده مرفوعا فى كتب الحديث أصلا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو موقوف على ابن مسعود، وقد حسنه أحمد بن حنبل، كما أخرجه البزار والطيالسى والطبرانى وأبو نعيم فى ترجمة ابن مسعود من الحلية، وراجع "المقاصد الحسنة " ص 367 طبعة دار الأدب العربى.
وهذا الأثر استدل به جمهور العلماء على أن العرف حجة فى التشريع، ولكن بشرط عدم تعارضه مع النصوص الصريحة والأصول المقررة.
كالتقاليد العربية القديمة التى أبطلها الإِسلام. يقول السرخسى فى كتابه " المبسوط ج 12 ص 45 " إن هذا الأصل معروف، وهو أن ما تعارفه الناس وليس فى عينه نص يبطله جائز.
قال العلماء: إن العرف لا يؤخذ به إلا بشروط، منها أن يكون مطردًا أو غالبا أى شائعا بين الكثيرين، مع مراعاة أن لكل جماعة عرفها، ومنها ألا يكون مخالفا لنص شرعى كشرب الخمر ولعب الميسر والتعامل بالربا، ومنها أن يكون العرف قائما وموجودا عند التصرف، وليس عرفا باليا قديما متروكا، ومنها ألا يعارضه اتفاق أو تصريح يناقضه، كما إذا تم التعاقد بين شخصين على شىء مع سكوتهما عن العرف القائم فى مثل هذه المعاملة فإن العرف يطبق، فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا، فإذا صرح المتعاقدان بما يخالف العرف وجب الالتزام بما تعاقدا عليه، لأنه لا عبرة بالدلالة له فى مواجهة النص الصريح "تراجع رسالة الدكتور أحمد فهمى أبو سنة فى هذا الموضوع"
(10/336)
________________________________________
صوت الناقوس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سمعنا أن وضع الساعة الدقاقة فى المسجد أو المنزل ممنوع لأن الملائكة تنفر من صوت الجرس، فهل هذا صحيح؟

الجواب
روى مسلم وغيره عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس " وفى رواية "الجرس مزامير الشيطان" يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج 14 ص 95": الجرس بفتح الراء معروف -وهو الناقوس- وبإسكانها اسم للصوت، فأصل الجرس بالإِسكان الصوت الخفى، أما فقه الحديث ففيه كراهة استصحاب الكلب والجرس فى الأسفار، وأن الملائكة لا تصحب رفقة فيها أحدهما، والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار لا الحفظة -فإنهم يدخلون فى كل بيت ولا يفارقون بنى آدم فى كل حال لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها كما وضحه فى ص 84 -وأما الجرس فقيل: سبب منافرة الملائكة له أنه شبيه بالنواقيس، أو لأنه من المعاليق المنهى عنها -كالتمائم- وقيل:
سببه كراهة صوتها، وتؤيده رواية مزامير الشيطان، وهذا الذى ذكرناه من كراهة الجرس على الإِطلاق هو مذهبنا ومذهب مالك وآخرين. وهى كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمى علماء الشام:
يكره الجرس الكبير دون الصغير. انتهى.
وجاء فى كتاب "حياة الحيوان الكبرى للدميرى -مادة كلب- " قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح فى مناسكه فى قوله صلى الله عليه وسلم "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس" فإن وقع ذلك من جهة غيره ولم يستطع إزالته فليقل: اللهم إنى أبرأ إليك مما فعله هؤلاء فلا تحرمنى ثمرة صحبة ملائكتك وبركتهم ومعونتهم أجمعين.
وفى نهاية ابن الأثير "مادة جرس" أن الجرس هو الجلجل الذى يعلق على الدواب وقيل: إنما كرهه -لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان عليه السلام يحب ألا يعلم العدوُّ به حتى يأتيهم فجأة، وقيل غير ذلك.
يدل ذلك على أن صوت الجرس مكروه، وقصر بعض العلماء الكراهة على الجرس الكبير، والكراهة كما فى الحديث إذا كان للجرس فى رفقة كقافلة مسافرة على الإبل أو الخيل مثلا وكان الغالب أن نعلِّق فى رقابها جلاجل -أجراس صغيرة- والعلة في الكراهة إما أن التعاليق على الحيوانات كانت عند العرب لمنع الحسد أو العلاج أو دفع المرض كالخرز والتمائم والودع وقد جاء النهى عنها فى الأحاديث لاعتقادهم أنها تؤثر بذاتها بعيدا عن إرادة الله، وإما أن أصوات الأجراس تنبه العدو فيتعرض للقافلة بالنهب أو الحرب مثلا، وإما لغير ذلك.
ومن هنا تكون كراهة الجرس فى السفر فقط، أو مع تعليقها على الدواب. أما صوت الجرس غير المعلق على الحيوانات، وفى غير السفر، كصوت الساعة الدقاقة فى البيوت أو المساجد، وكدق الأجراس لضبط المرور أو العمل أو غير ذلك -فهل يعطى هذا الحكم أو لا؟ البعض قال يعطى حكمه من الكراهة بناء على عموم رواية "الجرس مزامير الشيطان" الشاملة للرفقة وغيرها، وقال البعض: لا كراهة، وبخاصة فى الأجراس الصغيرة، كما قال متقدمو علماء الشام.
ومهما يكن من شىء فإن الأمر الخلافى يعطى الفرصة لاتباع أى رأى فيه دون تعصب له ضد غيره، والحكم الشرعى لا يتعدى الكراهة التنزيهية التى لا عقوبة فيها، فهو ليس بحرام يعاقب عليه
(10/337)
________________________________________
أسامة والقصاص

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
جاء فى القرآن أن أسامة بن زيد قتل رجلا قال لا إله إلا الله، فلماذا لم يقتص منه النبى صلى الله عليه وسلم؟

الجواب
يقول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عَرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة} النساء: 94.
السبب فى نزول هذه الآية ما أخرجه البخارى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان رجل فى غُنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته. فأنزل الله هذه الآية. وفى غير البخارى أن الرسول صلى الله عليه وسلم حمل ديته إلى أهله وردَّ عليه غنيماته. واختلف فى تعيين القاتل والمقتول فى هذه الحادثة، فالذى عليه الأكثرون أن القاتل هو محلِّم بن جثامة، والمقتول هو عامر بن الأضبط، فدعا الرسول على محلِّم فمات بعد قليل، وفى سنن ابن ماجه عن عمران بن حُصين أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل القاتل "فهلا شققت عن بطنه فعلمت مما فى قلبه"؟ فقال: يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما فى قلبه؟ قال "لا، فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما فى قلبه" فمات القاتل بعد قليل.
وقيل: إن القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس بن نهيك الغطفانى ثم الفزارى من بنى مُرة من أهل فدك، قاله ابن القاسم عن مالك.
وقيل: كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله. ولما عظَّم النبى صلى الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله جاء فى صحيح مسلم عن أسامة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية فصبحنا الحرقَات من جهينة فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع فى نفسى من ذلك، فذكرته للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: "أقال لا إله إلا الله وقتلته "؟ قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح - فقال " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"؟ .
وإذا كان هناك تعدد فى الحادثة فقد حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فى بعضها بالدية كما تقدم وفى حادث أسامة يقول القرطبى في تفسيره "ج 5ص 324" لم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية، ويقول: وروى عن أسامة أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لى بَعْدُ ثلاث مرات، وقال " أعتق رقبة " ولم يحكم بقصاص ولا دية، فقال علماؤنا: أما سقوط القصاص فواضح، إذ لم يكن القتل عدوانا، وأما سقوط الدية فلأوجه ثلاثة: الأول:
لأنه كان أذن له فى أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا، كالخاتن والطبيب أى ما دام مأذونا له فلا ضمان فى خطئه، كالذى يقوم بعملية الختان وكالطبيب لا يضمنان ما أخطآ فيه.
الثانى: لكونه من العدو، ولم يكن له ولىٌّ من المسلمين تكون له ديته، لقوله تعالى: {فإن كان من قوم عدوٍّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} النساء: 92 والمعنى عند ابن عباس وغيره: فإن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقى فى قومه وهم كفرة {عدو لكم} فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة، وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وسقطت الدية لوجهين، أحدهما أن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، والثانى أن حرمة هذا الذى آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية، لقوله تعالى {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا} الأنفال:
72.
وقالت طائفة: بل الوجه فى سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه - كفارته التحرير ولا دية فيه، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال. فلا تجب الدية فى هذا الموضع وإن جرى القتل فى بلاد الإِسلام، وهذا قول الشافعى، وبه قال الأوزاعى والثورى وأبو ثور، وعلى القول الأول وإن قُتل المؤمن فى بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة.
الثالث: من أوجه سقوط الدية عن أسامة أنه اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة، ولا تعقل العاقلة اعترافا -أى الدية لا تجب على أهل القاتل بالاعتراف بل لا بد من البينة- ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية هذا ما ذكره القرطبى فى توجيه عدم القصاص من أسامة وعدم وجوب الدية عليه
(10/338)
________________________________________
الأمل والعمل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى فى حق الكفار {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} الحجر: 3 فهل الأمل من صفات الكافرين، وكيف يذمه القرآن ولا يستغنى عنه إنسان؟

الجواب
الأمل شىء مركوز فى الطبيعة البشرية ولولاه ما تحرك الإِنسان وما عمل، فهو يشيب ويهرم ويشيب ويهرم معه الأمل والحرص كما ثبت فى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم. وهو ضد اليأس الذى يغرى بالكسل والزهد فى الحياة وبتمنى الموت عند اشتداد الأزمات، يقول النبى صلى الله عليه وسلم "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" رواه الطبرانى عن عبد الله بن جعفر "الجامع الكبير للسيوطى" يقول الطفرائى:
أعلل النفس بالآمال أرقبها * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل والدين لا يحارب هذا الشىء المطبوع فى النفس ولكن يوجهه إلى الخير، والتوجيه يقوم على أمرين، أولهما عدم الاكتفاء بالأمل بل لابد معه من العمل من أجل الوصول إلى ما يؤمله الإِنسان وثانيهما أن يكون فى الوسع وبالقدر المستطاع.
وفى الأمر الأول جاء قول الله تعالى فى حق أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وفى حق المسلمين الذين يدَّعى كل فريق منهم بأن له الجنة {ليس بأمانيكم ولا أمانىِّ أهل الكتاب من يعمل سوءا يُجْز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} النساء:
123، 124 وفى هذا المقام يقول الحسن البصرى: ليس الإِيمان بالتمنى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل وإن قوما خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم وقالوا: نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، مع ملاحظة أن الجهد المبذول يكون متناسبا مع درجة الأمل، فإن كان كبيرا كان الجهد كبيرا. والكبر جهد مع نية. روى مسلم أن ربيعة بن كعب الأسلمى خادم الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: أسألك مرافقتك فى الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام " فأعنى على ذلك بكثرة السجود" والشاعر الحكيم يقول:
ومن يطلب الحسناء لم يُغْلِهِ المهر * ولا بد دون الشهد من إبر النحل وفى الأمر الثانى ينظر إلى ما يؤمله الإنسان فهو إما أن يكون أمرا دنيويا وإما أن يكون أمرا أخرويا، أو بمعنى آخر إما أن يكون من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة، ففى أمور الدنيا لابد أن يكون الأمل محدودًا لأن أجل الإِنسان محدود لا يتسع لكل الآمال العريضة، وفى أمور الدين لابد من سعة الأمل، مع مراعاة الوسع والطاقة فى كلا الأمرين.
وفى أمور الدنيا يجىء الحديث الذى رواه البخارى عن عبد الله بن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم خط لهم خطا مربعا -أى رسم لهم شكل مربع- وخط وسطه خطا، وخط خطوطا إلى جنب الخط، وخط خطا خارجا ثم قال "أتدرون ما هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال "هذا الإِنسان" للخط الذى فى الوسط "وهذا الأجل" للخط المحيط به "وهذه الأعراض" للخطوط التى حوله " تنهشه، إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذلك الأمل" ويعنى الخط الخارج. وهذا ما يعنيه قول القائل: الآمال تخترمها الآجال.
وفى أمور الدين يقول النبى صلى الله عليه وسلم " المؤمن لا يشبع من خير حتى يكون منتهاه الجنة " رواه الترمذى وابن حبان، ويقول: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز " رواه مسلم، ويقول " إذا سألتم الله الجنة فأعظموا الرغبة واسألوا الفردوس الأعلى فإن الله لا يتعاظمه شىء" رواه البخارى ومسلم. من هذا نرى أن الأمل لا يكون مذموما فى كل حال، بل الذم يكون إذا لم يصحبه عمل ويكون لما هو دنيوى ولا يتناسب مع عمر الإِنسان وإمكاناته وكثرت النصوص والأقوال فى ذمه ليقف عند الحد المعقول، أما مدحه فالنصوص فيه قليلة لأن الطبيعة البشرية تدعو إليه بقوة، وفى المقابل يجىء التنفير القوى ليقف فى الحد الوسط المناسب، فلا يقضى عليه أبدا ولا تطلق له الحرية أبدا.
وكل ذلك محله فى الأمل فى الخير المشروع، أما الأمل فى الشر فذلك مذموم على كل حال، فإذا كانت الآية التى فى السؤال تذم الأمل فلا تذمه لذاته بل لأنه يلهى عن الله وعن الآخرة. وسيعلم الكفار عاقبة ذلك يوم القيامة. روى البزار فى مسنده عن أنس رضى الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أربعة من الشقاء: جمود العين - أى عدم البكاء- وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا" وروى حديث يقول "نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل" ذكره القرطبى فى تفسيره ج 10 ص 2،3 " رواه ابن أبى الدنيا والخطيب "الجامع الكبير للسيوطى" وذكر كلاما عن أبى الدرداء والحسن البصرى فى التحذير من الأمل الدنيوى العريض
(10/339)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:18 am

شطحات الصوفية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نقرأ فى بعض الكتب الدينية عبارات على لسان بعض الصوفية كمدح الخمر والوصال والعشق، فما حكم الدين فى هذه العبارات؟

الجواب
تحدث الإمام الغزالى فى كتابه " إحياء علوم الدين ج 1 ص 32" عن هذا الكلام وعبر عنه بالشطح، وقال إنه يعنى صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية:
أحدهما الدعاوى الطويلة العريضة فى العشق مع الله تعالى والوصال المغنى عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهى قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون:
قيل لنا كذا وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذى صُلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: أنا الحق، وبما حكى عن أبى يزيد البسطامى أنه قال:
سبحانى سبحانى، وهذا فن من الكلام عظيم ضرره فى العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع، إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغنياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة. ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق. فهذا ومثله مما قد استطار فى البلاد شرره، وعظم فى العوام ضرره، حتى من نطق بشىء منه فقتله أفضل فى دين الله من إحياء عشرة، وأما أبو يزيد البسطامى رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل فى كلام يردده فى نفسه، كما لو سمع وهو يقول، إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى، فإنه ما كان ينبغى أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.
والصنف الثانى من الشطح: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط فى عقله وتشويش فى خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعانى بالألفاظ الرشيقة.
ويعلق الإِمام الغزالى على ذلك فيقول: ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام، إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معانى ما أريدت بها، ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه، وقد قال صلى الله عليه وسلم "ما حدَّث أحدكم قوما بحديث لا يفقهونه إلا كان فتنة عليهم" وقد قال صلى الله عليه وسلم "كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"؟ .
وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله، فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره، وقال عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء فى موضع الداء، وفى لفظ آخر: من وضع الحكمة فى غير أهلها فقد جهل، ومن منعها أهلها فقد ظلم، إن للحكمة حقا، وإن لها أهلا، فأعط كل ذى حق حقه. انتهى.
تتمة: الحديث الأول كما قال العراقى حديث ضعيف، وجاء فى مقدمة صحيح مسلم أنه موقوف على ابن مسعود وليس مرفوعًا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، والحديث الثانى رواه البخارى موقوفًا على علىٍّ، ورفعه الديلمى من طريق أبى نعيم
(10/340)
________________________________________
الشافعى عالم قريش

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقولون: إن الإمام الشافعى هو المقصود بالحديث: عالم قريش يملأ طباق الأرض علما. فهل هذا صحيح؟

الجواب
الإمام الشافعى فقيه معروف، وقد أوردت نبذة عنه فى ص 17 من المجلد الأول من هذه الفتاوى، وقد رويت عدة أحاديث فى قريش حملت عليه لاتصال نسبه بها، منها:
1 - حديث "لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما، اللهم أذقت أولهم عذابا فأذق آخرهم نوالا" أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وأبو نعيم فى الحلية، والبيهقى عن أبى بكر بن فورك عن عبد الله بن جعفر بهذا الإِسناد. وفيه النضر بن معبد والجارود، أما النضر بن معبد فقد ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال فيه أبو حاتم الرازى:
يكتب حديثه، وضعفه النسائى. وأما الجارود فقد قال ابن حجر فى "توالى التأسيس ": إن كان ابن زيد ففيه مقال، وإلا فلا أعرفه.
وهذا الحديث مروى عن عبد الله بن مسعود. ورواه أبو هريرة بلفظ "اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما. اللهم كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا" دعا بها ثلاث مرات. وفى إسناده عبد العزيز بن عبد الله، قال الحافظ ابن حجر: عبد العزيز ضعيف.
2 - حديث " لا تؤموا قريشا وائتموا بها، ولا تقدَّموا على قريش وقدِّموها، ولا تعلِّموا قريشا وتعلموا منها، فإن أمانة الأمين من قريش تعدل أمانة اثنين من غيرهم، وإن علم عالم قريش يسع طباق الأرض" وفى رواية "وإن علم عالم قريش مبسوط على الأرض" أخرجه الآبرى والحاكم عن ابن عباس، قال لى على بن أبى طالب يوم حروراء: اخرج إلى هؤلاء القوم فقل لهم: يقول لكم على بن أبى طالب: أتتهمونى على رسول الله؟ فأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ... .
وأخرج بعض هذا الحديث أبو بكر أحمد البزار فى مسنده "البحر الزاخر" وأبو بكر أحمد بن خيثمة فى تاريخه من طريق عدى بن الفضل، قال البزار: لا نعلم لأبى بكر ولا لأبيه غيره، وقال الحافظ ابن حجر فى المناقب: وهما مجهولان، وفى عدى بن الفضل مقال "حسن محمد قاسم - مجلة الإِسلام، المجلد الثالث العدد 13" من كتابه " المزارات المصرية ".
وحديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى فى مسنده بلفظ " اللهم اهد قريشا، فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض، اللهم أذقت أولها نكالا فأذق آخرها نوالا " ورجال هذا الحديث رجال الصحيح إلا إسماعيل بن مسلم فقال فيه ابن حجر: فيه مقال، وأخرج بعضه أحمد ابن حنبل فى المسند بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عنه، قال الحافظ فى "توالى التأسيس" نقلا عن البيهقى: إذا ضمت طرق هذا الحديث بعضها إلى بعض أفاد قوة وعرف أن للحديث أصلا، وتعقب الحافظ قوله هذا بقوله: وهو كما قال،لتعدد مخارجها وشهرتها فى كتب من ذكرنا من المصنفين.
ويدل على اشتهاره فى القدماء ما أخرجه البيهقى عن الربيع بن سليمان قال: ناظر الشافعى محمد بن الحسن، فبلغ الرشيد فقال: أما علم محمد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "قدِّموا قريشا فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض" وقال أبو نعيم الجرجانى: كل عالم من علماء قريش من الصحابة فمن بعدهم وإن كان علمه قد ظهر وانتشر لكنه لم يبلغ فى الشهرة والكثرة والانتشار فى جميع أقطار الأرض مع تباعدها ما وصل إليه علم الشافعى، حتى غلب على الظن أنه المراد بالحديث المذكور، وقد سبق إلى تنزيل هذا الحديث على الشافعى أحمد بن حنبل "المرجع السابق عدد 14".
هذا، وفى هذه الأحاديث تظهر رحمة النبى صلى الله عليه وسلم بقومه على الرغم مما أصابه منهم، كما يظهر فضل قريش ووجوب تكريمها بالإِمامة وغيرها، وذلك مرتبط بالعمل لا بالنسب، كما مر توضيحه فى حديث "الأئمة من قريش" ص 401 من المجلد الثالث من هذه الفتاوى
(10/341)
________________________________________
عهد لرهبان سيناء

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن هناك عهدا مكتوبا من النبى صلى الله عليه وسلم للرهبان فى طور سيناء ما زال موجودا إلى الآن، وهل هناك عهد من عمر أيضا لذلك؟

الجواب
يقول الأستاذ حسن محمد قاسم: يوجد فى صحراء سينا دير الروم الأرثوذكسى، بناه الإمبراطور "جستنياس" سنة 545 م، وهو فى سفح قمة على أحد فروع وادى الشيخ، ويعلو عن سطح الأرض بحوالى 5012 قدما ومساحة سور85 X75 مترا ويسكن فيه الآن (1934 م) ستون راهبا يرأسهم مطران وله وكيل. توجد فيه صورة عهد قديم منسوب إلى النبى صلى الله عليه وسلم -على زعمهم- كتبه لهم فى السنة الثانية للهجرة أمانًا لهم وللنصارى كافة. وأن السلطان سليم العثمانى عند فتحه لمصر سنة 923 هـ (1517 م) أخذه منهم وحمله إلى المكتبة السلطانية بالآستانة، وترك لهم صورة مع ترجمتها باللغة التركية، وتوجد منها عدة صور بالعربية والتركية، بعضها منسوخ فى كتاب صغير، وبعضها على رق غزال، وكل صورة منها تختلف بوضوح عن الأخرى، ويلى هذا العهد عهد آخر نسب إلى سيدنا عمر، وهو كالأول فى بنايته، ولذلك أنكر بعض الباحثين صحة ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، ومنهم المحقق أحمد زكى باشا، وألقى فى ذلك محاضرة فى المؤتمر الدولى العام للمستشرقين.
ومما جاء فى فاتحة هذا العهد عن أصح صورة عندهم وأقدمها:
هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين بشيرا ونذيرا ومؤتمنا على وديعة الله فى خلقه، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما، كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين النصرانية من مشارق الأرض ومغاربها. وجاء فى آخره: وكتب على بن أبى طالب هذا العهد بخطه فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم بتاريخ الثالث من المحرم ثانى سنى الهجرة، وذكر فى أسماء الصحابة الذين وقعوا على هذا العهد: غاز بن ياسينى - معظم بن قرشى - عبد العظيم ابن حسن -ثابت بن نفيس من أسماء أخرى.
وجاء فى خاتمة العهد العمرى: تمت وسطرت هذه النسخة فى ثانى رجب المرجب سنة 968 (19 مارس 1561 م) ما تضمنته هذه العهدة تامة المنسوبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى حق طائفة القسس والرهبان على وفق الشروط، والله أعلم بالصواب (الختم) طه بن محمد سعد.
نص العهد العمرى هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا خبزها ولا من صليبهم ولا من شىء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلِّى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شىء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذى عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبى سفيان، وكتب وحفر سنة خمس عشرة "مجلة الرسالة الإِسلامية -بيروت فى 26 / 2 / 1979 م".
يقول الأستاذ حسن محمد قاسم: وقد اختلق الرهبان هذه الأساطير لدفع الظلم عنهم، وأيدوا ذلك بأربعة أسباب مهمة:
1 -لغة العهد الأولى والثانية تختلف عن لغة عصر النبوة، ففيها تراكيب لم تكن مألوفة حينذاك.
2 -هى مؤرخة فى السنة الثانية للهجرة، مع أن الهجرة لم يؤرخ بها إلا فى السنة الثانية عشرة، أى بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بسبع سنين، فضلا عن أن بعض الشهود كأبى هريرة وأبى الدرداء لم يكونوا قد أسلموا فى السنة الثانية للهجرة.
3 - مؤرخوا الإسلام الذين أحصوا كل آثار النبى صلى الله عليه وسلم لم يذكروها ولم يشيروا إليها، وغاية ما ورد وصية النبى صلى الله عليه وسلم بقبط مصر.
4 -ورود هذه الأسماء المجهولة فى ذيل العهدة، مع شهرة أسماء الصحابة.
هذا ما كتبه الأستاذ حسن محمد قاسم ونشره فى مجلة الإِسلام - العدد 45 من المجلد الثانى، ومهما يكن من شىء فإن الإسلام دين السماحة كما هو معروف، يعامل اليهود والنصارى بالذات كأهل كتاب، أفضل من معاملة غيرهم، وقد أحل للمسلمين أكل ذبائحهم وزواج نسائهم، كما نصت عليه الآية الخامسة من سورة المائدة، وكما هو موضح فى عدة مواضع من هذه الفتاوى، ومن الثابت أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بفتح مصر وأوصى بقبطها خيرا فإن لهم ذمة ورحما، والقول الفصل فى معاملة غير المسلمين هو {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} التوبة: 7 ولا حاجة بعد ما جاء فى القرآن والسنة إلى مثل هذه العهود التى لم يثبت صحتها
(10/342)
________________________________________
مراتب العلم

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نقرأ فى بعض الكتب عبارة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، فهل هناك فرق بين هذه العبارات؟

الجواب
جاء فى غذاء الألباب للسفارينى "ج 1 ص 30" أن العلم صفة يميز المتصف بها تميزا جازما مطابقا للواقع، وله ثلاث مراتب: المرتبة الأولى علم اليقين، وهو انكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه، كانكشاف المرئى للبصر، المرتبة الثانية وهى مرتبة عين اليقين، ونسبتها إلى اليقين كنسبة الأولى للقلب، ثم تليها المرتبة الثالثة، وهى حق اليقين، وهى مباشرة المعلوم وإدراكه الإِدراك التام، فالأولى كعلمك أن فى هذا الوادى ماء، والثانية كرؤيته، والثالثة كالشرب منه.
ومن هذا قول حارثة أصبحت مؤمنا حقا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك"؟ قال: عزفت نفسى عن الدنيا وشهواتها، فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى، وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزا، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "عرفت فالزم، عبد نوَّر الله الإِيمان فى قلبه" ذكره ابن رجب فى: استنشاق نسيم الأنس، وقال: ضعيف، والإِمام ابن القيم فى مفتاح دار السعادة محتجا به. انتهى
(10/343)
________________________________________
التبرك بآثار الصالحين

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل التبرك بآثار الصالحين من الأولياء وغيرهم يتنافى مع الدين؟

الجواب
من المعروف أن الإنسان إذا أحب إنسانا آخر أحب كل شىء يتصل به، وتلك الحقيقة المركوزة فى فطرة الإنسان لا يعارضها الدين، وإنما يرشدها إلى الخير. وذلك فى أمرين أساسيين، هما اختيار من يستحق الحب، وعدم تجاوز الحدود الشرعية فى مظاهر هذا الحب وآثاره فنحن -كمسلمين -مأمورون بحمب الله وحب رسوله، والنصوص فى ذلك كثيرة، ومن لوازم حبهما طاعتهما وعدم عصيانهما {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} آل عمران: 31.
وطاعة الله ورسوله محدودة بقواعد تصحح الفكر وتقوِّم السلوك، وهى فى نطاق الميسور لا المعسور، والتوسط والاعتدال، والإخلاص والصدق. والأولياء الصالحون أكرمهم الله بتوفيقهم إلى الطاعة وبإحسان مجازاتهم كما قال سبحانه {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون 0 الذين آمنوا وكانوا يتقون 0 لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} يونس: 62 - 64 وبخصوص حب الصالحين والتبرك بآثارهم، يجب عدم التغالى فى هذا الحب حتى لا يرفع المحبوب فوق درجته، فقد أجب قوم أنبياءهم فأنزلوهم منزلة الله أو قريبا من ذلك، وقد حذر النبى صلى الله عليه وسلم من الإفراط فى حبه فقال " لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله " رواه البخارى.
وقد أذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن يتبركوا بآثاره، ومن الأخبار فى ذلك:
1 - فى صلح الحديبية يقول أصحاب السير فى التفاف الصحابة حول الرسول صلى الله عليه وسلم: والله ما تنخَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه -بفتح الواو وهو فضلة الماء الذى توضأ به لا الزرقانى على المواهب ج 2 ص 192 لما.
2 -جاءت عدة روايات فى أن بعض الصحابة شرب دم الحجامة من النبى صلى الله عليه وسلم، وبعضهم شرب بوله. جاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى "ج 1 ص 285" قوله: وفى هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه صلى الله عليه وسلم، قال النووى فى شرح المهذب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين أن أبا طَيْبَةَ الحجام حجمه صلى الله عليه وسلم وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليها، وحديث أبى طيبة ضعيف، وحديث شرب البول صحيح رواه الدارقطنى وقال:
هو حديث صحيح، وقيل إنه ضيف كما فى الزرقانى شارح المواهب "ج 4 ص 223 ".
3 - روى البخارى أن الناس جعلوا يأخذون يدى الرسول - وهو فى بطحاء مكة - فيمسحون بها وجوههم، وقال الراوى أبو جحيفة:
فأخذت بيده فوضعتها على وجهى فإذا هى أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك. وفى رواية أحمد أن الناس تزاحموا على الرسول بعد صلاة الصبح فى حجة الوداع، وأن أبا يزيد بن الأسود استطاع بشبابه وقوته أن يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويأخذ بيده ليضعها على وجهه وصدره فما وجد أطيب ولا أبرد منها لا نيل الأوطارج 2 ص 323، 4 32" يقول الشوكانى: فيه مشروعية التبرك بملامسة أهل الفضل لتقرير النبى صلى الله عليه وسلم لذلك.
4 -أثر عن الإمام أحمد أنه كان يحتفظ بشعرات من شعر النبى صلى الله عليه وسلم فى كُمِّ قميصه، وببركتها لم يحرق المعتصم هذا القميص فى فتنة القول بخلق القرآن، وأن الإمام الشافعى تبرك بغسالة قميص أحمد لما ثبته الله على الحق " حياة الحيوان الكبرى للدميرى ج 1 ص 100، 101 " والأخبار كثيرة فى تبرك الصحابة بالصلاة فى مصلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبوضع أيديهم على الموضع الذى كان يضع عليه يده من المنبر الشريف، إلى غير ذلك من الأخبار، وقد قال النووى فى حديث تحنيك النبى صلى الله عليه وسلم للمولود بمضغ تمرة ومجها فى فمه "شرح صحيح مسلم ج 4 1 ص 122 ": اتفق العلماء على استحباب التحنيك بالتمر وما فى معناه من كل حلو، وأن يكون المحنك من الصالحين وممن يتبرك به رجلا كان أو امرأة.
إن التبرك بآثار الصالحين دليل على الحب، ولا مانع منه ما دام فى الحد المعقول، ولا ننسى فى هذا المقام قول المجنون:
أمر على الديار ديار ليلى * أقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبى * ولكن حب من سكن الديارا
(10/344)
________________________________________
الإسلام هو الدين العالمى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الإسلام دينا عاما للعالم كله، فلماذا انزل الديانات السماوية الأخرى؟

الجواب
الأديان السماوية رسالات إصلاح، والحكمة تقتضى أن يكون كل دين متناسبا مع حاجات العصر الذى نزل فيه، ومشكلات القوم الذين أرسل إليهم الرسول، والاجتماع البشرى فى تطور دائم، والاتصال بين الأمم والشعوب له مجاله المحدود وإمكاناتة المتناسبة مع الظروف، من أجل هذا كان الله سبحانه يرسل رسولا إلى قوم مخصوصين برسالة معينة لا يكلف بها غيرهم، وقد يحدث أن يبعث الله رسولين فى عصر واحد لجماعتين مختلفتين لاختلاف السلوك الفكرى والاجتماعى، وصعوبة مباشرة مهمة الإصلاح مع أكثر من جماعة.
ودين الإسلام جاء والاجتماع البشرى وصل إلى درجة كبيرة من الرقى فى عقله وثقافته وفى حضارته ومدنيته، وسهولة الاتصال بين وحداته المقيمة فى أماكن مختلفة بشكل أحسن من ذى قبل، ولهذا كان أسلوب الدعوة يخالف أسلوبها فى الأديان السابقة مخالفة كبيرة، فدعا محمد صلى الله عليه وسلم قومه بمعجزة القرآن التى لا يمكن للإنس والجن أن يأتوا بمثلها على مر العصور، وقد أكد الواقع ذلك، وكانت مبادئه متناسبة مع رقى البشرية ومتمشية معه إلى أن تقوم الساعة، وذلك بفضل القواعد والكليات التى يمكن تطبيقها فى كل عصر ومصر.
لهذا ولغيره كان الإسلام هو الدين العام الخالد، لا حاجة بعده إلى دين، وكان نزوله متناسبا مع عصره ومع كل العصور المتتالية، وقد نزل بعد أن بلغت البشرية رشدها وأصبح الاتصال بين بلادها القريبة والبعيدة ممكنا للبلاغ عن الله.
والخلاصة أن كل دين يأتى به رسول كان متناسبا مع ظروف قومه، ودين الإسلام جاء متناسبا مع عصره الراشد ومتابعا. رشده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن هنا جاء قوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين} ال عمران:
تلك إشارة بسيطة فى الإجابة عن السؤال، أما تفصيل ذلك فهو فى الكتب التى تناولت القضية، ومن أهمها كتاب " الدعوة الإسلامية دعوة عالمية "
(10/345)
________________________________________
من أدب الكلام

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن قول الإنسان: اللهم اغفر لى إن شئت منهى عنه؟

الجواب
هناك ألفاظ وعبارات تحدث العلماء عن عدم لياقتها، وحذروا من أن تؤدى إلى الكفر من حيث لا يشعر الإنسان، ومن ذلك ما يأتى:
1 -يكره للانسان عند الدعاء أن يقول: اللهم اغفر لى إن شئت، لحديث رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة " لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ".
وفى رواية لمسلم " ولكن لِيَعْزم ولْيعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شىء أعطاه " وفى رواية لهما عن أنس " إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن، اللهم إن شئت فأعطنى، فإنه لا مستكره له.
والكراهة فى هذا القول كراهة تنزيهية لا عقوبة فيها، كما صرح به النووى فى شرح صحيح مسلم، قال العلماء: سبب الكراهة أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا فى حق من يتوجه عليه الإكراه، والله تعالى منزه عن ذلك، وهو معنى قوله فى الحديث لد فإنه لا مستكره.. إلخ "وقيل: سبب الكراهة أن فى هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه.
2 -ينبغى أن يقال فى المال المخرج فى طاعة الله تعالى: أنفقت أو صرفت فى حجى أو فى زواجى أو ضيافة ضيفانى ألفا أو ألفين مثلا، ولا يقول ما يقوله كثيرون من العوام: غرمت فى ضيافتى كذا، وخسرت فى حجتى كذا، وضيعت فى زواجى كذا، وذلك لأن عبارة أنفقت وشبهها تكون فى الطاعات، وعبارة خسرت ونحوها تكون فى المعاصى والمكروهات ولا تستعمل فى الطاعات، فإن الحاج لم يخسر، ومكرم الضيف لم يخسر، هكذا قال النووى فى الأذكار " ص 263 لما.
3-يكره التقعر فى الكلام بالتشدق وتكلف السجع والتصنع بالمقدمات التى يعتادها المتفاصحون -كما يعبر النووى - بل ينبغى مخاطبة الناس بما يفهمون مما يتناسب مع مستوياتهم، وذلك لحديث رواه أبو داود والترمذى " إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذى يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة" وهو حديث حسن، يلتقى مع حديث رواه مسلم " هلك المتنطعون " وهم المبالغون فى الأمور، وفى حديث رواه الترمذى " وإن أبغضكم إلىَّ وأبعدكم منى يوم القيامة الثرثارون وا لمتشدقون والمتفيهقون ".
وهو حديث حسن، والثرثار: هو الكثير الكلام، والمتشدق: من يتطاول على الناس فى الكلام ويبذو-من البذاءة - عليهم، والمتفيهقون: هم المتكبرون
(10/346)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى



عدد المساهمات : 48938

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:21 am

مجالس الغيبة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ضمنى مجلس مع بعض الأصدقاء، فوجدتهم يتحدثون عن معايب بعض الغائبين عن المجلس وأنا اعلم انه برئ من ذلك فاستحييت أن اكذب كلامهم، ولما علم هذا الغائب بسكوتى قاطعنى فكيف أتصرف؟

الجواب
من المعلوم أن الغيبة محرمة، والنصوص فى ذلك كثيرة، ومن المعلوم أيضا أن المؤمن إذا رأى منكرا وجب عليه أن يقاومه بالوسيلة الممكنة من اليد واللسان والقلب كما صح فى الحديث، وكان من الواجب على من حضر مجلس المغتابين أن يقوم بواجبه نحو هذا المنكر، ولا يقتصر على بيان حرمة ارتكاب المنكر، بل ينبغى أن يرد ما تحدث به المغتابون إن كانوا كاذبين فهناك أمران مطلوبان، أحدهما نحو المغتابين والثانى نحو من اغتابوه، وبخاصة إن كان شخصا فاضلا أو له حق على الإنسان كالوالد والمعلم.
يقول الإمام النووى " الأذكار ص 340 ": اعلم أنه ينبغى لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فإن لم يستطع فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر، وأورد حديثا رواه الترمذى وحسَّنه لا من رد عن عِرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " وحديثا رواه البخارى ومسلم جاء فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قام يصلِّى فسأل عن مالك بن الدخشم، فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم " لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله " وذكر دفاع معاذ بن جبل عن كعب بن مالك حين ذمه رجل من بنى سلمة فى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وإقرار النبى لمعاذ كما ذكر حديثا رواه أبو داود فى سننه " ما من امرئ يخذل امرأ مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما فى موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب نصرته " كما ذكر حديثا رواه أبو داود " من حمى مؤمنا من منافق - أراه قال -بعث الله تعالى ملكا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشىء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال.
إن صاحب السؤال قد قصَّر فى حق المغتابين بالاستحياء من تكذيبهم، وقصر فى حق الغائب بعدم الدفاع عنه، وبهذا يكون قد ارتكب خطأين، إلى جانب خطأ ثالث وهو عدم ترك هذا المجلس الذى يرتكب فيه المنكر، وفيه إغراء للمغتابين على الاستمرار فيه، ودليل ولو فى الظاهر على أنه موافق لهم راض عن معصيتهم، والرضا بالمعصية إسهام فيها يجازى بالتالى عليها، والله سبحانه يقول: {وقد نزًّل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذًا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا} النساء:140 " انظر ص 336 من الأذكار" وقد مر توضيح ذلك فى ص 9 4 6 من المجلد الرابع.
ومن حق أخيك الذى لم تدافع عنه أيها السائل أن يعتب عليك لأنك قصرت فى حق المسلم على أخيه المسلم، وأرجو أن تعتذر له حتى تعود الصلة بينكما، كما أرجو من صديقه أن يقبل العذر حتى لا يدخل تحت الحديث " من أتاه أخوه متنصلا- معتذرا - فليقبل ذلك، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض" رواه الحاكم وصححه، وروى مثله تقريبا انطبرانى.
وأنصح السائل أن يختار أصدقاء من الصالحين، والحديث فى مثل الجليس الصالح والجليس السوء معروف
(10/347)
________________________________________
من آداب الزيارة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى بعضى الأحيان يأتى لزيارتى إنسان فى وقت أكون فيه محتاجا للراحة أو مشغولا بعمل هام وتنتابنا الحيرة بين السماح بالزيارة بما فيها من تعب لى بين الاعتذار الذى قد يجرنى إلى انتحال مبرر غير صحيح، فهل فى الدين ما ينظم الزيارة لتلافى هذا الإحراج؟

الجواب
من المعلوم أن زيارة الأخ لأخيه مستحبة لتقوية رابطة الأخوة، وتتأكد إن كانت معها مجاملة فى فرح أو عيادة فى مرض أو عزاء فى موت. روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلا زار أخًا له فى قرية فأرصد الله تعالى على مدرجته - طريقه - ملكا، فلما أتى عليه قال:
أين تريد؟ قال: أريد أخًا لى فى هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبّها؟ -تقوم بها وتسعى فى صلاحها-قال: لا، غير أنى أحببته فى الله، قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته ". وروى ابن ماجه والترمذى وحسَّنه قوله صلى الله عليه وسلم " من عاد مريضا أو زار أخًا له فى الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا ".
وحتى تكون الزيارة محققة لغرضها وضع الإسلام لها ادابًا منها:
1 - الاطمئنان على تقبل المزور لهذه الزيارة، وذلك بتحديد موعد لها عن طريق المسرة أو طريق اَخر، حتى يستعد لها المزور، بتنظيم مواعيد عمله، وإعداد ما يلزم للمقابلة، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} النور: 27 قال بعض العلماء: المراد بالاستئناس هو الاستئذان فى الزيارة قبل الذهاب بوقت كاف لعمل اللازم لها، وقال بعض آخر: المراد به الاستئذان وهو واقف أمام البيت.
2 - الاستئذان فى دخول البيت عند المفاجأة بالزيارة أو عدم الاستعداد للاستقبال، ويكون الاستئذان بوسائل تختلف باختلاف البيئات والعصور، كدق الباب بالإصبع أو دق الناقوس الكهربائى أو التنحنح أو الكلام أو إلقاء السلام أو غير ذلك. وكانت وسيلة الاستئذان أيام الرسول صلى الله عليه وسلم هى قول: السلام عليكم، أأدخل، فإن أذن له دخل وإلا رجع، قال تعالى {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم} النور: 28 وروى البخارى ومسلم فى ذلك حديثا هو " الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل " وروى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلا من بنى عامر استأذن على النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى بيت، فقال: ألِج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه:
اخرج إلى هذا فعلَّمه الاستئذان، فقل له قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال ذلك فأذن له النبى صلى الله عليه وسلم فدخل.
يقول النووى فى الأذكار لا ص 259 ": وهذا الذى ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح، وذكر الماوردى فيه ثلاثة أوجه، أحدها هذا، والثانى تقديم الاستئذان على السلام، والثالث - وهو اختياره -إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدم الاستئذان. وإذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمع فهل يزيد عليها؟ حكى الإمام أبو بكر بن العربى المالكى فيه ثلاثة مذاهب، أحدها: يعيده، والثانى: لايعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده. قال: والأصح أنه لا يعيده بحال. وهذا الذى صححه هو الذى تقتضيه السنة.
3-من السنة ألا يقف الزائر أمام الباب مباشرة حتى لا تقع عينه على ما لا ينبغى أن يرى فالذى فى داخل البيوت هو من الأسرار التى لايحب أحد أن يطلع عليها الغير.
4 -إذا استأذن الزائر بالسلام أو دق الباب وقيل له: من أنت؟ ينبغى أن يسمى نفسه بوضوح ليقرر المزور ما يريد، ويكره أن يقول " أنا" فقط، أو أحد المحبين وما أشبه ذلك. روى البخارى ومسلم فى حديث الإسراء المشهور أن جبريل عليه السلام لما صعد إلى السماء الدنيا واستفتح أى طلب الفتح للدخول قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، وفى كل سماء كان يحصل هذا يقول الشراح: قول الملائكة لجبريل: ومن معك؟ يشعر بأنهم أحسوا أن معه أحدا غيره، وإلا لكان السؤال: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوى بزيارة الأنوار. .
وروى البخارى ومسلم أن جابرا رضى الله عنه أتى لزيارة النبى صلى الله عليه وسلم فدق الباب فقال الرسول " من ذا " فقال: أنا أنا،فقال الرسول: " أنا أنا " كأنه كرهها. ولا بأس أن يصف الزائر نفسه بما يعرف به إذا لم يعرفه المخاطب بغيره.
5 -تحين الوقت المناسب للزيارة، فلا تكون مبكرة فى الصباح مثلا، أو فى وقت الراحة ظهرا، أو بعد ساعات طويلة من الليل، والناس يختلفون فى تعيين الأوقات التى لا تستحب فيها الزيارة، وذلك باختلاف البيئات والظروف، وفى صحيح مسلم بشرح النووى "ج 6 ص 106 " زيارة جماعة لابن مسعود بعد صلاة الفجر وهو مستغرق فى التلاوة حتى بعد طلوع الشمس.
6 - الإقلال من الزيارة بعدم تكرارها قبل مرور وقت تشتاق فيه النفوس إليها، وقد روى حديث يقول " زر غِبًّا تزدد حبا" رواه الطبرانى عن عبد الله بن عمرو، ورواه البزار عن أبى هريرة، ثم قال: لا يعلم فيه حديث صحيح. يقول الحافظ المنذرى: وهذا الحديث قد روى عن جماعة من الصحابة، وقد اعتنى غير واحد من الحفاظ بجمع طرقه والكلام عليها، ولم أقف له على طريق صحيح كما قال البزار، بل له أسانيد حسان عند الطبرانى وغيره.
7 -تقليل زمن الزيارة ومراعاة ظروف المزور حتى لايمل من الزائرين، وبخاصة إذا كان مريضا أو مشغولا بأمور هامة وجاءت الزيارة مفاجئة لم يسبقها استعداد، والقران الكريم ينهى عن ذلك بما حدث من المدعوين لوليمة بمناسبة زواج النبى صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضى الله عنها قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إِناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق} الأحزاب: 53.
8-إذا لم يكن المزور موجودا فى بيته ينبغى ألا يدخل الزائرون حتى لو كانوا أقارب للزوجة، فقد كره أبو بكر ذلك عندما حضر فوجد جماعة من بنى هاشم دخلوا على أسماء بنت عُميس ولم يرإلا خيرا، وشكا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فأكد له براءتها ثم خطب على المنبر وقال "لايدخلن رجل بعد يومى هذا على مُغيَبة إلا ومعه رجل أو اثنان " والمغيبة هى التى غاب زوجها عن المنزل رواه مسلم لاج 14 ص 9 -ومن السنة أن يجلس الزائر فى المكان الذى يختاره له صاحب البيت، ولا يتمسك بمكان معين قد يطلع منه على بعض ما لايحب صاحب البيت أن يطلع عليه أحد!
(10/348)
________________________________________
السيد أحمد البدوى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أين ولد السيد احمد البدوى، وبماذا اشتهر عند أهل مصر وهل صحيح أن من اعترض عليه يعطبه؟

الجواب
السيد أحمد البدوى هو أحمد بن على بن إبراهيم، ينتهى نسبه إلى الحسين بن على رضى الله عنهما كما قال الشبلنجى فى " نور الأبصار" ص 237، أجداده نزحوا من الحجاز فى أيام الحجاج بن يوسف الثقفى سنة 73 و، إلى بلاد المغرب، ولد بفاس سنة 96 5هـ وذهب مع أبيه وأمه فاطمة بنت محمد بن أحمد واخوته سنة 603 هـ للحج، فحج وعمره إحدى عشرة سنة عام 607 هـ وأقام بمكة. وعرف بالبدوى لكثرة ما كان يتلثم، عرض عليه أخوه الزواج فامتنع وأقبل على القرآن، واشتهر بمكة بالشجاعة وسمى العطاب والغضبان، ثم اعتزل الناس، ورأى فى المنام من يأمره بالسفر إلى طندتا " طنطا" فسار هو وأخوه حسن إلى العراق وقابل عبد القادر الجيلانى وأحمد الرفاعى ثم عادا إلى مكة ولزم الصيام والقيام، ثم سار من مكة سنة 634 هـ وأخيرا وصل مصر فنزل طندتا فى 14 من ربيع الأول سنة 637 هـ وحل بمنزل أحد مشايخ البلد واسمه " ابن شحيط " ساهرا على السطح، وكان من تلاميذه عبد العال ولازم السطح 12 سنة، وكان الظاهر بيبرس يزوره.
لما حفظ القراَن بمكة اشتغل بالعلم مدة على مذهب الإمام الشافعى قبل أن يتصوف، زاره فى طنطا تقى الدين بن دقيق العيد قاضى قضاة مصر واعترض على عدم صلاته مع الناس، ويقال إنه أطاره إلى مكان بعيد قابله فيه الخضر وأرشده إلى الاعتذار لأحمد البدوى الذى يصلى بالناس فى قبة معينة، ففعل فأعاده إلى بيته، وذكر الشعرانى له كرامات أخرى منها انه جاء بالأسير من بلاد الفرنجة مقيدا مغلولا سنة 645 توفى أحمد البدوى سنة675 هـ.
ومن أراد الزيادة فليرجع إلى الطبقات الكبرى للثسعرانى " ج 1 ص 183 " والله أعلم بالكرامات الذى ذكرها له، وإن كان أصل الكرامة للصالحين أمرا مُسلَّمًا به، لأنها من نوع المعجزات الخارقة للعاده التى تظهر على أيدى الأنبياء من أجل التحدى وإثبات صدق الرسالة
(10/349)
________________________________________
السيد إبراهيم الدسوقى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الشيخ إبراهيم الد سوقى ينتسب إلى آل البيت؟

الجواب
ذكر الشعرانى فى الطبقات الكبرى " ج 1 ص 181 " أنه إبراهيم ابن أبى المجد بن قريش ينتهى نسبه إلى الحسين رضى الله عنه ولد فى دسوق سنة 623 هـ وأمه فاطمة أخت أبى الحسن الشاذلى، تفقه على مذهب الإمام الشافعى، ثم تصوف، وعاش من العمر ثلاثا وأربعين سنة لم يتزوج ولم يغفل عن مجاهدة نفسه حتى توفى سنة 676 هـ وذكر الشبلنجى فى " نور الأبصار " ص 242 نقلا عن طبقات المناوى أنه شيخ الطائفة البرهامية، صاحب المحاضرات القدسية والعلوم اللدنية، كان يتكلم عدة لغات ويعرف لغات الوحش والطير وعيَّنه الظاهر بيبرس شيخا للإسلام.
ومن كلامه: الشريعة أصل والحقيقة فرع، فالشريعة جامعة لكل علم مشروع، والحقيقة جامعة لكل علم خفى، وسرد له بعض الكرامات. ومقامه معروف فى مدينة دسوق بمصر، كان هو وأتباعه يلبسون العمامة الخضراء، كما كان أتباع السيد أحمد البدوى يلبسون العمامة الحمراء، وأتباع الرفاعى يلبسون العمامة السوداء
(10/350)
________________________________________
السيد أبو الحسن الشاذلى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
من هو أبو الحسن الشاذلى وأين دفن؟

الجواب
هو أبو الحسن على الشاذلى بن عبد الله بن عبد الجبار، ينتهى نسبه إلى الحسن بن على رضى الله عنهما، نسب إلى " شاذلة" قرية قرب تونس ولد بقرية تسمى غماره قريبة من سبتة وطنجة بالمغرب سنة 593هـ وتلقى علومه الأولية بها، وسافر إلى العراق ثم عاد إلى بلده والتقى بعبد السلام بن مشيش إمام أهل المغرب فأشار عليه بالذهاب إلى شاذلة ثم انتقل إلى تونس ثم إلى مصر فنزل الإسكندرية ونشر بها مذهبه واحتفل الناس به، قرأ فى كتب التفسير والسيرة، وتفقه عليه العز ابن عبد السلام وابن دقيق العيد وعبد العظيم المنذرى وابن الصلاح وابن الحاجب. جاء فى كتاب نور الأبصار للشبلنجى " ص 244 " أن أهل المغرب نفوه وكتبوا إلى نائب الإسكندرية أنه زنديق فاحذروه، فآذاه أهل الإسكندرية، فلما ظهرت كراماته اعتقدوه. وذكر له عدة أقوال حكيمة وأدعية كثيرة توفى فى ذى القعدة 656 هـ هو قاصد الحج فى شهر رمضان، ودفن بصحراء لد عيذاب " فى " حميثرا" من الصعيد، وذكر ما نقله ابن بطوطة فى رحلته عن ياقوت العرش عن شيخه أبى العباس المرسى أن أبا الحسن الشاذلى كان يحج كل سنة، فلما كان فى آخر سنة خرج فيها قال لخادمه: استصحب فأسا وقفة وحنوطا، فقال له: لماذا؟ قال " فى حُمَيثرا سوف ترى " فلما بلغ حميثرا اغتسل الشيخ وصلى ركعتين فقبضه الله فى آخر سجدة ودفن هناك. ولم يترك مؤلفات.
ومن تلاميذه الذين ورثوا علمه أحمد أبو العباس المرسى توفى سنة 686 د وذكر له الشعرانى " الطبقات الكبرى"ج 2 ص 4 أقوالا حكيمة كثيرة، ولم يترك كتبا كشيخه الشاذلى. ومن تلاميذ المرسى ياقوت العرش المتوفى بالإسكندرية سنة 707 هـ، ومن تلاميذ ياقوت العرش ابن عطاء الله السكندرى المتوفى سنة 707 هـ الذى ألف عدة كتب منها: الحكم والتنوير فى إسقاط التدبير " انظر ص 20 من المرجع المذكور"
(10/351)
________________________________________
ابن عطاء الله السكندرى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يمدح كثير من الناس كتاب "الحكم" لأبن عطاء الله السكندرى، فهن هو ابن عطاء الله، وكيف وصل إلى هذه المنزلة؟

الجواب
هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندرى، وهو من أصل عربى، ولد بالاسكندرية حيث كانت تقيم أسرته، ولم يعرف تاريخ مولده بالضبط، فهو ما بين سنة 8 5 6 هـ، 9 67 هـ، كان والده معاصرا لأبى الحسن الشاذلى، شغل ابن عطاء بالعلوم الدينية، وكان فى أول أمره شديد الإنكار على الصوفية، ثم عدل عن ذلك بعد لقائه بأبى العباس المرسى، وكان بعد وفاة أبى العباس المرسى سنة 686 وخليفة لطريقته، حتى ارتحل إلى القاهرة وتولى التدريس بالأزهر، وكانت له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطرائق كما يقول ابن تغرى بردى، وتتلمذ على يديه كثيرون منهم تقى الدين السبكى، وكان معاصرا لابن تيمية المتعصب ضد الصوفية.
توفى سنة 709 هـ ودفن بجبانة السيد على أبى الوفا تحت جبل المقطم وترك مصنفات كثيرة بلغت اثنين وعشرين، منها كتابه المشهور " الحكم " الذى شرحه ابن عجيبة
(10/352)
________________________________________
الإمام الغزالى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى أى قرن عاش الإمام الغزالى، ولماذا أطلق عليه لقب حجة الإسلام؟

الجواب
الإمام الغزالى هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسى الغزالى ولد بطوس سنة أربعمائة وخمسين من الهجرة " 455 هـ " وكان والده يغزل الصوف ويبيعه فى دكانه بطوس، ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه احمد إلى صديق له متصوف أن يعلِّمهما وينفق عليهما بسخاء حتى لو نفد كل ما تركه لهما.
ولما نفد ما تركه أبوهما وكان الوصى فقيرا أشار عليهما بالالتحاق بمدرسة كانت تنفق على طلابها، ففعلا.
وكان أبو حامد أفقه أقرانه، أما أخوه أحمد فكان واعظا، تفقه الغزالى فى صباه على أحمد بن محمد الراذكانى، ثم أخذ عن الإمام أبى نصر الإسماعيلى فى جر جان ثم رجع إلى طوس وأقبل على العلم وحفظه، ثم قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين، حتى بع فى الفقه والمنطق والحكمة والفلسفة، وتصدى للرد على دعاوى المبطلين، وألف فى كل ذلك كتبا كثيرة، ولما مات إمام الحرمين خرج الغزالى إلى العسكر قاصدا الوزير نظام الملك، وناظر الأئمة والعلماء فى مجلسه فاعترفوا بفضله فولاَّه التدريس فى مدرسته ببغداد، فتوجه إليها سنة أربع وثمانين وأربعمائة " 484 هـ " ودرس بالمدرسة النظامية، فاشتهر بذكائه وعلمه وخلقه، إلى أن زهد فى مظاهر الدنيا، فقصد بيت الله للحج، ثم توجه إلى الشام فى ذى القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة " 488 هـ " واستناب أخاه فى التدريس، وجاور بيت المقدس ثم عاد إلى دمشق واعتكف فى زاويته بالجامع الأموى المعروفة بالغزالية، ولبس الثياب الخشنة وتصوَّف وأخذ فى تصنيف كتابه " الإحياء" ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجالس للوعظ، وأطلق عليه اسم الشافعى الثانى، ولم تعجب أهل المغرب طريقته فأحرقوا كتبه. ثم عاد الغزالى إلى خرا سان ودرس بالمدرسة النظامية بنيسابور مدة بسيطة ثم رجع إلى طوس، واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء ومكانا للصوفية " خانقاه " وانقطع للتدريس والعبادة حتى توفى بطوس يوم الإثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة "505س ".
ومن كتبه غير الإحياء: البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة، والمستصفى والمنخول، وتحصين الأدلة وشفاء الغليل والأسماء الحسنى والرد على الباطنية، وتهافت الفلاسفة، والمنقذ من الضلال وفيصل التفرقة.
ألف فيه المستشرق " كارادفو" كتابا ذكر فيه أن الغزالى اجتمعت لديه صفات الخطيب والعالم النفسانى والواعظ الدينى، فهو يفيض بالأولى، ويحلل بالثانية، ويأسر النفوس بالثالثة، وذكر فى كتابه "مفكرو الإسلام " أن أسلوبه مخصب سهل لدن واضح، وأنه إذ يستعين بالصور الخيالية لا يغض الطرف عن الجانب العلمى، يستهوى القارئ ولا يتعبه، عقله متزن، إذا اقتبس من السنة فعل ذلك بدون إثقال أو إفراط، إنه يقسِّم ويفرع بعناية ووضوح، وبدون تصنع أو مباهلة، ومع كونه نفسانيا لا يهوى الدقة المغالية.
والغزالى نشأ فى عصر تضاربت فيه الأقوال نحو علم الكلام والفلسفة، فبعضهم حرم الاشتغال به وعده من أكبر الكبائر، وبعضهم جعله من الواجبات، وقال هو: إن علم الكلام مباح بل ضرورى وواجب فى بعض الظروف، وهو حرام إذا ركب الإنسان فيه هواه وغلبه العناد.
هذا، وقد كتب عنه شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغى واجمل رأيه فيه بقوله:
إذا ذكر ابن سينا أو الفارابى خطر بالبال فيلسوفان عظيمان، وإذا ذكر ابن العربى خطر بالبال رجل صوفى له فى التصوف آراء لها خطورتها، وإذا ذكر البخارى ومسلم وأحمد خطر بالبال رجال لهم أقدارهم فى الحفظ والصدق والأمانة والدقة ومعرفة الرجال، أما إذا ذكر الغزالى فقد تشعبت النواحى ولم يخطر بالبال رجل واحد، بل خطر بالبال رجال متعددون، لكل واحد قدره وقيمته، يخطر بالبال الغزالى الأصولى الماهر، والغزالى الفقيه الحر، والغزالى المتكلم إمام أهل السنة وحامى حماها، والغزالى الاجتماعى الخبير بأحوال العالم وخفيات الضمائر ومكنونات القلوب، والغزالى الفيلسوف، أو الذى ناهض الفلسفة وكشف عما فيها من زخرف وزيف، والغزالى الصوفى الزاهد وإن شئت فقل: إنه يخطر بالبال رجل هو دائرة معارف عصره.
" المضنون به على غير أهله، مجلة الأزهر- المجلد 11:
ص 398، 476، 1 لمجلد 6 1: ص 336"
(10/353)
________________________________________
الخنافس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى الشباب الذين يرسلون شعورهم وسوالفهم ويبدون كأنهم نساء؟

الجواب
روى أبو داود عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من كان له شعر فليكرمه " قيل: إن الحديث ليس بقوى ولكن تشهد له الأحاديث الأخرى، ورواه البيهقى عن عائشة، وحكم عليه بالصحة، وروى أبو داود والترمذى بإسناد جيد عن جابر أن رجلا دخل على النبى صلى الله عليه وسلم ثائر الشعر أشعث اللحية فقال " أما كان لهذا دهن يسكن به شعره "؟ ثم قال: " يدخل أحدكم كأنه شيطان " وجاء رواية أن الرجل لما سمع هذا أصلح شعره فقال صلى الله عليه وسلم " أليس هذا خيرا من أن يأتى أحدكم ثائر الشعر كأنه شيطان ".
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسدل شعره ويكرمه ويرجِّله، وسدل الشعر إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة وكان المشركون يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء ثم فرق الرسول بعد ذلك كما أخرجه البخارى ومسلم.
وأرى أن السدل والفرق يرجع فيه إلى عادة أهل البلد، وما رؤى مخالفا لذلك بحيث يكون عيبا ينهى عنه كما فعل عمر بن عبد العزيز حيث كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزُّون ناصية كل من لم يفرق شعره، وهذا الأمر ليس من الأمور التى يتقرب بها إلى الله ولا يجب التأسى فيها بالرسول صلى الله عليه وسلم، حيث لم يرد فيها قول منه بطلب أو نهى، فهو من فعله، ولم يلتزم فيه حالة واحدة.
والمنهى عنه فى الشعر هو حلق بعضه وترك بعضه الآخر، وهو المسمى بالقرع كما رواه البخارى ومسلم، وفى رواية لأبى داود بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم رأى صبيا حلق بعض شعر رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال " احلقوه كله أو اتركوه كله " وجاء فى رواية لأبى داود أنه زى اليهود.
وذكر الأستاذ محمود شيت خطاب " مجلة الأزهر-ذو الحجة 1390هـ " أن إطالة السوالف تقليد يهودى قديم راجع إلى إلزام "بختنصر" لهم به ليعرف أنهم سَبْىٌ لد فى العراق، ثم توارث اليهود ذلك وقلدهم الفنانون، ومن أحسن ما قيل فى ذم خنافس اليوم وتشبههم بالنساء قصيدة للشاعر حسن جاد جاء فيها:
من مجيرى من الذين اللواتى * حِرْت فيهم بين الفتى والفتاة؟ عجبا للفتى يبدل خلقا * صاغه الله بارئ النسمات لم يدع من مفاتن للعذارى * أو يغادر لهن من مغريات يابنى الخنفساء كيف رضيتم * بانتساب لأحقر الحشرات؟ ومسختم ما أوع الله فيكم * من سجايا رجولة وسمات كيف يُرْجى غَدُ البلاد بجيل * نرجسى الميول والنزعات؟ لا رعى الله صنعكم من شباب * مغرم بالتقليد فى الترهات كدت والله حين صرتم بنات * أتمنى لو عاد وأد البنات يمكن الرجوع إلى القصيدة كلها والموضع كله فى الجزء الثالث من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام " وما جاء من خطورة التشبه بالنساء، والتقليد الأعمى للغير، وبخاصة ما ليس فيه فائدة يحتاج إليها المسلمون فى ظروفهم الحاضرة
(10/354)
________________________________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:23 am

الخدم وأسرار البيوت

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سيدة تقول: عندها خادمة ماهرة، لكنها تنقل اسرارنا إلى أهلها وإلى الجيران، فهل لو طردتها أكون آثمة؟

الجواب
إذا كان الإسلام قد أوصى بالرحمة بالخدم بمثل قوله صلى الله عليه وسلم " هم إخوانكم وخَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم " رواه البخارى ومسلم، فإنه قد أوجب على الخدم أن يكونوا أمناء، لعموم قوله تعالى حكاية عن بنت شعيب وموسى {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين} القصص: 26.
والأمانة المطلوبة من الخادم أبرز ميادينها ثلاثة: المال والعرض والسر. وبخصوص السر-بحكم وضعه وتمكنه من الاطلاع على الأمور الخفية-روى مسلم عن ثابت عن أنس قال: أتى علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنا ألعب مع الغلمان فسلَّم علينا، فبعثنى فى حاجته، فأبطأت على أمى، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت، وروى البخارى بعضه.
وفى إرشاد أم أنس له بألا يفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم توجيه لأولياء الخادم فى عدم الإلحاح عليه أن يخبرهم بما يحدث له، أو ينقل أخبار مخدومه، كما أن موقف أنس فيه صلابة فى حفظ السر يجب أن تحتذى، حتى لو كان إفشاؤه لأعز الناس عنده وألصقهم به.
والخادم الذى يفشى أسرار البيوت خائن، لا حرمة فى الاستغناء عنه، اتقاء لضرره، ولعل طرده يكون عبرة له ليتوب، وعظة لغيره أن يلتزم بأدب المحافظة على الأسرار
(10/355)
________________________________________
حكمة التشريع

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نلاحظ أن بعضى المتهاونين فى تنفيذ أوامر الذين إذا نصحناهم بالامتثال قالوا: حتى نقتنع فما حكم الدين فى هؤلاء؟

الجواب
من المعلوم لكل مؤمن أن أفعال الله سبحانه لا تخلو من حكمة، ضرورة أنه حكيم عليم خبير، وقضية إيمان العبد بحكمة خالقه وسيده أن ينفذ أوامره دون سؤاله عن حكمة هذه الأوامر، لأن هذا يؤدى إلى أنه إذ لم يقنع رفض التنفيذ، وهذا هو موقف إبليس من أمر ربه له بالسجود لآدم، حيث إنه لم يقتنع بصواب هذا الأمر، وتناهى فى الغرور بنفسه وفكره فبرر الرفض بأنه أفضل من آدم جاء ذلك فى قوله تعالى {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين} الأعراف: 12 بل إن هذا الموقف يؤول إلى اعتبار العقل أقوى من الله، وإلى الاستجابة إلى الهوى ورفض ما لا يتفق معه، وفى ذلك يقول الله سبحانه {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} الجاثية: 23 وقد جاء فى الحديث " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " صححه النووى فى كتابه " الأربعين النووية" لكن البغوى فى " مشكاة المصابيح " قال: هذا وهم فالسند ضعيف، فيه نعيم بن حماد وهو ضعيف، وأعله الحافظ ابن رجب بغير هذه العلة، ورواه الحاكم ابن عساكر فى أربعينه وقال: حديث غريب.
إن بعض الأحكام الشرعية قد تخفى فيها حكمة التشريع، ولكن مادامت قد ثبتت فلا بد من امتثالها، يقول الله سبحانه {كتُب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون} البقرة: 216 ولو أعمل الإنسان فكره فى أمثال هذه التكاليف الشاقة لعلم أنها حق، وقد يشير الله إلى ذلك فى بعض آيات أخرى مثل قوله تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض} البقرة: 251.
ولعلم الله سبحانه بطبيعة الإنسان الذى يغريه بالعمل إيمانه بفائدته يبين كثيرا فى تشريعاته الحكم والفوائد المترتبة عليها بأسلوب يتناسب مع بلاغة القران، كما قال فى حكمة الصيام {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} البقرة: 183 فالحكمة هى التقوى وتوضيح ذلك يطول، وكما قال فى حكمة الصلاة {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} العنكبوت:45 وكما قال فى تشريع القصاص {ولكم فى القصاص حياة} البقرة: 179 وكما قال فى تحريم الخمر والميسر {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} المائدة: 90، 91.
وفى بعض الأحيان تأتى التكاليف مجردة عن بيان حكمتها، وذلك أسلوب من أساليب امتحان العبد لظهور مدى إيمانه بحكمة الله فى أوامره ونواهيه، فالمؤمن الصادق يسارع إلى الامتثال مطمئنا إلى عدالة التشريع، وغير الصادق يتوقف فإن فهم الحكمة فكَّر فى الامتثال، وإن لم يفهم سَوَّلت له نفسه الرفض أو التكاسل، ومن هنا يكون امتثاله شكليا كفعل المنافقين الذين قال الله فيهم {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} التوبة: 54.
يقول الإمام الغزالى فى كتابه "إحياء علوم الدين ج 1 ص 111 ":
واجبات الشبع ثلاثة أقسام، قسم هو تعبُّدُ محْضُ لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه، وذلك كرمى الجمرات مثلا، إذ لاحظَّ للجمرة فى وصول الحصاة لها، فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل، ليظهر العبد رقه وعبوديته بفعل ما لا يعقل له معنى، لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعو إليه، فلا يظهر به خلوص الرق والعبودية. والقسم الثانى من واجبات الشرع المقصود منه حظ معقول، وليس يقصد منه التعبد، كقضاء دين الآدميين ورد المغصوب، فلا جرم لا يعتبر فيه فعله ونيته، ومهما وصل الحق إلى مستحقه بأخذ الحق أو ببدل عنه عند رضاه تأدى الوجوب وسقط خطاب الشرع، والقسم الثالث هو المركب الذى يقصد منه الأمران جميعا، وهو حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد، فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين، ولا ينبغى أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد والاسترقاق بسبب أجلاهما، ولعل الأدق هو الأهم. . . والزكاة من هذا القبيل. . .
وقال فى صفحة 240: وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع، فيترددون فى أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبيرات فى تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتض الاسترقاق، وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات. انتهى.
بعد هذا البيان الشافى من كلام حجة الإسلام الإمام الغزالى لا يجوز لأحد يوجه إليه النصح بالالتزام بأحكام الدين أن يقول: حتى أقتنع، فذلك هو مسلك الشيطان، وقد حذرنا الله من اتباعه لأنه عدو مبين، إن كثيرا من التكاليف جاء النداء بها بوصف الإيمان {يا أيها الذين آمنوا} يعنى ما دمتم مؤمنين بالله فعليكم أن تتقبلوا كل تكاليفه بنفس راضية مطمئنة، تحقيقا لعبوديتكم الخالصة لله سبحانه وإيمانكم القوى بعدله وحكمته. ولنعلم جميعا أن رفض حكم الله كفر، وأن التهاون فيه مع الإيمان به عصيان وفسوق. وهو سبحانه يقول {إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور} الزمر: 7
(10/356)
________________________________________
تعليم العلم لغير أهله

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعلموا أولاد السفلة العلم فإن علمتموهم فلا تولوهم القضاء والولاية"؟

الجواب
من المعلوم أن الإسلام أمر بالعلم وكرَّم أهله، بنصوص كثيرة فى القران والسنة، وقد وضح ذلك ابن القيم فى كتابه " مفتاح دار السعادة" وتحدث العلماء عن فضل نشر العلم وتعليمه والأسلوب الذى يناسب ذلك، ومنها مخاطبة الناس على لدر عقولهم، واختيار الذين يتلقون العلم حتى يصونوه بحسن التلقى وبالعمل به وبنشره.
ومما جاء فى ذلك حديث " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم " رواه أبو الحسن التميمى فى كتاب العقل له بإسناده عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم، وخرَّجه الحافظ الضياء عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم. وقال البخارى قال على رضى الله عنه:
حدَّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ونقل السفارينى فى كتابه " غذاء الألباب "ج 1 ص 44 عن كتاب الآداب الكبرى أن شعبة قال: أتانى الأعمش وأنا أحدث قوما، فقال:
ويحك، تعلق اللؤلؤ فى أعناق الخنازير؟ قال مهنَّا للإمام أحمد رضى الله عنه: ما معنى قوله؟ قال: لا ينبغى أن يحدث من لا يستأهل، وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: للحكمة أهل، فإن وضعتها فى غير أهلها ضيعت، وإن منعتها من أهلها ضيعت وقال عليه السلام: لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعط الحكمة من لا يريدها، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير. وقال مالك: ذُلُّ وإهانة للعلم أن تتكلم به عند من يضيعه، ومن كلام الإمام الشافعى رضى الله عنه:
أأنثردرا بين سارحة النَّعم * أأنظم منثور الراعية الغنم إلى أن قال:
فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم فالعلم كالسيف إن أعطيته لتقىٍّ قاتل به فى سبيل الله، وإن ألقيته لشقى قطع به الطريق وأضل عباد الله، وهذا مستثنى من عموم قوله صلى الله عليه وسلم " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" رواه أصحاب السنن إلا النسائى، ورواه ابن حبان فى صحيحه والبيهقى.
وفى الصحيحين أن ابن عباس رضى الله عنهما قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: إن الموسم يجمع الرعاع والغوغاء، فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه، فقدمنا المدينة، فقبل عمر مشورة ابن عباس فلم يتكلم بذلك حتى قدم المدينة. قال الإمام ابن الجوزى: وفى هذا تنبيه على ألا يودع العلم عند غير أهله، ولا يحدث لقليل الفهم ما لا يحتمله فهمه، والرعاع السفلة، والغوغاء نحو ذلك، واصل الغوغاء صغار الجراد.
وسأل ابن المبارك سفيان الثورى بمكة عن الغوغاء فقال: الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يتأكلوا أموال الناس، وسأله عن السفلة فقال: الظلمة.
وجاء فى إحياء علوم الدين للإمام الغزالى "ج 1 ص 49" مثل هذا الكلام، وذكر قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما} النساء:5 وقال إن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى من حفظ المال، وليس الظلم فى إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم فى منع المستحق، وذكر الشعر السابق المنسوب إلى الإمام الشافعى. وذكر فى ص 11 قول عكرمة: إن لهذا العلم ثمنا، قيل: وما هو؟ قال: أن تضعه فيمن يحسن حمله ولايضيعه.
وجاء فى كتاب أدب الدنيا والدين للماوردى " ص 73 " أنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا، ولا تضعوه فى غير أهله فتأثموا" ولم يخرج هذا الحديث كما جاء فيه حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم " واضع العلم فى غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب " ولم يخرِّجه أيضا.
ثم جاءت أخبار تحذر من تعلم العلم لغير وجه الله منها " لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو فى النار" وهو حديث رواه ابن ماجه بسند صحيح، ولا شك أن السفلة هم الذين يتعلمون من أجل ذلك.
من هذا نرى أن الحديث المسئول عنه لم يرد بنصه بطريق صحيح، لكن معناه ورد فى أحاديث وأقوال أخرى، وهو معنى صحيح.
هذا، وقد جاء فى تفسير القرطبى " ج 9 ص 23 " أن السفلة فى تعيينهم أقوال، فقيل هم الذين يتفلَّسون ويأتون أبواب القضاء والسلاطين يطلبون الشهادات، مأخوذ من التفليس وهو استقبال الولاة عند قدومهم بأصناف اللهو. وقيل: هم الذين يأكلون الدنيا بدينهم، وقيل: هم الذين يزاولون أعمالا حقيرة كالحياكة والحجامة والدباغة والكنس، وبخاصة إذا كانوا من غير العرب.
لكن للعرف رأى فى إطلاق هذا الاسم على بعض الناس
(10/357)
________________________________________
الآل والأهل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك فرق بين آل فلان وأهل فلان؟

الجواب
قال ابن القيم فى كتاب " جلاء الأفهام ": قالت طائفة: يقال:
آل الرجل له نفسه، وآله لمن تبعه، وآله لأهله وأقاربه، فمن الأول قول النبى صلى الله عليه وسلم، لما جاءه أبو أوفى بصدقته: " اللهم صل على آل أبى أوفى" وقوله تعالى {سلام على آل ياسين} الصافات: 130 وقوله صلى الله عليه وسلم " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم " فآل إبراهيم هو إبراهيم، لأن الصلاة المطلوبة للنبى صلى الله عليه وسلم هى الصلاة على إبراهيم نفسه، وآله تبع له فيها.
ونازعهم فى ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا للأتباع والأقارب، وقالوا: وما ذكروا من الأدلة المراد بها الأقارب. ثم اختار من القولين أن الآل إن أفرد دخل فيه المضاف إليه كقوله {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} غافر: 46 وأما إن ذكر الرجل ثم ذكر آله لم يدخل فيهم.
واختلف فى آل النبى صلى الله عليه وسلم على أربعة أقوال:
فقيل: هم الذين حرِّمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال، أحدها: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعى وأحمد فى رواية عنه، والثانى: أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبى حنيفة والرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهى المذهب الذى لا يفتى بغيره عنده، والثالث: انهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى " غالب " فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى " غالب " وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك.
والقول الثانى أن آل النبى صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر فى لد التمهيد".
والقول الثالث: أن آله صلى الله عليه وسلم أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، واختاره بعض الشافعية وغالب العلماء المتأخرين فى مقام الدعاء خاصة.
والقول الرابع: أن آله صلى الله عليه وسلم هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضى حسين والراغب وجماعة.
هذا ما نقله السفارينى عن جلاء الأفهام لابن القيم ثم تحدث عن الصلة بين الآل والأهل، فقال: هل أصل آل أهل، ثم قلبت الهاء همزة فقيل: أأل، ثم سهلت على قياس أمثالها فقيل: آل، بدليل تصغيره على أهَيْل، أو أول من آل يؤول إذا رجع، فآل الرجل هم الذين يرجعون إليه ويضافون، ويؤولهم أى يسوسهم فيكون مآلهم إليه؟ ظاهر كلامه فى " جلاء الأفهام "ترجيح الثانى.
وجاء فى القاموس: آله أهل الرحم وأتباعه وأولياوه: ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالبا، فلا يقال: آل الإسكاف كما يقال أهله. قال فى القاموس: وأصله أهل، وأبدلت الهاء همزة فصارت أأل، توالت همزتان فأبدلت الثانية ألفا، وتصغيره أويل وأهيل. انتهى
(10/358)
________________________________________
الأدب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نسمع بعض الناس يقولون: الأدب فضلوه على العلم، فما هو هذا الأدب المفضل على العلم؟

الجواب
جاء فى كتاب غذاء الألباب للسفارينى "ج 1 ص 24" أن الأدب فى اللغة الظرف وحسن التناول، يقال: أدُبَ كحسُن فهو أديب، وجمعه أدباء، وأدَّبه علمه فتأدب، قاله فى القاموس، وفى "المطلع " الأدب - بفتح الهمزة في والدال - مصدر أدب الرجل - بكسر الدال - وضمها لغة - إذا صار أديبا فى خلق أو علم، والخلق - بضم الخاء واللام -صورة الإنسان الباطنة، وبفتح الخاء صورته الظاهرة.
وقال الحافظ ابن حجر فى شرح البخارى: الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق.
وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن هو دونك. انتهى.
وقال السهر وردى: الناس على طبقات، أهل الدنيا وأهل الدين وأهل الخصوص، فأدب أهل الدنيا الفصاحة والبلاغة وتحصيل العلوم - وأخبار الملوك وأشعار العرب، وأدب أهل الدين مع العلم رياضة النفس وتأديب الجوارح وتهذيب الطباع وحفظ الحدود وترك الشهوات وتجنب الشبهات. وأدب أهل الخصوص حفظ القلوب ورعاية الأسرار واستواء السر والعلانية.
وقال ابن فارس: الأدب دعاء الناس إلى الطعام، والمأدبة الطعام لسبب أو غيره والأدب - بالمد - الداعى، واشتقاق الأدب من ذلك كله أمر قد أجمع على استحسانه، وفى الحديث " القرآن مأدبة الله فى الأرض " يعنى مدعياته، شبه القرآن بصنيع صنعه الناس لهم فيه خير ومنافع، وفى العرف ما دعا الخلق إلى المحا مد ومكارم الأخلاق وتهذيبها.
يقول السفارينى: اعلم أن تعلم الآداب وحُسن السمت والقصد والحياء والسير مطلوب شرعا وعرفا.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " الهدى الصالح والسمت والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " وقال النخعى: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه - العلم - نظروا إلى سمته وصلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه. قال عمر رضى الله عنه: تأدبوا ثم تعلموا. وقال ابن عباس: اطلب الأدب فإنه زيادة فى العقل ودليل المروءة، مؤنس فى الوحل ة وصاحب فى الغربة ومال عند القلة، رواه الأصبهانى فى منتخبه.
وقال أبو عبد الله البلخى: أدب العلم أكثر من العلم. وقال الإمام عبد الله بن المبارك: لا ينبل الرجل بنوع من العلم ما لم يزين علمه بالأدب. ذكره الحاكم فى تاريخه، ويروى عنه أيضا أنه قال: طلبمت العلم فأصبت منه شيئا، وطلبت الأدب فإذا أهله قد بادوا. وقال بعض الحكماء: لا أدب إلا بعقل، ولا عقل إلا بأدب، وكان يقال: العون لمن لا عون له الأدب.،تجال الأحنف بن قيس: الأدب نور العقل كما أن النار نور البصر.
وقال الحجاوى فى شرحه: يقال: مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة حصون، الأول من ذهب، والثانى من فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجر- طوب أحمر-والخامس من لبن - طوب نىء -فما زال أهل الحصن متعاهدين حصن اللبن لا يطمع العدو فى الثانى، فإذا أهملوا ذلك طمعوا فى الحصن الثانى ثم الثالث حتى تخرب الحصون -كلها، فكذلك الإيمان فى خمسة حصون:
اليقين ثم الإخلاص ثم أداء الفرائض ثم السنن ثم حفظ الآداب. فما دام يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه، وإذا ترك الآداب طمع الشيطان فى السنن ثم فى الفرائض ثم فى الإخلاص ثم فى اليقين
(10/359)
________________________________________
إعفاءات من الجندية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ماحكم الدين فى إعفاء طلبة العلم من الخدمة العسكرية؟

الجواب
من المعلوم أن هناك أعذارا يمكن معها لأصحابها أن يتخلفوا عن الخدمة العسكرية، كما قال الله تعالى فى شأن الجهاد فى سبيل الله {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} الفتح: 17.
والخدمة العسكرية أو الجهاد فى سبيل الله له حالتان الحالة الأولى أن يكون فرض عين يجب على كل غير ذى عذر أن يقوم به، وذلك عند مداهمة العدو لنا وهجومهم علينا، وعند الاستنفار أى أمر الحاكم بالخروج للجهاد. والحالة الثانية أن يكون فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وذلك فى غير ظروف الحالة الأولى، ولولى الأمر أن يعفى منه من يرى المصلحة فى إعفائه، كالذى يعول أسرة لاعائل لها غيره، بدليل حديث الصحيحين أن رجلا استأذن النبى صلى الله عليه وسلم فى الجهاد فقال " أحى والداك لا؟ قال: نعم، قال " ففيهما فجاهد".
والمشغول بطلب العلم يقوم بمهمة جليلة يعذر بها عن الخروج إلى الجهاد إذا كان فرضه كفائيا، قال تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة: 122.
قال المفسرون: إن الجهاد ليس فرض عين بل هو فرض كفاية، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد، وليقم فريق يتفقهون فى الدين ويحفظون الحرم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع.
ثم قالوا: إن هذه الآية أصل فى وجوب طلب العلم وأنه على الكفاية، كما يدل عليه أيضا قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون} النحل: 43 وقوله تعالى {ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم} الضمير فى التفقه والإنذار هو للمقيمين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك ما اختاره العالمان التابعيان: قتادة ومجاهد.
ومن هنا نرى أن المعركة إذا قامت وكانت هجوما من العدو على الوطن فكل قادر من المسلمين يجب عليه الجهاد، رجالا ونساء، شيبا وشبانا، ولا يصح أن يشغل أحد عن المعركة بأى شىء فهى معركة مصير، حياة أو موت، لكن إذا كان الجهاد فرض كفاية، وهناك فى الميدان من يستطيعون أداء الواجب فلا يجب على كل قادر أن يخرج للجهاد، وعلى المسلمين أن يوزعوا أنفسهم على ميادين العمل لآداء ما يجب من علم وإنتاج وعلاج وحراسة وخدمات وغيرها، ولولى الأمر أن يعفى بعض الفئات كما تقدم ذكره
(10/360)
________________________________________
شهر الله المحرم

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
جاء فى بعض الأحاديث وصف شهر المحرم بأنه شهر الله، فلماذا مع أن الشهور كلها شهور الله؟

الجواب
روى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " قال الحافظ السيوطى: سئلت لِمَ خص المحرم بقولهم شهر الله دون سائر الشهور، مع أن فيها ما يساويه فى الفضل أو يزيد عليه كرمضان، ووجدت ما يجاب به، بأن هذا الاسم إسلامى دون سائر الشهور، فإن اسمها كلها على ما كانت عليه فى الجاهلية، وكان اسم المحرم فى الجاهلية صفر الأول، والذى بعده صفر الثانى، فلما جاء الإسلام سماه الله المحرم، فأضيف إلى الله تعالى بهذا الاعتبار، وهذه فائدة لطيفة رأيتها فى الجمهرة. انتهى.
وبعد أن ذكر ابن علان شارح " الأذكار للنووى " ذلك عن السيوطى قال: ونقل ابن الجوزى أن الشهور كلها لها أسماء فى الجاهلية غير هذه الأسماء الإسلامية، قال: فاسم المحرم بائق، وصفر نفيل، وربيع الأول طليق، وربيع الآخر ناجز، وجمادى الأولى أسلح، وجمادى الآخرة أفتح، ورجب أحلك، وشعبان كسع، ورمضان زاهر، وشوال بط، وذو القعدة حق، وذو الحجة نعيش. انتهى.
وجاء فى خطط المقريزى "ج 2 ص 53" أن العرب كانت تسمى الشهور بالأسماء الآتية عند ثمود وهى:
1- موجب = المحرم 2- موجر = صفر 3- مورد = ربيع الأول 4 - ملزم = ربيع الآخر.
5 - مصدر = جمادى الأولى.
6 - هوبر = جمادى الآخرة 7-هوبل = رجب.
8- موها = شعبان.
9- ديمن = رمضان.
10- دابر= شوال.
11- حَيْقَل = ذو القعدة 12- مسيل = ذو الحجة.
ويقول المقريزى أيضًا: كانوا يسمونها بأسماء أخرى وهى: مؤتمر، ناجر، خوان، صوان، حنتم، زيا، الأصم، عادل، بايق، دعل، هواع، برك.
وقال سموها بعد ذلك بالأسماء المعروفة الآن.
هذا، وشهر الله المحرم فيه عاشوراء وهو يوم مبارك وردت فى فضله آثار سبق ذكرها فى صفحة 71 من المجلد الثالث من هذه الفتاوى
(10/361)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:24 am

المصطفون من العباد

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نرجو تفسير قوله تعالى {ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} وما المراد بالكتاب ومن هم المصطفون من العباد؟

الجواب
يقول الله تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير، فاطر: 32 المراد بالكتاب جنسه وهو الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، وقيل: إن المراد بالكتاب القراَن، فلفظ " ال " إما للجنس وإما للعهد.
والمصطفون من العباد الذين ورثوا الكتب السابقة قيل هم الأنبياء الذين نزلت عليهم هذه الكتب أو أمروا باتباعها، لكن هذا يتنافى مع تقسيم العباد، حيث جعل منهم الظالم لنفسه وهو الكافر الذى لم يؤمن، أو العاصى، والأنبياء منزَّهون عن الكفر والعصيان.
وقيل هم عامة الناس الذين نزلت الكتب إليهم، ويمكن أن يقسَّموا إلى ظالمين لأنفسهم ومقتصدين وسابقين بالخيرات.
وإذا كانت " ال " للعهد ويراد بالكتاب القران الكريم. الذى هو جامع للأصول الموجودة فى الكتب السابقة فالمصطفون من العباد هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به، والظالم لنفسه هو المؤمن العاصى الذى زادت سيئاته على حسناته، والمقتصد هو المؤمن الذى استوت حسناته وسيئاته، والسابق بالخيرات هو الذى زادت حسناته على سيئاته.
هذا بعض ما قيل فى تفسير الآية،. وهناك أقوال أخرى يرجع إليها فى كتب التفسير
(10/362)
________________________________________
خلق الأرض

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف خلق الله الأرض؟

الجواب
أهم الآيات التى تحدثت عن خلق الأرض هى قوله تعالى {أوَ لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شىء حى} الأنبياء: 30 وقوله {أوَلم يروا أنا نأتى الأرضى ننقصها من أطرافها} الرعد: 41 وقوله {والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها} النازعات:31،30 وقوله {قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدَّر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم} فصلت: 9- 12.
تفيد هذه الآيات وغيرها أن الله خلق الأرض فى يومين من أيام يعلمها هو وشَكَّلَها وقدَّر فيها أقواتها فى يومين آخرين يُكمِّلان أربعة أيام، وأنه خلق السماء من دخان سوَّى، منه سبع سموات، وأنه دحا الأرض أى بسطها أو جعلها كالدَّحيه وهى البيضة، وأن السموات والأرض كانتا رتقا، أى صلبتين فصدع الأرض بالنبات وفتق السماء بالمطر كما قال المفسرون القدماء، أو كانتا كتلةً واحدة ففصلهما الله بعضهما عن بعض كما يقول علماء العصر، وأنه سبحانه ينقص الأرض من أطرافها وللعلماء فى ذلك تفاسير كثيرة منها التعمير والتخريب بعوامل التعرية أو بالزلازل والبراكين، وقد يراد بذلك أنها غير تامة التكوير، أو أن الغازات المحيطة بها تنطلق خارجها. والمهم فى كل ذلك أن الله سبحانه خلق الأرض وأودع فيها كل ما يحتاجه الإنسان قبل أن يهبط إليها من الجنة، وسخر له كلَّ ما فيها ليحقق الخلافة فيها بالإيمان بالله الذى خلقها وشُكرِه على نعمه التى يتقلب فيها، هذا القدر من المعرفة هو الواجب علينا أن نؤمن به، أما تفاصيل هذا الخلق والمكونات الأساسية للأرض فقد أمرنا سبحانه بالنظر فى ملكوت السموات والأرض، والبحث فى أسرار الكون، ليؤمن من لم يؤمن، وليزداد المؤمن إيمانا بربه ويستطيع الاستفادة من هذا الخلق، وما يصل إليه الباحثون من آراء قد يكون حقيقة وقد يكون ظنًا، والظن لا يغنى من الحق شيئًا {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم} الكهف: 51 والحقيقة العلمية لا يمكن أبدا أن تصادم حقيقة دينية، فكل الحقائق نواميس خلقها الله سبحانه ووحىُ صادق لا يرقى إليه الشك.
والواجب ألا نفسر القرآن إلا بالحقائق، أما حَمْلُه على النظريات التى لم تصل بَعْدُ إلى درجة الحقائق فلا يجوز، فقد يظهر بعد ذلك كذب هذه النظريات. كما أن الواجب هو البحث المستمر فى الكون أرضه وسمائه ليعمق إيمان المؤمنين، وليستطيع بنو آدم الإفادة من مسخرات هذا الكون، وتوجيهه إلى المصلحة التى يشعرون معها بسعادة الدنيا ويستطيعون من خلالها جمع الذخيرة التى تسعدهم فى الحيلة الأخرى. فالإسلام دين العلم الواسع الذى لا تحده حدود، ودين العمل التطبيقى الذى يثمر الخير على المنهج الذى رسمه الله بقوله: {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى} طه: 123
(10/363)
________________________________________
السهر

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الأفضل للانسان أن يبادر بالنوم بعد صلاة العشاء، أم يتأخر كى النوم؟

الجواب
يقول الله سبحانه {هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} يونس:67 ويقول {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} القصص: 73.
من رحمة الله تعالى بعباده وتنظيما لنشاطهم وإتقانا لأعمالهم جعل الظلمات بالليل والنور بالنهار، ليكون النهار بما فيه من نور قوى مساعدًا على كسب العيش وأداء الواجب لعمارة الكون، وليكون الليل بما فيه من نور ضعيف مساعدًا على الراحة من عناء العمل بالنهار، وجعل اكثر العبادات التى يتقرب بها إليه فى فترة النهار وحاشيتيه، فالصيام من الفجر إلى غروب الشمس، والصلوات من الفجر إلى ما بعد الغروب بقليل يصلى الإنسان العشاء ليكون على صلة بربه عند شروعه فى النوم وعند استيقاظه منه.
والنوم من نعم الله تعالى على الإنسان من أجل راحة جسمه المتعب ومن أجل تجديد نشاطه ليستأنف العمل بالنهار.
من أجل هذا أرشد الإسلام إلى المبادرة بالنوم يعد صلا العشاء، وكره تضييع فترة الليل فيما لا يفيد خيرا، ما دامت لا توجد ضرورة ولا حاجة تدعو إلى السهر، كالذين توكل إليهم الحراسة بالليل من أجل المصلحة العامة أو يذاكرون العلم أو تحتم عليهم ظروف العيش أن يكون عملهم بالليل وفى ذلك جاء الحديث الشريف " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله " رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط.
فحراسة الجيش فى الجهاد وحراسة الأمن بالليل من الأمور الضرورية، والعين التى تبكى من خشية الله هى التى تقوم بعض الليل بالصلاة والذكر فى ساعة الهدوء الذى يساعد على الخشوع والإخلاص كما قال تعالى فى صفة المتقين {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون} الذاريات:17،18.
ومن أجل التنسيق بين العمل والراحة، أرشد الله إلى أن قيام الليل يكون بحيث لا يؤثر على الواجبات التى تلزمها الراحة وتباشر بالنهار، قال تعالى فى قيام الليل {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه} المزمل: 20 وقال صلى الله عليه وسلم فيمن يرهقون أنفسهم بقيام الليل كله وبالصيام كل يوم " إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه " رواه البخارى بألفاظ مختلفة.
ومما جاء فى كراهية السهر لغير ضرورة أو حاجة ما رواه البخارى ومسلم عن أبى برزة قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها والحديث بعدها.
أما كراهية النوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضله، وهو مذهب مالك، ورخص فيه أبو حنيفة وشرط بعضهم للجواز أن يجعل معه من يوقظه للصلاة.
وأما كراهية الحديث بعدها فلأمور، منها عدم ضياع الثواب الذى أخذه من الصلوات وهو تكفير السيئات، وذلك إذا ارتكب معصية أو لغوا فى السهر، ومنها أن السهر مظنة غلبة النوم فى آخر الليل فيفوت قيام الليل ويعرض صلاة الصبح للفوات، وقد روى عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ويقول: أسمَّرًا أول الليل ونوما آخره، أريحوا كتابكم، والسُمرَّ هم القوم الذين يسمرون بالليل، ويقال لهم: السامر والسُّمَّار، وقد جاء فى ذمهم قوله تعالى عن المشركين {مستكبرين به سامرا تهجرون} المؤمنون: 67 أى سمَّاراً، تكبروا فلم يؤمنوا، وسهروا فى الطعن فى الدين وتدبير المؤامرات للرسول أو فيما لا يفيد، ومن مبررات كراهية السهر فيما لا يفيد إراحة الكتَّاب وهم الملائكة الذين يحصون أعمال الناس كما يشير إليه قول عمر السابق، ومنها مخالفة نظام الله فى جعل النهار للعمل والليل للنوم والسكن، ومنها عدم إزعاج النائمين بما يثار فى السهر من أعمال تقلق الراحة.
وإذا كان السهر بالليل غير مرغوب فيه إلا لضرورة أو حاجة، فإن الأمر الذى يدور عليه السهر إن كان حراما كان النهى مؤكدا، كالذين يمضون وقتا كبيرا من الليل فى السهرات المعروفة بمنكراتها، من أجل المتعة والترويح عن النفس، ومعلوم أن المتعة والترويح عن النفس أمر مباح ولكن فى حدود الحلال فى المادة وفى النتيجة المترتبة عليه، وليس من مصلحة العامل الحر أو المرتبط أن يرهق نفسه بطول السهر ويتأخر عن صلاة الصبح والذهاب إلى العمل، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن يبارك لأمته فى البكور كما رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان فى صحيحه، ومَرَّ على ابنته فاطمة رضى الله عنه وهى مضطجعة وقت الصباح فقال لها " يا بنية قومى اشهدى رزق ربك ولا تكونى من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " رواه البيهقى. وقال فى حديث رواه الطبرانى فى الأوسط "باكروا الغدو- أى الصباح - فى طلب الرزق فإن الغُدُو بركة ونجاح " هذا، وقد جاء فى نيل الأوطار للشوكانى"ج 1 ص 15 " حديث رواه أحمد والترمذى عن ابن مسعود " لا سمر بعد الصلاة- أى العشاء الآخرة-إلا لأحد رجلين: مصلٍّ أو مسافر " ورواه ضياء الدين المقدسى عن عائشة بلفظ " لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر أو عروس ".
وجاء فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَسْمُر عند أبى بكر الليلة كذلك فى الأمر من أمر المسلمين وأنا معه، كما رواه أحمد والترمذى عن عمر رضى الله عنه وهو حديث حسن كما جاء عن مسلم أن ابن عباس قال: رقدت فى بيت ميمونة ليلة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، قال: فتحدث النبى صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد.
وجمع الشوكانى بين الأحاديث المجيزة للسهر والمانعة منه، بأن الجواز إذا كان لحاجة وفى خير، والمنع إذا كان فى غير ذلك. وقال مثل ذلك القرطبى فى تفسيره "ج 12 ص 138، 139 "
(10/364)
________________________________________
الحروب بين المسلمين

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الحروب القائمة بين بعض الدول الإسلامية تعد جهادا فى سبيل الله، وقتلاها شهداء؟

الجواب
أولا: ليكن معلوما أن الشهداء أربعة أنواع:
1 -شهيد الدنيا والآخرة، وهو المقتول من المسلمين فى حرب مشروعة ضد الكفار، وكان يبتغى بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، ومقتضى الشهادة فى الدنيا ألا يغسَّل الميت ولا يصلَّى عليه، ومقتضى الشهادة فى الآخرة أن له الأجر العظيم الذى قال الله فيه {ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ال عمران: 169.
2 -شهيد الدنيا فقط، وهو المقتول فى الحرب المذكورة ولم يقصد بذلك وجه الله تعالى، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ولكن يحرم من ثواب الآخرة، وذلك للحديث الذى رواه البخارى ومسلم أن أعرابيا قال للنبى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر-أى للشهرة-والرجل يقاتل ليرى مكانه - فمن فى سبيل الله؟ فقال " من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله ".
3-شهيد الآخرة فقط: وهو الذى لم يمت فى الحرب المذكورة، كالغريق، فهو يعامل فى الدنيا معاملة أى ميت آخر من وجوب غسله والصلاة عليه، ولكن الله يعطيه فى الآخرة ثواب الشهداء، لحديث " ما تعدون الشهداء فيكم "؟ قالوا: يا رسول الله من قتل فى سبيل الله فهو شهيد. قال " إن شهداء أمتى إذًا لقليل " قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال " من قتل فى سبيل الله فهو شهيد، ومن مات فى سبيل الله فهو شهيد، ومن مات فى الطاعون فهو شهيد، ومن مات من البطن فهو شهيد" رواه مسلم. وفى رواية البخارى ومسلم " الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد فى سبيل الله " وجاء فى روايات أخرى للبخارى والترمذى والنسائى وأحمد أن منهم النفساء والمحروق والميت بذات الجنب، والميت بالسل.
ومن هؤلاء من يقتل دفاعا عن نفسه، فقد روى الترمذى بسند حسن صحيح " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" وكل ذلك فى موت المسلم، أما غيره فلا نصيب له من الشهادة عند الله.
ولا يتعارض هذا مع حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار" قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال " كان حريصا على قتل صاحبه " رواه أحمد وأبو داود والنسائى، فالحديث الأول فى دفاع الضعيف ضد القوى أما الحديث الثانى ففى تقاتل شخصين أو فئتين كل منهما مستعدة للقتال مصممة عليه تعيش مع الأخزى قبل المعركة الحقيقية فى حالة حرب، أى مصممة على خوض المعركة، حريصة على قتل العدو.
ومن هنا نعلم أن القتلى شى معركة بين طائفتين مسلمتين كل منهما مصممة على القتال مستعدة له فى كل وقت لا نصيب لهم من حكم الشهداء دنيا وأخرى، أما القتلى فى معركة بين طائفة معتدية وطائفة مسالمة لا طاقة لها بالأولى فالمعتدون لا يعتبرون شهداء، لأنهم بغاة، والمعتدى عليهم يعتبرون شهداء، لأنهم يدافعون عن أموالهم وأهليهم ودمائهم.
روى مسلم أن رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن جاء رجل يربد أخذ مالى؟ " فلا تعطه مالك " قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال " قاتله " قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال " فأنت شهيد "- قال: أرأيت إن قتلته؟ قال " هو فى النار ".
ثانيا: إن اعتداء المسلم على أخيه المسلم حرام لاشك فيه، والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر، ومنها حديث رواه مسلم " كل المسلم على المسلم حرام، دمه ومال وعرضه " والواجب على المسلمين أن يتدخلوا عند عدوان شخص أو جماعة أو دولة على الأخرى كما قال تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} الحجرات: 9.
والتدخل يسمى نصرا، وذلك بالدفاع عن المظلوم ورد الظالم المعتدى كما نص عليه حديث البخارى " انصر أخاك ظلما أو - مظلوما" قال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان.
ظالما كيف أنصره؟ قال " تحجزه أو تمنعه - من الظلم، فإن ذلك نصره ".
والشطر الأول من الآية فى قتال طائفتين متكافئتين أو مصممتين على القتال، فالواجب التدخل لوقف القتال بأية وسيلة منه وسائل التدخل السلمية أو الحربية.
والشطر الثانى فى بغى طائفة قوية- على طائفة ضعيفة،فالواجب التدخل لرد المعتدى بالقتال، والوقوف مع المعتدى عليه، ويستمر قتال المعتدى حتى يرضى بحكم الله والصلح العادل.
ومع الأمر بالتدخل بين الفئتين حذَّر الإسلام من التهاون فقال {واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال: 25 وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود " ما من مسلم يخذل امرأ مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته " وقال " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " رواه الحاكم والطبرانى بسند ضعيف
(10/365)
________________________________________
الضمير

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
شاع بين الناس استعمال كلمة الضمير كأنها ترادف الدين الإله، فهل من سبب لذلك، وما موقف الدين منه؟

الجواب
كثر استعمال كلمة الضمير أخيرا، وشاعت أكثر ما شاعت فى الأوساط الغربية. كمظهر من مظاهر الروح العامة للنهضة الأوروبية التى اتجهت بفكرها وسلوكها بعيدا عن الدين، حيث جعلوا الإحساس الداخلى بديلا عنه، فهو يتولى التمييز بين الخير والشر، ويدعو إلى الأول وينهى عن الثانى، وشاع استعمال هذا اللفظ أيضا فى الشرق تقليدا للغرب.
وهو وإن لم يرد كثيرا فى الاستعمال القديم بهذا المعنى فقد تحدث علماء الأخلاق كالغزالى وابن مسكويه عن مهمته بعنوان آخر، ففى إحياء علوم الدين عند شرح الغزالى عجائب القلب قال: إنها نفس الإنسان التى توصف بالمطمئنة إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، والتى توصف باللوامة إذا لم يتم سكونها واعترضت على النفس الشهوانية، كما توصف بالأمارة بالسوء إن تركت الاعتراض وأطاعت الشهوات، كما تحدث عنها فى كتاب المراقبة والمحاسبة ضمن كتاب " الإحياء " وعبر عنها مرة بالنور الإلهى وأخرى بالمعرفة والهادية للمرء فى أعماله.
إن هناك حديثا يدل على وجود هذه القوة الباطنة وهو حديث وابصة ابن معبد الذى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال له " يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك فى القلب وتردد فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك " رواه أحمد، وروى مسلم قوله صلى الله عليه وسلم " البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " وروى البغوى فى مصابيح السنة "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ".
والغزالى يرى أن نشاط الضمير يظهر فى ثلاثة مواطن، الأول قبل الشروع فى العمل، بالنظر إلى الباعث عليه، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره انكف عنه والثانى عند الشروع فى العمل، بقضاء حق الله فيه وإنجازه على أكمل ما يمكن، والثالث بعد العمل، وذلك بمحاسبة النفس على ما وقع منها.
ومهما يكن من شىء فإن الضمير بالمعنى الذى يريده فلاسفة الغرب تحدث عنه علماء الإسلام، لكنهم تناولوا بالحديث آثاره وخواصه، أما ماهيته فقد أحجم الغزالى عن تحديدها، لأنه ليست هناك فائدة عملية من معرفة كنهها، وذلك من اختصاص الله سبحانه.
وحديث الغرب عنها كان لمعرفة هل هى قوة فطرية أو كسبية، ولهم فى الإجابة ثلاثة مذاهب يمكن الرجوع إلى معرفتها فى كتابنا " دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
وليكن معلوما أن الضمير إذا كان قوة فطرية فللتربية دخل كبير فى نموها وكمالها وأعظم ما يربيها هو الدين، قال تعالى: {ونفس وما سوَّاها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها} الشمس: 7 - 10 فالتعبير بالتسوية وإلهام الفجور والتقوى إشارة إلى عمل الله فيها، والتعبير بالتزكية والتدسية إشارة إلى عمل الإنسان.
إن التربية البشرية البعيدة عن هدى الدين لا تضمن للضمير استقامته فى أداء مهمته، فالبشر يخطئون ويصيبون.
ففى القديم رضى قوم لوط عن فعلتهم، وفى الحديث رأت بعض الحكومات عدم اعتبار هذه الرذيلة شذوذا، وأجمعت الأديان على بشاعة الظلم والقتل والاغتيال، فبررته الصهيونية والاستعمار.
أما التربية الدينية فتقوم على مراقبة الله قبل العمل وفى أثنائه وبعده، وأثرها هو تقوى الله، وبتقوى الله تكون السعادة الشاملة فى الدنيا والآخرة مع مراعاة أن التربية على هدى الدين لا تضمن العصمة من الخطأ،ولكن ترشد المخطئ إلى التوبة والرجوع إلى الاستقامة، "انظر كتابنا المذكور"
(10/366)
________________________________________
الترويح عن النفس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نرى بعضا من شباب اليوم متجهما فى أكثر الأوقات، لايحب المرح، ويعد الفكاهة لهوا يصرف عن الله، ويزعم أن من يتمتعون بزينة الحياة الدنيا ليس لهم فى الآخرة إلا النار، فهل الدين يحرم على الإنسان أن يأخذ حظه من الدنيا من الحلال؟

الجواب
الأديان بوجه عام لا تحارب الغرائز لتقض عليها، فهى ضرورية لحياة الإنسان تساعده على تحقيق خلافته فى الأرض، ولذلك خلق لآدم حواء ليسكن إليها وجعل بينه وبينها مودة ورحمة، ولكونه مخلوقا من خليط من العناصر أمكنه أن يتكيف مع الأرض التى خلق منها، ويتقلب مع الحياة بحلوها ومرها.
ومهمة الأديان هى ترويض هذه الغرائز وتوجيه قوتها إلى الخير بقدر المستطاع، والإنسان روح وجسد، عقل وغرائز، ولكل منها غذاؤه الذى يعيش به، والأديان أرشدت إلى غذاء كل منها، ووفقت بين مطالبها فى اعتدال وحكمة من أجل إنتاج الخير والبعد عن الشر، قال ذلك سيدنا موسى لقارون {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} القصص: 77.
ودين الإسلام كان منهجه أحكم المناهج فى سياسة الغرائز والعمل للدنيا والآخرة على السواء، ونصوصه فى ذلك كثيرة، وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فى هذا المجال يشهد بحيوية هذا الدين وعدم تزمته وانغلاقه وتبرمه بالدنيا وزهده فى الحياة. ويشهد بقيام الدعوة الدينية على سنن الله الكونية المراعية للفطرة الإنسانية، التى تمل من الجدية والصرامة طول حياتها-، وتحتاج إلى الترويح المقبول الذى تغذى به روحها وعاطفتها.
وأنواع الترويح كثيرة منبثة فى الكون كله ومتاحة لكل من يريدها.
غير أن الدين وضع لها إطارا تمارس فيه حتى لا يساء استغلالها، وحتى لا تخرج عن الغرض منها، فأباح الترفيه الذى لا يصادم نصا يمنعه أو حكما مقررا فى الدين. لا يتفق معه، والذى لا يترتب عليه تقصير فى واجب، على أن يكون ذلك بقدر حتى لا يصير عادة تغريه بالانصراف عن الأعمال الجادة. ومما يدل على ذلك:
1 - قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التى أخرج. لعباده والطيبات من الرزق} الأعراف: 32 2 - قوله تعالى: {يا أيها الذين ابنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} المائدة: 87.
3 - قول صلى الله عليه وسلم لمن اعتزموا الصيام طول الدهر والقيام طول الليل وترك الزواج " أما إنى أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنى أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رضب عن سنتى فليس منى " رواه البخارى ومسلم.
4 - قوله صلى الله عليه وسلم فى حادث سلمان الفارسى وأبى الدرداء " إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل فى حق حقه " رواه البخارى. وفى رواية " ولن لعينيك عليك حقا، وإن لزورك - الضيوف - عليك حقا " وفى رواية " وإن لولدك عليك حقا".
5 - قوله صلى الله عليه وسلم لحنظلة بن الربيع الأسيدى الذى ظن أن تمتعه مع زوجته وأولاده وامواله نفاق يغاير ما يكون عليه من الجدية عند لقائه عليه الصلاة والسلام " والذى نفسى بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندى وفى الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة". ثلاث مرات. رواه مسلم.
6 -كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا. روى الشيخان أنه داعب صغيرا يلعب بعصفور قائلا " ما فعل النُّغير يا أبا عمير"؟ وروى الترمذى بإسناد. حسن أنهم قالوا له: إنك تداعبنا فقال: " إنى وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقا" وتسابق مع السيدة عائشة كما رواه النسائى وابن ماجة، وشهد معها لعب الحبشة وقال: " حتى تعلم يهود أن فى ديننا فسحة" وسمع الحداء واعجب به، وتسابق مع بعض الأغراب على ناقته، وشهد الرماة وهم يتبارون بالنبال وشجعهم على ذلك دون انحياز إلى فريق ضد فريق حتى لا يغضبهم.
وروى عنه أنه قال "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" رواه أبو داود فى مراسيله - ما سقط منها الصحابى - ورواه أبو بكر بن المقرئ والقضاعى، وهو حديث ضعيف.
ذلك وامثاله يدل على أن الإسلام لا يحرم اللهو البرى والتمتع بطيبات الحياة فى المأكل والمشرب والملبس، بل يدعو إليه لتنشيط النفس على العبادة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، ما دام ذلك فى اعتدال لا يؤدى إلى تقصير فى واجب، يقول الشاعر أبو الفتح البستى:
أفِدْ طبعك المكدود بالهم راحة * يَجُمَّ وعَلَّلْةُ بشىء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن * بمقدار ما تعطى الطعام من الملح وكل ذلك من منطلق قوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة:185 وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} البقرة: 286 وقوله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " رواه البخارى وقوله " هلك المتنطعون " ثلاث مرات رواه مسلم.
إن الفهم الصحيح للدين يريح الإنسان ويقيه شر الانحراف، ويريح الناس منه ويعطى صورة طيبة لهذا الدين الخاتم، تبعد عنه ما يفتريه المفترون. ومن أراد التوسعة فليرجع إلى الجزء الثالث من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام
(10/367)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:25 am

المدنية الغربية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى النظرة الصحيحة لتقويم المدنية الغربية فى العصر الحاضر؟

الجواب
كل مجتمع فيه إيجابيات وسلبيات، والمجتمع الصالح هو ما كثرت إيجابياته وقلت سلبياته، والصلاح متفاوت ليس على درجة واحدة، فما كانت إيجابياته تسعين فى المائة يكون أصلح مما كانت إيجابياته سبعين فى المائة وهكذا، والإنسان وهو أساس المجتمع ليس معصوما من الخطأ، فإنه ابن آدم الذى أكل من الشجرة، ولكن الخير فى مبادرة المخطئ بالتوبة وإصلاح خطئه، والحديث فى ذلك معروف " كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذى وابن ماجه والحاكم.
والمدنية الغربية الحاضرة فيها الإيجابيات والسلبيات، وإيجابياتها المادية أكثر من سلبياتها المادية، لكن فى الناحية الروحية تقل الإيجابيات بدرجة كبيرة، مع تفاوت فيها بين الدول، وعلى الرغم من ذلك فإن العالم كله فى حاجة بعضه إلى بعض، والمجتمع الصالح هو الذى يأخذ من المجتمعات الأخرى ما-هو صالح بمقياس دينه الذى قرر الله أن من تمسك به كان هو الفائز بالسعادة فى الدارين {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} طه: 23 1، 4 2 1 والرسول صلى الله عليه وسلم أخذ برأى سلمان فى حفر الخندق وهو منقول عن حضارة الفرس، وكذلك الخلفاء الراشدون أخذوا بالنظم الأجنبية فى الإدارات وغيرها ما دامت فيها مصلحة ولم تتعارض مع الدين.
ومن المعلوم أن المدنية الغربية الاَن لا تلتزم بتعاليم الدين الإسلامى، وموقفها منه معروف، وبعض دولها لا دينى يكفر بالأديان كلها، وبعضها لا يلتزم بالدين الذى يدين به على الرغم من أنه دين منسوخ لا يعتد به بعد الإسلام {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين} آل عمران: 85.
وهى لم توفر للانسان سعادته لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، أما فى الآخرة فلأنها لا تؤمن بالإسلام، وأما فى الدنيا فلأن المظاهر المادية إن لم توجهها قيادات روحية كانت كالسهام الطائشة لا تصيب هدفا، بل تضر أكثر مما تفيد. ويكفى دليلا على انحرافها تنافسها فى الغلب وفى استعمار الدول الأخرى، لا فرق بين المسلمين منها وغير المسلمين.
وإذا كانت شهادة المسلم على إفلاس المدنية الغربية متهمة: فإن كبار المفكرين منهم شهدوا على ذلك، ضاربين الأمثلة بشيوع الإلحاد الذى مزق النفوس بالشك والحيرة ودعا إلى الانتحار على الرغم من الرخاء المادى، وبالتفرقة العنصرية حتى فى ارقى الدول حضارة، وبالانحلالى الخلقى والاستهتار بالقيم الذى منع استقرار الأسرة وأغرى بارتكاب الفواحش، وباستخدام العلم فى استنباط وسائل الدمار يقول " ماكس نوردو " الألمانى فى كتابه " الأكاذيب المتفق عليها فى مدنيتنا الراهنة ":
الإنسانية دائبة وراء البحث عن العلم والسعادة، ولكنها لم تكن فى عهد من عهودها أبعد عن الارتياح إليها والغبطة بها مما هى عليه فى هذا العصر، فلو سألت أى إنسان أو أى بيت هل تحس بالسعادة لقال لك: ابحث عنها بعيدا عنا، وانظر الإلحاد وما فشا فيه من تشاؤم بلغ قمته فى فلسفة " شوبنهور" وتلميذه " هارتمان " عقَّد النفس ودفع إلى الانتحار أو إدمان الخمور، ليس عند الفتى ارتياح واطمئنان، وليس عند الفقير صبر واحتمال، إن الناس يشكون اليوم من ضياع الأخلاق، فهل يسمح الإلحاد بها وقد أزال الإيمان من القلوب، وأزال معه المبادئ الصالحة؟ لقد كانت الإنسانية فى قديم الزمان تشكو مما نشكو منه من القلق وعدم الارتياح، ولكن الذى منعها أن تثور ثورتنا أنها كانت تستمد من إيمانها تعزية وسلاما والذى ينتظر سعادة أخروية يسهل عليه أن يصبر على شىء وقتى ويخفف وقعه عليه.
نأخذ من هذه الشهادة ومن الواقع الملموس أن المدنية الغربية لن تحقق السعادة المنشودة بدون الإيمان الصحيح، ولا ينبغى الاغترار بمظاهرها المادية فهى مسخرة؟ للدمار، وهى فى سبيلها للانهيار كما انهارت دول وحضارات فى القديم والحديث، وصدق الله إذ يقول {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} محمد: 12
(10/368)
________________________________________
الإشاعة والتشهير

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
افترى علىَّ بعض الناس واتهمنى بما أنا برئ منه،وأخذ يشنَّع علىَّ فى الصحف وفى المجالس، فهل يصح لى أن أقابله بالمثل لأفضحه كما فضحنى؟ وهل هناك وسيلة لمقاومة الإشاعات؟

الجواب
الإجابة على هذا السؤال تتناول نقطتين،أولاهما موقف الدين من الإشاعة والتشهير، وثانيتهما ما يجب لمقاومة هذا الخطأ.
أما الأولى: فإن الإشاعة فى اللغة هى الإظهار والنشر، وذلك يصدق بما هو صادق وبما هو كاذب،ولكن العرف قصرها على الأخبار التى لم يثبت صدقها بعد، ويقال لها: الأراجيف،واحدها إرجاف، وأصل الرجف الحركة والاضطراب، والإشاعة فيها هذا المعنى.
وأكثر ما يحمل على الإشاعة الكراهية لمن يشاع عنه، أو حب الظهور بالسبق إلى معرفة ما لا يعرفه غيره، أو التسلية أو التنفيس عن النفس فيما حرمت منه،وتكثر أيام الأزمات السياسية والاقتصادية والحربية حيث يكون الجو ملائما لرواجها.
وللإشاعة آثارها الضارة،من بلبلة الأفكار وتضليل الرأى العام، والفتنة بين الناس، وتشويه سمعة البرآء، كما أشاع المشركون على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر كذاب، وأنه شاعر أو كاهن أو مجنون، وكما أشاعوا فى غزوة أُحد أنه قتل لتخذيل أصحابه.
والإسلام لا يرضى عن اختلاق الإشاعة الكاذبة لأن فيها ضررا، والإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار، والكذب مذموم إلا فى حالات معينة لجلب مصلحة أو دفع مضرة، ومنها ما سمح به الرسول لمعبد بن أبى معبد الخزاعى من تخذيل قريش بعد انصرافهم من غزوة أُحد حتى لا يعاودوا الكرة لقتال المسلمين، وما سمح به لنعيم بن مسعود الأشجعى فى غزوة الأحزاب لتخذيل العدو. وتوضيح ذلك فى كتب السيرة وفى كتابنا " توجيهات دينية واجتماعية" ومن النصوص الدالة على حرمة إشاعة الكذب والإضرار بالناس:
قوله تعالى {إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} [النحل:105] وقوله {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] وقوله عن المرجفين {ملعونين أينما ثُقفوا أخذوا وقُتِّلوا تقتيلا} [الأحزاب: 61] .
وقوله صلى الله عليه وسلم " إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام " رواه البخارى ومسلم وقوله " إن أربى الربا الاستطالة فى عِرض مسلم بغير حق " رواه أبو داود. وقوله " أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة هو منها برئ يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة فى النار حتى يأتى بنفاذ ما قال " رواه الطبرانى بإسناد جيد، وفى رواية أخرجها البغوى " ومن قفا مسلما بشىء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " وقوله " لا يحل لمسلم أن يرِّوع مسلما " رواه مسلم وقوله " من أخاف مؤمنا كان حقا على الله ألا يؤمنه من فزع يوم القيامة" رواه الطبرانى،ولا شك أن الإشاعة فيها ترويع للمسلم وتخويف له.
وهذا إلى جانب أن الله سبحانه سمى صاحب الخبر الكاذب فاسقا فقال {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6] وسماه شيطانا فقال عن نعيم بن مسعود الأشجعى قبل أن يسلم وأراد أن يخذل جيش المسلمين فى غزوة بدر الصغرى {إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءه فلا تخافوهم} [آل عمران: 175] كما وصفه بأنه يحب الشر للناس كالمرجفين الذين فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا.
والذى يحب الشر للناس ليس مؤمنا كما نص الحديث " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخارى ومسلم.
وأما النقطة الثانية وهى فى مقاومة الإشاعة فتتمثل بعد التوعية بخطرها فيما يأتى:
1- عدم سماع الكذب. فهو من صفات اليهود {سمَّاعون للكذب} [المائدة: 51] 2- عدم اتباع ما لا علم للإنسان به،قال تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 26] 3- عدم اتباع الظن فهو من سمات الكافرين، وتصديق الإشاعة اتباع للظن،قال تعالى {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا} [النجم: 28] وفى تصديق الإشاعة ظن سيئ بمن ألصقت به وهو منهى عنه قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 120] وقال فى حادث الإفك الذى روَّجه زعيم المنافقين عبد الله بن أُبى بن سلول ومن معه ضد أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} [النور: 12] .
4- وجوب التثبت من الأخبار وعدم المبادرة بتصديقها دون روية وفكر وبحث، كما قال تعالى فى حادث الإفك {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] وقال صلى الله عليه وسلم لمن اتهم زوجته بالزنا " البينة أو حد فى ظهرك " رواه البخارى ومسلم، ولما جاء الوليد بن عقبة بخبر كاذب عن بنى المصطلق لم يقبل النبى صلى الله عليه وسلم كلامه، بل أرسل خالد بن الوليد للتحرى والتثبت ونزلت الآية {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وفى غزوة بنى المصطلق قال عبد الله بن أُبى بن سلول زعيم المنافقين {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] يريد بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله، فنقل زيد بن أرقم الأنصارى هذا الكلام إلى الرسول، فتغيَّر وجهه وأراد أن يتثبت من صحة النقل فقال "يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت " فقال: والله يا رسول الله لقد سمعته. فقال " لعله أخطأ سمعك " وفى رواية البخارى:
فصدَّقهم وكذبنى فأصابني همُّ لم يصبني مثله فجلست فى بيتى فأنزل الله {إذا جاءك المنافقون. . .} فقال له النبى " إن الله قد صدقك يا زيد" وهذا الإجراء من النبى صلى الله عليه دليل على وجوب التحرِّى والتثبت، حتى لو نقلت الإشاعة عن العدو.
ومن وسائل التثبت الرجوع إلى جهة الاختصاص لمعرفة الحق فى الأخبار الشائعة، وعلى المختصين بيان ذلك قال تعالى عن المنافقين الذين كانوا يتلقون أخبار السرايا ويشيعونها قبل أن يتحدث عنها النبى صلى الله عليه وسلم وهو جهة الاختصاص {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] 5- عدم ترديد الإشاعة وحصرها فى أضيق الحدود حتى لا يكثر من يساعدون على نشرها، ويساعد على ذلك: المبادرة بحسن الظن، والتنزه عن نقل الباطل، قال تعالى فى حادث الإفك {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] وفى الحديث " كفى بالمرء إثما أن يحدِّث بكل ما سمع " رواه مسلم، والخوف من إشاعة الفاحشة {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة} [النور: 19] 6- المقاومة الفعلية للإشاعة بطريقة عملية إيجابية، تقوم بها الجهات المسئولة كالبلاغات والبيانات التى تفندها، ومعاقبة المرِّوجين لها، كما قال تعالى {لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} [الأحزاب:60، 61] وقد أخرجهم الرسول من المسجد وأبعدهم عن المدينة ثم قاتلهم لاستمرارهم على إيذاء المسلمين بشتى الوسائل، وذلك فى غزوة بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة.
وقد وضع الإسلام عقوبة للإشاعة التى تتعلق بالأعراض، وهى حد القذف الذى يتهم فيه البرآء بالفاحشة، قال تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] .
وقد حدَّ النبى صلى الله عليه وسلم من أشاعوا الإفك على السيدة عائشة، وحدَّ عمر رضى الله عنه ثلاثة أشاعوا الزنا على المغيرة بن شعبة.
هذا هو باختصار موقف الإسلام من اختلاق الإشاعات ومقاومتها، والسائل يقول: هل له أن يفضح من فضحه بالتشنيع عليه؟ ونقول له:
هناك آيات فى هذا المقام تحتاج إلى توضيح هى قوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] وقوله {ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولِى حميم} [فصلت: 34] وقوله {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 40، 41] وهناك أمثالها تدعو إلى كظم الغيظ والعفو عن المسيء والإحسان إليه.
وقد شرحها المفسرون منبهين إلى أمور: أن الذى يتولى القصاص فى الاعتداء هو المسئول، ولا يجوز أن ينفرد به المعتدى عليه أو وليه، وأن القصاص يلتزم فيه الاقتصار على الحد الأدنى الذى لا تجاوز فيه، وأن الخطأ لا يداوى بالخطأ، وأن العفو عن المسىء مندوب إليه إذا كان فيه إصلاح له لا إغراء على العدوان.
يقول القرطبى فى تفسير {فمن اعتدى عليكم} : من ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك - أى اتهمك بالزنا - فخذ عرضه، لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية، فلو قال لك مثلا: يا كافر جاز لك أن تقول له: أنت الكافر، وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور، ولو قلت له: يا زان، كنت كاذبا وأثمت فى الكذب، وإن مطلك وهو غنى دون عذر فقل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس، قال النبى صلى الله عليه وسلم " لَىُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " أما عرضه فبما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فعِه.
وقال فى انتصار من أصابهم البغى ومقابلة السيئة بالسيئة والترغيب فى العفو " ج 16 ص 39 ".
قال ابن العربى: ذكر الله الانتصار فى البغى فى معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم فى موضع آخر فى معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا - ناسخا - للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما أن يكون الباغى معلنا بالفجور، وقحًا فى الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفى مثله قال إبراهيم النخعى: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق - الثانية أن تكون الفَلْتَة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفى مثله نزلت {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] ثم ذكر فى (صفحة 44) أن العفو مندوب إليه، وقد ينعكس الأمر فيكون ترك العفو مندوبا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغى وقطع مادة الأذى، وعن النبى صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة رضى الله عنهما بحضرته، فكان ينهاها فلا تنتهى، فقال لعائشة " دونك فانتصرى" خرجه مسلم فى صحيحه بمعناه.
وجاء فى هذا الحديث أن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم أرسلن إليه فاطمة بنته يسألنه العدل فى جب عائشة، فلم تستطع فأرسلن زينب بنت جحش - وكانت تسامى عائشة فى الحب - فأخذت تسبها وعائشة ساكتة تنتظر أن يأذن لها الرسول فى الجواب فأذن لها فسبتها حتى جف لسانها فقال صلى الله عليه وسلم "" كلا إنها ابنة أبى بكر " يعنى لا تستطيع مقاومتها فى الكلام.
ويعلق الغزالى " الإحياء ج 3 ص 156" على ذلك بقوله: وقولها "سببتها" ليس المراد به الفحش، بل هو الجواب عن كلامها بالحق ومقابلتها بالصدق. . ثم قال الغزالى: هناك رخصة فى مقابلة الإيذاء بمثل الإيذاء ولكن الأفضل عدمها، لأنها تجر إلى ما وراءها ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه، فالسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع فيه والوقوف عند حد الشرع فيه.
يؤخذ من هذا أن من شنَّع على إنسان بما ليس فيه يجوز له أن يشنعِّ عليه، ولكن بما فيه دون اختلاق شىء ليس فيه كما يؤخذ منه أن يكون الانتصاف بالمثل دون تجاوز، حتى لا يجر الخصم إلى التجاوز أيضا فتتسع الهوة ويصعب التصالح، روى البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال " يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ".
كما يؤخذ منه أن العفو أفضل، ومحله كما قال المحققون إذا لم يكن العفو مغريا وإلا كان الانتصاف منه أفضل. روى البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم أسر أبا عزة الجمحى يوم بدر، فَمَنَّ عليه وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه، فأطلقه ولحق بقومه، ثم عاد إلى التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أُحد، فسأله أن يمن عليه فقال صلى الله عليه وسلم "لا يُلدغ المؤمن من جُحر مرتين ".
ومن الناس من يؤثر عدم الانتصاف من المعتدى رجاء فضل الله وأجره، أو احتقاراٌ له كما يقول الشاعر:
سكت عن السفيه فظن أنى * عييت عن الجواب وما عييتُ إذا نطق السفيه فلا تجبه * فخير من إجابته السكوت لكن الأخوال تختلف، ومن الحكمة وضع كل شىء فى موضعه كما يقول الحكيم:
ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف فى موضع الندى الندى فى الشطر الأول هو الخير والعفو، وفى الشطر الثانى القطر النازل من السماء والضباب وهو يضر السيف بالصدأ.
وبعد، فلعل فى هذا الهدى الدينى ما يبضِّرُ أرباب الألسنة والأقلام الذين يمكن لهم فى القول والكتابة - مستغلين مبدأ الحرية استغلالا سيئا -بمراعاة الأدب فى النقد والتوجيه، وبخاصة فى حق الشخصيات التى يجب أن يوفر لها الاحترام، فلا يختلق عليهم ما يمس كرامتهم، ولا تجسم الصغائر والهفوات التى لا يسلم منها أحد، ففى الحديث الذى رواه أبو داود " أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا فى الحدود ".
وليعلم كل من له لسان أو قلم أن فى القوم من لهم أقوى من ألسنتهم وأقلامهم، وأن أى إنسان لا يخلو من سلبيات إن تجاهلها فالناس لا يجهلونها، ويرحم الله الإمام الشافعى إذ يقول:
إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى ودينك موفور وعرضك صَيِّن لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألْسُن وعيناك إن أبدت إليك مساوئا فدعها وقل يا عين للناس أعين وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ودافع ولكن بالتى هى أحسن
(10/369)
________________________________________
الادخار

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الادخار وأمر بإنفاق كل ما يملكه المسلم قبل وفاته، وما رأي الدين فيما يردده بعض الناس: اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب؟

الجواب
هناك بعض صور حدثت فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم جعلت بعض الناس يقعون فى حكم عام، دون دراسة للصور الأخرى، وللظروف التى حدثت فيها، وذلك مثل ما رواه الطبرانى بإسناد حسن أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على بلال فأخرج له صُبَرًا من تمر، فقال: " ما هذا"؟ قال:
ادخرته لك يا رسول الله، وفى رواية: أعدُّ ذلك لأضيافك، فقال له "أما تخشى أن يجعل لك بخار فى نار جهنم؟ أنفق يا بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالا" ومثل نهيه عن ادِّخار لحوم الأضاحى فوق ثلاثة أيام، ومثل إنفاق أبى بكر الصديق رضى الله عنه فى غزوة تبوك كل ما عنده ولم يبق لعياله إلا الله ورسوله.
لكن أجيب عن حديث بلال بأن النهى عن إمساك المال هو نهى عن البخل والشح به، لا عن ادخاره لمفاجآت المستقبل، أو النهى عن إمساكه هو لمن يعتمد عليه كل الاعتماد ويوشك أن يضف ذلك ثقته بالله. وبأن النهى عن ادخار لحم الأضاحى هو من أجل إطعام المحتاجين الذين يفدون على المدينة من أجل ذلك، ثم أجاز لهم أن يأكلوا ويدخروا لأولادهم منها، وجاءت فى ذلك عدة أحاديث متفق على صحتها" نيل الأوطارج 5ص 134 " وقد تقدم ذلك فى المجلد الأول ص 582.
وأبو بكر الصديق، أنفق كل نقوده، ولكن بقيت له أملاك أخرى كالنخل الذى تركه بعد وفاته وأوصى عائشة أن تجذه، على أن أبا بكر لا يدانيه أحد بعد الرسول فى قوة إيمانه وثقته بالله، لا يفتن أبدا، ولا يندم على خير فعله.
وفى غير هذه الظروف أباح الإسلام الادخار، بل دعا إليه لمواجهة ظروف المستقبل، ولذلك عدة أدلة:
1- نهى الإسلام عن الإسراف الإنفاق حتى لو كان فى الخير، قال تعالى فى زكاة الزروع والثمار {وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] وقال بعد الأمر بإعطاء القرابة والمساكين وأبناء السبيل حقوقهم: {ولا تبذِّر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} [الإسراء: 26، 27] وعندما قال سعد بن أبى وقاص - وكان مريضا - أنا يا رسول الله ذو مال ولا يرثنى إلا ابنة لى، أفأتصدق بثلثى مالى؟ قال له الرسول "لا" قال: فالشطر يا رسول الله، قال " لا" قال: فالثلث يا رسول الله، قال " الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " رواه البخارى ومسلم.
ولما تاب الله على كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك بدون عذر قال للنبى صلى الله عليه وسلم: إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال له " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " رواه البخارى ومسلم. وفى الحديث الذى رواه البخارى " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" أى ما تركت صاحبها بعد التصدق غنيا غير محتاج، على ما جاء فى بعض الشروح فلا خير فى السرف حتى لو كان فى الخير، والنصوص فى النهى عنه فى العبادة كثيرة. وأما من قال: لا سرف فى الخير فهو الحسن بن سهل عندما أنفق أموالا كثيرة فى زفاف بنته " بوران " على المأمون عندما قال له: لا خير فى السرف، وكلام الحسن ليس حجة، فهو تبرير لخطأ وقع فيه كما ذكر فى هذه النصوص.
2- الادخار تواجه به الاحتمالات غير المتوقعة، والتى توقع الإنسان فى حيرة إن لم يجد ما يواجهها، فهو إما أن يستسلم فيكون الضرر البالغ، وإما أن يسأل ويستجدى وذلك حرام، وإما أن يسلك طرقا غير مشروعة كالسرقة والربا، وإما أن يستدين والدين همٌّ بالليل وذل بالنهار.
والادخار يعطى الإنسان راحة نفسية ويساعد على عمل الخير، وتنمية ثروته، ومن هنا كانت خطة يوسف عليه السلام فى مواجهة المجاعة التى فسر بها روية عزيز مصر، حيث أمر بالادخار وقت الرخاء سبع سنوات على ما هو مذكور فى القران الكريم وقد أشاد القرآن بالأب الصالح الذى ترك كنزا لليتيمين، فى قصة الخضر عليه السلام " الكهف ".
3- ادخر النبى صلى الله عليه وسلم لأهله قوت سنة من مال خيبر، كما حدَّث بذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ورواه البخارى، ويعلق عليه الشرقاوى بقوله: ولا يعارضه حديث أنه كان لا يدخر شيئا لغد، لأنه كان قبل السعة، وفيه جواز ادخار القوت للأهل والعيال، وأنه ليس بمكروه ولا ينافى التوكل، وكيف ومصدره عن سيد المتوكلين؟ 4- وردت آثار طيبة عن المتقدمين تدعو إلى الادخار، منها قول الإمام على رضى الله عنه فى كتابه إلى عامله على البصرة: دع الإسراف مقتصدا، واذكر فى اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك " نهج البلاغة: ج 2 ص 19 " وقال عبد الله ابن عمرو: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واحرث لآخرتك كأنك تموت غدا " عيون الأخبار ج 1 ص 244 ".
فالادخار مشروع لأن الإسلام يأمرنا بالحذر والحيطة، ويكره العجز والتواكل، ولا يكره الغنى بل يمدحه ويدعو إليه إذا كان للخير، كما يحب تنمية الثروة بالطرق المشروعة، ويأمر بالحرص على كل ما ينفع، فالمؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما صح فى الحديث راجع كتابنا " توجيهات دينية واجتماعية"
(10/370)
________________________________________
الاحتفال بوفاء النيل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى الاحتفالات التى تقام بمناسبة وفاء النيل؟

الجواب
وفاء النيل وهو زيادة مائه إلى حد معين يبشر بالخير ووفرة المحصول أمر كان يهتم به المصريون من قديم الزمان، ابتهاجا بوفرة الماء، كما كانوا يبتهجون بأعياد الحصاد والربيع والمناسبات الخاصة بالزراعة. وقدَّسوا النيل حتى جعلوه إلها يتقربون إليه بأنواع القربات التى منها إلقاء عروس مزينة فيه وسط احتفال كبير، فى شهر توت أو مسرى كل عام.
ولما فتحت مصر أبطل المسلمون هذه العادة جاء فى "بدائع الزهور لابن إياس" ج 1 ص 13 من المختار طبعة الشعب: قال ابن عبد الحكم: لما استقر عمرو بن العاص بمصر جاء إليه القبط وقالوا له: أيها الأمير أن لنيلنا سُنَّة كل سنه لا يجرى إلا بها، فقال لهم: وما هى؟ فقالوا: إذا كانت ليلة اثنتى عشره من شهر بؤونة من الشهور القبطية عمدنا إلى جارية بكر وأخذناها من أبويها غصبا أو رضاء وجعلنا عليها الحلى والحلل ثم ألقيناها فى بحر النيل فى مكان معلوم.
فلما سمع عمرو بن العاص ذلك قال لهم: هذا الأمر لا يكون فى الإسلام أبدا. فأقام أهل مصر شهر بؤونة وأبيب ومسرى وتوت من الشهور القبطية، ولم يجر فيها النيل لا قليلا ولا كثيرا، فهمَّ أهل مصر بالجلاء. فلما أن رأى عمرو بن العاص ذلك كتب كتابا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأرسله على يد نجاب، فلما وصل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتب بطاقة وأرسلها إلى عمرو بن العاص وأمره أن يلقيها فى بحر النيل، فلما وصلت إلى عمرو بن العاص فتح تلك البطاقة وقرأ ما فيها وإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت تجرى مِنْ قبلك فلا تجر، وإن كان الله تعالى الواحد القهار هو الذى يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك.
فلما وقف عمرو على ما فى البطاقة ألقاها فى النيل كما أمره أمير المؤمنين عمر، وقد ألقاها فى النيل قبل عيد الصليب بيوم واحد، وعيد الصليب يكون سابع عشر توت من الشهور القبطية، وكان قد أجلى غالب أهل مصر من عدم جريان الماء فلما أصبح الناس يوم عيد الصليب رأوا النيل زاد فى تلك الليلة ستة عشر ذراعا فى دفعة واحدة، وقد قطع الله تلك السنَّة السيئة عن أهل مصر ببركة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضى الله عنه.
وفى أيام الضعف الإسلامى عاد الاحتفال بوفاء النيل بمراسم لا تتفق مع الدين، وتنبه الغيورون على الدين إلى خطورتها فعملوا على إبطالها، كانوا يكتفون بإلقاء تمثال لعروس فى النهر، ثم عمدوا إلى مسابقات للجمال بين الفتيات ومظاهر تتنافى مع الدين ومع واجب الشكر لله على وفاء النيل فاستنكرها علماء الدين.
يقول حسن عبد الوهاب عن هذه الاحتفالات: إنها تقلصت أخيرا، فأقيمت سنة 1956 م فى الجيزة، حيث تحركت الباخرة " كريم " وصندل العقبة بالمدعوين إلى المعادى فى رحلة نيلية عادوا بعدها إلى القاهرة، وحررت حجة الوفاء ووقَّعها مفتى الديار المصرية لأول مرة فى مكتب محافظ القاهرة، وفى عام 1958 م تحركت مركب العقبة من روض الفرج إلى " بسوس " ثم عادت، ووقع المندوبون حجة الوفاء بمحافظة مصر.
ومهما يكن من شىء فإن الاحتفال بوفاء النيل يجب أن يكون احتفالا بنعمة من أكبر نعم الله على مصر، وذلك بشكره سبحانه وحسن استخدام هذه المياه فى خير الناس، والبعد عن تلويثها والإسراف فيها. وليس هذا الشكر بمظاهر يرتكب فيها ما حرم الله "انظر دائرة معارف الشعب -المجلد الأول ص 289 - 1 9 2" ففيها مظاهر كثيرة لهذا الاحتفال. وفى صفحة 286: كلام عن مقياس النيل بالروضة والآيات القرآنية المنقوشة عليه، وانظر " الفتاوى الإسلامية - المجلد العاشر ص 3584" وفيها رد المفتى الشيخ جاد الحق عليه
(10/371)
________________________________________
قبة الصخرة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نسمع أن هناك قبة فى فلسطين تسمى قبة الصخرة، فهل هي كما يقال معلَّقة فى الجو أو على قمة جبل أو على الأرض؟

الجواب
يقول ابن خلدون فى مقدمته ص 249: لما كان موسى وبنو إسرائيل فى التيه أمره الله باتخاذ قبة من خشب السنط يوضع فيها التابوت والمائدة وبها منائر بقناديل، فبناها ووضع فيها تابوت العهد الذى فيه الألواح التى صنعت عوضا غن الألواح المنزلة بالكلمات العشر لما تكسرت، وكانوا يصلون فى التيه إلى هذه، القبة التى بين خيامهم، ولمَّا دخلوا الشام وبقيت قبتهم قبلتهم وضعوها على الصخرة ببيت المقدس، وأراد داود بناء مسجده على الصخرة مكانها فلم يتم له ذلك فبناه ابنه سليمان واتخذ عمده من الصخر وجعل صرح الزجاج وغشى أبوابه وحيطانه بالذهب، وصاغ هياكله وتماثيله وأوعيته ومنارته من الذهب. . .
وتعرض بيت المقدس للتخريب على يد بختنصر بعد 300 سنة من بنائه، كما خرَّبه آخرون، ولما جاء قسطنطين وتنصرت أمة هيلانة استخرجت "الخشبة التى صلب عليها المسيح من وسط القمامة،وبنت مكان القمامة كنيسة القمامة أو القيامة كأنها على قبره بزعمهم، وخربت ما وجد من عمارة البيت وأمرت بطرح الزبل والقمامات على الصخرة حتى غطتها.
ولما ذهب عمر بن الخطاب إلى الشام وسأل عن الصخرة أزال عنها التراب وبنى عليها مسجدا يعرف بمسجد عمر، ولما جاء الصليبيون هدموها وبنوا عليها كنيسة قام بهدمها صلاح الدين سنة 580هـ وأظهر الصخرة وبنى المسجد مكانها على النحو الذى هو عليه الآن " ابن خلدون توفى سنة 880 هـ = من مارس 6 0 4 1 م ".
وجاء فى كتاب الشعب " مساجد ومعاهد"ج 2 ص 126: أن البطريق دل عمر على الصخرة ليبنى مسجدا وقال: هى التى كلَّم الله عليها يعقوب.
وفى ص 15 وما بعد بقلم د: السيد محمود عبد العزيز سالم: أن قبة الصخرة فى وسط الحرم الشريف ببيت المقدس، وكانت موضع احترام الأديان الثلاثة، أنشأها الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان بشكل ينافس الكنيسة المجاورة، وشرع فى بنائها سنة 71 هـ (690 م) وأتمها سنة 72 هـ واختار لبنائها أرفع مكان فى ساحة الحرم الشريف وهو المكان الذى قيل إن الرسول صعد منه إلى السماء ليلة الإسراء.
وكان عمر قد أقامه حين زار الشام سنة 16 هـ وأقيم فيه مصلى من الخشب عرف باسمه، فأمر عبد الملك بإنشاء القبة على الصخرة المقدَّسة، وأطلق عليها أحيانا اسم جامع عمر.
ثم يقول:
قبة الصخرة بناء حجرى مثمن طول ضلعه 0 5،20 مترا تتوسطه قبة شديدة الارتفاع مصنوعة من الخشب مغطاة من الخارج بطبقة من الرصاص. وتقوم على رقبة اسطوانية تتفتح فيها 16 نافدة، وتتكئ الرقبة على دائرة من العقود نصف دائرية، وتقوم العقود بدورها على دائرة من الأعمدة والدعائم، وبين هذه الدائرة من العقود والمثمن الخارجى مثمن أوسط من الأعمدة والدعائم، ويدور بين هاتين الدائرتين من الأعمدة رواقان مخصصان للصلاة.
والصخرة قطعة من الصخر غير منتظمة طولها 18 مترا من الشمال إلى الجنوب وعرضها 13 مترا من الشرق إلى الغرب وأكثر أجزائها ارتفاعا لا يتجاوز مترا ونصف متر. وفى أسفلها غار كبير بداخله محراب صغير، ويربط أبدان الأعمدة عند منتصفها سياج يفصل بين الأروقة والصخره وترتبط تيجان الأعمدة فيما بينها بأوتار خشبية تلافيا للضغط الناشئ من القبة.
والجدران الخارجية لقبة الصخرة تبدو كمثمن طول كل ضلع من أضلاعه الثمانية 12 مترا ونصف متر، وارتفاعه تسعة أمتار ونصف متر، ويزدان كل ضلع من هذه الأضلاع بسبع طاقات مستطيلة معقودة فى أعلاها. . . وكانت جدران القبة مغطاة قديما بتربيعات الفسيفساء، ولكن السلطان سليمان القانونى استبدل بها سنة 952 هـ (1545 م (حشوات من الخزف الرائع.
وقد وصفها الرحالة الفارسى " ناصر خسرو" فى النصف الأول من القرن الخامس للهجرة، بما يقرب من ذلك وقال: الصخرة أعلى من الأرض بمقدار قامة الرجل، وقد أحيطت بسياج من الرخام حتى لاتصل يد إليها. والصخرة حجر أزرق لونه لم يطأها أحد برجله أبدا ومن ناحيتها المواجهة للقبلة، انخفاض كأنَّ إنسانا سار عليها، فبدت اثار أصابع قدميه فيها كما تبدو على الطين الطرى وقد بقيت عليها آثار سبع أقدام، وسمعت أن إبراهيم كان هناك وكان إسماعيل طفلا فمشى عليها، وهذه آثار أقدامه.
تلك نبذة بسيطة من كتابات كثيرة عن الصخرة والقبة التى بنيت عليها ويهمنا أن نعمل على استعادتها من أيدى الغاصبين، وأن تتاح الفرصة لشد الرحال إليها فالصلاة فيها تعدل خمسمائة صلاة فيما سواها كما ورد فى الحديث
(10/372)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:25 am

الطيور المهاجرة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فيمن يهاجر خارج بلاد المسلمين طلبا للرزق مع توفر مصادر الرزق والكسب الحلال داخل بلده؟

الجواب
الهجرة من مكان إلى مكان آخر من أجل الكسب الحلال لامانع منها مطلقا، وقد هاجر المسلمون من جزيرة العرب وغيرها لنشر الإسلام وابتغاء الرزق فى مناطق عديدة من العالم، ولا يزال المسلمون يهاجرون من أوطانهم إلى أوطان أخرى من أجل ذلك قال تعالى {ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الأرض مراغما كثيرا وسعة} [النساء: 100] {فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه} [الملك: 15] .
والشرط فى هذه الهجرة أن يأمن المهاجر على عقيدته وشرفه ويتمتع بحريته وكرامته فى حدود الدين، أما إذا خاف أن يفتن فى دينه عقيدة وسلوكا حرم عليه أن يهاجر إلى هذا البلد أو يستقر فيه وعليه أن يهاجر إلى بلد آخر يجد فيه الأمان، فإذا ضاقت به السبل عاد إلى وطنه قانعا بالرزق القليل ليحافظ على دينه، ومن الممكن جدا أن يخدم وطنه وأمته بوسائل كثيرة إذا فكَّر وقدر واكتشف واستفاد من خيرات الأرض التى لا ينضب معينها أبدا فهى نعم المورد لكل من أقبل عليها بالفكر والعمل.
فالوجود فى البلاد غير الإسلامية مرهون بالأمن على الدين وعدمه. . . قال المحققون من العلماء: إذا وجد المسلم أن وجوده فى دار الكفر يفيد المسلمين الموجودين فى دار الإسلام أو المسلمين الموجودين فى دار الكفر " الجاليات " بمثل تعليمهم وقضاء مصالحهم، أو يفيد الإسلام نفسه بنشر مبادئه والرد على الشبه الموجهة إليه كان وجوده فى هذا المجتمع أفضل من تركه، ويتطلب ذلك أن يكون قوى الإيمان والشخصية والنفوذ حتى يمكنه أن يقوم بهذه المهمة
(10/373)
________________________________________
الكنائس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى بناء بيوت العبادة لغير المسلمين فى بلاد الإسلام؟

الجواب
روى أحمد وأبو داود عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لا تصلح قبلتان فى أرض، وليس على مسلم جزية" قال الشوكانى " نيل الأوطارج 8 ص 64 ": سكت عنه أبو داود، ورجال إسناده موثقون. وقال المنذرى: أخرجه الترمذى، وذكر أنه مرسل، لكن له شواهد كثيرة. قال صاحب المنتقى بعد إيراد هذا الحديث: وقد احتج به على سقوط الجزية بالإسلام، وعلى المنع من إحداث بيعة أو كنيسة.
1- وروى ابن عدى عن عمر بن الخطاب عن النبى صلى الله عليه وسلم" لا تبنى كنيسة فى الإسلام ولا يجدد ما خرب منها ".
2- وروى البيهقى عن ابن عباس قال: كل مصر مصَّره المسلمون لاتبنى فيه بيعة ولا كنيسة ولا يضرب فيه ناقوس ولا يباع فيه لحم خنزير. وهو ضعيف.
3- أخرج البيهقى: كتب إلينا عمر: أدبوا الخيل، ولا يرفع بين ظهرانيكم الصليب ولاتجاوركم الخنازير. وسنده ضعيف.
4- جاء فى كتاب " الإقناع "للخطيب وحاشية عوض عليه (ج 2 ص 265، 66 2) فى فقه الشافعية: أنه يمنع أهل الذمة من إحداث كنيسة وبيعة وصومعة للرهبان فى بلد أحدثنا5 كبغداد والقاهرة [المسماة بمصر الاَن] أو أسلم أهله عليه كالمدينة الشريفة واليمن، لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " لا تبنى كنيسة فى الإسلام " ولأن إحداث ذلك معصية، فلا يجوز فى دار الإسلام. فإن بنوا ذلك هدم، سواء شرط عليهم أم لا.
ولا يحدثون ذلك فى بلدة فتحت عنوة كمصر [وهى مصر القديمة] وأصبهان، لأن المسلمين ملكوها بالاستيلاء، فيمتنع جعلها كنيسة، وكما لا يجوز إحداثها لا تجوز إعادتها إذا انهدمت، ولا يقرُّون على كنيسة كانت فيه [أى فيما فتح عنوة] لما مر.
ولو فتحنا البلد صلحا كبيت المقدس بشرط كون الأرض لنا وشرط إسكانهم فيها بخراج أو إبقاء الكنائس أو إحداثها جاز، لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم فعلى بعضه أولى، فلو أطلق الصلح ولم يذكر فيه إبقاء الكنائس ولا عدمه فالأصح المنع من إبقائها، فيهدم ما فيها من الكنائس، لأن إطلاق اللفظ يقتض صيرورة جميع البلد لنا.
أو بشرط الأرض لهم ويؤدون خراجها قررت كنائسهم، لأنها ملكهم ولهم الإحداث فى الأصح.
2- وجاء فى تفسير القرطبى (ج 12 ص 70) وهو مالكى المذهب، فى المسألة الخامسة، قال ابن خويزمنداد: تضمنت هذه الآية - وهى آية {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع. .} [الحج: 40] المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم، ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن، ولا يزيدون فى البنيان لا سعة ولا ارتفاعا، ولا ينبغى للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها، وينقض ما وجد فى بلاد الحرب من البيع والكنائس، وإنما لم بنقض ما فى بلاد الإسلام لأهل الذمة، لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التى عاهدوا عليها فى الصيانة، ولا يجوز أن يمكنوا من الزيادة لأن فى ذلك إظهار أسباب الكفر.
3- وجاء فى كتاب المغنى (ج. 1 ص 609) لابن قدامة الحنبلى:
فى أقسام أمصار المسلمين الثلاثة:
أحدها: ما مصَّره المسلمون، كالبصرة والكوفة وبغداد وواسط، فلا يجوز فيه إحداث كنيسة ولا بيعة ولا مجتمع لصلاتهم، ولا يجوز صلحهم على ذلك، بدليل ما رواه أحمد عن ابن عباس: أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، ولا يتخذوا فيه خنزيرا. . . وما وجد فى هذه البلاد من البيع والكنائس مثل كنيسة الروم فى بغداد فهذه كانت فى قرى أهل الذمة فأقرت على ما كانت عليه.
والقسم الثانى: ما فتحه المسلمون عنوة، فلا يجوز إحداث شىء من ذلك فيه، لأنها صارت ملكا للمسلمين، وما كان فيه من ذلك ففيه وجهان: أحدهما يجب هدمه وتحرم تبقيته، والثانى يجوز، لأن حديث ابن عباس يقول: أيما مصر مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما فى عهدهم، ولأن الصحابة فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس، ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع فى البلاد التى فتحت عنوة. ومعلوم أنها ما أحدثت، فيلزم أن تكون موجودة فأبقيت.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله ألا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك، فإنها موجودة فى بلد المسلمين من غير نكير.
الثالث: ما فتح صلحا وهو نوعان، أحدهما أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عنها، فلهم إحداث ما يحتاجون فيها، لأن الدار لهم، الثانى أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا، فالحكم فى البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم، من إحداث ذلك وعمارته، لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم، ويكون موضع الكنائس والبيع معنا، والأولى أن يصالحهم على ما صالحهم عليه عمر رضى الله عنه، ويشترط عليهم الشروط المذكورة فى كتاب عبد الرحمن بن غنم: ألا يحدثوا بيعة ولا كنيسة ولا صومعة راهب ولا قلاَّية.
وإن وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه فأما الذين صالحهم عمر وعقد معهم الذمة فهم على ما فى كتاب عبد الرحمن بن غنم مأخوذون بشروطه كلها. وما وجد فى بلاد المسلمين من الكنائس والبيع فهى على ما كانت عليه فى زمن فاتحيها ومن بعدهم وكل موضع قلنا يجوز إقرارها لم يجز هدمها، ولهم رمُّ ما تشعث منها وإصلاحها، لأن المنع من ذلك يفضى إلى خرابها وذهابها، فجرى مجرى هدمها، وإن وقعت كلها لم يجز بناؤها، وهو قول بعض أصحاب الشافعى، وعن أحمد أنه يجوز، وهو قول أبى حنيفة والشافعى، لأنه بناء لما استهدم فأشبه بناء بعضها إذا انهدم ورم شعثها، ولأن استدامتها جائزة، وبناؤها كاستدامتها. وحمل الخلال قول أحمد: لهم أن يبنوا ما انهدم منها، أى إذا انهدم بعضها، ومنعه من بناء ما أنهدم، على ما إذا انهدمت كلها، فجمع بين الروايتين.
4- وجاء فى كتاب " تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعى ج 3ص 279": ولا تحدث بيعة ولا كنيسة فى دارنا، لقوله عليه الصلاة والسلام " لا خصاء فى الإسلام ولا كنيسة " والمراد بالنهى عن الكنيسة إحداثها، أى لا تحدث فى دار الإسلام كنيسة فى موضع لم تكن فيه، ويعاد المنهدم من الكنائس والبيع القديمة، لأنه جرى التوارث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بترك الكنائس فى أمصار المسلمين ولا يقوم البناء دائما، فكان دليلا على جواز الإعادة، ولأن الإمام لما أقرهم عهد إليهم الإعادة لأن الأبنية لا تبقى دائما، ولا يمكنون من فعلها فى موضع آخر، لأنه إحداث فى ذلك الموضع حقيقة. . . وهذا فى الأمصار دون القرى، لأن الأمصار هى التى تقام فيها شعائر الإسلام. فلا يعارض بإظهار ما يخالفها. ولهذا يمنعون من بيع الخمر والخنازير وضرب الناقوس خارج الكنيسة فى الأمصار لما قلنا. ولا يمنعون من ذلك فى قرية لا تقام فيها الجمع والحدود وإن كان فيها عدد كثير، لأن شعائر الإسلام فيها غير ظاهرة، وقيل يمنعون فى كل موضع لم تشع فيه شعائرهم، لأن فى القرى بعض الشعائر، فلا تعارض بإظهار ما يخالفها من شعائر الكفر. والمروى عن أبى حنيفة كان فى قرى الكوفة، لأن أكثر أهلها أهل الذمة. وفى أرض العرب يمنعون من ذلك كله ولا يدخلون فيها الخمر والخنازير.
وفى الهامش لشهاب الدين أحمد الشلبى " ص 280" قال فى الفتاوى الصغرى: إذا أرادوا إحداث البيع والكنائس فى الأمصار يمنعون بالإجماع، وأما فى السواد ذكر فى العشر والخراج أنهم يمنعون، وفى الإجارات أنهم لا يمنعون.
واختلف المشايخ فيه، قال مشايخ بلخ: يمنع. وقال الفضلى ومشايخ بخارى: لا يمنع. وذكر السرخسى فى باب إجارة اسور والبيوت من شرح الإجارات: الأصح عندى أنهم يمنعون عن ذلك فى السواد. وذكر هو فى السير الكبير فقال: إن كانت قرية غالب أهلها أهل الذمة لا يمنعون، وأما القرية التى سكنها المسلمون اختلف المشايخ فيها على نحو ما ذكرنا.
وهل تهدم البيع القديمة فى السواد؟ على الروايات كلها لا، أما فى الأمصار ذكر فى الإجارات أنها لا تهدم البيع القديمة بل تترك، وذكر فى العشر والخراج أنها تهدم. اهـ
(10/374)
________________________________________
الذين تكلموا فى المهد

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما عدد الأطفال الذين تكلموا فى المهد؟

الجواب
الذين تكلَّموا فى المهد هم عيسى عليه السلام كما نص عليه القرآن الكريم فى سورة مريم {فاشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا. قال إنى عبد الله} [آية 29،30] وفى سورة آل عمران {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين} [آية:45، 46] وكذلك صاحب جريج العابد الذى اتُهم بولد ليس منه فنطق الصبى وأقر بأبيه الحقيقى، وأيضا رضيع تمنت أمه أن يكون مثل رجل وجيه مرَّ عليها، فنطق وقال: اللهم لا تجعلنى مثله، وقد ورد خبرهما مفصلا فى حديث رواه البخارى ومسلم، وفى صحيح مسلم أن منهم فى قصة أصحاب الأخدود صبيا يرضع تقاعست أمه عن الوقوع فى النار لتمسُّكها بإيمانها فقال لها: يا أٌمَّة اصبرى فإنك على الحق، وفى حديث رواه البيهقى أن منهم صبيا لماشطة لامرأة فرعون أو بنته، لما سقط مُشطها من يديها قالت بسم الله، فأمر فرعون بإلقائها فى النار، فقال رضيعها:
قعى ولا تقاعسى فإنا على الحق. وقيل: إن منهم شاهد يوسف الذى برأه من تهمة زليخاء وقيل إن منهم أيضا يحيى بن زكريا عليهما السلام، فالمجموع سبعة تكلموا فى المهد، والموثوق به منهم هم الأربعة الأولون، وفى الباقين كلام فى السند أو الدلالة، وليس العلم بهم عقيدة مفروضة، فأمرهم إلى الله سبحانه، ذكرهم القرطبى فى تفسير ال عمران اهـ[رياض الصالحين ص 134، حياة الحيوان ج 1ص 70]
(10/375)
________________________________________
المال العام

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو المقصود بالمال العام وما هو الواجب علينا نحوه؟

الجواب
يقصد بالمال العام المال الذى ليس مملوكا لاحد ملكا خاصا، والذى يُفيد منه المجتمع كله، بإشراف السلطات التى تنظم جمعه وإنفاقه، كالمياه والمراعى والمعادن، والمرافق العامة التى يستفيد منها الجميع، كالمساجد والمدارس والمستشفيات والطرق والجسور وما إليها.
وإذا كان الله سبحانه قد حرَّم الاعتداء على مال الغير بأى نوع من العدوان، وجعله ظلما يكون ظلمات يوم القيامة، ووضع له عقوبات دنيوية بالحد أو التعزير بما يتناسب مع حجم الاعتداء وأهميته، فإنه حرَّم علينا الاعتداء على الممتلكات العامة التى ليس لها مالك معين، فهى ملك للجميع ولكلٍّ فيها قدر ما يجب احترامه، والظلم فيه ظلم للغير وللنفس أيضا، والله لا يحب الظالمين.
لقد قال الله فى الغنائم التى هى مِلكُ للعامة {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [اَل عمران:161] وقال النبى صلى الله عليه وسلم فيمن استغل وظيفته ليكسب لبن فسه،حينما جاء بما جمعه من الصدقات المفروضة، واحتجز لنفسه الهدايا التى قدمت إليه قال " هلاَّ جلس فى بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته" رواه البخارى ومسلم وحذَّر من مجىء هذه الأموال المختلسة شاهد إدانة عليه يوم القيامة يحملها على ظهره.
ولا مجير له يدافع عنه، كما بيَّن أن من ولى على عمل وأخذ أجره كان ما يأخذه بعد ذلك غلولا.
والخلفاء الراشدون والسلف الصالح كانوا قدوة طيبة فى التعفف عن الأموال العامة التى هى حق المسلمين جميعا، فكانوا لا يأخذون من بيت المال إلا حاجتهم الضرورية كما قال أحدهم: أنا فى مال المسلمين كولى اليتيم، حيث يقول الله تعالى {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] وعندما جاء جندى بكنوز كسرى بعد هزيمة جيش الفرس، وقدَّمها لعمر بالمدينة كاملةً، عجب من أمانته وقد كان عنده الفرصة فى سفره الطويل أن يأخذ ما يشاء، فقال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين، عففت فعفت رعيتك، رحم الله عمر بن عبد العزيز سلسيل الأماجد الطاهرين الذى كان ينظر فى أمور الرعية على ضوء مصباح فى بيته فلما انتهى وبدأ النظر فى أموره الخاصة أطفأ المصباح حتى لا يستعمل مال المسلمين فى غير ما هو لعامة المسلمين.
لقد كانت لهم مواقف رائعة فى تعففهم عن المال العام ليضربوا المثل لغيرهم على مدى التاريخ، ووقفوا بقوة أمام التصرفات التى يظن أن فيها مساسا بأموال المسلمين، فصادروا ما رأوه من هذا ال! قبيل وأودعوه بيت المال.
إنه لا يعصم من الانحراف بخصوص المال العام إلا رقابة الله تعالى الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء، وإلا الإيمان بأن كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، وإلا حسن اختيار من توكل إليهم الأمور، على أساس الخبرة والأمانة، كما قال يوسف للعزيز {اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم} [يوسف:55]
(10/376)
________________________________________
القتل الخطأ

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى أحد أفراح القرية نبهنا إلى عدم إطلاق النار. وعلم بذلك اهل القرية، وحدث ان خالف احدهم واطلق نارا أصاب شخصا خطأ فمات، فما حكم الدين فى ذلك؟

الجواب
إن قتل نفس بغير حق جريمة من الجرائم الكبرى التى وضع الله لها عقوبة مغلظة فى الدنيا والآخرة، قال تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] والذى يجرؤ على قتل نفس سيجره ذلك إلى قتل غيرها ويشيع الفساد فى الأرض، ولبشاعة قتل ولد آدم لأخيه حيث سَنَّ هذه السنة السيئة، جعل الله كل جريمة قتل تحدث يكون عليه كفل منها قال تعالى { {من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] والرسول صلى الله عليه وسلم يبين خطورة هذه الجريمة فيقول عبد الله بن عمرو كما رواه ابن ماجه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول " ما أطيبكِ وما أطيب ريحك، ما أعظمكِ وما أعظم حرمتك، والذى نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عن الله عظم من حرمتك، ماله ودمه ". وفى حديث ابن ماجه بإسناد حسن " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ".
ولندرة إقبال المؤمن الصادق على قتل أخيه الذى تربطه به رابطة الإيمان، جاء تعبير القرآن عن قتله بهذا الأسلوب {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] ولحرص الإسلام على الأرواح لم يرفع عن القاتل المسئولية حين يخطئ مع أن الحديث الحسن الذى رواه ابن ماجه وابن حبان يقول"رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولهذا أوجب الله بقتل الخطأ كفارة عظمى لعصيان أمر الله، وهى تحرير رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين، كما أوجب دية تسلم إلى أهل القتيل تخفيفا عن المهم لفقده.
قال تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصَّدقوا} أى يعفوا، إلى ان قال {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما} [النساء: 92] بعد هذا نقول للسائل:
إن الذى أطلق للنار بمناسبة الفرح يعلم أن القتل حرام، وأن هناك تنبيها بعدم إطلاق النار فى هذه المناسبة، فإن كان قاصدا بذلك قتل شخص معين فقد ارتكب جريمة من أكبر الجرائم ولا تغفر إلا بتقديم نفسه للقصاص منه أو دفع الدية إلى أهله، إلا إذا عفوا عنه، أما إذا لم يقصد القتل فعليه الكفارة حقا لله، وعليه الدية حقا لأهل القتيل، كما نصت عليه الآية الكريمة، وأكرر التنبيه إلى خطورة حمل الأسلحة دون ترخيص، وإلى وجوب الالتزام بالأوامر فهى للمصلحة.
هذا، والدية قدَّرها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بمقدار 4250 جراما من الذهب الخالص، كما جاء فى فتاوى الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر "ج 5ص 78"
(10/377)
________________________________________
حديث النفس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كثيرا ما تحدَّثنى نفسي بارتكاب ذنب معين، ولكن عندما أنظر فى عواقب هذا الذنب أنصرف عن التفكير فيه خوفا من الله سبحانه، فهل يعاقبنى الله على هذا التفكير؟

الجواب
يقول الله سبحانه {وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة:284] وبعيدا عما قال المفسرون في الآية من إحكام أو نسخ بما جاء بعدها من أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فى الحديث الشريف " إن الله سبحانه تجاوز لأمتى عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم لو تعمل " رواه البخاري ومسلم.
إن للنفسي عدة حركات، منها الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم والعزم، وكل إنسان معرض لها بحكم طبيعته التى خلقه الله عليها، ولو حاسبنا عليها وآخذنا بها لكان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهو سبحانه حكم عدل رءوف رحيم، ولذلك لا يحاسب إلا على نتيجة هذه الحركات النفسية من القول أو العمل، أما ما دامت فى المرحلة الداخلية فلا يكلفنا إلا بأقواها واقربها إلى التنفيذ، وذلك يكون عند الهم والعزم.
وقد جاء فيما حدث به الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة كما رواه البخارى ومسلم " إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك فى كتابه، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن عملها كتبها عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن عملها كتبها الله عليه سيئة واحد ة".
وذلك هو حكم الهم بالسيئة دون عملها، لا عقاب عليها بل نص هذا الحديث على أنه يثاب بحسنة، أما العزم وهو درجة أقوى من الهم ففيه المؤاخذة، بناء على حديث البخارى ومسلم " إذا التقى المسلمان بسيفيهما. فالقاتل ووالمقتول فى النار " قيل يا رسول الله هذا القاتل، يعنى عرفنا حكمه لأنه قتل، فما بال المقتول يدخل النار ولم يقتل؟ قال " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " والحرص هو العزم المصمم وهو كالفعل فى المؤاخذة عليه.
ثم إن العلماء قالوا: العدول عن فعل المعصية التى همَّ بها له سببان،الأول عجز عن التنفيذ أو خوف من رقيب دنيوى، وهذا لا مؤاخذة فيه، فلا تكتب سيئة، بل ولا يعطى حسنة، وكفى أنه لا عقاب عليه، والسبب الثانى فى العدول عن فعل المعصية هو الخوف من الله سبحانه، وهنا لا يكتفى بعدم العقاب، بل يكافأ بثواب حسنة، فالخوف من الله عمل خير، لا يضيع أجره عند الله، ويوضح هذا ما جاء فى روايات أخرى للحديث، منها ما رواه الشيخان أيضا "يقول الله عز وجل إذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة " وفى رواية لمسلم " وإذا تحدث عبدى بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرَّاى " أى من أجلى.
وبمجموع هذه الروايات نقول للسائل: لا عقاب عليك فى حديث النفس بارتكاب المعصية حتى لو وصل إلى درجة الهم وما دمت تركتها خوفا من الله فلك حسنة إن شاء الله
(10/378)
________________________________________
حفظ الأسرار والتجسس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فيمن يتجسسون على الناس لمعرفة أسرارهم، وما حكم من ينقل الأخبار السرية للدولة لحساب دوله أخرى؟

الجواب
إن المحافظة على الأسرار مرغوبة عقلا وشرعا، ومحاولة الاطلاع عليها بأية وسيلة من الوسائل حذر منها الشرع أشد التحذير، قال تعالى {ولا تجسسوا} [الحجرات: 12] وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخارى "من استمع خبر قوم وهم له كارهون صُبَّ فى أذنه الآنك ـ أي الرصاص المذاب ـ يوم القيامة "وفيما رواه أبو داود "لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته " وفيما رواه أحمد " إذا تناجى اثنان فلا يدخل بينهما الثالث إلا بإذنهما".
وإفشاء الأسرار حرام ما لم تدع إليه ضرورة، لأنه ضرر، والإسلام لاضرر فيه ولا ضرار، والأسرار فى خطورتها درجات، ومن أخطرها ما يكون بين الزوجين من الأمور الخاصة ففى حديث مسلم " إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضى إلى المرأة وتفضى إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه " وكذلك أسرار البيوت التى يطلع عليها الخدم ومن يترددون عليها، ومن أشدها خطرا ما كان خاصا بالدولة فى الأمور التى لا ينبغى أن تطلع عليها دولة أخرى، وعلى الأخص عند توتر العلاقات وقيام حالة الحرب بينهما فرب خبر بسيط يحرزُ به العدو نصرا مؤزرا إن حصل عليه، أو يُهزمُ به هزيمة منكرة إن نقل عنه، ومن احتياطات الرسول صلى الله عليه وسلم فى هذا المجال أنه كان يرسل السرية لاستطلاع أخبار العدو، ومع قائدها كتاب لا يفضه إلا بعد مسيرة يومين ليعرف المكان الذى يتوجه إليه، حتى لا يتسرب الخبر إلى أحد من المدينة فيراسل العدو به، وكان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، ومن أعظم ما أثر فى عدم تمكين العدو من معرفة أسرار الدولة وصية أبى بكر لقائده شرحبيل ابن حسنة حيث قال له: وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا من عندك وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم وليكن أنت الذى تلى كلامهم، واستر فى عسكرك الأخبار، واصدق الله إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن سواك.
ومع هذه الاحتياطات للأسرار بين عقوبة من يفشيها، فإلى جانب أنه خائن للأمانة التى استودعها، غادر بالعهد الذى أخذ عليه أن يصون السر، اختلف الفقهاء فى قتله وبخاصة إذا اتخذ ذلك حرفة يعرف منها بأنه جاسوس، وذلك بناء على ما حدث من حاطب بن أبى بلتعة حين أرسل خطابا إلى أهل مكة بتوجه النبى صلى الله عليه وسلم إليهم لفتحها، وشاء الله أن يضبط هذا الخطاب مع المرأة التى حملته، وقد اعتذر حاطب بأنه لم يرسله كفرا بالله ولا ردة عن الإسلام ولكن ليحمى أهله حيث لا نسب له فى مكة يحميهم كما يحمى غيرهم، وحين هَم عمر بقتله منعه الرسول، لأنه شهد بدرا، ولعل الله قال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وحيث لا يوجد للجاسوس ما يوجد لحاطب من هذه المنقبة ذكر القرطبى فى تفسيره أن من نقل أخبار المسلمين إلى العدو ولم يستحل ذلك لم يكفر، ويترك أمره إلى الإمام ليعاقبه بما يراه، كما قال مالك وابن القاسم وأشهب، وقال عبد الملك إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس، ولإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد فى الأرض، كالذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون فى الأرض فسادا، وعلى هذا الرأى بعض أصحاب أحمد وابن القيم، والأحناف أجازوا قتله سياسة، كما جاء فى بعض كتبهم جواز قتل كل من يؤذى المسلمين ولا يرتدع إلا بقتله
(10/379)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:26 am

التاريخ وذكر مساوئ الموتى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سمعنا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "اذكروا محاسن موتاكم " فلماذا يٌدْرس لنا التاريخ وفيه كشف لمساوئ السابقين والتشهير بهم؟

الجواب
من المشاهد عندما يموت إنسان له شأن فى الدنيا أن الناس يتحدثون عنه إما بالخير وإما بالشر، والحديث بالخير إشادة بذكره وتكريم له وتعزية لأهله أن الناس راضون عنه، والحديث بالشر تشويه لذكره وإهانة له، وزيادة ألم على أهله، وقد يقصد به التشفى الذى يورث الأحقاد التى ربما تؤدى إلى نزاع يحتدم ويشتد وتكون له آثاره السيئة، والحديث عن الميت بالثناء أو الذم لا أثر له عند الله فهو سبحانه العليم بما يستحقه الميت من تكريم أو إهانة، وقد يكون حديث الناس عنه دليلا ولو ظنيًّا على منزلته عند ربه، لكن ذلك لا يكون إلا من أناس على طراز معين من الصلاح والتقوى وقول الحق لوجه الحق، كالصحابة الذين جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادتهم للميت دليلا على منزلته عند الله، فقد جاء فى الصحيحين أن جنازة مرت على النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأثنوا فيها خيرا، فقال " وجبت "، ثم مرت جنازة أخرى فقالوا عنها شرا فقال " وجبت " ولما سألوه عن معنى ما قال،قال صلى الله عليه وسلم " من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن قلتم عنه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله فى الأرضى ".
ومع ذلك نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يذكر الأموات بالسوء إذا كان ذلك للتشفى من أهله. فذلك يغيظهم ويؤذيهم، والإسلام ينهى عن الإيذاء لغير ذنب جناه الإنسان، ففى حديث البخارى " لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدَّموا" وقال عليه الصلاة والسلام فى قتلى بدر من المشركين " لاتسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شئ مما تقولون وتؤذون الأحياء " وعندما سب رجل أباً للعباس كان فى الجاهلية كادت تقوم فتنة قال فيها الرسول عليه الصلا والسلام " لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا" رواه أحمد والترمذى والطبرانى.
قال العلماء: يحرم سب الميت المسلم الذى ليس معلنا بفسقه، أما الكافر والمعلن بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة. يقول النووى فى كتابه " الأذكار ص 168 ":
وحاصله أنه ثبت فى النهى عن سب الأموات ما ذكرناه من الأحاديث، وجاء فى الترخيص فى سب الأشرار أشياء كثيرة، منها ما قصه الله علينا فى كتابه العزيز، وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته، ومنها أحاديث كثيرة فى الصحيح، كالحديث الذى ذكر فيه صلى الله عليه وسلم " عمرو بن ُلحَىٍّ "وقصة أبى رغال الذى كان يسرق الحاج ـ الحجاج ـ بمحجنه ـ عصا معقوفة الرأس ـ وقصة عبد الله بن جدعان وغيرهم، ثم قال: وأصح الأقوال وأظهرها فى الجمع بين النصوص أن أموات الكفار يجوز ذكر مساويهم، واما أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة كحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفير من قبول ما قالوه، الاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجة لم يجز، وعلى هذا التفصيل تنزل هذه النصوص، وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة.
ودراسة التاريخ إن كانت لغرض الاعتبار والاقتداء بالصالحين والتحذير من سلوك غير الصالحين، دون قصد للتشهير والتعيير الذى يظهر أثره على الأحياء ويؤدى إلى الفتنة.،.فلا مانع منها أيضا، فالله سبحانه قص علينا فى القرآن أخبار المكذبين، كما قص أخبار المرسلين والصالحين، وقال فى حكمة ذلك {لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب} [يوسف: 111] وقال {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} [هود: 120] .
ومهما يكن من شئ فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، والأولى أن نقبل على الخير حتى يكون لنا ذكر حسن على ألسنة الناس بعد أن نفارقهم فيتذكرونا بدعوة صالحة ينفع الله بها الصالحين
(10/380)
________________________________________
الكفارة والفدية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى بعض الكتب نقرأ عبارة من فعل كذا وجبت عليه كفارة، كما نقرأ عبارة: من فعل كذا وجت عليه فدية، فما بين الكفارة والفدية، وفى أى المواضع يكون كل منهما؟

الجواب
أولا الكفارة مأخوذة من الكفر وهو الستر، لأنها تستر الذنب، وهى نوعان مغلظة ومخففة، والمخففة تسمى فدي الذنب محوه من صحف الملائكة بناء على أن الكفارات جوابر للخلل الواقع كسجود السهو الجابر لخلل الصلاة، تفتقر إلى نية.
وقيل المراد بستر الذنب تخفيفه الإثم ومواراته عن الملائكة مع بقائه فى صحفهم بناء على أن الكفارات زواجر عن العود لمثل الذنب كالحدود والتعازير، والذى انتهى إليه كلامهم أنها جوابر فى حق المسلم زواجر فى حق الكافر.
والكفارات أربعة: كفارة الظهار وكفارة القتل وكفارة الجماع فى نهار رمضان الإفطار المتعمد فى رمضان فيه هذه الكفارة المغلَّظة حتى لو كان بغير الجماع عند الأحناف وال. والخصال فى الثلاثة الأولى مرتبة، والرابعة مرتبة مخيرة، وذلك على النحو التالى:
الواجب فى الكفارات الثلاثة إعتاق رقبة مؤمنة، قال تعالى فى الظهار {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعو فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ... } [المجادلة: 3، 4] وقال صلى الله عليه وسلم فى كفارة الجم لرجل وقع منه ذلك " هل تجد ما تعتق رقبة " قال: لا، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين " قال:
فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا " قال: لا، ثم جلس فأتى النبى صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال:
: على أفقر منا؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منَّا، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم أهلك " رواه الشيخان وفى رواية لأبى داود، فأتى بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعا. والعرق مكتل ينسج من خ يسع خمسة عشر صاعا، بخلاف الفرق يقال له الزنبيل فإنه يسع ستة عشر رطلا. واللابتان هما الحرتان، والحر الحجارة السود. وهما حدود الحرم النبوى. فإن عجز عن إعتاق الرقبة وجب صيام شهرين متتابعين، بدليل الآ السابقين، وينقطع التتابع بالإفطار ولو بعذر، كسفر ومرض فيجب الاستئناف ولو كان الإفطار فى اليوم الأخي بحيض أو نفاس، وذلك فى كفارة المرأة عن القتل لأنه هو الذى يتصور منها، بخلاف الظهار والجماع فلا كفارة فيهما عليها مذهب الجمهور أن الرجل والمرأة سواء فى كفارة اأكرهت المرأة عليه. وأما كفارة اليمين فالواجب فيها ـ عند العجز عن الخصال لثلاثة فيها ـ ثلاثة أيام والتتابع. ومثل الحيض والنفاس الجنون والإغماء المستغرق أما تخلل عيد الفطر أو النحر فموجب لاستئناف الش فإن عجز عن صوم الشهرين وجب إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد، بدليل الآية والحديث السابقين ولا يجوز ذلك كفارة القتل، اقتصارا على الوارد فيه وهو العتق ثم الصوم. ولا يجوز عند الشافعية حمل المطلق وهو آية االإطعام على المقيد وهو آية الظهار وحديث الوقاع فى رمضان المذكور فيهما الإطعام، لأن هذا الحمل يكون ف التوابع كالإيمان الذى هو وصف الرقبة، ولا يكون فى الأصول أى الخصال المستقلة كالإطعام فإنه خصلة مستقل الكفارة كما حمل مطلق اليد فى التيمم على تقييدها بالمرافق فى الوضوء، ولم يحمل ترك الرأس والرجلين فيه الوضوء. والمرافق وإن كانت جزءًا لا وصفا فهى تابع لكل والوصف تابع للأصل. وكذلك عند مالك وأبى حنيفة بعض فقهاء مذهبى الشافعى وأحمد أنه قياسا على الظهار يجوز الإطعام عند العجز عن الصوم، وفى فتاوى ابن ت ذكر الإطعام فى مواضع (ص 1 6 1، 0 17) ولم يذكر فى بعضها الآخر (ص 46 1،159) انظر: التشريع الجنائى القادر عودة ج 2 ص 184 فقرة 219 نقلا عن: شرح الدرديرج 4 ص 4 25، البحر الرائق ج 8 ص 329 والمهذب ج 2 ص 234 والمغنى ج 0 1 ص 41.
والواجب فى كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين من غالب قوت البلد لكل منهم مدُّ، أو كسوتهم مما يعتاد لبسه، ومنه القميص والإزار والطرحة والفوطة التى يجفف بها، أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن عجز عن ذلك وجب صيام ثلاثة أيام ولو متفرقة. ولو عجز عن خصال الكفارة استقرت فى ذمته، فإذا قدر على خصلة فعله ثانيا ـ الفدية ثلاثة أنواع:
1 ـ مُدُّ،وذلك للإفطار فى رمضان لسبب حمل أو رضاع، لقوله تعالى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال ابن عباس:
إنها نسخت إلا فى حق الحامل والمرضع كما رواه البيهقى. وذلك حيث كان ابتداء الإسلام يخَّير القادر بين الصوم والفدية من غير قضاء، لمشقة الصوم عليهم بعدم اعتيادهم له، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} .
وكذلك تكون الفدية مُدًّا لإفطار الكبير والمريض الذى لا يرجى برؤه، حيث يكون العجز أو المشقة فى الصيا فى تأخير قضاء صوم يوم من رمضان بلا عذر إلى رمضان آخر، وذلك عند الشافعية لخبر ضعيف وارد في ذلك، لكن روى موقوفا بإسناد صحيح وأفتى به ستة من الصحابة ولا مخالف لهم عند الأحناف لا فدية فى التأخير حتى يدخل رمضان ـ سواء كان لعذر الفدية فى إزالة شعرة واحدة أو بعضها، وفى تقليم ظفر واحد أو بعضه فى الإحرام بحج أو عمرة، وفى ترك مب ليالى مِنى بلا عذر، وفى ترك رمى حصاة من الجمار، وقطع شىء من نيات الحرم أو صيده. وكذلك فى موت من عليه صيام يوم، وفي الإفطار من صيام يوم نذره.
2 ـ مدان: وذلك في إزالة شعرتين أو ظفرين فى الإحرام. ومحل إيجاب المد أو المدين إذا اختار الدم، فإن اختار الطعام ففى واحد منهما صاع وفى اثنين صاعان، وإن اختار الصوم ففى واحد صوم يوم وفى اثنين صوم يومين. قال " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ".
وكذلك يكون المدان فى قتل صيد في الحرم أو الإحرام وقطع شجرة كذلك إذا كانت قيمتهما قيمة المدين، وأيضا تقليم ظفرين فى الإحرام، وفى ترك مبيت ليلتين من ليالى منى، أو ترك الرمى لحصاتين من الجمار.
3 ـ الدم: أى الهدى، ذلك لقتل الصيد فى الحرم أو الإحرام، والوطء بعد إفساد الحج أو التحلل الأول، وإزالة شعرات دفعة واحدة، وتقليم أظفار دفعة واحدة، والتطيب ولبس المخيط أو المحيط على خلاف فى تفسيره. وترك الإحرام من الميقات، وترك طواف الوداع طواف الودع سنة عند للمالكية لا شئ فى ترك والمبيت ليالى مِنى، ورمى الجمار، وترك المبيت بمزدلفة، وكذلك يكون الدم فى قطع شجرة فى الحرم أو الإحرام فى الكبيرة بقرة وفى الصغير شاة ـ وفى التمتع والقران ويوات النسك والإحصار عنه وإفساده بوطء ففيه بدنه وفى دهن الشعر للمح
(10/381)
________________________________________
التفرقة العنصرية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى التفرقة العنصرية وما موقف الإسلام منها؟

الجواب
الإجابة على السؤال تتناول عدة نقاط منها:
1 ـ مفهوم التفرقة العنصرية:
يقصد بالتفرقة العنصرية فى العرف الحديث التمييز بين الأجناس فى القوانين والمعاملات، على أساس الدم وا المتعلقة بتكوين الجسم البشرى. وما يتبع ذلك من الحياة الفكرية ومظاهر السلوك والاجتماع. لقد صنَّف ال العلوم الإنسانية الأجناس البشرية إلى جماعات تجمع بين كل منها خصائص ومميزات طبيعية متوارثة فى مجموعها مجال للاختلاف البسيط بين أفرادها، ومن أبرز هذه الخصائص لون البشرة وشكل الجمجمة، وملامح الوجه وطول القامة، وقالوا: إن هذه الطبيعية يتبعها اختلاف فى المواهب العقلية والقوى النفسية وما إليها ورأى بعض هؤلاء أن تقسيم البشر إلى أجناس يرجع إلى الدم نفسه على خلاف فيما بينهم على مقدار نسبة ما يوجد من دم الآباء والأجداد فى الإنسان حتى ينسب إلى هذا الجنس، وعلى أساس هذا التقسيم العنصري قرر الباحثون أن هناك امتيازا لبعض الأ بعضهم الآخر، يحق للأجناس العالية أن تكون لها قوانين وأن تعامل معاملة خاصة، بخلاف الأجناس الأخرى التى لا ينبغى أن تدخل معها فى هذه القوانين وتلك المعاملات.
هذا هو مفهوم التفرقة العنصرية فى العرف الحديث، والهدف منه، وسيأتى بيان بطلان الأساس الذى قسموا عل وزيف ما يهدفون إليه من أغراض.
2 ـ التفرقة فى النظم القديمة:
إن فكرة التمييز بوجه عام بين بنى الإنسان فكرة قديمة، ضرورة اختلاف الناس بعضهم عن بعض فى القوة الجسم العقلية والمظاهر المادية، والتى كان من أثرها استعلاء بعضهم على بعض، واستغلال القوى منهم للضعيف وتح الفقير، وسيطرة العالم على الجاهل، والتى كان من أكبر مظاهرها الرق.
(أ) ففى الهند مثلا كانت كتبهم المقدسة تقرر التفاضل بين الناس بحسب عناصرهم التى خلقوا منها فى زعمهم " خلق فصيلة البرهميين من فمه، وهم أشرف المخلوقات ولهم أرقى المناصب الدينية، وخلق فصيلة الكشتريين أذراعه، وهم الذين يتولون الوظائف الحربية، وخلق فصيلة الفيشائيين أو الفاشا من فخذه، وهم الذين يقومو، وخلق فصيلة السود رائيين والمنبوذين من قدمه، وهؤلاء لهم وظيفة واحدة هى خدمة الطبقات السابقة.
(ب) وكان اليونان يعتقدون أنهم شعب مختار، خلقوا من عناصر تختلف عن العناصر التى خلقت منها الشعوب الأخرى، التى كانوا يطلقون عليها اسم " البربر "وقد قرر أرسطو فى كتابه "السياسة " أن الآلهة خلقت فصيلتين من الأناسى، فصيلة زودتها بالعقل والإرادة، وهى اليونان، وقد فطرتها على هذا التكوين الكامل لتكون خليفتها فى الأرض، وسيدة على سائر الخلق، وفصيلة لم تزودها إلا بقوة الجسم وما يتصل اتصالا مباشرا به، وهم البرابرة أى ما عدا اليونان من بنى آدم، وقد فطروا على هذا التقويم الناقص ليكونوا عبيدا مسخرين للفصيلة المختارة المصطفاة وكانوا يقرون الرق الذى يقول فيه أرسطو: إن الرقيق آلة ذو روح، أو متاع تقوم به الحياة، فهم لا يدخلونه فى عداد المخلوقات الإنسانية.
(ج) وكان الرومان يعتقدون كما يعتقد اليونان أنهم سادة العالم، وان غيرهم بر ابره خدم لهم، وكانت قوانينهم تقر الرق، وتعامل الرقيق على أنه متاع، مدعين أن استعباده رحمة به من القتل الذى تتعرض له الحيوانات، وإلى جانب الاسترقاق بالحروب كانوا يسترقون الفقير إذا عجز عن أداء الدين، ولم تكن للرقيق حقوق قانونية ولا مدنية، ولا يستطيع أن يقاضى سيده أو معاملته، بل كان لسيده الحق فى قتله دون مجازاة، ولم يخفف من حدة هذه المعاملة الدين المسيحى الذى اعت.
(د) والعرب فى الجاهلية كانوا يعيشون على التفاخر بالأحساب والأنساب، ويعتقدون أنهم أفضل من غيرهم ايطلقون عليهم اسم العجم، ولعل ذلك كان أساسه اعتزاز العربى بلغته الفصيحة التى لا يوجد لها مثيل فى العالم.
وكانوا بناء على ذلك يكرهون أن يتلوث دمهم العربى النقى بدم غيرهم عن طريق الزواج، ويأنفون أن يزوجوا ب قبائلهم، كباهلة، وسلول ـ إلى أعجمى حتى لو كان كسرى نفسه، وقد خطب كسرى أبرويز بنت النعمان بن المنذ النعمان مصاهرته، مع أنه كان أحد ولاته، وكانت حرب طاحنة بين الفرس والعرب، تكتلت فيها قبائلهم، من حرقة بنت النعمان أن يأخذها كسرى، وانتهت المعركة بانتصار العرب فى موقعة (ذى قار) . وكان العرب يستخ فى الأعمال المنزلية وفى التجارة، بل كان يمارس معهم الحرب أحيانا، وإذا أعجبوا به أعتقوه وجعلوه أحد 3 ـ التفرقة عند اليهود والمسيحيين:
(أ) لقد ادعى اليهود أنهم شعب الله المختار، وأن الإله الذى يعبدونه لا ينبغى أن يكون معبودا لغيرهم كانوا يطلقون عليهم أمبين، قال تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} ، فكان رد ال من خلقه لا يفضل أحد على أحد إلا بالعمل فقال تعالى: {قل فلمَ يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر ويعذب من يشاء} [المائدة: 18] وكانوا يعتقدون أن غيرهم من الأميبن ليست لهم حقوق كحقوقهم، كما حكى ابقوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك بلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى ال الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] .
وكانوا يبيحون استرقاق من عداهم عند العجز عن الوفاء بالدين، وما يزال شعور التعالى والتعصب العنصرى موجودًا لديهم حتى الآن، وكانت قمته هى الصهيونية بمظاهرها وأساليبها المعروفة التى تتنافى مع الكرامة الإنسانية.
(ب) والمسيحية أقرت الرق كما أقرته اليهودية، وقد جاء فى المعجم الكبير للقرن التاسع عشر ((لاروس) الإنسان من بقاء الرق واستمراره بين المسيحيين إلى اليوم، فإن نواب الدين الرسميين يقرون صحته، ويسلمو فيه: الخلاصة أن الدين المسيحى ارتضى الاسترقاق تماما إلى يومنا هذا، ويتعذر عك الإنسان أن يثبت ـ أنه كما أثبت ذلك أيضا (قاموس الكتاب المقدس) للدكتور جورج يوسف.
وظل الرق معترفا به بين المسيحيين، وكثر كثرة فاحشة بعد اكتشاف أمريكا وجلب الرقيق من أفريقيا للعمل ب الاتجار على أشده بين الدول الاستعمارية، يمارسه ملوكها وكبار رجالها، مع قسوة بالغة العنف، برروها ب المقدسة، وصدرت قوانين تنص على احتقار الجنس الأسود وإهدار كرامته، وكان مفكر وهم ينادون بذلك، كما ج (روح القوالين) حيث قال مؤلفه (مونتيسكيو) الفرنسى فى الفصل الخامس منه: إن شعوب أوروبا بعد ما أبا أمريكا الأصليين، وهم الهنود الحمر،لم تر بُدًّا من استعمار شعوب أفريقيا، لكى تستخدمها فى استغلال فإن هذه الشعوب سود البشرة من أقدامهم إلى رءوسهم ولا يمكن أن يتصور أحد أن الله ـ وهو ذو الحكمة البا خلق روحا ـ وعلى الأخص روحا طيبة ـ فى أجسام حالكة السواد.
وعلى الرغم من إبطاله قانونا فإن الدول المسيحية ما زالت تمارسه بلون آخر هو الاستعمار والتفرقة العنصرية على ما سيأتى بيانه.
4 ـ العلم والتفرقة العنصرية:
إن تقسيم البشر إلى أجناس على أساس الدم أو التكوين الطبيعى للجسم قد قرر العلماء المنصفون أخيرا أنه تقسيم باطل، فإن مظاهر التقدم والرقى الموجودة عند بعض الجماعات لا يرجع سببها إلى ذلك، وإنما يرجع إلى عوامل من البيئة الطبيعية والظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية والأجواء الثقافية، وقرروا أنه لو وضع شخصان من جنسين مختلفين فى بيئة حضارية وثقافية واجتماعية، واحدة ما كان هناك فرق يذكر بينهما فى الفكر والسلوك، وكم تقدم أفراد من أناس ملونة على أفراد من البيض فى الجامعات وفى النشاط الاجتماعي العام، وذلك عندما تهيأت لهم الظروف امن الناس، ومن هنا لا تكون وراثة الخصائص البيولوجية مانعة من التقدم والحضارة عندما تتوافر الظروف للت كان هناك تخلف حضاري عند سلالة من السلالات فمرده إلى العوامل الطبيعية والاقتصادية والثقافية والسياسي وقد بحث العلماء بنوع خاص فى عنصرية اليهود، فأكدوا أن الموجودين منهم الآن، وهم حوالى خمسة عشر مليون كله، ليسوا من عنصر واحد بحكم اختلاطهم بالأجناس الأخرى طوعا أو كرها، وقد تحدث البحاثة " بيتار " عن ذ أن الإسرائيليين يكونون جماعات دينية واجتماعية قوية النفوذ وثيقة التضامن، غير أنها متباينة العناصر إ الإسرائيليين الخلص الذين هم من أصل آشورى برأسه المستطيل عددهم محدود جدا، كما قرر ذلك أيضا " هاتزجو كتابه " أصول الأجناس فى التاريخ الأوروبى " وأكده أيضا " كوماس " أستاذ التاريخ الطبيعى للأجناس البشري الوطنية بمكسيكو "انظر رسالة الدكتور العمرى فى التفرقة العنصرية، ومجلة العربى أكتوبر1970 ".
5 ـ الاهتمام بالأبحاث العنصرية:
إن الاهتمام بالبحث فى الأجناس وخصائصها ومميزاتها لم يأخذ شكلا واضحا إلا فى العصور المتأخرة، حين غلب الأمم القوية نزعة الاستعمار والاستغلال للأمم الضعيفة المتخلفة، أرادت به الدعاية لجنس معيَّن، أو لف طريقها التحكم فى الأجناس الأخرى، وكثيرا ما لجأت هذه الأفكار إلى الدين تستمد منه تأييدا لها، كالصهي شعب الله المختار. ولقد ظهرت هذه النغمة بالذات فى أوروبا فى العصر الحديث فبعد أن كانت دولها لا تفرق وغير مسيحى، وبعد أن كان يفاخر بعضها البعض الآخر بالأخلاق والآثار أصبحت تتحدث عن الأجناس وخصائصها، بين جنس وآخر تبعا لهذه الخصائص، كما يقول المؤرخ " توينبى " ويرجع ظهور هذه النغمة فى أوروبا إلى أسباب منها:
(أ) النزعة الاستعمارية التى تبرر نقاء الجنس الأبيض الأوروبى وزعامته لبقية الأجناس، ووصايته عليها، كما مرت موجة الاستعمار الأوربى للشعوب الأخرى.
(ب) النزعة القومة المعتدة بجنسها، والداعية إلى وحدة شعوبها التى تنتمى إلى جنس واحد. وفى ظل هذه النزعة أيضا سمعنا تمسك الشعب الألمانى بفكرة نقاء أصله وسلالته الآرية، وبخاصة بعد قيام الاتحاد الألمانى فى أعقاب الحرب السبعينية بين بروسيا وفرنسا، وجاءت نداءات: ألمانيا فوق الجميع، وقول غليون الثانى:
إنه منتدب من الله لنصرة الألمان على سائر شعوب أوروبا، وكذلك رأينا فى الشرق الجنس الأصفر اليابانى يعتز بنفسه أيضا وينادى:
آسيا للآسيويين، ورأينا الإنجليز أيضا ينادون بفكرة سيادة الإنجلوسكسون وتعاليهم على سكان أوروبا ما عد (ج) الانقلاب الصناعى والحاجة إلى الأيدى العاملة فى المصانع وسوق الآلاف من العمال لخدمة الرأسماليي الأجناس الأخرى والأمم المختلفة، وإعيائهم أجورا قليلة دون اعتراف لهم بحقوق تحفظ كرامتهم.
(د) اكتشاف أمريكا والحاجة إلى استغلال خيراتها، الأمر الذى خلق تجارة الرقيق وجلبهم من أفريقيا للعم مصانعها.
6 ـ اثار النزعة العنصرية:
لقد سخر المستعمرون والمستغلون علماء هم لتبرير نقاء الجنس الأبيض وإثبات خصائص للألوان والأجناس، فزع: هى: البيض والسود والصفر والحمر، وأعلاها جميعا الجنس الأبيض، وقد علمت أن العلماء المنصفين أثبتو الأجناس لم يعد لها وجود متميز الآن، فقد تداخلت وتلاقت بعوامل مختلفة، وانتقلت خصائص بعضها إلى البعض ولم يبق من الأجناس الصافية إلا قلة ضئيلة من الهنود الحمر، وفى وسط أفريقيا وحوض الأمازون وبعض جزر ال أرض النار فى جنوبى قارتى العالم الجديد.
لقد قال المستعمرون: إن السود والهنود الحمر ليسوا من نسل آدم، فروحهم مشتقة من أصل أقل من الإنسان، وفى معمعة التطور الصناعى ومعاملة الطبقات العاملة نشأت نظرية " داروين " فى تطور النوع وبقاء الأصلح، وسادت نظرية "مندل " فى الوراثة وظهرت مؤلفات كثيرة تبحث عن فكرة عدم المساواة بين الأجناس البشرية وعن سيادة الجنس الآرى، وتكونت مدرسة لها نظرياتها تزعمها الكونت "جوبينو" الفرنسى وكذلك "فاجنر" الموسيقى الألمانى، ومثله (ستيوارت شامبرلين) الإنجليزي، وأيضا (لوتروب ستودارد) الأمريكي، وهؤلاء قالوا: إن الجنس الأبيض هو وحده منشى الحضارة، وهو الجنس الآرى المنحدر من شمالي ال كما ظهرت نغمات: الشرق شرق، والغرب غربب، ولن يلتقيا.
مع هذا التزييف للحقائق العلمية والتحيز الظاهر فى الأحكام على الأجناس البشرية الذى كان أثرا من آثار اـ كانت هناك اثار واضحة تطبيقية لهذه النزعة، من أهمها:
(أ) استعمار البيض للملونين، وكسبهم مزايا سياسية واقتصادية انتعشت بها أوروبا، وفكت بها أزمتها، وكثرت تبعا لذلك رءوس الأموال الأجنبية فى البلاد المستعمرة، واستنزفت ثرواتها، كما كان من لوازم الاستعمار تخصيص محاكم ومصحات ونواد وغير ذلك للسادة المستعمرين لا يتمتع بها الملونون.
(ب) احتقار البيض لغيرهم، واستخدامهم المزرى لهم، كما كان يحدث فى الهند، فقد كان الإنجليزي يركب على ظهر الهندي ليستطيع أن يمتطى جواده، وفى الصين عندما كان ي على جر العربة بالسائحين كالدابة سواء بسواء، وقد كتبت لافتات على بعض الحدائق العامة فى شنغهاى مدينة الأجنبية عبارة (محظور على الوطنيين والكلاب دخول هذا المكان) .
(ج) العزل الاجتماعي والسياسي لأهل البلاد، وعدم تمكينهم من ممارسة نشاطهم فى هذه المجالات، كما يظه جنوبى أفريقيا وروديسيا.
(د) إبقاء الوطنيين على التأخر والجهل والانحطاط، وذلك ليمكن للأجنبي التسلط عليهم، فإن من المقرر ع تقدم الأهالى يخلق فرصة للمطالبة بالحرية والاستقلال ولا شك أن ذلك كله يهدد الأمن الداخلى للبلاد التى العنصرية، ويزعرغ أركان السلام العالمى ويثير الفتن والحروب بين الدول.
7 ـ أمثلة من مظاهر العنصرية الحديثة:
على الرغم من إصدار القرارات ضد التفرقة العنصرية فى المؤتمرات الدولية المتعاقبة منذ مطلع القرن التاسع اتفاق عصبة الأمم سنة 1926 م، الذى وقعه ثمان وثلاثون دولة، وعلى الرغم من الإعلان العالمى لحقوق الإن الأمم المتحدة فى العاشر من ديسمبر سنة 1948 م فإن التفرقة العنصرية ما زالت تمارس فى بعض الدول الحديثة مظاهرها ما يوجد فى أمريكا وجنوبى أفريقيا.
(أ) ففى أمريكا الآن حوالى عشرين مليونا من الملونين، يقطن أكثرهم فى الولايات الجنوبية، وقد قامت ح الشمال والجنوب من سنة 1860 إلى سنة1865 م بزعامة (لنكولن) صاحب فكرة تحرير العبيد، وقد قتل بيد عنص اسمه (بوث) فى14من أبريل سنة 1865 م كان الجنوب مصرا على الإبقاء على التفرقة العنصرية لضمان استخدام امزارعه، وكان الشمال يصر على تحريره ليتمكن من الهجرة إلى الشمال ويعمل فى مصانعه، ومن هنا يعرف أن ال هذه الحرب كان اقتصاديا استغلاليا وليس ثورة على الكرامة الإنسانية.
وإذا كانت الحرب قد انتهت بتقرير المساواة فإن التفرقة ما زالت تمارس عمليا ومنصوصا عليها فى قوانين بع دستور ولاية (مسيسبى) فى الفصل الثامن فى التربية والتعليم (مادة 207) :
يراعى فى هذا الحقل أن يفصل بين أطفال الزنوج، فتكون لكل فريق مدارسه الخاصة.
وفى الفصل الرابع عشر (أحكام عامة) مادة 263: أن زواج شخص أبيض من شخص زنجى يعد غير شرعي وباطلا، بل جاء فى قانون هذه الولاية: أن الذى يطالب بالمساواة الاجتماعية والتزاوج بين البيض والسود، بالطبع أو النشر أو أية وسيلة، يعتبر عمله جرما يعاقب عليه القانون.
وهذه التشريعات تطبق فى عدة ولايات أمريكية، كما جاء فى تقرير قدم إلى الأمم المتحدة سنة 1947، تحت عن إلى العالم) .
على أن الكنيسة نفسها شاركت فى إقرار هذا الظلم، فإن للزنوج كنائس خاصة، ولا يصح لهم أن يعبدوا ربهم فى كنائس البيض مع أن الذى خلقهم جميعا واحد وهو الله سبحانه.
وقد جاء فى كتاب (مصرع الديموقراطية فى العالم الجديد) الذى نشرته دار العلم للملايين فى بيروت كثير من تدل على تمكن النزعة العنصرية من نفوس الأمريكيين.
وقد تأسست فى الجنوب جمعية (كلوكلوكس كلان) لإرهاب الملونين، وانتشرت فى جميع أنحاء الولايات المتحدة قائمة على أنقاض جميعة لإرهاب الكاثوليك ومنع هجرتهم.
وما زالت حوادث التفرقة فى أمريكا دليلا على أن هذا العالم الذى يدعى حماية الحريات يعيش على النفاق والخداع، بعيدا عن مقررات الأمم المتحدة وعن قواعد الأخلاق والإنسانية.
(ب) وفى جنوبى أفريقيا تفرقة عنصرية صارخة، فقد احتل الهولنديون المسمون (البوير) أى الفلاحين، هذ وأسسوا مدينة رأس الرجاء الصالح سنة 1752 م، ثم احتلها الإنجليز سنة 1806 م، وطاردت البوير إلى ناتال والترنسفال، وكان البوير قد جلبوا عمالا من الملايو والهند للزراعة، ولا يعترفون لهم بحقوق كحقوقهم، على هذه البلاد مكن رجالهم لاستعمارها حتى تكون اتحاد جنوبى أفريقيا سنة 1910 م بعد حروب طويلة كان من أ (سيسل رودس) الذى حاول خلق حياة أفضل للبيض على حساب الأفريقيين. فكانت التفرقة العنصرية التى لم تحا تعمل شيئا للحد منها.
لقد كان فى جنوبى أفريقيا حسب إحصاء سنة 1952 نحو 5، 14 مليونا، منهم 0 1 أفريقيون، 3 أوربيون، وملي الملونين، ونصف مليون من الآسيويين. ومع ذلك يتحكم الأوربيون فى بقية السكان، مطبقين للتفرقة العنصرية بأشد مظاهرها، تلك المظاهر التى تبدو فى: تقييد حرية التعاقد على العمل للملونين، وعدم زيارتهم للمدن إلا لمدة اثنتين وسبعين ساعة، ووجوب الحصول على إذن فيما زاد على ذلك، وتحديد عدد المقيمين منهم فى المدن، ومنع دخول كنائس البيض، وعدم علاجهم فى المصحات إلا عند الضرورة القصوى، ومنع عقد اجتماع ع، وتحريم امتلاكهم لعقارات البيض، ومنع التزاوج بين الأوربيين وبينهم، وتحديد عدد تلاميذ المدارس من امن الحقوق السياسية.
وقد أثيرت مشكلة هذه التفرقة فى هيئة الأمم سنة 1947 م غير أن إنجلترا وأمريكا ضغطتا على الأعضاء فلم يفز القرار بالأغلبية المطلوبة، وقامت عدة ثورات تطالب بمنع هذه،ولكنها لم تجد أذنا مصغية.
وفى أول أبريل سنة 1960 اصدر مجلس الأمن قرارا بدعوة جنوبى أفريقيا لنبذ سياسة التفرقة العنصرية كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحده فى 11 من أكتوبر سنة 961 1 قرارا بلومها ومع ذلك لم تستجب الحكومة لهذا كله وقد دعا إلى إصدار هذه القرارات توالى حوادث العنف وكان من أهمها حادث (شارب فيل) فى 21 من مارس 1960 عندما احتج الأفريقيون على نظام تصريحات المرور فأطلق البوليس النار عليهم وقتل منهم عددا كبيرا.
8 ـ الإسلام والتفرقة العنصرية:
لقد تحدثت لك طويلا عن هذه المشكلة بمفهومها ومظاهرها آثارها وتاريخها، لتكون على بينة من الأمر حين تحك نصوص دينك، ولتعرف بوضوح أن الإسلام دين حق جاء بأرقي التشريعات لأرقى الأمم ولأرقى العصور، ومن المعر صدق النتائج مرهون بصدق المقدمات، وأن الحكم الصحيح يلزمه التصور الواضح للمحكوم عليه، ولعلمى بأن الع يملك رصيدا ضخما من النصوص الدينية بخصوص هذه المشكلة. أحببت أن أعطيه بعض الرصيد من المعرفة العامة نح فلخصت له كثيرا من الأبحاث والكتب حول هذه القضية، ولعل ما قدمته يكون فيه غناء له يوفر عليه جهدا كبير ولهذا سيكون حديثى عن موقف الإسلام من هذه القضية يميل إلى الاختصار والتركيز، معتمدا على أن مراجع الب كثيرة، والاطلاع عليها ميسر لكثير من المهتمين بهذا الموضوع، وحديثي سيكون فى نقطتين هامتين، إحداهما قام عليها موقف الإسلام من رفضه للتفرقة العنصرية، وثانيتهما إيراد بعض المظاهر التطبيقية لهذه النظرة الإسلام إلى البشر على اختلاف مستوياتهم.
فلسفة الإسلام فى رفضه للتفرقة العنصرية:
(أ) قرر الإسلام أن الناس جميعا مخلوقون من أصل واحد هو التراب، قال تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} [نوح: 17، 18] وقال {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] وجعل حياتنا كلها، ونشاطنا فى جميع المجالات مرتبطا بالأصل الذى خلقنا منه، وهو الأرض ووثق صلتنا بكل ما يعيش عليها من حيوان ونبات، فهى أمنا جميعا، ونحن لها أبناء، لم يخلق واحد منا من غير تربتها، ولم يعش واحد منا على غير خيرها، ولم يدفن واحد منا فى غير بطنها.
(ب) قرر الإسلام أيضا أننا مولودون من أب واحد هو آدم، فنسبنا جميعا واحد، ونحن إخوة فى هذه الأسرة الإنسانية الواسعة، وإذا كان لبعض أفرادها نوع امتياز بلون أو شكل أو نشاط فذلك لا يغض من قيمته فى أنه يشكل ركنا أساسيا فى تالف هذه المجموعة وتضامنها فى عمارة الكون وتحقيق الخلافة فى الأرض، كما يعبر بعض الكاتبين عن ذلك بقوله: الإنسانية كلها حديقة كبيرة تختلف ألوان أزهارها وما يفوح منها من عطر دون أن يكون للون أو رائحة انفصال عن الآخر فى إبراز بهجة هذه الحديقة، قال تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] وقال النبى صلى الله عليه وسلم " إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقى، وف بنو آدم، وآدم خلق من تراب " رواه أبو داود والترمذى وحسنه.
(ج) قرر الإسلام أن الناس جميعا مخلوقون لخالق واحد هو الله سبحانه، فمبدؤهم منه خلقا، ونهايتهم إليه بعثا وحسابا {فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون} [يس: 83] {الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء} [الروم: 40] ، فهو وحده المحيى والرازق والمميت والمعيد للنشور، وكانا مدينون له بهذا كله وليس له شريك فيه، سواء أقر بذلك المؤمنون أم جحد الملحدون، ومن هنا لا يكون لأحد منا فضل على الآخر فى هذه النواحى الجامعة لمسيرة الحيلة من مبدئها إلى منتهاها وما يجرى بينهما.
(د) جعل الإسلام الناس موزعين إلى مجموعات نسبية على الرغم من اتفاقهم فى هذه الأصول، وذلك ليتميز بعضهم عن بعض، ولتعرف الحقوق وتحدد الواجبات، ويسهل تنظيم أمر الجماعة، فهذا الإجراء تنظيمى بحت لا يمس جوهر المساواة الحقيقية فى الأصول المذكورة، وهذا التوزيع نعمة من نعم النظام، والنظام تستريح له النفس ويطمئن إليه القلب، قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأن وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] كما أن تقسيم الشعوب إلى ألسنة وألوان دليل وتمام إرادته واختياره فى خلقه {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآي} [الروم: 23] .
(هـ) جعل الإسلام هناك تفاوتا فى المعاملة بين البشر لا على الجنس أو اللون أو اللسان، بل على أساس الكمالات النفسية والأخلاق الطيبة والعمل الصالح القائم على الإيمان بالله، فالطبيعة البشرية واحدة، وإن كان هناك اختلاف فهو لأمور عارضة كتأثير البيئة، وعدم إتاحة الفرصة للبعض أن يكمل نفسه، وحارب الإسلام أن يكون هناك تفاوت فى المعاملة على غير هذا الأساس كما تدل عليه آية الحجرات السابقة، وحديث " من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه "رواه مسلم، وحديث " ليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية " رواه أبو داود وحديث " الناس معادن خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا " رواه البخارى ومسلم.
والنصوص فى ذلك كثيرة تطبيقات عملية للقضاء على التفرقة العنصرية:
من التطبيقات العملية لجعل التفضيل بين الناس على أساس المزايا الدينية والخلقية بعيدا عن اعتبار الجنس التوجه إليهم بالخطاب للقيام بالتكاليف الدينية ووقوفهم متساويين فى الصلاة أمام الله دون تمييز طبقى أوأداؤهم لشعائر الحج مجردين عن كل مظهر من مظاهر التفرقة، التى كان الناس على أساسها يفرقون بين قبيلة وقبيلة، ومن ذلك وقوفهم جميعا بعرفة بعد أن كان بعضهم فى الجاهلية يقف فى المشعر الحرام. {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة:199] ومنها أن أعظم المناصب الدينية فى المسجد النبوى كانت بين محمد القرشى وبلال الحبشى، فالنبى للامامة وب ومنها قول النبى صلى الله عليه وسلم عن سلمان " سلمان منا أهل البيت " مع أنه فارسى، لكن شرفه عمله و، وذلك لما رأى المسلمون قوته فى حفر الخندق وقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا (االمواهب) .
ولما ضرب مسلم مشركا يوم أحد وقال: خذها وأنا الغلام الفارسى، نهاه النبى عن هذا القول الذى يشعر بالع وأرشده إلى قول مستمد من وحى الدين فقال له " هلا قلت: وأنا الغلام الأنصارى " رواه مسلم.
ومنها توليته زيد بن حارثة قيادة الجيش، وكذلك تولية ابنه أسامة أيضا، وفى جندهما كان خيار المسلمين من العرب، وزيد كان رقيقا ثم أعتقه النبى وزوجه من زينب القرشية التى صارت بعد ذلك من امهات المؤمنين.
ومنها قوله " اسمعوا وأطيعوا وإن ولى عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة" رواه البخارى، وتطبيقا لذلك قال عمر: والله لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيا ما جعلتها شورى، أى لأسندت الخلافة إليه، وسالم هذا كان مولى لأبى حذيفة، وأمر أن يتولى الصلاة بالناس صهيب الرومى، وكان صهيب عبدا أسر فى بلاد الروم ثم بيع فى بلاد العرب.
وتزوج بلال من أخت عبد الرحمن بن عوف وهى قرشية، وأعتق الحسين بن على جارية ثم تزوجها وعندما علم معاوية بذلك عاب عليه، فرد عليه الحسين بقوله: قد رفع الله بالإسلام الخسيسة ووضع عنا به النقيصة، فلا لوم على امرىء مسلم إلا فى أمر مأثم وإنما اللوم لوم الجاهلية.
وقد كان أكثر العلماء الأفذاذ الذين خدموا الإنسانية من غير العرب، ومن العناصر المختلفة والألوان المت فى بوتقته وأخرج منها نماذج موحدة للمسلم الكامل الذى يردد هذا الشعا ر:
أبى الإسلام لا أب لى سواه * إذا افتخروا بقيس أو تميم (ذكر ابن الأثير فى كتابه الباعث الحثيث) : روى مسلم أن عمر رضى الله عنه لما تلقاه نائب مكة أثناء الطريق فى حج أو عمرة قال له:
من استحلفت على أهل الوادى؟ فقال: ابن أبزى، قال ومن ابن أبزى قال رجل من الموالى، قال عمر: أما إنى سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يرفع بهذا العل آخرين ".
وذكر الزهرى أن هشام بن عبد الملك قال له: من يسود مكة؟ فقلت: عطاء، قال فأهل اليمن؟ قلت: طاوس، قال: فأهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فأهل خراسان قلمت: الضحاك بن مزاحم، قال: فأهل البصره؟ قلت. الحسن بن أبى الحسن. قال:
فأهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعى وذكر أنه كان يقوله له عند كل واحد: أمن العرب أم من الموالى؟ فيقول: من الموالى. فلما انتهى قال: يا زهرى، والله لتسودن الموالى على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب من تحتها.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.
وأخبار المساواة فى الحقوق والواجبات والمعاملة وأمام القضاء كثيرة مشهورة، من أبرزها حادث المخزومية التى أراد أسامة أن يتشفع فى إسقاط حد الشرقة عنها فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقال " إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت يدها " رواه البخارى ومسلم.
ومن الأحاديث الواردة فى الأخوة الإسلامية الجامعة "المسلم أخو المسلم " رواه مسلم، وحديث " المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
حتى إن اختلاف الدين لم يكن مانعا من تحقيق المساواة ونبذ التفرقة، فهناك رابطة إنسانية عامة تعلو على {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله} [الممتحنة: 8] وقد تولى هؤلاء مناصب عدة فى الدولة الإسلامية وأفاد المسلمون من علمهم وخبرتهم على ما كتب التاريخ، وقد ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم قام لجنازة ولما قيل له: إنها جنازة يهودى قال:" رواه البخارى ومسلم، ولأجل أن يحمل الناس على نبذ العصبية المقيتة، وعلى التزام العدل فى المعاملة حتى العقيدة قرر أن الأنبياء إخوة من علات، ومنع تفضيله على أحد من الأنبياء، على الرغم من أنه سيد ولد آد القرآن وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل دون تفريق بين أحد منهم.
ـ نظرة الإسلام إلى الرق يظهر موقف الإسلام جليا فى محاربته للتفرقة العنصرية فى تشريعه الحكيم لإبطال الرق يتمثل فى ثلاث إجراءات رئيسية وهى:
(أ) تضييق باب الرق الذى كان متسعا جدا قبل الإسلام، من حرب وخطف وشراء وغير ذلك، وحصره فى مورد واحد هو الأسر فى الحروب المشروعة إذا رأى الإمام أن يضرب الرق على الأسرى، والأسر مبدأ معمول به قديما وحديثا، وله أثر وتبادل الأسرى ولم يكن الشراء طريقا لامتلاك الرقيق إلا فى عهد معاوية كما قال المحققون.
(ب) فتح الأبواب الواسعة لتحرير الرقيق، وإيجاد منافذ كثيرة للانطلاق من الرق إلى الحرية، فحثت النصوص على العتق فى كثير من الأحاديث، وجعلنه كفارة لكثير من الأخطاء، كالقتل الخطأ والإفطار فى رمضان والحنث فى اليمين والظهار وشجع على مكاتبة الرقيق وتيسير دفع ما يلزمه، وأباح التسرى بالإماء دون تحديد بعدد، وليس هذا إطلاقا للمتعة الجنسية بل للحصول على حرية الإماء إذا حملن مسا السادة وولدن، فإنهن يعتقن بعد موتهم، وكذلك ليسرى الدم العربى إلى غيره من الأجناس الأخرى التى كان منها الأسرى.
(ج) الأمر بالإحسان إلى الرقيق حتى تحين الفرصة لعتقه، والوصايا فى ذلك كثيرة يكفى منها مراعاة شعوره، فلا يقال له: عبدى أو أمتى، بل يقال فتاى وفتاتى، أو غلامى وج كما رواه مسلم، وإكرامه فى مطعمه وملبسه كما فى الحديث " هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فم أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم،فإن كلفتموهم فأعينوهم " روا، وذلك عندما سمع النبى أبا ذر يعير رجلا بأمه السوداء فقال له: " إنك امرؤ فيك جاهلية " كذلك نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ظلمه فقد سمع أبا م غلامه فقال له: " الله أقدر منك عليه " فكفَّر أبو مسعود عن ذنبه بعتقه، وقال النبى صلى الله عليه وس تفعل للفحتك النار" رواه مسلم.
هذا، وإذا كان الإسلام يضرب أروع الأمثلة فى احترامه لآدمية الإنسان عن طريق الإحسان إلى الرقيق، فإنه من غير شك يراعى هذا التكريم مع من لا يملك الإنسان رقبته، بل يملك رعايته وتوجيهه لا غير، وذلك كحال الرعايا فى البلاد الإسلامية من الأديان المختلفة، لقد قال عمر بن الخطاب فى توجيه عماله، أى حكام البلاد المفتوحة: إنى لم أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبش ليأخذوا اموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلى، فو الذى نفسى بيده لأقصنه منه، وقد اقتص للقبطى من ابن عمرو بن العاص على ملأ من الناس، وقال كلمته الخالدة:
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ " سيرة عمر لأبن الجوزى ص 67، 70".
وكل ذلك من وحى وصية الإسلام بأهل الذمة ففى الحديث " من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة " رواه أبو داود وقال أيضًا: " إن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذى فرض عليهم البغوى.
10 ـ رد بعض الشبهات (أ) قد يقول قائل: إذا كان الإسلام ينبذ التفرقة العنصرية فلماذا توجد تفرقة فى معاملة بعض الناس؛ كجعل نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين فى الميراث وجعل شهادته بشهادة امرأتين.
والجواب أن هذه التفرقة فى المعاملة ليست على أساس عنصرى مما يتعامل على أساسه المستعمرون اليوم؛ وإنما هى لاعتبارات قائمة على المواهب والاستعدادات، والحياة البشرية لابد أن يكون فيها تفاوت فى ذلك لتترتب عليها اثار مناسبة لها وهذا هو مقتضى العدل؛ قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين.
ما لكم كيف تحكمون} [القلم:35، 36] وقال {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] وقال: {ولكل درجات مما عملوا} [الأحقاف: 19] وقال: {ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] .
وبخصوص المثال السابق فى الميراث والشهادة بالنسبة للرجل والمرأة قال العلماء: إن الرجل هو الذى يتولى الإنفاق عليها من نصيبه وهو لا يمس نصيبها مطلقا فى هذا الشأن؛ فهو محفوظ لها تتصرف به فى أمورها الخاصة كيف تشاء ة على أن إثبات حقها فى الميراث بوجه عام هو دليل مساواتها له فى مطلق الحق؛ أما التفاوت فيه فهو أمر يقتضيه نظام الحياة؛ وكون شهادتها على النصف من شهادة الرجل بين حكمته قول الله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ومراعاة طبيعتها البشرية أمر لا ب عليه؛ كما لا يعاب به أحد، على أن شهادتها فى بعض الأحيان هى المعتمدة دون الرجل كمسائل الرضاع والبكارة والعيوب الداخلية للمرأة.
(ب) وقد يقال أيضا، إذا كان الإسلام لا يقر التفرقة العنصرية فلماذا رأينا بعض الولاة يخالفون ذلك، كما حدث فى الدولة الأموية التى قلدت الوظائف الهامة للعرب دون العجم، والجواب أن عمل هؤلاء لا يُعد تشريعا يناقض التشريع المعتبر فى مصادره المعروفة، وقد تكون هناك ظروف جعلت هؤلاء الولاة يتخذون هذا الإجراء، وذلك كعدم اطمئنان العرب إذ ذاك إلى العجم الداخلين فى الإسلام حديثًا، والذين لم يزل الكثير منهم متأثرًا بمواريثه الدينية والسلوكية، الأمر الذى جعل بعض الأفراد ينادى بما سمى باسم الشعوبية، وجاءت على أثر هذه الصيحات الدولة العباسية بجهود الفارسيين المتشيعين للبيت الهاشمى والناقمين على البيت الأموى.
ومهما يكن من شىء فإن هذه التصرفات السياسية موكولة إلى رأى القائمين بالأمر، وهى على كل حال لا تعرض النصوص الأصلية فى مقاومة التفرقة العنصرية ومن أراد التوسعة فليرجع إلى كتابنا " دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصره "
(10/382)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:28 am

الشيوعية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى المبادئ والأصول التى قامت عليها الشيوعية، ومل هو موقف الإسلام منها؟

الجواب
الشيوعية لون من ألوان الاشتراكية، التى هى نظام تعاونى قائم على جعل الوسائل الرئيسية للانتاج والتوزيع ملكا للمجتمع، وموجهة بطريقة ديموقراطية نحو الصالح العام، بإيجاد فرص عمل لجميع الأفراد، ورفع مستوى الإنتاج ومستوى المعيشة مع الضمان الاجتماعى وعدالة التوزيع.
وهذا المعنى يفكر فيه الناس من قديم الزمان وإن كانت وسائلهم إلى تحقيقه مختلفة، فكان قدماء اليونان يدعون إلى المساواة، والراهب "ميزليه " نادى بنزع الملكية الخاصة، وأتباع " توما الأكوينى" المتوفى سنة 1272 م. كانوا يدعون إلى ذلك، لكن هذا المعنى ظهر بوضوح فى القرون الأخيرة بعد النهضة الصناعية فى أوربا فى نهاية القرن الثامن عشر، ويعزى إلى " لوى بلان " هذا المبدأ: من كل حسب مقدرته، ولكل حسب حاجته.
كان من أعظم الاشتراكيين المحدثين "كارل ماركس " المتوفى سنة 1883م.
وجاء عنه فى موسوعة المعرفة "ص 608" أنه من أسرة يهودية متوسطة، تحول أبوه المحامى إلى المسيحية سنة 1824 م وعمدت أسرته كلها طبقا للبروتستانتية. درس القانون والتاريخ والفلسفة فى جامعات بون وبرلين، ونال الدكتوراه سنة 1841 م فى الفلسفة. ولما ذهب إلى فرنسا طرد منها لآرائه السياسية، فذهب إلى بروكسل، ولحق به "أنجلز" وكتبا البيان الشيوعى، فقامت الثورات فى أوروبا فهربا إلى ألمانيا، ثم انتهى ماركس إلى لندن وتوفى بها، ودفن في مقبرة " هاى جيت ".
أصدر ماركس وفريدريك أنجلز المتوفى سنة1895 م هذا البيان سنة 1848 م، الذى يحث جميع العمال على الاتحاد والاستيلاء بالقوة على جميع الأجهزة السياسية والاقتصادية.
وكان ماركس قد أصدر الجزء الأول من كتابه " رأس المال " سنة 1867 م وهو أعظم وثيقة فى تاريخ الاشتراكية قامت على آثره ثورات كثيرة فى أنحاء أوروبا، ويعتبر إنجيل الثورة الشيوعية فى روسيا، التى كانت تعرف أولا باسم " البلشفية " وكان " لينين " و "تروتسكى" زعيما ثورة 1917 م من تلاميذه، والجزءان الآخران أتمهما "انجلز" ونشرا بعد موت ماركس 1883 م.
تقوم الشيوعية على مبادئ تتصل بالدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع، من أهمها:
1 - الكفر بالأديان ومكافحة سلطان الكنيسة بالذات، حيث كان هو السائد عند قيام الثورة، لقد قال ماركس، وهو فى سن الخامسة والعشرين كما يقول روجيه جارودى (مجلة الطليعة عدد أذار 1970) إن الدين أفيون الشعب، فهو يزهد فى الدنيا ويزرع فى النفوس الخضوع للقضاء والقدر والرضا بالواقع وعدم الكفاح لتغييره مهما كانت قسوته، لقد كفر بالله على الرغم من أن أصله يهودى انتقلت أسرته إلى المسيحية، وقال " لينين "فى مؤتمر الشباب الشيوعى المنعقد فى 2 من أكتوبر سنة 1930 م: إننا معشر الشيوعيين لا نستمد قوانين الأخلاق والسلوك الاجتماعى من أوامر الدين، لأننا نخرج على جميع الأخلاق والآداب التى تنفصل عن المجتمع البشرى ونرى أنها خداع وتضليل. وجاء فى الموسوعة السوفياتية " الطبعة الثانية سنة 1964 م مجلد 22" أن القرآن من عند محمد ومن بعده، ويقول " أ.
سميرنواف " عضو المجمع العلمى وزعيم الدراسات الإسلامية فى الاتحاد السوفياتى فى كتابه " تاريخ الإسلام فى روسيا ": إن وجود محمد خرافة وكذلك هجرته " (الإسلام أقوى، تأليف جهاد قالعجى) .
وطالب الزعيم السوفياتى " ميخائيل جوربا تشوف " بشن حملة لا هوادة فيها ضد الدين فى الجمهوريات الإسلامية السوفيتية بوسط اَسيا، وقالت جريدة " برافدا فوستوكا " الناطقة باسم الحزب السوفيتى فى جمهورية " أوزباكستان ": إن تعليمات جوربا تشوف صدرت خلال اجتماع مع قادة الحزب فى طشقند وهو فى طريقه إلى الهند- موسكو-روتر- الأهرام فى 29/ 11 / 1986 م.
2- ديكتاتورية عامة الشعب " البروليتاريا " من أجل إيجاد مجتمع شيوعى، وعند عدم تهيؤ الشعب للسلطة ينوب عنه الحزب الشيوعى.
3- ملكية وسائل الإنتاج: الأرض ورأس المال والعمل، لتكون للشعب عامة، والقضاء على الملكية الخاصة. ومناهضة الإقطاعيبن من النبلاء ورجال الكنيسة الذين يملكون الأرض بعبيدها، وكذلك مناهضة البورجوازيين الحائزين للأموال فى الثورات الصناعية والمتحكمين فى العمال. ويلزم ذلك إهدار كرامة الفرد والقضاء على حرية النقد.
4 -تفسير التاريخ تفسيرا ماديا، بمعنى حتمية الصراع بين الطبقات ليقوم المجتمع الشيوعى، وإنكار أن تكون هناك سنن موضوعة من الدين للوجود، فلابد من أخذ الفقراء حقوقهم من الأغنياء بالصراع إنها حرب على الغنى ودعوة إلى الفقر باسم المساواة.
هذه هى أهم الأسس التى تقوم عليها الشيوعية. والأديان بوجه عام والإسلام بوجه خاص لا يقرها، وليس هو فى حاجة إليها، لما يوجد فيه من مبادئ تحقق الرخاء والتقدم للمجتمع فى ظل استقرار روحى ومودة وتكافل، ينبع من إحساس داخلى يغرسه الإيمان فى النفوس.
ولا يصح أن يقال عن الإسلام: إنه دين اشتراكى بالمعنى الموجود عند الغرب، فهو نظام متميز عن كل هذه الألوان المتعددة للاشتراكية، والحكم على دين أو مذهب يكون بالحكم على جميع أصوله ككل، فالمسلم الذى ينكر مبدأ واحدا من المبادئ الأساسية فى الدين لا يعد مسلما، وكذلك الشيوعى بالذات لا يعد شيوعيا إذا انكر مبدأ من مبادئها. ومن هنا لا يمكن أن يقال عن المسلم إنه شيوعى، لأنه إن أنكر دينه لا يكون مسلما بل كافرا، وإن أخذ ببعض مبادئ الشيوعية لا يكون شيوعيا حتى يأخذ بها جميعا.
ولسنا فى حاجة إلى مناقشة مبادئ الشيوعية، فالإسلام يرفضها جملة وتفصيلا، ذلك لأنه قائم على الإيمان بالله، ويكل ما جاء به الدين من الحيلة الآخرة والأمور المغيبة، ومن قضاء الله وقدره وتدبير خلقه على سنن حكيمة، ومن احترام الحقوق لجميع الناس من أغنياء وفقراء، ومن حل المنازعات عن طريق الصلح والقضاء، ومن الإسهام بقوة فى النهوض بالمجتمع من كل نواحيه الاقتصادية والسياسية والثقافية لتحقيق خيرية هذه الأمة وإسعادها فى الدنيا والآخرة على السواء، مع ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس الشورى والتناصح والتعاون، والاحتفاظ بكرامة الإنسان وصيانة حريته فى حدود المصلحة العامة، والأدلة على ذلك كثيرة فى القراَن والسنة وغيرهما من مصادر التشريع.
هذا، وقد جاء فى جريدة " الفاينا نشيال تايمز " (الأهرام 31\ 8\ 1985) أن القضاء على الملكية الخاصة لما كان مثبطا للهمم مساعدا على عدم المبالاة، قاضيا على روح التنافس لجأ الروس إلى العودة إلى احترام هذه الملكية بعد أن رأت العواقب الوخيمة من جراء القضاء عليها، فقد أفردت جريدة " إزفستيا " مساحة كبيرة لتجربة فسح المجال لقدر أكبر من الحافز الفردى فى مجال مشاريع الخدمات، وأشارت إلى تجربة تمت فى" استونيا " حيث سمح لرجال الصيانة بالاحتفاظ بمكاسب من عملهم فى أحد محلات إصلاح أجهزة التليفزيون، ليمولوا المشروع بأنفسهم، وظهر أن الجهاز الذى كان يستغرق إصلاحه قبل ذلك حوالى أسبوعين أصبح الآن يتم إصلاحه فى ثلاثة أيام على الأكثر، كما قام العمال بإصلاح إدارى لجذب الزبائن إلى المحل، وقد ارتفعت أرباح المشروع بنسبة من 10 - 15% عن ذى قبل وجاء فى أهرام 4/ 1\ 1987 نقلا عن "النيو يورك تايمز"وفى أهرام 17 / 3 /1987م نقلا عن " الهيرالد تريبيون " بعنوان كارل ماركس.
يقول ماركس: إن الدين هو آفة الإنسان المقهور، وأن الدين أيضا هو أفيون الشعوب، وكان الأفيون معروفا فى المانيا حينذاك بأنه قاتل الألم.
وفيه: ومن أجل الإعداد للثورة يجب إزاحة التأثير المخدر للدين وترك الطبقة العاملة تعانى حتى يصل الألم إلى درجة لا يمكن احتمالها، وحينئذ سيأتى الشفاء على يد الشيوعية. فالقضاء على الدين هو الشرط الأول لسعادة الشعب وعلى نهجه سار لينين. لكن بدأ تغيير فى تعليم الملحدين فى عهد جورباتشوف، فظهر فى الصحف رسائل تقول:إن لم تكف السلطات السوفيتية عن محاربة الدين فإن إدمان الخمور لن يتوقف، أصبحت الفودكا هى المهرب من المعاناة، وذلك يهدد الإنتاج ويهدد الأسر بالانهيار، لقد أصبحت الشيوعية هى الإله الذى فشل فى توفير الخبز لعباده.
راجع:
1-الشيوعية والإنسانية فى الإسلام، لعباس العقاد.
2 - نظرات إسلامية فى الاشتراكية الثورية، للدكتور معروف الدواليبى.
3-طبقية المجتمع الأوروبى وانعكاس آثارها على المجتمع الإسلامى المعاصر، للدكتور محمد البهى.
4 -الاشتراكية العربية، للعميد سيد عبد الحميد مرسى، وعبد الرحمن عبد المتعال.
5 -الإسلام أقوى، لجهاد قلعجى.
6 -المحاضرات الثقافية بقاعة محمد عبده بجامعة الأزهر سنة 1959 م.
7-موسوعة المعرفة.
8 - الفتاوى الإسلامية. المجلد 4 ص 1367، المجلد 7 ص 2655.
9- آخر ساعة فى 20/8/ 1975 م.
10 - الماركسية بين النظرية والتطبيق، للدكتور عبد المنعم النمر
(10/383)
________________________________________
التقية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى التقية وهل هى حلال أو حرام؟

الجواب
1 -التقية والتقاة والتقوى ألفاظ مأخوذة من مادة " وقى " عند من يقول:
الأصل فى الاشتقاق هو الفعل، فكلمة " تقية " اسم مصدر للفعل "اتقى " أصله " اوتقى " ومثلها كلمة "تقاة " أصلها "وقية " مثل تؤدة وتهمة، قلبت الواو تاء والياء ألفا، جاء فى الصحاح "والتقاة التقية يقال: اتقى تقية وتقاة.
قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} آل عمران: 152، وجاء فيه اتقى يتّقى، وتقى يتقى كقضى يقضى.
والتقوى والتقى واحد. وأصل المادة المنع، كالذى يتقى البرد بالملابس، ويتقى عذاب الله بالطاعة، ويتقى سهام العدو بالدرع، والتقية بهذا هى اتخاذ ما يمنع المكروه، أو هى الشىء الذى يتخذ لمنع المكروه، جاء فى التقية قوله تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة. . .} آل عمران: 28، قرأها جابر ابن زيد ومجاهد والضحاك " تقية " وقد نزلت فى عبادة بن الصامت الأنصارى وكان بدريا تقيا، وكان له حلف من اليهود، فلما خرج النبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبى الله، إن معى خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معى فأستظهر بهم على العدو. والمعنى: لا يجوز للمؤمنين أن يتخذوا من الكافرين أولياء يناصرونهم إلا إن كانوا فى حاجة إليهم ويتقون بذلك شرهم.
2 - فالتقية يحتاج إليها عند الحاجة أو الضرورة، وصورها ابن عباس بأن يتكلم الإنسان بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان. على غرار ما جاء فى قوله تعالى {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا. . .} النحل:
106، وقد نزلت فى عمَّار بن ياسر حين أخذه المشركون وأباه وأمه وعذبوهم وقتلوا أباه وأمه لأنهم لم يعطوهم ما أرادوا من الكفر، ولكن عمارا أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فشكا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال له "كيف تجد قلبك "؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم " فإن عادوا فعد " وفى مجال الإيمان والكفر قالوا: لا تجوز إلا عند خوف القتل أو قطع جزء من الإنسان أو الإيذاء العظيم. وهل التقية فى هذا المجال انتهت أو باقية؟ قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية فى جدَّة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم. ومفهوم ذلك أنها جائزه عند ضعف المسلمين، ومن هنا قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة.
3-والأمور التى يكره الإنسان على فعلها لدفع الضرر هى فى أصلها ممنوعة ولكن الله أباحها للضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات كما هو معروف، قال تعالى بعد ذكر المحرمات {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} البقرة: 173، وقال {وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} الأنعام: 119.
وقد قال العلماء: الرخصة فى التقية تكون بالقول كالنطق بكلمة الكفر وكالكذب، لكن لو أرغم على فعل محرم لينجو من الضرر، كالسجود لغير الله أو قتل مسلم أو الزنى.. . هل يحل له ذلك؟ أجمعوا على أنه لو أكره على قتل غيره بدون وجه حق فلا يجوز له قتله، لأنه فدى نفسه بغيره. أما لو أكره على الزنى وغيره من الكبائر فقد اختلف فيه، قال ابن العربى: الصحيح أنه يجوز الإقدام عليه ولا يعاقب بالحد فى الزنى مثلا، وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان أقيم عليه الحد ثم قال المحققون:إذا تلفظ المكره بكلمة الكفر فلا يجوز أن يجريها على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب، والتعريض يكون بكلمة تحتمل أكثر من معنى، يرضى العدو فى الظاهر بأحد معانيها ويقصد بقلبه المعنى الاخر الجائز. ومثلوا لذلك بماء إذا قيل له: اكفر بالنبى، فيقول:
أكفر بالنبى، ويريد المكان المرتفع وهكذا.
4- وهذا يجرنا إلى الحديث عن بعض أساليب التقية، وهى المداراة، ومعناها بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، بخلاف المداهنة التى هى بذل الدين لصلاح الدنيا، والمداراه جائزة والمداهنة ممنوعة، يقول الطرطوشى فى سراج الملوك "ص 279":
من دارى سلم، ومن داهن أثم. قال تعالى فى المداهنة {ودُّوا لو تدهن فيدهنون} القلم: 9، نزلت حين قالت قريش للنبى صلى الله عليه وسلم:
اعبد آلهتنا سنة ونؤمن بك، فأبى، قالوا: اعبدها شهرا، فأبى، قالوا:
اعبدها يوما، فأبى، قالوا: استلمها بيدك، فوقف النبى وطمع إن فعل أن يؤمنوا، فأنزل الله الآية، وقيل له {ولولا أن ثبَّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا. إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات.. .} الإسراء: 74، 75، ثم قال الطرطوشى: قال النبى صلى الله عليه وسلم فى المداراة " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وأمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض "وهذا حديث ضعيف رواه ابن أبى الدنيا، والديلمى فى الفردوس، وروى مثله الطبرانى وابن عدى والبيهقى.
جاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى "ج 1 ص 291" وشرحه للزرقانى "ج 4 ص 255 " أن البخارى ومسلما أخرجا عن عائشة رضى الله عنها أن رجلا استأذن على النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا عنده، فلما رآه قال بعد أن أذن له وفتح الباب " بئس أخو العشيرة " فلما جلس تطلق يعنى أبدى له طلاقة وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل انبسطت فى وجهه فقال " يا عائشة، متى عهدتينى فحَّاشا، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره " وهذا الرجل هو عيينة بن حصن الفزارى، وكان يقال له الأحمق المطاع، لأنه كان يتبعه من قومه عشرة آلاف قناة لا يسألونه أين يريد.
ثم نقل القسطلانى عن القرطبى أن المداراة التى هى بذل الدنيا لصلاح الدين أو الدنيا أو هما معا مباحة وربما استحسنت فكانت مستحبة أو واجبة، فالنبى بذل له من دنياه حسن العشرة والرفق فى مكالمته ومع ذلك لم يمدحه بقول، فلم يناقض فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن عشرة.
قال القاضى عياض: لم يكن عيينة حينئذ أسلم فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحا، فأراد النبى أن يبين ذلك حتى لا يغتر به من لم يعرفه، وكانت إلانة القول له على سبيل الاستئلاف.
وجاء فى إحياء علوم الدين للغزالى "ج 2 ص 183"فى حقوق المسلم: ومنها أنه إذا بُلى بذى شر فينبغى أن يتحمله ويتقيه، قال بعضهم: خالص المؤمن مخالصة، وخالق الفاجر مخالفة، فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن فى الظاهر، وقال أبو الدرداء: إنا لنبسم فى وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم، وهذا معنى المداراة، وهى مع من يخاف شره، قال الله تعالى {ادفع بالتى هى أحسن السيئة} المؤمنون: 96، قال ابن عباس فى معنى قوله {ويدرءون بالحسنة السيئة} الرعد: 22، القصص: 54، أى الفحش والأذى بالسلام والمداراه، وقال فى قوله تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} البقرة 251، الحج: 40، قال بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة.
فالتقية بالمداراة حكمة وسياسة وكياسة، ولكن بقدر لا يخدش الدين، ذكر الغزالى فى الإحياء "ج 3 ص 138 " بعد أن ذكر الدخول على الأمراء ومدحهم ثم ذمهم إذا خرجوا من عندهم، إن هذا نفاق ما دام هناك استغناء عن الدخول إليهم، فأما إذا ابتلى به لضرورة وخاف إن لم يثن فهو معذور، فإن اتقاء الشر جائز. وذلك كلام أبى الدرداء المتقدم.
وذكر فى "ج 2 ص 161 " أن من حق الأخوة أن ينهاه عن المنكر، وذلك فى السر، وليس على الملا لأنه توبيخ وفضيحة، ثم قال: إن الفرق بين التوبيخ والنصيحة هو فى السر والإعلان، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث. على الإغضاء عن عيوب غيرك، فإذا أغضيت لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن.
والمأثور فى هذا الموضوع كثير، ويمكن الرجوع إليه فى كتاب أدب الدنيا والدين ص 78 1، العقد الفريد لابن عبد ربه ج 1 ص 168، 214، 215، ج 3 ص 92، ومقال الشيخ محمد الخضر حسين بمجلة الأزهر مجلد 2 ص 147.
5 - ومن أساليب التقية الكذب، ومعلوم أن الكذب حرام، لكن يرخص فيه للمصلحة التى قصرها بعض العلماء على ما ورد فى الحديث، وهو الكذب فى الحرب فالحرب خُدعة، وفى إصلاح ذات البين، وفى الكذب بين الزوجين فى مثل الحب من أجل دوام العشرة. وأجازه بعضهم عند نيل مرغوب فيه لا سبيل إليه إلا به مع عدم الضرر بالغير، أو فى دفع مكروه عن الشخص أو عن آخر فى عرض أو مال أو نفس.
ومن المأثور فيه إذن النبى صلى الله عليه وسلم لمن قتلوا كعب بن الأشرف أن يقولوا ما شاءوا " زاد المعاد" ومنه كذب ابن علاط لما قدم مكة ليأخذ ماله "زاد المعاد- غزوة خيبر " ومنه كذبات إبراهيم الثلاثة: {بل فعله كبيرهم} {إنى سقيم} وقوله عن زوجته إنها أخته لينقذها من ظلم فرعون "مصابيح السنة ج 2 ص 157".
يقول ابن الجوزى: كل مقصود محمود لا يتوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح إن كان المقصود مباحا، وواجب إن كان واجبا، جوز بعضهم الحلف بالله لإنجاء مسلم من القتل ظلما كما حلف سويد ابن حنظلة أن وائل بن حجر أخوه ليخلصه من عدو له عندما خرجوا يريدون النبى على ذلك " غذاء الألباب للسفارينى ج 1 ص 117 " ويمكن الرجوع إلى الإحياء "ج 3 ص 119 " لمعرفة ما يجوز فيه الكذب.
وللتخلص من الكذب لاتقاء الشر يمكن اللجوء إلى المعاريض كما تقدم ذكره، وتوضيحه فى الإحياء "ج 3 ص 121".
6-هذا، والتقية أصل من أصول الدين عند الشيعة، يظهرون بها خلاف ما يبطنون، حفاظا على أنفسهم، ولعل من اَثارها اختفاء الإمام الثانى عشر والزعم أنه دخل فى سرداب حتى يظهر فى آخر الزمان باسم المهدى المنتظر، والتقية أيضا مسلك للدروز ليعيشوا فى أمن مع غيرهم، ودخائل نحلتهم لا يعلم الكثير منها، ولا يطلع عليها إلا خاصتهم وهم الشيوخ العقَّل.
وهى تستعمل فى ميادين كثيرة، والمهم أنها لا تصادم أصلا مقررا فى الدين، ويتوصَل بها إلى غرض مشروع وفى أضيق الحدود
(10/384)
________________________________________
خطة دينية لمواجهة الكوارث

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك خطة دينية لمواجهة الكوارث؟

الجواب
1 - الإنسان فى حياته يتقلب بين الخير والشر، فيما ينفعه وما يضره، وما يسره وما يحزنه، وذلك بحكم تكوينه الطبيعى، وبما أراد الله له من الخلافة فى الأرض التى خلق منها، قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان فى كبد} البلد: 4.
وقال تعالى {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} الانشقاق: 6. أما الحياة الخالية من الآلام فهى حياة أهل الجنة، لا يمسهم فيها نصب ولا حزن ولا غل ولا لغو ولا تأثيم كما ورد فى القرآن الكريم.
2 - والله سبحانه هو خالق الكون كله ومالك أمره، يحبى ويميت ويعطى ويمنع، يفعل ما يشاء كما يشاء: {لا يُسأل عما يفعل} الأنبياء: 23.
ومع ذلك فهو سبحانه فى كل أفعاله حكيم يضع الشىء فى موضعه المناسب، وقد وصف نفسه بالحكمة والخبرة والعلم والإرادة فى نصوص كثيرة، وهذه الحكمة موجودة فى أمره التكوينى وأمره التشريعى لمن يعيشون فى هذه الدنيا قال تعالى للملائكة فى حكمة خلق آدم: {إنى أعلم ما لا تعلمون} البقرة: 30.
وقال فى فرض الجهاد على المسلمين: {كتب عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} البقرة: 216.
3- وإذا كان الله سبحانه قد سخر لبنى آدم ما فى السموات وما فى الأرض، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فإن فى بعض المسخرات من القوى والإمكانات ضررا عليهم فى ظاهر الأمر، كالزلازل والبراكين والعواصف والسيول والأوبئة المجتاحة، لكن لها حكمة قد تخفى على بعض الناس، ضرورة أن الله حكيم فى كل ما. يصدر عنه، منزَه عن العبث فى أى شىء.
كما أن الهدى الإلهى الذى أرسل به الرسل هو لإرشاد الناس إلى الخير كفا قال سبحانه: {فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى لا يضل ولا يشقى} طه: 123.
لكن فى بعض هذا الهدى ما فيه مشقة فى ظاهره، وهو فى حقيقة الأمر لخير الإنسان وسعادته فى دنياه وآخرته، كفرض الجهاد الذى قال فى حكمته:
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} البقرة: 251.
وكأمر الله للخضر عليه السلام بخرق السفينة ليصرف عنها المك الطاغية ويخلصها لأهلها المساكين، وكأمره له بقتل الغلام حتى لا يكفر بسببه أبواه، وذلك مسطور فى الكهف: 71- 81.
4 - وبعيدا عن الحكمة فى التشريع هل هناك حكمة فى الأمور الكونية أمثال الزلازل والبراكين؟ - هناك حكم كثيرة على رأسها لفت نظر الإنسان الذى خلقه الله بيده من طين، ولم يكن من قبل شيئا مذكورا، وأسبغ عليه النعمة، وسخر له المخلوقات - لفت نظره إلى الإيمان بأن هناك قوة أكبر من قوته، وسلطانا أعلى من سلطانه، وذلك حتى لا يكفر بوجود الله، وحتى لا يعصيه إن كان مؤمنا بوجوده.
حكم غير عامة وإلى جانب هذه الحكمة العامة توجد حكم أخرى منها ما يأتى:
(أ) قد تكون الزلازل والصواعق والأعاصير وغيرها وسيلة انتقام لمن كفر بالله وجحد نعمته، كالطوفان لقوم نوح، والريح الصرصر لقوم هود، والصاعقة لقوم صالح، والصيحة لقوم شعيب، والرجم لقوم لوط، والغرق لفرعون وقومه، والخسف لقارون، قال تعالى: {فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} العنكبوت: 40.
وهى بهذه الصورة عبرة وعظة لغيرهم حتى لا يتورطوا فيما تورط فيه هؤلاء، قال تعالى: {لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألبب} يوسف: 11.
وقال: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} هود: 120.
(ب) قد تكون هذه الكوارث امتحانا يتميز به المؤمن الصادق من غير الصادق. قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} محمد: 31.
وقال فى شأن غزوة أحد: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين اَمنوا ويمحق الكافرين} آل عمران: 140، 141.
وهو سبحانه كما يمتحن بالشر يمتحن بالخير: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} الأنبياء: 35، قال تعالى على لسان سيدنا سليمان وقد أعطاه ما أعطاه: {هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم اكفر} النمل: 40.
(ج) قد تكون هذه الكوارث وسيلة من وسائل تطهير المؤمنين الصابرين الصادقين من الذنوب ومضاعفة ثوابهم، قال تعالى: {ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة: 155، 157، وقال النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخارى ومسلم " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم -حتى الشوكة يشاكها -إلا كفَّر الله بها من خطاياه " والوصب هو المرض.
وقد تكون هناك حكم أخرى يعرفها علماء الأخلاق، كما يعرفها العلماء المختصون المعنيون بالدراسات الطبيعية والجغرافية وما يعرفونه من قوانين التوازن وغيرها.
وعجائب المخلوقات كثيرة، وعلمنا بأسرار الكون قليل كما قال سبحانه:
{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} الإسراء: 85.
ولذلك كرر الله الأمر بدوام البحث والنظر فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء. {وفى الأرض آيات للموقنين. وفى أنفسكم أفلا تبصرون} الذاريات: 20 - 21.
5 -ليكن معلوما أن هناك كوارث هى من صنع الله وحده لا اختيار للإنسان فيها، كالأمثلة التى تقدمت، وهناك كوارث تتدخل فيها قدرة الإنسان واختياره، كالحروب والحرائق وتلوث البيئة، وحوادث الطرق والمواصلات، فما هو موقف الإنسان من كل هذه الكوارث؟ إن لكل من النوعين تعاملا خاصًّا ينبغى إفراده بالحديث وهذا التعامل له طرفان، طرف تربوى وطرف تشريعى، ولا يستغنى أحدهما عن الأخر، فالتربية توضح الطريق للتشريع، وفى الوقت نفسه تساعد على تنفيذه، والتشريع ينظم التربية وييسرها للفهم وبالتالى للتطبيق، وسيكون الكلام على الطرفين فى نسق واحد، دون اهتمام بالفصل بينهما.
وسنجعل للنوع الأول من الكوارث عنوان " الكوارث الطبيعية " نسبة لمحلها لا لفاعلها، وللنوع الثانى عنوان "الكوارث البشرية " وذلك لوضوح تسببهم فيها.
أولا: فى الكوارث الطبيعية:
كل الكوارث لها إجراءان، إجراء وقائى قبل وقوعها، وإجراء علاجى بعد وقوعها، وبخصوص الكوارث الطبيعية التى هى من صنع الله وحده لا يظهر للإجراء الوقائى أثر، اللهم إلا فى مثل الدراسات والمشاهدات التى تعرف بها الأماكن التى يكثر فيها التعرض لهذه الكوارث فيحتاط بالبعد عنها، أو بالتنبه لوقوعها إن أمكن، أو بمثل الاكتفاء فى المنازل بما لا يعظم الخطر منه عند هدمه، أو بمثل إقامة السدود الواقية من خطر السيول ونحو ذلك.
أما الإجراء العلاجى بعد وقوعها، فمنه ما يتصل بمن أصيب بها وما يتصل بمن لم يصب بها، فالذى أصيب بفقد عزيز عليه من إنسان أو حيوان أو زرع أو مال أو غير ذلك، يجب عليه أمور أهمها:
1-الرضا بقضاء الله وعدم الجزع والسخط على ما وقع، فمن أصول الإيمان كما صح فى الحديث " وأن تؤمن بالقدر خيره وشر حلوه ومره " قال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} التوبة: 51.
2 -الأمل وعدم اليأس من رحمة الله -فى تعويض ما فقد مهما كانت فداحة هذا الخطب، والله يقول: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} يوسف: 87، ويقول: {وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر واتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} الأنبياء: 83، 84. ويقول: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا أن نصر الله قريب} البقرة: 214.
إلى غير ذلك من النصوص فى القرآن والسنة التى تغرس الأمل فى النفوس وتقويه، وتنهى عن اليأس وتنفر منه.
3- التحرك العملى والسعى بدافع هذا الأمل إلى ما يعوض به ما فقد منه، وعدم اللجوء إلى الاستجداء أو انتظار المعونات، فلا يجوز ذلك إلا عندما تضيق السبل وتغلق كل منافذ الاعتماد على النفس، لأن الاستجداء ونحوه إجراء مؤقت لا يطول ولا يدوم، وقد وجه الرسول رجلا تعرض للسؤال أن يعمل بجهده هو، حيث اشترى له فأسا يكسب بها ليعول أهله ونفسه فنجح وكفى نفسه ذل السؤال.
أما الإجراء الواجب على من لم يصب بمثل هذه الكوارث فيتمثل فى أمور منها:
1-أن يحس الناس بالمأساة التى وقعت لمن يشاركهم فى الإنسانية، وأن يتقدموا بعمل ما يمكنهم لتخفيف المأساة، ذلك أن الدين -إلى جانب الفطرة السليمة -يأبى أن يكون الإنسان - فضلا عن المؤمن - قاسى القلب جامد العاطفة، لا يعرف إلا نفسًه ولا تهمه إلا مصلحته، ففى الحديث "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " رواه الحاكم والطبرانى بسند يقبل فى فضائل الأعمال. ويوضح الدافع إلى هذا التحرك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " رواه البخارى ومسلم.
2 - أن يقوم بالحد الأدنى فى المشاركة الوجدانية فيعزى المصاب ويسليه ولو بكلمات تخفف وقع المصيبة على نفسه، وأن يدعو القادرين على مساعدته إن لم يستطع هو فالدال على الخير كفاعله، والله يذم قساة القلوب الذين ينسون المساءلة يوم القيامة فيقول: {أرأيت الذى يكذِّب بالدين. فذلك الذى يدع اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين} الماعون: 1 -3.
3- أن يقدم له مواساة عينية بقدر المستطاع، وقد حثت نصوص القرآن والسنة على هذه المواساة، يكفى منها قول النبى صلى الله عليه وسلم: " من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه " رواه البخارى ومسلم ويحذر أشد التحذير من البخل بهذه المعونة فيقول "ليس منا من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم " رواه الطبرانى بإسناد حسن.
4 -أن يقوم بواجب المواساة والمعونة كل قادر على ذلك، على مستوى الأفراد والجماعات والمسئولين فى الدولة، بل تشارك فى ذلك الدول الأخرى، وبخاصة إذا كان الخطب جسيما لا يواجه إلا بجهد جماعى على نطاق واسع، والله سبحانه وتعالى يقول: {وتعاونوا على البر والتقوى} المائدة: 3.
وفى الحديث " يدُ الله مع الجماعة " رواه الترمذى وحسنه.
وقد روى مسلم فى صحيحه أن جماعة بؤساء من مُضر وفدوا على النبى صلى الله عليه وسلم فتغير وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فخطب فى الناس وحثهم على معونتهم، فجمعوا شيئا كثيرا سر به النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى من مسارعتهم إلى الخير، وقال: " من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجر، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ".
وقد جعل الإسلام فى بيت المال نصيبا لأمثال هؤلاء المحتاجين، وخوَّل لولى الأمر أن يفرض ما يواجه به هذه الكوارث إن ضاقت الموارد، بل له أن يفرض التقشف عن الكماليات لمواجهة الضروريات، كما حرَّم عمر رضى الله عنه على نفسه أكل اللحم عام المجاعة، وعاقب من يقبلون عليه من أهل اليسار ليشاركوا الفقراء محنتهم، ويساعدوهم بما يفيض عن حاجتهم وفى ظل المعنى الإنسانى وواجب الراعى نحو الرعية تتوارى المعانى الأخرى التى تفرق بين الجماعة كعامل الدين، فالله يقول فى مساعدة أسماء بنت أبى بكر لأمها المشركة حين وفدت عليها {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة: 8.
ورأى عمر يهوديا كبيرا يتسول ففرض له فى بيت المال ما يكفيه قائلا:
ظلمناك إذ أخذنا منك فى شبيبتك، وضيعناك فى شيبتك.
وفى الكوارث الفادحة التى تتقدم فيها الجماعات والدول بالمعونة، انطلاقا من المعانى الإنسانية أو تطبيقا لاتفاقات دولية ونحوها، يتقدم كل بما يمكن من أنواع المساعدة مع الاهتمام بما هو أشد احتياجا، من طعام أوكساء، أو دواء ونحو ذلك.
ثانيا: فى الكوارث البشرية:
هناك إجراءان لمواجهة الكوارث التى يتدخل فيها الإنسان، أحدهما وقائى، والثانى علاجى.
ففى الإجراء الوقائى:
هناك تحذير عام من التورط فيما يعود على الإنسان بالضرر، سواء أكان هذا الضرر خاصا به، أو متعديا إلى غيره، فالله تعالى يقول: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} البقرة: 195، ويقول {يا أيها الذين اَمنوا خذوا حذركم} النساء: 71، وفى الحديث " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه.
1 -ففى مجال الحروب دعا الإسلام إلى السلم والأمان فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} البقرة: 208 وحبب فى الصلح قبل أن تقوم الحرب فقال: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} الأنفال: 61.
وأكد على الموافقة على الصلح حتى لو كانت نية الطرف الاَخر سيئة، ولكن يجب الحذر والاحتياط لمواجهة احتمال الغدر والخيانة، فقال: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين} الأنفال: 62، مع قوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} الأنفال: 60.
ومنع الإسلام البدء بالحرب، وجعلها لرد العدوان، مع الاقتصار على الحد الأدنى من الخسائر الكافية للرد، فقال تعالى: {وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} البقرة: 195، ومن أجل الحيلولة دون وقوع الحرب شرع الإسلام إنذار من تبدر منهم بوادر الغدر فقال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} الأنفال: 58.
وشرعت المرابطة فى الثغور لحماية الحدود، مع بث العيون والجواسيس لمعرفة أحوال العدو، والتوصية فى الحرب بعدم قتل من لم يشترك فيها من أمثال النساء والأطفال والشيوخ الكبار، وعدم تخريب العامر، أو القتال بما يعم به التدمير من الأسلحة المتنوعة- والتطور الحديث تنفس عن كثير منها -وحكمة التشريع لهذه الأخلاقيات والآداب الحربية اعتبار أن الحرب ضرورة تقدر بقدرها، لا يرتكب فيها إلا ما يتحقق به النصر، لأن هذا هو ما يحب أن يعامل به من يعتدى عليه، والأيام دول، والواجب الدينى يقتضى أن يحب الإنسان لغيره ما يحبه لنفسه كما ثبت فى الحديث.
2-وفى مجال الحريق كان من هدى الإسلام فى الوقاية منه الأمر بعدم ترك المصباح مضاء فى البيت عند النوم، حتى لا يعبث به فأر أو غيره فينشأ عن ذلك حريق، وسيأتى النص بعد. وهو صورة لما ينبغى اتخاذه فى أيامنا هذه من الاطمئنان على التوصيلات الكهربائية فى البيوت والمصانع والمؤسسات المختلفة وفى حديث البخارى ومسلم " إن هذه النار عدو لكم فإن نمتم فأطفئوها ".
3-وفى مجال تلوث البيئة وما ينتج عنه من أمراض نرى للإسلام باعا طويلا لا يمكن فى هذا الحيز الضيق أن نورده كله أو أكثره، ولكن نكتفى بنماذج منه.
(أ) فالدين حث على النظافة فى كل شىء مادى ومعنوى، دينى ودنيوى، وجعلها شرطا لصحة أداء العبادات التى يتقرب بها إلى الله، كالوضوء الذى تغسل به الأعضاء المعرضة للتلوث، مع المبالغة فى تنظيف مداخل الأكل والشرب والتنفس، بالمضمضة والسواك، والاستنشاق والاستنثار أى إخراج ما فى الأنف مما يلوث مجرى النفس، وكالغسل الذى فرضه لموجبات معينة تحصل به النظافة ويجدد نشاط الجسم، وجعله سنة عند الاجتماعات كصلاة الجمعة والعيدين. ومواطن متعددة فى الحج الذى تكثر فيه الرخام، مع ما يتبع هذه الطهارة من الزينة والرائحة الطيبة المسموح بها.
ب -وفى المقابل نهى عن كل ما يتنافى مع النظافة، فحرم البول والغائط فى موارد المياه وقارعة الطريق ومواضع الظل، أى الأماكن التى يكثر تردد الناس عليها لحاجتهم إليها، وقال فى ذلك الحديث الذى رواه مسلم "اتقوا اللاعنين "قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: " الذى يتخلى فى طرق الناس أوفى ظلهم " واللاعنان أى الأمران اللذان يجلبان اللعن والشتم، والتخلى هو التبول والتبرز. وجاء فى رواية أبى داود وأحمد أن الملاعن ثلاثة، فزادت على رواية مسلم موارد المياه ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال فى الماء الراكد كما رواه مسلم، بل نهى أن يبال فى الماء الجارى كما رواه الطبرانى بإسناد جيد. أين من هذا مخلفات المصانع والبيوت؟ ونهى عن البصق فى الأماكن العامة التى يكثر فيها اجتماع الناس، ومنها المساجد، وقد كانت فى أيام الرسول تفرش بالحصى والرمل. ففى حديث رواه البخارى ومسلم "البصاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ".
كما نهى عن مضايقة الناس بالروائح الكريهة، وبخاصة فى أماكن الاجتماعات، ففى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم " من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا-أو فليعتزل مساجدنا- وليقعد فى بيته ".
وجاء فى بعض الروايات النهى عن الكراث والفجل، ويقاس على ذلك كل ذى ريح كريه ومنه التدخين. وقال عمر بن الخطاب فى خطبة الجمعة، كما رواه مسلم وغيره: عن البصل والثوم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل فى المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع. وهو مقبرة المدينة.
ج - وفى مجال الوقاية من الأمراض - إلى جانب ما ذكر-أمر الإسلام بالاعتدال فى الأكل والشرب، فقال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} الأعراف: 31.
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما ملا ابن اَدم وعاء شرا من بطنه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ".. . رواه الترمذى وقال: حسن.
وحرم الإسلام أطعمة ومشروبات ضارة، كالميتة والدم ولحم الخنزير، والخمر وكل مسكر ومفتر والنصوص فى ذلك ثابتة فى القرآن والسنة، الآية 3 من سورة المائدة، والآية: 90 من السورة نفسها.
وحذر من التعرض للعدوى فقال صلى الله عليه وسلم: " فر من المجذوم فرارك من الأسد " رواه البخارى. وقال: " إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها " رواه البخارى ومسلم.
وفى وقاية الطعام والشراب من التلوث -إلى جانب استحباب غسل الأيدى قبل تناول الطعام وبعده - ورد الحديث الذى رواه مسلم " غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء - اربطوا فم القربة - وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا ويذكر اسم الله فليفعل، فإن الفويسقة-الفأرة- تضرم على أهل البيت بيتهم " وذلك بأن تجر الفتيلة إلى المتاع فيحرق وقد يراد بالشيطان الحشرات.
د - وفى مجال الوقاية من أخطار الطرق والمواصلات، حذر الإسلام من أى شىء يعوق حركة المرور أو يؤذى المارة أيا كان هذا الإيذاء-ومنه التبول والتبرز كما سبق فى حديث الملاعن، يقول النبى صلى الله عليه وسلم: " من اَذى المسلمين فى طرقهم وجبت عليه لعنتهم " رواه الطبرانى بإسناد حسن.
وفى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم "وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ".
وفى حديث رواه مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيت رجلا يتقلب فى الجنة-أى يتنعم بما فيها-فى شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذى المسلمين ".
وفى هذا الإطار أثر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: والله لو علمت. أن دابة عثرت فى أرض العراق لوجدتنى مسئولا عنها أمام الله لِمَ لم أمهد لها الطريق.
ومن أجل سلامة المارة نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التزاحم والسرعة فى الأماكن الضيقة، وأوقات الذروة-كما يقال بلغة العصر-وذلك عند الإفاضة من عرفات وعند تقبيل الحجر الأسود، فقد روى أحمد والطبرانى والبيهقى بإسناد حسن أن الرسول عندما فاض من عرفة سمع وراءه زجرا شديدا وضربا وصوتا للإبل فأشار بسوطه وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع " والإيضاغ هو الإسراع. وروى الشافعى فى سننه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضى الله عنه:
"يا أبا حفص، إنك رجل قوى، فلا تزاحم الناس على الركن - وهو الذى فيه الحجر الأسود - فإنك تؤذى الضعيف ".
هـ -ومن الوقاية من الأضرار عامة جاء الأمر بقتل الحشرات والحيوانات المؤذية، وأمر الرسول بحماية الأطفال من الخروج ليلا إلى الطرقات حيث تسبح الحشرات المؤذية، كما أمر عند خوض المعركة استعمال الأدوات الواقية، كالدرع والخوذة، ومن ذلك توفير الأمن من للحريق فى المصانع وغيرها بإعداد أدوات الإطفاء.
هذه بعض الصور التى جاء بها الدين من أجل الوقاية من الأخطار التى يتسبب فيها الإنسان.
الإجراء العلاجى:
وإذا نشبت الحرب أو شب الحريق أو حدث التلوث، كان العلاج فى مجالين أو فى حالتين، الأولى حالة وقوع الخطر، والثانية بعد وقوعه وانتهائه.
إن الحالة الثانية هى نتائج وآثار، وعلاجها يكون على النحو الذى تعالج به الكوارث الطبيعية، وقد تقدم ذلك.
أما فى الحالة الأولى فيعالج الخطر بالتدخل السريع لإيقاف الحرب وإخماد النار ومنع التلوث، فالسكوت رضا، والرضا بالخطر مشاركة فيه وفى تبعاته، وقد مر حديث "من لم يهتم بأمر المسلمينِ فليس منهم "، كما أن السكوت معاونة على تمادى الضرر ومدرجة إلى أن يصاب بها غير من باشرها، ومنهم الساكت السلبى الذى لا يبالى، والله يقول: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال: 25.
والحديث يشرح خطر السكوت على المنكر بوجه عام فيقول:
"مثل القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا-نستقى منه - ولم نؤذ من فوقنا.. فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا " رواه البخارى.
ومعنى " القائم فى حدود الله " المنكر لها القائم فى إزالتها ودفعها، والمراد بالحدود ما نهى الله عنه. ومعنى " استهموا " اقترعوا.
ويتأكد التدخل إذا طلبت النجدة، فمن حق المسلم على المسلم كما جاء فى الحديث " وإن استعان بك أعنته " أو " وإذا استنصرك فانصره " وفى الحديث " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: " ترده عن ظلمه فذلك نصر له " رواه البخارى، وفى التحذير من التقصير جاء قول النبى صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يخذل امرأ مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب فيه نصرته " رواه أبو داود.
وفى الحرب بالذات أمر الإسلام بالصلح بين المتخاصمين: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} الحجرات: 10.
ومن قبلها جاء قول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} الحجرات: 9.
والتدخل لمواجهة أمثال هذه الكوارث واجب على كل فرد وجماعة ودولة، ومن الخطأ كل الخطأ أن يتملص أحد من المسئولية ويلقيها على غيره، ويتأكد التدخل السريع فى هذه الحالات، كما تتأكد التضحية والإيثار، مع الإخلاص فى هذا التدخل والشعور بأنه يقدم خدمة لنفسه كما يؤديها لغيره، فالنتيجة الضارة يعانى منها الجميع بطريق مباشر أو غير مباشر.
وبعد:
فهذه بعض التصورات للخطة الدينية لمواجهة الكوارث، بينا فيها موقف الدين منها بقدر يسمح ببيان أهمية الروح الدينية فى معالجة الأحداث فى كل القطاعات، مؤكدين على وجوب الاعتماد على الروح الجماعية، التى يكون العمل على ضوئها مضاعف الأجر والثواب، وعلى الإيمان بأن قانون الأسبابب والمسببات لا بد أن يراعى فى كل الأنشطة وإن كان كل شىء يتم بقضاء الله وقدره " اعقلها وتوكل ".
والواجب هو غرس هذه المعانى فى النفوس بكل الوسائل الممكنة للتعليم والتربية، التى لا تقتصر على جهة معينة، بل يشترك فيها كل من يملك أى قدر من القدرة على نشرها وعلى التمرين على تطبيقها، مع الأخذ فى الاعتبار أهمية البيت فى هذا المجال، ففيه تغرس القيم وتطبق بشكل أقوى إن كان المشرفون عليه على مستوى من التعليم والتدين يتناسب مع خطورة تنشئة الأجيال وإعدادها للمستقل، كما لا يخفى دور المدرسة ومؤسسات التوجيه وبيوت العبادة فى هذا الواجب، والمهم أن تكون كلها متعاونة تسير فى خط واحد، لا يتخلف أحدها ولا يسير فى اتجاه مضاد، وإذا صدقت النية وخلص العمل هان الأمر وتحقق الغرض
(10/385)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:28 am

خواص العدد (7)

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نظرت فى القرآن والحديث فوجدت اهتماما بذكر العدد سبعة ومضاعفاته فهل هناك سر فى الاهتمام بهذا العدد؟

الجواب
تعرض ابن القيم فى كتابه "زاد المعاد فى هدى خير العباد" للعدد سبعة عند كلامه على حديث الصحيحين "من تصبح بسبع تمرات من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر " فقال: وأما خاصية السبع فإنها وقعت قدرا وشرطا، فخلق الله عز وجل السموات سبعا، والأرضين سبعا، والأيام سبعا، والإنسان كمل خلقه فى سبعة أطوار، وشرع الله لعباده الطواف سبعا، والسعى بين الصفا والمروة سبعا، ورمى الجمار سبعا سبعا، وتكبيرات العيدين سبعا فى الأولى، وقال صلى الله عليه وسلم "مروه بالصلاة لسبع " وإذا صار للغلام سبعُ سنين خير بين أبويه فى رواية، وفى رواية أخرى "أبوه أحق به من أمه " وفى ثالثة "أمه أحق به " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فى مرضه أن يصب عليه من سبع قرب، وسخَّر الله الريح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبى صلى الله عليه وسلم أن يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف، -أى سبع سنوات من الجدب -ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، والسنابل التى راَها صاحب يوسف سبعا، والسنين التى زرعوها سبعا وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا، ثم علَّق ابن القيم على ذلك بكلام يحتاج إلى نظر فقال:
فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معانى العدد كله وخواصه، فإن العدد شفع ووتر، والشفع أول وثان، والوتر كذلك، فهذه أربعة مراتب، شفع أول وثان، ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتب فى أقل من سبعة، وهى عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة. .
. إلى آخر ما قال: منوها بأن الأطباء من قدم اعتنوا بهذا العدد ثم انتهى إلى قوله: والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره فى تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى أو لغيره.
وبعد، فإنه لا يعلم أحد بالضبط الاعتناء بهذا العدد، ولعل الأيام تكشف سره، مع التحذير بألا تنتهز الفرصة للوصول إلى شىء يتنافى مع حقائق الدين، كما استغل عدد "19 " استغلالا سيئا لترويج أباطيل قال بها بعض المارقين عن الدين
(10/386)
________________________________________
السلام عند القدوم وعند الانصراف

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجب على من قام من مجلس أن يلقى السلام على الجالسين، وإذا غلب على ظنه أنه لن يرد عليه السلام احد هل يجوز له ألا يلقيه؟

الجواب
جاء فى كتاب الأذكار للنووى: إذا كان جالسا مع قوم ثم قام ليفارقهم فالسنة أن يسلم عليهم، ففى سنن أبى داود والترمذى وغيرهما بالأسانيد الجيدة عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله @ "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة" قال الترمذى: حديث حسن.
يقول النووى تعليقا على هذا الحديث ما مؤداه: ظاهر الحديث أنه يجب على الجماعة رد السلام على هذا الذى سلم عليهم وفارقهم، وقد قال الإمامان القاضى حسين وصاحبه ابو سعيد المتولى: إنه يستحب ولا يجب، لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف، وهذا كلامهما، وقد أنكر الإمام أبو بكر الشاشى الأخير من أصحابنا - أى الشافعية - وقال هذا فاسد، لأن السلام سنة عند الانصراف كما هو سنة عند الجلوس وفيه هذا الحديث وهذا الذى قاله الشاشى هو الصواب.
وفى الكتاب نفسه بعد هذا الفصل مباشرة قال النووى: إذا مر على واحد أو أكثر وغلب على ظنه أنه إذا سلم لا يرد عليه إما لتكبر الممرور عليه وإما لإهمال المار، وإما لغير ذلك فينبغى أن يسلم ولا يتركه لهذا الظن، فإن السلام مأمور به، والذى أمر به المار أن يسلم ولم يؤمر بأن يحصل الرد، مع أن الممرور عليه قد يخطئ الظن فيه ويرد.
ثم يقول النووى: وأما قول من لا تحقيق عنده: إن سلام المار سبب لحصول الإثم فى حق المرور عليه فهو جهالة ظاهرة وغباوة بينة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على من فعله جاهلا كونه منكرا وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه وتعريفنا له قبحه يكون سببا لإثمة كذا إذا لم يقلع عنه، ولا شك فى أننا لا نترك الإنكار بمثل هذا.
ثم يقول النووى: ويستحب لمن سلم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجه عليه الرد بشروطه فلم يرد أن يحلله من ذلك فيقول أبرأته من حقى فى رد السلام، أو جعلته فى حل منه، ونحو ذلك ويلفظ بهذا، فانه يسقط به حق هذا الآدمى.
ثم يروى حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم "من أجاب السلام فهو له، ومن لم يجب فليس منا" ويستحب لمن سلَّم على إنسان فلم يرد عليه أن يقول له بعبارة لطيفة: رد السلام واجب، فينبغى لك أن ترد علىَّ ليسقط عنك الفرض
(10/387)
________________________________________
الاستعانة بغير المسلمين فى الحرب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز لإنسان مسلم ودولة مسلمة أن تستعين بجيش غير مسلم لدفع غارات العدو؟

الجواب
دلت حوادث كثيرة على أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه استعانوا بغير المسلمين للدفاع عن النفس أو لتحقيق مصلحة مشروعة. ومن ذلك:
1 -إذن الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين فى مكة أن يهاجروا إلى الحبشة ليأمنوا على أنفسهم وعلى دينهم، وقال: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد.. . وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه " كما ذكره ابن إسحاق "الزرقانى على المواهب ج 1 ص 275) فهاجروا مرتين، وكانت الأولى فى رجب سنة خمس من النبوة.
وروى البخارى وغيره تفاصيل الهجرة الثانية (المرجع السابق ص 287 وما بعدها) .
2 -عندما عزم أبو بكر رضى الله عنه على الهجرة من مكة إلى الحبشة ووصل إلى مكان يسمى برك الغماد-بفتح الباء وكسرها مع سكون الراء، وبضم الغين وكسرها وفتحها-لقيه أحد مشركى مكة واسمه ابن الدغنة - بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون وبضم الدال والغين وتشديد النون - وقال له: مثلك يا أبا بكر لا يخرج، وعاد إلى مكة فى جواره بعد أن أعلن ذلك فى قريش وأخذ أبو بكر يعبد ربه فى مسجد فناء داره، يصلى ويقرأ القراَن، حتى أرغم الكفار ابن الدغنة على منع أبى بكر من قراءة القراَن حتى لا يفتن به الناس، فرد أبو بكر عليه جواره ورضى بجوار الله، كل ذلك والرسول يعلم وأقره عليه.
وأخرجه البخارى (المرجع السابق ص 288) .
3- لما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف وأراد دخول مكة قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فطلب الجوار من الأخنس بن شريق، ومن سهيل بن عمرو فامتنعا ورضى المطعم بن عدى أن يجيره، وحفظ الرسول له هذا الجميل؟ على الرغم من أنه مشرك وذكر ابن الجوزى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول للمشركين "من يؤوينى حتى أبلِّغ رسالة ربى"؟ (المرجع السابق ص 306) .
4 - استأجر الرسول فى الهجرة دليلا مشركا هو عبد الله بن أريقط ولم يعرف له إسلام حتى مات (المرجع السابق ص 239) .
ولم ينقل أن النبى صلى الله عليه وسلم أنكر على " أم سلمة" هجرتها وحدها من مكة إلى المدينة فى حماية عثمان بن طلحة وكان مشركا، وقد أثنت أم سلمة على أمانته وحسن صحبته.
5 -لما قدم الرسول المدينة كتب مع اليهود كتابا تحالفا فيه على حماية المدينة من العدو، وعلى التعاون على المصلحة العامة، وظل محترما هذا التحالف حتى نقضوه هم، على ما هو مذكور فى كتب السيرة.
6 -وافق الرسول على دخول "خزاعة" معه فى الحلف الذى أبرمه مع قريش عام الحديبية، وكانت خزاعة على شركها، ولما شكت إليه نقض "بكر " العهد وهى حليفة قريش، صمم على نصرة خزاعة وكان فتح مكة نتيجة لذلك سنة ثمان من الهجرة.
7 -خرج "قزمان " مع الصحابة يوم غزوة أُحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بنى عبد الدار حملة لواء المشركين، حتى قال الرسول "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر (نيل الأوطار ج 7 ص 237) وقيل إن قزمان كان من خيبر، وقيل غير ذلك.
8-استعان الرسول بيهود بنى قينقاع، ورضخ لهم من الغنيمة- والرضخ جزء من الغنيمة لا يساوى السهم المقرر للمجاهدين (نيل الأوطار ج 7 ص 236) قال النووى فى شرح صحيح مسلم (ج 12 ص 198) : أخذ طائفة من العلماء بحديث عدم الاستعانة على إطلاقه، وأخذ الشافعى وآخرون بحديث صفوان، أى جواز الاستعانة به - المشرك - إن كان حسن الرأى مع الحاجة إليه، وإلا فيكره، وإن أذن له وحضر يأخذ من الغنيمة بالإسهام عند الجمهور، وبالرضخ عند مالك.
9 - استعان الرسول بأسلحة صفوان بن أمية-وكان مشركا -حين خرج من مكة لغزو هوازن فى حُنين سنة ثمان من الهجرة كما ذكره العينى فى شرح البخارى (الزرقانى على المواهب ج 3 ص 6) وجاء فيه أنه خرج مع الرسول ثمانون من مشركى مكة بل أكثر من ذلك يطمعون فى الغنائم.
10 - وإلى جانب ما كان فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم استعان الخلفاء الراشدون ومن بعدهم بغير المسلمين فيما يحتاجون إليه، وبخاصة فى التنظيمات الجديدة مثل الدواوين والإدارات.
وإذا كان هناك نهى عن موالاة غير المسلمين وعن اتخاذ بطانة منهم، فذلك فيما يضر المسلمين، مع اتخاذ الحيطة والحذر، ومع جعل القيادة والرئاسة فى يد المسلمين، فذلك هو الوضع الطبيعى بين المستعين والمستعان به، وإلا كان الاستسلام الذى يتنافى مع قول الله تعالى: {ولن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا} النساء: 141، على ما قاله بعض المفسرين.
لكن يعكر على جواز الاستعانة بغير المسلمين فى الحرب وغيرها ما رواه مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذى تبعه عند خروجه من المدينة نحو بدر "ارجع فلن أستعين بمشرك " ثم تبعه فقال له "أتؤمن بالله ورسوله "؟ قال، نعم فقال له: "انطلق " يعنى تعال معنا (صحيح مسلم بشرح النووى ب 12ص 198، وفى رواية لأحمد: (إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين) .
وأجاب العلماء بأن هذا الحديث منسوخ بالحوادث التى جاءت بعد ذلك فى الاستعانة بهم، وهو الراجح، ورأى جماعة عدم النسخ وقالوا: محل جواز الاستعانة هو عند الحاجة أو الضرورة ولا تجوز فى غير ذلك.
والرسول ما كان فى بدر محتاجا إلى من يساعده. لأن خروجه لم يكن للحرب، بل لاعتراض قافلة قريش، ولذلك أخذ معه نحو ثلثمائة صحابى أو يزيدون قليلا، ولو كان يريد الحرب لأخذ كثيرا من آلاف المسلمين الذين تركهم فى المدينة.
من هنا نعلم أن استعانة الفرد أو الجماعة بغير المسلم للدفاع عنه لا مانع منها.
هذا، والخلاف فى الاستعانة فى الحرب بالمشركين إنما هو فى الاستعانة بهم على المشركين أما على المسلمين كالبغاة فلا يستعان بغير المسلم كما ذكره الماوردى فى "الأحكام السلطانية ص 60 " وابن قدامة فى المغنى "ج10 ص 456 " لكن لو قضت الضرورة التى لا يوجد فيها من يعين من المسلمين فلا مانع، لأن الضرورات تبيح المحظورات
(10/388)
________________________________________
عين الحسود

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف يكون الحسد بالعين، وما هو جزاء الشخص الحسود؟

الجواب
الحسد بالعين حقيقة أقر بها المنصفون من العلماء، وجاء فيها حديث مسلم " العين حق ولو كان شىء سابق القدر لسبقته العين ".
وحسد الإنسان غيره حرام لأنه ضرر، والإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار كما نص عليه الحديث وجاء فى رواية لمالك أن عامر بن ربيعة لما حسد سهل بن حنيف على جمال جسمه وكان يغتسل فأصابه اصطراب ولما عرف الرسول ذلك قال: "علام يقتل أحدكم أخاه ألا برَّكت "؟ أى دعوت له بالبركة.
فمن عرف بحسده وجب عليه العمل للتخلص منه عن طريق الإيمان بالله وجب الخير للناس والرضا بما قسم الله له، وأجاز بعض العلماء فيمن لا يستطيع التخلص من الحسد أن يحبس حتى يمنع شره عن الناس. "راجع ص 71 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى"
(10/389)
________________________________________
الحق والوعد فى فلسطين

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل لليهود حق تاريخى فى أرض فلسطين، وما حقيقة الوعد الإلهى الموجود حاليا فى التوراة بتحديد أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات، وهل يعتبر الاحتلال اليهودى لأرضى فلسطين من علامات الساعة؟

الجواب
من بلاد (أور) على مصب نهر الفرات وفى غضون القرن العشرين قبل الميلاد خرجت قبيلة سامية صغيرة من سلالة إبراهيم عليه السلام متجهة نحو الغرب تلتمس مراعى جديدة عبروا لها نهر الأردن فسموا بالعبرانيين وهم الذين نسميهم الآن اليهود، وأخذت تهيم على وجهها فى كل فج وانتهى بها المطاف إلى مصر وعاشت فى حماها أكثر من خمسة قرون، فلما اجتاح الهكسوس مصر استسلم لهم اليهود فتركوهم ينعمون بحياتهم، ولما طرد الهكسوس سيم اليهود ألوان العذاب على يد الفراعنة حتى أنقذهم الله على يد موسى، وعبر بهم البحر إلى التيه الذى استمروا فيه أربعين سنة ثم نزلوا فلسطين، ومعناها "أرض بلستو " وهى قبيلة صغيرة من أهل كريت استقرت على الشاطئ وكان يسكنها إذا ذاك جنس سامى هم الكنعانيون وأنشأوا مدنا منها (أورشليم) أى مدينة السلام ثم تقلبت الأحداث ببنى إسرائيل وكانت لهم أحداث مع الدول المجاورة.
والتاريخ يحكى-كما قص القرآن فى أوائل سورة الإسراء - أن الله أرسل عليهم حاكم بابل (بختنصَّر) فأذاقهم العذاب وأسر كثيرا منه، ثم عادوا بعد ذلك إلى بلادهم، ثم سلط الله عليهم ولاة الرومان فطردوهم وفر جماعة منهم إلى جزيرة العرب وهم الذين ناوءوا دعوة الإسلام ثم طهرت الجزيرة منهم وشردوا فى أكثر من مكان، وطردوا أكثر من مرة فى البلاد التى ينزلونها وذلك مسطر فى كتب التاريخ.
ولئن أقام بعضهم فى فلسطين مدة من الزمان فلن يمكن الله لهم منها ما داموا مفسدين، لأنه القائل: {وإن عدتم عدنا} .
وكلما زاد إفسادهم وظهر للعالم شرهم سيتخلون عنهم، وسيسلط الله عليهم من يطردهم مرة أخرى، ونرجو أن يكون ذلك على يد المسلمين إذا ما رجعوا إلى ربهم وشكروا نعمته واستغلوا خيراتهم لمصلحة الدين والوطن الإسلامى، فى وحدة جامعة ومحبة صادقة، وبخاصة بعد أن عرفوا نتيجة عدم المبالاة بالغير ونتيجة التفرق والتمزق.
لكن متى يكون ذلك؟ نرجو أن يكون قريبا إن شاء الله.
قال تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} الأعراف: 167.
وقوله تعالى: {ادخلوا الأرض المقدَّسة التى كتب الله لكم} المائدة: 21.
معنى الكتاب الفرض والالتزام، وذلك لتطهيرها من المفسدين وذلك لا يلزم منه أن تكون حقا لهم مكتسبا أبدا الآبدين،، وقيل معنى "كتب الله لكم " وعدكم إياها، والوعد لا يلزم منه أن يكون مؤبدا، وقيل إن وعد الله إياهم بها مرتبط بطاعتهم وتنفيذ أمر الله لهم بجهاد من فيها، وما داموا لم يطيعوا فلا حق لهم فى الوعد، وقيل غير ذلك.
والأرض المقدسة مختلف فى تحديدها فقيل: دمشق وفلسطين وأريحا وإيليا والأردن وغيرها.
وليس هناك نص قاطع يدل على أن احتلال اليهود لفلسطين من علامات الساعة وإن كان هناك حديث يدل على أن الساعة لا تقوم حتى يقاتل المسلمون اليهود فيختبئ اليهودى وراء الحجر والشجر فينادى: يا عبد الله أو يا مسلم هذا يهودى ورائى فاقتله رواه مسلم (شرح النووى ج 18 ص 45) .
" انظر مجلة منبر الإسلام عدد صفر 1418 "
(10/390)
________________________________________
حد الحرابة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو حد الحرابة وكيف ومتى يطبق؟

الجواب
حد الحرابة جاء فى قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتَّلوا أو يصلبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} المائدة: 33.
والحرابة بمعنى قطع الطريق تحصل بخروج جماعة مسلحة لإحداث الفوضى وسفك الدماء وسلب الأموال وهتك الأعراض وإهلاك الحرث والنسل، وكما تتحقق بخروج جماعة تتحقق بخروج فرد واحد له جبروته.
واشترط الفقهاء لعقوبة الحرابة أن يكون الشخص مكلفا يحمل سلاحا وفى مكان بعيد عن العمران وأن يجاهر بذلك، ويمكن أن يكون السلاح عصا أو حجرا وإذا كان الإرهاب داخل العمران مع إمكان الاستغاثة لم تكن حرابة عند بعض الفقهاء وألحقها بعضهم بالحرابة لعموم الآية ولأن الترويع موجود فى أى مكان ولو أخذ المال سرًّا كان سرقة، فالحرابة تقوم على المجاهرة وعدم الخوف.
ولو لم تتحقق هذه الشروط فى حد الحرابة أمكن للقاضى أن يحكم بالتعزير والتعزير عند أبى حنيفة قد يصل إلى القتل.
والعقوبات الموجودة فى الآية مرتبة، كل عقبة على قدر الجريمة فإن كان قتل مع أخذ مال فالعقوبة قتل وصلب وإن كان قتل بدون أخذ مال فالعقوبة القتل فقط، وإن كان أخذ مال دون قتل فالعقوبة تقطيع الأيدى والأرجل، وإذا كان إرهاب دون قتل ولا أخذ مال فالعقوبة النفى وقال مالك: العقوبة مخيرة وللقاضى أن يحكم بما يشاء فيها
(10/391)
________________________________________
الأخذ بالثأر

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
انتشرت عادة الأخذ بالثار فى كثير من البلاد، وتوارثتها الأجيال وانفردت بها بعيدا عن أعين المسئولين، فما حكم الدين فى ذلك؟

الجواب
حق الحياة من أقدس الحقوق إن لم يكن أقدسها، والاعتداء عليه بالقتل جريمة من أشد الجرائم نكرا، وأكبرها خطرا، فهو يؤدى إلى يتيتم الأطفال وترمل النساء وإشاعة الفوضى والاضطراب، وهو فى حقيقته تحدٍّ لشعور الجماعة وخروج على آداب الاجتماع، والحياة بدون احترام لحقوق المجتمع أشبه بحياة الحيوانات التى تسيرها غرائزها وتتصرف كيف يشاء هواها.
وقد أجمعت العقول السليمة واتفقت الأديان كلها على استنكار الاعتداء على حياة الغير بدون حق، قال تعالى عقب قصة اعتداء ولد آدم قابيل على أخيه هابيل {من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} المائدة: 32.
وفرضت عقوبة صارمة للمعتدين، وهى القصاص من القاتل جزاء وفاقا بما فعل، أو عوض يرضى به أهل القتيل.
والقصاص شريعة سماوية نزلت بها الكتب الأولى، قال تعالى فى شأن التوراة التى نزلت على موسى عليه السلام وكانت شريعة اليهود {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص.. .} المائدة: 45.
والعرب قبل الإسلام كانوا يتمسكون بمبدأ القصاص من القاتل، مبررين ذلك بقولهم: القتل أنفى للقتل، وقد حملهم على هذا الموقف ما طبعوا عليه من إباء الضيم وعدم الرضا بالهون، فكانوا يرون الاعتداء على الحيلة من أشد ما يجرح فيهم هذا الشعور، كما أنهم كانوا يباهون بعدد القبيلة، يفاخرون بالأولاد ويتكاثرون بالرجال ويرون الاعتداء على واحد منهم اعتداء على القبيلة كلها، يوهن قوتها ويضعف هيبتها بين القبائل الأخرى، فيهبون جميعا للأخذ بثأره، لا يكاد يتخلى عن ذلك إنسان حتى لا يوصم بالجبن الذى يرونه عارا ما بعده عار، ومن قولهم فى ذلك:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم * فى النائبات على ما قال برهانا واشتط العرب فتمسكوا بمبدأ الأخذ بالثأر، ولم يرض أكثرهم به بديلا من مال وغيره حتى خيلت لهم أوهامهم أن القتيل إذا لم يؤخذ بثأره وقف طائر على قبره يسمونه "الهامة" يظل يصيح بقوله: اسقونى اسقونى، ولا يسكت حتى يقتل القاتل، يشير إلى ذلك قول الزبرقان بن بدر:
يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتى * أضربك حتى تقول الهامة اسقونى (أدب الدنيا والدين ص 317) وكان من مظاهر شططهم فى ذلك القصاص من غير القاتل ما دامت تربطه به قرابة أو صلة معروفة، فالجريمة عندهم تتضامن فيها القبيلة كلها، وقد يزيدون فى شططهم فلا يرضون إلا بالقصاص بأكثر من القاتل، إظهارا لقوتهم وإرهابا لغيرهم، أو شدة تأثر بالفراغ الذى تركه ذو مكانة فيهم، يقول فى ذلك قائلهم:
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقد روى أن واحدا قتل آخر من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول وقالوا له: ماذا تريد؟ قال: أريد إحدى ثلاث، قالوا: وما هى؟ قال: إما أن تحيوا ولدى، وإما أن تملؤا دارى من نجوم السماء وإما تدفعوا لى جلة قومكم -أى عظماءهم -حتى أقتلهم، ثم لا أرى أخذت عوضا.
وكان من أثر هذا الشطط اضطراب الأمن وانحلال الروابط وتفكك العُرا، وإشاعة الفوضى وجموح التعصب، والاستعداد الدائم للحرب والتمرن على فنون القتال، والتكاثر باقتناء الخيل الجياد والسيوف البواتر والتغنى فى الأشعار بما يملكون من قوة وما يتصفون به من شجاعة وبأس وعزة، منصرفين بذلك عن الأخذ بأسباب الاستقرار والرخاء والتقدم، فلم يكن لهم شأن يذكر عند الأمم الأخرى قبل مجئ الإسلام.
جاء الإسلام فوضع العلاج الحاسم لهذا الداء الخطير، حيث حرم القتل بدون سبب مشروع كما حرمته الأديان الأخرى فقال سبحانه {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} النساء: 93، ووضع عقوبة للقتل حتى لو كان خطأ-مع أن الخطأ مبرر لرفع المساءلة-وجاء ذلك فى آية بدأها بعبارة توحى بأنه لا يتصور أن المؤمن يقتل أحدا، فقال {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلَّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} النساء: 92.
وأقر مبدأ القصاص من القاتل عند تعمد القتل الذى يدل على الاستهانة بالقيم وعدم احترام حقوق الجماعة قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} البقرة: 178، وبيَّن حكمة ذلك بقوله {ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون} البقرة: 179.
غير أن الإسلام وهو الدين الوسط جمع إلى مبدأ العدل مبدأ الرحمة فجعل بديلا للقصاص وهو الدية كما قال تعالى بعد قوله {والأنثى بالأنثى} فى الآية السابقة {فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} البقرة: 178، ورغَّب فى العفو عنه فى آيات كثيرة ووعد العافين أجرا عظيما قال تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} الشورى: 40.
وهو حين يقرر مبدأ القصاص من القاتل وضع ضمانات تحول دون استفحال خطره وانتشار ضرره، فنهى عن الإسراف فيه بقوله {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا} الإسراء: 33، ومن مظاهر هذا الإسراف قتل غير القاتل الذى ثبت إدانته، فحرم أن يؤخذ غيره بجريرته تطبيقا للمبدأ العام الذى جاء فى قوله تعالى {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولاتزر وازرة وزر أخرى} الأنعام:
164 كما حرم أن يقتل أكثر من القاتل، فذلك يؤدى إلى استمرار العداء وتجدد الحروب وتفاقم الضرر.
روى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما رأى عمه حمزة مقتولا ممثلا به فى غزوة أُحد حلف ليمثلن بسبعين من الكفار لشدة وقع الألم على نفسه، فنزل قوله تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} النحل: 126، فاختار الصبر وكفَّر عن يمينه.
ومن الإسراف فى القصاص - كما يراه كثير من أئمة الفقه - استيفاء ولى الدم حقه من القاتل دون الرجوع إلى أولى الأمر- السلطة الحاكمة - فلا يجوز أن يقوم به ولى القتيل ابتداء، بل لابد من تدخل السلطة، ذلك أن للجماعة حقا فى هذه الجريمة، والحاكم هو ممثل الجماعة الذى يستوفى لها حقها، وتقدير الجناية وتحقيق أركانها أمر يحتاج إلى دقة وضبط وفحص وتثبت لا يستطيع أن يقوم به ولى الدم وحده يقول القرطبى فى تفسيره "ج 2 ص 245" لا خلاف فى أن القصاص فى القتل لا يقومه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم فى إقامة القصاص وغيره من الحدود انتهى.
وقد سبق توضيح ذلك فى بعض الإجابات.
هذا هو موقف الإسلام من القصاص من القاتل، أو الأخذ بالثأر وهو لا يرضى أن يترك الناس تعاليمه ويعودوا إلى جاهليتهم الأولى.
الإسلام لا يرضى أن يخفى أولياء الدم أمر الجريمة عن المسئولين ليقتصوا بأنفسهم كما يشاءون، الإسلام لا يرضى أن يؤخذ البرى بذنب المسئ وأن تسيل الدماء بغير حق، الإسلام لا يرضى أن تعيش الأسر على أعصابها وتتعطل مصالحها وتكثر الفتن بينها، الإسلام لا يرضى ألا يتقبل العزاء فى القتيل حتى يثأر له، ولا أن تكون غاية المتعلم أن يتقن حمل السلاح ليثأر لشرف الأسرة، والإسلام لا يرضى عن هذا التقليد الجاهلى الممقوت الذى يعطِّل القوى ويصرف عن العمل الجاد، ويؤدى إلى الفساد والإفساد.
إن السب فى ذلك هو الجهل الذى لا يمحوه إلا العلم، والتعطل الذى لا يقضى عليه إلا العمل، والاستهانة بالقيم والقوانين التى لا يصلحها إلا التأديب الرادع، والتستر على المجرمين الذى لا يمنعه إلا إحكام الرقابة وتعاون الجهود.
فلنقف عند حدود الله حقنا للدماء وتمكينا للأمن، الذى هو من أكبر نعم الله على عباده، ففى ظله يحس الإنسان طعم الحياة، وينصرف إلى تكميل نفسه وتقوية مجتمعه، ويترك وراءه جيلا طيبا يتحمل الأمانة بصدق، ويكون ذكرى طيبة لا تنسى على مر العصور، قال تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} المائدة: 2، وقال {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال:25
(10/392)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:29 am

التيامن

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو السر فى أن السنة الشريفة تدعو إلا استعمال اليد اليمنى؟

الجواب
إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن فى كل شىء وأمر به المسلمين وحرص على تنفيذه، روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن فى تنعله وترجُّله وطهوره وفى شأنه كله.
وروى مسلم حديث "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله "قال الإمام النووى:
وقاعدة التشريع المستمرة استحباب البداءة باليمين فى كل ما كان من باب التكريم والتزين، وما كان من ضدها استحب فيه التياسر وأوجب الشيعة التيامن فى الوضوء.
وقد عرفت من الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن استعمال الشمال فى الأكل والشرب، لأن ذلك من عادة الشيطان، ويكره للإنسان أن يتشبه به، هذا وجه من وجوه حكمة المشروعية فى التيامن، نص عليها الحديث الشريف فيجب قبول هذه الحكمة، ويسن الأخذ بهذا التشريع، ولا يجوز الطعن فيه أو الاستنكاف منه، حتى لا يلحق الطاعن ما لحق الرجل الذى ورد فيه حديث مسلم، فقد أكل رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال له "كل بيمينك " قال لا استطيع، قال "لا استطعت ما منعه إلا الكبر" قال: فما رفعها إلى فيه، وقد عرفنا أن الرجل تكبر على توجيه الرسول ولم يكن به عذر يحول دون الامتثال، فدعا عليه الرسول عليه الصلاة والسلام
(10/393)
________________________________________
السراويل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل لبس النبى صلى الله عليه وسلم السراويل؟

الجواب
جاء فى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية للقسطلانى "ج 5 ص 43" أن العلماء اختلفوا: هل لبس النبى صلى الله عليه وسلم السراويل أم لا؟ فجزم بعضهم بأنه لم يلبسها، مستأنسين بما جزم به النووى فى ترجمة عثمان ابن عفان من كتابه "تهذيب الأسماء واللغات " أنه لم يلبسها فى جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله، مخافة أن تظهر عورته، ثم ذكر القسطلانى حديثا بسند ضعيف جدا أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشتراها من السوق، وأن أبا هريرة الذى كان يريد أن يحملها عنه قال أتلبس السراويل؟ فأجابه أنه يلبسها فى السفر والحضر وبالليل والنهار لأنه أمر بالستر ولم يجد أستر منها.
ثم ذكر أنه اشتراها من السوق، بسند صحيح عن أحمد وأصحاب السنن وذلك قبل الهجرة، وإذا صح أنه اشتراها فهل كان ليلبسها هو أو ليلبسها غيره؟ ذكر ابن القيم فى زاد المعاد أن الظاهر من شرائه لها أنه كان ليلبسها، ووافقه بعض العلماء على رأيه وخطأه آخرون. وإذا كان البخارى قد ترجم فى كتاب اللباس من صحيحه باب السراويل، فقد ذكر سؤال رجل مُحْرِم للنبى صلى الله عليه وسلم عما يلبس عند الإحرام فنهاه عن القميص والسراويل والعمائم والبرانس والخفاف، وهو لا يدل على أن النبى كان يلبسه، بل إن بعض الصحابة كانوا يلبسونه ونهى عن لبسه فى الإحرام.
ثم ذكر الزرقانى حديثا عن أبى هريرة مرفوعا رواه أبو نعيم أن إبراهيم الخليل أول من لبس السراويل. ولذا كان أول من يكسى يوم القيامة كما فى الصحيحين.
هذا ما قيل فى موضوع السراويل إذ ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم اشتراها قبل الهجرة فإنه لم ينه عنها لأن البعض كان يلبسها فى المدينة؟ ومنع من لبسها فى الإحرام لكن لبسه لها لم يثبت بطريق صحيح، وإذا كان عثمان بن عفان أو غيره لم يلبسها فليس معنى ذلك أنه اقتدى فيها بالنبى صلى الله عليه وسلم فقد كان يلبسها قبل إسلامه، وما دام لم يرد فيها منع عن لبسها فلبسها جائز استصحابا للأصل فى حل ما لم يرد فى تحريمه نص، أما كون الرسول لبسها أو لم يلبسها فلم يثبت فى ذلك شىء.
ولهذا لا يثار القول عن الاقتداء بالرسول فيه، والمسلمون يلبسونها من زمن طويل، ولم ينكر عليهم أحد ممن يعتد بإنكاره وأرى عدم الجدوى فى الكلام فى هذا الموضوع.
جاء فى غذاء الألباب "ج 2 ص 201" روى الإمام أحمد بسند جيد عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار. .. وجاء فيه فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون فقال "تسرولوا وأتزروا وخالفوا أهل الكتاب " وهو حديث حسن. ولا عبرة بتضعيف ابن حزم وابن الجوزى له. فى الصحيحين عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل للمحرم " وبهذا استدل الإمام أحمد على أنها كانت معروفة عندهم.
وذكر أن إبراهيم كان أول من لبس السراويل حين اشتكى إلى الله حياءه من رؤية الأرض لمذاكيره فهبط جبريل بخرقة من الجنة ففصلها جبريل سراويل وخاطتها سارة. ثم ذكر اختلاف العلماء هل لبسها النبى أو لا. فروى أنه لبسها كما لبسها إبراهيم وموسى، وروى عن غير واحد أنه أمر به. وذكر ابن الجوزى وأخرجه ابن حبان عن بريدة أن النجاشى كتب إلى الرسول، إنى قد زوجتك امرأة من قومك وهى على دينك أم حبيبة بنعت أبى سفان وأهديت لك هدية جامعة قميصا وسراويل وعطافا - طيلسان - وخفين ساذجين فتوضأ النبى ومسح عليهما. وأخرج ابن حبان عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدى برا من هجر إلى مكة فأتانا رسول الله فاشترى سراويل، وثم وازن يزن بالأجر، فقال "إذا وزنت فأرجح " وأخرجه أحمد أيضا من حديث مالك بن عميرة الأسدى.. .
قال فى الفتح: وما كان ليشتريه عبثا وإن كان غالب لبسه الإزار، وأخرج أبو يعلى والطبرانى فى الأوسط من حديث أبى هريرة: دخلت يوما السوق مع رسول الله فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم. . . وفيه فقلت يا رسول الله وإنك لتلبس السراويل؟ فأجابه أنه يلبسها فى السفر والحضر وبالليل والنهار، لأنه أمر بالستر ولم يجد أستر منها.
هذا، ولولا أن السؤال وُجِّه إلىَّ من بعض البلاد الإسلامية ما أطلت فى الإجابة عليه، ذلك أن الملابس تخضع لظروف كثيرة لا يمنع منها إلاَّ ما نُصَّ عليه فى المادة والشكل. ومشكلاتنا الضاغطة فى هذه الأيام أولى بالبحث فى إيجاد حَلٍّ لها حتى لا نتخلف عن الركب فى سيره الحثيث
(10/394)
________________________________________
حديث: فى غربة الإسلام

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نريد توضيح معنى غربة الإسلام فى مبدأ الدعوة وعودته غرييا فى آخر الزمان؟

الجواب
روى مسلم فى صحيحه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء " وفى رواية أخرى " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها" ومعنى يأرز ينضم ويجتمع، والمسجدان هما مسجد مكة، ومسجد المدينة، وفى جامع الترمذى فى الإيمان " إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل.
إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدى من سنتى" ومعنى ليعقلن يمتنعن كما تمتنع الأروية من روءس الجبال والأُروية-بضم الهمزة وسكون الراء وكسر الواو وتشديد الياء -هى الأنثى من الوعول. . . وهى خراف الجبال، وجمعها أراوى - على وزن أفاعيل - فإذا كثرت فهى الأروى - على وزن أفعل - على غير قياس كما ذكره الدميرى فى كتابه "حياه الحيوان الكبرى - أروية ". تخبر هذه الأحاديث عن غربة الإسلام فى أول تاريخه وآخره، وهو نهاية العالم، لأنه دين عام خالد يصلح لكل زمان ومكان. ولا ينسخه دين آخر إلى أن تقوم الساعة. " والغربة إما غربة فى الأشخاص وإما غربة فى المبادئ والمعنيان صحيحان، فقد بدأت الدعوة الإسلامية بمكة، وكان عدد المسلمين فيها قليلا وظل كذلك حوالى ثلاثة عشر عاما، وكان المسلمون بين مشركى مكة كالجالية الإسلامية فى دولة غير إسلامية، وبعد الهجرة بدأ عدد المسلمين يتكاثر وتتابع دخول الناس أفواجا فى الدين بعد فتح مكة، وما زال عددهم يزيد حتى تعدى اليوم ألف مليون من المسلمين لا تخلو منهم قارة من القارات أو دولة من الدول فى العالم كله. وفى آخر الزمان سيقل عددهم بسبب غزو الأفكار وكثرة الأراء والمذاهب المنحرفة وتحكم المادية فى النفوس وغلبة أهل البغى والفساد على البلاد الإسلامية.. . ومحاولة تقليل عددهم بالقتل أو التجويع أو بوسائل أخرى حتى يكون عددهم قليلا جدا بالنسبة إلى غيرهم من أصحاب الأديان والمذاهب الأخرى وبسبب تراخى المسلمين عن التمسك بدينهم لعدم فهمهم له فهما صحيحا يسايرون به ركب التطور، ولعدم غيرتهم عليه والقناعة به أمام المغريات أو الضواغط المحيطة بهم.
والغرباء فى أول الزمان وأخره لهم منزلة عالية عند الله لأنهم تمسكوا بدينهم ولم ينزلقوا كما انزلق غيرهم رغبا أو رهبا، وهو معنى "فطوبى للغرباء" أى العاقبة الطيبة لهم عند الله لأنهم فى شجاعتهم وقوتهم كالقابضين على الجمر، وفى إصلاحهم ما أفسده الناس من الدين أبطال مغاوير فى ميدان الجهاد، يعانون ويقاسون محتسبين أجرهم عند الله سبحانه.
وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الغرباء فى آخر الزمان بقوله "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله ".
هذا فى غربة الأشخاص، أما غربة المبادئ التى جاء بها الإسلام فواضحة، لأن أحمل مكة بالذات واجهوا الدعوة بعنف، لغرابة ما جاءت به فى عقيدة التوحيد والبعث بوجه خاص {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشىء عجاب} ص: 5، {إئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} الواقعة: 47، وكذلك كانت سائر المبادئ الأخلاقية والتنظيمية التى شملت كل قطاعات النشاط البشرى، موضع دهشة لمن يسمع عنها.
ثم موضع إعجاب وتقدير لمن تدبرها وآمن بها، لأنها حققت كرامة الإنسان وسعادته بما لم تحققه النظم والمبادئ الأخرى.
ونظرا لكثرة الحملات المسعورة ضد الإسلام الذى أنشأ أمة توحِّد الله وتسبِّح بحمده فى رقعة واسعة من الأرض فإن المبادئ الأخرى التى تمس جانبا واحدا من جوانب السعادة. وهو الجانب المادى فى العاجل قد جذبت بعوامل الإغراء ووسائل الدعاية أنظار الكثيرين من الناس وصرفتهم عن الجانب الروحى من السعادة، وصارت الدعوة إلى القيم الدينية والروحية غريبة وسط الدعوات الأخرى كما كانت غريبة حين جاء بها الإسلام منذ عدة قرون. والجهاد فى هذه الظروف جهاد يعتمد إلى حد كبير على شرح المبادئ الإسلامية بأسلوب يناسب العصر، ونشرها بكل وسيلة ممكنة لغزو الأفكار المضادة فى عقر دارها. لا يكتفى فيه بالدفاع المتراخى الذى لا يصمد أمام الأسلحة المدمرة بحدَّيها المادى والأدبى. . .
ومهما يكن من شىء فإن النصر سيكون للحق فى النهاية، لأن الله هو الحق، ولأن الإسلام دين الحق، والنصر إن لم يكن عاجلا فى الدنيا -كما ندعو إليه -فسيكون آجلا فى الآخرة كما نثق به، لأن ذلك مقتضى عدل الله سبحانه والإيمان بصدق وعده حيث، قال {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} الروم: 47، وقال {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز} الحج: 40، وقد تحقق النصر فى العصور الأولى لأن المسلمين نصروا دين الله بالتمسك به تمسكا صحيحا شاملا خالصا، وقرار الله باق وصادق إن حقق المسلمون اليوم نصر الدين تحقق نصر الله لهم {إن الله لا يخلف الميعاد} .
إن العدو متربص يخشى عودة الإسلام مرة أخرى دولة قوية، فهو يحاربه فى كل مكان وبكل سلاح،فلنتسلح بكل سلاح تنفس عنه الابتكار والتطور، دون جمود على الأساليب القديمة التى كانت تناسب عصرها، فلكل مقام مقال، ولكل ميدان سلاح وذلك كله فى ظل الإيمان بالله القوى الذى لا يغلب {وما النصر إلا من عند الله} آَل عمران: 126، {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} البقرة:
249
(10/395)
________________________________________
التعصب الدينى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يتحدث بعض الناس عن التعصب الدينى، فما هو هذا التعصب، وهل من التعصب تمسك الإنسان بدينه وحفاظه عليه؟

الجواب
إذا وجد بين الناس فرد أو جماعة أخذت نفسها بالتشدد فى تطبيق أحكام الإسلام فهى وما أخذت نفسها به فى سلوكها الخاص، ولكن نذكرهم بما فى الدين من سماحة ويسر، فقد صح فى الحديث الشريف "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا.. . " رواه البخارى، وفيه أيضا "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون " رواه مسلم. وسلوك هؤلاء - وإن كان شخصيًا- لا يخلو من تأثير على الغير الذى قد يعتقد أو يظن أن الإسلام هو بهذه الصورة التى عليها هؤلاء، فيرغب عنه وينصرف إلى غيره، أو يطبقه على مضض، لأن فيه ما لا طاقة له به من تكاليف.
أما فرض هؤلاء المتشددين سلوكهم على غيرهم فإن الإسلام يأباه وينفر منه، وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم نصح معاذا وزميله عند بعثهما إلى اليمن بقوله " يسِّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا" رواه مسلم. وقال "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" رواه البخارى ومسلم، واشتد النبى على معاذ لما أطال الصلاة بالناس وشكوه إليه فقال له "أفتان أنت يا معاذ" رواه البخارى ومسلم.
إن التعصب لرأى فى الدين ينشأ من سوء الفهم، فإن الفروع الفقهية التى هى مجال للتعصب فيها خلاف عند المجتهدين، أما الأصول فهى واضحة لا يكاد يجهلها أحد، والرأى الاجتهادى ليس تنزيلا من عند الله يلتزم، وليس هو صوابا دائما، بل هو عرضة للخطأ أو يحتمله وقد أثر عن الفقهاء الأولين قولهم: رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب.
والسلف الصالح -على الرغم من اختلاف رأيهم فى بعض المسائل الفرعية - كانوا إخوة متحابين، يقتدى بعضهم ببعض فى الصلاة، ويتزاورون ويتعاونون فى الخير، والتعصب للرأى هو فى حقيقته اتباع للهوى، والله يقول {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} الجاثية: 23، ويقول:
{ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون} الروم: 31، 32. والتعصب إذا كان بمعنى تمسك الإنسان بدينه وحرص، على أداء واجبه دون تفريط فيه تحت التأثير بإغراء أو تهديد. فهو أمر محمود، وهو مِنْ أخذ الدين بالقوة الذى يشير إليه قوله تعالى {خذوا ما آتيتاكم بقوة} البقرة: 63.
والحرص على أداء الواجب والتمسك بالدين لا يعنى كراهية المخالفين بصورة تؤدء، إلى النزاع والشقاق وإثارة الفتن. فالله يقول فى المخالفين للدين {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} التوبة: 7، ويقول: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة: 8، والنبى صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الأولى والآخرة " قالوا وكيف يا رسول الله؟ قال "الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد فليس بيننا نبى " رواه مسلم. وفى نزاع بين مسلم ويهودى قال: "لا تفضلونى بين أنبياء الله " رواه مسلم، وفى الحديث الشريف "ليس منا من دعا إلى عصبية" رواه مسلم. ومن التعصب المحمود ما يكون ضد الأعداء المحاربين، وعليه يحمل قوله تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} آل عمران: 28، وقوله {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم. . .} الجاثية: 22، وقوله {لا تتخذوا عدوّى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} الممتحنة: 1.
وأُحذِّر المتعصبين أن يخرج بهم تعصبهم إلى رمى غيرهم من المسلمين بالكفر جزافا، فإن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، كما ثبت فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم.
والخلاصة أن التشدد فى تطبيق الدين لا يقره الإسلام، فالله يقول {فاتقوا الله ما استطعتم} التغابن: 16، ويقول {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة: 185، والتعصب للرأى وفرضه على الغير ممنوع.
والتعصب للحق الذى لامراء فيه ممدوح، بشرط عدم الإضرار بالآخرين والمسئولون هم الذين يتولون إصلاح الخارجين على الحق. والتعصب للوطن ككل، والوقوف ضد المحاربين له واجب، والتعصب ضد الأنبياء ممنوع، وضد أتباعهم كذلك ممنوع ما داموا مسالمين
(10/396)
________________________________________
التسمية عند الذبح

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يشترط عند الذبح أن نسمِّى الله أو نذكره، وما هو الحكم لو نسينا ذلك؟

الجواب
قال الله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} المائدة: 4.
2 -وقال {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف} الحج: 36.
3 - وقال {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} الأنعام:
121.
4 -وقال {قل لا أجد فيما أوحى إلىَّ محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} الأنعام: 145.
5 - وقال النبى صلى الله عليه وسلم " إذا أرسلت كلبك المُعلَّم وذكرت اسم الله تعالى فكل، وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل، فأنت إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك " رواه البخارى ومسلم.
6 -وسألت السيدة عائشة رضى الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن قوما يأتوننا بلحوم فلا ندرى أسموا أم لم يسموا، فقال "سموا أنتم وكلوا" رواه البخارى.
فى الآية الأولى الأمر بذكر الله على الصيد، وفى الآية الثانية الأمر بذكر الله على البدن، وهى الهدى الذى يساق للذبح فى الحرم، وفى الآية الثالثة النهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، لأنه فسق وفى الآية الرابعة حرمة أكل الفسق الذى أهل لغير الله به، وفى الحديث الأول النهى عن الأكل من الصيد الذى لم يسم عليه، وفى الحديث التالى تسمية من يأكل على ما لا يدرى هل سمَّى الذابح عليه أو لم يسم.
إزاء هذه النصوص اختلف فقهاء المذاهب الأربعة فى حكم التسمية عند الذبح وعند الصيد.
1-فالحنفية قالوا إن التسمية واجبة ولو تركت عمدا لا تحل الذبيحة ولا الصيد، وإن تركت نسيانا حل الأكل منهما، واستدلوا بالآيتين الأولى والثانية الآمرتين بذكر اسم الله، وحملوا الأمر على الوجوب، بدليل النهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فى الآية الثالثة، ويؤكد أن النهى للتحريم وصفه بأنه فسق فى الآية نفسها. وكذلك تحريم الفسق فى الآية الرابعة ووصفه بأنه ما ذكر اسم غير الله عليه، ومثل ذكر اسم غير الله عدم ذكر اسم الله فالمحرم ما لم يذكر اسم الله عليه أصلا، أو ذكر اسم غيره.
وإنما تجاوزوا عن ترك التسمية نسيانا لأن الناسى للتسمية كالذاكر لها، مثل ذلك مثل نية الإمساك عن المفطرات فى الصيام. فلو تركها عمدا بطل صيامه، ولو تركها نسيانا لم يبطل، لكن يعترض على قولهم بحرمة الأكل مما لم يسم عليه بعدم تحريم النبى صلى الله عليه وسلم لذبائح الأعراب وأمر من يأكل بالتسمية فدل على أنها ليست شرطا فى الذبح، وردوا عليه بتعذر معرفة الذابح هل سمى أو لم يسم، ولعل سؤال السيدة عائشة عن ذلك يشعر بأن الأكل بدون تسمية الذابح حرام، ولو كان حلالا ما سألت النبى صلى الله عليه وسلم.
ب -والشافعية قالوا: إن التسمية عند الذبح والصيد ليست واجبة ولكنها سُنة، لو تركت عمدًا أو سهوا حل الأكل، والواجب هو عدم ذكر اسم غير الله، واستدلوا بالآية الرابعة التى وصف فيها بالفسق بأنه ما لهل لغير الله به، أى ذكر عليه اسم غير الله، وكذلك بقوله تعالى فى سوره المائدة {ذلكم فسق} بعد ذكر المحرمات ومنها {وما أهل لغير الله به} لكن يعترض عليهم بأن الله وصف بالفسق ما لم يذكو اسم الله عليه فى الآية الثالثة، وأجابوا بأن ما لم يذكر اسم الله عليه صادق بعدم ذكر اسمه أصلا، وبذكر اسم غيره، فيحمل المعنى الذى جاء فى نص واحد-إلى المعنى الذى جاء فى نصين.
واستدل الشافعية أيضا بقوله تعالى فى المحرمات المذكورة فى سورة المائدة:3 {وما أكل للسبع إلا ما ذكيتم} حيث علق حل الأكل على التذكية وهى الذبح ولم يشترط فيها التسمية، كما استدلوا بقوله تعالى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} المائدة: 5، حيث لم يشترط للحل التسمية باسم الله.
واستدلوا أيضا بحديث عائشة حيث لم يحكم النبى بحرمة اللحوم الواردة مع الناس لعدم ذكرهم اسم الله، وإنما ارشد من يأكل للتسمية، والأكل غير الذابح لا يقوم مقامه.
ثم أجاب الشافعية على الأمر بالتسمية الواردة فى النصوص بأنه للندب لا للوجوب، فخلاصة مذهبهم أن التسمية سنة لو تركت عمدًا أو سهوًا لا يحرم الأكل من المذبوح أو المصيد، وإنما المحرم ما ذكر اسم غير الله عليه.
ج -والمالكية عندهم قولان، أصحهما كمذهب الحنفية فى وجوب التسمية وعدم حل ما تركت التسمية عليه عمدا، وحل ما تركت التسمية عليه نسيانا، والقول الثانى كمذهب الشافعية فى أن ترك التسمية عمدا أو سهوا لا يحرم الذبيحة والمصيد.
د-والحنابلة قالوا بوجوب التسمية كالحنفية، وعدم حل ما تركت التسمية عليه عمدا أو جهلا، أما إن تركت سهوا فيحل الأكل.
وإليك بعض النصوص الفقهية فى الكتب الجامعة.
جاء فى"المجموع " للنووى ج 8 ص 41 (فرع) فى مذاهب العلماء فى التسمية على ذبح الأضحية وغيرها من الذبائح، وعلى إرسال الكلب والسهم وغيرهما إلى للصيد. مذهبنا - أى الشافعية- أنه سنة فى جميع ذلك، فإن تركها سهوا أو عمدا حلت الذبيحة ولا إثم عليه. قال العبدرى: وروى هذا عن ابن عباس وأبى هريرة وعطاء.
وقال أبو حنيفة: التسمية شرط مع الذكر دون النسيان، وهذا مذهب جماهير العلماء، وعن أصحاب مالك قولان، أصحهما كمذهب أبى حنيفة، والثانى كمذهبنا انتهى.
ويعلم من هذا النقل أن الجمهور يقول بوجوب التسمية وتركها نسيانا لا يضر، ومذهب الشافعية أيسر، فإنهم لا يحرمون إلا ما ذكر عليه اسم غير الله.
هذا، والكتابى - أى اليهودى والنصرانى - كالمسلم فى هذا الحكم، فلو ذكر اسما غير اسم الله حرمت ذبيحته لكن محله إذا تأسنا انه فعل ذلك، فإن لم نتأكد فلا حرمة فيما يذبحه.
أما الكافر الذى يجحد وجود الله، والمشرك الذى يشرك معه غيره فذبيحتهما حرام، وقد يقال: إن الله حكم على النصارى - وهم أهل الكتاب -بأنهم كفار، كما قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} المائدة: 72، وكما قال فى الآية التالية لها {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} والجواب أن الله استثناهم من الكفار فى حل ذبائحهم وحل الزواج من نسائهم. ولو قال النصرانى عند الذبح: باسم المسيح أو باسم الأب والابن والروح القدس، قال بعض العلماء: تحرم ذبيحته، وقال بعض آخر: تحل ذبيحته، لأن الله حين أحل طعام أهل الكتاب كان يعلم أنهم يقولون إنه المسيح ابن مريم وإنه ثالث ثلاثة، وقد يقولون ذلك عند الذبح، فهم مستثنون من الكفار والمشركين. قال بذلك عطاء والزهرى وربيعة والشعبى ومكحول وروى عن صحابيين هما أبو الدرداء وعبادة بن الصامت.
هذا هو حكم الكتابى الذي يدين بدين سماوى نزل به كتاب، أما الكافر الذى لا يؤمن بدين، أو المشرك الذى يجعل مع الله إلها آخر فإن ذبيحته حرام كما تقدم.
ومن هذا نعلم أن الذى يزور بلدًا غير إسلامى، أو يعيش فيه يجوز أن يأكل من اللحم الذى يقدم إليه إن كان هذا البلد يدين باليهودية أو النصرانية، ولا يجوز إن كان هذا البلد لا دينيًّا.
ومنه يعلم أيضا حكم اللحوم المستوردة من هذه البلاد إن كانت مذبوحة أو معلَّبة فيكتفى بما يكتب على غلافها أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية، والغالب أنها لا تستورد إلا بمعرفة مختصين مسلمين، وأن المصدِّرين يحاولون أن يكون الذبح حلالاً ليضمنوا تسويق منتجاتهم فيكون الذبح لمن يرى المسلمون حل ذبحه.
وإذا حدث غش فى الغلاف المكتوب وعلمنا حرم الأكل فإن لم نعلم فلا مانع من الأكل (راجع ص 268 من المجلد الأول من هذه الفتاوى)
(10/397)
________________________________________
التكاليف الشرعية تنظيم للحرية

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لماذا لا يتركنا الله أحرارا نعيش فى الدنيا كما نشاء، دون أن يكلفنا بأمور تحد من حريتنا وتجعلنا لا نحس بلذة الحياة؟

الجواب
ما دام صاحب هذا السؤال مؤمنا بالله، وليس من الكفار الذين لا يؤمنون بوجود إله ولا يدينون بدين، فإننا نقول له إضافة لما سبق فى صفحة 71 من المجلد السادس من هذه الفتاوى: إن الله سبحانه عندما خلق آدم أب البشر ليكون خليفة فى الأرض خلقه من الأرض نفسها لتسرى عليه طبيعتها وليتكيف معها. والأرض فيها متقابلات ومتناقضات، لما تحويه من عناصر مختلفة لكل منها خصائصها الذاتية التى قد تتغير عند اختلاط بعضها ببعض. بل قد يكون العنصر وحده فيه خير كبير، لكن مع اختلاطه بغيره قد يكون فيه شر مستطير.
وآدم المخلوق من عناصر مختلفة، نفخ الله فيه من روحه وميزه بالعقل الذى يسيطر على شهواته وميوله، وأمده بالوحى ليشد أزر عقله الذى قد يضعف أمام طغيان الشهوات، وقبل أن يسلمه زمام الأرض التى يعيش فيها أجرى عليه تجربة-مع تجاوز فى هذا التعبير- ليؤكد للملائكة أنه هو المخلوق الذى يطيع ويعصى ويؤمن ويكفر، ويتفاعل مع الأرض بكل ما فيها من متقابلات، وليس كالملائكة المخلوقين من نور، كلهم خير وطاعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فأسكنه هو وزوجته الجنة وأباح له التمتع بكل ما فيها من طيبات ما عدا شيئا واحدا هو شجرة معينة، فشاء الله بحكم طبيعة آدم أن يخالف أمر ربه، فأكل من الشجرة فظهرت صحة التجربة، وأهبطه الله إلى الأرض ليباشر مهمته التى خُلق من أجلها.
ولم يتركه الله وحده فى هذا العالم الجديد المخالف للعالم الذى كان يعيش فيه من قبل، فأمده بالوحى ليهتدى به، وأكد له أنه سينجح فى مهمته إذا اتبع هو وذريته هذا الوحى، وبالعكس إذا أعرض عنه سيعانى فى حياته معاناة شديدة وسيحاسبه على كل ما قدم من عمل عند عودته مرة ثانية إليه سبحانه، إلى العالم الباقى الخالد، بعد هذا العالم المؤقت الذى عاش فيه قليلا، قال تعالى {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى} طه:123، 124، وقال {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} الأعراف: 24، 25.
فالله سبحانه لم يترك لآدم الحرية ليفعل ما يشاء، بل قيَّدها ليميزه عن كل المخلوقات التى تتصرف تلقائيا بحكم تكوينها، وعن كل الحيوانات التى تشبه آدم فى كثير من خصائصها، وبيَّن له أن الذى يتبع هدى الله سيعيش سعيدا ويبعث سعيدا، وما دام هو مؤمنا بوجود الله وقدرته وفضله وبالمسئولية أمامه سيحاول أن يجاهد لينفذ أوامر الله.
معتقدا أنها كلها لمصلحته، وأن الله حكيم لا تصدر أفعاله إلا عن حكمة، ولا حاجة به أن يسأل ربه حين يكلَّفه بشىء لماذا كلفتنى به، فالعبد المطيع يسارع لتنفيذ أوامر سيده دون سؤال أو اعتراض.
ومع أن المفروض فى العبد ألا يسأل عن حكمة التكاليف التى كلِّف بها إلا أن الله سبحانه يعلم - بحكم طبيعة تكوين العبد، وبحكم تسلط الشيطان عليه ليغويه - أنه إذا عرف الحكمة من التشريع نشط للطاعة، أتبع فى كثير من الأحيان التكليف ببيان حكمته، وفى بعض الأحيان لا يذكرها امتحانا لقوة إيمانه وثقته بربه وحكمته فهو سبحانه لا يأمر إلا بالخير وإن جهل العبد حكمته، ولا ينهى إلا عن الشر وإن لم يدرك العبد سره، كما قال سبحانه {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} البقرة: 216.
إن حكمة الله فى التشريع إذا كانت مذكورة فللعقل أن يشرحها ويوضحها، وإن لم تكن مذكورة فلا مانع أن يستنبط العقل هذه الحكمة، والعقول فى كلا الأمرين تتفاوت، فلا ينبغى أن يكون هناك تعصب، ولا أن يتخذ ذلك دس علة للقياس فى غير المنصوص بوجه خاص.
هذا، والحكمة العامة للتشريع وهى كما ذكرنا من قبل سعادة الإنسان دنيا وأخرى تتلخص فى نقطتين أساسيتين، هما ربط المخلوق بالخالق، وإعداده لحمل الأمانة وتحقيق الخلافة فى الأرض ومن مظاهر النقطة الأولى الإيمان بالله واليوم الآخر والتوجه إليه بالعبادة والدعاء على ما يفيده قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} فقد ركز فى هذه الآية الثناء السابق عليها من أول الفاتحة والدعاء اللاحق لها فى آخرها وهو الهداية، ومن مظاهر النقطة الثانية الأخلاق الفردية والاجتماعية والتشريعات المختلفة فى المياسين الاقتصادية والثقافية والقضائية غيرها مما يضبط السلوك ويسد العلاقات ويوضح الحقوق والواجبات.
وعلى ضوء هذه الحكمة العامة يمكن توضيح الحكمة فى كل عبادة من العبادات
(10/398)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:30 am

الكذب الواجب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن الكذب قد يكون واجب؟

الجواب
من المعلوم أن الكذب حرام، ولا يجوز إلا فى حالات سبق توضيحها فى صفحة 605 من المجلد الأول من هذه الفتاوى. وجاء فى "الزواجر لابن حجر الهيثمى ج 2 ص 196 ح " أن الكذب قد يباح وقد يجب، والضابط -كما فى الإحياء-أن كل مقصود محمود يمس التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود، وواجب إن وجب تحصيل ذلك، كما لو رأى معصوما اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب لوجوب عصمته دم المعصوم. انتهى.
يعنى أن الإنسان الذى يعرف مكانا اختفى فيه شخص برى، وسأله ظالم يريد أن يقتله: هل تعلم مكان هذا الشخص؟ يجب أن يكذب ويقول: لا أعرف. لأن المحافظة على دم الإنسان المعصوم واجبة. فلا يتسبب فى قتله بإخبار الظالم عنه
(10/399)
________________________________________
خصام الأقارب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
حدث خصام بينى وبين بعضى أقاربى وذهبت لمصالحتهم فى يوم العيد فتجهموا فى وجهى، فهل أقاطعهم أم أحاول مصالحتهم مرة أخرى؟

الجواب
الخصام بين الناس منهى عنه فوق ثلاث ليال كما صح فى الحديث، وخير المتخاصمين من يبدأ بالصلح، والنهي شديد عن رفض الاعتذار عن الخصام، وجاء فى الحديث "من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره، لم يرد على الحوض " رواه الطبرانى فى الأوسط.
وأشد ما يكون الخصام سوءا إذا كان بين الأقارب لأن فيه معصية أخرى، هى قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم من الذنوب الكبيرة، والنصوص فيها كثيرة، ومن أجل هذا ينبغى أن يتحمل المسلم أكثر ما يتحمل إذا كانت المضايقات من أقاربه، ولا ينبغى أن يقابلهم بمثل إساءتهم خصاما وقطيعة، فالحديث فى هذه الحالة يؤكد عدم القطيعة.
ومما ورد فى النص على ذلك ما رواه الطبرانى وابن حبان فى صحيحه عن أبى ذر رضى الله عنه قال: أوصانى خليلى صلى الله عليه وسلم بخصال، وذكر منها: وأوصانى أن أصل رحمى وإن أدبرت. وما رواه البخارى وغيره "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذى إذا قطعت رحمه وصلها ".
ومن الحوادث التى تشبه ما جاء فى السؤال ما ذكره أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لى قرابة أصلهم ويقطعونى، وأحسن إليهم ويسيئون إلىَّ، وأحلم عليهم ويجهلون على، فقال " إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك " رواه مسلم. والمل هو الرماد الحار، وهو تشبيه ما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شىء على هذا المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم فى حقه وإلحاقهم الأذى به.
هكذا شرح النووى معنى الحديث، وأقول لصاحب السؤال:
استمر على صلة رحمك على الرغم من موقفهم منك، وادع الله لهم بالهداية كما دعا الرسول لأهل مكة، ولا تقصِّر فى حقهم، بل اجعل حبل الصلة ممدودا ولو بأقل ما يمكن. واقرأ قول الله تعالى: {ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} فصلت: 34، 35
(10/400)
________________________________________
عوض مجلس عرفى

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى المبالغ المالية التى تفرضها المجالس العرفية كنوع من الحقوق لبعض الأشخاص أثناء ففض النزاع بينهم، وهل هناك إثم على الشخص المحكوم له بالمال إذا قبله؟

الجواب
إذا حدث نزاع وتدخل فى فضه مجلس تحكيم وفرض على المتهم أو على المدان مبلغا معينا، وكان ذلك عرفا جاريا ووافق المتخاصمون عليه ورضوا به فلا مانع من أخذ هذا المبلغ، فالمؤمنون عند شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. وهذا الأمر ليس فيه تحريم حلال ولا تحليل حرام، فالأطراف متفقة على ذلك. وبخاصة إذا كانت نفوسهم سخية به، ويكفى إقرارهم بالقبول حتى لو كانت نفوسهم غير راضية أو مطمئنة فى وقتها، فقد تطمئن وترضى بعد التروى، والقاضى- ومثله الحكام فى المجلس - له الظاهر من أقوال المتخاصمين، والله يتولى السرائر وعليه فيجوز أخذ هذا المبلغ -كرد اعتبار كما يقال - ما دام العرف يقضى به، والعرف له اعتباره فى التشريع فيما لم ينص عليه بالتحديد ولم يخالف قاعدة شرعية
(10/401)
________________________________________
المرتد التائب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لو ارتد مسلم واستمر مدة على ردته ولم يقم عليه حد الردة، ثم عاد إلى الإسلام واستقام، هل تبطل أعماله التى عملها وقت إسلامه من صلاة وزكاة وصيام وحج ويجب عليه أن يقضيها، أو لا تبطل، وهل ما تركة من صلاة وصيام وقت ردته يجب عليه قضاؤه بعد توبته وعودته إلى الإسلام أو لا يجب؟

الجواب
إضافة إلى ما سبق فى ص 187 من المجلد الرابع من هذه الفتاوى أقول:
يقول الله سبحانه {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} الأنفال: 38،ويقول تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} البقرة: 217.
قال العلماء: هناك فرق بين الكافر الأصلى إذا أسلم وبين المرتد إذا تاب وعاد إلى الإسلام. فالأول يبدأ تكليفه من وقت إسلامه، ولا يكلف بالصلاة والصيام والعبادات التى لم يقم بها وقت كفره، بناء على أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، حيث لا تصح العبادة بدون نية وبدون إسلام. والآية الأولى تدل على ذلك "إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ".
والثانى وهو المرتد قال بعض العلماء ومنهم الشافعية: إذا عاد إلى الإسلام لم تبطل أعماله التى قام بها حين كان مسلما. فقد وقعت صحيحة، وبالتالى لا يكلف بقضائها والآية الثانية قيدت بطلان أعماله بالموت قبل العودة إلى الإسلام "فيمت وهو كافر " أما إذا مات وهو مسلم أى بعد توبته وعودته إلى الإسلام فالآية لا تنطبق عليه.
وقال بعضهم الآخر ومنهم المالكية: إن أعمال المرتد حبطت بمجرد ردته، وعليه أن يقضيها بعد إسلامه.
واستندوا إلى قوله تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} الزمر: 65، وهو خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد أمته "تفسير القرطبى ج 3 ص 48 ".
هذا هو الحكم بالنسبة إلى الأعمال التى صدرت منه أثناء إسلامه وقبل ردته. أما بالنسبة لأعماله فى فترة ردته قبل أن يسلم فقد جاء فى تفسير القرطبى"ج 7 ص 403 " قوله: فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات وأتلف أموالا فقيل: حكمه حكم الكافر الأصلى إذا أسلم لا يؤخذ بشىء مما أحدثه فى حال ارتداه، وقال الشافعى فى أحد قوليه: يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمى بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى. وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدمي لا يسقط، قال ابن العربى: وهو قول علمائنا، لأن الله مستغن عن حقه، والآدمى مفتقر إليه، ألا ترى أن حقوق الله عز وجل لا تجب على الصبى.
وتلزمه حقوق الآدميين: قالوا وقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} عام فى الحقوق لله تعالى
(10/402)
________________________________________
جوزة الطيب

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس: إن جوزة الطيب ليست حراما لأن الحكومة لا تمنع بيعها وتداولها. كما تمنع بيع الحشيش والمخدرات الأخرى، فهل هذا صحيح؟

الجواب
مبدئيا نقول: إن عمل أى إنسان بعد عصر التشريع لا يعتبر دليلا على الحكم الشرعى. وعصر التشريع هو المشار إليه بالحديث " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والترمذى وقال: حسن صحيح. وكثير من الحكومات فى البلاد الإسلامية تبيح إنتاج الخمر وبيعها وتعاطيها فى الوقت الذى تحرم فيه الحشيش والمخدرات الأخرى، وذلك لاعتبارات لا مجال لذكرها الآن.
وقد مر فى ص 305 - 309 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى بيان حكم المخدرات، وابن حجر الهيتمى المتوفى سنة 974 هجرية تحدث فى كتابه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " فى الجزء الأول منه "ص 212 " عات الحشيش والأفيون والبنج وجوزة الطيب وأشار إلى أن القات الذى يزرع باليمن ألَّف فيه كتابا عندما أرسل أهل اليمن إليه ثلاثة كتب، منها اثنان فى تحريمه وواحد فى حله، وحذَّر منه ولم يجزم وقال عن جوزة الطيب:
عندما حدث نزاع فيها بين أهل الحرمين ومصر واختلفتما الآراء فى حلها وحرمتها طرح هذا السؤال: هل قال أحد من الأئمة أو مقلِّديهم بتحريم أكل جوزة الطيب؟ ومحصل الجواب، كما صرح به شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، أنها مسكرة، وبالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة عليها، وقد وافق المالكية والشافعية والحنابلة على أنها مسكرة فتدخل تحت النص العام "كل مسكر خمر وكل خمر حرام " والحنفية على أنها إما مسكرة وإما مخدرة.
وكل ذلك إفساد للعقل، فهى حرام على كل حال انظر كتيب "المخدرات " لمحمد عبد المقصود ص 90
(10/403)
________________________________________
الزراعة بين الدين والدنيا

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قرأت فى بعض الأحاديث النهى عن الزراعة وفى بعضها التشجيع عليها، فكيف نوفق بين هذه الأحاديث؟

الجواب
تقدم القول فى صفحة " 546 " من المجلد الأول من هذه الفتاوى عن حديث النهى عن اتخاذ الضيعة، وهى كما قال ابن الأثير: ما يؤخذ منها معاش الرجل كالصناعة والتجارة والزراعة وغير ذلك. وبينَّا أن النهى عن ذلك محله إذا ألهى عن الدين وعن الآخرة.
وهذا ما تعرض له الحافظ ابن حجر فى فتح البارى "ج 5ص 6، 7" عند شرح حديث "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" قال: وفى الحديث فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة، وحمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين. فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى الدنيا" الحديث. قال القرطبى: يجمع بينه وبين حديث الباب -فضل الغرس -بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين. وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.
ثم أورد ابن حجر حديث أبى أمامة الباهلى [واسمه صُدَى بن عَجْلان] فى التحذير من احتراف الزراعة حين رأى آلة تحرث بها الأرض فقال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل " وفى رواية أبى نعيم "إلا أدخلوا على أنفسهم ذلاًّ لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة " وحمل ذلك على ما يلزمهم من حقوق الأرض التى تطالبهم بها الولاة، وكان العمل فى الأراضى أول ما افتتحت على أهل الذمة، فكان الصحابة يكرهون تعاطى ذلك - قال ابن التين: هذا من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث. وجمع بين ما ورد فى فضل الزراعة وفى ذمها بأن الذم إذا أدى إلى الذل، أو تضييع الواجب، أو فى وقت الجهاد حتى لا تشغل الزراعة عنه فيقوى العدو، بل يستعد بالتدرب على الفروسية، وعلى غيره إمداده بما يحتاج إليه.
والخلاصة أن الإنسان فى نشاطه لابد أن يعمل فى دنياه ما يساعده على أعمال البر، ولا ينسيه آخرته، والتنسيق واجب حتى لا يفرط فيما يحفظ عليه حياته ويقويه على عمل الخير ويدخره للآخرة، ولا يجوز فصل بعض النصوص عن بعضها الآخر، فقد يكون لكل نص سبب وظروف تختلف عن النص الآخر، وقد يكون الجمع بينها بتخصيص العام أو تقييد المطلق أو بغير ذلك مما بينه العلماء. وعدم مراعاة هذا المنهج يؤدى إلى نتائج خطيرة فى سوء الفهم وسوء التطبيق، وهو الانحراف الذى يسبب المتاعب للفرد والمجتمع، ويشوه صورة الدين عند من يكيدون للإسلام وأهله، وما أكثرهم فى هذه الأيام. فمن يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين. وسؤال أهل الذكر عند الجهل واجب. كما نص عليه القراَن الكريم وجاء به حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
راجع رسالة " الاكتساب فى الرزق المستطاب " لمحمد بن الحسن الشيبانى
(10/404)
________________________________________
دفع الصائل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى الحديث الشريف " من قُتل دون ماله فهو شهيد " فهل إذا هجم علىَّ لص ليسرق مالى فاستغثت وهرب عند حضور الناس فأطلقت عليه المسدس ومات فهل أكون آثما؟

الجواب
هذا الحديث رواه البخارى وغيره، وفيه إباحة الدفاع عن المال، ولكن هل يكون الدفاع بالقتل مطلقا أو له قيود؟ يقول النووى: فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلا أو كثيرا، وهو قول الجمهور وشذ من أوجبه. وقال بعض المالكية: لا يجوز - أى القتل - إذا طلب الشىء الخفيف. قال القرطبى- وهو مالكى المذهب - سبب الخلاف عندنا: هل الإذن فى ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق فى الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ وحكى ابن المنذر عن الشافعى قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه أو يستغيث فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة. لكن ليس له عمد قتله. قال ابن المنذر: والذى عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل. إلا كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه "فتح البارى ج 5ص 148 " روى مسلم من حديث أبى هريرة: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ قال "فلا تعطه " قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال "فاقتله " قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال "فأنت شهيد" قال أرأيت إن قتلته؟ قال "فهو فى النار" فهذا الحديث يبين أن لإنسان أن يدفع عن نفسه وماله ولا شىء عليه، فإنه إذا كان شهيدا إذا قتل فى ذلك فلا قود عليه ولا دية إذا كان هو القاتل.
وأقول لصاحب السؤال: ما دام اللص المعتدى هرب عند حضور الناس الذين استغاث بهم فلا يجوز له قتله، لأنه لم يقاتله بل كان مجردا من السلاح فى الظاهر وعليه فى هذه الحالة تبعات القتل.
يقول الخطيب فى كتابه "الإقناع ج 2 ص 242": ويدفع الصائل بالأخف فالأخف إن أمكن، فإن أمكن دفعه بكلام أو استغاثة حرم الدفع بالضرب، أو بضرب يد حرم بسوط أو بسوط حرم بعصا، أو بعصا حرم بقطع عضو، أو بقطع عضو حرم قتل، لأن ذلك جوز للضرورة.
ولا ضرورة فى الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل.
وفائدة هذا الترتيب أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها ضَمِنَ ويستثنى من الترتيب ما لو كان الصائل يندفع بالسوط والعصا والمصول عليه لا يجد إلا السيف فالصحيح أن له الضرب به، لأنه لا يمكنه الدفع إلا به، وليس بمقصر فى ترك استصحاب السوط ونحوه. وعلى هذا الترتيب إن أمكن المصول عليه هرب أو التجأ لحصن أو جماعة فالمذهب وجوبه وتحريم القتال، لأنه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، وما ذكر أسهل من غيره فلا يعدل إلى الأشد
(10/405)
________________________________________
الوعد والعهد

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك فرق بين الوعد والعهد، وهل يجب الوفاء بهما أو يندب؟

الجواب
جاء ذكر الوعد والعهد كثيرا فى القرآن والسنة. قال تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} النور: 55، وقال: {وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم} إبراهيم: 22، وقال {وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم} البقرة: 40، وقال {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} الإسراء: 34.
وقال صلى الله عليه وسلم آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " رواه البخارى ومسلم.
وقال " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " رواه البخارى ومسلم.
الوعد التزام بتحقيق شىء للغير سواء كان ذلك ابتداء من الشخص دون طلب من الغير أو كان بطلب منه، والعهد له معان متعددة فى اللغة، ومنه الوعد الموثق بالأيمان أو بغيرها، وقد يكون بمعنى الأمر والإلزام للغير كما قال تعالى {ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} يس: 60.
قال العلماء الوفاء بالعهد واجب، لخطورة الغدر به، أما الوفاء بالوعد فقيل بوجوبه وقيل بندبه، وقيل بندبه إن كان من طرف واحد، أى ابتداء من الشخص نفسه. وبوجوبه إن طلب من الغير.
قال ابن حجر فى " فتح البارى ج 5ص 342" قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به، مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به، وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرَّج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله. وقرأت بخط أبى رحمه الله فى إشكالات على "الأذكار للنووى " ولم يذكر جوابا عن الآية، يعنى قوله تعالى {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} الصف: 3، وحديث " آية المنافق. . . ".
قال: والدلالة للوجوب منها قوية، فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد؟ وينظر: هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أى يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك. انتهى ما نقلته عن فتح البارى.
والغزالى فى الإحياء "ج 3 ص 115" بعد أن ذكر نصوصا فى فضل الوفاء بالوعد قال: كان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول: إن شاء الله، وهو الأولى، وإذا فهم الجزم فى الوعد فلابد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازما على ألا يفى فهذا هو النفاق. وبعد ذكر خصال المنافق الواردة فى الحديث قال: هذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخلف، أو ترك الوفاء من غير عذر، أما من عزم على الوفاء فعنَّ له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغى أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يحترز من حقيقته، ولا ينبغى أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة حاجزة، وذكر حديثا يقول "ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل وفى نيته أن يفى" وفى لفظ آخر "إذا وعد الرجل أخاه وفى نيته أن يفى فلم يجد فلا إثم عليه " رواه أبو داود والترمذى وضعفه من حديث زيد بن أرقم باللفظ الثانى. انتهى.
من هذا نرى أن الوفاء بالعهد واجب. وأن الوفاء بالوعد واجب أو مندوب ما لم يكن فى نيته عدم الوفاء، فإن كان فى نيته عدم الوفاء كان خلفا للوعد ومن علامات النفاق
(10/406)
________________________________________
أفغانستان

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى القتال الدائر الآن بين المسلمين فى أفغانستان؟

الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه حرَّم العدوان بكل صوره وأشكاله، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه بل إن غير المسلمين لهم حرماتهم ما داموا مسالمين، ونهى عن كل ما يفرق بين الجماعة، ودعا إلى الصلح والرحمة والتعاون وكل الوسائل التى تقوى شوكة المسلمين، وتبعد عنهم أطماع الآخرين، والنصوص فى ذلك كثيرة.
وأفغانستان دولة مسلمة لها تاريخ مجيد وماض مشرق، ولكنها نكبت كما نكب غيرها من الدول الإسلامية بالاستعمار، وجاهدت ببسالة حتى استردت حريتها، وكان الواجب على المجاهدين أن يشكروا الله على النعمة فيوحدوا صفوفهم لإصلاح ما فسد ولتنمية بلادهم فى ظل الحرية والأمان ولكن الذى حدث أنهم تفرقوا وتقاتلوا من أجل الوصول إلى كرسى الحكم. والشعب يعانى بسبب هذا التنازع أضعاف ما كان يعانيه فى ظل الاستعمار وما ذلك إلا نتيجة للبعد عن تعاليم الدين الداعية إلى - إيثار الباقية على الفانية، والتضحية بالمصلحة الخاصة فى سبيل المصلحة العامة. وبخاصة فى هذه الظروف التى تتنمر فيها الذئاب للفتك بالضحايا الهزيلة المتناحرة وصدق الله العظيم إذ يقول {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} الأنعام: 65.
إن علاج هذه المشكلة موجود فى قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} الحجرات: 9.
وقد قام المسلمون الغيورون على الإسلام بتوجيه النصح للمتقاتلين حتى يصطلحوا فلم يستجيبوا، والخطوة التالية-كما تنص الآية-هى التدخل الفعلى لوقف القتال وذلك برد الفئة الباغية حتى ترضى بالصلح الذى يراعى العدل بين الطائفتين اللتين تزعم كل منهما أن لها الحق فى تولى السلطة وأنها الفئة المجنى عليها.
وهذه الخطوة-يحكم الأوضاع الحالية -يصعب القيام بها لأمور، من أهمها:
1 - أن الدول الإسلامية ليست لها رابطة واحدة تضم شملها وترعى مصالحها. فى شكل خلافة أو اتحاد أو جامعة أو ما شاكل ذلك من النظم الحديثة.
2 - أن هناك اتفاقات دولية، تمنع التدخل العسكرى بوجه خاص فى شئون أية دولة دون موافقتها، ومخالفة ذلك فيها خطورة كبيرة كما هو معروف.
وإذا كان التدخل العسكرى الذى تتضمنه الآية صعبا فلا يجوز السكوت والاستسلام لهذا الوضع. فالتراخى أو عدم المبالاة بما يحدث للمسلمين منهى عنه، وفيه مزيد ضعف يتيح الفرصة للعدو أن يتدخل لمصلحته هو لا لمصلحة المسلمين. والله يقول {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال: 25.
والحد الأدنى للتدخل الواجب على المسلمين هو مواصلة النصح بوقف القتال وعدم التشجيع على استمراره الذى يتم بوسائل يعرفها من يصطادون فى الماء العكر ولعل الله يهدى الجميع إلى سواء السبيل
(10/407)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:31 am

البوسنة والهرسك

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف يسكت المسلمون على ما يجرى فى البوسنة والهرسك من اضطهاد للمسلمين ومحاولة تصفيتهم؟

الجواب
من المعروف أن كراهية أوروبا بالذات للمسلمين كراهية تقليدية، والتاريخ لا ينسى طردهم من الأندلس التى كان لها الفضل فى نهضة أوروبا كما شهد المنصفون كما لا ينسى الحروب الصليبية ضد الإسلام والشرق، ولا ينسى حملات الشيوعيين وغيرهم ضد الأديان بوجه عام، وضد المسلمين بوجه خاص، ولا ينسى الاستعمار الذى تولى كبره دول أوروبا وأعلن كبار قادتها أن العقبة الكؤود فى طريق الاستعمار هو الإسلام بقراَنه وأزهره القائم على عراقة الدين ونشره فى كل مكان. والدول فى شبه جزيرة البلقان بالذات لا تنسى عظمة الخلافة العثمانية والوصول بفتوحاتها إلى حدود النمسا، ووجود كثير من المسلمين فى هذه المنطقة، ومن هذه العقدة كانت معاملتها للمسلمين فهى تريد تصفية قومياتهم ودولهم وطردهم من أوطانهم التى عاشوا فيها عدة قرون.
والعالم كله يشهد تواطؤ أوروبا وغيرها على المسلمين فى البوسنة والهرسك الذين يقاومون الأعداء للاحتفاظ بشخصيتهم الدينية وللاحتفاظ بحقوقهم التى تكفلها الأديان والأعراف والقوانين. وقد طال الأمد ولم تحل مشكلتهم، وهنا قامت الصيحات والتهبت المشاعر واحتدت العواطف من اجل مساعدتهم، وفى غمرة هذا الحماس الذى يؤكد اهتمام المسلمين بما يحدث لإخوانهم قد يغفل العقل وتنسى العقبات الموضوعة فى الطريق وتقدم اقتراحات لو نفذت لازداد الخطر لا على المستغيثين وحدهم بل أيضا على من يغيثون.
إن هناك معاهدات واتفاقات دولية تمنع تدخل أية دولة فى شئون دولة أخرى بدون موافقتها، بل بدون موافقة الأمم المتحدة، وبخاصة إذا كان التدخل عسكريا.
وإذا كان هذا التنظيم الدولى أمرا جديدا فإن الإسلام نفسه يقره تحت مظلة العدل والسلام واحترام الحقوق الإنسانية، وبيان ذلك:
أن الإسلام عندما أمر بهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة حفاظا على عقيدتهم نعى بشدة على المتخلفين عن الهجرة بدون عذر، فقال الله تعالى {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} النساء: 97، وبيَّن أن الولاية قد انقطعت بين من هاجروا ومن لم يهاجروا، لكن عند الاستعانة بهم تجب المعونة بشرط ألا يكون فيها نقض لمعاهدة مع الطرف الذى ألجأ غير المهاجرين إلى الاستغاثة بالمهاجرين قال تعالى {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا. وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} الأنفال: 72.
وقد حافظ الرسول صلى الله عليه وسلم على الوفاء بالعهود مع العدو فى هذه الصورة وغيرها فقد كان فى صلح الحديبية بين الرسول والمشركين من أهل مكة أن من أسلم منهم والتجأ إلى الرسول لا يقبله بل يرده إلى أهله، وأن من ارتد من المسلمين والتجأ إلى مكة لا يرد إلى المدينة. وبغض النظر عما أبداه بعض المسلمين نحو هذا الشرط مضى الرسول فى تنفيذه، فعندما أسلم فى مكة أبو جندل حبسه وقيده والده سهيل بن عمرو، فهرب من حبسه والتجأ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما يزال فى الحديبية، فلم يقبله ولكن قال له "اصبر واحتسب فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا ".
وعندما خرج أبو بصير من مكة مسلما وتوجه إلى المدينة لم يقبله الرسول صلى الله عليه وسلم وبين له أن الدين لا يصلح فيه الغدر كما فعل مع أبى جندل، ولم يرجع إلى مكة وأفلت ممن كانوا يتعقبونه، ثم رجا من الرسول أن يقبله فأبى وقال "ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد ينصره " فكوَّن مع أبى جندل وغيره من المسلمين الفارين من مكة جماعة اعترضت طريق القوافل التجارية لأهل مكة، فألحت قريش على النبى صلى الله عليه وسلم ليقبلهم فقبلهم.
[انظر الزرقانى على المواهب اللدنية "ج 2 ص 202" والمغنى لابن قدامة "ج 10 ص 525 "] .
وإذا كانت النصرة بالتدخل العسكرى والخروج على الاتفاقات الدولية صعبا بالنسبة للمسلمين فى البوسنة والهرسك وغيرهم فإن النصرة بالوسائل الأخرى المتاحة واجبة وذلك بمثل الإمداد بالغذاء والكساء والسلاح والدواء وإيواء المهاجرين وعلاج المرضى والنشاط الدبلوماسى وغير ذلك من الوسائل.
يقول القرطبى فى تفسيره "ج 8 ص 57" ما نصه: قوله تعالى {وإن استنصروكم فى الدين} يريد: إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من ارض الحرب عونكم بنفير-جيش أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم،إلا لم أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته.
ابن العربى - أى قال ابن العربى -: إلا أن يكونوا "أسراء" مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا فى استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق فى تركهم إخوانهم فى أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد. انتهى.
والخلاصة أن نصر المسلمين لإخوانهم فى البوسنة والهرسك وفى غير هذه البلاد مطلوب بالوسائل الممكنة التى لا تتعارض مع عهود ومواثيق واتفاقات دولية، وأنبه إلى وجوب الاهتمام فى المقام الأول بإصلاح حال المسلمين فيما بينهم جماعات ودولا حتى يكون هناك أثر لإصلاح حال المسلمين الذين يضطهدهم الأعداء فى بلاد غير إسلامية
(10/408)
________________________________________
شكر النعمة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد} فكيف يكون الشكر وما المراد بالكفر فى هذه الآية؟

الجواب
هذه الآية من سورة إبراهيم: 7، والشكر فى تحديد معناه وفى الصلة بينه وبين الحمد كلام كثير ذكره المفسرون، "القرطبى ج 1 ص 133، 397 "كما ذكره علماء الأخلاق والتصوف "إحياء علوم الدين ج 4 ص 69" ونختار هنا ما صححه القرطبى من قوله: الشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، والحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان.
وشكر أى إنسان على نعمة أسداها إليه الغير مطلوب لحديث رواه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم "من أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كفيتموه، وشكر الله سبحانه واجب لكثرة نعمه علينا كما قال سبحانه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} إبراهيم: 34، ومن ضمن شكر الله شكر الإنسان، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله كما فى حديث الترمذى وأبى داود.
وأسلوب الشكر لله أو مظاهره تكون بالقول والعمل القائمين على الإيمان به، عبَّر عنه بعضهم بقوله: استخدام نعم الله فيما خلقت له وعدم تعطيلها أو استخدامها فى معصية الله، وقد وعد الله الشاكرين بحفظ النعمة بل بزيادتها، زيادة مادية بكثرتها أو معنوية بالبركة فيها.
كما نهى الله عن الكفر أى عدم الاعتراف بالنعمة، ومنه ما جاء فى الحديث عن النساء من أنهن يكفرن العشير، إن أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك سوءا تقول: ما رأيت منك خيرا قط، والكفر بنعمة الله إما كفر به سبحانه وعدم الإيمان به، وإما عدم اعتراف بنعمه أو استخدامها فى معصيته. والعقاب عليه شديد كما نصت عليه الآية.
وعلى قمة الشاكرين لله الأنبياء والأولياء وعلى رأس هؤلاء جميعا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فعند قول الله تعالى {وقليل من عبادى الشكور} سبأ: 13، ذكر القرطبى حديثا رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطَّر قدماه، أى تتشقق، فقلت له: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" ولا ننسى فى هذا المقام قول سليمان عليه السلام لما جاء له عرش بلقيس ملكة سبأ {هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم} النمل: 40.
ومن الأحاديث التى تحذر من كفران النعمة ما رواه ابن أبى الدنيا والطبرانى وغيرهما عن عائشة مرفوعا، "ما عظمت نعمة الله عز وجل على عبد إلا اشتدت إليه مؤونة الناس. ومن لم يحمل تلك المؤونة للناس فقد عرَّض تلك النعمة للزوال " وما رواه الطبرانى بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعا "ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم فقد عرض تلك النعمة للزوال " وما رواه ابن أبى الدنيا والطبرانى فى الكبير والأوسط عن ابن عمر مرفوعا "إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم " ولو قيل بتحسين هذا الحديث لكان ممكنا. وقد جاء هذا الحديث أيضا بلفظ "إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس، يفرغ الناس إليهم فى حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله " ويمكن الرجوع فى هذه الأحاديث إلى "الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى ج 3 ص 162 وغيره من مراجع الحديث
(10/409)
________________________________________
من أساليب التبشير

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نرى أصحاب الأديان الأخرى يسلكون طرقا شتى لنشر دينهم لا ينتبه إليها المسلمون فهل يجوز أن نسلك فى دعوتنا إلى الإسلام مثل مسالكهم؟

الجواب
الدعوة إلى الدين وإلى كل عمل خيرى تحتاج إلى الأسلوب الصحيح القائم على دراسة علم النفس والنظريات التربوية ووسائلَ التأثير والإقناع، والتخطيط السليم لكل حركة تتخذ فى هذا المجال ويجمع ذلك كله كلمة "الحكمة" التى تقوم على وضع كل شىء فى موضعه {ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} البقرة: 269، يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن} النحل: 125.
وقد وضِّح علماء الإسلام معنى الحكمة فى الدعوة ووضعت كتب كثيرة فى بيان المنهج لنشر الدين وتعاليمه، أشرت إلى شىء من ذلك فى كتابى "الدين العالمى ومنهج الدعوة إليه " وكتابى "الدعوة الإسلامية دعوة عالمية".
والكتابات العربية والإسلامية فيها الكفاية للتعرف على ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن نستفيد من خبرات غيرنا فى هذا الميدان، ومبدأ الاستفادة مما عند الغير فيما هو مفيد مبدأ مسلَّم به، وتطبيقاته كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
ولقد عثرت على كتاب بعنوان "الغارة على العالم الإسلامى" لمؤلفه " ل:
شاتلييه " تحدث فيه عن خطط التبشير التى يوجد بعضها فى كتاب للقسيس "فليمينغ " الأمريكى فى الفصل الأول والثانى، ومما جاء فيه عن هذه الخطط ما يأتى:
1 -نشر اللغات الأوروبية، فعن طريقها يقرأ المسلمون أفكار الغرب فتهدم الفكرة الإسلامية التى لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها وهذا طريق غير مباشر لزحزحة العقيدة الإسلامية من نفوس المسلمين.
يقول: "شاتلييه، ولا شك أن إرساليات التبشير تعجز عن أن تزحزح العقيدة من نفوس المسلمين، ولا يتم لها ذلك إلا بتسرب الأفكار الغربية عن طريق اللغة، وهنا تقرأ الصحف وتمهد السبل لتقدم إسلامى مادى.
2 - يكتفون بانحلال الروح الدينية، ولا يطمعون مباشرة فى إحلال فكرة بدلها، فسيأتى ذلك حتما بعد الفراغ الروحى أو تخلخل العقيدة الأولى.
وعدم فرض العقيدة إلا بعد الاطمئنان على تهيؤ النفس لها، ومحاولة عدم النزاع مع المسلم.
3-خطتهم لها أساسان: الهدم والبناء، أو التحليل والتركيب.
4 - الظهور بمظهر الوحدة والتعاون بين البروتستانت والكاثوليك.
لأن عقلاء المسلمين يرون فى اختلافهم طعنا فى جهودهم، ولا يهتمون بأفكارهم الدينية، بل يقتصرون على اقتباس الحضارة والأفكار الأخرى.
5 - تخصيص مبشِّرين مناسبين للمسلمين، وآخرين للوثنيين.
6 -استعمال الموسيقى لأنها تطرب المسلمين، وإلقاء الخطب بأصوات رخيمة وبفصاحة.
7-تأسيس مصحات للقاء بالمرضى المسلمين، وملازمة المريض خصوصا عند الاحتضار كما أوصى "سمبسون " ومن وصية الدكتور "أراهارس " المبشر بطرابلس الشام أن الطبيب لا يجوز أن ينسى أنه مبشر أولا ثم طبيب ثانيا.
8-تعلم لهجات المسلمين، وذلك للتغلغل مع كل طبقاتهم ومستوياتهم.
9 -دراسة القرآن لمعرفة ما فيه والرد عليه أو نقده.
10 -مخاطبتهم على قدر عقولهم ورخامة الصوت وفصاحة اللسان.
11 - عدم تخلل الخطابة لكلمات أجنبية عنهم لا يفهمونها فلا تصل إليهم الأفكار كاملة، وقد تثير الشك فى نفوسهم،أو تصرفهم عنهم.
12 - أهمية اختيار الموضوعات التى يتحدثون فيها، بحيث تكون منتزعة من واقع ظروفهم. واستغلالها لبث الفكر المطلوب الذى يشد انتباههم، وحتى لا يكونوا فى واد وهم فى واد آخر.
13 - التنبه لموضع المناقشات فى آيات القراَن والإنجيل.
14 -الخبرة بالنفس الشرقية. والاعتماد على التشبيه والتمثيل ووسائل الإيضاح أكثر من المنطق الذى لا يعرفه الشرقيون.
15 -إنشاء مدرسة لتخريج المبشرين فى مصر، وهم يحمدون الله لتوفيقهم لاختيار مصر.
16 - الاهتمام بتجنيد النساء فى الطب، لعدم خوف المسلمين منهن كما يخافون من الرجال.
17 -عرقلة جهود الأزهر فى بعثة العلماء إلى أفريقيا، وتعليمه الوافدين والإنفاق عليهم وعودتهم إلى بلادهم ثانية، لأن الإسلام ينمو بلا انقطاع فى أفريقيا، ومن عرقلة جهوده فتح مدارس وجامعات لتعليم اللغة العربية والدراسة الإسلامية على منهجهم وبأفكارهم.
18 - الاهتمام بتربية مبشرين علمانيين من بين المسلمين لينصِّروا غيرهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أصحابها كما قال "زويمر" فى كتابه "العالم الإسلامى".
9 1 -رسم خطة لتنصير العالم كله فى 25 سنة " ص 235".
20 - التذرع بالصبر الطويل والثقة بالفوز.
21 - عمل صداقات واحتكاكات مع المسلمين، والظهور بمظهر المحب للخير لهم ولاستقلال لبلادهم، وعن طريق ذلك يكون الإعجاب بالفكرة التى تلقى عرضا.
22- التحدث إلى الشبان فى التاريخ والأخلاق والاجتماع بعيدا عن الدين، ليجذبوهم إليهم، لأن أية طريقة لها صبغة دينية مصيرها الفشل.
23 - الاهتمام بتأليف جمعيات للتقريب بين الطرفين لتنمية روح التفاهم الإنسانى.
24 - التجاوز عن بعض عادات المسلمين كتعدد الزوجات.
25 -الموازنة بين حياة الأمم النصرانية وأخلاقها، ومقابلها عند الأمم الإسلامية ليظهر ترجيح النصارى عليهم.
26 - ظهور المبشر بأخلاق طيبة، لأنه صورة للمسيح فيجذب المسلم إليه.
27 - نشر الإنجيل مترجما وكذلك الكتب الدينية، وفتح مكتبات للبيع بثمن زهيد، مع فرصة التحدث للمشترين.
هذا بعض ما نقلته من كتاب "الغارة على العالم الإسلامى" يمكن للدعاة المسلمين أن يستفيدوا منه فى إطار العقيدة والقيم الإسلامية.
وأكثر ما جاء من هذا التخطيط تشهد له النصوص وتقره فلسفة التربية.
وكتب عنه علماء الدين
(10/410)
________________________________________
الدين والسياسة

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يردد كثير من المعاصرين هذه المقولة: لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين، فما مدى صحة هذه المقولة؟

الجواب
إذا أردنا أن نعقد صلة بين أمرين فلابد من تحديد المراد من كل منهما تحديدا دقيقا، حتى يكون الاختلاف فى الحكم واردا على موضوع واحد، وقد بينا فى ص 114 من الجزء الأول من "بيان للناس " مفهوم الدين وما يراد به، وقلنا: إنه وضع إلهى شرع لإسعاد الناس فى معاشهم ومعادهم، أى فى دنياهم وأخراهم، وهو المراد بالهدى الذى نبه الله سبحانه آدم على أهميته حين أهبطه إلى الأرض ليكون خليفة فيها فقال {اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} طه: 123، 124.
وإسعاد الناس فى أخراهم يكون بما جاء فى قوله تعالى: {فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} آل عمران: 185، وإسعادهم فى دنياهم يكون بتوفية مطالبهم المادية والروحية، بحيث لا يضلون ولا يشقون.
ودين الإسلام هو خاتمة الأديان جميعا، فيه كل ما يحقق السعادة فى كل القطاعات، بما جاء به من عقيدة صحيحة ومن شريعة كاملة وافية {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة: 3، نظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبأسرته وبمجتمعه، ونظَم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الجماعات والدول، وذلك من كل النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية وغيرها، "انظر ص 452 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى".
والسياسة فى أصلها فن الإدارة والرعاية، وأطلقت عرفا على سياسة الحاكم لرعيته، عن طريق الأجهزة المختلفة، التشريعية منها والتنفيذية والقضائية وغيرها وما يستلزم ذلك من دستور وقوانين، ومجالس وإدارات وما إليها.
والدين الإسلامى فيه كل ذلك، وكتب الفقه العام عقدت أبوابا وفصولا لمعالجتها كلها. وهى مملوءة بالأدلة والنصوص والآراء الاجتهادية، بل وضعت كتب خاصة بنظام الحكم من أقدمها كتاب "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" للماوردى المتوفى سنة 450 هـ و"الأحكام السلطانية" للقاضى أبى يعلى الفراء الحنبلى، و "السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والراعية" لابن تيمية، والدولة الإسلامية قامت على أساس هذا الدين بنظامه الشامل لأمور الدنيا والآخرة على السواء، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مبلّغا للوحى ومشرعا وإماما فى الصلاة وقاضيا بين الناس وقائدا للجيش، والخلفاء من بعده كانوا كذلك، وسار الحكام على هذه السياسة بأنفسهم أو بمن ينوبون عنهم، وبهذا التكامل فى التشريع والدقة فى التطبيق كانوا أعظم دولة خطبت ودها الدول الأخرى، وقبست من علومها وحضارتها ما طورت به حياتها حتى بلغت شأوا بعيدا فى القوة.
ذلك كله فى الوقت الذى لم يقم فيه دين غير الإسلام بما قام به من تطور ونهوض، لما توارثه أهل هذه الأديان من فصل بين الدين والسياسة، وإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ومن احتكار بعض رجالها لسلطة التشريع، ورقابة التنفيذ بما لا يخرج عن سائرة الكتاب المقدس، الذى يرغب فى الزهد والانزواء عن الدنيا، الأمر الذى جعل بعض المتحررين المتأثرين بثقافة المسلمين وحضارتهم يثورون على الأوضاع التى يعيشون فى ظلها مقيدة أفكارهم مغلولة أيديهم، فكانت النهضة التى فصلت الدين عن الدولة، وانطلقت أوروبا إلى العالم الواسع تصول فيه وتجول بحرية كاملة فى كل الميادين وسيطر عليها هذا الشعار "لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة" ونقله بعض الشرقيين إلى بلادهم، وحاولوا أن يطبقوه لينهضوا كما نهض هؤلاء، على جهل منهم، بأن هذا الشعار أملته ظروف من نادوا به، والجو الدينى الذى كانوا يعيشون فيه، وعدم إسعاف تشريعاتهم الدينية بتحقيق سعادتهم، وكذلك على جهل ممن قلدوهم بأن الدين الإسلامى ليس كالدين الذى ثاروا عليه، قاصرا عن الوفاء بمطالبهم بل هو دين كامل التشريع مثالى فى كل ما وضعه من قوانين لإسعاد الناس من دنياهم وأخراهم.
ومن هنا سمعنا هذه المقولة "لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة" يرددها كثير من الكُتَّاب والساسة والمنادين بالإصلاح. وهو شعار لا يصلح فى المجتمعات التى تدين بالإسلام وقد قرر كُتَّاب الغرب أن الإسلام دين وعولة،، فقال "شاخت " فى دائرة معارف العلوم الاجتماعية: ليس الإسلام مجرد دين، بل إنه نظام فكرى اجتماعى يشمل الدين والدنيا جميعا. تراث الإنسانية-ج 5ص 17.
هذا، إذا أردنا بالسياسة فن الإدارة والحكم، الذى يحقق للمجتمع خيرى الدنيا والآخرة.
وكذلك تكون صادقة إذا أريد بها: عدم استغلال الدين للوصول إلى الحكم، فإذا تحقق ذلك طرح الدين لأنه أدى مهمته وانتهى.
فذلك نفاق لا يرضاه أى دين.
أما إذا أريد بهذا الشعار حرمان المتدينين من ممارسة حقوقهم السياسية، فذلك مرفوض، وكذلك إذا أريد به عدم تقيد نظام الحكم بمبادئ الدين فهو مرفوض أيضا، انظر توضيح ذلك عند الكلام على دور الشريعة الإسلامية فى تحقيق أهداف المجتمع. "ص 380 ج 2 - من كتاب بيان للناس " الكلام عن العلمانية، "ص 452 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى".
هذا، وقد ذكر المقريزى فى خططه أن السياسة كلمة مغولية أصلها"ياسة" وأصل نشأتها أن جنكيز خان التترى لما غلب الملك أونك خان وصارت له دولة، قرر قواعد وعقوبات فى كتاب سماه "ياسة" وجعله شريعة لقومه وتدوول من بعده، وكان لا يدين بدين ولما انتشر ملك أولاده وأسر عدد منهم فى الدفاع عن دولتهم وبيعوا فكان منهم دولة المماليك بمصر، ولشدة مهابة الأمراء للمغول وياستهم حافظوا على تنفيذ هذه "الياسة" فوكلوا إلى قاضى الشريعة العبادات والأحوال الشخصية، وأما هم وعاداتهم فكانت على مقتضى الياسة ونصبوا الحاجب ليقضى بينهم فيما اختلفوا فيه، وجعلوا إليه النظر فى قضايا الدواوين السلطانية عند الاختلاف فى أمور الإقطاعيات، فشرعوا فى الديوان ما لم يأذن به الله. . . إلى أن قال: هذا وكان الوازع الديني موجودا، فلما قلَّ الحياء وضعف الدين طغت السياسة وأحكامها وانزوى الدين وأهله، ج 2 ص 359.
هذا رأيه فى السياسة وهو يؤيد أنها نظام لا يلتزم بالدين، وضعه قوم لا يعترفون به
(10/411)
________________________________________
الذهب بين الرجال والنساء

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نسمع بعض الناس يقولون الذهب حرام للنساء فهل هذا صحيح؟

الجواب
روى أبو داود والنسائى أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله فى يمينه، وذهبا فجعله فى شماله ثم قال "إن هذين حرام على ذكور أمتى" ويفهم منه أنهما حلالان للنساء وجاء مصرحا بذلك فى رواية الترمذى لحديث قال إنه حسن صحيح "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتى وأحل لإناثهم " لكن وردت أحاديث يفهم من ظاهرها أن الذهب حرام أيضا على النساء، منها ما رواه أبو داود والنسائى بإسناد جيد "أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت فى عنقها مثلها فى النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت فى أذنها خرصا - بصم الخاء وكسرها-من ذهب جعل فى أذنها مثله من النار" وما رواه النسائى بإسناد صحيح أن هند بنت هبيرة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم وفى يدها فتخ من ذهب -أى خواتم ضخمة-فجعل الرسول يضرب يدها، فدخلت على فاطمة تشكو إليها الذى صنع بها رسول الله، فانتزعت فاطمة سلسة فى عنقها من ذهب قالت: هذه أهداها أبو حسن، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها "أيغرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله، وفى يدك السلسلة من نار"؟ ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة السلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته، فحدث بذلك النبى فقال "الحمد الذى أنجى فاطمة من النار".
بل جاءت أحاديث تحرم الفضة أيضا على النساء، منها ما رواه أبو داود والدار قطنى: بمعناه أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى فى يدى عائشة فتخات من ورق - فضة - تتزين بها، فسألها "هل تؤدين زكاتها"؟ فقالت: لا، قال "هى حسبك من النار".
قال العلماء: لأن درجات الأحاديث تكاد تكون واحدة فى القوة: إما أن يكون الحلُ ناسخا للحرمة. أو أن التحريم فى حق من لم تؤد زكاة الحُلى، لأن بعض الفقهاء أوجب الزكاة فى الحلى مطلقا، لكن بعضهم أوجبها فيما كان زائدا على عادة الأمثال، بدليل "فتخات " وهى ضخام، وإما أن يكون التحريم فى حق من تفاخرت به، أو التهت عن الواجبات، وذلك للتصريح بالإظهار فى بعض الروايات، والحديث "شغلهن الأحمران، الذهب والحرير" رواه أبو الشيخ ابن حبان وغيره، وحديث ابن حبان " ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر". "الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى ج 1 ص 218" ويراجع ما فى صفحة 87 من المجلد الخامس من هذه الفتاوى
(10/412)
________________________________________
الإسلام والتطور

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يتهم بعض الناس الإسلام بأنه دين قديم لا يصلح للعصر، وذلك من واقع النداءات التى تدعو؟ إلى القديم وتقاطع الجديد، فكيف نرد على هذا الاتهام؟

الجواب
مبدئيا نقول: من الخطأ أن يُحكم على المبدأ من سلوك من يمارسونه، فقد تكون الممارسة خطأ والمبدأ صحيحا، ومن هذا المنفذ وجه الأعداء تهما كثيرة إلى الدين الإسلامى بناء على حال من يمارسونه فى هذه الأيام بالذات وكثير ممن ينتسبون إلى الإسلام يهملون تعاليمه أو يتمسكون بقشور ليست من صميم الدين كما هو حاصل فى هذه الأيام من الحملة الشرسة على الإسلام من واقع سلوك المنحرفين الذين يتورطون فى أخطاء جسيمة باسم الدين.
وإذا أُريد الحكم على المبدأ من واقع تطبيقه فليكن ذلك ممن طبقوه تطبيقا صحيحا، فالإسلام وهو الدين الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور- فهمه الأولون فهما صحيحًا وطبقوه تطبيقا صحيحًا فكان لهم السلطان والقوة وتحقق فيهم وعد الله لمن آمن واعتنق الإسلام وطبقه بصدق، والتاريخ شاهد على ذلك، وفى هذا يقول الله سبحانه {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدِّلنهم من بعد خوفهم أمنا} النور: 55.
إن الدين الإسلامى خاتمة الأديان ورسوله خاتم الرسل، فلا بد أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وليس من رحمة الله أن يترك عباده بدون رسالة حتى تقوم الساعة، ومن هنا جاء الإسلام وفيه كل العناصر والمقومات التى تتجاوب مع التطور تحت ظل القيم والثوابت التى لا تتغير بتغير البيئات والعصور.
إن التطور نزعة فطرية تقوم على الانتقال من حال إلى حال أحسن. وهذه النزعة هى سر الحركة والنزوع إلى الكمال المادى والأدبى، والأديان بوجه عام تقر هذه النزعة لأنها أمر حتمى لا يمكن التمرد عليه، ومهمة الأديان هى التوجيه والإرشاد، والأديان نفسها من ظواهر التطور، فقد كانت خاصة ينسخها الدين الذى يجئ بعدها، ثم كملت وصارت عامة بمجئ دين الإسلام.
ومن مظاهر موافقة الإسلام للتطور ما يأتى:
1 -أنه يدعو إلى الأخذ بالأحسن من كل شىء {فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} الزمر: 17، 18، ولا يرضى عن القناعة بالدون ما دام الأفضل ميسرا، ففى الحديث "إن المؤمن لا يشبع من خير حتى يكون منتهاه الجنة" رواه الترمذى وحسنه.
2 -أنه يمجد القوة فى كل شىء فى الماديات والروحانيات، ففى الحديث "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضيعف. وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. رواه مسلم.
3- حذَّر من الجمود على القديم إذا كان فاسدا {وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أوَ لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} الزخرف: 23، 24.
4 - أقر الإسلام التجديد فى نطاق الثوابت، ففى الحديث "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" رواه الحاكم وصححه.
5 -شجع الإسلام على العلم فهو أساس التطور، ورفع قدر العلماء، والنصوص فى ذلك كثيرة، والمراد بالعلم كل معرفة تفيد الفرد والجماعة فى إطار الدين، وذكر القرآن فى الآيتين: 27، 28، من سورة فاطر ما يؤكد أن العلماء الذين يؤمنون بالله أو يزدادون به إيمانا ويخشون عقابه {إنما يخشى الله من عباده العلماء} هم علماء الفلك والطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان وطبقات الأرض والعلوم الإنسانية كلها من طب واجتماع وفلسفة وغير ذلك.
6 -أمر الإسلام بالعمل وتطبيق العلم، وشجعه فى كل المجالات الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها، والنصوص فى ذلك كثيرة لا يتسع لها المقام ويمكن الرجوع إلى الموضوع كله فى كتابنا "دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
7 - وإذا كان الإسلام يقر التطور المادى فذلك فى نطاق الدين كما سبق ذكره، ومع ذلك يدعو إلى التطور الروحى بقوة لأنه ضمان للتطور المادى من الانحراف، وهو الباقى الخالد الذى يصحب الإنسان فى دنياه وأخراه {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} الكهف: 46، {زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب. قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله} آل عمران: 14، 15.
إن الإسلام بهذا التطور كوَّن دولة عظيمة قوية فى الماضى شهد به المنصفون من العلماء، وقرروا أن مبادئه وجهود العاملين به كان لها أثر كبير فى تطور الحضارة الإنسانية فى كل المجالات.
ومن هنا نقول: إن الذين يريدون أن يحكموا على الإسلام يجب أن يحكموا عليه عن طريق مبادئه، وعن طريق التطبيق الصحيح له، ولا يجوز أن يحكموا عليه بسلوك المتأخرين الذين يجهل كثير منهم تعاليم الدين الحق، أو يطبقونها تطبيقا غير صحيح
(10/413)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72

الجزء الثامن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: الجزء الثامن   الجزء الثامن - صفحة 2 Emptyالإثنين 18 مارس 2024, 11:33 am

حكمة تحريم لحم الخنزير

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الحكمة فى تحريم لحم الخنزير؟ ويقول البعض: إنه إذا تغذى غذاء نظيفا فإن لحمه يكون صحيًّا أو خاليا من الأمراض، فهل هذا صحيح؟

الجواب
جاء فى التعليق على " المنتخب فى تفسير القراَن الكريم " الذى نشره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية"ص 145 "عند تفسير قوله تعالى {حرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} المائدة: 3، فى بيان الحكمة فى تحريم أكل لحم الخنزير أنه معرض للإصابة بعدد كبير من الطفيليات التى تصيب الإنسان، وأهمها:
1 - الحيوان الأولى الهَدبى المسمى"الأنتديوم كولاى " المسبب للزحار ومصدره الوحيد للإنسان هو الخنزير، ويكاد يكون مرضا مهنيا لا يصيب سوى المشتغلين بتربية الخنزير وذبحه وبيع لحمه.
2 - الوشائع الكبدية والمعوية فى الشرق الأقصى، وخاصة وشيعة الأمعاء الكبيرة "فاسيلوبس بوسكاى" الواسعة الانتشار فى الصين، ووشائع الأمعاء الصغيرة التى تصيب الإنسان فى البنغال وبورما وآسام، ووشيعة الكبد الصينية "كاورنوكس سينتسز" المنشرة فى الصين واليابان وكوريا على الخصوص، ويعتبر الخنزير العائل الخازن الرئيسى لهذه الطفيليات، وخاصة الديدان الأولى التى تنطلق فيه لتقضى دوره حياتها فى عوائلها الأخرى حتى تصيب الإنسان، ومن ثم فمقاومتها فى الإنسان وحده لا تكفى.
3 - دودة لحم الخنزير الشريطية "تيناسوليوم " والدورة الطبيعية لها أن تنتقل بويضاتها من الإنسان إلى الخنزير، حيث تكون أجنتها ديدانا مثانية فى لحمه، ثم تنتقل إلى آكل هذا اللحم فتنمو الدودة الشريطية البالغة فى أمعائه وهكذا، وهذه إصابة غير خطيرة فى المعتاد وتشبه فى ذلك دودة لحم البقر الشريطية "تنياسا جيناتا" ولكن دودة لحم الخنزير تنفرد دون دودة لحم البقر بخصائص تؤهلها لانعكاس هذه الدودة انعكاسا جزئيا.
أما ابتلاع الإنسان للبويضات بيده الملوثة، أو مع طعامه الملوث أو بارتداد قطع الدودة المثقلة بالبيض أو البيض نفسه من الأمعاء إلى المعدة، حيث يفقس البيض وتنتشر اليرقات فى عضلات المصاب، مسببة أعراضا شديدة، كثيرا ما تكون قاتلة إذا ما أصابت المخ أو النخاع الشوكى أو القلب أو غيرها من الأعضاء الرئيسية، والإصابة بهذه الدودة ومضاعفاتها الخطيرة لا تكاد تعرف فى البلاد الإسلامية، حيث يحرم أكل لحم الخنزير.
4 - الدودة الشعرية الحلزونية "تريكتيلا سبيرالس " وأعراضها الخطيرة مترتبة على انتشار يرقاتها فى عضلات الجسم، وأعراض الإصابة بها شديدة متنوعة، منها اضطرابات معوية وآلام روماتيزمية وصعوبة التنفس والتهاب المخ والنخاع الشوكى والأمراض العصبية والعقلية المترتبة على ذلك التسمم، وفى الإصابات القاتلة تحدث الوفاة بين الأسبوعين الرابع والسادس فى معظم الأحوال.
والخنزير هو المصدر الوحيد لإصابة الإنسان بهذا المرض الوبيل إلا فى المناطق القطبية الشمالية، ومواطن المرض هى أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية والمحاولات المضنية لتجنب هذا البلاء بتربية الخنازير بطريقة صحية وفحص ذبائحها ومعالجة لحومها بوسائل باهظة التكاليف غير مجدية من الناحية العملية، ويكفى فى الدلالة على ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية بها ثلاثة أمثال عدد الإصابات فى العالم أجمع، وأن متوسط نسبة الإصابة فى ولاياتها المتخلفة هو 16 % مع الوثوق بأن هذا الرقم أقل من الحقيقة كثيرا، وأن نسبة إصابة الخنزير به بين 5%، و27 %.
ويزاد على هذا كله أن دهن الخنزير مختلف تماما فى درجة تشبعه عن الزيوت والدهون الحيوانية الأخرى فصلاحيته للغذاء موضع شك كبير، وينصح الأستاذ "رام " عالم الكيمياء الحيوية الدانمركى الحاصل على جائزة نوبل، بعدم المداومة على تناوله، حيث ثبت بالتجربة أنه من أهم ما يسبب حصى المرارة وتصلب الشرايين وبعض أمراض القلب الأخرى.
هذا ما قاله أهل الذكر فى ضرر الأكل من لحم الخنزير، ومن هنا نطمئن كل الاطمئان إلى حكمة الله سبحانه فى تحريم أكله، وهكذا تكشف العلوم عن أسرار التشريع
(10/414)
________________________________________
أسلحة الدمار الشامل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى الأسلحة الحديثة المدمرة التى تستعمل فى الحروب فيصاب بها البرئ والمتهم، وتأتى على الأخضر واليابس؟

الجواب
مبدئيا نقرر أن الحرب فى الإسلام ضرورة تقدر بقدرها، والقرآن قرر أن الناس ليسوا جميعا مسالمين، نظرًا لتسلط الأهواء والغرائز ونظرًا لنشاط الشيطان العدو المبين. ومن هنا كان لابد من الوقوف ضد الطغيان والتعدى على الحقوق وإقلاق الآمنين، قال تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} البقرة: 251، وقرر حق الدفاع عن النفس والحرمات، بل أوجبه حتى يقف المعتدى عند حده فقال {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} البقرة: 216، وحتى تقدر الضرورة بقدرها حرج الابتداء بالقتال والعدوان على الآمنين، وإذا تحتم مَنَعَ تجاوز الحد الذى يدفع به العدوان، ومن أجمع النصوص فى ذلك قوله تعالى {وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} البقرة: 190.
وبناء على تقدير للضرورة بقدرها، منع الإسلام قتل من لم يشترك فى القتال كالنساء والصبيان، ومنع التخريب والإفساد وقيد جوازه بما إذا كان سلاحا يضعف به العدو. ومما ورد فى ذلك ما رواه مسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، وذلك إذا تميزوا عن المحاربين، أما إذا لم يتميزوا وحدثت إغارة بالليل مثلا فقد ورد فيهم ما رواه مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الذرارى من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال "هم منهم " وفى رواية للأهم من آبائهم " يقول النووى فى "شرح صحيح مسلم ج 12 ص 48": أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، حديث ابن عمر، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يقتلون، وأما شيوخ الكفار- أى كبار السن - فإن كان فيهم رأى - أى يشاركون فى الحرب بالرأى - قتلوا، وإلا ففيهم وفى الرهبان خلاف، قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح فى مذهب الشافعى قتلهم.
ويقول فى حديث ابن عباس: لا بأس بقتل النساء والذرارى إذا لم يميزوا عن غيرهم وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبى حنيفة والجمهور.
ومعنى البيات ويبيتون أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبى. ثم يقول النووى: إن أولاد الكفار حكمهم فى الدنيا حكم آبائهم وأما فى الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب الصحيح أنهم فى الجنة، والثانى فى النار، والثالث لا يجزم فيهم بشىء.
وبخصوص التخريب روى مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرَّق نخل بنى النضير وقطع، وهو البويرة، فأنزل الله عز وجل {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين} الحشر:
5، والبويرة موضع نخل بنى النضير، واللينة هى أنواع التمر كلها إلا العجوة، وقيل كرام النخل وقيل كل النخل، وذكر أن نخل المدينة مائة وعشرون نوعا، ثم قال: وفى هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر، ومالك والثورى وأبو حنيفة والشافعى واحمد وإسحاق والجمهور، وقال أبو بكر الصديق والليث بن سعد وأبو ثور والأوزاعى فى رواية عنهم، لا يجوز.
وروى مالك فى الموطأ أن أبا بكر أوصى يزيد بن أبى سفيان عندما وجهه إلى الشام فقال له: إنى موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا، ولا تخرب عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه ولا تغلل ولا تجبن، يقول الشوكانى "نيل الأوطار ج 7 ص 264 " وقد اختلف السلف فى التحريق فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما، قال المهلب: ليس هذا النهى على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمَّل النبى صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين بالحديد، وقد أحرق أبو بكر بالنار فى حضرة الصحابة، وحرق خالد ابن الوليد ناسا من أهل الردة، وكذلك حرق على.
وعنوان الباب الذى ذكر فيه عدة أحاديث هو: باب الكف عن المثلة والتحريق وقطع الشجر وهدم العمران إلا لحاجة ومصلحة، يقول:
وظاهر النهى فى حديث الباب التحريم، وهو نسخ للأمر المتقدم، سواء كان بوحى إليه أو اجتهاد، وهو محمول على من قصد إلى ذلك فى شخص بعينه، ثم نقل عن ابن حجر فقال: قال فى الفتح: ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب فى بلاد العدو. وكرهه الأوزاعى والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبى بكر لجيوشه ألا يفعلوا شيئا من ذلك، وأجاب الطبرى بأن النهى محمول على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك فى حال القتال كما وقع فى نصب المنجنيق على الطائف،وهو نحو مما أجاب به فى النهى عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وقال غيره: إنما نهى أبو بكر عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد تفتح، فأراد بقاءها على المسلمين. انتهى.
ولا يخفى أن ما وقع من أبى بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم لما تقرر من عدم حجية قول الصحابى "ص 266".
وجاء فى تفسير القرطبى"ج 18 ص 6" ما ذكره ابن إسحاق عن اختلاف الصحابة فى قطع النخل وحرق الشجر لبنى النضير وما تقاول به اليهود من زعم النبى أنه يريد الإصلاح لا الإفساد، ونزول الآية، وشعر سمَّاك اليهودى وردَّ حسان بن ثابت وغيره عليه، ثم قال فى "ص 7" واختلف الناس فى تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين، الأول أن ذلك جائز قاله فى المدونة، والثانى إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك فى الواضحة، وعليه يناظر أصحاب الشافعى، قال ابن العربى، والصحيح الأول، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بنى النضير له، ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم حتى يخرجوا عنها.
وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا، مقصودة عقلا.
وجاء فى المغنى لابن قدامة "ج 10 ص 509" أنه لا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم، إلا أن يكونوا يفعلون ذلك فى بلادنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا. وفى شرحه لهذا قسم الشجر والزرع ثلاثة أقسام، القسم الأول ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذى يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم.
وكالذى يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق أو تمكن من قتال، أو يكونون يفعلون ذلك بنا فيفعل بهم ذلك لينتهوا،فهذا يجوز بغير خلاف نعلمه، والقسم الثانى ما يتضرر المسلمون بقطعه لأنهم ينتفعون ببقائه لعلف دوابهم أو الأكل من ثمره، فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين، والقسم الثالث ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه روايتان -أى عن أحمد-إحداهما لا يجوز، لحديث أبى بكر ووصيته لأن فيه إتلافا محضا فلم يجز. كعقر الحيوان، وبه قال الأوزاعى والليث وأبو ثور، والرواية الثانية يجوز، وبهذا قال مالك والشافعى وإسحاق وابن المنذر، قال إسحاق: التحريق سنة إذا كان أنكى فى العدو، وذكر الآية {ما قطعتم من لينة} وحديث ابن عمر فى تحريق الرسول لنخل بنى النضير.
يؤخذ من كل ما تقدم أن قطع الشجر والتحريق والتخريب إن كان فيه مصلحة للمسلمين المجاهدين فلا مانع منه. ومن المصلحة إزالة حواجز تمنع القتال. وإضعاف شوكة العدو ليكف عن القتال، والمقابلة بالمثل إذا فعلوا بنا ذلك. وأسلحة الدمار الشامل تأتى على الأشخاص والثروات والأملاك، وفى الأشخاص كثيرون لا يباشرون القتال ولا يتميزون عنهم ولا يقصدون بأعيانهم فيجوز قتلهم، وفى الثروات والأملاك لا بأس من تخريبها للمصلحة العائدة على المجاهدين. ومنها النكاية بالعدو وإضعافه ليقف عن الحرب
(10/415)
________________________________________
الفتنة وما يجب نحوها

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سمعنا حديثا عن قيام الساعة وأن الفتنة تأتى من قبل المشرق، فهل هذا صحيح؟

الجواب
روى البخارى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ذكر النبى صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لنا فى شامنا، اللهم بارك لنا فى يمننا" قالوا:
يا رسول الله: وفى نجدنا قال "اللهم بارك لنا فى شامنا، اللهم بارك لنا فى يمننا " قالوا: يا رسول الله: وفى نجدنا فأظنه قال فى الثالثة: "هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان " وفى رواية عن ابن عمر أيضا انه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان " وفى بعض الروايات بدل قرن الشيطان "قرن الشمس ".
يقول ابن حجر "فتح البارى ج 13 ص 61" ناقلا عن غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، قال الخطابى: نَجْدٌ من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهى مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وعرف بهذا. ما قاله الداودى أن نجدا من ناحية العراق.
هذا ما نقلته عن الفتنة وأنها من جهة المشرق الذى قيل إنه العراق، ولا ادرى بالضبط ما يراد بالفتنة، هل هى الكفر والردة أو هى الحرب والقتال، وهل حدثت الفتنة أو لم تحدث إلى الآن؟ .
جاء فى حديث رواه البخارى أيضا عن سؤال حذيفة بن اليمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يدركه: أن بعد الخير الذى جاء به الإسلام يجىء شر، وأن بعد الشر يجىء خير فيه دَخَنٌ قال عنه النبى صلى الله عليه وسلم "قوم يهدون بغير هديى، تعرف منهم وتنكر" وأن بعد الخير يجىء شر قال عنه "دعاة على أبواب جهنم. من أجابهم إليها قذفوه فيها" وقال فى صفتهم "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" ونصح الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة إذا أدرك ذلك بأن يلزم جماعة المسلمين، وإذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام أن يعتزل الفرق كلها ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت وهو على ذلك.
ويعرف من هذا أن دعاة الفتنة هم من العرب، وقال عياض: المراد بالشر الأول الفتن التى وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذى بعده ما وقع فى خلافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور. قال ابن حجر: الظاهر أن المراد بالشر الأول ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علىٍّ ومعاوية، وبالدخن ما كان فى زمنهما من بعض الأمراء كزياد بالعراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج وبالدعاة على أبواب جهنم من قام فى طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله "الزم جماعة المسلمين وإمامهم " يعنى ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبى الأسود "ولو ضُرب ظهرك وأخذ مالك " وكان مثل ذلك كثيرا فى إدارة الحجاج ونحوه.
ثم روى البخارى قوله صلى الله عليه وسلم "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم - أو غنما -يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن " وقال ابن حجر: اختلف السلف فى أصل العزلة، فقال الجمهور:
الاختلاط أولى، لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى، لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين. وقال النووى: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع فى معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى، وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان. وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم فى نفسه إذا قام فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وممن يستوى من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع. وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع فى المحذور. وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها، كما قال الله تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال: 25.
انتهى ما نقلته عن ابن حجر، والمهم أن الفتن موجودة فى كل عصر ومصر، وأن الإنسان ما دام حيًّا سيتعرض لها، والواجب هو محاولة البعد عنها وتجنب أسبابها، والقيام بواجب الإصلاح عند الإمكان الذى لا ضرر فيه مع رجاء الخير من محاولة الإصلاح، وعلى رأس هذه الفتن فتنة المسيح الدجال، وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.
وأخيرا، هل للأحوال التى يعيش فيها المسلمون عربهم وغير عربهم صلة بهذه الأحاديث الواردة فى الفتنة، وهل يمكن تحديد الشرق الذى ذرَّ منه قرنها، وهل هى فتنة فكرية مذهبية أو فتنة سياسية دنيوية، وهل التدخل للإصلاح وجمع الشمل أولى، أو الاعتزال والتقوقع واللامبالاة أسلم؟ إنها أسئلة تحتاج إلى أجوبة، ولكل أن يدلى بدلوه فى هذا المجال، ولوسائل الإعلام ولمن يصطادون فى الماء العكر من المسلمين وغير المسلمين فى الشرق والغرب دور وأدوار فى ذلك، وأبرى ذمتى بالنصح بأن الدنيا فانية والآخرة خير وأبقى وبقوله تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال: 25، وبقوله: {وإذ قالت أمة منهم لمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} الأعراف:64، اللهم قد بلغت فاشهد
(10/416)
________________________________________
بلقيس

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى قصة سيدنا سليمان عليه السلام قيل إن ملكة سبأ اسمها بلقيس وأنها من أصل جنى، فهل هذا صحيح؟

الجواب
يقول الله تعالى على لسان هُدهد سليمان {وجئتك من سبأ بنبإٍ يقين. إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم} النمل: 22، 23، يقول القرطبى فى تفسيره "ج 13 ص 182 " المرأة هى بلقيس بنت شراحيل. ثم قال: ويروى أن أحد أبويها كان من الجن. قال ابن العربى: وهذا أمر تنكره الملحدة ويقولون: الجن لا يأكلون ولا يلدون، كذبوا، فذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلا، فإن صح نقلا فبها ونعمت. وذكر القرطبى حديث مسلم فى أنهم يأكلون، عندما قدم وفد من الجن على النبى وقال "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع أيديكم أوفر ما يكون لحما" كما جاء فى البخارى أن العظم من طعام الجن، كما قال القرطبى إن نكاحهم مذكور عند تفسير قوله تعالى فى سورة الإسراء {وشاركهم فى الأموال والأولاد} "ج 10 ص 289 " [راجع صفحة 265 من المجلد الثانى من هذه الموسوعة] وقال القرطبى، كانت أم بلقيس من الجن يقال لها "بلعمة بنت سيصان " وذكر فى "ص 211 " نسبها إلى سام بن نوح، وأن أباها واسمه "السرح " تكبر على الملوك ولم يتزوج منهم فزوَّجوه امرأة من الجن يقال لها"ريحانة بنت السكن " فولدت له "بلقمة" وهى بلقيس. وذكر عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "كان أحد أبوى بلقيس جنيًّا" ولما مات أبوها تملك رجل فاجر فتزوجته بلقيس وقتلته وهو سكران فنصبوها ملكة عليهم، وذكر كلاما آخر يؤكد أن أباها تزوج جنيَّة ولدتها، ثم قال فى صفحة 213: إن الماوردى قال: والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين واختلاف الطبيعتين ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف، وقال القرطبى إن التزاوج لا يحيله العقل مع ما جاء فى الخبر وأشار إلى أدلة ذلك من أرادها فليراجعها.
هذا بعض ما قيل، ولا يضرنا الجهل به
(10/417)
________________________________________
التهنئة برمضان والمناسبات

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم التهنئة برمضان والأعياد والمناسبات؟

الجواب
أخرج أحمد والنسائى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان يقول " قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها حرم الخير الكثير ".
جاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحه للزرقانى " ج 8 ص 99" ما ملخصه: قال القمولى فى الجواهر: لم أر لأحد من أصحابنا كلاما فى التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذرى عن الحافظ أبى الحسن المقدسى أن الناس لم يزالوا مختلفين فيه. والذى أراه أنه مباح، لا سنة ولا بدعة. انتهى.
وأجاب الحافظ بعد اطلاعه على ذلك بأنها مشروعة، فقد عقد البيهقى لذلك بابا فقال " باب ما روى فى قول الناس بعضهم لبعض فى يوم العيد: تقبل الله منا ومنك " وساق ما ذكره من أخبار وآثار ضعيفة، لكن مجموعها يحتج به فى مثل ذلك. ثم قال يحتج لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يندفع من نقمة بما فى الصحيحين عن كعب بن مالك فى قصة توبته عند تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت إلى النبى صلى الله عليه وسلم يتلقانى الناس فوجا فوجا يهنئوننى بالتوبة ويقولون: تهنيك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى، فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يشرق وجهه من البشر " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ".
وللحافظ السيوطى وريقات سماها"وصول الأمانى بأصول التهانى" قال فى أولها: طال السؤال عما اعتاده الناس من التهنئة بالعيد والعام والشهر والولايات ونحو ذلك، هل له أصل فى السنة؟ فجمعت هذا الجزء فى ذلك. انتهى ما فى القسطلانى والزرقانى.
بعد هذا أقول: لا مانع من تهنئة الناس بعضهم لبعض بالمناسبات السعيدة، بل قد يكون ذلك سنة يثاب عليها الإنسان إذا قصد بذلك إدخال السرور على أخيه المسلم، لمشاركته فرحته بهذه المناسبة أو النعمة التى أنعم الله بها عليه، وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل: أى الأعمال أفضل؟ فقال " إدخالك السرور على مؤمن " رواه الطبرانى وغيره، كما ثبت أن النية الطيبة تحول العادة إلى عبادة، فالحديث الصحيح يقول " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى "
(10/418)
________________________________________
العقاب الشامل

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
إذا عاقب الله قوما ظالمين بعقاب عام كالزلازل والسيول والأوبئة، فما ذنب الصالحين أن يعاقبهم الله أيضا معهم؟

الجواب
يقول الله سبحانه " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال:25، ويقول النبى صلى الله عليه وسلم " إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم " يقول العلماء: إذا أوقع الله عقابا فى الدنيا على من يرتكبون المعاصى كان ذلك عدلا حيث لم يظلمهم الله سبحانه، ومن كان يعيش مع العاصين ولم يرتكب ما ارتكبوه إن قصر فى تغيير المنكر ورضى بما فعلوا كان عاصيا مثلهم ولم يكن شمول العقاب له ظلما، أما إن قام بواجبه فى تغيير المنكر بكل ما يمكن فإن ما يلحقه من الضرر فى الدنيا لا يسمى عقوبة وسيحشره الله يوم القيامة مع الطائعين، كما يدل عليه الحديث المذكور والأحاديث الأخرى التى منها ما رواه ابن حبان فى صحيحه " إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم " وما رواه مسلم " العجب أن ناسا من أمتى يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم " فقلنا يا رسول الله إن الطريق قد تجمع الناس قال: " نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم ".
وجاء فى القاعدين عن تغيير المنكر واستحقاقهم العذاب مع المرتكبين له قوله تعالى {وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذًا مثلهم} النساء: 140، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " يقول ابن حجر " فتح البارى ج 13 ص 66" يستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة، لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضى فهو منهم، ويؤيده أمره صلى الله عليه وسلم بالإسراع فى الخروج من ديار ثمود.
وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل، لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها فى الآخرة، وأما فى الدنيا. فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرا لما قدموه من عمل سىء، فكان العذاب المرسل فى الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله وفى الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهى، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضى فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة
(10/419)
________________________________________



الجزء الثامن - صفحة 2 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn


عدد المساهمات : 48938
العمر : 72