مواسم الخيرات شهر رجب

إن من رحمة الله بخلقه ولُطفه بعباده أن جعَل لهم مواسمَ للخيرات، يكثُر فيها فضله وتعمُّ رحمته، فيا لفوز من تَعَرض لتلك النفحات وأصابته تلك الرحمات..

إن من رحمة الله بخلقه ولُطفه بعباده أن جعَل لهم مواسمَ للخيرات، يكثُر فيها فضله وتعمُّ رحمته، فيا لفوز من تَعَرض لتلك النفحات وأصابته تلك الرحمات، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لِربِّكم عزَّ وجلَّ في أيَّامِ دهرِكم نَفَحاتٍ، فتعرَّضوا لها، لعَلَّ أحَدَكم أنْ تُصيبَه منها نَفحةٌ لا يشقى بعدَها أبدًا» [1].
 
مواسم الخيرات لا تنقطع بفضل الله عز وجل، وها هي تقبل علينا، شهر رجب شهر حرام، وشهر شعبان شهر ترفع فيه الأعمال، ثم رمضان وما أدراك ما رمضان؟
 
فهل نحن مستعدون لتلك النفحات، متأملون لفضل تلك المواسم؟
 
من ثمرات تلك المواسم:
تنشيط النفوس بأنواع العبادات، استدراك ما فات، تجديد الإيمان في القلوب، الانتباه من الغفلة، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].
 
فضائل مواسم الخيرات وكيفية اغتنامها؟
فضائل شهر رجب:
قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].
 
وقال صلى الله عليه وسلم: «الزَّمانُ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ، الذي بيْنَ جُمادَى وشَعْبانَ» [2].
 
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحُرِّم قبل أشهر الحج شهرًا وهو (ذو القعدة)؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر (ذي الحجة)؛ لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرًا آخر وهو (المحرم)؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطن فيه آمنًا)[3]؛ ا.ه‍ـ.
 
وقيل له رجب:
لأنه كان يُرَجَّب في الجاهلية؛ أي يُعظَّم، فلا يستحلون القتال فيه.
 
وأضيف إلى مضر؛ لأنهم كان متمسكين بتعظيمه بخلاف غيرهم، فيقال: إن ربيعة كانوا يجعلون بدله رمضان، وقيل: لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم.
 
كيف نغتنم شهر رجب؟
1- ((الواجبَ على المسلمِ: أن يعرفَ قدرَ هذا الشهرِ الحرامِ؛ ذلك لأن معرفتَه وتعظيمَه (هو الدِّين القيِّم)؛ أي: المستقيم الذي لا اعوجاجَ فيه، ولا ضلالَ، ولا انحرافَ.
 
2- كما يجب عليه أن يحذرَ من المعصية فيه؛ فإنّها ليست كالمعصيةِ في غيرِه؛ بل المعصيةُ فيها أعظمُ، والعاصِي فيه آثمُ؛ كما قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217]؛ أي: ذنبٌ عظيمٌ، وجرمٌ خطيرٌ؛ فهو كالظلمِ والمعصيةِ في البلدِ الحرامِ الذي قال الله عز وجل فيه: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].
 
قال قتادة رحمه الله قال: «إن الظلمَ في الشهرِ الحرامِ أعظمُ خطيئةً ووزرًا من الظلمِ فيما سواهُ، وإنْ كان الظلمُ على كلِّ حالٍ عظيمًا، ولكنَّ اللهَ يُعظِّمُ من أمرِه ما شاء، وقال: إنَّ اللهَ اصطفى صَفايا من خلقِه؛ اصطفى من الملائكةِ رسلًا، ومن الناسِ رسلًا، واصطفى من الكلامِ ذكرَه، واصطفى من الأرضِ المساجدَ، واصطفى من الشهورِ رمضانَ والأشهرَ الحُرمَ، واصطفى من الأيّامِ يومَ الجمعةِ، واصطفى من اللَّيالي ليلةَ القدرِ؛ فعظِّموا ما عظَّم اللهُ؛ فإنّما تعظَّم الأمورُ بما عظَّمها اللهُ عند أهلِ الفهمِ والعقلِ»[4].
 
قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
 
فعلى المسلم الابتعادُ عن ظلمِ نفسِه باجتِراحِ الذنوبِ والسيئاتِ، ومقارَفَةِ الآثامِ والخطيئاتِ؛ ذلك لأنَّ الذنبَ في كلِّ زمانٍ شرٌّ وشؤمٌ على صاحبِه؛ لأنَّه اجتراءٌ على اللهِ جلَّ جلالُه وعظُم سلطانُه، لكنَّه في الشهرِ الحرامِ أشدُّ سوءًا وأعظمُ شؤمًا؛ لأنَّه يجمعُ بين الاجتراءِ على الله تعالى، والاستخفافِ بما عظَّمه اللهُ جلَّ وعلا.
 
وإذا كان تعظيمُ الشهرِ الحرامِ أمرًا متوارَثًا لدى أهلِ الجاهليَّةِ قبلَ الإسلام يكفُّون فيه عن سفكِ الدَّمِ الحرامِ، وعن الأخذِ بالثَّأرِ والانتقامِ، أليس من ينتسبُ إلى الإسلامِ أجدرَ وأحرى بهذا الالتزامِ؟!))[5].
 
فعلى المسلم الابتعاد عن الشركيات والعقوق وأكل أموال الناس بالباطل، والخوض في أعراض المسلمين وتتبُّع عوراتهم، وإفشاء أسرارهم.
 
3- وكما أنَّ المعاصيَ تعظُمُ في الشهرِ الحرامِ، فكذلك الحسناتُ والطَّاعاتُ تعظُمُ وتُضاعفُ في هذه الأيَّام؛ فالتَّقرُّبُ إلى اللهِ عزّ وجلّ بالطاعةِ في الشهرِ الحرامِ أفضلُ وأحبُّ إليه سبحانه من التعبُّدِ في سائرِ الأيَّامِ؛ كما سبق في قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «وجعل الذنب فيهنَّ أعظم، والعمل الصَّالح والأجر أعظم».
 
فيستحبُّ للمسلمِ في هذا الشهر الإكثارُ والمواظبةُ على ما ثبتت به السنَّةُ في سائرِ الأيَّامِ من نوافلِ الطَّاعاتِ؛ من صلاةٍ، وصيامٍ، وصدقاتٍ، وغيرِها من القرباتِ، مع المحافظةِ على الفرائضِ والواجباتِ.
 
ولكنْ لا يشرعُ تخصيصُه بعبادةٍ من العباداتِ، أو اعتقادُ أنَّ لها فضلًا في هذا الشّهرِ على سائر الطّاعاتِ؛ والحالُ أنّه لم يشرعْها لنا فيهِ النَّبيُّ عليه الصّلاةُ والسّلامُ، ولا فَعَلَها فيه صحابتُه الكرامُ رضي الله عنهم؛ قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].
 
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن عمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمْرُنا فهو رَدٌّ» [6].
 
فما ورد في استحباب إحياء بعض ليالي شهر رجب أو المداومة على صيامه، أو إخراج الزكاة في أيامه فهي أحاديث منكرة وموضوعة وضعيفة.
 
التحذير من البدع المتعلقة بشهر رجب:
١- تخصيص رجب أو أيام منه بالصيام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما تخصيص رجب وشعبان جميعًا بالصوم أو الاعتكاف، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا من أصحابه ولا أئمة المسلمين، بل قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم في شعبان[7].
 
وأمَّا تخصيص أيام من رجب بالصوم، فلا يُعلم له أصلٌ في الشرع، ولم تثبت أحاديث خاصة بفضيلة الصوم في رجب، وإنما وردت أحاديث عامة في الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر والحث على صوم الأشهر الحرم، ففي حديث أبي داود: «صمْ من الحرم واترُك، صم من الحرم، واترك صمْ من الحرم واترك» [8].
 
وصوم الاثنين والخميس، ويدخل رجب في عموم ذلك.
 
قال العلّامةُ ابنُ القيِّم رحمه الله:
«وكلُّ حديثٍ في ذكرِ صومِ رجبٍ وصلاةِ بعضِ اللَّيالِي فيهِ؛ فهُو كذبٌ مُفترى، كحديث من صلَّى بعدَ المغربِ أوَّلَ ليلةٍ مِن رجبٍ عِشرينَ رَكعةً جازَ على الصِّراطِ بلا حسابٍ[9].
 
وحديث:
مَنْ صامَ يومًا مِنْ رجبٍ، وصلَّى ركعتينِ، يقرأُ في كلِّ ركعةٍ مائةَ مرةٍ آيةَ الكرسيِّ، وفي الثانيةِ مائةَ مرةٍ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ لَمْ يمتْ حتَّى يَرى مقعدَهُ مِنَ الجنةِ[10].
 
وحديث:
من صام من رجب كذا وكذا، الجميع كذب مختلق»[11].
 
ومن الأحاديث الضعيفة في ذلك، حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: صومُ أوَّلِ يومٍ من رجبَ كفارَةُ ثلاثِ سنينَ، والثاني كفارةُ سنتينِ، والثالثُ كفارةُ سنةٍ ثُمَّ كلُّ يومٍ شهرًا[12].
 
وحديث:
من صام يومًا من رجبٍ كان كصيامِ سنةٍ، ومن صام سبعةَ أيامٍ غُلِّقَتْ عنه سبعةُ أبوابٍ جهنمَ، ومن صام ثمانيةَ أيامٍ فُتِّحَتْ له ثمانيةُ أبوابٍ من الجنةِ، ومن صام عشرةَ أيامٍ لم يسألِ اللهَ شيئًا إلا أعطاه، ومن صام خمسةَ عشرَ يومًا نادى منادٍ من السماءِ قد غفرتُ لك ما سلف فاستأنفِ العملَ، قد بدَّلتُ سيئاتِك حسناتٍ، ومن زاد زادَه اللهُ، وفي رجبٍ حمل نوحٌ في السفينةِ فصام نوحٌ وأمر من معهُ أن يصوموا، وجَرَتْ بهم السفينةُ ستةَ أشهرٍ[13].
 
٢- صلاة الرغائب:
وردت صفتها في حديث موضوع: ما من أحدٍ يصومُ يومَ الخميسِ أوَّلَ خميسٍ في رجبَ، ثمَّ يصلِّي فيما بين العشاءِ والعتمةِ يعني ليلةَ الجمعةِ اثنتَيْ عشرةَ ركعةٍ يقرأُ في كلِّ ركعةٍ فاتحةَ الكتابِ مرَّةً، و{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثلاثَ مرَّاتٍ، و{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} اثنتَيْ عشرةَ مرَّةً، يفصِلُ بين كلِّ ركعتَيْن بتسليمةٍ، فإذا فرغ من صلاتِه صلَّى عليَّ سبعين مرَّةً يقولُ: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ النَّبيِّ الأمِّيِّ وعلى آلِه، ثمَّ يسجدُ فيقولُ في سجودِه: سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ سبعين مرَّةً، ثمَّ يرفعُ رأسَه فيقولُ: ربِّ اغفرْ وارحمْ وتجاوزْ عمَّا تعلمُ إنَّك أنت العزيزُ الأعظمُ سبعين مرَّةً، ثمَّ يسجدُ الثَّانيةَ فيقولُ مثلَ ما قال في السَّجدةِ الأولَى، ثمَّ يسألُ اللهَ تعالَى حاجتَه فإنَّها تُقضَى، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «والَّذي نفسي بيدِه ما من عبدٍ ولا أمةٍ صلَّى هذه الصَّلاةَ إلَّا غفر اللهُ له جميعَ ذنوبِه ولو كانتْ مثلَ زبدِ البحرِ، وعددِ ورقِ الأشجارِ، وشُفِّع يومَ القيامةِ في سبعِمائةٍ من أهلِ بيتِه، فإذا كان في أوَّلِ ليلةٍ في قبرِه جاء ثوابُ هذه الصَّلواتِ فيجيبُه بوجهٍ طلقٍ ولسانٍ ذلقٍ، يقولُ له: حبيبي أبشِرْ، فقد نجوتَ من كلِّ شدَّةٍ، فيقولُ: من أنت؟ فو اللهِ ما رأيتُ وجهًا أحسنَ من وجهِك ولا سمِعتُ كلامًا أحلَى من كلامِك، ولا شممتُ رائحةً أطيبَ من رائحتِك، فيقولُ له: يا حبيبي أنا ثوابُ الصَّلاةِ الَّتي صلَّيتَها في ليلةِ كذا في شهرِ كذا، جئتُ اللَّيلةَ لأقضيَ حقَّك، وأُونِسُ وحدتَك، وأرفعُ عنك وحشتَك، فإذا نُفِخ في الصُّورِ أظْلَلْتُ في عرَصةِ القيامةِ على رأسِك فأبشِرْ فلن تعدمَ الخيرَ من مولاك أبدًا» [14].
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وأمَّا صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب، لا جماعة ولا فرادى، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام أو يوم الجمعة بصيام، والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلًا[15]؛ ا.هـ.
 
وقال في موضع آخر من الفتاوى:
صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين، لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين، كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث، وغيرهم، والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث[16]؛ اهـ.
 
٣- الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين من رجب:
والصحيح أنه لم يثبت كون هذه الليلة هي التي أُسرِيَ به صلى الله عليه وسلم فيها، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجُز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا[17].
 
٤- الزكاة في رجب:
اعتاد بعضُ أهلِ البلدان تخصيص رجب بإخراج الزكاة: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف): «وَأَمَّا الزَّكَاةُ: فقدِ اعتادَ أهلُ هذِه البلادِ -يعني: بلادَ الشَّامِ-إخراجَ الزكاةِ في شهرِ رجبٍ، ولا أصلَ لذلك في السنّةِ، ولا عُرِف عن أحدٍ من السَّلفِ»[18].
 
إلى أن قال رحمه الله: وبكل حال فإنما يجب الزكاة إذا تمَّ الحَوْلُ على النِّصَاب، وكل أحد له حَوْلٌ يخصه بحسب وقت ملكِهِ للنصاب، فإذا تمَّ حولُه وجَبَ عليه إخراجُ زكاتِه في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء؛ سواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل، أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة، أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة، فيكون التفريق في طول الحول أرفق به[19].
 
٥- إرسال الخاطب بعض الهدايا لخطيبته في الموسم مثل رجب وشعبان وعاشوراء وغيرها:
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما حُكم الشرع في بعض الأمور التي تحدث هنا في مصر مثل أن يقوم الخاطب بإرسال بعض الهدايا في المواسم، مثل شهر رجب وشعبان ورمضان وعاشوراء والعيدين، فهل هذا الأمر فرض أم سنة، وهل هناك حرج على من يفعل ذلك‏؟ ‏
 
فأجابت اللجنة‏: ‏الهدايا بين الناس من الأمور التي تَجلب المحبة والوئام، وتسل من القلوب السخيمة والأحقاد، وهي مرغَّب فيها شرعًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها، وعلى ذلك جرى عمل المسلمين والحمد لله، لكن إذا قارن الهدية سبب غير شرعي، فإنها لا تجوز، كالهدايا في عاشوراء أو رجب، أو بمناسبة أعياد الميلاد وغيرها من المبتدعات؛ لأن فيها إعانة على الباطل ومشاركة في البدعة[20]‏. ‏
 
وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتَمَّ علينا نعمته، وأنكر سبحانه على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
 
وقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
 
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ منه فَهو رَدٌّ» [21].
 
وللحديث بقية بإذن الله تعالى.
اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَان.
________________________________________
[1] المعجم الأوسط (3 /180)، لا يروى هذا الحديث عن محمد بن مسلمة إلا بهذا الإسناد تفرد به أحمد بن عبدة.
[2] أخرجه البخاري (3197)، ومسلم (1679).
[3] تفسير ابن كثير –المجلد الثاني-ص 84
[4] الدر المنثور، المجلد الرابع، ص 139-140.
[5] فَضائلُ شَهر رَجَب ، نُورِ الدِّين مَسْعِي- رابط
http://site.islam.gov.kw/eftaa/Entries/Pages/Entry40.aspx
[6] أخرجه البخاري (2697) بنحوه، ومسلم (1718) واللفظ له.
[7] مجموع الفتاوى-المجلد الثالث-ص 156.
[8] سنن أبي داود (2428).
[9] الأسرار المرفوعة ( 439)، اللؤلؤ المرصوع (186)، حديث موضوع.
[10] الأسرار المرفوعة ( 439)، اللؤلؤ المرصوع (186)، حديث موضوع.
[11] المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ص:84-85
[12] ضعيف الجامع ( 3500).
[13] الفتح الرباني (6 /3211 )، باطل لا أصل له.
[14] موضوعات ابن الجوزي (2 /437)، و ذكره ابن حجر العسقلاني في تبيين العجب (35) و قال: [فيه] علي بن عبد الله بن جهضم مشهور بوضع الحديث.
[15] مجموع الفتاوى (23 /132).
[16] مجموع الفتاوى (23 /134).
[17] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (1 /183).
[18] لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص 141.
[19] لطائف المعارف، ص 142
[20] اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الفتوى رقم ‏(‏19805‏)‏.
[21] أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) واللفظ له.
_______________
الكاتب: نجلاء جبروني
موقع طريق الإسلام