منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة التوبة الآيات من 021-025

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: سورة التوبة الآيات من 021-025   سورة التوبة الآيات من 021-025 Emptyالثلاثاء 03 سبتمبر 2019, 10:39 pm

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم الله في هذه الآية بالرحمة منه وبالرضوان المقيم.

والبشارة -كما نعلم- هي نوع من الإعلام بشيء سوف يأتي مستقبلاً.

أي، أنك حين تبشر إنساناً فأنت تخبره بشيء قادم يسره.

إذن ففائدة البشارة أن تغري الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها، فأنا أبشرك بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى تحقق هذه البشارة، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها.

ولذلك فقد قلنا: إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب؛ كلها يجب أن تحرر بشكل آخر، لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب؛ كقولك: "إن تذاكر تنجح"، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة، وسبب الجواب هو النجاح، ونقول: لا.

إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا تمثل لك النجاح بكل ما يحققه لك من فرحة، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب واقعاً.

والجواب سبب في وجود الشرط دافعاً، أي: أن الدافع لمذاكرتك هو ما يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية.

وكل إنسان يرغب في النجاح، لكن النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع.

بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه وبمكانته ويفرح أهلك بك، وبفرحك بنفسك.

ولهذا نقول: إن السبب هو الذي يوجد أولاً في الذهن.

ومثال آخر: لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف.

فتكون الطائف هي الغاية، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية، إذن فالجواب يوجد دافعاً، والشرط يوجد واقعاً.

وقوله تعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم) أي: يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف التي يأمرهم بها المنهج؛ لأن الجنة محفوفة بالمكاره، ولأن التشريع الإلهي تقييد لحرية الاختيار في العبد، والمؤمن مقيد بأوامر الله تعالى في "افعل" و"لا تفعل”.      

ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته، ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد، أما المؤمن فحريته فقط فيما لم يرد فيه تشريع من الله تعالى، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد الحركة فيه بما قضى الله به.

فكأن الإيمان جاء ليقيد، ولكن إذا قارنا بين الجزاءين، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة، وعمره في الدنيا محدود، إذن فهو الخاسر، لأن الذي قيد حركته بمنهج الله يأخذ اطمئنانا في الدنيا ونعيماً مقيماً لا يزول ولا ينتهي في الآخرة.

والمثال الذي أضربه دائماً هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا يذاكر، ولكن يقضي وقته في اللعب واللهو، وهو قد أعطى نفسه ما تريد، ولكنه أخذ متعة محدودة، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره.

أما الذي قيد حركته بالمذاكرة، فقد منع شهوات نفسه في اللعب واللهو.

وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلاً مريحاً ومرموقاً بقية عمره.

إذن فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب، كل منهما أخذ لوناً من المتعة.

ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جداً، ثم أصبح من صعاليك الحياة، أما الثاني فقد قيَّد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح.

كذلك أنت في الدنيا؛ إن قيدت نفسك بالتكاليف "افعل" و"لا تفعل"، فظاهر الأمر أنك قَيَّدْتَ حريتك، وإن فعلت ذلك برضا، فالله يعطيك راحة واطمئناناً ومتعة في النفس.

ولذلك نجد الصلاة وهي التي يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم على الأقل؛ هذه الصلاة في ظاهرها أنها تأخذ بعضاً من الوقت كل يوم، ولكنها تعطي راحة نفسية، كما أنها تعطي اقتناعاً يفوق التصور إن خشع فيها الإنسان وأدَّاها بحقها، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يا بلالُ أرِحْنَا بالصلاة".

كما قال -صلى الله عليه وسلم- ضمن حديث رواه عنه أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة".

لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة.

ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ.

وانظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم)، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق.

والرب هو المالك؛ والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك.

(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ) (التوبة: 21).      

والرحمة والرضوان من صفات الله وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه سبحانه يهبها لمن يشاء.

ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: (وَجَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ) (التوبة: 21).      

ونجد أن هذا ترقٍّ وتدرجٌّ في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه أولاً بالرحمة، وهي ذاتية فيه، ثم بنعمة دائمة في الحياة.

ولنلحظ أن هناك فارقاً بين النعمة والمنعم.

ونضرب لذلك مثلاً -ولله المثل الأعلى- إذا دعاك إنسان في بيته وقت الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لابد أن يكون التفاح في الطبق يكفي كل الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة وأعطاها لأحد الجالسين.

فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم والاهمتام؛ فهي تمثل الرحمة والرضوان.

أما التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله مثل الجنات.

وهكذا نرى أن هناك اختلافاً في التكريم.

والمؤمنون حين يرتقون في درجة الإيمان؛ يعيشون دائماً مع النعمة والمنعم، فإذا جاء الطعام قالوا: "بسم الله"، وإذا أكلوا قالوا: "الحمد لله"، ولكنهم إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله بعباده الملائكة؛ يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب المنزلة العالية.

ولذلك "فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل"؛ ليرى الحق سبحانه وتعالى من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة عالية.

فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه؛ لأنه يستحق أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت؛ وأما الآخرون فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني للعبد، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً) (الكهف: 110).      

وقال أحد الصالحين: "إني لا أشرك بك أحداً حتى الجنة، لأن الجنة أحد”.      

وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ) وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح المولى سبحانه وتعالى ذلك وأضاف "الرضوان" إلى "الرحمة"، ولذلك يقول الحق عز وجل: (بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ) والرضوان هو ما فوق النعيم.

وبعد الرضوان يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَجَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ).

ولقائل أن يقول: هل هناك جنة ليس فيها نعيم؟

ولماذا ذكرت النعيم؟

والجنة وجدت أصلاً لينعم فيها الإنسان.

ونقول لمثل هذا القائل: انتبه والتفت جيداً إلى المعنى، فالمتحدث هو الله سبحانه وتعالى.

وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدراً ونكداً، قد يحدث كل ذلك فلا يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله؛ لأن المكدرات قد أحاطت به.

وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق سبحانه وتعالى لعبده ما تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا النعيم، لذلك يطمئن الحق العبد المؤمن أنه (نَعِيمٌ مُّقِيمٌ)، قد ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمناً طويلاً ثم تنتهي، وشاء الله -عز وجل- أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة.

فيقول سبحانه وتعالى: (خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ...).



سورة التوبة الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 021-025   سورة التوبة الآيات من 021-025 Emptyالثلاثاء 03 سبتمبر 2019, 10:40 pm

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وهذا ما يؤكد الاطمئنان في قول الحق سبحانه وتعالى: (لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ)، وكلمة (لَّهُمْ) أعطت شبه الملكية لهذا النعيم.

ولذلك مهما تملك الإنسان في هذه الدنيا، فهذا الامتلاك لا يتجاوز حدود أن يجلس؛ ويقوم الخدم بتنفيذ أوامره؛ لأن المتعة إما أن تكون بيدك، وإما أن تنعم بالراحة ويقدمها لك غيرك.

وعلى سبيل المثال حين تريد أن تأكل، فإما أن تعد الطعام لنفسك، وإما أن يعده لك غيرك.

ولا يوجد إنسان مهما أوتي من ملك بإمكانه أن يحقق كل ما يريده بيده.

بل لابد من الالتجاء إلى مساعدة الآخرين.

ولكن المؤمن في الجنة ينال ما يتمناه بمجرد أن يخطر الشيء بباله، وهذا يختلف عن الدنيا؛ لأنك حين ترغب في شيء في دنيانا، لابد أن تقوم به بنفسك، أو تعتمد على غيرك؛ لينفذه لك، حتى وإن كان ما تطلبه هو مجرد فنجان من القهوة، وأنت تحدد لصانعها الهيئة والنوع إن كنت تريدها بدون سكر، أو بقليل من السكر، أو بكثير من السكر، لأن كلاً منا في الدنيا إنما يحيا مع أسباب الله.

ولكن المؤمن في الجنة إنما يحيا مع المسبب وهو الله القادر العظيم.

وحين يقول المولى سبحانه وتعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّٰتٍ) فنحن نلحظ مقابلة الجمع بالجمع، وهي كما علمنا من قبل تقتضي القسمة آحاداً، فإذا دخل الأستاذ الفصل وقال لتلاميذه: أخرجوا أقلامكم، فكل تلميذ لا يخرج أقلاماً، بل يخرج كل تلميذ قلمه.

وإذا قلنا: اركبوا سياراتكم فليس معنى هذا أن يركب كل واحد كل السيارات، ولكن معناه أن يركب كل واحد سيارته.

وقول الحق: (جَنَّٰتٍ) ليس معناه أن يدخل كل مؤمن كل الجنات، ولكن المعنى والمقصود أن يدخل كل منهم جنته على حسب الأعمال التي اكتسبها والمنزلة التي وصل إليها.

ومن المهم أن نعلم أن صاحب الجنة عالية المنزلة لن يتلقى حسداً من صاحب الجنة متوسطة المنزلة.

وصاحب الجنة الدنيا لن يحسد من هو أعلى منه، وكذلك لن يزهو صاحب الجنة عالية المنزلة على غيره.

وكل واحد منهم يفرح بمكانة الآخر.

مثلما يحدث أحياناً في الدنيا حين يتفوق إنسان في دراسته فقد نجد من هو أقل منه درجة يفرح له بصفاء نفس، وكذلك لا يزهو متفوق بمكانته على الأدنى منه، وإذا كان ذلك هو ما يحدث في الدنيا، فما بالنا بالآخرة؟

حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) (الحجر: 47).      

أي: أن كلاً من أهل الجنة يفرح بمنزلته، ويفرح بمنزلة الأعلى منه، لأنه سينال من فيوضات الخير، التي عند الأعلى منزلة.

عندما يأتي لزيارته وقد قالوا في قول الحق سبحانه وتعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن: 46).      

إن كل من علت منزلته في الجنة له جنة خاصة به، وجنة أخرى ليتكرم بها على من هم دونه، وكأنها مضيفة لمن يحبهم، إذن ففي الآخرة يفرح أهل الجنة بمن هم أعلى منهم، لأنهم سينالون منهم خيراً.

وفي الدنيا إذا أراد إنسان أن ينال نعم كل الخلق، فلابد أن يفرح بالنعمة عند صاحبها؛ لأنه حين يفرح بالنعمة عند صاحبها أتت إليه واستفاد منها، وعلينا أن نوقن بأن النعمة تعشق صاحبها أكثر من عشق صاحبها لها، لأنها تعرف أن الله قد أرسلها إليه، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: (تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم: 25).      

وأنت حين تبذر بذرة الشجرة، تعطيك الشجرة الثمار، وهي التي تعطيك نتاجها.

ولست أنت الذي تنتزعه منها، ولذلك نقول دائماً: إن الرزق يعرف عنوانك جيداً ولكنك لا تعرف مكانه أبداً، فأنت تبحث عن الرزق في كل مكان وقد لا تجده.

ولكن ما قسمه الله لك من الرزق تجده يسعى إليك ويأتيك حتماً.

وأهل الجنة لا يعرفون الحقد ولا الحسد ولا الغل.

وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وهم جالسون معه ذات يوم: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة".

ودخل الرجل وعرفه الصحابة، فأرادوا أن يعرفوا ماذا يعمله هذا الصحابي حتى يستحق بشارة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة.قالوا له: ونحن نريد أن نعرف ماذا تفعل لنكون معك.

فقال الرجل: إني لأصلي كما تصلون وأصوم كما تصومون وأزكي كما تزكون.

ولكني أبيت وليس في قلبي غل لأحد.

فذهبوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا له: لقد قال الرجل كذا وكذا.

فقال -صلى الله عليه وسلم-: "وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا".

فالله سبحانه وتعالى يقول فيها: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) (الحجر: 47).      

ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى...).



سورة التوبة الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 021-025   سورة التوبة الآيات من 021-025 Emptyالثلاثاء 03 سبتمبر 2019, 10:41 pm

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والولي هو الذي يليك وينجز ما تحبه، وتلجأ إليه في كل أمر، وتأخذ منه النصيحة، كما أنه القادر أن يجيرك حين تفزع إليه، ويكون دائماً بمثابة المعين لك، والقريب الذي يسمع منك، إذا استغثت يغيثك وينصرك، ويكون معك في كل أمورك.

إن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق.

والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا هنا: إن أردتم أن يكون بناء الإسلام قوياً لا خلل فيه، فإياكم أن يكون انتماؤكم غير انتماء الإيمان، فهو فوق انتماء النسب والحسب وغير ذلك، وإن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق، فما يطلبه الخالق فوق ما يطلبه المخلوق؛ لأنك إن أغضبت المخلوق في رضا الخالق تكون أنت الفائز، ويقذف الله في قلب كل من حولك رضاهم عنك، وسيقال عنك صاحب مبدأ وضمير، ولا ترضى أن تغضب الله ليرضى عنك أحد.

وإن أسخطت الله لإرضاء مخلوق مهما كان، تجد أن الله يجعل هذا المخلوق يسخط عليك ويحتقرك.

فإن شهدت زوراً لصالح بشر.

يعرف عنك هذا الذي شهدت زوراً في حقه أنك شاهد زور فلا يأمنك، وإن جئت بالصدفة لتشهد عنده فهو لا يقبل شهادتك ويحتقر كلامك.

ولذلك قال الحكماء: شاهد الزور قد يرفع رأسك على الخصم بشهادته، ولكنك تدوس بقدمك على كرامته لأنه سقط في نظرك.

والانتماء إذن هو انتماء لله، فإن صادفك قريب يريد منك أن تفعل ما يغضب الله فلا تطعه، ولكن لا تكن فظاً معه.

وخصوصاً مع الوالدين لأن الله سبحانه وتعالى يقول عنهما: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً) (لقمان: 15).      

والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ) (التوبة: 23).      

إذن فالذي يربط كل شيء هو الكفر أو الإيمان.

وقد أعطانا صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المثل الخالد.

فقد كان سيدنا مصعب بن عمير أكثر الفتيان تدللاً في مكة، وكانت حياته في مكة قبل إسلامه غاية في الترف، وكان يرفل في الثياب الفاخرة، فلما هاجر إلى المدينة عاش ظروف الفقر المادي الصعب، لدرجة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رآه في الطريق ساتراً عورته بجلد شاة فلفت النبي عليه الصلاة والسلام نظر الصحابة إلى حالته هذه وكيف فعل الإيمان بمصعب حيث فضل الإيمان على نعيم الدنيا كلها.

لقد رأى مصعب -رضي الله عنه- أن شرفه بالانتماء إلى الإسلام أكبر من فاخر الثياب، وترف العيش وانطبق عليه قول الحق تبارك وتعالى: (ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التوبة: 20-22).      

وأعطانا سيدنا مصعب ومن معه المثل العظيم في الانتماء الإيماني، والمجاهدة في سبيل الله بالمال والنفس، وكيف نجعل اختيارنا مع منهج الله، هذا المنهج الذي يقيد الإنسان فيما له اختيار فيه.

فالإنسان مقهور في أشياء ومخير في أشياء.

ونعلم أن التكليف لا يأتي في الأمور التي نحن مقهورون عليها.

وإنما يأتي فيما لنا فيه اختيار.

فإذا ما كان لنا اختيار، فلنراع أن نختار بين البدائل في إطار منهج الله تعالى، ولا نخرج بعيداً عن هذا الإطار.

وكان المسلمون الأوائل يضحون بالبيت والمال والولد، ويهاجرون في سبيل الله.

واستقبلوا كل هذه التضحيات الصعبة بصدور مؤمنة، وصبر واحتمال شديدين؛ لأنهم وثقوا في البشارة من الله سبحانه وتعالى بأن لهم الجنة والرضوان، والنعيم المقيم؛ خالدين فيه لا يفارقهم ولا يفارقونه.

وبهذا أقيم بناء الإسلام.

وبعد أن بيَّن لنا الحق أسس الانتماء للدين، وجزاء هذا الانتماء، حذرنا أن ننحرف عنه لنرضى أباً أو إخوة أو أقارب، فقال: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ) (التوبة: 23).      

ويريدنا الله سبحانه وتعالى أن نعرف أن الانتماء لله لا يعلو عليه شيء، فإذا مِلْناَ عن الحق لنرضي أقارب، أو لنحتفظ بمال أو منصب، فذلك ظلم للنفس؛ لأن جزاء الحق ونعيمه أكبر، فلا ينصرن أحد الباطل، ولا يجعل أحدنا الإيمان خادماً لكفار لا يؤمنون بالله.

ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الصورة بقوله تعالى: (إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ)، وكلمة "استحب" أي: طلب الحب ومثلها مثل "استخرج" أي: طلب إخراج الشيء.

وإذا قلنا "استجاب الله" معناها: أجاب.

إذن فـ"استحب" معناها: أحب، ولكن "استحب" فيها افتعال.

و"أحب" فيها اندفاع بلا افتعال.

وقول الحق تبارك وتعالى (إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ) يدل على أن الكفر مخالف للفطرة الإيمانية للإنسان، لأن الإنسان بفطرته مؤمن محب للإيمان، فإن حاول أن يحب غير الإيمان، لابد أن يتكلف ذلك؛ وأن يفتعله لأنه غير مفطور عليه؛ وليس من طبيعته.

ولذلك يقول القرآن الكريم: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ) (البقرة: 28).      

وهذا التساؤل والتعجب يوضح لنا أن الذين يحكّمون المنطق والفكر والعقل يصعب عليهم الكفر بالله، لماذا؟

لأن الكون وجد أولا.

ثم وجد الإنسان، فكان من الواجب حين نأتي إلى كون لم نصنع فيه شيئاً أن نسأل: من الذي أوجده؟

وكان من الطبيعي أن يبحث العقل عن الموجد، وخصوصاً أن في الكون أشياء، لا قدرة للبشر على إيجادها؛ كالشمس، والأرض، والماء، والهواء، والنبات، والحيوان.

وكلها تمثل الاستقبال الجامع لمقومات حياتك.

كان من الطبيعي -إذن- أن نسأل: من الذي أوجد هذا الكون؟      

خصوصاً أننا نفتش عمن اخترع لنا اختراعاً بسيطاً مثل: مصباح الكهرباء وندرس تاريخ حياته، وكيفية اكتشافه، لمجرد أنه أضاف إلى حياتنا اختراعاً استفدنا منه، فما بالنا بمن خلق هذا الكون؟      

ولقد رحمنا سبحانه وتعالى من ضلالات الحيرة، فأرسل لنا رسولاً برحمة منه؛ لينبهنا ويقول لنا: إن هذا الكون من خلق الله القادر العظيم.

لماذا إذن لا نصدق الرسول، ونتبع المنهج الذي أنزل إلينا؟

ولقد ضربنا مثلاً -ولله المثل الأعلى- بشخص سقطت به الطائرة وسط الصحراء وبقي حياً، لكن لا ماء ولا طعام، ثم أخذته سِنَةٌ من النوم واستيقظ ليجد الطعام والشراب، وكل ما يحتاج إليه حوله؛ ألا يفكر قبل أن يأكل من كل هذا: من الذي جاء به؟      

وأنت أيها الإنسان قد جئت إلى هذا الكون العظيم وقد أُعِدَّ إعداداً مثالياً لحياتك، وهو إعداد فوق القدرة البشرية، فكان يجب أن تفكر من الذي أوجد هذا الكون؟      

إذن: فالإيمان ضرورة فطرية؛ وضرورة عقلية أيضاً، وإن ابتعدت عن الإيمان فهذا يحتاج إلى تكلف؛ لأنك تبتعد عن منطق الفطرة والعقل؛ لتحقق شهوات نفسك.

وما دمت قد اتبعت هواك وخضعت لشهوات النفس، فهذا لون من التكلف الذي يصيب ملكاتك بالخلل، وعقلك بالخبل، فحب الكفر لا يكون عاطفياً، أو فطرياً، كما لا يكون منسجماً مع العقل السليم، بل هو حب متكلَّف.

فالذي يفعل حلالاً يحيا وملكاته كلها منسجمة، والذي يفعل حراماً يعيش وملكاته مضطربة، والمثال: حين ينظر الرجل إلى زوجته، فهو ينظر إلى حلاله ويشعر أن ملكاته منسجمة، ولكن إن نظر إلى امرأة أخرى، فهو.      

يشعر باضطراب الملكات.

فالسلوك المتفق مع الإيمان سلوك سوي.

أما السلوك الخارج عن منهج الإيمان فهو الذي يحتاج إلى تكلف، وهذا التكلف يعارض الطباع الإنسانية.

بينما توابع الإيمان من الاستقامة لا تكلف شيئاً، فالمؤمن يكون مستقيماً فلا يرتشي، ولا يسرق، ولا يدخل بنفسه إلى مزالق الهوى أو الشهوة، ويحيا حياة طيبة، فإن فتح "دولابه" الخاص، وأخذ منه شيئاً فهو يأخذ ما يريد بهدوء واطمئنان، لكن المنحرف من يدخل إلى غير حجرته ويأخذ شيئاً من "دولاب" ما، حتى ولو كان "دولاب" الأب النائم، لذلك نجده يسير على أطراف أصابعه متلصصاً ليفتح "دولاب" أبيه.

إذن: فالاستقامة لا تحتاج إلى تكلف، ولكن الانحراف هو الذي يحتاج إلى تكلف، ولذلك قال الله سبحانه: (ٱسْتَحَبُّواْ) ولم يقل؛ "أحبوا"، لأن الحب أمر فطري، فالإنسان -مثلاً- يحب ابنه حباً فطرياً عاطفياً، والحب العاطفي لا يقنن.

فأنت لا تستطيع أن تقول: سأحب فلاناً وسأكره فلاناً؛ لأن العاطفة لا تأتي بهذه الطريقة؛ لذلك أنت تحب ابنك عاطفياً، حتى وإن كان فاشلاً في دراسته.

لكنك تحب ابن عدوك عقلياً إن كان متفوقاً، إذن فالحب العقلي هو الذي يقنن له.

وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه شفاؤك، فتبحث عنه، وتدفع المال من أجله، وتحرص على أن تتناوله، وكلنا نعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه".

ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقال: يا رسول الله: أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدي، ولكن كيف أحبك عن نفسي؟

فكرر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحديث قائلاً: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه".

وكررها عليه الصلاة والسلام ثلاثاً، فعلم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن هذا تكليف.

والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن.

وقد يتسامى المؤمن في الحب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليصير حباً عقلياً وعاطفياً.

ولكن الحب العقلي هو مناط التكليف، أما الحب العاطفي فلا يكلف به.

ولم يقنن الحق سبحانه وتعالى لانفعالات العواطف، لأنه سبحانه لا يمنع العواطف أن تنفعل انفعالاتها الطبيعية، فأنت تحب من يسدي إليك معروفاً، وهناك من تحبه دون أن تعرف السبب.

وهناك من تبغضه دون أن يكون قد عاداك أو آذاك، وكل ذلك متروك لك، ولكن الله سبحانه وتعالى نهى أن يؤدي ذلك إلى عدوان على الحق، فقال سبحانه وتعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ) (المائدة: 8).      

أي: لا يدفعكم كره قوم على أن تخرجوا عن طريق الحق وتظلموهم، فإن كرهتموهم فتمسكوا بالعدل معهم.

إذن فالله سبحانه وتعالى لم ينه عن الحب أو الكره؛ ولكنه نهانا عن أن نظلم من نكره أو نجامل من نحب على حساب الحق والعدل.

ويعطينا سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صورة حية لهذا؛ فقد قتل أبو مريم الحنفي زيد بن الخطاب شقيق سيدنا عمر في معركة اليمامة، ثم دخل في الإسلام؛ فكان كلما مر أمام سيدنا عمر قال له: إلو وجهك بعيداً عني، فإني لا أحبك.

فقال له أبو مريم الحنفي: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي.

قال: لا.

فقال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء.

والحق سبحانه وتعالى حين قال: (إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَٰنِ) إنما يريد أن يلفتنا إلى أنهم عارضوا فطرتهم وعقولهم؛ ولذلك لا نجعل انتماءنا لهم فوق انتمائنا لله، فالولاء لله فوق كل حق؛ حتى لو كان حق الأبوة، صحيح أن الأب سبب وجودك، ولكنه سبحانه وتعالى خلق أباك الأول آدم من عدم، فلا تجعل الخلق الفرعي يطغى على الخلق الأصلي.

ولذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: (وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ) لأنهم نقلوا الحق من الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، ولأنهم ظلموا أنفسهم فحرموها من الجزاء في الآخرة ليحققوا نفعاً عاجلاً في الدنيا.

ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (البقرة: 57).      

لأن أحداً لا يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى، والذي يتمرد على الإيمان بعد أن يسمع الدعوة إليه ولا يؤمن، ومن يأمره الحق بالطاعة فيعصي، فهذا تمرد على الإيمان، وإن كنت من المتمردين وجاءك الله بمرض؛ فهل تقدر على دفع المرض ولا تمرض؟      

وإذا جاءك الله بالموت.

أتستطيع أن تتمرد على الموت وتبعده عنك فلا تموت؟      

إذن: هناك أقدار لا تستطيع التمرد عليها، وأنت متمرد - فقط - فيما لك فيه اختيار.

وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يخاطبهم خطاباً صريحاً فقال: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ...).



سورة التوبة الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 021-025   سورة التوبة الآيات من 021-025 Emptyالثلاثاء 03 سبتمبر 2019, 10:42 pm

قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والخطاب هنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليبلغه للمؤمنين.

وقد جاء سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بمراحل القرابة، فذكر أولاً صلة النسب من آباء وأبناء وإخوة، ثم الزواج، وهو وسيلة التكاثر، ثم الأهل والعشيرة، ثم الأموال التي نملكها فعلا.

ثم الأموال التي نريد أن نكسبها، ثم المساكن التي نرضى بها، وبعد ذلك ذكر التجارة التي تزيد من المال.

وفرَّق الله سبحانه بين الأموال التي في حوزتنا وبين التجارة؛ لأن التجارة قد تأتي لنا بأموال فوق الأموال، والإنسان لا يحصل على سكن إلا إذا كان عنده فائض من المال.

ويذكرنا الحق سبحانه هنا إن كانت أي مسألة من هذه الأشياء، وهي زينة الحياة الدنيا أحب إليكم من الله ورسوله والجهاد في سبيل الله (فَتَرَبَّصُواْ) أي انتظروا حتى يأتيكم أمر الله، وجينئذ ستعرفون القيمة الحقيقية للدنيا وقيمة ما عند الله تعالى من رضاء ونعيم.

ولهذه الآية الكريمة أسباب نزول، وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما أُمِرَ بالهجرة من مكة إلى المدينة، أمر المسلمين بالهجرة، فتركوا أموالهم التي اكتسبوها بمكة وتجاراتهم ومساكنهم، وآبائهم وأبنائهم، وإخوانهم وأزواجهم وعشائرهم، التي تستطيع حمايتهم، تركوا كل هذا وهاجروا لأرض جديدة.

ولكن من المسلمين من ركنوا للدنيا فبقوا بجوار أموالهم وأزواجهم وأبنائهم المشركين، وكانت الواحدة من النساء المشركات تتعلق بقدمي زوجها المسلم الذي يريد الهجرة حتى لا يتركها فكان قلبه يرقُّ لها، ومنهم من كان يخشى ضياع ماله وكساد تجارته، التي بينه وبين المشركين، فنزلت هذه الآية.

إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح قيمة الانتماء الإيماني ويدرب المؤمنين عليه.

فقد كان المسلم لا يتم إيمانه حتى يهاجر، ويصارم أهله وأقاربه ويقاطعهم، فشق ذلك عليهم.

وقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في ديننا قطعنا آباءنا وأبناءنا وأزواجنا وأقاربنا، وخفنا على أموالنا وتجارتنا من الفساد، وخفنا على مساكننا أن تخرب، وبذلك نضيع، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكأنها تأمرهم بأن كسب الإيمان أعلى من أي كسب آخر، فأنزل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ) (التوبة: 24).      

ولما نزلت هذه الآية الكريمة أخذها الصحابة مأخذ الجد وهاجروا؛ وقاطعوا آباءهم وأبناءهم، حتى إن الواحد منهم كان يلقى أباه أو ابنه فلا يكلمه، ولا يدخله بيته، ولا ينزله في منزله إن لقيه، ولا ينفق عليه، إلى أن نزلت الآية الكريمة: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً) (لقمان: 15).      

أي: أن المعروف معهم يقتصر فقط في المعاملة وفي الإنفاق على المحتاج.

أما الطاعة لهم فيما يغضب الله فهي محرمة.

وحاول بعض المستشرقين أن يطعن في القرآن، فمنهم من قال: إن هناك تعارضاً بين آيات القرآن الكريم، فالآيتان اللتان ذكرناهما؛ الأولى تطلب مقاطعة الآباء والأبناء إن استحبوا الكفر على الإيمان، والآية الثانية تطلب مصاحبتهم بالمعروف أو عدم القطيعة، وآية ثالثة تقول: (لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (المجادلة: 22).      

ولم يفطن هؤلاء إلى أن هناك فارقاً بين الود والمعروف، فالود هو عمل القلب، فأنت تحب بقلبك، وتود بقلبك، ولكن المعروف ليس من عمل القلب لأنك قد تصنع معروفاً في إنسان لا تعرفه، وقد تصنع معروفاً في عدوك حين تجده في مأزق، ولكنك لا تحبه ولا توده.

إذن: فالمنهي عنه أن يكون بينك وبين من يحادون الله ورسوله حب ومودة، أما المعروف فليس منهياً عنه؛ لأن الله يريد للنفس الإيمانية أن تعترف بفضل الأبوة، فإن وجدت أباك وهو غير مؤمن في مأزق فاصنع معه معروفاً وساعده، لكن عليك ألا تطيعه فيما يغضب الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يربي في النفس الإيمانية أن تحترم من له فضل عليها.

والأب والأم من أسباب الوجود الفرعي في الحياة، لذلك جاء الأمر بمصاحبتهما بالمعروف في الدنيا، شرط ألا نقبل منهما دعوتهما للكفر إن كانا من أهل الكفر، لأن إيمانك بالله لابد أن يكون هو الأقوى.

ولذلك يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".

وذلك حتى لا يكون مقياس الحب هو النسب أو القربى، وإنما يكون القرب من الله سبب الحب، والبعد عن الله سبب الكره.

فقضية الإيمان تَجُبُّ قضية العاطفة.

ففي معركة بدر كان سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما ابنه فلم يكن قد أسلم بعد وكان مع الكفار، فلما أسلم ابن أبي بكر وآمن؛ قال لأبيه: لقد رأيتك يوم بدر فلويت وجهي عنك حتى لا أقتلك.

فرد سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه-: لو أني رأيتُكَ لقتلتُكَ.

وهذا منطقي مع الإيمان لأن الموازنة النفسية اقتضت أن يقارن ابن أبي بكر بين أبيه وبين صنم يعبده؛ فرجحت كفة أبيه، ولكن أبا بكر حين رأى ابنه قارن بين ربه وابنه فرجحت كفة ربه.

وإذا كان ذلك عن القرابة، وكيف يَجُبُّ الإيمان العاطفة، فماذا عن المال؟

يتابع المولى سبحانه وتعالى: (وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا) أي: أخذتموها بمشقة، وهي مأخوذة من "القرف" وهي القشر، وأنت إن أردت إزالة القشر عن حبة نبات ما، قد تجد شيئاً من المشقة؛ لأن هناك التصاقاً بين القشرة والحبة، والحق هنا يقول: (وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا) أي: أخذتموها بجهد ومشقة، وهو غير المال الموروث الذي لم يتعب فيه صاحبه، وإنما ورثه عن غيره، وفي هذه الحالة قد يكون أمره هيناً على صاحبه.

أما المال الذي كسبه الإنسان بعرق جبينه وكدِّه فصاحبه أكثر حرصاً عليه من المال الموروث.

ويقال: "فلان اقترف كذا"، أي: أنه قام بجهد حتى حصل عليه، ويقال: "اقترف الكذب" و"اقترف السرقة"، بمعنى أنه قد بذل جهداً ليكذب، أو بذل جهداً ليسرق، أي: قام بعملية فيها مجهود.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: (فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ) وسبحانه هنا يوضح لهم: انتظروا أمر الله الذي سوف يأتي، لأنه سبحانه لا يهدي فاسقاً خرج عن الإيمان، ولا يهدي من جعلوا حبهم للعلاقات الدنيوية فوق حب الله فخرجوا عن مشيئة هداية الله تعالى، فسبحانه لا يهديهم كما لا يهدي الظالمين أو الكافرين؛ لأن هؤلاء هم من قدموا الظلم والكفر والفسق، فكان ذلك سبباً في أن الله لم يدخلهم في مشيئة هداية المعونة على الإيمان، أما هداية الدلالة فقد قدمها لهم.

ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبعث الطمأنينة الإيمانية في نفوس المؤمنين، فيوضح لهم: إن كنتم تريدون بالآباء والأبناء والعشيرة والأقربين والمال قوة، فاعلموا أن قوة المؤمن من ربه، وإياك أن تنظر إلى ولي آخر غير الله؛ لأن ولاية البشر عرضة للتغير والتبدل، حيث إن الإنسان حدث يتقلب بين الأغيار، فالغني فيها قد يصبح فقيراً، والسليم قد يصبح مريضاً، والقوي قد يصير ضعيفاً، ولكن الولاية الدائمة إنما تكون من قادر قاهر لا يتغير، فإذا كان الله وَلِيَّكَ فهو القادر دائماً، والقاهر دائماً، والغالب دائماً، والموجود دائماً، والناصر دائماً، ولكن إذا كانت الولاية من إنسان لإنسان فالأغيار في الدنيا تجعل الصديق ينقلب عدواً، والمعين يصبح ضعيفاً لا يملك شيئاً، والموجود يصبح لا وجود له بالموت، إذن: فلابد أن تجعل ولايتك مع الله سبحانه وتعالى: لأنه هو الدائم الباقي.

ولهذا يعلِّم المولى -عز وجل- عبده المؤمن أن يكون دائماً يقظاً، فطناً، لبيباً، فيقول سبحانه وتعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ (الفرقان: 58).      

أي: لا تتوكل على من قد تصبح غداً فتجده ميتاً، ولكن توكل على الحي الموجود دائماً، العزيز الذي لا يقهر، القوي الذي لا يغلب.

وينبه الحق سبحانه وتعالى المؤمنين: إن كنتم تخشون حين نعزلكم عن مجتمع الكفر لما فيه من عزوة كاذبة بالآباء والأبناء والإخوان والأقارب والمال، فاعلموا أن الله هو الذي ينصر، وهو الولي، ولكن الكافرين لا مولى لهم؛ لأنهم يتخذون موالي من أغيار، والأغيار لا ثقة فيها؛ لذلك يقال: إذا وصل الإنسان إلى القمة فهذه نهاية الكمال، لأنه ما دام قد وصل إلى القمة وكل شيء في الدنيا يتغير، فلابد أن يتغير هو.

ويقول القائل: إذاَ تَمَّ شيءٌ بَدَأ نقصُه ترقَّبْ زوالاً إذَا قِيل تَمّ.

لأن كل شيء ابن أغيار لابد أن ينزل إلى أسفل، ويوضح الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين أنه إذا كان قد طلب منهم أن يعزلوا أنفسهم عن مجتمع الكفر؛ فأفقدهم بذلك قوة ونصيراً، فهم في مَنَعة أكبر؛ لأنهم حينئذ يكونون مع الله، والله هو النصير، وليس هذا كلاماً نظرياً، وإنما هو كلام مؤكد بالوقائع التي شهدتموها، وسبحانه وتعالى يقول بعد ذلك: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ...).



سورة التوبة الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة التوبة الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة التوبة الآيات من 021-025   سورة التوبة الآيات من 021-025 Emptyالثلاثاء 03 سبتمبر 2019, 10:43 pm

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وقوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) (التوبة : 25) يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند الله وحده، والدليل على أن النصر من عند الله أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة، و(مَوَاطِنَ) (التوبة : 25) جمع "موطن" والموطن هو ما استوطنت فيه.

وكل الناس مستوطنون في الأرض، وكل جماعة منا تُحيز مكاناً من الأرض ليكون وطناً لها، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذي هو الأرض؛ لأن الأرض موطن البشرية كلها، ولكن الناس موزعون عليها، وكل جماعة منهم تحيا في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه.

والله سبحانه هنا يقول: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) (التوبة : 25)، وما دام الحديث عن النصر، يكون المعنى: إن الحق سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها، مثل يوم بدر، ويوم الحديبية، ويوم بني النضير، ويوم الأحزاب، ويوم مكة، وكل هذه كانت مواقع نصر من الله للمسلمين، ولكنه في هذه الآية يخص يوماً واحداً بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة، فبعد أن تحدث إجمالاً عن المعارك الكثيرة يقول: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) (التوبة : 25) فكثرة عدد المؤمنين في يوم حنين كان ظرفاً خاصًّا، أما المواطن الأخرى، مثل يوم بدر فقد كانوا قلة، ويوم فتح مكة كانوا كثرة، ولكنهم لم يعجبوا؛ لم يختالوا بذلك، إذن: ففي يوم حنين اجتمعت لهم الكثرة مع الإعجاب، وبذلك يكون يوم حنين له مزية، فهو يوم خاص بعد الحديث العام.

(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) (التوبة : 25) هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه، إذن فيوم حنين ليس معطوفاً على (مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) (التوبة : 25) ولكنه جملة مستقلة بنفسها؛ لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن في بقية المواطن، وهذه دقة في الأداء اللغوي تتطلب بحثاً لغويّاً.

فكلمة (مَوَاطِنَ) (التوبة : 25) هي ظرف مكان، و(يَوْمَ حُنَيْنٍ) (التوبة: 25) هي ظرف زمان، فكيف جاز أن نعطف ظرف الزمان على ظرف المكان؟

ونقول: هذا هو ما يسميه العرب "احتباك"؛ لأن كل حدث مثل "أكل" و"شرب" و"ضرب" و"ذاكر"؛ كل حدث لابد له من زمان ولابد له من مكان، فإذا قلت: أكلت، نقول: متى؟

في الصبح، أو في الظهر، أو في العصر، أو في العشاء؟

وأين؟

في البيت، أو في الفندق، أو في المطعم، أو في الشارع.

إذن: فلابد لكل حدث من ظرف زمان وظرف مكان، فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة؛ ظرفية مكان حدوث الفعل، وظرفية زمان حدوث الفعل.

فإذا قلت: أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك أين تم الأكل؟

أو إذا قلت: أكلت في البيت ولم أسألك عن موعد الأكل ظهراً أو عصراً أو ليلا.

يكون الحدث غير كامل الظرفية.

ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان في الظرفية، ولكنهما يختلفان، فالمكان ظرف ثابت لا يتغير.

والزمان دائم التغير، فهناك الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء.

والزمان يدور، هناك ماضٍ وحاضر ومستقبل، وهكذا يشترك الزمان والمكان في الظرفية، ولكن الزمان ظرف متغير، أما المكان فهو ظرف ثابت.

وجاءت الآية هنا بالاثنين، فـ(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) (التوبة : 25) هو زمان ومكان لحدث عظيم، وأخذت الآية ظرف المكان في (مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) (التوبة : 25) وظرف الزمان في (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) (التوبة : 25) فإذا قيل: لم يحضر ظرف الزمان والمكان في كل واحدة، نقول: لا.

لقد حضر ظرف المكان في ناحية وظرف الزمان في ناحية ثانية، وهذا يسمونه كما قلنا "احتباك”.      

وقد حذف من الأول ما يدل عليه الثاني، وحذف من الثاني ما يدل عليه الأول، فكان المعنى: لقد نصركم الله يوم مواطن كذا وكذا.

فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى "ومواطن يوم حنين"، أي: جاء بالاثنين هنا.

ولكن شاء الله سبحانه وتعالى ألا يكون هناك تكرار، فأحضر واحدة هنا وواحدة هنا، وهذا يظهر واضحاً في قوله تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ) (آل عمران: 13).      

فما دامت الأخرى (كَافِرَةٌ) تكون الأولى "مؤمنة"، ولكن حذفت "مؤمنة" لأن (كَافِرَةٌ) تدل عليها، وما دامت الأولى المؤمنة تقاتل في سبيل الله، فالفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان.

وحذف تقاتل في سبيل الشيطان؛ لأن (تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ) دلَّتْ عليها.

وذلك حتى لا يحدث تكرار.

ونجد أن المؤمن الذي يستمع إلى كلام الله تعالى لابد أن يكون عنده عمق فهم، وأن يكون كله آذاناً صاغية حتى يعرف ويتنبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية.

إذن: فيكون ظرف الزمان موجوداً في واحدة، وظرف المكان موجوداً في واحدة، وكلاهما يدل على الآخر.

والمثال على ذلك أنه بعد أن انتهت هذه الغزوة، وعاد المسلمون إلى المدينة مجهدين لم يخلعوا ملابس الحرب، قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة".

فانطلق المسلمون دون أن يستريحوا إلى أرض بني قريظة، وهم اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وخانوا عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، وبينما الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة كادت الشمس تغيب، فقال بعض الصحابة: إن الشمس ستغيب ولابد أن نصلي العصر، وصلوا.

وفرقة ثانية من الصحابة قالت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلب منا ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة ولم يُصَلُّوا حتى وصلوا إلى هناك.

ونقول: إن الفريقين استخدما المنطق؛ لأن الصلاة تحتاج إلى ظرف زمان وظرف مكان، فالذي نظر إلى ظرف الزمان قال: الشمس ستغيب، وصلى، والذي نظر إلى ظرف المكان الذي حدده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يُصَلِّ.

وأقر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفريقين، واحترم اجتهادهما في: ظرفية الزمان، وظرفية المكان.

وفي هذا يروي نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة".

فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرَدْ منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف واحداً منهم.

(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً) (التوبة : 25) والغنى هو عدم الحاجة إلى الغير، وحنين هو موضع في واد بين مكة والطائف، تجمَّع فيه الكفار الذين ساءهم فتح المسلمين لمكة، فأرادوا أن يقوموا بعملية مضادة تُضيّع قيمة هذا النصر.

فاجتمعت قبائل هوازن وثقيف، واختاروا مالك بن عوف ليكون قائدهم في هذه المعركة.

واستطاع مالك بن عوف أن يجمع أربعة آلاف مقاتل، وانضم إليهم عدد من الأعراب المحيطين بهم.

ووضع مالك خطته على أساس أن يخرج الجيش ومعه ثروات المشاركين في الجيش من مال، وبقر وإبل.

وأن يخرج مع الجيش النساء والأطفال.

وذلك حتى يدافع كل واحد منهم عن عرضه وماله فلا يفر من المعركة، ويستمر في القتال بشجاعة وعنف؛ لأنه يدافع عن نسائه وأمواله وأولاده.

وبذلك وضع كل العوامل التي تضمن له النصر.

بينما المؤمنون عندما تبدأ المعركة سيقاتلون مدافعين عن دين الله ومنهجه.

واجتمع الكفار ونزلوا بوادٍ اسمه "وادي أوطاس”.      

وكان فيهم رجل كبير السن ضرير.

اسمه "دريد بن الصِّمة”.      

وكان رئيساً لقبيلة "جشم”.      

فلما وصل إلى مكان المعركة سأل: بأي أرض نحن؟

فقالوا: نحن بوادي أوطاس.      

فابتسم وقال: لا حزناً ضرس ولا سهلاً دهس، أي أنها أرض مناسبة ليس فيها أحجار مدببة، تتعب الذي يسير عليها، وليست أرضا رخوة تغوص فيها أقدام من يسير عليها، من "الحزن" فالحزن هو: الخشونة والغلظة، و"ضرس" هو: التعب أثناء السير، وأيضاً ليست أرضاً سهلة منبسطة رملية تغوص فيها الأقدام.

وعندما سمع العجوز بكاء الأطفال وثغاء الشاة، قال: أسمع بكاء الصبيان وخوار البقر.

فقالوا له: إن مالك بن عوف استصحب ذراريه واصطحب كل أمواله، فقال: أما الأموال فلا بأس، وأما النساء والذراري فهذا هو الأرعن -أي: لا يفهم في الحرب- أرسلوه لي، فأحضروه له.

فلما حضر قال: يا مالك ما حملك على هذا؟

قال: وماذا تريد؟

قال: ارجع بنسائك وذراريك إلى عُليَّا دارك، فإن كان الأمر لك؛ لحقك من وراءك.

وإن كان الأمر عليك لم تفضح أهلك وذراريك.

فقال له مالك: لقد كبرت وذهب علمك وذهب عقلك.

وأصر على رأيه.

ثم بدأ مالك بن عوف يرتب الجيش في الشِّعَابِ وتحت الأشجار حتى لا يراهم المسلمون عند مجيئهم.

فيتقدمون غير متنبهين للخطر، وحينئذ يتم الهجوم عليهم من كل جهة ومن كل مكان.

وعندما جاء جيش المسلمين لم ينتبهوا إلى وجود الكفار المختفين عن الأعين.

وحينئذ أعطى مالك بن عوف إشارة البدء بالهجوم، فخرج الكفار من كل مكان.

وفاجأوا المسلمين بهجوم شديد، قال المتحدث: فوالله ما لبث المسلمون أمامهم إلا زمن حلب شاة، حتى إنه من قسوة المعركة وضراوتها وقوة المفاجأة انهزم جيش المسلمين في الساعات الأولى للمعركة، ووصل بعض الفارين من القتال إلى مكة ولم يبق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ساحة المعركة إلا تسعة بينهم العباس عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكان ممسكاً بالدابة التي يركبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وسيدنا علي بن أبي طالب وكان يحمل الراية.

وسيدنا الفضل، وكان يقف على يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وسيدنا أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان يقف على يساره.

وكان معهم أيمن بن أم أيمن وعدد من الصحابة.

وهنا نتساءل: لماذا حدثت هذه الهزيمة للمسلمين في بداية المعركة؟

لأنهم عندما خرجوا إلى الحرب قالوا: نحن كثرة لن نهزم من قلة، وبذلك ذهبوا إلى الأسباب وتناسوا المسبب، فأراد الله أن يعاقبهم عقاباً يخزيهم ويُعْلي من قدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما حدث، قال العباس - وكان العباس صاحب صوت عال: أَذِّنْ في الناس، فقال العباس بصوت عال: يا معشر الأنصار - يا أهل سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة.

فلما سمع الناس نداء العباس، قالوا: لبيك لبيك.

وكان الذي يقول: "لبيك" يسمعه من هم وراءه ويقولون مثله، حتى عاد عدد كبير من المؤمنين إلى القتال، وحمى القتال واشتدت الحرب وصار لها أوار، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الآن حمى الوطيس، أي اشتدت الحرب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".

ويروى هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- البراء بن عازب، فقد جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: أن رجلاً قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفر، إن هوازن كانوا قوماً رُمَاةً، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول: "أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب".

أي: أنه رسول الله، والله لن يتخلى عنه ولن يخذله، ولم يثبت أمام المؤمنين واحد من هوازن وثقيف، وانتهت المعركة عن ستة آلاف أسير من النساء، كما غنم المسلمون أموالاً لا حصر لها وعدداً كبيراً من الإبل والبقر والغنم والحمير.

وأحضر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بديل بن ورقاء وقال له: أنت أمير على هاذ المغنم.

اذهب به وأنا سأتتبع الهاربين.

وانطلق جيش المسلمين إلى الطائف ليطارد الفارين.

واختبأ مالك بن عوف قائد العدو.

ثم عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك وقسم الغنائم، وكاد تقسيم الغنائم أن يحدث فتنة بين المسلمين؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أعطى الغنائم للمؤلفة قلوبهم، ولسائر العرب ولم يعط منها الأنصار، لقد أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقارن بين شيئين، بين سبايا هي أيضاً من متاع الدنيا فيعطي منها المؤلفة قلوبهم وبين حب الله ورسوله فيكون حظ الأنصار منه، فالأنصار الذين آووه -صلى الله عليه وسلم- في رأيه -صلى الله عليه وسلم- يستغنون بحبهم لرسول الله وقوة إيمانهم بالله عن مثل هذا المتاع الدنيوي، إلا أنه على الرغم من ذلك شعر بعض من الأنصار بالغُصَّة، وتأثر هذا البعض بذلك.

لما أعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطي من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومه فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء.

قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟

قال: يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا.

قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة.

قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة.

قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال: فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل.

ثم قال: يا معشر الأنصار ما قَالَةٌ بلغتني عنكم وجدَةٌ وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم.

قالوا: بل الله ورسوله أمنُّ وأفضل.

قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟

قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المنُّ والفضل؟

قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكَذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك أي: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر لهم ثلاثة أشياء من فضل الإسلام عليهم، وهي أنه نقلهم من الضلال إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، ومن العداوة إلى الأخوة والمحبة.

وعندما تحدث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن فضل الأنصار على الدعوة ذكر أربع فضائل، وهي أن أهل مكة كانوا قد حاولوا قتل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهاجر منها فآواه أهل المدينة، وجاء الرسول والمؤمنون إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فأعطاهم الأنصار من أموالهم وزوجاتهم، وكان الكفار يحاولون قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمَّنه الأنصار، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خذله قومه من قريش فنصره الأنصار.

عندما سمع الأنصار قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذكر مفاخرهم.

قالوا: المنة لله ولرسوله، أي: إننا معشر الأنصار لا نقول هذا الكلام الذي قلته أبداً؛ لأن حلاوة الإيمان وجزاء الإيمان أكبر من هذا بكثير، وبهذا لا يكونون هم الذين أعطوا، بل الإيمان هو الذي أعطاهم.

فالإيمان نَفْعُه نَفْع أبدي.

والحق تبارك وتعالى يقول: (قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَٰنِ) (الحجرات: 17).

وعندما قال الأنصار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل المنة لله ولرسوله، قال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: "أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار لعاعة من الدنيا تألَّفْتُ بها قوماً ليُسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعْباً وسلكت الأنصار شعْباً لسلكت شِعبْ الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار".

فلما سمعوا هذا القول من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَكَوْا حتى اخضلَّتْ لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله قسماً وحظاً وانتهت المسألة.

وهكذا نرى أنه حين تأتي مقارنة بين شيئين، لابد أن نتفاخر بالشيء الدائم الباقي الذي حصلنا عليه، أما الشيء الذي مآله إلى فناء فإنَّ من ليس معه يعيش كمن عاش معه، وهو متاع الدنيا، تعيش معه وتعيش بدونه.

ولكن لا أحد يستغني عن الإيمان، نستغني عن الدنيا نعم، أما عن الإيمان وعن الله ورسوله فلا.

وبعد أن قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغنائم، جاء وفد هوازن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بالجعرانة وقد أسلموا.

فقالو: يا رسول الله إنَّ أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا منّ الله عليك.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟

قالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا بل تردُّ علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا صليت للناس الظهر فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم.

فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم.

قال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا.

وقال عيَيْنة بن حصن بن حذيفة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا.

قال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا.

قالت بنو سليم: لا.

ما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فقال عباس: يا بني سليم وهنتموني.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم.      

ذلك هو ما يشير إليه قول الحق، تبارك وتعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) (التوبة: 25).      

أي: أنكم بدأتم المعركة ولم يكن الله في حسبانكم، بل كنتم معتمدين على كثرتكم فلم تنفعكم ولم تحقق لكم النصر؛ ولذلك فررتم خوفاً من الهزيمة ووجدتم الأرض ضيقة أمامكم، أي: تبحثون هنا وهناك عن مكان تختبئون فيه فلا تجدون، مع أن الأرض رحبة أي واسعة، ولكنها أصبحت ضيقة في نظركم وأنتم تفرون من المعركة.

إلا أن الحق سبحانه وتعالى لم يرد أن ينهي المعركة هذا الإنهاء.

ولكنه أراد فقط أن ينزع من قلوب المسلمين المباهاة بكثرة العدد وظنهم أن اللجوء إلى الأسباب الدنيوية هو الذي سيحقق لهم النصر.

أراد منهم سبحانه وتعالى أن يعلموا جيداً أنهم إنما ينتصرون بالله عز وجل، وأن كثرتهم دون الاعتماد عليه سبحانه لا تحقق لهم شيئاً.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: (ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ...).



سورة التوبة الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة التوبة الآيات من 021-025
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: التوبة-
انتقل الى: