منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 3:31 pm

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Ayy10
مُقدِّمَةٌ
الحمدُ لله الواحدِ العظيم الجبَّار القدير القويَّ القَهَّار، المُتَعالِي عن أنْ تُدركهُ الخواطر والأبْصار، يسمعُ أنين المدنفِ يَشْكو ما بِه مِنَ الأضْرار، ويُبْصِر دبيبَ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على الغَار، ويعلم خَفِيَّ الضَّمائرِ ومكنونَ الأسْرار، صفاتُه كذاته والمُشبِّهةُ كفَّار، نُقرُّ بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآنِ والأخبار, أحْمدُه سبحانَه على المَسَارِّ والمَضَارِّ، وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ لَهُ المتفردُ بالْخلقِ والتدبير {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسولهُ أفضلُ الأنبياءِ الأطهارِ، صلَّى الله عليه وعلى أبي بكر رفيقِه في الْغَار، وعلى عُمرَ قامِع الكُفَّار، وعلى عثمانَ شهيدِ الدَّار، وعلى عليٍّ القائمِ بالأسْحار، وعلى آلِهِ وأصْحابهِ خصوصاً المهاجرينَ والأنْصار، وسلَّم تسليماً.
*****
فِقْهُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَأَحْكَامُهُمَا وَفَتَاوِيهِمَا وَاِخْتِيَارَاتُهُمَا الفِقْهِيَّةُ
تعريفُ الحجِّ:
في اللغة: القصد.
وفي الشرع: التعبُّد لله -عزّ وجل- بأداء المناسك على ما جاء في سُنَّةِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقول بعض الفقهاء في تعريفه:
قصد مكة لعمل مخصوص، لا شك أنه قاصر؛ لأن الحَجّ أخص مما قالوا؛ لأننا لو أخذنا بظاهره لشمل من قصد مكة للتجارة مثلاً، ولكن الأولى أن نذكر في كل تعريف للعبادة: التعبد لله -عزّ وجل-، فالصلاة لا نقول إنها: أفعال وأقوال معلومة فقط، بل نقول: هي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، وكذلك الزكاة، وكذلك الصيام.

تعريفُ العُمْرَة:
والعُمْرَة في اللغة: الزيارة.
وفي الشرع: التعبد لله بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق أو التقصير.

حكمُ الحَجّ والعُمْرَة:
كل منهما واجب، ولكن ليس وجوب العُمْرَة كوجوب الحَجّ، لا في الآكدية، ولا في العموم والشمول.

أما الآكدية:
فإن الحَجّ ركن من أركان الإسلام، وفرض بإجماع المسلمين، وأما العُمْرَة فليست ركناً من أركان الإسلام، ولا فرضاً بإجماع المسلمين.

وأما العموم والشمول:
فإن كثيراً من أهل العلم يقولون: إن العُمْرَة لا تجب على أهل مكة، وهذا نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله-.

والحَجّ واجب وفرض بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع المسلمين، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإسلام.

واختلف العلماء في العُمْرَة، هل هي واجبة أو سنة؟
والذي يظهر أنها واجبة؛ لأن أصح حديث يحكم في النزاع في هذه المسألة، هو حديث عائشة ـرضي الله عنهاـ: حين قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحَجّ والعُمْرَة»، فقوله: «عليهن» ظاهر في الوجوب؛ لأن «على» من صيغ الوجوب، كما ذكر ذلك أهل أصول الفقه، وعلى هذا فالعُمْرَة واجبة ولكن هل هي واجبة على المكي؟

في هذا خلاف في مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، فالإمام أحمد نص على أنها غير واجبة على المكي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، بل إن شيخ الإسلام يرى أن أهل مكة لا تشرع لهم العُمْرَة مطلقاً، وأن خروج الإنسان من مكة ليعتمر ليس مشروعاً أصلاً، ولكن في القلب من هذا شيء؛ لأن الأصل أن دلالات الكتاب والسُّنَّة عامة، تشمل جميع الناس إلا بدليل يدل على خروج بعض الأفراد من الحكم العام.

واستدل بعض العلماء على وجوب العُمْرَة بقوله تعالى: {{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ}} [البقرة: 196].

فهل يسلم لهم هذا الاستدلال؟

الجواب:
يمكن ألا يسلم لهم؛ لأن هناك فرقاً بين الإتمام وبين الابتداء، فالآية تدل على وجوب الإتمام لمن شرع فيهما؛ لأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن يفرض الحَجّ، إذ الحَجّ لم يفرض إلا في السُّنَّة التاسعة، والحديبية كانت في ذي القعدة من السُّنَّة السادسة، ولهذا لو شرع الإنسان في الحَجّ أو العُمْرَة في كل سنة، قلنا: يجب عليك أن تتم، أما ابتداءً فلا يلزم الحَجّ إلا مرةً واحدة.

وجوبُ الحجِّ مرةً فى العمر:
لأن الله أطلق، فقال تعالى: {{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}} [آل عمران: 97].

ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«حين سئل عن الحَجّ أفي كل عام؟ قال: الحَجّ مرة، فما زاد فهو تطوع».

إلا لسبب كالنذر، فمن نذر أن يحج وجب عليه أن يحج؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه».

ولأن الحكمة والرحمة تقتضي ذلك، لأنه لو وجب أكثر من مرة لشق على كثير من الناس لاسيما في الأماكن البعيدة، ولاسيما فيما سبق من الزمان، حيث كانت وسائل الوصول إلى مكة صعبة جداً، ثم لو وجب على كل واحد كل سنة، لامتلأت المشاعر بهم ولم تكفهم منى ولا مزدلفة ولا عرفة.

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مرة»، يُستفاد منه فائدة عظيمة، وهي أن من مر بالميقات، وقد أدى الفريضة فإنه لا يلزمه الإحرام، وإن طالت غيبته عن مكة.

مثاله:
شخص له أربع سنين، أو خمس سنين لم يذهب إلى مكة، ثم ذهب إليها لحاجة تجارة، أو زيارة، أو ما أشبه ذلك، ومرَّ بالميقات، فإنه لا يلزمه أن يحرم؛ لأن الحَجّ والعُمْرَة إنما يجبان مرة واحدة، ولو ألزمناه بالإحرام لألزمناه بزائد عن المرة، وهذا خلاف النص.

وجوبُ الحجِّ والعُمْرَة على الفور للمستطيع:
أي: يجب أداؤهما على الفور إذا تمت شروط الوجوب.

والدليل على ذلك ما يلي: أولاً:
قوله تعالى: {{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}} [آل عمران: 97].

ثانياً:
حديث أبي هريرة: «أيها الناس إن الله كتب عليكم الحَجّ فحجوا».

والأصل في الأمر أن يكون على الفور، ولهذا غضب النبي صلّى الله عليه وسلّم في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا…

ثالثاً:
لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون الآن قادراً على أن يقوم بأمر الله -عزّ وجل-، وفي المستقبل عاجزاً.

رابعاً:
لأن الله أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال: {{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}...} [البقرة: 148]، والتأخير خلاف ما أمر الله به، وهذا هو الصواب، أنه واجب على الفور.

وقيل:
بل واجب على التراخي، واستدلوا بما يلي: أولاً:
بالقياس على الصلاة في الوقت إن شئت صلها في أول الوقت، وإن شئت فصلها في آخره، والعمر هو وقت الحَجّ، فإن شئت حجَّ أول العمر، وإن شئت آخرَهُ.

ثانياً:
أن الله فرض الحَجّ والعُمْرَة في السُّنَّة السادسة بقوله تعالى: {{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ}} [البقرة: 196]، ولم يحج النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا في السُّنَّة العاشرة.

ولكن الصحيح أنه واجب على الفور لما تقدم من الأدلة.

وأما القول:
أن عمر الإنسان كله وقت للحج فهذا صحيح، لكن من يضمن أن يبقى إلى السُّنَّة الثانية؟!

أما الصلاة فوقتها قصير فلذلك وسع فيها.

وأما الاستدلال بقوله تعالى:
{{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ}} [البقرة: 196]، فغير صحيح؛ لأن هذا ليس أمراً بهما ابتداءً، ولكنه أمر بالإتمام بهما، وفرق بين الابتداء والإتمام.

وأما فرض الحَجّ فالصواب أنه في السُّنَّة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك؛ لأن فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، وذلك أن قريشاً منعت الرسول صلّى الله عليه وسلّم من العُمْرَة فمن الممكن والمتوقع أن تمنعه من الحَجّ، ومكة قبل الفتح بلاد كفر، ولكن تحررت من الكفر بعد الفتح، وصار إيجاب الحَجّ على الناس موافقاً للحكمة.

والدليل على أن الحَجّ فرض في السُّنَّة التاسعة أن آية وجوب الحَجّ في صدر سورة آل عمران، وصدر هذه السورة نزلت عام الوفود.
 
فإن قيل:
لماذا لم يحج النبي صلّى الله عليه وسلّم في التاسعة، وأنتم تقولون على الفور؟.

الجواب:
 لم يحج صلّى الله عليه وسلّم لأسباب:
الأول:
كثرة الوفود عليه في تلك السُّنَّة، ولهذا تسمى السُّنَّة التاسعة عام الوفود، ولا شك أن استقبال المسلمين الذين جاؤوا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليتفقهوا في دينهم أمر مهم، بل قد نقول: إنه واجب على الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ ليبلغ الناس.

الثاني:
أنه في السُّنَّة التاسعة من المتوقع أن يحج المشركون، -كما وقع- فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يؤخر من أجل أن يتمحض حجه للمسلمين فقط، وهذا هو الذي وقع، «فإنه أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان».

وكان الناس في الأول يطوفون عراة بالبيت إلا من وجد ثوباً من الحُمس من قريش، فإنه يستعيره ويطوف به، أما من كان من غير قريش فلا يمكن أن يطوفوا بثيابهم بل يطوفون عراة، وكانت المرأة تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
ومــا بدا منــه فـلا أحله


على مَنْ يجب الحَجّ والعُمْرَة؟
يجب الحَجّ والعُمْرَة على:
1-المسلم:
هذا أحد شروط وجوب الحَجّ والعُمْرَة، والعِبادات كلها لا تجب إلا على المسلم؛ لأن الكافر لا تصح منه العبادة؛ لقول الله تعالى: {{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ}} [التوبة: 54].

فالإسلام شرط لكل عبادة، وإذا قلنا: إنها غير واجبة على الكافر، فلا يعني ذلك أنه لا يعاقب عليها، ولكنه لا يؤمر بها حال كفره، ولا بقضائها بعد إسلامه.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 3:36 pm

فعندنا ثلاثة أشياء: الأول:
الأمر بأدائها.
الثاني:
الأمر بالقضاء.
الثالث:
الإثم.

فالأمر بالأداء لا نوجهه إلى الكافر، والأمر بالقضاء إذا أسلم كذلك لا نوجهه إليه، والإثم ثابت يعاقب على تركها، وعلى سائر فروع الإسلام.

2-الحُرُّ:
ضده العبد الكامل الرِّق، والمبعَّض، وهذا هو الشرط الثاني لوجوب الحَجّ والعُمْرَة، وهو الحرية، فلا يجب الحَجّ على قِنٍّ ولا مبعض، لأنهما لا مال لهما، أما العبد الكامل الرِّق؛ فلأن ماله لسيده لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه، إلا أن يشترطه المبتاع».

فإذا لم يكن له مال فهو غير مستطيع، وأما المبعض فيملك من المال بقدر ما فيه من الحرية، فإذا ملك عشرة ريالات، ونصفه حر، صار له منها خمسة، ولكنه لا يستطيع أن يحج من أجل مالك نصفه -إذا كان مبعضاً بالنصف-؛ لأنه مملوك في هذا الجزء فلا يلزمه الحَجّ.

3-المكلف:
هو: البالغ العاقل، وهذا هو الشرط الثالث لكنه يتضمن شرطين هما البلوغ والعقل، فالصغير لا يلزمه الحَجّ، ولكن لو حج فحجه صحيح؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين رفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر»، والصغير من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة للذكور، وواحد من أمور أربعة للإناث.

فللذكور:
الإنزال، ونبات العانة، وتمام خمس عشرة سنة.
وللإناث:
هذه، وزيادة أمر رابع وهو الحيض.

وأما المجنون:
فلا يلزمه الحَجّ ولا يصح منه، ولو كان له أكثر من عشرين سنة؛ لأنه غير عاقل، والحَجّ عمل بدني يحتاج إلى القصد.

4-القادر:
والقادر: هو القادر في ماله وبدنه، هذا الذي يلزمه الحَجّ أداءً بنفسه، فإن كان عاجزاً بماله قادراً ببدنه لزمه الحَجّ أداءً؛ لأنه قادر.

مثل:
أن يكون من أهل مكة، لكنه يقدر أن يخرج مع الناس على قدميه ويحج.

وإن كان بعيداً عن مكة، ويقول: أستطيع أن أمشي، وأخدم الناس وآكل معهم فيلزمه الحَجّ، وإن كان قادراً بماله عاجزاً ببدنه لزمه الحَجّ بالإنابة، أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه، إلا إذا كان العجز مما يرجى زواله فينتظر حتى يزول.
 
مثال ذلك:
إنسان كان فقيراً وكبر وتقدمت به السن، وأصبح لا يمكن أن يصل إلى مكة فأغناه الله في هذه الحال، فنقول: لا يلزمه الحَجّ في هذه الحال ببدنه؛ لأنه عاجز عجزاً لا يرجى زواله، لكن يلزمه الحَجّ بالإنابة، أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه.

فالأقسام إذاً أربعة: الأول:
أن يكون غنياً قادراً ببدنه، فهذا يلزمه الحَجّ والعُمْرَة بنفسه.

الثاني:
أن يكون قادراً ببدنه دون ماله، فيلزمه الحَجّ والعُمْرَة إذا لم يتوقف أداؤهما على المال، مثل أن يكون من أهل مكة لا يشق عليه الخروج إلى المشاعر، وإن كان بعيداً عن مكة، ويقول: أستطيع أن أخدم الناس وآكل معهم فهو قادر يلزمه الحَجّ والعُمْرَة.

الثالث:
أن يكون قادراً بماله عاجزاً ببدنه، فيجب عليه الحَجّ والعُمْرَة بالإنابة.

الرابع:
أن يكون عاجزاً بماله وبدنه فيسقط عنه الحَجّ والعُمْرَة.

الأمور التي لا يكون الإنسانُ مستطيعاً قادراً إلا بعد توافرها وهي:
الأول: قضاء الواجبات:
والواجبات:
كل ما يجب على الإنسان بذله، كالديون لله -عزّ وجل-، أو للآدمي، والنفقات الواجبة للزوجة والأقارب، والكفارات، والنذور، فلا بد أن يقضي هذه الأشياء.

فمن كان عنده مال إن قضى به الدين لم يتمكن من الحَجّ، وإن حج لم يقض به، فهذا ليس بقادر إلا بعد قضاء الديون.

وإذا كان على الإنسان دين فلا حج عليه سواء كان حالاً أو مؤجلاً، إلا أنه إذا كان مؤجلاً وهو يغلب على ظنه أنه يوفيه إذا حل الأجل وعنده الآن ما يحج به فحينئذٍ نقول: يجب عليه الحَجّ.

الثاني: النَّفَقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ والحَوَائِجِ الأَصْلِيةِ:
«والنفقات الشرعية»، أي: التي يقرها الشرع ويبيحها، كالنفقة له، ولعياله على وجه لا إسراف فيه، فإذا كان عنده عشرة آلاف ريال، إن حج بها نقصت النفقة، وإن أنفق تعذر الحَجّ، فهل يحج ولو نقصت النفقة أو لا يحج؟

الجواب:
لا يحج

مثاله:
رجل نفقته الشرعية التي تليق بحاله عشرة آلاف ريال، وعنده الآن خمسة عشر ألف ريال يمكن أن يحج منها بخمسة آلاف، لكنه يقول: أنا أريد أن أنفق نفقة الملوك، أو نفقة الأغنياء الذين هم أكثر مني غنى؛ لأني في وسط حي كل من فيه أغنياء، فأحب أن تكون سيارتي عند بابي مثل سياراتهم، مع أنه يمكن أن يستعمل سيارة أقل بكثير، فهل نقول إن النفقة التي ينفقها نفقة شرعية؟

الجواب:
لا، بل هي نفقة إسراف في حقه، ولا عبرة بها. فنقول: ما زاد عن النفقة التي تليق بك، يجب عليك أن تحج بها.

«والحوائج الأصلية»، أي:
لابد أن يكون ما عنده زائداً على الحوائج الأصلية، وهي التي يحتاجها الإنسان كثيراً؛ لأن هناك حوائج أصلية، وحوائج فرعية.

مثال الحوائج الأصلية:
الكتب، والأقلام، والسيارة، وما أشبه ذلك، هي غير ضرورية، لكن لا بد لحياة الإنسان منها، فطالب العلم عنده كتب يحتاجها للمراجعة والقراءة، فلا نقول له: بع كتبك، وحج، أمّا لو كان عنده نسختان فنقول له: بع إحدى النسختين، فإن كانتا مختلفتين قلنا: اختر ما تراه أنسب لك، وبع الأخرى؛ لأن ما زاد على النسخة الواحدة لا يعتبر من الحوائج الأصلية، وإذا كانت له سيارتان لا يحتاج إلا واحدة منهما نقول له: بع واحدة، وحج بها وأبق الأخرى، فإن كانتا مختلفتين، فالذي يختار لنفسه يبقيه والذي لا يختار لنفسه يبيعه، فإن قيل: الصانع هل يبيع آلات الصنعة، ليحج بها؟

فالجواب:
لا يلزمه.

لكن لو كان عنده آلات كبيرة يمكن أن يقتات بآلات أصغر منها، فهل يلزمه أن يبيع ما يزيد على حاجته؟

الذي يتوجه عندي أن له أن يبقي الآلات الكبيرة؛ لأن استثمارها أكثر، ولأنه ربما يظن أن الآلات الصغيرة كافية في هذا الوقت، ثم يأتي وقت آخر لا تكفي، فيكون في ذلك ضرر عليه، وآلات الصانع تعتبر من أصول المال التي يحتاج إليها، وإذا لم يحج هذا العام، يحج العام القادم.

تنبيه:
«مَنْ أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه».

«مَنْ أعجزه كبر»، أي:
مع توافر المال لديه فهو قادر بماله غير قادر ببدنه فهو رجل غني، لكن لا يستطيع أن يحج بنفسه، لأنه كبير أو مريض لا يرجى برؤُه، فإنه يلزمه أن يقيم من يحج، ويعتمر عنه.

«لا يُرجى بُرؤُه»
فهم منه أنه لو كان يرجى برؤُه فإنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه، ولا يلزمه أن يحج بنفسه؛ لأنه يعجزه، لكن يجوز أن يؤخر الحَجّ هنا فتسقط عنه الفورية لعجزه، ويلزمه أن يحج عن نفسه إذا برئ، ونظير ذلك ما قلنا في الصوم: المريض مرضاً لا يرجى برؤُه يطعم عن كل يوم مسكيناً، والمريض مرضاً يرجى برؤه يفطر ويقضي.

«لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه» «من»:
هذه اسم موصول تشمل كل من يصح حجه، ولكن لا بد أن يكون على الصفة التي يجزئه فيها حج الفرض، فلو أقام عنه صبياً لم يجزئه؛ لأن الصبي لا يصح حجه الفرض عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو أقام رقيقاً -على القول بأن الحَجّ لا يجزئه- لم يجزئه أيضاً.

ويشترط لهذا النائب الذي ناب عن غيره ألا يكون عليه فرض، أي:
فرض الحَجّ، فإن كان عليه فرض الحَجّ فإنه لا يجزئ أن يكون نائباً عن غيره، فلو أقام فقيراً يحج عنه لأجزأ، لأنه ليس عليه فرض الحَجّ فهو كالغني الذي أدى الحَجّ عن نفسه، وإن أقام عنه غنياً لم يؤد الفرض عن نفسه فإنه لا يجزئه.

والدليل على ذلك:
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «سمع رجلاً يلبي يقول لبيك عن شبرمة، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة»

وفي بعض ألفاظ الحديث:
«هذه عنك وحج عن شبرمة»، وفي بعض ألفاظ الحديث: «اجعل هذه لنفسك، ثم حج عن شبرمة».

وهذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، واختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، فمنهم من قال: إنه ضعيف، لأنه مضطرب لاختلاف ألفاظه، ففي بعضها: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، وفي بعضها: «اجعل هذه لنفسك ثم حج عن شبرمة»، وفي بعضها: «هذه لنفسك وحج عن شبرمة»، قالوا: وهذا اضطراب يتغير به الحكم.

وقال بعضهم:
إن رفعه خطأ وأنه لا يصح إلا موقوفاً على ابن عباس -رضي الله عنهما-، وقالوا: إنه لا وجه للمنع أي منع من لم يحج عن نفسه من أن يحج عن غيره؛ بدليل أن الإنسان لو أدى الزكاة بالوكالة عن غيره قبل أن يؤدي زكاة نفسه، لكان ذلك جائزاً، فما المانع؟!

ولكن نقول:
لا شك أن الأولى والأليق ألا يكون نائباً عن غيره فيما هو فرض عليه حتى يؤدي فرضه أولاً، سواء صح هذا الحديث مرفوعاً أو صح موقوفاً، أو لم يصح، فإن النظر يقتضي أن يقدم الإنسان نفسه على غيره لعموم «ابدأ بنفسك» ، ونفسك أحق من غيرك.

لكن على المذهب يشترط هذا الشرط، وهو أن يكون النائب قد أدى فرض الحَجّ، فإن لم يؤد فرض الحَجّ، فإن ذلك لا يصح ويكون الحَجّ لهذا الذي حج، ويرد النفقة التي أخذها لمن وكله؛ لأن ذلك العمل الذي وكله فيه لم يصح له، فيرد عوضه.

وعموم كلامه -رحمه الله- يدل على أنه يجوز أن يقيم الرجل امرأة، وأن تقيم المرأة رجلاً، وهذا يؤخذ من عموم الاسم الموصول «من».

ويدل لذلك حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-:
«أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضة الحَجّ أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم»، فأذن لها أن تحج عن أبيها، وهي امرأة، فدل على أنه يجوز أن تحج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى أن يحج الرجل عن المرأة.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 3:42 pm

مسألة:
هل يجوز لرجل أن ينيب من يحج عنه أكثر من واحد في عام واحد؟

الجواب:
يجوز ذلك، لكن إذا أناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟

الجواب:
من أحرم أولاً، وتكون الثانية نفلاً.

مسألة:
هل يلزمه أن يقيم من يحج عنه من مكانه؟
لو أن هذا المنيب في مكة قد سافر إليها لغرض غير الحَجّ، إمّا لدراسة أو غيرها، ثم أراد أن يحرم بالفرض من مكة هل نبيح له ذلك أو نقول: اذهب إلى المدينة، لأنك من أهل المدينة، والحَجّ واجب عليك في المدينة؟

نقول:
لا بأس بأن يحرم بالحَجّ من مكة فإذاً لا بأس أن يحرم النائب من المدينة والسعي من المدينة إلى مكة ليس سعياً مقصوداً لذاته، وإنما هو سعي مقصود لغيره لعدم إمكان الحَجّ إلا من المدينة.

فالقول الراجح:
أنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه من مكانه، وله أن يقيم من يحج عنه من مكة، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن السعي إلى مكة مقصود لغيره.

مسألة:
 إذا علم النائب بأن المنيب قد عوفي قبل أن يُحرم، فما فعله بعد ذلك فهو على نفقته؛ لأنه علم أنه لا يجزئه حجه عن منيبه، وأما ما أنفقه قبل ذلك من النفقات فإنه على المنيب.

مثاله:
رجل أنفق منذ سافر من البلد إلى أن وصل إلى الميقات ألف ريال، ثم عوفي صاحبه قبل أن يحرم، فلا يجزئ أن يحرم عنه، فعلى المنيب ألف ريال، لأنه أنفقها بأمره قبل أن تنتهي مدة إنابته، وما بعد ذلك يكون على النائب إن استمر في السير، وأما إذا رجع فنفقة الرجوع على المنيب؛ لأن هذا النائب إنما سعى من البلد لمصلحة المنيب، فما غرمه فإنه يكون على المنيب، وبذلك يزول الإشكال.

فإن قدر أن النائب لم يعلم بشفاء صاحبه واستمر، وأدى الحَجّ، فما الحكم؟

نقول:
هذا الحَجّ لا يجزئ عن المنيب، لكنه يكون نفلاً في حقه، وتلزم المنيب الأجرة التي قدرها للنائب؛ لأن هذا النائب لم يعلم، وتصرف الوكيل قبل علمه بانفساخ الوكالة، أو زوالها يكون صحيحاً نافذاً، كما لو وكلت شخصاً يبيع لك شيئاً، ثم عزلته عن الوكالة، ولم يعلم بالعزل حتى تصرف، فإن تصرفه يكون صحيحاً بناءً على الوكالة الأولى التي لم يعلم بأنها فسخت.

اشتراطُ وجود المحرم للمرأة لوجوب الحَجّ عليها:
أي: أن يوجد معها محرم موافق على السفر معها، فلا يكفي أن يوجد محرم، بل لا بد من وجود محرم يوافق على السفر معها.

وقال بعض العلماء:
إن المحرم شرط للزوم الأداء لا للوجوب، وعلى هذا القول إن وجدت محرماً في حياتها وجب عليها أن تحج بنفسها، وإن لم تجد فإنها إذا ماتت يحج عنها من تركتها؛ لأن وجود المحرم شرط للزوم الأداء بنفسها، وليس شرطاً للوجوب.

لكن المذهب أصح أنه شرط لوجوب الحَجّ.

وإذا حجت المرأة بدون محرم صح حجها، ولكنها تأثم؛ لأن المحرمية لا تختص بالحَجّ.

محرمُ المرأة هو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح:
أي: المحرم زوجها، أي: من عقد عليها النكاح عقداً صحيحاً وإن لم يحصل وطء ولا خلوة.

«من تحرم عليه على التأبيد»، خرج به من تحرم عليه إلى أمدٍ كالمرأة المحرمة.

«بنسب»، أي: بقرابة.

«أو سبب مباح»، السبب المباح ينحصر في شيئين:
الأول: الرضاع.
الثاني: المصاهرة.

أما النسب:
فالمَحْرَم هو الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأُخت، والخال، هؤلاء سبعة محارم بالنسب، وهؤلاء تحرم عليهم المرأة على التأبيد.

والمحرم من الرضاع:
كالمحرم من النسب سواء، فيكون محرمها من الرضاع أباها من الرضاع، وابنها من الرضاع، وأخاها من الرضاع، وعمها من الرضاع، وخالها من الرضاع، وابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع، سبعة من الرضاع، وسبعة من النسب، هؤلاء أربعة عشر.

والمحارم بالمصاهرة أربعة:
أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج أم المرأة، وزوج بنت المرأة، فهم أصول زوجها أي: آباؤه وأجداده، وفروعه وهم أبناؤه، وأبناء أبنائه وبناته، وإن نزلوا، وزوج أمها، وزوج بنتها، لكن ثلاثة يكونون محارم بمجرد العقد، وهم أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج بنت المرأة، أما زوج أمها فلا يكون محرماً إلا إذا دخل بأمها.

«سبب مباح» خرج به ما ثبت التحريم به بسبب محرم، مثل: أم المزني بها، وأم الملوط به وبنته، على القول بأنه يوجب التحريم.

مثاله:
رجل زنا بامرأة، فهل يكون محرماً لأمها؟

الجواب:
لا، وأمها حرام عليه على التأبيد، وبنتها حرام عليه على التأبيد.

ولكن القول الراجح أن أم المزني بها ليست حراماً على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حراماً على الزاني؛ لأن الله تعالى قال: {{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}} [النساء: 24]، وفي قراءة أخرى: «وأَحَلَّ لَكُم ما وَرَاء ذَلِكُم» بالبناء للفاعل، ولم يذكر الله ـ-عزّ وجل- أم المزني بها وبنتها في المحرمات، وإنما قال: {{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}} [النساء: 23]، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعاً؛ لأن نساءه زوجاته، فإذا لم تكن من نسائه فإنه لا يصح أن يلحق السفاح بالنكاح الصحيح، فإذا تاب من الزنا جاز له أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، ومن باب أولى حِلُّ أم الملوط به وبنته.

أما الموطوءة بشبهة، أي:
لو وطئ امرأة بشبهة، أي: شبهة عقد، أو اعتقاد، فهل هو محرم لأمها؟

الجواب:
على المذهب: لا؛ لأن هذه المرأة الموطوءة بشبهة لا تحل له في باطن الأمر، فتحريم أمها أو بنتها بسبب غير مباح.

مثاله:
رجل تزوج امرأة، ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع، فوطؤه إياها شبهة؛ لأنه لا يعلم التحريم حين الوطء فأم هذه الزوجة حرام عليه وهي من محارمه؛ لأنه حين وطئ المرأة التي تزوجها يعتقد أنها حلال له.

مسألة:
هل المرأة التي تحرم عليه إلى أمد من محارمه كأخت زوجته مثلاً؟

الجواب:
ليست من محارمه؛ لأنها ليست محرمة على التأبيد، وأخت الزوجة ليست حراماً على الزوج، لأن الحرام هو الجمع، ولهذا قال الله تعالى: {{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}} [النساء: 23].

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها».

شروط المحرم:
يُشترط للمحرَم ما يلي:
الأول:
أن يكون مسلماً، فإن كان كافراً فليس بمحرَم، وظاهر كلام الأصحاب أنه ليس بمحرم، سواء كانت المرأة موافقة له في الدين أو مخالفة، وبناء على ذلك لا يكون الأب الكافر محرماً لابنته الكافرة، ويكون الأب الذي لا يصلي غير محرم لابنته التي تصلي، لأنه من شرط المحرم أن يكون مسلماً، وغير المسلم ليس بمحرم.

ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الرجل محرم لمن توافقه في الدين، فأبو المرأة الكافرة إذا كان كافراً يكون محرماً لها، ولا نمنعه من السفر هو وابنته مثلاً، فإن خالفته في الدين فإن كان دينه أعلى كمسلم مع كافرة فهو محرم بلا شك، وإن كان دينه أنزل كالكافر مع المسلمة، فإنه يكون محرماً للمسلمة، بشرط أن يؤمن عليها، فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم، ولا تُمكن من السفر معه.

الثاني:
أن يكون بالغاً، فالصغير لا يكفي أن يكون محرماً؛ ووجه ذلك أن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك.

الثالث:
أن يكون عاقلاً، فالمجنون لا يصح أن يكون محرماً، ولو كان بالغاً؛ لأنه لا يحصل بالمجنون حماية المرأة وصيانتها.

فإذا فُقد المحرم البالغ العاقل المسلم، فإنه لا يجب عليها الحَجّ، أو وجد ولكن أبَى أن يُسافر معها، فإنه لا يجب عليها الحَجّ... فإذا بذلت له النفقة أي نفقة الحَجّ، فهل يلزمه أن يحج معها؟

الجواب:
لا يلزمه؛ لأن ذلك واجب على غيره.

وقال بعض العلماء:
بل يلزمه، واستدلوا بما يلي:
أولاً:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للرجل الذي قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: «انطلق فحج مع امرأتك»، فأمره أن ينطلق ويحج مع امرأته، والأصل في الأمر الوجوب.

ثانياً:
لأنه إذا كانت المرأة ستتكفل بجميع النفقة فلا ضرر عليه في الغالب، ولا سيما إذا كان لم يؤد الفريضة؛ لأنه في هذه الحال قد نقول إنه يجب عليه من وجهين: لأداء الفريضة، ولقضاء حاجة هذه المرأة.

والذي أرى أنه لا يجب عليه الموافقة، ولا يلزمه السفر معها، وأما الحديث فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يحج مع امرأته؛ لأن المرأة قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 3:43 pm

مسألة:
امرأة مستطيعة ومعها محرم يمكن أن يحج بها كأخيها لكن لم يأذن زوجها؟

الجواب:
إذا وجب الحَجّ على المرأة فلا يشترط إذن الزوج بل لو منعها فلها أن تحج؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

حكمُ حجِّ الرقيق:
الرقيق يصح منه الحَجّ، إذاً الحرية شرط للوجوب، فلو حج الرقيق فإن حجه صحيح، ولكن هل يجزئ عن الفرض أو لا يجزئ؟

الجواب:
في هذا خلاف بين العلماء: فقال جمهور العلماء: إنه لا يجزئ؛ لأن الرقيق ليس أهلاً للوجوب، فهو كالصغير، ولو حج الصغير قبل البلوغ لم يجزئه عن حجة الإسلام فكذلك الرقيق.

وذهب بعض العلماء إلى أن الرقيق يصح منه الحَجّ بإذن سيده؛ لأن إسقاط الحَجّ عن الرقيق من أجل أنه لا يجد مالاً، ومن أجل حق السيد، فإذا أعطاه سيده المال وأذن له، فإنه مكلف بالغ عاقل فيجزئ عنه الحَجّ.

وليس عندي ترجيح في الموضوع؛ لأن التعليل بأنه ليس أهلاً للحج تعليل قوي، والتعليل بأنه إنما منع من أجل حق السيد قوي أيضاً؛ فالأصل أنه من أهل العبادات.

وهناك حديث في الموضوع:
«أن من حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى، وأن من حج وهو صغير ثم بلغ فعليه حجة أخرى»

لكنه مختلف في صحته والاحتجاج به، وإلا لو صح الحديث مرفوعاً إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم لكان هو الفيصل، وكثير من المحدثين قال: إنه موقوف على ابن عباس وليس مرفوعاً، وأنا متوقف في هذا.

إن زال الرق في الحَجّ بعرفة صح فرضاً:
ومعنى زوال الرق أن يعتق العبد، فإذا أعتقه سيده في الحَجّ بعرفة صح فرضاً، مع أنه حال إحرامه بالحَجّ كان الحَجّ في حقه نفلاً؛ لأن الحَجّ لا يجب على الرقيق على ما سبق من الخلاف فيه.

فعلى هذا يلغز بها، فيقال: عبادة أولها نفل ثم انقلبت إلى فرض بدون أن ينوي الفرض من أولها، فيكون الجواب هو: حج الرقيق إذا عتق في عرفة أو قبلها.

وقيل:
إنه لا يكون فرضاً إلا من حين العتق، فتكون هذه العبادة أولها نفلاً وآخرها فرضاً، وهذا أيضاً يلغز به، وهذا ليس بغريب؛ لأن الحَجّ يخالف غيره في مسألة النية في أمور متعددة، كما سيأتي أن الإنسان إذا قدم إلى مكة، وهو مفرد أو قارن فطاف وسعى، فإنه سيطوف للقدوم، وطواف القدوم سنة، وسيسعى للحج، فله بعد ذلك أن يقلب هذه النية إلى عمرة ليصبح متمتعاً، فالطواف كان للقدوم في الأول وهو سنة، وصار الآن للعمرة ركناً، والسعي الذي كان أولاً للحج صار الآن للعمرة فالحَجّ له أشياء يخالف غيره فيها.

هل المجنون تصح منه نية الإحرام؟
من أهل العلم من قال: إن المجنون يجوز أن يحرم عنه وليه، كما يحرم عن الصغير، فالصغير ليس له تمييز، والمجنون ليس له عقل، فإذا جاز أن يحرم عن صبيه الذي ليس له تمييز، فإنه يجوز أن يحرم عن المجنون، وبناءً على هذا القول لا إشكال؛ لأنه سيحرم عنه وليّه وهو مجنون، ويبقى محرماً، فإذا عقل بعرفة صح أن نقول: إنه زال جنونه بعرفة، وهو محرم.

وأما إذا قلنا:
إن المجنون لا يصح إحرامه بنفسه ولا بوليّه.

نقول:
لا يبطل الإحرام بالجنون، بل يبقى على إحرامه، ثم إن زال جنونه بعرفة أتمه، وإن زال بعد عرفة فإنه قد فاته الحَجّ ويتمه عمرة، وإن بقي على جنونه، فإنه يكون كالمُحصر، أي: أنه يتحلل، ويذبح هدياً إن تيسر، هذا إن قلنا: إن الحَجّ لا يبطل بالجنون.

أما إذا قلنا بالقول الثاني:
إنه يبطل بالجنون، فإنه إذا جُن في أثناء الإحرام بطل حجه.

ولو قيل بالتفصيل:
أنه إذا كان من عادته أن يجن يوماً أو ليلة ثم يفيق؛ فالنسك لا يبطل وإن كان لا يدرى عنه، فهنا يتوجه القول بالبطلان؛ لأنه صار غير أهل للعبادة.

حكمُ حجِّ مَنْ بلغ بعرفة:
لو زال الصبا في الحَجّ بعرفة، والصبا، أي: الصغر وذلك بأن يبلغ بعرفة، وهل يمكن أن يبلغ بعرفة؟

الجواب:
نعم يمكن، ويكون إما بالسن أو بالاحتلام، فبالسن بأن يكون هذا الصبي قد ولد في منتصف يوم عرفة، وفي يوم عرفة تم له خمس عشرة سنة، فحينئذٍ نقول: قد بلغ في عرفة، وإما في الاحتلام، فذلك أن ينام في يوم عرفة ويحتلم، فيكون قد بلغ في يوم عرفة، وإذا بلغ الصبي في عرفة صار حجه فرضاً، وأجزأه عن حجة الإسلام.

لو اعتمر الصبي، وأثناء العُمْرَة وقبل أن يشرع في الطواف بلغ فإن عمرته هذه تكون فرضاً، وكذلك المجنون لو جن بعد إحرامه للعمرة، أو قلنا: بصحة إحرام وليه عنه، ثم عقل قبل طواف العُمْرَة فإنه يصح فرضاً، وكذلك أيضاً العبد إذا أحرم بالعُمْرَة وهو رقيق، ثم أعتقه سيده قبل طواف العُمْرَة فإنه يصح فرضاً.

تنبيه:
لو زال الرق، والجنون، والصبا، بعد عرفة فإنه لا يكون فرضاً، إلا أنه إن زال بعد عرفة مع بقاء وقت الوقوف، ثم عاد فوقف فإنه يصح فرضاً.

مثاله:
أن يكون الصبي أو الرقيق قد دفع من عرفة بعد غروب الشمس ليلة العيد، وفي تلك الليلة بلغ أو أعتق، فنقول له: إذا رجعت الآن إلى عرفة، ووقفت بها فإن حجك يكون فرضاً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الحَجّ عرفة»، وقد وقفت بعرفة قبل فوات وقته، ويجب أن يرجع بعد ذلك إلى مزدلفة من أجل أن يبيت بها.

فإن قيل:
هل يلزمه إذا بلغ بعد الدفع من عرفة مع بقاء وقت الوقوف أن يرجع إلى عرفة، أم له أن يستمر؟

فالجواب:
إن قلنا: إن الحَجّ واجب على الفور، وجب أن يرجع ليقف بعرفة، حتى يؤديه من حين وجب عليه، وإن قلنا: إنه على التراخي لم يلزمه أن يرجع إلى عرفة، ويستمر في إتمام هذا الحَجّ، ويكون هذا الحَجّ نفلاً لا فرضاً.

حكمُ العُمْرَة والحجِّ من الصبى:
يصح فعل العُمْرَة والحَجّ من الصبي، ولكن يكون نفلاً؛ لأن من شرط الإجزاء: البلوغ، فإذا حج وهو صغير فالحَجّ في حقه نفل وليس بفرض، وكذلك يقال في العبد إن قلنا لا يجزئه الحَجّ عن الفريضة وقد تقدم.

مسائـــــل
الأولى: كيف يحج الصبي على وجه التفصيل؟

فنقول:
إن الصبي إن كان مميزاً فإن وليه يأمره بنية الإحرام، فيقول: يا بني أحرم، لأنه يميز، وإن كان غير مميز فإنه ينعقد إحرامه بنية وليه عنه، وأما الطواف فإن كان مميزاً أمره بنية الطواف، وإن لم يكن مميزاً فينويه عنه وليّه، ثم إن كان قادراً على المشي مشى، وإن لم يكن قادراً حمله وليه أو غيره بإذن وليه، ويقال في السعي كما قيل في الطواف، أما الحلق أو التقصير، فأمره ظاهر.

الثانية:
 هل الأولى أن يحرم بالصغار بالحَجّ أو العُمْرَة، أم الأولى عدم ذلك؟

الجواب:
في هذا تفصيل، وهو إن كان في وقت لا يشق فإن الإحرام بهم خير؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للمرأة التي رفعت له الصبي، وسألته هل له حج؟ قال: «نعم ولك أجر». وأما إن كان في ذلك مشقة كأوقات الزحام في الحَجّ أو العُمْرَة في رمضان، فالأولى عدم الإحرام؛ لأنه ربما يشغل وليه عن أداء نسكه الذي هو مطالب به على الوجه الأكمل، وقد يترتب على ذلك مشقة شديدة على الصبي وأهل الصبي.

الثالثة:
 إذا أحرم الصبي، فهل يلزمه إتمام الإحرام؟

الجواب:
المشهور من المذهب أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحَجّ والعُمْرَة يجب إتمام نفلهما، والحَجّ والعُمْرَة بالنسبة للصبي نفل، فيلزمه الإتمام.

والقول الثاني:
وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-: أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف ولا ملزم بالواجبات فقد رفع عنه القلم، فإن شاء مضى وإن شاء ترك، وهذا القول هو الأقرب للصواب، وهو ظاهر ما يميل إليه صاحب الفروع، وعلى هذا له أن يتحلل ولا شيء عليه، وهو في الحقيقة أرفق بالناس بالنسبة لوقتنا الحاضر؛ لأنه ربما يظن الولي أن الإحرام بالصبي سهل، ثم يكون على خلاف ما يتوقع، فتبقى المسألة مشكلة، وهذا يقع كثيراً من الناس اليوم، فإذا أخذنا بهذا القول الذي هو أقرب للصواب لعلته الصحيحة زالت عنا هذه المشكلة.

الرابعة:
إذا كان الصبي يعقل النية، ولكنه لا يستطيع الطواف بنفسه؟

الجواب:
يحمله وليه أو غيره بإذن وليه في الطواف وفي السعي؛ لأن الركوب في الطواف والسعي جائز عند العجز، وقد قالت أم سلمة للنبي صلّى الله عليه وسلّم حين أمر بالطواف للوداع: يا رسول الله، إني مريضة، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة». فدل هذا على أنه يجوز الركوب عند العجز، والحمل بمعناه.

الخامسة:
 المحمول هل يجب أن تكون الكعبة عن يساره مع أن الغالب أن تكون عن يمينه؟

الجواب:
المذهب لا بد أن تكون عن يساره، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون الكعبة عن يساره إلا إذا حمله على الكتف.

والذي يظهر لي أنه ليس بشرط؛ لأن ظاهر قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «نعم ولك أجر»، أن له حجاً، ويحمل على ما يحمل عليه، ولما فيه من المشقة.

السادسة:
إذا قلنا: بأنه يحمله، فهل يصح أن يطوف عن نفسه وعن الصبي بطواف واحد، أم لا يصح؟

الجواب:
المذهب أنه لا يصح، وإذا نوى عن نفسه وعن المحمول، فإنه يقع عن المحمول ولا يقع عن نفسه.

القول الثاني:
لا يصح، ولكن إذا نوى عن نفسه وعن المحمول، فإنه يقع عن نفسه دون المحمول؛ لأنه أصل والمحمول فرع.

والذي نرى في هذه المسألة:
أنه إذا كان الصبي يعقل النية فنوى وحمله وليه، فإن الطواف يقع عنه وعن الصبي؛ لأنه لما نوى الصبي صار كأنه طاف بنفسه.

أما إذا كان لا يعقل النية فإنه لا يصح أن يقع طواف بنيتين، فيقال لوليه: إما أن تطوف أولاً، ثم تطوف بالصبي، وإما أن تكل أمره إلى شخص يحمله بدلاً عنك، فإن طاف بنيتين فالذي نرى أنه يصح من الحامل دون المحمول.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 9:53 pm

المَوَاقِيْتِ
تعريفُ المواقيت:
جمع ميقات وهو مأخوذ من الوقت، وهو زماني ومكاني، أي: قد يراد بالميقات الوقت الزمني.

وقد يُراد به المكاني، وهو هنا يُراد به الزمان، والمكان.

1-ميقات أهل المدينة ذو الحليفة:
«الحليفة» تصغير الحلْفَاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرَته فيه، تبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وتبعد عن مكة عشرة أيام، وعلى هذا فهي أبعد المواقيت عن مكة.

2- ميقاتُ أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة:
أهل الشام يشمل أهل فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وجهاتهم، وأما أهل مصر والمغرب فذكرهم هنا؛ لأنه لم تكن هناك قناة السويس فكانت القارة الأفريقية والآسيوية يمكن العبور من واحدة إلى الأخرى عن طريق البر، فيأتي أهل مصر من طريق البر، وكذلك أهل المغرب من طريق البر ويمرون بالجحفة.

والجحفة قرية قديمة اجتحفها السيل وجرفها وزالت، وكذلك أيضاً حل بها الوباء الذي دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن ينقله الله من المدينة إلى الجحفة فقال: «اللهم انقل حمَّاها -أي حمَّى المدينة- إلى الجحفة»، لأنها كانت بلاد كفر.

ولما خَربت الجحفة وصارت مكاناً غير مناسب للحجاج جعل الناس بدلها رابغاً، ولا يزال الآن ميقاتاً، وهو أبعد منها قليلاً عن مكة، وعلى هذا فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة، وبينها وبين مكة نحو ثلاثة أيام، والفرق بينها وبين المدينة سبعة أيام.

3-ميقاتُ أهل اليمن يلملم:
«يلملم» قيل: إنه مكان يسمى يلملم، وقيل: إنه جبل يلملم، والميقات عند هذا الجبل، وأياً كان فهو معروف.

4-ميقاتُ أهل نجد قرن المنازل:
وقيل: إنه يقال له قرن الثعالب.

ولكن الصحيح، أن قرن الثعالب غير قرن المنازل.

5-ميقاتُ أهل المشرق ذات عرق:
وسمي هذا المكان بذات عرق؛ لأن فيه عرقاً وهو الجبل الصغير.

وهذه الثلاثة يلملم، وقرن المنازل، وذات عرق متقاربة، وهي عن مكة نحو ليلتين، وذات عرق أبعد من قرن المنازل، وهذه الأسماء ليست باقية الآن، فذو الحليفة تسمى أبيار علي، والجحفة صار بدلها رابغ، ويلملم تسمى السعدية، وقرن المنازل يُسمى السيل الكبير، وذات عرق تسمى الضَّريْبَة، ولكن الأمكنة -والحمد لله- مازالت معلومة مشهورة للمسلمين لم تتغير.

المواقيتُ لأهلها ولمن مرَّ عليها من غيرهم:
«لأهلها»، أي: أهل هذه الأماكن المذكورة: المدينة، والشام، واليمن، ونجد، والمشرق، هذه المواقيت لأهل هذه البلاد.

«ولمن مرَّ عليها من غيرهم»، فإذا مر أحد من أهل نجد بميقات أهل المدينة فإنه يُحرم منه، ولا يكلف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد، وإذا مرَّ أهل اليمن بميقات أهل المدينة، فإنهم لا يكلفون الذهاب إلى يلملم؛ لما في ذلك من المشقة، فكان من تسهيل الله -عزّ وجل- أن من مر بهذه المواقيت فإنه يحرم من أول ميقات يمر به.

مسألة:
إذا كنت من أهل نجد ومررت بميقات أهل المدينة فبين يديك ميقات آخر وهو الجحفة؛ لأن الجحفة بعد ذي الحليفة، فهل تؤخر إحرامك إلى الجحفة أو لابد من أن تحرم من ذي الحليفة؟

مقتضى الحديث أنه لا بد أن تحرم من ذي الحليفة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»، فإذا وصلت إلى هذا الميقات، وأنت تريد الحَجّ أو العُمْرَة وجب عليك الإحرام منه.

واختلف العلماء فيما إذا مر الشامي بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة التي هي الأصل في ميقات أهل الشام؟

فالجمهور أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة.

وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يحرم من الجحفة؛ وعلل ذلك: أن هذا الرجل مرّ بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما، وأحدهما فرع، والثاني أصلٌ، فالأصل الجحفة، وميقات أهل المدينة فرع، وهو للتسهيل والتيسير على الإنسان، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

والأحوط الأخذ برأي الجمهور؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن»، فوقت هذا لمن أتى عليه، فيكون هذا الميقات الفرعي كالميقات الأصلي في وجوب الإحرام منه، والقول بهذا لا شك بأنه أحوط وأبرأ للذمة.

وهذه المواقيت الخمسة، عينها الرسول صلّى الله عليه وسلّم لهذه البلاد قبل أن تفتح، فالشام ومصر في عهده لم تفتح، واليمن في عهده لم يفتح منه إلا جزء يسير، والعراق لم يفتح، قال العلماء: وهذا من آيات الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن توقيتها لأهل هذه البلاد، إشارة إلى أن هذه البلاد سوف تفتح، ويحج أهلها، ويصيرون مسلمين بعد أن كانوا كفاراً.

مَنْ حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامهم من مكة وعمرته من الحل:
فإن من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامهم من مكة، ولو كانت العبارة: «ومن حج من مكة فمنها» لشملت أهل مكة وغيرهم، لكنه -رحمه الله- تبع غيره في العبارة فقال: «من حج من أهل مكة فمنها».

لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين وقّت المواقيت: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة»؛ ولأن الصحابة -رضي الله عنهم- الذين حلوا من إحرامهم مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم أحرموا من مكة من الأبطح، ونأخذ من هذا الحديث أن من كان دون هذه المواقيت، فإنه يحرم من مكانه.

فمثلاً:
أهل الشرائع في طريق أهل نجد، لا نقول لهم إذا أرادوا أن يُحرموا: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، وإنما نقول: احرموا من مكانكم، وأهل جدة كذلك، لا حاجة أن يذهبوا إلى الجحفة ولا إلى ذي الحليفة.

وانظر إلى هذا التعبير النبوي حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: «من حيث أنشأ»، ولم يقل: من بلده؛ لأن بلده قد يكون دون المواقيت، ولكنه في مكان آخر غير بلده فينشئ نية العُمْرَة أو الحَجّ منه، فنقول: أحرم من حيث أنشأت.

والمكي إذا كان خارج مكة لغرض، ثم رجع إلى مكة في أيام الحَجّ وهو ينوي الحَجّ في هذه السُّنَّة، فلا يلزمه أن يدخل بعمرة لأنه رجع إلى بلده، ولم يرجع لقصد العُمْرَة.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 9:57 pm

«وعمرته من الحل»، أي:
عمرة من كان من أهل مكة من الحل، أي: من أي موضع خارج الحرم، والحرم له حدود معروفة -والحمد لله- إلى الآن، وتختلف قرباً وبعداً من الكعبة، فبعضها قريب من الكعبة، وبعضها بعيدٌ من الكعبة، وأقربها من الكعبة التنعيم، وأبعدها من جهة جدة ومن جهة عرفة أيضاً، بعضها تسعة أميال، ومنها أحد عشر ميلاً، وهذه الحدود توقيفية - ليس للرأي فيها مجال، فلا يقال: لماذا بعدت حدود الحرم من هذه الجهة دون هذه الجهة؟

«وعمرته من الحل»
يشمل الحل القريب والبعيد، فلو قال قائل: أنا لا أريد أن أحرم من التنعيم، وأريد أن أحرم من طريق جدة وهو بعيد -حوالي عشرة أميال- فله أن يفعل.

وهل الأفضل أن يختار الأبعد، أو أن يختار الأقرب، أو أن يختار الأسهل؟

قال بعض العلماء:
بل الأفضل أن يختار الأبعد؛ لأنه أكثر أجراً، ولكن في النفس من هذا شيء.

وقال بعض العلماء:
الأفضل أن يحرم بالعُمْرَة من ميقات بلده، فإذا كان من أهل نجد، وأراد أن يحرم قلنا: الأفضل أن تحرم من قرن المنازل.

والأقرب أن الأفضل هو الأسهل؛ وعليه فإذا كنت في مزدلفة فأحرم من عرفة؛ لأنها أقرب الحل إليك، وإذا كنت في جهة الشرائع وأنت داخل الحرم فالجعرانة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحرم منها حين جاء من الطائف من غزوة حنين.

«وعمرته من الحل»
هذا الذي عليه جمهور أهل العلم أن من كان في مكة، وأراد العُمْرَة، فإنه يحرم من الحل.

ودليل هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما طلبت منه عائشة -رضي الله عنهاـ أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن -رضي الله عنه- وقال: «اخرج بأختك من الحرم، فلتهل بعمرة من الحل»، فدل ذلك على أن الحرم ليس ميقاتاً للعمرة، ولو كان ميقاتاً للعمرة، لم يأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- أن يخرج بأخته، ويتجشم المصاعب في تلك الليلة لتحرم من الحل؛ لأنه من المعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يتبع ما هو أسهل ما لم يمنعه منه الشرع، فلو كان من الجائز أن يحرم بالعُمْرَة من الحرم لقال لها: أحرمي من مكانك.

فإن قال قائل:
ماذا تقولون في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة»، ثم ذكر المواقيت وقال: «من كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة»، مع أنه قال في الحديث: «ممن أراد الحَجّ أو العُمْرَة»، فظاهر العموم أن العُمْرَة لأهل مكة تكون من مكة؟

قلنا:
هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة -رضي الله عنها-: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أخاها أن يخرج بها لتحرم من التنعيم».

فإن قال قائل:
عائشة ليست من أهل مكة، فأمرت أن تخرج إلى الحل لتحرم منه؟

قلنا:
ليس المانع من إحرام الآفاقي بالعُمْرَة من مكة هو أنه ليس من أهل مكة؛ بدليل أن الآفاقي يحرم بالحَجّ من مكة، فلو كانت مكة ميقاتاً للإحرام بالعُمْرَة، لكانت ميقاتاً لأهل مكة وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح.

وأيضاً العُمْرَة هي الزيارة، والزائر لابد أن يفد إلى المزور؛ لأن من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يُقال: إنه زارك، وهذا ترجيح لغوي.

ونقول أيضاً:
كل نسك فلابد وأن يجمع فيه بين الحل والحرم، بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أمر عائشة أن تحرم من الحل»، لتجمع في نسكها بين الحل والحرم.

فإن قال قائل:
هذا ينتقض عليكم بالإحرام بالحَجّ من مكة؟

قلنا:
لا ينتقض؛ لأن الذي يحرم بالحَجّ لا يمكن أن يطوف بالبيت حتى يأتي إلى البيت من الحل أي عرفة؛ لأنه سيقف بعرفة، ولا يمكن أن يطوف للإفاضة إلا بعد الوقوف بعرفة، وبهذا تبين أن القول بأن أهل مكة يحرمون بالعُمْرَة من مكة قول ضعيف، لا من حيث الدليل، ولا من حيث اللغة، ولا من حيث المعنى.
 
مسألة:
إذا مر الإنسان بهذه المواقيت فهل يلزمه أن يحرم؟

الجواب:
إن كان يريد الحَجّ، أو العُمْرَة، أو كان الحَجّ أو العُمْرَة فرضاً عليه، أي: لم يؤد الفريضة من قبل، فإنه يلزمه أن يحرم.

ودليل اللزوم حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة»، وكلمة «يهل» خبر بمعنى الأمر، بدليل اللفظ الآخر في الحديث: «أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة»، فلا بد أن يحرم من هذه المواقيت، فإذا كان يريد الحَجّ أو العُمْرَة فواضح؛ لأن لفظ الحديث: «ممن يريد الحَجّ أو العُمْرَة»، ولكن إذا كان النسك فرضاً، وهو لا يريد أن يحج، أو لا يريد أن يعتمر، فنقول: يلزمه الإحرام من الميقات؛ لأن الحَجّ والعُمْرَة واجبان على الفور، وقد وصل الآن فلا يجوز أن يؤخر ولا بد أن يحرم بالحَجّ والعُمْرَة، أما إذا كنت قد أديت الفريضة ومررت بهذه المواقيت ولا تريد الحَجّ ولا العُمْرَة، فليس عليك إحرام، سواء طالت مدة غيبتك عن مكة أم قصرت، حتى ولو بقيت عشر سنوات، وأتيت إلى مكة لحاجة وقد أديت الفريضة، فإنه ليس عليك إحرام.

هذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه السُّنَّة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الحَجّ هل هو في كل عام؟ فقال: «الحَجّ مرة فما زاد فهو تطوع»، ولم يقل: «إلا أن يمر بالميقات» ولو كان المرور بالميقات موجباً للإحرام لبيَّنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم لدعاء الحاجة إلى بيانه، وعلم منه أنه المرور بالميقات ليس سبباً للوجوب.

ولكن هل الأفضل أن يحرم ويؤدي العُمْرَة أو يؤدي الحَجّ إذا كان وقته؟

الجواب:
نعم، هذا هو الأفضل؛ لأن «العُمْرَة إلى العُمْرَة كفارة لما بينهما، والحَجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، ويروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «تابعوا بين الحَجّ والعُمْرَة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»، لكن الاستحباب شيء والوجوب شيء آخر.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 10:00 pm

أَشْهُرُ الحَجِّ:
شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ.

يقال ذو القَعدة، وذو القِعدة، ويقال: ذو الحَجة وذو الحِجة، والأفصح الفتح في الأول «ذو القَعدة» والكسر في الثاني «ذو الحِجة».

«وعشر من ذي الحَجّة»
 هذا المشهور عند الإمام أحمد -رحمه الله- وبَه أخذ أصحابه، ولكن يرد على هذا القول أن الله قال: {{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}} [البقرة: 197] وأشهر جمع فتكون ثلاثة، ولو قال: في أشهر صارت الأشهر الثلاثة ظرفاً، والمظروف لا يلزم أن يملأ الظرف، فيصدق بشهرين وبعض الثالث.

ولكنه قال:
{{أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}}، والمشهور في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحَجّ ثلاثة، وهذا مذهب الإمام مالك -رحمه الله- وهو أقرب إلى الصحة، لموافقته لظاهر الآية {{أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}}.

فإن قال قائل:
إذاً هل تجيزون أن يقف الناس في الخامس عشر من ذي الحَجّة؟

نقول:
لا نجيز ذلك، كما أنه لا يجوز أن يقف الناس في العاشر من شوال، فهذه الأشهر لا يلزم أن يكون الحَجّ جائزاً في كل يوم من أيامها.

وبعض العلماء قال:
تسع من ذي الحَجّة؛ لأن الحَجّ عرفة وعرفة ينتهي في التاسع.

فالصواب ما ذهب إليه الإمام مالك -رحمه الله- من أن أشهر الحَجّ ثلاثة، كما هو ظاهر القرآن، شوال، وذو القعدة، وذو الحَجّة.

فإن قال قائل:
هل يترتب على هذا الخلاف شيء؟

قلنا:
نعم، يترتب عليه أشياء:
أولاً:
في مسائل الأيمان، فلو قال قائل: والله لأصومنَّ ثلاثة أيام من أشهر الحَجّ، وصام الحادي والعشرين، والثاني والعشرين، والثالث والعشرين من ذي الحَجّة، فلا يكون باراً بيمينه على المذهب؛ لأن أيام الحَجّ انتهت، وعلى قول مالك يكون باراً بيمينه؛ لأنه صام في أشهر الحَجّ، وأشهر الحَجّ لا تنتهي إلا بدخول شهر محرم.

ثانياً:
أنه لا يجوز أن يؤخر شيء من أعمال الحَجّ عن الأشهر الثلاثة إلا لضرورة، وإلا فالواجب ألا يخرج ذو الحَجّة وعليه شيء من أعمال الحَجّ، إلا طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع منفصل عن الحَجّ، فهو لمن أراد الخروج من مكة وإن طال لبثه فيها.

وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يؤخر حلق رأسه إلى أن يدخل المحرم، ولا يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة إلى أن يدخل المحرم، لكن إذا كان لعذر فلا بأس.

فعذر الحلق أو التقصير:
أن يكون في رأسه جروح لا يتمكن معها من الحلق أو التقصير فله أن يؤخر حتى يبرأ، أما عذر الطواف فأن تصاب المرأة بنفاس كأن يأتيها وهي واقفة في عرفة، والنفاس عادة يبقى أربعين يوماً، فهذه سوف يخرج شهر ذي الحَجّة، ولم تطف طواف الإفاضة، فلا بأس؛ لأن تأخيرها للطواف لعذر، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب لموافقته لظاهر الآية، والأصل في الدلالات أن نأخذ بالظاهر، إلا بدليل شرعي يخرج الكلام عن ظاهره.

مسألة:
هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحَجّ قبل الميقات المكاني، أو الزماني، أو بالعُمْرَة قبل الميقات المكاني؟

الجواب:
الصحيح أنه لا يجوز أن يحرم قبل الميقات الزماني، وأنه لو أحرم بالحَجّ قبل دخول شهر شوال صار الإحرام عمرة لا حجاً؛ لأن الله قال: {{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}} [البقرة: 197]، وهذا أحرم قبل دخول أشهر الحَجّ، فيكون إحرامه عمرة، كما لو صلى الظهر قبل الزوال فينعقد نفلاً، أو نقول بأنه فاسد لا ينعقد.

وقال بعض العلماء:
ينعقد الإحرام لكن يُكره، فينعقد الإحرام؛ لأنه لبى الله، لكن يكره لمخالفته لظاهر الآية: {{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}}، وكذلك في المواقيت المكانية.

فالقول الثاني في المسألة:
أنه يُكره أن يُحرم قبل الميقات، لكن لو أحرم صح إحرامه وانعقد، فمثلاً لو أحرم إنسان من أهل المدينة من المدينة نفسها قلنا: هذا مكروه وينعقد، وهذا رأي الجمهور.

والمراد بالإحرام النية دون الاغتسال ولبس ثياب الإحرام، وأكثر العامة يحملون معنى الإحرام على لبس ثياب الإحرام وليس كذلك، والإحرام سيأتينا -إن شاء الله- في الباب الذي يلي هذا الباب أنه نية الدخول في النسك، وعلى هذا فمن كان في المدينة وتغسل ولبس ثياب الإحرام ولم يحرم، إلا بذي الحليفة فإنه لم يفعل مكروهاً؛ لأن الإحرام هو نية الدخول في النسك، ولم تحصل منه إلا في الميقات.

فإن قال قائل:
ما تقولون في شخص لم يمر بشيء من المواقيت، أيحرم من بلده ولو كان بعيداً؟

نقول:
إن أهل الكوفة، وأهل البصرة شكوا إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقالوا: «يا أمير المؤمنين إن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقّت لأهل نجد قرن المنازل، وإنها جور عن طريقنا -أي: مائلة وبعيدة عن طريقنا- فقال -رضي الله عنه-: انظروا إلى حذوها من طريقكم»، فنقول لهذا الذي لم يمر بالميقات: أحرم إذا حاذيت الميقات، وهذا إذا كان يسير على الأرض واضح، كما قال عمر -رضي الله عنه-، لكن إذا كان يسير في الجو فإذا حاذاها جواً أحرم.

وقد نص شيخ الإسلام -رحمه الله-:
على مثل من كان في الطائرة، أنه يجب أن يحرم إذا حاذى الميقات، وقد ذكر هذا حين تكلم عن السحرة الذين يكذبون على الناس، ويقولون: تحملنا الملائكة إلى مكة في يوم واحد، فنذهب إلى عرفة في يوم واحد، قال: هؤلاء يخطؤون حيث إن الشياطين تمر بهم من فوق الميقات ولا يحرمون منه، وهذا مثل الطائرة تماماً.
*****


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 10:05 pm

بَابُ الإِحْرَامِ
تعريفُ الإحرام:
مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم أي: دخل في الحرام، كأنجد، أي: دخل في نجد، ولهذا يقال للتكبيرة الأولى من الصلاة تكبيرة الإحرام؛ لأنه بها يدخل في التحريم، أي: تحريم ما يحرم على المصلي.

«نية النسك»
يعني نية الدخول فيه، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، وبين الأمرين فرق، فمثلاً إذا كان الرجل يريد أن يحج هذا العام، فهل نقول إنه بنيته هذه أحرم؟

الجواب:
لا؛ لأنه لم ينو الدخول في النسك.

وكذلك نريد أن نصلي العشاء، فهل نحن بنيتنا هذه دخلنا في الصلاة، وحرم علينا ما يحرم على المصلي؟

الجواب:
لا، إذاً، نية الفعل لا توثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، وسميت نية الدخول في النسك إحراماً؛ لأنه إذا نوى الدخول في النسك حرم على نفسه ما كان مباحاً قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلاً: الرفث، والطيب، وحلق الرأس، والصيد، وغير ذلك.

نية الدخول في النسك شرط:
نية الدخول في النسك شرط، فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبى بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرماً بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرماً بلبس ثياب الإحرام، فإن التلبية تكون للحاج وغيره، ولبس الإزار والرداء يكون للمحرم وغيره.

ودليل اشتراط النية قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

مسألة:
هل يجب أن ينوي معيناً من عمرة أو حج أو قران؟

الجواب:
له أن يحرم إحراماً مطلقاً، بأن ينوي نية مطلقة وله أن يحرم بما أحرم به فلان، وهذا يقع أحياناً، يكون الإنسان جاهلاً ولا يدري بماذا يحرم؟ فيقول لبيك بما لبَّى به فلان، وحينئذٍ يتعين عليه أن يسأل فلاناً قبل أن يطوف حتى يعين النية قبل الطواف.
*****
      الأنساك
«الأنساك» جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فهنا أنساك ثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران؛ وذلك أن الإنسان إما أن يحرم بالعُمْرَة وحدها، أو بالحَجّ وحده، أو بهما، لا رابع لها، وهذا وجه انحصار الأنساك في هذه الثلاثة، فإن أحرم بالعُمْرَة وحدها فمتمتع، ولكن بالشروط التي ستُذكر، وبالحَجّ وحده فهو مفرد، وبهما جميعاً فهو قارن، ويدل على تنوع الأنساك إلى هذه الأنواع حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «حججنا مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم فمنا من أهلَّ بحج، ومنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحجة وعمرة، وأهلَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحَجّ»، وقولها: «بالحَجّ» يحمل على أنه بالحَجّ من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام، لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان قارناً.

وقيل:
أحرم بالحَجّ أولاً، ثم أردفه بالعُمْرَة، وسنذكر هذا -إن شاء الله تعالى- في صفة القران.

أفضل الأنساك التمتع:
الدليل على هذا:
أولاً:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أمر أصحابه حين فرغوا من الطواف والسعي أن يحلوا، ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي»، وكان من ساق الهدي في تلك الحَجّة قلة، وقد حتم الرسول صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه حيث قال حين أكمل السعي: «من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة»، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت معكم»، وراجعه الصحابة في ذلك، وقالوا: يا رسول الله كيف نجعلها عمرة، وقد سمينا الحَجّ -أي: لبينا بالحَجّ- قال: «افعلوا ما آمركم به»، حتى أوردوا عليه مسألة يُستحيا منها، ولكن حملهم ما في نفوسهم على إيرادها، قالوا: يا رسول الله نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً -أي: من جماع أهله؛ لأنهم سيحلون الحل كله- ولكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أبى إلا أن يحتم عليهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، فإنه لا يمكن أن يتمتع؛ لأن من ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، وحينئذٍ يتعذر التمتع.

ثانياً:
لأنه -أي: التمتع- أكثر عملاً.

ثالثاً:
لأنه أسهل على المكلف غالباً.

تنبيه:
يجوز ما سوى التمتع، وأن التمتع ليس بواجب، وهذا رأي جمهور أهل العلم.

وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجب، وأن الإنسان إذا طاف وسعى للحج في أشهره، إذا لم يسق الهدي فإنه يحل شاء أم أبى، وهذا رأي ابن عباس -رضي الله عنهما-.

واستدل -رضي الله عنه-: بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم وتحتيمه على الناس، وغضبه لما تراخوا وصاروا يراجعونه، وإلى هذا يميل ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد، وذكر رأي شيخه -رحمه الله- وقال: وأنا إلى قول ابن عباس -رضي الله عنهما- أميل مني إلى قول شيخنا، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يناظر على هذه المسألة، حتى يقول: «أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء»، لأن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- يريان أن الإفراد أفضل من التمتع.

واختار شيخ الإسلام في قصة أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم الصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه، وتحتيمه، أن هذا الوجوب خاص بالصحابة -رضي الله عنهم-، وأما من بعدهم فتختلف الحال بحسب حال الإنسان، فلا نقول: التمتع أفضل مطلقاً، ولا الإفراد، ولا القران...


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالإثنين 16 يوليو 2018, 10:08 pm

واستدل بدليل سمعي، ونظري:
أما السمعي
فهو أن أبا ذر -رضي الله عنه- «سُئل عن المتعة، هل هي عامة أو للصحابة خاصة؟ قال: بل لنا خاصة»، ويحمل كلامه -رضي الله عنه- على أن الوجوب لهم خاصة، وإلا فلا يمكن أن يقول أبو ذر: لنا خاصة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم سأله سراقة بن مالك بن جعشم -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «بل لأبد الأبد».

فخصوصية الحكم للصحابة، إذا كان مقصده الوجوب فله وجه، أما إذا كان المراد فسخ الحَجّ مطلقاً فالحديث يدل على أنه مشروع لجميع الناس.

أما الدليل النظري
فيقال: إن الصحابة -رضي الله عنهم- خوطبوا من الرسول صلّى الله عليه وسلّم مباشرة، ولو لم ينفذه الصحابة كان هذا عظيماً، فيقال: إذا كان الصحابة رفضوا أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم مباشرة فمن بعدهم من باب أولى.

ثم إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يريد أن يقرر هذا الحكم، والتقرير بالفعل أقوى من التقرير بالقول، فإذا تقرر بالفعل بقي الأمر على ما بقي عليه أولاً وهو أنه هو الأفضل، أو يختلف -كما قال شيخ الإسلام- باختلاف حال الإنسان.

وما قاله -رحمه الله- وجيه جداً، وهو أن وجوب الفسخ إنما هو في ذلك العام الذي واجههم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأما بعد ذلك فليس بواجب، وأظنه لو كان واجباً لم يخف على أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وهما من هما بالنسبة لقربهما من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولفهمهما قوله، ومعلوم أن من كان أقرب إلى الإنسان كان أعرف الناس بقوله ومراده، فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من حيث وجوب التمتع وعدمه، وأنه واجب على الصحابة.

وأما من بعدهم فهو أفضل وليس بواجب.

والمذهب أن التمتع هو الأفضل مطلقاً، حتى من ساق الهدي، فالتمتع في حقه أولى.

لكن كيف يعمل، وهو لا يحل له أن يحلق إلا في يوم العيد لقوله تعالى: {{وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}} [البقرة: 196]؟ قالوا: إذا طاف وسعى لا يحلق، بل ينوي أن العُمْرَة انتهت، لكن لا يحل بالحلق، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحَجّة أحرم بالحَجّ، وهذا لا شك أنه قول ضعيف جداً، ولم أر السُّنَّة أتت بمثله.

فالصواب أن من ساق الهدي لا يمكنه أن يتمتع؛ لأنه لا يمكنه أن يحل، والتمتع لابد فيه من الحل.

وقال شيخ الإسلام:
لا نقول إن التمتع أفضل مطلقاً، ولا القران أفضل مطلقاً، ولا الإفراد أفضل مطلقاً، فيقال: من ساق الهدي فالأفضل له القران...

وذلك لثلاثة أوجه:
الأول:
لأن التمتع في حقه متعذر، فكيف يتمتع وهو لم يحل، والذي ساق الهدي لا يحل إلا في يوم العيد فمتى يتمتع؟

الثاني:
لأن القران مع سوق الهدي فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم، فالقران إذاً أفضل.

الثالث:
أنه يجمع بين الحَجّ والعُمْرَة، مع أنه لو أفرد وقد ساق الهدي صح، فصار القران لمن ساق الهدي أفضل لهذه الأوجه الثلاثة.

ويقول الشيخ:
فإذا كان قد اعتمر قبل أشهر الحَجّ، ولم يسق الهدي فالأفضل له الإفراد، سواء اعتمر قبل أشهر الحَجّ، وبقي في مكة حتى حج، أو اعتمر قبل أشهر الحَجّ، ثم رجع إلى بلده، ثم عاد إلى مكة، حتى إنه قال: إن هذا باتفاق الأئمة، أي: أن الأفضل الإفراد؛ لأنه يحرم بالعُمْرَة في سفرة مستقلة، وبالحَجّ في سفرة مستقل.

وهذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى:
أتى بالعُمْرَة قبل أشهر الحَجّ، وبقي في مكة حتى حج، فهذا لا شك أن إفراده أفضل له؛ لأنه لا يمكن له التمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يأتي بالعُمْرَة من الميقات، وهو في مكة ليس له عمرة من الميقات، فهذه الصورة واضحة من كلام شيخ الإسلام، وربما يكون قوله فيها صواباً.

الصورة الثانية:
أن يعتمر قبل أشهر الحَجّ، ثم يرجع إلى بلده ثم يعود إلى مكة، فيقول: الأفضل ألا يحرم بعمرة، فيحرم مفرداً، ويقول: إن هذا باتفاق الأئمة، فإن صح الإجماع فليس لنا أن نخالفه، وإن لم يصح الإجماع، فإنه يقال: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، ولم يقل من اعتمر منكم قبل أشهر الحَجّ فليبق على إحرامه، مع أنه فيما يظهر أنه يوجد من الصحابة من اعتمر قبل أشهر الحَجّ، فلذلك هذه المسألة مشكلة عليّ من كلام شيخ الإسلام، وليس المشكل عليّ أنه ذهب إليها؛ لأنه -رحمه الله- معروف بقوة استدلاله وفهمه وعقله، ولكن المشكل عليّ قوله: باتفاق الأئمة، ثم رأيت كلاماً للشيخ في «مجموع الفتاوى» يوافق ما قلنا من أن الأفضل التمتع حتى لمن اعتمر في سفر سابق من العام، وقال: إن كثيراً من الصحابة الذين حجوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا قد اعتمروا قبل ذلك ومع هذا، فأمرهم بالتمتع ولم يأمرهم بالإفراد.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 5:11 am

صفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه:
لا يكون الحج تمتعاً إلا إذا جمع هذه الأوصاف:
الوصف الأول:
أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة وذو الحجة، فمن أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يحرم بها في أشهر الحج، ومن أحرم بها في شوال كان متمتعاً؛ لأنه أحرم بها في أشهر الحج، ومن أحرم بها في رمضان وأتمها في رمضان وبقي إلى الحج فليس بمتمتع.

إذاً هذه ثلاثة صور:
الأولى:
أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، وأتمها في أشهر الحج.

الثانية:
أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، وأتمها قبل أشهر الحج.

الثالثة:
أحرم بالعمرة في أشهر الحج وأتمها في أشهر الحج.

فالأول والثاني لا يكونان متمتعين.

الوصف الثاني:
أن يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، وهنا التقصير أفضل من الحلق لسببين:
الأول:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر به في قوله: «من لم يسق الهدي فليقصر».

الثاني:
من أجل أن يبقى للحج ما يُحلق أو يقصر، ولو أنه حلق، والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.

الوصف الثالث:
 أن يحرم بالحج في عامه، أي: بعد الفراغ منها والإحلال والتمتع بما أحل الله له، يحرم بالحج في عامه، فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج عام ثلاثة عشر، وحج عام أربعة عشر فليس بمتمتع؛ لأنه لابد أن يحرم بالحج في عامه.
 
مسألة:
لو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج ثم بدا له بَعْدُ أن يحج، أيكون متمتعاً؟

الجواب:
لا؛ لأن الرجل ليس عنده نية للحج.

صورُ القران:
والقران له ثلاث صور:
الأولى:
أن يحرم بالحج والعمرة معاً، فيقول: لبيك عمرة وحجاً، أو لبيك حجاً وعمرة، وقالوا: الأفضل أن يقدم العمرة في التلبية فيقول: «لبيك عمرة وحجاً» ؛ لأن تلبية النبي صلّى الله عليه وسلّم هكذا ولأنها سابقة على الحج.

الثانية:
أن يحرم بالعمرة وحدها، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في الطواف.

الثالثة:
أن يحرم بالحج أولاً، ثم يدخل العمرة عليه، وهذه الصورة فيها خلاف بين العلماء سنذكره إن شاء الله.

ودليل الصورة الأولى:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاءه جبريل ـ عليه السلام ـ وقال: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو قال: عمرة وحجة».

وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي، لكن أصرح منه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقالت: فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحج، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة.

ودليل الصورة الثانية:
ما حدث لعائشة ـ رضي الله عنها ـ حين أحرمت بالعمرة وحاضت بسرف فأمرها النبي صلّى الله عليه وسلّم أن تهل بالحج، وأمره بإهلالها بالحج ليس إبطالاً للعمرة بدليل قوله: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة، يسعك لعمرتك وحجك»، وهذا دليل على أنها لم تُبْطل العمرة؛ لأنها لو أبطلت العمرة لقال: «طوافك بالبيت وسعيك بالصَّفا والمروة يسعك لحجك فقط».

وإذا تأملت الدليل، فقد تقول إنه غير مسلم؛ لأنه أخص من المدلول، ولا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، والعكس صحيح؛ لأن الدليل الآن إنما وقع في حال تشبه الضرورة؛ لأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما حاضت لا يمكن أن تكمل العمرة، وهي حائض.

فإن قال قائل:
أفلا يمكن أن تطهر قبل الخروج إلى منى؛ لأنهم وصلوا في اليوم الرابع؟

فالجواب:
بلى يمكن، لكن الأمور الشرعية مبناها على غلبة الظن، وهي عارفة أنها تأتيها الحيضة مثلاً لمدة ستة أيام، ولا تتمكن من العمرة قبل الخروج إلى الحج.

إذاً الحديث في حال الضرورة، فهل نستدل به على حال السعة، ونقول: للإنسان إذا أحرم بالعمرة أن يدخل الحج عليها ليكون قارناً؟

الجواب:
الفقهاء يقولون يجوز، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول إذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة.

فكيف نجعل العمرة حجاً، وهل هذا إلا خلاف ما أمر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟ لأنك إذا جعلت العمرة حجاً فماذا ستصنع؟

الجواب:
ستبقى في إحرامك إلى يوم العيد.

فالدليل هنا أخص من المدلول؛ لأن المدلول الذي حكمنا به عام في حال العذر، وفي حال عدم العذر، والدليل خاص بحال الضرورة والعذر، لكن قد نقل بعضهم الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة، وأنه من صور القِران.

وأما الصورة الثالثة:
أن يحرم بالحج أولاً ثم يدخل العمرة عليه.

فالمشهور عند الحنابلة ـ رحمهم الله ـ أن هذا لا يجوز، لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر، فيبقى على إحرامه إلى يوم العيد، وهذا القول الأول.

أما مَنْ حَوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً فهذا سنة كما سبق.

والقول الثاني:
الجواز لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أهلَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج ثم جاءه جبريل عليه السلام، وقال: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة»، فأمره أن يدخل العمرة على الحج، وهذا يدل على جواز إدخال العمرة على الحج.

والقول بأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر مجرد قياس فيه نظر، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وسمى العمرة حجاً أصغر، فلا مانع ولا تناقض وهذا القول دليله قوي.

فإن قالوا:
إنه لا يستفيد بذلك شيئاً؟

قلنا:
بلى يستفيد، لأنه بدل من أن يأتي بنسك واحد أتى بنسكين.

صورةُ الإفراد:
والإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً، فيقول: «لبيك حجاً».

وله صورة واحدة فقط، كالتمتع ليس له إلا صورة واحدة.

فإن قيل:
أيهما أفضل الإفراد أو القران؟

فالجواب:
أن مَنْ ساق الهدي، فلا شك أن القران أفضل له، وكذا إن لم يسق الهدي فالقران أفضل؛ لأنه يأتي بنُسكين بخلاف الإفراد، وعلى هذا يكون القران أفضل من الإفراد مطلقاً.
 
مسألة:
هل الأفضل أن يسوق الإنسان الهدي ليقرن أو يدعه ويتمتع؟

الجواب:
هذه مسألة تحتاج إلى نظر، إن كانت السنة ـ أعني سَوق الهدي ـ قد ماتت والناس لا يعرفونها، فسوق الهدي مع القران أفضل لإحياء السنة، وإن كانت السنة معلومة لكن يشق على الناس أن يسوقوا الهدي؛ لأنهم يحجون بالطائرات والسيارات فترك سوق الهدي والتمتع أفضل.

وهل يشترط في الإفراد أن يحرم بالعمرة بعده؟

الجواب:
ليس بشرط فإذا أتى بالحج وحده فمفرد، سواء اعتمر بعد ذلك، أم لم يعتمر، وما يوجد في بعض كتب المناسك أن يحرم بالحج مفرداً، ثم يأتي بعمرة بعده، فهو بناءٌ على مشروعية العمرة بعد الحج، ولأناس لا يستطيعون أن يصلوا إلى البيت فيأتوا بالعمرة بعد الحج لأداء الفريضة، والعمرة بعد الحج غير مشروعة.

تنبيه:
عمل المفرد والقارن سواء إلا أن القارن عليه الهدي لحصول النُّسكين له دون المفرد
الأفقى وحاضرُ المسجد الحرام:

والأفقي نسبة إلى الأفق، ويقال:
الآفاقي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقال الأفقي نسبة إلى المفرد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.

والأفقي:
من لم يكن حاضر المسجد الحرام.

ودليل ذلك:
قوله تعالى: {{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}} [البقرة: 196]، أهله أي سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان...


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 5:17 am

وحينئذٍ نقول:
مَن حاضرو المسجد الحرام؟

الجواب:
قيل: من دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافاً كبيراً، فالذين على طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام أو ثمانية، وهم من حاضري المسجد الحرام.

والذين وراء قرن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان وليسوا من حاضري المسجد الحرام وهذا القول فيه نظر وضعف.

وقيل:
هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه، ومن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام، وعلى هذا من سكن بعرفة مثلاً فليس من حاضري المسجد الحرام، ومن سكنه في مزدلفة فليس من حاضري المسجد الحرام، لأنه ليس من أهل مكة، فأهل مكة من كان داخل البناء.

وقيل:
هم أهل الحرم، من أهل مكة وغيرهم، وعلى هذا فكل من كان داخل الأميال فهم من حاضري المسجد الحرام.

فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، وأهل عرفة ليسوا من حاضري المسجد الحرام.

وقيل:
هم أهل الحرم، ومن بينهم وبينه دون مسافة القصر؛ لأن من دون المسافة يعتبر من أهل البلد.

وأقرب الأقوال أن نقول:
إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة، أو أهل الحرم، أي: من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة.

فالتنعيم متصل بمكة الآن تماماً، بل يوجد بيوت من وراء التنعيم، فأصبح التنعيم داخل مكة مع أنه من الحل، وهنا يمكن أن يلغز بذلك فيقال: هناك شجر في مكة أنبته الله يجوز أن تحشه، وهناك صيد في مكة يجوز أن تصيده.

وجوابه:
أن مكة امتدت الآن إلى خارج الحرم، فالصيد والحش فيما خرج عن الحرم جائز، وإن كان المكان من مكة.

حكمُ غُسلُ الإحرام:
غُسلُ الإحرام سُنَّةٌ وكذلك التَّطيُّب:
وذلك لثبوته عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فعلاً وأمراً.

أما فعله فإنه صلّى الله عليه وسلّم «تجرد لإهلاله واغتسل».

أما أمره فإن أسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ امرأة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، نفست في ذي الحليفة، أي: ولدت ابنها محمد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي»، ومعنى «استثفري» أي: تحفَّظي، فالشاهد من هذا قوله: «اغتسلي»، فأمرها أن تغتسل مع أنها نفساء لا تستبيح باغتسالها هذا الصلاة، ولا غيرها مما يشترط له الطهارة.

ويُسنُّ أن يتطيب عند الإحرام، ودليل ذلك:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تطيب لإحرامه، قالت عائشة -رضي الله عنها-: «كنت أطيب النبي صلّى الله عليه وسلّم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، والطيب مستحب كل وقت، فهو كالسواك إذا أمكن الإنسان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة».

والمراد التطيب في البدن؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يطيب عند الإحرام رأسه، ولحيته، قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو محرم»، مفارقه يعني مفارق رأسه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يبقي الشعر، ويفرقه فرقتين من الخلف ومن الأمام، وكان يسدل شعره أول ما قدم المدينة؛ لأنه فعل اليهود وهم أهل الكتاب، والفرق فعل المشركين وهم كفار ومشركون، ثم كره السدل، وصار يفرق.

الشاهد قولها:
«كأني أنظر إلى وبيص المسك»، والوبيص هو اللمعان، والوبيص كالبريق لفظاً ومعنى، وهذه العبارات تقع في كلام العلماء، فيقولون: كذا ككذا لفظاً ومعنى، أي: في وزن الكلمة ومعناها.

أما تطييب الثوب، أي: ثوب الإحرام فإنه يكره، لا يطيب، لا بالبخور ولا بالدهن، وإذا طيبه، فقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يلبسه إذا طيبه قبل أن يعقد الإحرام لكن يكره.

وقال بعض العلماء:
لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس»، فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح، ولهذا حرم بعض العلماء من أصحابنا كالآجري تطييب ثياب الإحرام، قال: لأن تطييبها لا فائدة منه، إذا حرمنا عليه لباسها، بل هو إضاعة للمال.

والمذهب يكره إن لبسها قبل أن يعقد الإحرام، وأما إذا عقد الإحرام فلا يجوز أن يلبسها؛ لأن الثياب المطيبة لا يجوز لبسها في الإحرام.

مسألة:
إذا كان المحرم سوف يتوضأ، وإذا طيب رأسه فسوف يمسح رأسه بيديه، وإذا مسح رأسه بيديه لصق شيء من الطيب بيديه، فهل نقول أعدَّ لنفسك خرقة تضعها في يدك، إذا أردت أن تمسح رأسك حتى لا تمس الطيب؟!

الجواب:
لا، بل هذا تنطع في الدين ولم يرد، وكذا لا يمسح رأسه بعود أو جلد، إذاً يمسحه بيده وسوف يعلق الطيب بيده، فعلى المذهب أنه يجب عليه أن يغسل يديه من هذا الطيب فوراً؛ وذلك حتى يذهب ريحه.

لكن الذي يظهر لي أن هذا مما يعفى عنه، فالمحرم لم يبتدئ الطيب، وهذا طيب مأمور به، والمشقة في غسل يده غسلاً تذهب معه الرائحة، لا ترد به الشريعة.

مسألة:
هل يجزئ الغسل لو اغتسل في بلده ثم لم يغتسل عند الإحرام؟

الجواب:
في هذا تفصيل، إذا كان لا يمكنه الاغتسال عند الميقات كالذي يسافر بالطائرة فلا شك أن ذلك يجزئه لكن يجعل الاغتسال عند خروجه إلى المطار.

وإن كان في سيارة نظرنا فإن كانت المدة وجيزة كالذين يسافرون إلى مكة عن قرب أجزأه وإن كانت بعيدة لا يجزئه، لكن لا حرج عليه أن يغتسل في بيته، ويقول: إن تهيأ لي الاغتسال عند الميقات فعلت، وإلا اكتفيت بهذا.

مسألة:
هل يتيمم من أراد الإحرام وما وجد الماء أو تعذَّر عليه استخدامه؟

الجواب:
ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: إلى أن الطهارة المستحبة إذا تعذر فيها استعمال الماء، فإنه لا يتيمم لها؛ لأن الله ـ عزّ وجل ـ ذكر التيمم في طهارة الحدث فقال تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}} [المائدة: 6].

فإذا كان الشرع إنما جاء بالتيمم في الحدث، فلا يقاس عليه غير الحدث؛ لأن العبادات لا قياس فيها، ولم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه تيمم للإحرام، وعليه فنقول: إن وجد الماء وأمكنه استعماله فعل، وإن لم يمكنه فلا تيمم على هذا القول، وهذا أقرب للصواب.

مسألة:
هل ورد فى قصِّ الأظفار قبل الإحرام سُنَّةٌ؟

الجواب:
لا، فيما نعلم وإنما عللوا ذلك حتى لا يحتاج إلى أخذها في الإحرام، وأخذها في الإحرام ممتنع، وبناءً على هذا نقول: إذا لم تكن طويلة في وقت الإحرام ولا يخشى أن تطول في أثناء الإحرام، فيحتاج إلى أخذها، فإنه لا وجه لاستحباب ذلك؛ لأن العلة خوف أن يحتاج إليها في حال الإحرام ولا يتمكن، فإذا زالت هذه العلة زال المعلول وهو الحكم؛ «لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً».

التجرد من المخيط والإحرامُ فى إزار ورداء ونعلين:
والتجرد من المخيط يعني خلعه، والمراد بالمخيط ما يلبس عادة، كالقميص والسراويل، والمقصود أن يكون تجرده في إزار ورداء أبيضين، وإلا فتجرده من المخيط واجب.

ويشترط في هذا التجرد ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حراماً، ولكن ماذا يصنع؟

نقول:
البس الإزار أولاً، ثم اربطه على نفسك، ثم اخلع القميص، ثم البس الرداء؛ لأنه لو تجرد من المخيط الذي هو القميص قبل أن يتزر، انكشفت عورته.
 
والإحرامُ فى إزار ورداء ونعلين
لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين».

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء»، يشمل الإزار المخيط الذي خيط بعضه ببعض، والإزار المطلق الذي يلف على البدن لفاً، كلاهما جائز، وعلى هذا فلو خاط المحرم الإزار فهو جائز، ولو التف به التفافاً فهو جائز، ولو وضع فيه جيباً للنفقة وغيرها فهو جائز، والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقيد وإذا لم يقيد فما سمي إزاراً فهو إزار.

حكمُ صلاة ركعتين للإحرام:
ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما، وأنه ليس للإحرام صلاة تخصه لكن إن كان في الضحى، فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدها، وإن كان في وقت الظهر، نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر، ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر.

وأما صلاة مستحبة بعينها للإحرام، فهذا لم يرد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا هو الصحيح.

حكمُ قول" إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني":
أي: إن منعني مانع من إتمام نُسكي فإني أحل من إحرامي، حيث وجد المانع
 
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
القول الأول:
أنه سنة مطلقاً، أي: يستحب أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني على كل حال.

القول الثاني:
ليس بسنة مطلقاً.

القول الثالث:
أنه سنة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، غير سنة لمن لم يخف، وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أحرم بعمره كلها، حتى في الحديبية أحرم، ولم يقل: إن حبسني حابس، وحبس، وكذلك في عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وحجة الوداع، ولم ينقل عنه أنه قال: وإن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمراً مطلقاً، بل أمر به من جاءت تستفتي؛ لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك، فمن خاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: اشترط استرشاداً بأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومن لم يخف قلنا له: السنة ألا تشترط، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
 
فإن قال قائل:
الحوادث الآن كثيرة، فكثيراً ما يحدث اصطدام وكثيراً ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يقتضي مشروعية هذا الشرط؟

قلنا:
لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جداً، وليست بشيء بالنسبة لكثرة السيارات والناس، وفي عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم حصلت حوادث، ففي عرفة وقصت ناقة صاحبها فسقط منها فمات، وهذا حادث ناقة، يشبه حادث السيارة، فالحوادث موجودة في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومع هذا، لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمراً عاماً.

فإن قيل:
وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النفاس، أو الطاهر من الحيض؟

فالجواب:
نعم ولا شك؛ لأن المرأة إذا نفست لا تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالباً، والحائض كذلك، إذا كان أهلها أو رفقتها لا يبقون معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 5:23 am

مسألة:
امرأة لم يطرأ الحيض على بالها، لكن معها كسل أو مرض، وتخشى ألا تتم النسك من أجل هذا المرض، فقالت: إن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني، تريد المرض، لكن المرض خف عنها أو زال، وحدث الحيض، فهل نقول: إن مقتضى حالها يخصص النية؟ أو نقول: إن العموم يشمل الحيض؟

الجواب:
يحتمل الأمرين، لكن من قال يؤخذ بالعموم «حبسني حابس» قال بأنها نكرة في سياق الشرط فتعم، وهذا من الحوابس، فقد يكون في قلبها في تلك الساعة المرض، ويحصل حابس آخر كالحيض، والخوف، وفقدان النفقة، وموت المحرم، وما أشبه ذلك، والأخذ بالعموم أرجو ألا يكون به بأس، وإلا فإن الحال قد تخصص العموم.

فإن قال قائل:
إذا اشترط شخص بدون احتمال المانع ـ على القول بأنه لا يسن الاشتراط إلا إذا كان يخشى المانع ـ، فهل ينفعه هذا الاشتراط؟

فالجواب: على قولين:
القول الأول:
ينفعه؛ لأن هذا وإن ورد على سبب، فالعبرة بعمومه.

القول الثاني:
لا ينفعه؛ لأنه اشتراط غير مشروع، وغير المشروع غير متبوع فلا ينفع، وهذا عندي أقرب؛ لأننا إذا قلنا: بأنه لا يستحب الاشتراط فإنه لا يكون مشروعاً، وغير المشروع غير متبوع، ولا يترتب عليه شيء، وإذا قلنا: إنه يترتب عليه حكم وهو غير مشروع، صار في هذا نوع من المضادة للأحكام الشرعية.

مسألة:
لو أن رجلاً دخل في الإحرام، وقال: لبيك اللهم عمرة، ولي أن أحل متى شئت، فهل يصح هذا الشرط؟

الجواب:
لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى الإحرام، ومقتضى الإحرام وجوب المضي، وأنك غير مخير، فلست أنت الذي ترتب أحكام الشرع، المرتب لأحكام الشرع هو الله ـ عزّ وجل ـ ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

شروط الهدي:
شروط الهدي ما يلي:
الأول:
أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو أهدى فرساً لم يجزئه.

الثاني:
أن يبلغ السن المعتبر شرعاً، وهو أن يكون ثنيًّا، أو جذعاً، فالجذع من الضأن، والثني مما سواه من المعز، والبقر، والإبل.

دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تذبحوا إلا مسنة (أي: ثنية) إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن».

فأجاز الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذبح الجذعة من الضأن إذا تعسرت المسنة، ولو كانت لا تجزئ لم يستثنها.

فإن قال قائل:
إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهر واحد لأن الله قال: {{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}}، فإذا لم يتسير إلا شيء صغير فإنه يجزئ، فماذا نقول؟!

الجواب:
إن الله قال: {{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}} وأل للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي أي الذي بلغ السن المعتبر شرعاً.

الثالث:
أن يكون الهدي سليماً من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال: «أربعاً ـ وأشار بأصابعه ـ: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي».

لكن لو قال قائل:
إن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل: ماذا يُتقى من الضحايا ولم يسأل عن الهدي؟.

فنقول:
إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة لا هدي فيها، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء، علم أن المصاب بهذه الأمراض لا يصلح أن يكون قربة.

الرابع:
أن يكون في زمن الذبح، وفي هذا خلاف بين العلماء نذكره فيما يلي:
القول الأول:
أنه لا يذبح دم المتعة إلا في الوقت الذي تذبح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعد العيد.

القول الثاني:
يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج؛ لأن الصيام لمن لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج مع أنه بدل، فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية.

والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هدي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح يوم العيد، وثلاثة أيام بعده.

والدليل على هذا:
أنه لو جاز أن يقدم ذبح الهدي على يوم العيد، لفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم ولكنه قال: «لا أحل حتى أنحر»، ولا نحر إلا يوم العيد.

الخامس:
أن يكون في مكان الذبح، فهدي التمتع لا يصح إلا في الحرم، فهو من هذه الجهة أضيق من الأضحية، فالأضحية تصح في كل مكان، فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئ ولو دخل به إلى منى، لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل فجاج مكة طريق ومنحر».

ويشترط لوجوب الهدي ألا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج.

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن السفر إلى بلد الحاج، أو إلى غيره لا يسقط الهدي، سواء طال السفر أو قصر، فعلى هذا لو أن رجلاً أتى بالعمرة في أشهر الحج، وقد عزم على الحج في العام نفسه، ثم رجع إلى بلده وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرماً بالحج، فإن الهدي لا يسقط عنه.

وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة، لأن قوله تعالى: {{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}} [البقرة: 196] يدل على أنه سافر إلى الحج، ولولا العمرة لم يحصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.

القول الثاني:
أن السفر مسافة قصر يسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو إلى بلد آخر، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناوياً الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرماً بالحج فإن الهدي يسقط عنه.

القول الثالث:
التفصيل:
أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج، فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله لا يسقط.

مثاله:
رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحل منها ثم سافر إلى المدينة، ورجع محرماً بالحج، فلا يسقط عنه الهدي، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرماً بالحج سقط عنه الهدي، وهذا القول هو الراجح.

لأنه أنشأ سفراً جديداً غير سفر العمرة، فإن السفر مفارقة الوطن فيكون مفرداً لا متمتعاً، وهو مروي عن عمر وابنه -رضي الله عنهما-؛ لأنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد محرماً بالحج فقد أفرد الحج بسفر مستقل فيكون مفرداً، وليس بمتمتع، فإن سافر إلى بلد آخر، فإنه متمتع؛ لأنه لم ينشئ سفراً جديداً، إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعاً للسفر.

مسألة:
إذا أحرم الإنسان بالحج، ووصل إلى مكة فإنه يسن له أن يجعل الحج عمرة ليصير متمتعاً، فلو جعل الحج عمرة ليتخلص بالعمرة منه، فإن ذلك لا يصح؛ لأن ذلك احتيال على إسقاط وجوب الحج عليه.

فإن قال قائل:
ما الفرق بين من فسخ الحج ليصير متمتعاً ومن فسخ الحج بالعمرة ليتخلص منه؟.

فالجواب:
الفرق ظاهر: من فسخ الحج إلى عمرة ليتخلص بها منه، فهو متحيل على سقوط وجوب المضي في الحج، ومن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارن والمفرد، وهذا هو الذي أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم أصحابه أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة، ليصيروا متمتعين، لا ليتخلصوا بالعمرة من الحج.

مثاله:
رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم به، وكأنه تطاول المدة الباقية على الحج، ففسخ الحج إلى عمرة من أجل أن يطوف ويسعى ويقصر ويرجع إلى بلده.

فهذا لا يجوز؛ لأنه لما شرع في الحج وجب عليه إتمامه، فإذا حوله إلى عمرة ليتخلص منه، صار متحيلاً على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز.

مثال آخر:
رجل ذهب ليحج وأحرم بالحج في أشهره، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحول الحج ليصير متمتعاً، فهذا جائز، بل سنة؛ لأنه انتقل من مفضول إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، ويدل لهذا أن رجلاً جاء إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صلِّ هاهنا» يعني في مكة؛ ـ لأن مكة أفضل من بيت المقدس ـ فأعاد عليه، قال: «صلِّ هاهنا»، فأعاد عليه قال: «فشأنك إذن».

ونظير هذا رجل شرع في صلاة الظهر منفرداً، فحضرت جماعة فحولها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، فهذا جائز.

مثال آخر:
رجل دخل في صلاة الظهر ولما وصل إلى الركعة الثانية تذكر شيئاً لا يفوت فقال: أقلبها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا تحيل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه، فالذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلصاً من الأول لوجوبه عليه فهذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيل عليها، كما أن المحرمات لا تحل بالتحيل عليها.

وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب، فإن ذلك جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحول إلى أفضل.

مسألة:
لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة، ليتمتع به إلى الحج، ثم بعد ذلك بدا له ألا يحج فهل نلزمه بالحج؟

عندنا الآن صورتان: الصورة الأولى:
رجل أحرم بالعمرة من أول الأمر متمتعاً بها إلى الحج ثم بدا له ألا يحج، فهذا جائز ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناوياً الحج ولكن بدا له ألا يحج.

لكن رجل أحرم بالحج ثم حوله إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ وبين الصورتين فرق.

فهل نقول:
ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟

يحتمل عندي وجهان:
الأول:
إلزامه بالحج إلا إذا تركه لعذر فهذا شيء آخر؛ لأننا إنما أجزنا له التحول ليحج.

الثاني:
لا يلزمه شيء؛ لأنه ما شرع في النسك.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 5:29 am

مَنْ حَاضَتْ فَخَشيِتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً:
فالمراد بالمرأة هنا المرأة المتمتعة، أي: من أحرمت بعمرة لتحل منها، ثم تحج من عامها، وقد وصلت إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة فحاضت، وعادتها ستة أيام، فتطهر في اليوم الحادي عشر، أي: بعد فوات الوقوف، إذاً لا يمكنها أن تطوف وتسعى وتنهي عمرتها.

فنقول لهذه المرأة:
يجب أن تحرم بالحج، لتكون قارنة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك عائشة حين حاضت بسرف قبل أن تدخل مكة، والأصل في الأمر الوجوب.

ولأن الحج يجب على الفور، فلو لم تحرم به لفاتها هذا العام.

ولأنها شرعت في العمرة من أجل الحج في الواقع، فهي لم تقدم إلا للحج؛ لأن العمرة تصلح في كل وقت، ولا يمكن أداء الحج إلا بالتحلل من العمرة، والتحلل من العمرة مستحيل في هذه الحال، لأنها حائض، والحائض لا تطوف، فلم يبق عليها إلا أن تحرم بالحج فتكون قارنة.

ومثل ذلك:
من حصل له عارض، كأن تعطلت السيارة بعد أن أحرم بالعمرة، فلا يمكنه معه أن يصل إلى مكة إلا بعد فوات الوقوف، فنقول لهذا: أحرم بالحج.

صورة المسألة:
سافر من المدينة إلى مكة وأحرم بالعمرة متمتعاً بالعمرة إلى الحج، وفي أثناء الطريق تعطلت السيارة وعرف أنها لا يمكن أن تصلح إلا في زمن لا يمكن به إدراك العمرة إلا بعد فوات الوقوف، فنقول له: أحرم بالحج لتكون قارناً؛ لأنه لو بقي على إحرام العمرة ولم يصل إلا في اليوم التاسع فعليه خطر بفوات الحج.

ومعنى قولنا أحرم بالحج، أي:
يدخل الحج على العمرة، وليس فسخاً للعمرة؛ لأنه لو كان فسخاً للعمرة لكان الحج إفراداً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك».

مثال آخر:
امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة إلى الحج، ثم طافت وبعد الطواف حاضت، فهذه لا يمكن أن تحرم بالحج الآن؛ لأن من شرط جواز إدخال الحج على العمرة أن يكون قبل الطواف، لكن تسعى وهي حائض؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، فيجوز سعي الجنب والحائض وسعي المحدث حدثاً أصغر، لكن على طهارة أفضل.

وأداء كل العبادات على طهارة أفضل، وإذا جاء وقت الحج وهي لم تطهر أحرمت به ولا يمنعها الحيض من الإحرام، والدليل: أن أسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ نفست فأرسلت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي».

مسألة:
لو حاضت أثناء الطواف، فلا تتم الطواف، بل تخرج من الطواف، وتحرم بالحج إن خافت فواته؛ لأنه لا يمكن تكميل الطواف مع الحيض.

مسألة:
لو أحدثت حدثاً أصغر في أثناء الطواف؟.

ففيها قولان:
القول الأول:
أن طوافها يبطل، ويجب عليها أن تتوضأ، وتستأنف الطواف؛ لأن الطهارة شرط للطواف.

القول الثاني:
تكمل الطواف وليس عليها شيء، وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يشترط للطواف الطهارة من الحدث الأصغر؛ لعدم وجود نص صحيح صريح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.

محلُّ التلبية:
القول الأول:
لا يلبي إلا إذا استوى على راحلته.

والدليل على هذا:
أن ابن عمر -رضي الله عنهما- ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أهَلَّ حين استوى على راحلته، وهذا هو القول الأول.

والقول الثاني:
يلبي عقب الصلاة، أي: إذا نوى الدخول في النسك وهو المذهب.

والقول الثالث:
 يلبي إذا علا على البيداء، والبيداء: جبل صغير في ذي الحليفة، فيلبي إذا استوى على أول علوٍّ يكون بعد الاستواء على الراحلة وبعد السير إذا لم يكن في ذي الحليفة.

ودليله:
حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: «ثم ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك»، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في «الصحيحين»، وحديث جابر ـ رضي الله عنه ـ في مسلم، فهل بينهما تعارض؟

الجواب:
ليس بينهما تعارض؛ لأنهما يحملان على أن جابراً ـ رضي الله عنه ـ لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي صلّى الله عليه وسلّم به على البيداء، وابن عمر -رضي الله عنهما- سمعه يلبي حين استوى على راحلته، فنقل كل منهما ما سمع.

بقي ما رواه النسائي:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أهلَّ دبر الصلاة»، وهذا يدل على أنه أهل بعد الصلاة.

فيقال:
دبر الصلاة ما كان بعدها، واستواؤه على راحلته كان دبر الصلاة، وحتى إذا علت به راحلته على البيداء فهو دبر صلاة.

لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة، وقال: «إن الناس نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لبى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أهلَّ دبر الصلاة، ولبى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لبى حين ركب، وسمعه ناس حين استوت به راحلته على البيداء، فقالوا: لبى حين استوت به راحلته على البيداء»، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهراً؛ لأنه يجمع بين الروايات.

ولكن نحن جربنا فائدة كونه لا يلبي إلا إذا ركب؛ لأنه أحياناً يتذكر الإنسان شيئاً كطيب أو شبهه، فإذا قلنا: أحرم بعد الصلاة لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّ ولا تحرم إلا بعد الركوب حصل في ذلك فسحة، إلا إذا صح حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، فإنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.

ولبيك كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ورد في الصحيح: «أن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك»، وتحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي متضمنة للإجابة والإقامة، الإجابة لله، والإقامة على طاعته؛ ولهذا فسرها بعضهم بقوله: لبيك، أي: أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير جيد.

فإذا قال قائل:
أين النداء من الله حتى يجيبه المحرم؟

قلنا:
هو قوله تعالى: {{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً}} [الحج: 27]، أي: أعلم الناس بالحج أو ناد فيهم بالحج {{يَأْتُوكَ رِجَالاً}}، أي: على أرجلهم، وليس المعنى ضد الإناث، والدليل على أنهم على أرجلهم ما بعدها {{وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}} [الحج: 27]، وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، فإنه قد يعرف معنى الكلمة بما يقابلها.

ومثلها قوله تعالى: وهو أخفى من الآية التي معنا- {{فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}} [النساء: 71] فمعنى ثبات متفرقين، مع أن ثبات يبعد جداً أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها {{أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}} علم أن المراد بالثبات المتفرقون.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 5:37 am

والتثنية في التلبية هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي أجبتك مرتين، أو المقصود بها مطلق التكثير؟

الجواب:
المقصود بها الثاني؛ لأن المعنى إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة، فالمراد بها مطلق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط؛ ولهذا قال النحويون: إنها ملحقة بالمثنى وليست مثنى حقيقة؛ لأنه يراد بها الجمع والعدد الكثير.

ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدر لفعل محذوف وجوباً، لا يجمع بينه وبينها، والتقدير ألببت إلبابين لك.

ألببت، يعني: أقمت بالمكان إلبابين.

لكن حصل فيها حذف حرف الهمزة، وصارت لبابين، بعد حذف الهمزة.

ثم قيل:
تحذف أيضاً الباء الثانية، فنقول لبيك، والياء علامة للإعراب.

وقوله:
«اللهم» معناها: ياالله، لكن حذفت ياء النداء وعوض عنها الميم، وجعلت الميم أخيراً، ولم تكن في مكان الياء تبركاً بذكر اسم الله تعالى ابتداء، وعوض عنها الميم؛ لأن الميم أدل على الجمع، ولهذا كانت من علامات الجمع؛ فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ـ عزّ وجل ـ، لأنه يقول ياالله.

وقوله:
«لبيك» الثانية من باب التوكيد اللفظي المعنوي، هو لفظي؛ لأنه لم يتغير عن لفظ الأول، لكن له معنى جديد فيكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لأنك تجيب الله -عزّ وجل- وكلّما أجبته ازددت إيماناً به وشوقاً إليه، فكان التكرير مقتضى الحكمة، ولهذا ينبغي لك أن تستشعر وأنت تقول: «لبيك» نداء الله -عزّ وجل- لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلمات تقال.

وقوله:
«لا شريك لك لَبَّيْك»، أي: لا شريك لك في كل شيء، وليس في التلبية فقط؛ لأنه أعم، أي: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مخلص لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولبَّيت لك فقط.

وقوله:
«لا شريك لك» إعرابها: لا نافية للجنس، وشريك: اسمها، ولك خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق النفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت، بالرفع، فهذه ليست نافية للجنس، بل هذه لمطلق النفي؛ ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو قلت: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك العالمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، فتنفي الجنس أولاً، ثم تعود وتثبت، ولكن إن شئت فقل: لا رجلَ في البيت بل أنثى.

وقوله:
«إن الحمد والنعمة لك» بكسر همزة إن، ورويت بالفتح، فعلى رواية فتح الهمزة «أن الحمد لك»: تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، فصارت التلبية مقيدة بهذه العلة، أي: بسببها والتقدير لبيك لأن الحمد لك.

أما على رواية الكسر:
«إن الحمد لك»، فالجملة استئنافية وتكون التلبية غير مقيدة بالعلة؛ بل تكون تلبية مطلقة بكل حال، ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي: أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد والنعمة لك، ولو قلت ذلك لكان جائزاً.

والحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي في الحروف دون الترتيب ح ـ م ـ د. موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح، أو بينهما فرق؟

الجواب:
الصحيح أن بينهما فرقاً عظيماً؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم.

والمدح لا يستلزم ذلك فقد يبنى على ذلك وقد لا يبنى، قد أمدح رجلاً لا محبة له في قلبي ولا تعظيم، ولكن رغبة في نواله فيما يعطيني، مع أن قلبي لا يحبه ولا يعظمه.

أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنياً على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله ـ عزّ وجل ـ.

وقول بعضهم:
الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي: أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري، أي الذي يفعله اختياراً من نفسه، تعريف غير صحيح.

يبطله الحديث الصحيح:
«أن الله قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي» ، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد؛ لأن الثناء تكرار الصفات الحميدة.

و«أل» في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال كله.

وقد ذكر ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) بحثاً مستفيضاً حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث فيها بحثاً مسهباً، قال: كان شيخنا -ابن تيمية- إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، ولكنه كما قيل:
تألق البرق نجدياً فقلت له             إليك عني فإني عنك مشغول

أي أن شيخ الإسلام -رحمه الله- مشغول بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية، وأسرار اللغة العربية.

وقوله:
«النعمة»، أي: الإنعام، فالنعمة لله.

وقوله:
«النعمة لك» كيف تتعدى باللام؟ مع أن الظاهر أن يقال: النعمة منك؟

الجواب:
النعمة لك يعني التفضل لك، فأنت صاحب الفضل.

وقوله:
«والملك لا شريك لك»، الملك شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وهذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له، فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها تشتمل على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر: «أهلَّ بالتوحيد»، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد.

فقوله «الملك» من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضاً لأن إثبات الألوهية، متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته وحينئذٍ نلزمه، ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية، لزمك أن توحده في الألوهية، ولهذا فإن عبارة العلماء محكمة حيث قالوا: «توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية».

ونأخذ توحيد الأسماء والصفات من قوله:
«إن الحمد والنعمة»، فالحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.

والنعمة من صفات الأفعال، فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات.

ومن أين نعرف أنه بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟

الجواب:
من قوله: «لا شريك لك»، والتمثيل شرك والتعطيل شرك أيضاً، لأن المعطل لم يعطل إلا حين اعتقد أن الإثبات تمثيل، فمثل أولاً وعطل ثانياً، والتحريف والتكييف متضمنان للتمثيل والتعطيل، وبهذا تبين أن هذه الكلمات العظيمة مشتملة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة، لا يأتون بالمعنى المناسب تقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

لكن هم يقفون على «إن الحمد والنعمة لك»، ثم يقولون: «والملك لا شريك لك».

مسألة:
هل لنا أن نزيد؟ أي: على ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من التلبية التي رواها جابر -رضي الله عنه-؟

نقول: نعم، فقد روى الإمام أحمد في المسند: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «لبيك إله الحق»، و «إله الحق» من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: لبيك أنت الإله الحق.

وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يزيد: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل».

فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات، فنرجو ألا يكون به بأس، اقتداء بعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، لكن الأولى ملازمة ما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وهل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟

الجواب:
نعم، لقول أنس -رضي الله عنه-: «حججنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فمنا المكبر ومنا المهل»، وهذا يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعية، ولو كانوا يلبون التلبية الجماعية لكانوا كلهم مهلين أو مكبّرين، لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.

مسألة:
قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه في التلبية، لكن أحياناً، فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج: لبيك اللهم حجاً، وفي القِران: لبيك اللهم عمرة وحجاً.

رفعُ صوت الرجال بالتلبية:
لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال».

فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالاً لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، واتباعاً لسُنَّتِهِ وسُنَّةِ أصحابه، فقد قال جابر -رضي الله عنه-: كنا نصرخ بذلك صراخاً، ولا يسمع صوت الملبي من حجر، ولا مدر، ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة، فيقول: أشهد أن هذا حَجَّ مُلبياً، ومع الأسف أن كثيراً من الحجاج لا يرفعون أصواتهم بالتلبية إلا نادراً.

فإن قال قائل:
أليس النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لأصحابه، وقد كبروا في سفر معه: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم -أي: هوِّنوا عليها- فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»؟

قلنا:
لكن التلبية لها شأن خاص، لأنها من شعائر الحج فيصوت بها، أو يقال: إن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يهونوا على أنفسهم لأنهم كانوا يرفعون رفعاً شديداً يشق عليهم.

إسرارُ المرأة بالتلبية:
أي: تُسِرُّ بها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تُصفق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة -وإن لم يكن عورة- لكن يُخشى منه الفتنة، ولهذا نقول: المرأة تُلبي سِرًّا بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن.

وهذا من الأحكام التي تخالف فيه المرأة الرجال، وهي كثيرة؛ لأنها كما خالفته خلقة وفطرة خالفته حكماً، والله -عزّ وجل- حكيم، أحكامه الشرعية مناسبة لأحكامه القدرية.

مسألة:
اختلف العلماء -رحمهم الله- هل يلبي وهو ماكث أو لا يلبي إلا وهو سائر؟

الجواب:
من العلماء من قال إنه يلبي وهو سائر فقط، وأما إذا كان ماكثاً، أي: نازلاً في عرفات أو مزدلفة أو منى فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة وهي لا تتناسب مع المكث، إذ أن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيبه لا أن يجيب وهو باق، وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وأنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر، والقول الأول: يقول يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواء كان ماكثاً أم سائراً.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 6:06 am

بَابُ الفَوَاتِ والإِحْصَار
هذا الباب يتضمن مسألتين:
الأولى: الفوات.
الثانية: الإحصار.

* تعريف الفوات:
أما الفوات فهو مصدر فات يفوت فَوْتاً وفواتاً، ومعناه أن يُسْبَق فلا يُدْرك، يقال: فاتني الشيء، أي: سبقني فلم أدركه، فالفوات سبق لا يدرك.

* تعريف الإحصار:
أما الإحصار: فهو من حَصَرَه إذا منعه، فالإحصار بمعنى المنع.

أي:
أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك.

وسيأتي في الباب أن من الأركان ما له وقت محدد، ومنها ما ليس له وقت محدد، فالوقوف الذي هو الحج كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» له وقت محدد، حده طلوع الفجر يوم النحر، وإذا فاته الحج ينظر إن كان الإنسان قد اشترط عند إحرامه أن محله حيث حبس فإنه يحل ولا شيء عليه، أي: يخلع ثياب الإحرام، ويلبس ثيابه ويرجع إلى أهله؛ لأنه قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا حابس، وقد سبق هل الأولى أن يشترط، أو الأولى ألا يشترط إما مطلقاً أو بتفصيل؟ ورجحنا أن الصواب أنه لا يشترط إلا إذا كان يخاف من عدم إتمام النسك.

تنبيه:
إذا فاته الوقوف وطلع الفجر قبل أن يصل إلى عرفة تحلل بعمرة، أي: بقلب نية الحج إلى العمرة، فطاف وسعى وحلق أو قصر، وإن شاء أن يبقى على إحرامه إلى الحج القادم فله ذلك، ولكن سيختار الأول بلا شك، لكن الفقهاء يقولون: إن اختار أن يبقى على إحرامه إلى أن يأتي الحج الثاني فلا بأس، ولكن يقال: الأولى أن يتحلل؛ لأن ذلك أيسر وأسهل، وكيف يمكن للإنسان أن يدع محظورات الإحرام لمدة سنة كاملة؟! فهذا بعيد، وفيه مشقة شديدة.

مسألة:
ومن خاف أن يفوته الحج فقلب إحرامه بالحج عمرة قبل أن يفوته فهو جائز، ولا يعد هذا فواتاً على كلام الفقهاء -رحمهم الله- قالوا: لأنه يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة، ولكن هذا القول فيه نظر؛ لأنه لا يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة إلا إذا أراد التمتع، وإرادة التمتع هنا ممتنعة.
 
* حكمُ من لم يشترط:
هل يجب عليه القضاء؟
إذا شرع في النسك صار واجباً، وهذا من خصائص الحج والعمرة أنَّ نفلهما يجب المضي فيه، بخلاف غيرهما فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجباً كأنما نذره نذراً، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *}} [الحج]، وعلى هذا فيجب القضاء سواء كان ذلك تطوعاً أو واجباً بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وعليه هدي في عام القضاء.

أي: إن كان اشترط فلا قضاء عليه، ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجباً بأصل الشرع، أو واجباً بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو اشترط، وعلى هذا فيكون قوله: «إن لم يكن اشترط» فيما إذا كان الحج نفلاً، فالمذهب وجوب القضاء.

والقول الثاني:
لا قضاء عليه لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يلزم الناس بقضاء العمرة؛ ولأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه الحج أو العمرة أكثر من مرة وبناء على هذا التعليل ينبغي أن يقال: إن فاته بتفريط منه فعليه القضاء، وإن فاته بغير تفريط منه كما لو أخطأ في دخول الشهر فظن أن اليوم الثامن هو التاسع، ولم يعلم بثبوته فلا قضاء عليه، وهذا القول الذي فصلنا فيه قول وسط بين من يقول يلزمه القضاء ومن يقول لا يلزمه القضاء.

فالأقوال إذاً ثلاثة: الأول:
المذهب يلزمه القضاء.
الثاني:
لا يلزمه القضاء، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع.
الثالث:
التفصيل، فإن فاته بتفريط منه لزمه القضاء، وإن كان بغير تفريط منه لم يلزمه القضاء.

وهذا هو القياس التام على الإحصار؛ لأن المحصر منع من إتمام النسك بدون اختياره.

مسألة:
إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتاً شرعياً أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة، فهل حجهم صحيح أو باطل؟

وهذا في الوقت الحاضر قد يكون متعذراً، ولكن فيما سبق ربما يقف الناس، ثم يثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر، وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟

الجواب:
لا؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس؛ ولأنهم فعلوا ما أمروا به، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»، فهؤلاء غم عليهم في هذه الحجة فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يوماً، ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين.

وإن وقف يسير منهم فأخطأوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إذا وقف اليسير منهم فإنهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما عليه الجماعة، فلو تعنَّت أناس فقالوا: لا يمكن أن يكون الهلال هَلَّ البارحة، فمنازل الهلال ضعيفة، ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، والعاشر عند الناس التاسع على زعمهم، فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح.

* حكم من أُحصر:
أي: منع عن وصوله إلى البيت، سواء في عمرة أو في حج فإنه يهدي، أي يذبح الهدي ثم يحل لقول الله تبارك وتعالى: {{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}} [البقرة: 196]، أي فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا، وأهدى ثم حل».

وقوله تعالى: {{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}} [البقرة: 196]، فيه إشارة إلى أنه لا بد من الحلق؛ لقوله: {{وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}}، لكن السنة صرحت بذلك بأنه لا بد من الحلق أو التقصير.

* حكم من صُدَّ  عن عرفة:
الكلام في الأول فيمن صد عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد لها من طواف، ولكن من صد عن عرفة فقط بأن يكون في عرفة عدو يمنع الناس من الوصول إليها، فهنا يقول: «تحلل بعمرة» فيتحلل بعمرة، ولا شيء عليه إن كان قبل فوات وقت الوقوف، وإن كان بعده فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي أحصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعل إحرامه عمرة فلا شيء عليه.

وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة، أو يسق الهدي كما مر بنا في التمتع، هكذا قالوا ـ رحمهم الله ـ: بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوات الوقوف، فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم.

*  حكم مَنْ حَصَرَهُ مَرَضٌ أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ:
أي: إن حصره مرض بأن أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرماً إلى أن تبرأ من المرض ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة، وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة.

مثاله:
رجل سرقت نفقته، ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه، وإن كان حجاً وفاته الوقوف فقد فاته الحج.

وكذلك لو ضل الطريق، أي ضاع فلم يهتد إلى عرفة.

والصحيح في هذه المسألة:
 أنه إذا حصر بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قول الله تعالى: {{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}} [البقرة: 196] أي عن إتمامهما، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.

وأما قوله تعالى:
{{نُسُكٍ فَإِذَا}} [البقرة: 196]، فهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة مرت بنا أنه إذا ذكر حكم عام، ثم عطف عليه حكم يختص ببعض أفراده، فإنه لا يقتضي التخصيص، ألم تروا إلى قول الله تعالى: {{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}} [البقرة: 228] هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضاً منهن؟

الجواب:
يشمل الرجعية مع أن المطلقة طلاقاً رجعياً أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، وهذه القاعدة تنتقض على المذهب أيضاً بمثال آخر، وهو قول جابر -رضي الله عنه-: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة».

فالحديث أوله عام في كل ما لم يقسم، فكل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق هذا حكم لا يتعلق بكل شيء، وإنما يتعلق بالعقار، والفقهاء -رحمهم الله- خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات.

وكذا في الحصر خصوه بالعدو؛ لقوله: {{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}}، قالوا: فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: {{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}} يراد به حصر العدو.

ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدو أو بغير عدو.

مسألة:
إذا حُصِرَ عن واجب، وليس عن ركن كأن يمنع من الوقوف في مزدلفة فلا يتحلل؛ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة إلى التحلل، فنقول تبقى على إحرامك، وتجبر الواجب بدم.

مسألة:
حكم قضاء المحصر: الصحيح أن القضاء ليس بواجب إن كان الحج أو العمرة تطوعاً، وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء المقاضاة، وهي المصالحة التي حصلت بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين قريش، والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم يلزم الناس بالقضاء، لأن الله لم يفرض الحج والعمرة في العمر إلا مرة، فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثاً أو أكثر.
*****


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 6:19 am

جَزَاء الصيَّدِ
أنواع الصيد:
الصيد نوعان:
الأول:
نوع لا مثل له.
الثاني:
ونوع له مثل.

والنوع الذي له مثل نوعان أيضاً:
1-نوع قضت الصحابة به، فيرجع إلى ما قضوا به، وليس لنا أن نعدل عما قضوا به.
2-ونوع لم تقض به الصحابة، فيحكم فيه ذوا عدل من أهل الخبرة ويحكمان بما يكون مماثلاً.


في النعامة بدنة:
أي: لو قتل الإنسان نعامة وهو محرم، أو قتل نعامة في الحرم، ولو كان محلًّا فعليه بدنة، أي بعير صغير في الصغيرة وكبير في الكبيرة؛ لأن هذا هو تحقيق المماثلة.

وَحِمارِ الوَحْشِ، وَبَقرتِهِ، والأيِّلِ، والثَّيْتَلِ والوَعْلِ بَقَرةٌ، والضَّبْعِ كَبْشٌ، وَالغَزَالِ عَنْزٌ، والوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، وَاليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ:
حمار الوحش صيد معروف، وسمي حماراً لشبهه بالحمار، والذي يشبهه من النعم البقرة، وبقرة الوحش، وفيها بقرة، وفي الأيل -أيضاً- بقرة، والأيل نوع من الظباء، وفي الثيتل، وهو نوع من الظباء بقرة، وفي الوعل بقرة، قال في القاموس: الوعل بفتح الواو مع فتح العين، وكسرها، وسكونها، هو تيس الجبل ففي هذه الأشياء بقرة؛ لأنها تشابهها.

«والضبع كبش»
الضبع معروفة، وجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها شاة، ولولا أنها حلال لم يكن لها قيمة.

«والغزال عنز»
الغزال أصغر من الوعل والثيتل والأيل، ففيها عنز؛ لأنها أقرب شبهاً بها.

«والوبر، والضب، جدي»
قال في الروض: الوبر دويبة كحلاء اللون دون السنور، لا ذنب لها، وهي معروفة، فيها جدي، والجدي هو الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر، وكذلك أيضاً الضب فيه جدي، والضب معروف.

«واليربوع جفرة»
اليربوع أيضاً معروف، حيوان يشبه الفأرة لكنه أطول منها رجلاً، وله ذنب طويل، وفي طرفه شعر كثير، وهو من أذكى الحيوانات التي تشبهه؛ لأنه يحفر له جحراً في الأرض، ويجعل له باباً، ثم يحفر في طرف الجحر حتى لا يبقي إلا قشرة رقيقة، فإذا حشره أحد من عند باب الجحر خرج من القشرة الرقيقة، وتسمى النافقاء، أي: نافقاء اليربوع، ولهذا اشتق منها النفاق؛ لأن هذا اليربوع منافق في جحره، لكنه نفاق مباح يريد أن يحمي بذلك نفسه، وهو حلال، وفيه جفرة لها أربعة أشهر.

وَالأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَالحَمَامَةِ شَاةٌ.
«والأرنب عناق»
وهي أصغر من الجفرة، أي: لها ثلاثة أشهر ونصف تقريباً، والأرنب معروفة.

اليربوع زنته كرأس الأرنب، ومع ذلك الواجب فيه أكبر من الواجب في الأرنب؛ لأن المعول فيه على المماثلة.

«والحمامةِ شاة»
وجه المشابهة في الحمامة للشاة في الشرب فقط، لا في الهيكل، أو الهيئة.

فهذا كله قضى به الصحابة، منه ما روي عن واحد من الصحابة ومنه ما روي عن أكثر من واحد.

فإذا وجدنا شيئاً من الصيود لم تحكم به الصحابة، أقمنا حكمين عدلين خبيرين، وقلنا ما الذي يشبه هذا من بهيمة الأنعام؟ فإذا قالوا: كذا وكذا، حكمنا به وإذا لم نجد شيئاً محكوماً به من قبل الصحابة، ولا وجدنا شبهاً له من النعم، فيكون من الذي لا مثل له، وفيه قيمة الصيد قلَّت أم كثرت.

مسألة:
هل تدخل المرأة في الحَكَمَيْنِ؟

الجواب:
لا تدخل؛ لأن الله قال: {{ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}}.
*****
صَيْدِ الْحَرَمِ
«الحرم»، أل هنا للعهد الذهني، يعني بذلك حرم مكة والمدينة، وعلى هذا فـ «أل» هنا للجنس، أي: باب صيد ما يسمى حرماً، وليس في الدنيا شيء حرم إلا هذان الحرمان، حرم مكة، وحرم المدينة، وأما ما نسمع في كلام الناس حرم المسجد الأقصى، والحرم الإبراهيمي، فكله لا صحة له ولا أصل له، ولهذا يوهم كلام بعض الناس يقول عن المسجد الأقصى: ثالث الحرمين؛ لأن الذي يسمع العبارة يقول: إنه حرم، ولكن الصواب أن تقول: ثالث المسجدين يعني المساجد التي تشد إليها الرحال.

واختلف العلماء في وادي وج في الطائف. والصحيح أنه ليس بحرم.

يحرم صيد الحرم على المحرم والحلال:
أي: من لم يحرم؛ لأن تحريمه للمكان، فيحرم على المحرم من وجهين هما: الحرم والإحرام، ويحرم على الحلال من وجه واحد هو الحرم، وهل يلزم المحرم إذا قتل صيداً في الحرم جزاءان لوجود السببين؟

الصحيح أنه لا يلزمه جزاءان؛ لأنه النفس واحدة، وقد قال تعالى: {{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}}.

ودليل ذلك
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعلن هذا التحريم عام فتح مكة، فقال: «إن الله حرمه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة»، وقال فيه: «لا ينفر صيدها»، فإذا كان تنفير صيدها حراماً، فقتله حرام من باب أولى، وفي هذا الخبر المؤكد دليل على أنه لا يمكن نسخ تحريم مكة؛ لأنه جعل الغاية يوم القيامة.

حكمُ صيد البحر:
الصحيح أن البحري يجوز صيده في الحرم؛ لقوله تعالى: {{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}} [المائدة: 96] وهذا عام.

فلو فرض أن هناك بركة ماء، أو نحوها، وفيها سمك غير مجلوب إليها بل توالد فيها، فإن الصحيح أنه لا يحرم، وأنه حلال على المحرم والحلال.
 
تحريمُ قطع شجر الحرم وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر:
الشجر ما له ساق، والحشيش ما لا ساق له.

ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها ولا يختلى خلاها»، وكل هذا تأكيد لحرمة هذا المكان، وأنه حتى الأشجار محترمة والصيود محترمة، ولولا رحمة الله ـ عزّ وجل ـ لكانت كل الحيوانات محترمة، لكن فيه مشقة على الناس، فحرم الصيد في الحرم فقط.

«شجر الحرم»
الشجر مضاف إلى الحرم، فيفيد أن المحرم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي أو بذره من الحبوب، فإنه ليس بحرام، لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، بل يضاف إلى مالكه.

«وحشيشه»
نقول فيها ما قلنا في شجره: إن الحشيش مضاف إلى الحرم، فالحشيش الذي ينبت بفعل الآدمي ليس بحرام.

«الأخضرين»
صفة للشجرة، والحشيش، والمراد ما فيهما الحياة والنمو، سواء كانا أخضرين أو غير أخضرين؛ لأن من الأشجار ما ليس بأخضر، وكذلك من الزروع والحشيش ما ليس بأخضر، وبعضه قد يموت وهو أخضر كالإذخر، فالأولى أن يقال: «شجره وحشيشه الحيين» سواء كانا بلون الخضرة أو غيره.

فخرج بذلك ما كان ميتاً، فإنه حلال، فلو رأيت شجرة قد ماتت فهي حلال ولو رأيت غصناً منكسراً تحت الشجرة فهو حلال؛ لأنه انفصل وهلك، والغصن اليابس في الشجرة الخضراء يجوز قطعه إذا كان يبسه يبس موت؛ لأن بعض الأشجار تيبس أغصانها لكن إذا جاء المطر نمت، ولكن قال العلماء: ما قطعه الإنسان من أشجار الحرم، فإنه حرام؛ لأنه قطع بغير حق.

مسألة:
ثمر شجر الحرم هل نقول إنه كالشجر؟

الجواب:
لا، فلو أن شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي، ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها فإن ذلك لا بأس به.

«إلا الإذخر»
الإذخر نبت معروف يستعمله أهل مكة في البيوت، والقبور، والحدادة.

أما الحدادة فلأنه سريع الاشتعال، فيشعلون به النار، من أجل أن تشعل الفحم والخشب.

وأما في القبور فإنهم يجعلونه ما بين اللبنات؛ ليمنع تسرب التراب إلى الميت.

وأما في البيوت فيجعلونه فوق الجريد؛ لئلا يتسرب الطين من الجريد فيختل السقف، فالناس في حاجة إليه.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 6:23 am

وسبب الاستثناء العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه-:
فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما حرم حشيشها قال: «يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لبيوتهم وقبورهم»، وفي لفظ: «لبيوتهم وقينهم»، أي: حداديهم، فقال: «إلا الإذخر»، وعلى هذا فيستثنى من الشجر والحشيش الأخضرين الإذخر.
 
مسائل: الأولى:
الكمْأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وما أشبهها كالذي يسميه الناس الفطيطر، هل هو حرام، أو لا؟

الجواب:
ليس بحرام؛ لأنه ليس من الأشجار، والكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، أنواع داخلة تحت جنس واحد وهو الفقع، فهذه حلال؛ لأنه ليس بأشجار ولا حشيش، فلا يدخل في التحريم.

الثانية:
هل فى قطع شجر الحرم أو حشيشه جزاء؟

هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
فقال بعض العلماء: إن هذه الأشجار أو الحشائش ليس فيها جزاء، وهذا مذهب مالك، وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم.

وهو الحق؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح يدل على وجوب الجزاء فيها، وما ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، فيحتمل أنه من باب التعزير، فرأوا أنه يعزر من قطع هذه الأشجار، بناءً على جواز التعزير بالمال، ولو كان الجزاء واجباً لبينه النبي صلّى الله عليه وسلّم، إذ لا يمكن أن يدع أمته بلا بيان ما يجب عليهم، وبوفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم انقطع التشريع، وليس هذا من باب القياس حتى يقال لعله يقاس على الصيد؛ لأن هنا فرقاً بين الصيد والأشجار، فالأشجار نامية، لكن ليس فيها الحياة التي في الصيود، فإذا قطع الإنسان شجرة أو غصناً منها، أو حش حشيشاً فإنه يأثم، ولكن لا جزاء عليه لا قليلاً ولا كثيراً.

الثالثة:
إذا كانت الأشجار في الطريق، فهل يجوز إزالتها من أجل الطريق؟

الجواب:
إن كان هناك ضرورة بحيث لا يمكن العدول بالطريق إلى محل آخر فلا بأس بقطعها، وإن لم يكن ضرورة، فالواجب العدول بالطريق عنها؛ لأنه يحرم قطعها بلا ضرورة.

الرابعة:
إذا كانت الشجرة خارج الطريق، لكن أغصانها ممتدة إلى الطريق وتؤذي المارة بشوكها وأغصانها، فهل تقطع؟

الجواب:
لا تقطع؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يعضد شوكها»، والشوك يؤذي، ومع ذلك نهى عن عضده، أي: قطعه، وبإمكان الإنسان أن يطأطئ رأسه حتى لا تصيبه الأغصان.

فإن قال قائل:
إذا وطئ الإنسان على الحشيش بلا قصد، فهل عليه شيء؟

فالجواب:
لا كما لو انفرش الجراد في طريقه ومرَّ عليه، فإنه ليس عليه شيء، ومن ذلك ما لو احتاج الإنسان إلى وضع فراش في منى أو مزدلفة وكان فيها نبات، فإنه لا يحرم عليه وضع الفراش على الأرض، وإن أدى ذلك إلى تلف ما تحته من الحشيش أو أصول الشجر؛ لأن ذلك غير مقصود، ومن المعلوم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانت إبلهم تمشي على الأرض، ولم يقل توقوا المشي على الأرض، وفرق بين ما قصد وما لم يقصد.
 
حكمُ صيد المدينة:
صيد حرم المدينة حرام، لكن حرمته دون حرمة حرم مكة؛ لأن تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، وأما حرم المدينة فمختلف فيه، ولكن القول الصحيح أن المدينة لها حرم وأنه لا يجوز الصيد فيه، إلا أنه يفارق مكة بأن من أدخل حرمها صيداً فهو له، ومكة سبق أن المذهب يجب عليه إطلاقه إذا أدخله الحرم، لكن على القول الراجح لا فرق بينهما، وهو أن من أدخل صيداً إلى الحرمين مكة أو المدينة، فهو ملكه يتصرف فيه كما يشاء، ودليل ذلك حديث أبي عمير، وهو غلام كان معه طائر صغير يسمى النُّغير وكان فرحاً به يأتي به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه فرح به، فمات النغير فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول له: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير» يمازحه صلّى الله عليه وسلّم.

مسألة:
هل فى صيد المدينة جزاء؟

قال بعض أهل العلم
 ـ وهو رواية عن أحمد ـ: إن فيه الجزاء، وهو سلب القاتل، أي: أخذ سلبه من ثوبه وغترته، وما أشبه ذلك، لحديث ورد في ذلك أخرجه مسلم.

والقائلون بعدم وجوب الجزاء يجيبون عن هذا الحديث بأنه من باب التعزير لا من باب الضمان، ولهذا لا يختلف هذا التعزير بين الصغير والكبير، ولا يختلف فيما إذا كان السلب جديداً أو مستعملاً.

والصواب أنه ليس فيه جزاء، لكن إن رأى الحاكم أن يعزر من تعدى على صيد في المدينة بأخذ سلبه، أو تضمينه مالاً، فلا بأس.

جوازُ الحشيش للعلف، وآلة الحرث ونحوه وجواز الرعىُ فى الحرمين:
لأن أهل المدينة أهل زروع فرخص لهم في ذلك، كما رخص لأهل مكة في الإذخر.

والدليل:
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رخص في ذلك، فيباح أن تحش الحشيش لتعلف بهائمك.

وكذلك قطع الأغصان لآلة الحرث، أي السواني، بأن يقطع الإنسان شجرة، لينتفع بخشبها في المساند والعوارض، وما أشبه ذلك مما يحتاجه أهل الحرث، وبهذا نعلم أن تحريم حرم المدينة أخف من تحريم حرم مكة.

ويجوز الرعي في حرم المدينة، وحرم مكة؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان معه الإبل، ولم يرد عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يكمم أفواهها.

الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة:
الأول:
أن حرم مكة ثابت بالنص والإجماع، وحرم المدينة مختلف فيه.

الثاني:
أن صيد حرم مكة فيه الإثم والجزاء، وصيد حرم المدينة فيه الإثم، ولا جزاء فيه.

الثالث:
أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد المدينة.

الرابع:
 أن حرم مكة أفضل من حرم المدينة؛ لأن مضاعفة الحسنات في مكة أكثر من المدينة، وعظم السيئات في مكة أعظم من المدينة.

الخامس:
أن من أدخلها، أي: المدينة صيداً من خارج الحرم فله إمساكه، ولا يلزمه إزالة يده المشاهدة، وعلى هذا تحمل قصة أبي عمير الذي كان معه طائر صغير يلعب به، يقال له: النغير، فمات هذا الطير، فحزن الصبي لموته فكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول لهذا الصبي من باب الممازحة: «يا أبا عمير ما فعل النغير».

وسبق حكم الصيد إذا دخل به مكة.

وهذا الحديث استدل به من يرى أنه لا يحرم صيد حرم المدينة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقر هذا الصبي.

والذين حرموه ـ وهم الجمهور ـ قالوا: إن هذا يحمل على أن هذا النغير جلب إلى الحرم، وليس من صيد الحرم.

السادس:
أن حرم مكة يحرم فيه قطع الأشجار بأي حال من الأحوال إلا عند الضرورة، وأما حرم المدينة فيجوز ما دعت الحاجة إليه، كالعلف، وآلة الحرث، وما أشبه ذلك.

السابع:
أن حشيش وشجر حرم مكة فيه الجزاء على المشهور من المذهب، والصحيح أنه لا جزاء فيه وعلى هذا فلا فرق، وأما حرم المدينة فلا جزاء فيه.

قال رحمه الله تعالى في الروض:
«وتستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة»، أي: مكة أفضل من المدينة بلا شك، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أخرج منها: «إنك لأحب البقاع إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت».

وذهب بعض العلماء إلى أن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حث على سكنى المدينة أكثر من حثه على سكنى مكة، وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
المجاورة في أي بلاد يقوى فيها إيمانه وتقواه أفضل من غيرها؛ لأن ما يتعلق بالعبادات والعلوم والإيمان أحق بالمراعاة مما يتعلق بالمكان.

وما ذهب إليه الشيخ -رحمه الله- هو الصواب، ولهذا نزح كثير من الصحابة -رضي الله عنهم- إلى الشام والعراق واليمن ومصر؛ لأن إفادتهم فيها أكثر من بقائهم في المدينة.

قال صاحب الروض: «قال في الفنون»:
«الكعبة أفضل من مجرد الحجرة»، أي: حجرة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا لا شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقاً؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الآن بناء محدث على قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن مراده بقوله: الحجرة أي حجرة عائشة، وهو البيت الأول الذي دفن فيه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فالكعبة أفضل من البيت الذي كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم ساكنه، ودفن فيه.

قال في الفنون:
«فأما والنبي صلّى الله عليه وسلّم فيها -أي في الحجرة- فلا والله، ولا العرش وحملته ولا الجنة».

أي:
أن الحجرة التي فيها قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة.

قال:
«لأن بالحجرة جسداً لو وزن به لرجح»، وهذا التعليل عليل، فلو قال: إن الجسد أفضل لكان فيه نوع من الحق.

أما أن يقول الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه -رحمه الله-.

والصواب:
 أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شَرُفت بمقام النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها في حياته وبعد موته.

وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم -رحمه الله- أنه لا تعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة فهذا وهم وخطأ، لا شك فيه.

قال: في الروض:
«تضاعف الحسنة والسيئة بمكان، وزمان فاضل»، فالحسنة تضاعف بالكم وبالكيف، وأما السيئة فبالكيف لا بالكم؛ لأن الله تعالى قال في سورة الأنعام وهي مكية: {{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}} [الأنعام]، وقال: {{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}} [الحج: 25]، ولم يقل نضاعف له ذلك، بل قال: {{نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}} فتكون مضاعفة السيئة في مكة، أو في المدينة مضاعفة كيفية.
*****


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 7:59 am

فوائد تتعلق بالمناسك
الفائدة الأولى في آداب الحج والعمرة
قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: 197).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله".

فينبغي للعبد أن يقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم والإجلال والمحبة والخضوع لله رب العالمين، فيؤديها بسكينة ووقار واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وينبغي أن يشغل هذه المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير والتسبيح والتحميد والاستغفار؛ لأنه في عبادة من حين أن يشرع في الإحرام حتى يحل منه، فليس الحج نزهة للهو واللعب يتمتع به الإنسان كما شاء من غير حد كما يشاهد بعض الناس يستصحب من آلات اللهو والغناء ما يصده عن ذكر الله ويوقعه في معصية الله، وترى بعض الناس يفرط في اللعب والضحك والاستهزاء بالخلق وغير ذلك من الأعمال المنكرة كأنما شرع الحج للمرح واللعب.

ويجب على الحاج وغيره أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه من الصلاة جماعة في أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وينبغي أن يحرص على نفع المسلمين والإحسان إليهم بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، وأن يرحم ضعيفهم خصوصاً في مواضع الرحمة كمواضع الزحام ونحوها، فإن رحمة الخلق جالبة لرحمة الخالق، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

ويتجنب الرفث والفسوق والعصيان والجدال لغير نصرة الحق أما الجدال من أجل نصرة الحق فهذا واجب في موضعه.

ويتجنب الاعتداء على الخلق وإيذاءهم؛ فيتجنب الغيبة والنميمة والسب والشتم والضرب والنظر إلى النساء الأجانب، فإن هذا حرام في الإحرام وخارج الإحرام، فيتأكد تحريمه حال الإحرام.

وليتجنب ما يحدثه كثير من الناس من الكلام الذي لا يليق بالمشاعر كقول بعضهم إذا رمى الجمرات رمينا الشيطان، وربما شتم المشعر أو ضربه بنعل ونحوه مما ينافي الخضوع والعبادة ويناقض المقصود برمي الجمار وهو إقامة ذكر الله عز وجل.
 
الفائدة الثانية في محظورات الإحرام
محظورات الإحرام هي التي يمنع منها المحرم بحج أو بعمرة بسبب الإحرام...

وهي ثلاثة أقسام:
قسم يحرم على الذكور والإناث.
وقسم يحرم على الذكور دون الإناث.
وقسم يحرم على الإناث دون الذكور.


فأما الذي يحرم على الذكور والإناث فمنه ما يأتي:
1- إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره وكذلك إزالته من بقية الجسد على المشهور، لكن لو نزل بعينيه شعر يتأذى منه ولم يندفع أذاه إلا بقلعه فله قلعه ولا شيء عليه، ويجوز للمحرم أن يحك رأسه بيده برفق، فإن سقط منه شعر بلا تعمد فلا شيء عليه.

2- تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين إلا إذا انكسر ظفره وتأذى به فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شيء عليه.

3- استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن أو غيرهما، أما الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام فإنه لا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب دون استدامته، ولا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران؛ لأن الزعفران من الطيب إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه بالطبخ ولم يبق إلا مجرد اللون فلا بأس.

4- النظر والمباشرة لشهوة.

5- لبس القفازين وهما (شراب) اليدين.

6- قتل الصيد وهو الحيوان الحلال البري المتوحش مثل الظباء والأرانب والحمام والجراد، فأما صيد البحر فحلال فيجوز للمحرم صيد السمك من البحر، وكذلك يجوز له الحيوان الأهلي كالدجاج.

وإذا انفرش الجراد في طريقه ولم يكن طريق غيرها فوطئ شيئاً منه من غير قصد فلا شيء عليه؛ لأنه لم يقصد قتله ولا يمكنه التحرز منه.

وإما قطع الشجر فليس حراماً على المحرم؛ لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يحرم على من كان داخل أميال الحرم سواء كان محرماً أو غير محرم، وعلى هذا فيجوز قطع الشجر في عرفة ولا يجوز في منى ومزدلفة؛ لأن عرفة خارج الأميال، ومنى ومزدلفة داخل الأميال، ولو أصاب شجرة وهو يمشي من غير قصد فلا شيء عليه، ولا يحرم قطع الأشجار الميتة.

وأما الذي يحرم على الذكور دون الإناث فهو شيئان:
1- لبس المخيط وهو أن يلبس الثياب ونحوها على صفة لباسها في العادة كالقميص (والفنيلة) والسروال ونحوها، فلا يجوز للذكر لبس هذه الأشياء على الوجه المعتاد.

أما إذا لبسها على غير الوجه المعتاد فلا بأس بذلك مثل أن يجعل القميص رداء، أو يرتدي بالعباءة جاعلاً أعلاها أسفلها فلا بأس بذلك كله، ولا بأس أن يلبس رداءً مرقعاً أو إزاراً مرقعاً أو موصولاً.

ويجوز لبس السبتة وساعة اليد ونظارة العين وعقد ردائه وزره بمشبك ونحوه؛ لأن هذه الأشياء لم يرد فيها منع عن النبي صلى الله عليه وسلم وليست في معنى المنصوص على منعه، بل قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم فقال: "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس والخفاف"، فإجابته صلى الله عليه وسلم بما لا يلبس عن السؤال عما يلبس دليل على أن كل ما عدا هذه المذكورات فإنه مما يلبسه المحرم، وأجاز صلى الله عليه وسلم للمحرم أن يلبس الخفين إذا عدم النعلين لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثله نظارات العين لاحتياج لابسها إلى وقاية عينيه، وأجاز الفقهاء على المشهور من المذهب لباس الخاتم للرجل المحرم.

ويجوز للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه، وأن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين ولا ثمنهما لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو يخطب بعرفات: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل".

2- تغطية رأسه بملاصق كالعمامة والغترة والطاقية وشبهها، فأما غير المتصل كالخيمة والشمسية وسقف السيارة فلا بأس به؛ لأن المحرم ستر الرأس دون الاستظلال، وفي حديث أم الحصين الأحمسية قال: "حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافعاً ثوبه على رأس النبي صلى الله عليه وسلم يظلله من الشمس" وفي رواية: "يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة"، رواه أحمد ومسلم، وهذا كان في يوم العيد قبل التحلل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرمي الجمار في غير يوم العيد ماشياً لا راكباً.

ويجوز للمحرم أن يحمل المتاع على رأسه إذا لم يكن قصده ستر الرأس، ويجوز له أيضاً أن يغوص في الماء ولو تغطى رأسه بالماء.

وأما الذي يحرم على النساء دون الذكور:
فهو النقاب وهو أن تستر وجهها بشيء وتفتح لعينيها ما تنظر به، ومن العلماء من قال لا يجوز أن تغطي وجهها لا بنقاب ولا غيره إلا أن يمر الرجال قريباً منها؛ فإنه يلزمها أن تغطي وجهها ولا فدية عليها سواء مسه الغطاء أم لا.

وفاعل المحظورات السابقة له ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفدية.

الحالة الثانية:
أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك مثل أن يحتاج إلى لبس القميص لدفع برد يخاف منه الضرر؛ فيجوز أن يفعل ذلك وعليه فديته كما جرى لكعب بن عجرة رضي الله عنه حين حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر من رأسه على وجهه؛ فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه ويفدي.

الحالة الثالثة:
 أن يفعل المحظور وهو معذور إما جاهلاً أو ناسياً أو نائماً أو مكرهاً فلا إثم عليه ولا فدية لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: 5)، وقال تعالى:(رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: 286)، فقال الله تعالى: قد فعلت.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 8:01 am

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"أن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وهذه نصوص عامة في محظورات الإحرام وغيرها تفيد رفع المؤاخذة عن المعذور بالجهل والنسيان والإكراه، وقال تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (المائدة: 95).

فقيد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره تعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم.

لكن متى زال العذر فعلم الجاهل وتذكر الناسي واستيقظ النائم وزال الإكراه فإنه يجب التخلي عن المحظور فوراً، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو آثم وعليه الفدية، مثال ذلك أن يغطي الذكر رأسه وهو نائم فإنه ما دام نائماً فلا شيء عليه، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فوراً، فإن استمر في تغطيته مع علمه بوجوب كشفه فعليه الفدية.

ومقدار الفدية في المحظورات التي ذكرناها كما يأتي:
1- في إزالة الشعر والظفر والطيب والمباشرة لشهوة ولبس القفازين ولبس الذكر المخيط وتغطية رأسه وانتقاب المرأة الفدية في هذه الأشياء في كل واحد منها إما ذبح شاة، وإما إطعام ستة مساكين، وإما صيام ثلاثة أيام يختار ما يشاء من هذه الأمور الثلاثة، فإن اختار ذبح الشاة فإنه يذبح ذكراً أو أنثى من الضان أو الماعز مما يجزئ في الأضحية، أو ما يقوم مقامه من سبع بدنة أو سبع بقرة، ويفرق جميع اللحم على الفقراء ولا يأكل منه شيئاً، وإن اختار إطعام المساكين فإنه يدفع لكل مسكين نصف صاع مما يطعم من تمر أو بر أو غيرهما، وإن اختار الصيام فإنه يصوم الأيام الثلاثة إن شاء متوالية وإن شاء متفرقة.

2- في جزاء الصيد فإن كان للصيد مثل، خير بين ثلاثة أشياء:
إما ذبح المثل وتفريق جميع لحمه على فقراء مكة، وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً.

فإن لم يكن للصيد مثل خير بين شيئين: إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها طعاماً يفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.

مثال الذي له مثل من النعم الحمام ومثيلها الشاة فنقول لمن قتل حمامة: أنت بالخيار إن شئت فاذبح شاة، وإن شئت فانظر كم قيمة الشاة وأخرج ما يقابلها من الطعام لفقراء الحرم لكل واحد نصف صاع، وإن شئت فصم عن إطعام كل مسكين يوماً.

ومثال الصيد الذي لا مثل له الجراد فنقول لمن قتل جراداً متعمداً: إن شئت فانظر كم قيمة الجراد وأخرج ما يقابلها من الطعام لمساكين الحرم لكل مسكين نصف صاع، وإن شئت فصم عن إطعام كل مسكين يوماً.

الفائدة الثالثة في إحرام الصغير
الصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه الحج، لكن لو حج فله أجر الحج ويعيده إذا بلغ، وينبغي لمن يتولى أمره من أب أو أم أو غيرهما أن يحرم به وثواب النسك يكون للصبي ولوليه أجر على ذلك لما في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال" "نعم ولك أجر".

وإذا كان الصبي مميزاً وهو الذي يفهم ما يقال له فإنه ينوي الإحرام بنفسه فيقول له وليه: أنو الإحرام بكذا، ويأمره أن يفعل ما يقدر عليه من أعمال الحج مثل الوقوف بعرفة والمبيت بمنى ومزدلفة، وأما ما يعجز عن فعله كرمي الجمار فإن وليه ينوب عنه فيه أو غيره بإذنه إلا الطواف والسعي فإنه إذا عجز عنهما يحمل ويقال له: أنو الطواف أو السعي.

وفي هذه الحال يجوز لحامله أن ينوي الطواف والسعي عن نفسه أيضاً والصبي عن نفسه فيحصل الطواف والسعي للجميع؛ لأن كلا منهما حصل منه نية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"

وإذا كان الصبي غير مميز فإن وليه ينوي له الإحرام ويرمي عنه ويحضره مشاعر الحج وعرفة ومزدلفة ومنى يطوف ويسعى به، ولا يصح في هذه الحال أن ينوي الطواف والسعي لنفسه وهو يطوف ويسعى بالصبي؛ لأن الصبي هنا لم يحصل منه نية ولا عمل وإنما النية من حامله فلا يصح عمل واحد بنيتين لشخصين بخلاف ما إذا كان الصبي مميز لأنه حصل منه نية والأعمال بالنيات، هذا ما ظهر لي، وعليه فيطوف الولي ويسعى أولاً عن نفسه، ثم يطوف ويسعى بالصبي أو يسلمه إلى ثقة يطوف ويسعى به.

وإحكام إحرام الصغير كأحكام إحرام الكبير؛ لأن النبي صلى لله عليه وسلم أثبت أن له حجاً فإذا ثبت الحج ثبتت أحكامه ولوازمه، وعلى هذا فإذا كان الصغير ذكراً جنب ما يجتنبه الرجل الكبير، وإن كانت أنثى جنبت ما تجتنبه المرأة الكبيرة، لكن عند الصغير بمنزلة خطأ الكبير، فإذا فعل بنفسه شيئاً من محظورات الإحرام فلا فدية عليه ولا على وليه.

الفائدة الرابعة في الاستنابة في الحج
إذا وجب الحج على شخص فإن كان قادراً على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج، وإن كان عاجزاً عن الحج بنفسه فإن كان يرجو زوال عجزه كمريض يرجو الشفاء فإنه يؤخر الحج حتى يستطيع، فإن مات قبل ذلك حج عنه من تركته ولا إثم عليه.

وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزاً عجزاً لا يرجو زواله كالكبير والمريض الميؤوس منه ومن لا يستطيع الركوب فإنه يوكل من يحج عنه؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع".

ويجوز أن يكون الرجل وكيلاً عن المرأة والمرأة عن الرجل.

وإذا كان الوكيل قد وجب عليه الحج ولم يحج عن نفسه فإنه لا يحج عن غيره بل يبدأ بنفسه أولاً لحديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"

والأولى أن يصرح الوكيل بذكر موكله فيقول: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان أو عن بنت فلان، وإن نوى بقلبه ولم يذكر الاسم فلا بأس، وإن نسي اسم الموكل نوى بقلبه عمن وكله وإن لم يستحضر اسمه والله تعالى يعلمه ولا يخفى عليه.

ويجب على الوكيل أن يتقي الله تعالى ويحرص على تكميل النسك لأنه مؤتمن على ذلك، فيحرص على فعل ما يجب وترك ما يحرم، ويكمل ما استطاع من المكملات للنسك ومسنوناته.

الفائدة الخامسة في تبديل ثياب الإحرام
يجوز للمحرم بحج أو عمرة رجلاً كان أو أنثى تبديل ثياب الإحرام التي أحرم بها ولبس ثياب غيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لباسه، كما يجوز للمحرم أيضاً أن يلبس النعلين بعد الإحرام وإن كان حين عقده حافياً.
 
الفائدة السادسة في محل ركعتي الطواف
السنة لمن فرغ من الطواف أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، فإن كان المحل القريب من المقام واسعاً فذاك وإلا فصلاهما ولو بعيداً، ويجعل المقام بينه وبين الكعبة فيصدق عليه أنه صلى خلف المقام، واتبع في ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي أنه صلى الله عليه وسلم جعل المقام بينه وبين البيت.

الفائدة السابعة في الموالاة في السعي وبينه وبين الطواف
الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف، فإن أخره عنه كثيراً فلا بأس مثل أن يطوف أول النهار ويسعى آخره، أو يطوف في الليل ويسعى بعد ذلك في النهار، ويجوز لمن تعب في السعي أن يجلس ويستريح ثم يكمل سعيه ماشياً أو على عربة ونحوها.

وإذا أقيمت الصلاة وهو يسعى دخل في الصلاة، فإذا سلم أتم سعيه من المكان الذي انتهى إليه قبل إقامة الصلاة.

وكذلك لو أقيمت وهو يطوف أو حضرت جنازة فإنه يصلي، فإذا فرغ أتم طوافه من مكانه الذي انتهى إليه قبل الصلاة، ولا حاجة إلى إعادة الشوط الذي قطعه على القول الراجح عندي؛ لأنه إذا كان القطع للصلاة معفواً عنه فلا دليل على بطلان أول الشوط.

الفائدة الثامنة في الشك في عدد الطواف أو السعي
إذا شك الطائف في عدد الطواف، فإن كان كثير الشكوك مثل من به وسواس فإنه لا يلتفت إلى هذه الشك، وإن لم يكن كثير الشكوك فإن كان شكه بعد أن أتم الطواف فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك أيضاً إلا أن يتيقن أنه ناقص فيكمل ما نقص.

وإن كان الشك في أثناء الطواف مثل أن يشك هل الشوط الذي هو فيه الثالث أو الرابع مثلاً فإن ترجح عنده أحد الأمرين عمل بالراجح عنده، وإن لم يترجح عنده شيء عمل باليقين وهو الأقل.

ففي المثال المذكور إن ترجح عنده الثلاثة جعلها ثلاثة وأتى بأربعة، وإن ترجحت عنده الأربعة جعلها أربعة وأتى بثلاثة، وإن لم يترجح عنده شيء جعلها ثلاثة لأنها اليقين وأتى بأربعة.

وحكم الشك في عدد السعي كحكم الشك في عدد الطواف في كل ما تقدم.
 
الفائدة التاسعة في الوقوف بعرفة
سبق أن الأفضل للحاج أن يحرم بالحج يوم الثامن من ذي الحجة ثم يخرج إلى منى فيمكث فيها بقية يومه، ويبيت ليلة التاسع ثم يذهب إلى عرفة ضحى، وهذا على سبيل الفضيلة فلو خرج إلى عرفة من غير أن يذهب قبلها إلى منى فقد ترك الأفضل ولكن لا إثم عليه.

ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، فإن بعض الحجاج يقفون خارج حدودها إما جهلاً وإما تقليداً لغيرهم، وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة لا حج لهم لأنهم لم يقفوا بعرفة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" وفي أي مكان وقف من عرفة فإنه يجزئه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف".

ولا يجوز لمن وقف بعرفة أن يدفع من حدودها حتى تغرب الشمس يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف إلى الغروب وقال: "خذوا عني مناسككم".

ويمتد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد، فمن طلع عليه الفجر يوم العيد ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء الإحرام إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف فإنه يتحلل بعمرة فيذهب إلى البيت ويطوف ويسعى ويحلق، وإذا كان معه هدي ذبحه، فإذا كانت السنة الثانية قضى الحج الذي فاته وأهدى هدياً فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالثلاثاء 17 يوليو 2018, 8:04 am

الفائدة العاشرة في الدفع من مزدلفة
لا يجوز للقوي أن يدفع من مزدلفة حتى يصلى الفجر يوم العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها ليلة العيد ولم يدفع منها حتى صلى الفجر وقال: "خذوا عني مناسككم".

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة -أي ثقيلة- فأذن لها فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه" وفي رواية: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة فأصلي الصبح بمنى فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس".

وأما الضعيف الذي يشق عليه مزاحمة الناس عند الجمرة فإن له أن يدفع قبل الفجر إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة قبل الناس، وفي صحيح مسلم عن أسماء: "أنها كانت ترتقب غيوب القمر وتسأل مولاها هل غاب القمر، فإذا قال نعم قالت: ارحل بي.

قال: فارتحلنا حتى رمت الجمرة ثم صلت (يعني الفجر) في منزلها فقلت لها: أي هنتاه -أي يا هذه- لقد غلسنا، قالت: كلا أي بني إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن".

ومن كان من أهل هؤلاء الضعفاء الذين يجوز لهم الدفع من مزدلفة قبل الفجر فإنه يجوز أن يدفع معهم قبل الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن عباس رضي الله عنهما في ضعفة أهله صلى الله عليه وسلم من مزدلفة بليل. فإن كان ضعيفاً رمى الجمرة معهم إذا وصل إلى منى؛ لأنه لا يستطيع المزاحمة، أما إن كان يستطيع زحام الناس فإنه يؤخر الرمي حتى تطلع الشمس لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أي بني لا ترموا حتى تطلع الشمس".

فنخلص أن الدفع من مزدلفة ورمي جمرة العقبة يوم العيد يكونان على النحو التالي:
الأول:
من كان قوياً لا ضعيف معه فإنه لا يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر، ولا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس؛ لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي فعله وكان يقول: "خذوا عني مناسككم" ولم يرخص لأحد من ذوي القوة في الدفع من مزدلفة قبل الفجر أو رمي الجمرة قبل طلوع الشمس.

الثاني:
من كان قوياً وفي صحبته أهل ضعفاء فإنه يدفع معهم آخر الليل إن شاء، ويرمي الضعيف الجمرة إذا وصل منى، وأما القوي فلا يرميها حتى تطلع الشمس لأنه لا عذر له.

الثالث:
الضعيف فيجوز له الدفع من مزدلفة آخر الليل إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة إذا وصل إلى منى.

ومن لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ليلة العيد وأدرك الصلاة فيها وكان قد وقف بعرفة قبل الفجر فحجه صحيح لحديث عروة بن مضرس وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد صلاتنا هذه –يعني الفجر– ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك نهاراً أو ليلاً فقد تم حجه وقضى تفثه".

وظاهر هذا الحديث أنه لا دم عليه وذلك لأنه أدرك جزءاً من وقت الوقوف بمزدلفة وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام بما أداه من صلاة الفجر فكان حجه تاماً، ولو كان عليه دم لبينه النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

الفائدة الحادية عشر فيما يتعلق بالرمي
1- في الحصى الذي يرمي به يكون بين الحمص والبندق لا كبيراً جداً ولا صغيراً جداً، ويلقط الحصى من منى أو مزدلفة أو غيرهما كل يوم بيومه، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لقط الحصى من مزدلفة، ولا أنه لقط حصى الأيام كلها وجمعها، ولا أمر صلى الله عليه وسلم أحداً بذلك من أصحابه فيما أعلم.

2- لا يجب في الرمي أن تضرب الحصاة نفس العمود الشاخص، بل الواجب أن تستقر في نفس الحوض الذي هو مجمع الحصا، فلو ضربت العمود ولم تسقط في الحوض وجب عليه أن يرمي بدلها، ولو سقطت في الحوض واستقرت به أجزأت وإن لم تضرب العمود.

3- لو نسي حصاة من إحدى الجمار فلم يرم إلا بست حصيات ولم يذكر حتى وصل إلى محله فإنه يرجع ويرمي الحصاة التي نسيها ولا حرج عليه، وإن غربت الشمس قبل أن يتذكر فإنه يؤخرها إلى اليوم الثاني، فإذا زالت الشمس رمى الحصاة التي نسيها قبل كل شيء، ثم رمى الجمار لليوم الحاضر.

الفائدة الثانية عشر في التحلل الأول والثاني
إذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم العيد وحلق رأسه أو قصره حل التحلل الأول وجاز له جميع محظورات الإحرام من الطيب واللباس وأخذ الشعور والأظافر وغير ذلك إلا النساء، فإنه لا يجوز له أن يباشر زوجته أو ينظر إليها لشهوة حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا طاف وسعى حل التحلل الثاني وجاز له جميع محظورات الإحرام حتى النساء لكن ما دام داخل الأميال فإنه لا يحل له الصيد ولا قطع الشجر والحشيش الأخضر لأجل الحرم لا لأجل الإحرام؛ لأن الإحرام قد تحلل منه.
 
الفائدة الثالثة عشر في التوكيل في رمي الجمار
لا يجوز لمن قدر على رمي الجمار بنفسه أن يوكل من يرمي عنه سواء كان حجه فرضاً أم نفلاً؛ لأن نفل الحج يلزم من شرع فيه إتمامه.

وأما من يشق عليه الرمي بنفسه كالمريض والكبير والمرأة الحامل ونحوهم فإنه يجوز أن يوكل من يرمي عنه سواء كان حجه فرضاً أم نفلاً، وسواء لقط الحصى وأعطاها الوكيل أو لقطها الوكيل بنفسه فكل ذلك جائز.

ويبدأ الوكيل بالرمي عن نفسه ثم عن موكله لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ابدأ بنفسك" وقوله: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة".

ويجوز أن يرمي عن نفسه ثم عن موكله في موقف واحد. فيرمي الجمرة الأولى بسبع عن نفسه ثم بسبع عن موكله وهكذا الثانية والثالثة كما يفيده ظاهر الحديث المروي عن جابر قال: "حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم"، رواه أحمد وابن ماجة وظاهره أنهم يفعلون ذلك في موقف واحد إذ لو كانوا يكملون الثلاث عن أنفسهم ثم يرجعون من أولها عن الصبيان لنقل ذلك والله أعلم.

الفائدة الرابعة عشرة في أنساك يوم العيد
يفعل الحاج يوم العيد أربعة أنساك مرتبة كما يلي:
الأول:
رمي جمرة العقبة.

الثاني:
ذبح الهدي إن كان له هدي.

الثالث:
الحلق أو التقصير.

الرابع:
الطواف بالبيت.

وأما السعي فإن كان متمتعاً سعى للحج، وإن كان قارناً أو مفرداً فإن كان سعى بعد طواف القدوم كفاه سعيه الأول وإلا سعى بعد هذا الطواف، أعني طواف الحج.

والمشروع أن يرتبها على هذا الترتيب، فإن قدم بعضها على بعض بأن ذبح قبل الرمي، أو حلق قبل الذبح، أو طاف قبل الحلق، فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا حرج عليه، وإن كان متعمداً عالماً فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا حرج عليه أيضاً لما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه فقال: لا حرج.

وعنه قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسال يوم النحر بمنى فيقول لا حرج. فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج. وقال: رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج".

وعنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج".

وسُئِلَ عمَّنْ زار (أي طاف طواف الزيارة) قبل أن يرمي أو ذبح قبل أن يرمي فقال: "لا حرج" رواه البخاري.

وفي حديث عبد الله بن عمرو قال:
"فما سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج".   

وإن أخر الذبح إلى نزوله إلى مكة فلا باس لكن لا يؤخره عن أيام التشريق، وإن أخر الطواف أو السعي عن يوم العيد فلا بأس لكن لا يؤخرهما عن شهر ذي الحجة إلا من عذر مثل أن يحدث للمرأة نفاس قبل أن تطوف فتؤخر الطواف حتى تطهر ولو بعد شهر ذي الحجة فلا حرج عليها ولا فدية.

الفائدة الخامسة عشر في وقت الرمي والترتيب بين الجمار
سبق لك أن وقت الرمي يوم العيد للقادر بعد طلوع الشمس، ولمن يشق عليه مزاحمة الناس من آخر الليل ليلة العيد، وأما وقت الرمي في أيام التشريق فإنه من زوال الشمس فلا رمي قبل الزوال لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما رمى في أيام التشريق إلا بعد الزوال وقال: "خذوا عني مناسككم".

ويستمر وقت الرمي في يوم العيد وما بعده إلى غروب الشمس فلا يرمي في الليل، ويرى بعض العلماء أنه إذا فات الرمي في النهار فله أن يرمي في الليل إلا ليلة أربعة عشرة لانتهاء أيام منى بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر، والقول الأول أحوط، وعليه فلو فاته رمي يوم فإنه يرمي في اليوم الذي بعده إذا زالت الشمس يبدأ برمي اليوم الذي فاته فإذا أكمله رمى لليوم الحاضر

والترتيب بين الجمار الثلاث واجب، فيرمي أولاً الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، فلوا بدأ برمي جمرة العقبة ثم الوسطى أو بالوسطى، فإن كان متعمداً عالماً وجب عليه إعادة الوسطى ثم جمرة العقبة، وإن كان جاهلاً أو ناسياً أجزأه ولا شيء عليه.
 
الفائدة السادسة عشرة في المبيت بمنى
المبيت بمنى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر واجب، والواجب المبيت معظم الليل سواء من أول الليل أو من آخره، فلو نزل إلى مكة أول الليل ثم رجع قبل نصف الليل أو نزل إلى مكة بعد نصف الليل من منى فلا حرج عليه لأنه قد أتى بالواجب.

ويجب أن يتأكد من حدود منى حتى لا يبيت خارجاً عنها وحدها من الشرق وادي محسر، ومن الغرب جمرة العقبة وليس الوادي والجمرة من منى.

أما الجبال المحيطة بمنى فإن وجوهها مما يلي منى منها فيجوز المبيت بها، وليحذر الحاج من المبيت في وادي محسر أو من وراء جمرة العقبة، لأن ذلك خارج عن حدود منى، فمن بات به لم يجزئه المبيت.

الفائدة السابعة عشرة في طواف الوداع
سبق أن طواف الوداع واجب عند الخروج من مكة على كل حاج ومعتمر إلا الحائض أو النفساء، لكن إن طهرتا قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمهما، وإذا ودع ثم خرج من مكة وأقام يوماً أو أكثر لم يلزمه إعادة الطواف ولو كانت إقامته في موضع قريب من مكة.
*****


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 8:28 pm

أخطاء الحجاج والمعتمرين
الإحرام والأخطاء فيه
ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وقت لأهل المدينة من ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: (فهن لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة).

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وقت لأهل العراق ذات عرق.

وثبت في الصحيحين أيضاً في حديث عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن).   

فهذه المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حدود شرعية توقيفية موروثة عن الشارع لا يحل لأحد تغييرها أو التعدي فيها، أو تجاوزها بدون إحرام لمن أراد الحج والعمرة، فإن هذا من تعدي حدود الله وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: من الآية 229).

ولأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: (يهل أهل المدينة، ويهل أهل الشام، ويهل أهل نجد) وهذا خبر بمعني الأمر.

والإهلال:
رفع الصوت بالتلبية، ولا يكون إلا بعد عقد الإحرام.

فالإحرام من هذه المواقيت واجب على من أراد الحج أو العمرة إذا مر بها أو حاذاها سواء أتي من طريق البر أو البحر أو الجو.

فإن كان من طريق البر نزل فيها إن مر بها أو فيما حاذاها إن لم يمر بها، وأتي بما ينبغي أن يأتي به عند الإحرام من الاغتسال وتطييب بدنه ولبس ثياب إحرامه، ثم يحرم قبل مغادرته.

وإن كان من طريق البحر فإن كانت الباخرة تقف عند محاذات الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه حال وقوفها، ثم أحرم قبل سيرها، وإن كانت لا تقف عند محاذات الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه قبل أن تحاذيه ثم يحرم إذا حاذته.

وإن كان من طريق الجو اغتسل عند ركوب الطائرة وتطيب ولبس ثوب إحرامه قبل محاذات الميقات، ثم أحرم قبيل محاذاته، ولا ينتظر حتى يحاذيه؛ لأن الطائرة تمر به سريعة فلا تعطي فرصة، وإن أحرم قبله احتياطا فلا بأس لأنه لا يضره.

والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس أنهم يمرون من فوق الميقات في الطائرة أو من فوق محاذاته ثم يؤخرون الإحرام حتى ينزلوا في مطار جدة وهذا مخالف لأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعدِّ لحدود الله تعالى.

وفي صحيح البخاري عن عبد الله ابن عمر-رضي الله عنهما- قال: لما فُتح هذان المصران -يعني البصرة والكوفة- أتوا عمر -رضي الله عنه- فقالوا: (يا أمير المؤمنين، إن النبي (صلى الله عليه وسلم) حَدَّ لأهل نجد قرناً وإنه جورٌ عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا قال: فانظروا على حذوها من طريقكم) فجعل أمير المؤمنين أحد الخلفاء الراشدين ميقات من لم يمر بالميقات إذا حاذاه، ومن حاذاه جواً فهو كمن حاذاه براً لا فرق.

فإذا وقع  الإنسان في هذا الخطأ فنزل جدة قبل أن يحرم فعليه أن يرجع إلى الميقات الذي حاذاه في الطائرة فيحرم منه، فإن لم يفعل وأحرم من جدة فعليه عند اكثر العلماء فدية يذبحها في مكة ويفرقها كلها على الفقراء فيها، ولا يأكل منها ولا يهدي منها لغني لأنها بمنزلة الكفارة.

الطواف والأخطاء فيه
ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه أبتدأ الطواف من الحجر الأسود في الركن اليماني الشرقي من البيت، وانه طاف بجميع البيت من وراء الحجر.

وأنه رمل في الأشواط الثلاثة الأولي فقط في الطواف أول ما قدم مكة.

وانه كان في طوافه يستلم الحجر الأسود ويقبله واستلمه بيده وقبَّلها، واستلمه بمحجن كان معه وقبَّل المحجن وهو راكب على بعيره فجعل يشير على الركن يعني الحجر كلما مر به.

وثبت عنه انه كان يستلم الركن اليماني.

واختلاف الصفات في استلام الحجر إنما كان -والله أعلم- حسب السهولة، فما سهل عليه منها فعله، وكل ما فعله من الاستلام والتقبيل والإشارة إنما هو تعبد لله وتعظيم له لا اعتقاد أن الحجر ينفع أو يضر، وفي الصحيحين عن عمر -رضي الله عنه- أنه كان يقبل الحجر ويقول: (إني لأعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقبلك ما قبلتك).

والأخطاء التي تقع من بعض الحجاج:
1.  ابتداء الطواف من قبل الحجر أي من بينه وبين الركن اليماني، وهذا من الغلو في الدين الذي نهي عنه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو يشبه من بعض الوجوه تقدم رمضان بيوم أو يومين، وقد ثبت النهي عنه.

وادعاء بعض الحجاج انه يفعل ذلك احتياطاً غير مقبول منه، فالاحتياط الحقيقي النافع هو اتباع الشريعة وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.

2.  طوافهم عند الزحام بالجزء المسقوف من الكعبة فقط بحيث يدخل من باب الحجر إلى الباب المقابل ويدع بقية الحجر عن يمينه، وهذا خطأ عظيم لا يصح الطواف بفعله، لأن الحقيقة انه لم يطف بالبيت وإنما طاف ببعضه.

3. الرمل في جميع الأشواط السبعة.

4. المزاحمة الشديدة للوصول للحجر لتقبيله حتى انه يؤدي في بعض الأحيان إلى المقاتلة والمشاتمة، فيحصل من التضارب والأقوال المنكرة ما لا يليق في مسجد الله الحرام وتحت ظل بيته، فينقص بذلك الطواف بل النسك كله، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة: من الآية 197).

وهذه المزاحمة تذهب الخشوع وتنسي ذكر الله تعالى، وهما من أعظم المقصود في الطواف.

5.  اعتقادهم أن الحجر نافع بذاته، ولذلك تجدهم إذا استلموه مسحوا بأيديهم على بقية أجسامهم أو مسحوا بها على أطفالهم الذين معهم، وكل هذا جهل وضلال، فالنفع والضرر من الله وحده، وقد سبق قول أمير المؤمنين عمر: (إني لأعلم انك لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقبلك ما قبلتك).

6.  استلامهم -أعني بعض الحجاج- لجميع أركان الكعبة وربما استلموا جميع جدران الكعبة وتمسحوا بها، وهذا جهل وضلال، فإن الاستلام عبادة وتعظيم لله عز وجل فيجب الوقوف فيها على ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يستلم النبي (صلى الله عليه وسلم) من البيت سوي الركنين اليمانيين (الحجر الأسود وهو في الركن اليماني الشرقي من الكعبة، والركن اليماني الغربي)، وفي مسند الإمام أحمد عن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه طاف مع معاوية -رضي الله عنه- فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقت.

الطواف والأخطاء القولية
ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يكبر الله -تعالى- كلما أتى على الحجر الأسود.

وكان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: من الآية: 201).

وقال: (إنما جُعِلَ الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله).

والخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين في هذا تخصيص كل شوط بدعاء معين لا يدعو فيه بغيره، حتى أنه إذا أتم الشوط قبل إتمام الدعاء قطعه ولو لم يبق عليه إلا كلمة واحدة؛ ليأتي بالدعاء الجديد للشوط الذي يليه، وإذا أتم الدعاء قبل تمام الشوط سكت.

ولم يرد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في الطواف دعاء مخصص لكل شوط.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله:
وليس فيه -يعني الطواف- ذكر محدود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له.

وعلى هذا فيدعو الطائف بما احب من خيري الدنيا والآخرة، ويذكر الله -تعالى- بأي ذكر مشروع من تسبيح أو تحميد أو تهليل |أو تكبير أو قراءة قرآن.

ومن الخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين أن يأخذ من هذه الأدعية المكتوبة فيدعو بها وهو لا يعرف معناها، وربما يكون فيها أخطاء من الطابع أو الناسخ تقلب المعني رأساً على عقب، وتجعل الدُّعاء للطائف دُعاءً عليه، فيدعو على نفسه من حيث لا يشعر.

وقد سمعنا من هذا العجب العجاب.

ولو دعا الطائف ربه بما يريده ويعرفه فيقصد معناه لكان خيراً له وأنفع، ولرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر تأسياً وأتباعاً.

ومن الخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين أن يجتمع جماعة على قائد يطوف بهم ويلقنهم الدعاء بصوت مرتفع، فيتبعه الجماعة بصوت واحد فتعلوا الأصوات وتحصل الفوضى، ويتشوش بقية الطائفين فلا يدرون ما يقولون؛ وفي هذا إذهاب للخشوع وإيذاء لعباد الله -تعالى- في هذا المكان الآمن، وقد خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : (كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن) رواه مالك في الموطأ.

ويا حبذا لو أن هذا القائد إذا اقبل بهم على الكعبة وقف بهم وقال افعلوا كذا، قولوا كذا، ادعوا بما تحبون، وصار يمشي معهم في المطاف حتى لا يخطئ منهم أحد فطافوا بخشوع وطمأنينة يدعون ربهم خوفاً وطمعاً بما يحبونه وبما يعرفون معناه ويقصدونه، وسلم الناس من أذاهم.

الركعتان بعد الطواف والخطأ فيهما
ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه لما فرغ من الطواف تقدم على مقام إبراهيم فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (البقرة: من الآية 125).

فصلي ركعتين والمقام بينه وبين الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى الفاتحة و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون: 1) وفي الثانية الفاتحة و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص: 1).

والخطأ الذي يفعله بعض الناس هنا ظنهم أنه لابد أن تكون صلاة الركعتين قريباً من المقام، فيزدحمون على ذلك ويؤذون الطائفين في أيام الموسم، ويعوقون سير طوافهم، وهذا الظن خطأ فالركعتان بعد الطواف تجزئان في أي مكان من المسجد، ويمكن أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة وإن كان بعيداً عنه فيصلي في الصحن أو في رواق المسجد، ويسلم من الأذية، فلا يؤذِي ولا يؤذي، وتحصل له الصلاة بخشوع وطمأنينة.

ويا حبذا لو أن القائمين على المسجد الحرام منعوا من يؤذون الطائفين بالصلاة خلف المقام قريباً منه، وبيَّنوا لهم أن هذا ليس بشرط للركعتين بعد الطواف.

ومن الخطأ أن بعض الذين يصلون خلف المقام يصلون عدة ركعات كثيرة بدون سبب مع حاجة الناس الذين فرغوا من الطواف إلى مكانهم.

ومن الخطأ أن بعض الطائفين إذا فرغ من الركعتين وقف بهم قائدهم يدعو بهم بصوت مرتفع، فيشوشون على المصلين خلف المقام فيعتدون عليهم، وقد قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: 55).

صعود الصفا والمروة والدعاء فوقهما والسعي بين العلمين والخطأ في ذلك
ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه حين دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية 158) ثم رقي عليه حتى رأي الكعبة فاستقبل القبلة ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو، فوحَّد الله وكبَّره وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ماشياً فلما انصبت قدماه في بطن الوادي وهو ما بين العلمين الأخضرين سعي حتى إذا تجاوزهما مشي حتى إذا أتى المروة، ففعل على المروة ما فعل على الصفا.

والخطأ الذي يفعله بعض الساعين هنا إذا صعدوا الصفا والمروة استقبلوا الكعبة فكبروا ثلاث تكبيرات يرفعون أيديهم ويومئون بها كما يفعلون في الصلاة ثم ينزلون، وهذا خلاف ما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإما أن يفعلوا السُّنَّة كما جاءت إن تيسر لهم، وإما أن يدعوا ذلك ولا يحدثوا فعلاً لم يفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) .

ومن الخطا الذي يفعله بعض الساعين أنهم يسعون من الصفا إلى المروة، أعني أنهم يشتدون في المشي ما بين الصفا والمروة كله، وهذا خلاف السُّنَّة، فإن السعي ما بين العلمين فقط والمشي في بقية المسعى، واكثر ما يقع ذلك إما جهلاً من فاعله أو محبةً كثير من الناس للعجلة والتخلص من السعي والله المستعان.
 
الوقوف بعرفة والخطأ فيه
ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه مكث يوم عرفة بنمرة حتى زالت الشمس، ثم ركب ثم نزل فصلي الظهر والعصر ركعتين جمع تقديم بأذان واحد وإقامتين، ثم ركب حتى أتى موقفه فوقف وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف).

فلم يزل واقفاً مستقبل القبلة رافعاً يديه يذكر الله ويدعوه حتى غربت الشمس وغاب قرصها فدفع إلى مزدلفة.

الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج:
1. انهم ينزلون خارج حدود عرفة ويبقون في منازلهم حتى تغرب الشمس ثم ينصرفون منها إلى مزدلفة من غير أن يقفوا بعرفة، وهذا خطأ عظيم يفوت به الحج، فإن الوقوف بعرفة ركن لا يصح الحج إلا به، فمن لم يقف بعرفة وقت الوقوف فلا حج له لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : (الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك).

وسبب هذا الخطا الفادح أن الناس يغتر بعضهم ببعض؛ لأن بعضهم ينزل قبل أن يصلها ولا يتفقد علاماتها؛ فيفوت على نفسه الحج ويغر غيره، ويا حبذا لو أن القائمين على الحج أعلنوا للناس بوسيلة تبلغ جميعهم وبلغات متعددة، وعهدوا على المطوفين بتحذير الحجاج من ذلك ليكون الناس على بصيرة من أمرهم ويؤدوا حجهم على الوجه الأكمل الذي تبرا به الذمة.

2. انهم ينصرفون من عرفة قبل غروب الشمس، وهذا حرام لأنه خلاف سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث وقف إلى أن غربت الشمس وغاب قرصها، ولأن الانصراف من عرفة قبل الغروب عمل أهل الجاهلية.

3.  إنهم يستقبلون الجبل جبل عرفة عند الدعاء ولو كانت القبلة خلف ظهورهم أو على أيمانهم أو شمائلهم، وهذا خلاف السُّنَّة، فإن السُّنَّة استقبال القبلة كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم).
*****
رمي الجمرات والخطأ فيه
ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه رمي جمرة العقبة وهي الجمرة القصوى التي تلي مكة بسبع حصيات ضحي يوم النحر، يكبر مع كل حصاة.

كل حصاة منها مثل حصا الخذف أو فوق الحمص قليلاً، وفي سنن النسائي من حديث الفضل بن عباس -رضي الله عنهما- وكان رديف النبي (صلى الله عليه وسلم) من مزدلفة على مني- قال: فهبط - يعني النبي (صلى الله عليه وسلم) محسراً وقال: (عليكم بحصا الخذف الذي ترمي به الجمرة) قال: والنبي (صلى الله عليه وسلم) يشير بيده كما يخذف الإنسان، وفي مسند الإمام احمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، -قال يحي: لا يدري عوف عبد الله أو الفضل- قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غداة العقبة وهو واقف على راحلته: (هات القط لي).

فقال (بأمثال هؤلاء) مرتين وقال بيده.

فأشار يحي انه رفعها وقال:
(إياكم والغلو فإنما هلك مَنْ كان قبلكم بالغلو في الدين).

وعن أم سليمان بن عمرو بن الاحوص -رضي الله عنها- قالت: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر وهو يقول: (يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصا الخذف) رواه احمد.

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطي ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يفعله.

وروي أحمد وأبو داوود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله).

الأخطاء التي يفعلها بعض الحجاج هي:
1.  اعتقادهم أنه لابد من اخذ الحصا من مزدلفة، فيتبعون أنفسهم بلقطها في الليل واستصحابها في أيام مني أن الواحد منهم إذا ضاع حصاه حزن حزناً كبيراً، وطلب من رفقته أن يتبرعوا له بفضل ما معهم من حصا مزدلفة..

وقد علم مما سبق أنه لا أصل لذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وانه أمر ابن عباس-رضي الله عنهما- بلقط الحصا له وهو واقف على راحلته، والظاهر أن هذا الوقف كان عند الجمرة إذ لم يحفظ عنه أنه وقف بعد مسيره من مزدلفة قبل ذلك، ولأن هذا وقت الحاجة إليه فلم يكن ليأمر بلقطها قبله لعدم الفائدة فيه وتكلف حمله.

2.  اعتقادهم أنهم برميهم الجمار يرمون الشيطان، ولهذا يطلقون اسم الشياطين على الجمار فيقولون: رمينا الشيطان الكبير أو الصغير أو رمينا أبا الشياطين يعنون به الجمرة الكبرى جمرة العقبة، ونحو ذلك من العبارات التي لا تليق بهذه المشاعر.

وتراهم أيضا يرمون الحصاة بشدة وعنف وصراخ وسب وشتم لهذه الشياطين على زعمهم، حتى شاهدنا من يصعد فوقها يبطش بها ضرباً بالنعل والحصى الكبار بغضب وانفعال والحصا تصيبه من الناس وهو لا يزداد إلا غضباً وعنفاً في الضرب، والناس حوله يضحكون ويقهقهون كان المشهد مشهد مسرحيه هزلية، شاهدنا هذا قبل أن تبني الجسور وترتفع أنصاب الجمرات.

وكل هذا مبني على هذه العقيدة أن الحجاج يرمون شياطين، وليس لها اصل صحيح يعتمد عليه، وقد علمت مما سبق الحكمة في مشروعية رمي الجمار، لإقامة ذكر الله عز وجل، ولهذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكبر على أثر كل حصاة.

3.  رميهم الجمرات بحصى كبيرة وبالحذاء (النعل) والخفاف (الجزمات) والأخشاب، وهذا خطا كبير مخالف لما شرعه النبي (صلى الله عليه وسلم) لأمته بفعله وأمره حيث رمي (صلى الله عليه وسلم) بمثل حصا الخذف، وأمر أمته أن يرموا بمثله، وحذرهم من الغلو في الدين.

وسبب هذا الخطا الكبير ما سبق اعتقادهم أنهم يرمون الشيطان.

4.  تقدمهم إلى الجمرات بعنف وشدة لا يخشعون لله تعالى، ولا يرحمون عباد الله، فيحصل بفعلهم هذا الأذية للمسلمين والإضرار بهم والمشاتمة والمضاربة ما يقلب هذه العبادة وهذا المشعر إلى مشهد مشاتمة ومقاتله، ويخرجها عما شرعت من أجله، وعما كان عليه النبي (صلى الله عليه وسلم).

ففي المسند عن قدامه بن عبد الله بن عمار قال: "رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم النحر يرمي جمرة العقبة على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك "

5.  تركهم الوقوف للدعاء بعد رمي الجمرة الأولي والثانية في أيام التشريق، وقد علمت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقف بعد رميهما مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو دعاءً طويلاً، وسبب ترك الناس لهذا الوقوف الجهل بالسُّنَّة أو محبة كثير من الناس للعجلة والتخلص من العبادة.

ويا حبذا لو أن الحاج تعلم أحكام الحج قبل أن يحج ليعبد الله -تعالى- على بصيرة ويحقق متابعة النبي (صلى الله عليه وسلم).

ولو أن شخصاً أراد أن يسافر إلى بلد لرأيته يسأل عن طريقها حتى يصل إليها عن دلالة، فكيف بمن أراد أن يسلك الطريق الموصلة على الله -تعالى- وإلى جنته، أفليس من الجدير به أن يسأل عنها قبل أن يسلكها ليصل على المقصود؟!

6.  رميهم الحصي جميعاً بكف واحدة وهذا خطأ فاحش وقد قال آهل العلم انه إذا رمي بكف واحدة اكثر من حصاة لم يحتسب سوى حصاة واحدة، فالواجب أن يرمي الحصا واحدة فواحدة كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم).

7.  زيادتهم دعوات عند الرمي لم ترد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) مثل قولهم: اللهم اجعلها رضاً للرحمن وغضباً للشيطان، وربما قال ذلك وترك التكبير الوارد عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، الأولي الاقتصار على الوارد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من غير زيادة ولا نقص.

8.  تهاونهم برمي الجمار بأنفسهم تراهم يوكلون من يرمي عنهم مع قدرتهم على الرمي ليسقطوا عن أنفسهم معاناة الزحام ومشقة العمل، وهذا مخالف لما أمر الله -تعالى- به من إتمام الحج حيث يقول سبحانه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: من الآية196) فالواجب على القادر على الرمي أن يباشره بنفسه ويصبر على المشقة والتعب، فإن الحج نوع من الجهاد لا بد فيه من الكلفة والمشقة فليتق الحاج ربه وليتم نسكه كما أمره الله -تعالى- به ما استطاع إلى ذلك سبيلا
*****
طواف الوداع والأخطاء فيه
ثبت في الصحيحين عن ابن عباس-رضي الله عنهما- انه قال: (أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض) وفي لفظ لمسلم عنه قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) رواه أبو داوود بلفظ: (حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت) وفي الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: شكوت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أني اشتكي فقال: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) فطفت ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ: (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) (الطور: 1-2) وللنسائي عنها أنها قالت: (يا رسول الله، والله ما طفت طواف الخروج فقال: إذا أقيمت الصلاة فطوفي على بعيرك من وراء الناس).

وفي صحيح البخاري عن انس ابن مالك -رضي الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن صفية -رضي الله عنها- حاضت بعد طواف الإفاضة فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها قد افاضت وطافت بالبيت قال: فلتنفر إذاً.

وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أن عمر -رضي الله عنه- قال: (لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت) وفيه عن يحي بن سعيد أن عمر -رضي الله عنه- رد رجلاً من مر الظهران لم يكن ودع البيت حتى ودع.

والخطا الذي يرتكبه بعض الحجاج هنا:
1.  نزولهم من مني يوم النفر قبل رمي الجمرات فيطوفوا للوداع ثم يرجعوا إلى مني فيرموا الجمرات، ثم يسافروا إلى بلادهم من هناك وهذا لا يجوز لأنه مخالف لأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يكون آخر عهد الحجاج بالبيت، فإن من رمي بعد طواف الوداع فقد جعل آخر عهده بالجمار لا بالبيت، ولأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يطف للوداع إلا عند خروجه حين استكمل جميع مناسك الحج، وقد قال: (خذوا عني مناسككم).

وأثر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صريح في أن الطواف بالبيت آخر النسك.

فمن طاف للوداع ثم رمي بعده فطوافه غير مجزئ لوقوعه في غير محله، فيجب عليه إعادته بعد الرمي، فإن لم يعد كان حكمه حكم من تركه.

2.  مكثهم بمكة بعد طواف الوداع فلا يكون آخر عهدهم بالبيت، وهذا خلاف ما أمر به النبي (صلى الله عليه وسلم) وبينه لأمته بفعله، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بأن يكون آخر عهد الحجاج بالبيت، ولم يطف للوداع إلا عند خروجه وهكذا فعل أصحابه، ولكن رخص أهل العلم الإقامة بعد الوداع للحاجة إذا كانت عارضة كبيرة كما لو أقيمت الصلاة بعد طوافه للوداع فصلاها أو حضرت جنازة فصلي عليها، أو كان له حاجة تتعلق بسفره كشراء متاع وانتظار رفقة ونحو ذلك فمن أقام بعد طواف للوداع إقامة غير مرخص فيها وجبت عليه إعادته.

3.  خروجهم من المسجد بعد طواف الوداع على أقفيتهم يزعمون بذلك تعظيم الكعبة، وهذا خلاف السُّنَّة بل هو من البدع التي حذرنا منها النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال فيها: (كل بدعة ضلالة) والبدعة كل ما احدث من عقيدة أو عبادة على خلاف ما كان عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وخلفاؤه الراشدون، فهل يظن هذا الراجع على قفاه تعظيماً للكعبة على زعمه انه أشد تعظيماً لها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أن يظن أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يعلم أن في ذلك تعظيم لها لا هو ولا خلفاؤه الراشدون؟!

4.  التفاتهم للكعبة عند باب المسجد بعد انتهائهم من طواف الوداع ودعاؤهم هناك كالمودعين للكعبة، وهذا من البدع لأنه لم يرد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا عن خلفاؤه الراشدين، وكل ما قصد به التعبد لله -تعالى- وهو مما لم يرد به الشرع فهو باطل مردود على صاحبه؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) :(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، أي مردود على صاحبه.

فالواجب على المؤمن بالله ورسوله أن يكون في عبادته متبعاً لما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيها لينال بذلك محبة الله ومغفرته كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) واتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) كما يكون في مفعولاته يكون كذلك في متروكاته، فمتي وجد مقتضي الفعل في عهده ولم يفعله كان ذلك دليلاً على أن السُّنَّة والشريعة تركه، فلا يجوز إحداثه في دين الله -تعالى- ولو أحبه الإنسان وهواه، قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) (المؤمنون: من الآية71) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).
نسأل الله أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 9:15 pm

الهدى والأضحية والعقيقة
تعريف الهدى:
الهدي:
كل ما يهدى إلى الحرم من نَعَم أو غيرها، فقد يهدي الإنسان نَعَماً إبلاً أو بقراً أو غنماً، وقد يهدي غيرها كالطعام، وقد يهدي اللباس، فالهدي أعم من الأضحية؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، وأما الهدي فيكون من بهيمة الأنعام ومن غيرها، فهو كل ما يهدى إلى الحرم، إلا ما نص الشرع على أنه المراد به ما كان من بهيمة الأنعام فإنه يتبع ما دل عليه الشرع، مثل قول الله تعالى: {{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}}، وقوله: {{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}}، فهنا يتعين أن يكون الهدي من بهيمة الأنعام وأن تتم فيه الأوصاف المطلوبة شرعاً.

تعريف الأضحية:
والأضحية ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله -عزّ وجل- وسميت بذلك؛ لأنها تذبح ضحى، بعد صلاة العيد.

هل الهدي والأضحية متغايران؟
الجواب:
نعم متغايران؛ لأن الأضحية في البلاد الإسلامية عامة، والهدي خاص فيما يُهدى للحرم.

حكم الأضحية:
فالأضحية سُنَّة، أجمع المسلمون على مشروعيتها، وهي في كل ملة لقول الله تعالى: {{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}} [الحج: 34]، فهي مشروعة في جميع الملل، لكن هل هي واجبة أو سُنَّة يكره تركها، أو سُنَّة لا يكره تركها؟

في هذا أقوال للعلماء:
المذهب:
أنها سُنَّة، ويكره للقادر أن يدعها.

القول الثاني:
أن الأضحية واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد ـرحمهما الله-، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وأن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله: {{فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *}} [الكوثر]، وفي قوله: {{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الأنعام]، وأبدى فيها وأعاد بذكر أحكامها وفوائدها ومنافعها في سورة الحج، وشيء هذا شأنه ينبغي أن يكون واجباً وأن يلزم به كل من قدر عليه.

وهي من نعمة الله على الإنسان أن يشرع الله له ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل الموسم لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية، ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيباً مما لأهل المناسك، مثل اجتناب الأخذ من الشعر والظفر في أيام العشر؛ من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله -تعالى- بترك الأخذ من هذه الأشياء؛ ولأجل أن يشاركوا أهل الحج بالتقرب إلى الله -تعالى- بذبح الأضاحي؛ لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها بدعة، ولنهي الإنسان عنها، ولكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة.

فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة، وأما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤنة أهله أو المدين، فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن كان عليه دين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية.

مسألة: هل الأضحية مشروعة عن الأموات أو عن الأحياء؟
الجواب:
مشروعة عن الأحياء، إذ لم يرد عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ولا عن الصحابة فيما أعلم أنهم ضحوا عن الأموات استقلالاً، فإن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) مات له أولاد من بنين أو بنات في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يضح عن واحد منهم، فلم يضح عن عمه حمزة ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أولاده -رضي الله عنهم-، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) في سنته قولاً أو فعلاً، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.

وأما إدخال الميت تبعاً فهذا قد يستدل له بأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) «ضحى عنه وعن أهل بيته»، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي مِتْنَ واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحى عن أمته، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن الأضحية عليهم استقلالاً لا أعلم لذلك أصلاً في السُّنَّة.

ولهذا قال بعض العلماء:
إن الأضحية عنهم استقلالاً بدعة ينهى عنها، ولكن القول بالبدعة قول صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عن الميت، وإن كانت الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها، أو الانتفاع به لقول الله تعالى: {{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا}} [الحج: 37]، ولكن أهم شيء فيها هو التقرب إلى الله بالذبح.

شروط الأضحية:
الأضحية لا بد فيها من شروط وهي:
الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام:
وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقول الله تعالى: {{عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}} [الحج: 28]، فلو ضحى الإنسان بحيوان آخر أغلى منها لم يجزه، لو ضحى بفرس تساوي عشرة آلاف ريال عن شاة تساوي ثلاثمائة ريال لم يجزه.

ثم أيهما أفضل؟
الإبل أو البقر أو الغنم؟

أما الهدي فالأفضل فيه الإبل، بلا شك؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أهدى إبلاً مائة بعير، وأشرك علياً -رضي الله عنه- في هديه.

الشرط الثاني من شروط الأضحية أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً:
 فإن كانت دونه لم تجزئ، لقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «لا تذبحوا إلا مسُنَّة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن»، وخص الضأن دون المعز لأنه أطيب لحماً، فقوله: «لا تذبحوا إلا مسُنَّة» أي ثنية «إلا إن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن»، فإن كان دون ذلك فإنها لا تجزئ، ولهذا لما قال أبو بردة بن نيار  -رضي الله عنه- : يا رسول الله إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك»، والعناق الصغيرة من المعز التي لها أربعة أشهر، وهذا يدل على أنه لابد من بلوغ السن المعتبر شرعاً، واشتراط أن تكون من بهيمة الأنعام، وأن تبلغ السن المعتبر شرعاً يدلنا على أنه ليس المقصود من الأضحية مجرد اللحم، وإلا لأجزأت بالصغير والكبير.

تنبيه:
 السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ أضحية ولا هدياً عند الإطلاق؛ لأن الإبل لا تثني إلا إذا تم لها خمس سنين.

«والبقر سنتان، والمعز سُنَّة»
فلا يجزئ ما دون ذلك، فلو قال قائل: لو أثنت البعير قبل الخمس والبقرة قبل السنتين، فهل نعتبر الثنية بكونها أثنت أو نعتبر بالسنين؟

نقول هذا شيء نادر، والنادر لا حكم له، وظاهر كلام العلماء -رحمهم الله- أن العبرة بالسنوات وأن ما تم لها خمس سنين من الإبل فهي ثنية، أو سنتان من البقر فهي ثنية، أو سُنَّة من المعز فهي ثنية، سواء أثنت الثنية أو لا.

«والضأن نصفها»، أي: نصف سُنَّة «ستة أشهر هلالية ولا عبرة بالأشهر غير الهلالية؛ لأن الله يقول: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}} [البقرة: 189] »

هل يجزئ من الغنم ما له ثمانية أشهر؟
الجواب:
فيه تفصيل، إن كان من الضأن فنعم، وإن كان من المعز فلا؛ لأنه لا بد أن تكون ثنية.

وذكر بعض العلماء:
أن من علامات إجزاء الضأن أن ينام الشعر على الظهر؛ لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفاً، فإذا بدأ ينام فهذا علامة على أنه صار جذعاً، ولكن هذه ليست علامة مؤكدة، بمعنى أننا نعتبرها هي بل نعتبر التاريخ، فإذا قال: ولد هذا الخروف أول يوم من محرم فإنه يتم ستة أشهر آخر جمادى الثانية.

فإذا قال قائل:
هل يكتفى بقول البائع، أو لا بد أن يقول المشتري للبائع ائت بشهود؟

الجواب: فيه تفصيل:
إن كان البائع ثقة فإن قوله مقبول؛ لأن هذا خبر ديني، كالخبر بدخول وقت الصلاة، أو بغروب الشمس في الفطر وما أشبه ذلك، فيقبل فيه خبر الواحد، وإن كان غير ثقة يقول: أقسم بالله أن لها سُنَّة وشهراً يعني المعز، وأتى بالشهر للدلالة على الضبط، وليكون أقرب للتصديق، فإنه لا يصدق لا سيما إذا وجدت قرينة تدل على كذبه كصغر البهيمة.

وإذا كان الإنسان نفسه يعرف السن بالاطلاع على أسنانها، أو ما أشبه ذلك فإنه كافٍ.
 
الشرط الثالث:
السلامة من العيوب المانعة من الإجزاءها.

الشرط الرابع:
أن تكون في وقت الذبح.

فالشروط في الأضحية أربعة، وأما الهدي فإنه لا يشترط له وقت معين إلا من ساق الهدي في الحج، فإنه لا يذبحه قبل يوم النحر، وأما من ساق الهدي في العمرة فيذبحه حين وصوله.

«تجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة»
«تجزئ الشاة عن واحد»، أي: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ من حيث الثواب عنه وعن أهل بيته أيضاً؛ لأن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) كان «يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته» وعنده تسع نسوة.

«والبدنة والبقرة عن سبعة» ممن يضحون، والدليل حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «نحرنا في عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة»

«عن سبعة» أي:
سبعة رجال، فإذا كان الإنسان يضحي بالواحدة عنه وأهل بيته، فإنه بالسُّبْع يضحي عنه وعن أهل بيته؛ لأن هذا تشريك في الثواب، والتشريك في الثواب لا حصر له، فها هو النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ضحى عن كل أمته، وها هو الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، ولو كانوا مائة، أما التشريك في الملك فلا يزيد على سبعة، فلو اشترك ثمانية في بعير قلنا: لا يجوز، فلابد أن يخرج واحد منكم، فإن رضي واحد منهم أن يخرج فهذا هو المطلوب، وإلا فالأخير هو الخارج، فإن لم يعلم الأخير فالقرعة، لكن لو ذبحوها فبانوا ثمانية فماذا يصنعون؟ قيل: يذبحون شاة واحدة لتكمل للثامن، ويحتمل أن يقال: يقترعون فمن خرج بالقرعة خرج وذبح شاة وحده.

فالبدنة والبقرة هل تجزئان عن سبعة رجال، أو تجزئان عن سبع شياه؟

الجواب:
الثاني، فإذا قلنا بالثاني قلنا: إذا كانت الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته في الثواب، فكذلك يجزئ سبع البدنة وسبع البقرة عنه وعن أهل بيته.

«والبدنة والبقرة عن سبعة»
يستثنى من ذلك العقيقة، فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط، ومع ذلك فالشاة أفضل؛ لأن العقيقة فداء نفس، والفداء لا بد فيه من التقابل والتكافؤ، فتفدى نفس بنفس، ولو قلنا: إن البدنة عن سبعة لفديت النفس بسبع أنفس، ولهذا قالوا: لابد من العقيقة بها كاملة وإلا فلا تجزئ، وإذا كان عند الإنسان سبع بنات وكلهن يحتجن إلى عقيقة فذَبَحَ بدنة عن السبع فلا تجزئ.

ولكن هل تجزئ عن واحدة، أو نقول هذه عبادة غير مشروعة على هذا الوجه، فتكون بعير لحم ويذبح عقيقة لكل واحدة؟

الجواب:
الثاني أقرب، أن نقول: إنها لا تجزئ عن الواحدة منهن؛ لأنها على غير ما وردت به الشريعة، فيذبح عن كل واحدة شاة، وهذه البدنة التي ذبحها تكون ملكاً له، له أن يبيع لحمها؛ لأنه تبين أنها لم تصح على أنها عقيقة.
 
لاَ تُجزئُ العَوْرَاءُ، والعَجْفَاءُ، والعَرْجَاءُ، والجَدَّاءُ، والمَرِيضَةُ والعَضْبَاءُ، والجَمَّاءُ، وَخَصِيٌّ غَيْرُ مَجْبُوبٍ وَمَا بِأذُنِهِ أوْ قَرنِهِ قَطْعٌ أقَلُّ مِن النِّصْفِ:
معلوم أن رفع الإجزاء عن البهيمة يحتاج إلى دليل؛ لأن البهيمة إذا توفرت فيها أوصاف القبول فإننا لا نرفع حكم هذه الأوصاف وهو القبول إلا بوجود مانع من الشرع صحيح.

«لا تجزئ»، أي:
في الأضحية، وإلا لو ذبحها الإنسان وتصدق بلحمها فيجزئ، أما الأضحية فقربة معينة محددة من قبل الشرع.

«العوراء والعجفاء والعرجاء والمريضة»
هذه الأربع نص عليها النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «فقد سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ قال: أربع وأشار بأصابعه العوراء»، لكن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قيدها بأنها بينة العور فقال: «العوراء البين عورها»، وهي التي تكون عينها ناتئة أو غائرة.

وهل هناك عوراء غير بيِّن عورها؟

الجواب:
نعم، فلو فرضنا أنها لا تبصر بعينها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة، فهذه عوراء ولم يتبين عورها، فتجزئ، ولكن السلامة من هذا العور أولى، والحكمة من ذلك تشويه المنظر من وجه، وقلة الغذاء من وجه آخر، فتشويه المنظر ظاهر، وقلة الغذاء؛ لأنها لا تنظر إلا من جانب واحد، فيقل استيعابها للغذاء، فربما ترعى جانب الشجرة ولا ترعى الجانب الآخر.

ويقاس عليها العمياء من باب أولى؛ لأنه إذا كان فقد العين الواحدة مانعاً ففقد العينين من باب أولى.

وقال بعض العلماء أهل الاستحسان بالعقول:
إن العمياء تجزئ وإن كانت العوراء لا تجزئ؛ لأن العوراء إنما منع منها لكون رؤيتها ناقصة، ترعى من جانب واحد، أما العمياء فإن صاحبها سيأتي لها بالعلف فلا يلحقها نقص، فتكون كالبصيرة.

وهذا قياس غريب، فيقال:
هل هذه العمياء معيبة أو غير معيبة؟

الجواب:
معيبة بعيب أقبح من العور، وهذا من باب قياس الأولى، فالصواب أن العمياء لا تجزئ.

«والعجفاء»
وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، فالمخ مع الهزال يزول، ويبقى داخل العظم أحمر، فهذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر، والهزيلة التي فيها مخ أي: لم يصل الهُزال إلى داخل العظم تجزئ؛ لأن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «والعجفاء التي لا تنقي»، قال العلماء: معنى «لا تنقي» أي ليس فيها نقيءُ، والنِقْي المخ، يقول أهل الخبرة: إنه إذا جاء الربيع بسرعة وكانت الغنم هِزالاً ورعت من الربيع فإنها تبني شحماً قبل أن يتكون فيها المخ، فهذه التي بنى الشحم عليها دون أن يكون لها مخ تجزئ، لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «العجفاء التي لا تنقي»، وهذه الآن ليست عجفاء، بل هي سمينة، لكن لم يدخل السمن داخل العظم حتى يتكون المخ، فنقول: إن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وصفها بوصفين: عجفاء، وليس فيها مخ، وهذه ليست بعجفاء فتجزئ.

«والعرجاء»
المراد البين عرجها لقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «والعرجاء البين ضلعها».

وهي التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، فهذه عرجها بين، أما إذا كانت تعرج لكنها تمشي مع الصحيحة، فهذه ليس عرجها بيناً، لكن كلما كملت كانت أحسن.

والحكمة من ذلك:
أن البهيمة إذا كانت على هذه الصفة فإنها قد تتخلف عن البهائم في المرعى ولا تأكل ما يكفيها، ويلزم من ذلك أن تكون هزيلة في الغالب.

مسألة:
مقطوعة إحدى القوائم لا تجزئ من باب أولى، والزمنى التي لا تستطيع المشي إطلاقاً لا تجزئ، ولكن يقال: فيها ما يقال في العمياء، فالذين قالوا بإجزاء العمياء يقولون بإجزاء الزمنى؛ لأن الزمنى يؤتى لها بعلفها، ولكن هذا قول ضعيف، وخلاف القياس الصحيح؛ لأن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) ينبه بالأدنى على ما هو أعلى منه، فإذا كانت العرجاء لا تجزئ - إذا كان عرجها بيناً، فمقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين أو الزمنى التي لا تمشي إطلاقاً من باب أولى، أما كون العرج اليسير تجزئ معه الأضحية؛ فلأن هذا لا يسلم منه شيء غالباً فسمح فيه.

«والجداء»، أي:
لا تجزئ أيضاً، والجداء هي التي نشف ضرعها، أي: مع الكبر صار لا يدر، فضرعها ناشف، حتى وإن كان الضرع باقياً بحجمه لم يضمر فإنها لا تجزئ، ولكن هذا القول مرجوح أيضاً؛ لأنه لا دليل على منع التضحية بها، وإذا لم يكن على ذلك دليل فالأصل الإجزاء، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنها تجزئ.

«والمريضة»، أي:
لا تجزئ، ولكن هذا الإطلاق مقيد بما إذا كان المرض بيناً، وبيان المرض إما بآثاره، وإما بحاله.

أما آثاره فأن تظهر على البهيمة آثار المرض من الخمول والتعب السريع، وقلة شهوة الأكل، وما أشبه ذلك.

وأما الحال فأن يكون المرض من الأمراض البينة كالطاعون وشبهه، وإن كانت نشيطة، فإنها لا تجزئ، ولهذا قال علماء الحنابلة: إن الجرب مرض، مع أن الجرب لا يؤثر تأثيراً بيناً على البهيمة ولا سيما إذا كان يسيراً، لكنهم قالوا: إنه مرض بين، ثم إنه مفسد للحم فلا تجزئ.

وعدم إجزاء المريضة للنص والمعنى:
فالنص قول الرسول (صلّى الله عليه وسلّم): «المريضة البين مرضها».

والمعنى لأن لحم المريضة يخشى على الإنسان من أكله أن يتأثر به.

وأما المبشومة:
وذلك أن بعض الغنم إذا أكل التمر انبشم، أي: انتفخ بطنه، ولم تخرج منه الريح، ولا يُعلم أنه سَلِمَ من الموت إلا إذا ثلط، أي: إذا تبرز، ولهذا نقول: المبشومة مرضها بيِّن ما لم تثلط.

هل تُجزىءُ الهتماء؟
«والهتماء» هي التي سقطت ثناياها من أصلها، فإن انكسرت مع بقاء الأصل فإنها تجزئ؛ وذلك لأنها إذا ذهبت ثناياها من أصلها تشوهت خلقتها من وجه، وصارت غير مستطيعة لخرط الورق من الشجر؛ لأنها ليس لها ثنايا، فلا تكاد تأخذ حظها من الرعي، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: الهتماء هي التي سقط بعض أسنانها ولم يقيد ذلك بالثنايا.

والصواب أنها تجزئ، ولكن كلما كانت أكمل كانت أفضل؛ ووجه إجزائها أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) سئل ماذا يتقى من الضحايا، فقال: «أربع وأشار بيده»، وليست الهتماء من الأربع، ولا بمعنى واحدة منها.

من أخذها الطلق هل مرضها بيّن؟
الظاهر أنه ليس ببين؛ لأن هذا الشيء معتاد إلا أن تصل إلى حالة خطرة، كأن تتعسر الولادة ويخشى من موتها، فحينئذ تلحق بذات المرض البين.

مسألة:
المغمى عليها بأن سقطت من أعلى فأغمي عليها فما دامت في إغمائها فإنها لا تجزئ؛ لأن مرضها بيِّن

«والعضباء»
هي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها طولاً أو عرضاً فإنها لا تجزئ؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) «نهى عن أعضب الأذن والقرن»، والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء، فإذا ضحى بعضباء الأذن أو القرن فإنها لا تجزئ.

وقال بعض العلماء:
إنها تجزئ لكنها مكروهة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن في صحة الحديث نظراً، والأصل عدم المنع حتى يقوم دليل على ذلك، إلا أنها تكره؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «أمر أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بالمقابَلة، ولا المدابَرة، ولا الخرقاء» .

فأما مقطوع الألية فإنه لا يُجزئ؛ لأن الألية ذات قيمة ومرادة مقصودة، وعلى هذا فالضأن إذا قطعت أليته لا يجزئ والمعز إذا قطع ذنبه يجزئ.

ولكن هنا إشكال وهو أن بعض أهل الخبرة يقولون: إن قطع الألية من مصلحة البهيمة؛ لأن الشحم الذي يتكدس في الألية إذا لم يكن لها ألية عاد إلى الظهر وانتفعت به البهيمة مع خفة البهيمة، وعدم تعرضها للتعب؛ لأن بعض الضأن تكبر أليتها جداً فيؤثر على رجليها من ثقل هذا الشحم، ولكن ظاهر كلام الفقهاء أنها لا تجزئ مطلقاً -أعني مقطوعة الألية- وبناءً عليه نسأل عن الأسترالي، والأسترالي ليس له ألية، له ذيل كذيل البقرة، فليس فيه شيء مراد، فيشبه ما قاله الفقهاء في البتراء وأنها تجزئ خلقة كانت أو مقطوعة...

وقد شاهدنا ذلك من وجهين: الأول:
أنه أحياناً يرد ما لم يقطع ذيله من الأستراليات.

الثاني:
أحياناً يكون فيه أنثى أسترالية فينزو عليها الذكر من الضأن هنا وتلد ولداً ليس له ألية، وإنما له ذيل فقط، وهذا يدل على أنه ليس لها ألية خلقة، وإنما لها ذيل.

«الجماء»
الجماء هي التي لم يخلق لها قرن، فتجزئ...

وأيهما أفضل ذات القرن أو الجماء؟

الجواب:
ذات القرن، ولهذا جاء في الحديث: «بأن مَنْ تقدم إلى الجمعة كأنما قرَّب كبشاً أقرن»، ولولا أن وصف القرن مطلوب لما وصف الكبش بأنه أقرن.

حكم الخصى:
الخصي ما قطعت خصيتاه، فيجزئ مع أنه ناقص الخلقة، وحينئذ يطلب الفرق بين الخصي وبين مقطوع الأذن، فإن مقطوع الأذن كما سبق لا يجزئ، فلماذا أجزأ الخصي مع أن الخصيتين فيهما منافع كثيرة، وهو الإنجاب والفحولة في البهيمة، ولهذا تجد الفرق بين الفحل والخصي، قالوا: لأن ذهاب الخصيتين من مصلحة البهيمة؛ لأنه أطيب للحم، وقد ثبت عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «أنه ضحى بكبشين موجوءين»، أي مقطوعي الخصيتين.

فإن قطع الذكر مع الخصيتين؟
أي: غير مقطوع الذكر، وذلك أن قطع الذكر لا يفيد في زيادة اللحم وطيبه، وهو قطع عضو فيشبه قطع الأذن.

والخصي بواحدة يجزئ من باب أولى، وعلى هذا فما قطعت خصية واحدة منه أجزأ وخصيتان أجزأ، ومع الذكر لا يجزئ؛ لأنه قال: «خصي غير مجبوب».

فإذا قال قائل:
هل يمكن أن تحيا البهيمة مع الخصاء؟

فالجواب:
نعم يمكن، وهذا كثير، لكن بشرط أن يكون المباشر لذلك من أهل الخبرة؛ لأنه قد يباشر الخصاء مَنْ ليس من أهل الخبرة فتهلك البهيمة، -وسبحان الله- هذا الأمر موجود من قبل أن تظهر وسائل الراحة الحديثة كالبنج وشبهه، لكن عرف بالتجارب، أما الآن فالأمر أسهل يمكن أن تخصى البهيمة بدون أن تشعر بألم إطلاقاً.

«وما بأذنه، أو قرنه قطع أقل من النصف»
فإنه يجزئ لكن مع الكراهة؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «أمرنا أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابَلة، أو مدابَرة، أو شرقاء، أو خرقاء».

وقوله (صلّى الله عليه وسلّم):
«نستشرف العين والأذن»، أي: أن تكون شريفة ليس فيها عيب أو نشرف عليها والمعنى الأول أصح.

وهذا مستثنى من قوله فيما سبق «والعضباء»، فالعضب إذا كان أقل من النصف فلا يضر.

«أقل من النصف»
مفهوم كلامه أنه لو كان النصف فإنه لا يجزئ.

وما دون النصف فإنه مجزئ، ولكن المذهب يرون أن النصف مجزئ، وأن الذي لا يجزئ هو ذهاب أكثر الأذن أو أكثر القرن، فإذا كان النصف ذاهباً والنصف الثاني باقياً، فهنا تعارض أصلان، إن نظرنا إلى وصفها بالعضباء قلنا: لا يصح؛ لأنه لم يذهب أكثر الأذن أو القرن، وإن نظرنا إلى السلامة قلنا ليست سليمة؛ لأن السلامة لابد أن يكون الأكثر هو السليم، لكن نقول: أحد الأصلين مؤيد بأصل، وهو أن الأصل الإجزاء حتى يقوم دليل على عدم الإجزاء.

وعلى كل حال ينبغي أن نقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام: الأول:
ما دلّت السُّنَّةُ على عدم إجزائه، وهي أربع:
العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ضَلَعها، والعجفاء التي لا تنقي، فهذه منصوص على عدم إجزائها، ويقاس عليها ما كان مثلها أو أولى منها، أما ما كان مثلها فإنه يقاس عليها قياس مساواة، وأما ما كان أولى منها فيقاس عليها قياس أولوية.

الثاني:
ما ورد النهي عنه دون عدم الإجزاء:
وهو ما في أذنه أو قرنه عيب من خرق، أو شق طولاً أو شق عرضاً، أو قطع يسير دون النصف، فهذه ورد النهي عنها في حديث علي بن أبي طالب  -رضي الله عنه-، ولكن هذا النهي يحمل على الكراهة؛ لوجود الحديث الحاصر لعدم المجزئ بأربعة أصناف.

الثالث:
عيوب لم يرد النهي عنها، ولكنها تنافي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، ولا تكره التضحية بها ولا تحرم، وإن كانت قد تعد عند الناس عيباً، مثل العوراء التي عورها غير بيِّن، ومثل مكسورة السن في غير الثنايا وما أشبه ذلك، ومثل العرجاء عرجاً يسيراً، فهذه عيوب لكنها لا تمنع الإجزاء، ولا توجب الكراهة لعدم وجود الدليل، والأصل البراءة.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 10:48 pm

صفةُ نحر الإبل:
السُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولةً يَدُهَا اليُسْرَى فَيَطعَنُهَا بِالحَرْبَةِ فِي الوَهْدَةِ التَّي بَيْنَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، وَيَذْبَحَ غَيْرَهَا، وَيَجُوُز عكسُهَا وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ، واللهُ أكْبَرُ اللَّهُمَ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ... وَيَتَولاّهَا صَاحِبُهَا، أَوْ يُوكِّل مُسْلِماً وَيَشْهَدَهَا، وَوَقْتُ الذَّبحِ بَعْدَ صَلاَةِ العِيدِ أوْ قَدْره إِلى يَوْمَينِ بَعْدَه. وَيُكْرَهُ فِي لَيلَتِهِمَا فَإِنْ فَاتَ قَضَى وَاجِبَهُ.

هذه هي السُّنَّة؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) كان يفعل ذلك، ويدل لهذا قوله تعالى: {{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا}} [الحج: 36]، «وجبت» يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة؛ لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى، وسيمسك الحربة بيده اليمنى، ولو عقلت اليد اليمنى لضَرَبَتْ الناحرَ بركبتها إذا أحست ويكون عليه خطر، لكن إذا كانت المعقولة هي اليسرى واليمنى قائمة فإنها لا تستطيع أن تتحرك باليد اليمنى، وإذا نحرها فهي سوف تسقط على الجانب الأيسر الذي به اليد المعقولة.

هذه هي السُّنَّة، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع ذلك، كما هو المعروف عندنا الآن في بلادنا فإنهم يبرِّكونها، ويعقلون يديها ورجليها، ويلوون رقبتها، ويشدونها بحبل على ظهرها ثم ينحرونها.

فنقول:
إذا لم يستطع الإنسان أن يفعل السُّنَّة، وخاف على نفسه، أو على البهيمة أن تموت فإنه لا حرج أن يعقلها وينحرها باركة.

«فيطعنها بالحربة»
وذلك بأن يطعنها بالحربة -يعني على سبيل التمثيل- أو بالسكين، أو بالسيف، أو بأي شيء يجرح، وينهر الدم.

«في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر»
وهي قريبة من أن تكون بين يديها، وهي معروفة، فإذا طعنها جر الحربة من أجل أن يقطع الحلقوم والمريء.

«ويذبح»
بالنصب لأنه معطوف على المصدر في قوله: «والسُّنَّة نحر الإبل»، ليكون عطف مصدر على مصدر، والتقدير: فالسُّنَّة نحر الإبل وذبح غيرها ومنه:
ولبس عبــاءةٍ وتقـــرَّ عيني
أحبُّ إليَّ من لبس الشفوف


«غيرها»
أي غير الإبل، والذبح يكون في أعلى الرقبة لا في أسفلها، والنحر يكون في أسفلها، ولهذا تموت الإبل أسرع من موت الضأن والمعز والبقر؛ وذلك لأن النحر قريب من القلب، فيتفجر الدم من القلب بسرعة، ولو أنها ذبحت من عند الرأس لكانت تتألم من الذبح؛ لأن الدم سيكون مجراه ما بين القلب إلى محل الذبح بعيداً فيتأخر موتها، فكان من الحكمة أن تنحر، ويخرج الدم بسرعة، ثم تموت بسرعة، أما غيرها فالسُّنَّة أن تذبح من عند الرأس، ويكون على الجنب الأيسر؛ لأنه أيسر للذابح، إذ إن الذابح سوف يذبح باليد اليمنى فيضجعها على الجنب الأيسر، ثم يضع رجله على رقبتها، ثم يمسك برأسها ويذبح، ولكن إذا كان الرجل لا يعمل باليد اليمنى، -وهو الذي يسمى أعسر- فإنه يضجعها على الجنب الأيمن؛ لأن ذلك أسهل له، ثم إن الأفضل أن تبقى قوائمها مطلقة، أي: اليدان والرجلان لا تقيد ولا يمسك بها...

وذلك لوجهين هما: الأول:
أنه أريح للبهيمة أن تكون طليقة تتحرك.

الثاني:
أنه أشد في إفراغ الدم من البدن.

لأنه مع الحركة يخرج الدم كله، ومعلوم أن تفريغ الدم أطيب للحم، وأحسن وأكمل، ومن ثم صارت الميتة حراماً؛ لأن الدم يحتقن بها فيفسد اللحم.

«ويجوز عكسها»،
أي نحر ما يذبح وذبح ما ينحر، والدليل قول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا»، ولم يفرق بين النحر والذبح.

وما دام الكل في الرقبة فهو مجزئ، فيجزئ أن يذبح الشاة من نصف الرقبة ومن أسفلها ومما يلي صدرها ومن أعلاها مما يلي رأسها كل هذا محل للذبح.

«ويقول: بسم الله، والله أكبر»، أي:
يقول: «بسم الله» وجوباً؛ لأن من شرط حل الذبيحة أو النحيرة التسمية، و «الله أكبر» استحباباً، وكان أحد الخطباء يخطب يوم العيد ويقول: السُّنَّة أن يقول عند الذبح: بسم الله وجوباً والله أكبر استحباباً، فذهبت العامة وصار الواحد منهم يقول: بسم الله وجوباً والله أكبر استحباباً، يظن أن هذا هو المشروع، ولهذا ينبغي للخطيب أن يكون عنده انتباه؛ لأن العامة ليسوا كطلبة العلم فيقول: بسم الله والله أكبر، أما: «بسم الله» فواجبة، وأما الله أكبر فمستحبة، حتى لا يختلط الأمر على الناس.

والتسمية على الذبيحة شرط من شروط صحة التذكية، ولا تسقط لا عمداً ولا سهواً ولا جهلاً؛ وذلك لأنها من الشروط، والشروط لا تسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً؛ ولأن الله قال: {{وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} [الأنعام: 121]، فقال: {{مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}} ولم يقيد ذلك بما إذا ترك اسم الله عليه عمداً، وهنا يلتبس على بعض الناس فيقول: أليس الله قد قال: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286]؟ فنقول: بلى قال الله ذلك...

ولكن هنا فعلان: الأول:
فعل الذابح.

الثاني:
فعل الآكل.

وكل واحد منهما يتميَّز عن الآخر، ولا يلحق هذا حكم هذا، ولذلك قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فيمن سألوه عن قوم حديثي عهد بالكفر يأتون باللحم، ولا يدرى أحدهم هل ذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أنتم وكُلوا»؛ لأن الإنسان مطالب بتصحيح فعله، لا بتصحيح فعل غيره، فإن الفعل إذا وقع من أهله فإن الأصل السلامة والصحة، ونقول: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فإذا أكلنا نسياناً أو جهلاً فليس علينا شيء لقوله تعالى: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286]، أما أن نعرف أن هذه الذبيحة لم يُسَمَّ عليها، فلا يجوز أكلها.

وأما فعل الذابح:
فإذا نسي التسمية، فقد قال الله تعالى: {{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا}} [البقرة: 286].

فإذا قال قائل:
كيف تؤاخذونه وقد نسي؟!

قلنا:
لا نؤاخذه، فنقول: ليس عليك إثم بعدم التسمية، ولو تعمَّدت ترك التسمية لكنت آثماً لما في ذلك من إضاعة المال وإفساده، وأما الآن فلا شيء عليك؛ لأنك ناسٍ.

ويظهر ذلك بالمثال المناظر تماماً لهذا:
لو صلى الإنسان وهو محدث ناسياً فليس عليه إثم، وصلاته باطلة يجب أن تُعاد؛ لأن الطهارة من الحدث شرط، وإذا كانت شرطاً، فإنها لا تسقط بالنسيان، ولكن يعذر الفاعل فلا يأثم، وهذا واضح، وكذلك التسمية أيضاً.

وهذه المسألة أعني التسمية على الذبيحة، أو على الصيد اختلف فيها العلماء على أقوال هي: الأول:
أن التسمية لا تجب لا على الصيد، ولا على الذبيحة وإنما هي سُنَّةٌ، واستدلوا بحديث لا يصح: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليها».

الثاني:
أن التسمية واجبة وتسقط بالنسيان والجهل في الذبيحة والصيد.

الثالث:
أن التسمية شرط في الذبيحة والصيد، وتسقط سهواً في الذبيحة، ولا تسقط في الصيد.

وهذا هو المشهور عند فقهاء الحنابلة، أنه إذا ترك التسمية في الصيد ولو سهواً فالصيد حرام، وإن ترك التسمية سهواً في الذبيحة فهي حلال...


ما هو الدليل؟
قالوا: لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال لعدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنهما- في إرسال السهم: إذا أرسلت سهمك وذكرت اسم الله عليه فكل»...

فجعل لحِلِّ الأكل شرطين هما: الأول:
القصد وهو إرسال السهم.

الثاني:
التسمية.

ونقول:
وقد قال أيضاً في الذبيحة: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا»...

فاشترط شرطين هما: الأول:
إنهار الدم.

الثاني:
التسمية.

ولا فرق، ثم نقول:
إذا كنا نعذره بالنسيان على الذبيحة، فعلى الصيد من باب أولى، لأن الصيد يأتي بغتة بعجلة وسرعة، وأهل الصيود يذهلون إذا رأوا الصيد، حتى إنه أحياناً يسقط في حفرة أو تضربه نخلة أو شجرة، وهو لا يشعر، فهذا أحق بالعذر من إنسان أتى بالبهيمة بتأنٍ وأضجعها، ونسي أن يقول بسم الله.

القول الرابع:
أن التسمية شرط في الذبيحة وفي الصيد، ولا تسقط بالنسيان والجهل، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو الذي تدل عليه الأدلة.

فإن قال قائل:
أرأيتم لو نسي أن يسمي على بعير، قيمته خمسة آلاف ريال وقلنا: لا تحل، فتضيع خمسة آلاف ريال.

فيقال:
هذا من جملة ما يُقَدِّرُ الله للإنسان أن يضيع عليه.

فإن قيل:
تتلفون أموال الناس بهذا.

قلنا:
هذا كقول من قال:
إذا قطعتم يد السارق أصبح نصف الشعب أشل ليس عنده يد، مع أنه لو قطعت يد السارق قلَّت السرقة ولم يسرق أحد، وكذلك إذا قلنا لهذا الرجل -الذي نسي أن يسمي على الذبيحة-: ذبيحتك حرام...

فإذا جاء يذبح مرة ثانية:
فيمكن أن يُسَمِّي عشر مرات لا ينسى أبداً، فقد اكتوى بنار النسيان، وبهذا نحمي هذه الشعيرة، وأنه لابد من ذكر اسم الله على المذبوح.

«يقول: بسم الله، والله أكبر»
لو قال بسم الرحمن، أو بسم فاطر السموات والأرض، أو بسم الخلاق العليم، هل يقوم مقام بسم الله؟

الجواب:
قال بعض أهل العلم يقوم مقامه إذا أضاف «اسم» إلى ما لا يصح إلا لله، فهو كما لو أضافه إلى لفظ الجلالة، ولا فرق؛ لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، ولو قال: بسم الرؤوف الرحيم لا يجزئ، لأن هذا الوصف يصدق لغير الله، قال الله -تعالى- في وصف النبي: {{بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}} [التوبة: 182]، ولو قال: باسمك اللهم أذبح هذه الذبيحة، يجزئ؛ لأن هذا مثل قوله بسم الله، ودليل التكبير حديث أنس في الصحيحين أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) سمى الله وكبر

وهل يصلي على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في هذا المقام؟
الجواب:
لا يصلي على النبي (صلّى الله عليه وسلّم)...

والتعليل: أولاً:
أنه لم يرد، والتعبد لله بما لم يرد بدعة.

ثانياً:
أنه قد يتخذ وسيلة فيما بعد إلى أن يذكر اسم الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) على الذبيحة، ولهذا كره العلماء أن يصلى على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) على الذبيحة.

«اللهم هذا منك ولك»،
المشار إليه المذبوح أو المنحور، «منك» عطاءً ورزقاً، «لك» تعبُّداً وشرعاً وإخلاصاً وملكاً، هو من الله، وهو الذي منَّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه، فيكون الفضل لله -تعالى- قدراً، والفضل لله شرعاً، إذ لولا أن الله -تعالى- شرع لنا أن نتقرب إليه بذبح هذا الحيوان أو نحره لكان ذبحه أو نحره بدعة...

ولهذا نقول:
إن الله أنعم علينا بنعمتين:
الأولى:
نعمة قدرية.

الثانية:
نعمة شرعية.

أما القدرية:
فكونه يسره لنا وذلله لنا حتى إن الرجل يقود هذا البعير الكبير لينحره وينقاد له، قال الله تعالى: {{وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *}} [يس].

وأما الشرعية:
فكون الإنسان في هذه الحال متذكراً لنعمة الله -تعالى- متقرباً إليه بالتعبد له، وفي هذه الحال ينبغي أيضاً أن يقول: «اللهم تقبل مني، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي».

وتكون تسمية المضحى له عند الذبح، وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يسميها في ليلة العيد ويمسح ظهرها من ناصيتها إلى ذنبها، وربما يكرر ذلك: هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي، وما أشبه ذلك، فهذا من البدع، لأن ذلك لم يرد عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح.

«ويتولاها صاحبها»
الضمير «ها» يعود على الأضحية، يعني أن الأفضل أن يتولاها صاحبها ولو امرأة بدليل أن جارية كانت ترعى غنماً عند سلع بالمدينة، فأبصرت شاة من غنمها موتاً فأخذت حجراً له حد فذبحت الشاة، فاستفتوا النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في ذلك فقال: كلوا، وأذن لهم في أكلها مع أن الذي ذبح امرأة، هذا الحديث فيه فوائد كثيرة استنبط منه بعض العلماء نحو اثنتي عشرة مسألة، منها جواز ذبح المرأة ولو كانت حائضاً أو نفساء؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لم يستفصل، ومنها جواز تصرف الإنسان في مال الغير بإتلاف إذا كان لمصلحة، ومنها جواز الذبح بالحجر ولكن بشرط أن ينهر الدم، والمهم من ذلك هو نحرها أو ذبحها، فإذا ذبحها وأعطى آخر ليكمل سلخها وتوزيعها فقد أدرك السُّنَّة، وهذا مشروط بما إذا كان قادراً، أما إن كان عاجزاً أو جاهلاً بما يجب في الذبح فلا ينبغي أن يخاطر ويذبح، بل يوكل غيره.

«أو يوكل مسلماً ويشهدها»، أي:
يوكل مسلماً يذبح هذه الأضحية، ويشهدها، أي: صاحبها فيكون حاضراً عنده، والذي يسمي الذابح؛ لأنه فعله فهو يسمي على فعله.

«أو يوكل مسلماً»
علم منه أنه لا يصح أن يوكل كتابياً، مع أن ذبح الكتابي حلال، لكن لما كان ذبح هذه الذبيحة أو نحر هذه النحيرة عبادة لم يصح أن يوكل فيه كتابياً؛ وذلك لأن الكتابي ليس من أهل العبادة والقربة؛ لأنه كافر ولا تقبل عبادته، أما لو وكل كتابياً ليذبح له ذبيحة، أو ينحر له نحيرة للأكل فذلك لا بأس به، فالتضحية أو الهدي لا يجوز من غير المسلم، وذلك لأنه ليس من أهل القربة، فإذا كان لا يصح ذلك منه لنفسه فلا يصح منه لغيره، ولكن لما كان الكتابي نائباً عن مسلم في هذه العبادة خف الوطء وصارت مباشرته للأضاحي والهدايا والعقائق مكروهة، ولكنها لا تمنع حل الذبيحة.

وقتُ الذبح:
«وقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره إلى يومين بعده»، أي: الوقت الجائز فيه الذبح يوم العيد بعد الصلاة، «أو قدره» أي: قدر زمن الصلاة لمن ليس عندهم صلاة عيد إلى آخر يومين بعده.

فتكون أيام الذبح ثلاثة فقط، يوم العيد ويومان بعده، وليس في المسألة دليل على أن الذبح يكون في يومين بعد العيد، لكن إما أن نقول: إن الذبح يوم العيد فقط، أو أيام التشريق كلها.

أما وجه الأول فلأن الذي يسمى من هذه الأيام يوم النحر هو يوم العيد، فيختص النحر به، وقد قال بذلك بعض أهل العلم: إن يوم الذبح هو يوم العيد فقط.

أما وجه الثاني فله دليل سنذكره بعد، وأما تخصيصه بيومين فلا أعلم في ذلك أصلاً من السُّنَّة، لكنه ورد عن الصحابة -رضي الله عنهم-تخصيصه بيومين بعد العيد.

«ووقت الذبح بعد صلاة العيد»
علم أن الذبح قبل الصلاة لا يجزئ؛ لأنه قبل الوقت، فكما أنه لو صلى الظهر قبل زوال الشمس لم تجزئه عن صلاة الظهر، كذلك لو ضحى قبل الصلاة فإنه لا يجزئه، وقد ثبت عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) الحديث العام الذي يعتبر قاعدة عامة في الشريعة: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وثبت في هذه المسألة بخصوصها «أن من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء»، ثبت ذلك عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وأعلنه في خطبة عيد الأضحى.

وقد أورد عليه أبو بردة -رضي الله عنه- قصة وقعت له وهي أنه أحب أن يأكل أهل بيته اللحم قبل أن يصلي في أول النهار، فذبح أضحيته قبل أن يصلي، فسأل النبي (صلّى الله عليه وسلّم) عن ذلك فقال له: «شاتك شاة لحم» مع أن الرجل جاهل، لكن الأوامر لا يعذر فيها بالجهل بخلاف النواهي، فالنواهي إذا فعلها الإنسان جاهلاً عذر بجهله، أما الأوامر فلا، ولهذا لم يعذره النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، بل قال: «شاتك شاة لحم»، وقال: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى»، فقال أبو بردة: إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين -والعناق الصغيرة من المعز لها نحو أربعة أشهر- أي: فهل أذبحها وتجزئ عني، قال: «نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك»، مع أن هذه العناق لا تجزئ في الأضحية، لعدم بلوغها السن المعتبرة شرعاً، لكن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أذن له وقال: «إنها لا تجزئ عن أحد بعدك»، هل المراد بقوله: «لا تجزئ عن أحد بعدك» عيناً أو حالاً؟

أكثر العلماء على الأول، والصحيح الثاني، وأن من وقع له مثل ما وقع لأبي بردة فلا حرج أن يذبح عناقاً؛ وذلك أن القاعدة الشرعية أن التكاليف لا تتعلق بالشخص لشخصيته؛ لأن الله لا يُحابي أحداً وإنما تعلق الأحكام بالمعاني والعلل حتى خصائص الرسول -عليه الصلاة والسلام- ليست خصائص له شخصية لكن من أجل أنه رسول ولا يتصف بهذا الوصف سواه، وهذا الذي نراه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق.

فإن قيل:
هل تجزئ العناق وإن لم تكن ذات بال وقيمة عند صاحبها ولا يحبها؛ لأن أبا بردة: قال عندي عناق هي أحب إليَّ من شاتين؟

فالجواب
أن هذا وصف طردي لأن محبة الإنسان للشيء لا ترفعه إلى أن يجزئ وهو على وصف لا يجزئ، ولهذا لو كان للإنسان عناق ولم تحدث له هذه الحال، وقال: إن هذه العناق أحب إلى من شاتين فنقول: لا تجزئ، فليست العلة هي كونها أحب إليه فهذا وصف طردي لا يعلل به.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 10:55 pm

«مَنْ ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى»
هو الدليل على أنه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، فإذا كان في مكان ليس فيه صلاة عيد فليعتبر ذلك بمقدار صلاة العيد، ولا يعتبر ما حوله، أي: لو فرض أنه في بادية قريبة من عنيزة مثلاً فليس المعتبر صلاة عنيزة، بل المعتبر قدر الصلاة؛ فإذا كانت صلاة العيد تحل بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وعيد الأضحى يسن فيه التبكير في الصلاة فيقدر بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، نحو ربع ساعة تتم فيها الصلاة، وإذا كان ارتفاع الشمس قدر رمح مقداره ثلث ساعة، أو ربع ساعة فيكون ابتداء الذبح بعد طلوع الشمس بنحو نصف ساعة أو خمس وثلاثين دقيقة.

تنبيه:
لا يشترط أن يكون بعد خطبة العيد، فلو أن الإنسان انطلق من حين صلى صلاة العيد وذبح والإمام يخطب صحت الأضحية، وظاهر كلامه أن ذلك صحيح وإن لم يذبح الإمام ودليله أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له»، فمفهومه أن من ذبح بعد الصلاة فله نسك، سواء انتهت الخطبة أو لم تنته، وسواء ذبح الإمام أم لم يذبح، ولكن الأفضل ألا يذبح قبل الإمام، وهذا الذي قاله العلماء صحيح فيما لو كان الناس يفعلون بالأضاحي ما كان يفعل بها في عهد النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، فهنا ننتظر الإمام لأنه إمامنا في الصلاة فكان إمامنا في النسك، وكانوا فيما سبق يخرجون بضحاياهم إلى مصلى العيد، لكن في غير مكان الصلاة فيذبحون هناك من أجل أن يكون نفعها أعم، فكل من حضر يمكن أن يأخذ منها، فكان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يخرج بأضحيته ويضحي والناس أيضاً يخرجون بضحاياهم ويضحون، لكن هذا نسي من زمن، فإذا كان الناس يضحون في مصلى العيد قلنا لا تضحوا قبل إمامكم، هذا هو الأفضل.

«إلى يومين بعده»، أي:
إلى آخر يومين، ودليل ذلك ما روي عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم-أنهم حددوا الوقت بذلك.

وقال بعض أهل العلم:
إن وقت الذبح يوم العيد فقط، لأنه اليوم الذي يسمى يوم النحر.

وقال بعض العلماء:
بل أيام التشريق الثلاثة تبع ليوم العيد، وقال آخرون: بل شهر ذي الحجة كله وقت للذبح، فالأقوال إذاً أربعة.

ولكن أصح الأقوال:
أن أيام الذبح أربعة، يوم العيد، وثلاثة أيام بعده.

والدليل على هذا ما يلي: أولاً:
أنه قد روي عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أنه قال: «كل أيام التشريق ذبح»، وهذا نص في الموضوع، ولولا ما أعل به من الإرسال والتدليس لكان فاصلاً في النزاع.

ثانياً:
قول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله -عزّ وجل-»، فجعل حكمها واحداً أنها أيام أكل لما يذبح فيها، وشرب، وذكر لله -عزّ وجل-.

ثالثاً:
 أن هذه الأيام الثلاثة كلها تتساوى في تحريم صيامها لقول عائشة، وابن عمر -رضي الله عنهم-: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي».

رابعاً:
أن هذه الأيام الثلاثة كلها أيام لرمي الجمرات، فلا يختص الرمي بيومين، بل كل الأيام الثلاثة.

خامساً:
أنها كلها يشرع فيها التكبير المطلق والمقيد، أو المقيد على قول بعض العلماء، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير، فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن نُخْرِجَ عن هذا الاشتراك وقت الذبح، بل نقول: إن وقت الذبح يستمر من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق.

وهذا هو القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-.

مسألة:
هل يُجزئ الذبح من حين الصلاة أو لابد من الخطبة وذبح الإمام؟

الصحيح:
أنه يكتفي بالصلاة، ولكن الأفضل أن يكون الذبح بعد الخطبة وبعد ذبح الإمام، وهذا إن فعل الإمام السُّنَّة في الذبح، وهو أن يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها في مصلى العيد؛ لأن هذه هي السُّنَّة الثابتة عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ينحر ويذبح بالمصلى إظهاراً للشعيرة وتعميماً للنفع؛ لأنه إذا كانت هناك في مصلى العيد حضرها الفقراء والأغنياء أيضاً، فيعطى الفقراء منها صدقة، ويعطى الأغنياء منها هدية، ومعنى قوله: «ينحر بالمصلى»، أي خارج حدود المسجد مثل ما لو خرج إنسان بأضحيته، وذبحها أمام مصلى العيد أو عن يمينه أو شماله قيل: ذبحها بالمصلى؛ لقربه منه وليس في نفس المصلى؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر» وهذا أذى وقذر، لكن عمل الناس اليوم أن الإمام وغيره لا يذبحون في المصلى، وعلى هذا فتكون في مراعاة ذبح الإمام فيه مشقة عظيمة، وقد ينازع في استحبابه؛ لأن تأخر الذبح عن ذبح الإمام فيما إذا أعلنه الإمام وتبين للناس، ولكن مراعاة انتهاء الخطبة أمر سهل، فيقال للناس: لا تذبحوا حتى تنتهي الصلاة والخطبة؛ لأن هذا هو الأفضل، وكما جاء في بعض الأحاديث، أن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) أمر بانتظار الخطبة.

هل يُكره الذبحُ في ليلتى التشريق؟
أي ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر؛ لأن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «كل أيام التشريق ذبح»، وقال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله -عزّ وجل-»، وهذا يدل على أن محل الذبح هو اليوم، وعلى هذا فيُكره الذبح في الليل، ولأن الذبح في الليل ربما يعمد إليه البخلاء من أجل أن لا يتصدَّقوا، فلهذا كره.

وقيل في علة الكراهية خروجاً من الخلاف، أي: خلاف من قال من العلماء: إنه لا يجزئ الذبح ليلاً؛ لأن الله -تعالى- قال: {{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}} [الحج: 28]، والجواب عن هذا الاستدلال أن يقال: إن العرب يطلقون الأيام على الليالي، فيقال: أيام ويشمل الليالي، ويطلقون الليالي ويريدون الليل والنهار مثل قوله تعالى: {{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}} [البقرة: 234]، أي عشر ليال والمراد الليالي والأيام، والتعليل بالخلاف فيه خلاف، والصحيح أنه لا تعليل بالخلاف، وهو اختيار شيخ الإسلام، ولو أننا أخذنا بهذا القول، أي بالتعليل بالخلاف ما بقي مسألة مباحة إلا وفيها كراهة؛ لأنه لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف، فإذا قلنا إن مراعاة الخلاف لازمة، وأنه يجب أن ندع ما فيه الخلاف من باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، لم يبق مسألة إلا وهي مكروهة.

ولكن يقال:
إن كان الخلاف له حظ من النظر، أي: من الدليل فإننا نراعيه، لا لكونه خلافاً، ولكن لما يقترن به من الدليل الموجب للشبهة، ولهذا قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً
إلا خلافاً له حــظ مـن النظر


فالصواب
أن الذبح في ليلتهما لا يكره إلا أن يخل ذلك بما ينبغي في الأضحية فيكره من هذه الناحية، لا من كونه ذبحاً في الليل.

هل يُقضى الذبحُ إذا انقضى وقتُهُ؟
الصواب:
في هذه المسألة أنه إذا فات الوقت، فإن كان تأخيره عن عمد فإن القضاء لا ينفعه، ولا يؤمر به؛ لقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وأما إذا كان عن نسيان أو جهل أو انفلتت البهيمة، وكان يرجو وجودها قبل فوات الذبح حتى انفرط عليه الوقت، ثم وجد البهيمة ففي هذه الحال يذبحها؛ لأنه أخرها عن الوقت لعذر، فيكون ذلك كما في قول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» .

وإن كانت وصية ليست له، فهل تدخل في عموم قوله: «قضى واجبه»؟
الجواب:
لا، فالوصية تعتبر تطوعاً من الموصي، والواجب على الموصى إليه هو التنفيذ.

فنقول:
إن الموصى إليه قائم مكان الموصي، والموصي لو أخرها إلى ما بعد غروب الشمس، أي: بعد فوات الوقت فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنها في حقه تطوع وليست بواجبة، وعلى هذا فإذا قدر أن الوصي لم يضحِّ هذا العام لعذر مثلاً، قلنا له: أخرها إلى العام القادم واذبحها في أيام الذبح، فيذبح على هذا أضحيتين، أضحية قضاء العام الماضي، والثانية أداء لهذا العام.
 
شروط الذكاة: الأول:
التسمية، وقد سبق خلاف العلماء في حكمها.

والتسمية عند إرادة الفعل، وليس عند شحذ الشفرة يعني السكين، وليس عند وضع السهم في القوس، وليس عند وضع الرمية في البندقية، بل عند الفعل، ولهذا جاءت «على» في قول الله تعالى: {{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}}، إشارة إلى أن هذا الفعل هو الذي لا بد أن تكون التسمية عليه.

الثاني:
إنهار الدم -يعني تفجيره- حتى يكون كالنهر، أي: يندفع بشدة، وهذا لا يتحقق إلا بقطع الودجين، ويعرفان عند الناس بالشرايين، وأناس يسمونها الأوراد، وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم معروفان، ولا يمكن إنهار الدم إلا بهذا...

والدليل على ذلك: أولاً:
أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال: «ما أنهر الدم»، ولم يتعرض لذكر الحلقوم والمريء، ولهذا كان القول الصحيح أنه إذا قطع الودجان حلت الذبيحة وإن لم يقطع الحلقوم والمريء؛ لأنه لا دليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء.

ثانياً:
ما أخرجه أبو داود بإسناد فيه مقال أن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم): «نهى عن شريطة الشيطان -وهي التي تذبح ولا تفرى أوداجها-» وهذا نص في الموضوع.

وفي الرقبة أربعة أشياء إذا قطعت كلها فهذا تمام الذبح:
الودجان، والمريء -وهو مجرى الطعام والشراب- والحلقوم مجرى النفس، ولهذا يكون دائماً مفتوحاً لتسهيل النفس، وجعله الله -عزّ وجل- عظاماً لينة لتسهل حركة الرقبة، ولهذا ترفع رقبتك لترفع رأسك وتنزله ولا تجد كلفة، والمريء من ورائه، أي: بينه وبين الرقبة، وهو مجرى الطعام والشراب، وليس كالحلقوم مفتوحاً بل إن استأذن أحد فتح الباب له، وإن لم يستأذن فالباب مغلق.

القول الثاني:
مذهب الحنابلة -رحمهم الله-، قالوا: يجزئ إذا قطع الحلقوم والمريء، وإن لم يقطع الودجين ولا واحداً منهما، ومن المعلوم أنه لو قطع الحلقوم والمريء ولم يقطع الودجين، فإن الدم سوف يكون باقياً لا يخرج؛ لأن الدم الذي يخرج من الحلقوم والمريء سيكون ضعيفاً جداً، كما يخرج من أي عرق يكون في اليد أو في الرجل، أو ما أشبه ذلك.

القول الثالث:
لابد من قطع ثلاثة من أربعة.

مسألة:
لو كانت البهيمة تصعق أولاً ثم تنحر ثانياً، فإن أدركها وفيها حياة حلَّت، وعلامة الحياة أنه إذا ذبحها انبعث منها الدم، الأحمر المعروف الذي يجري بخلاف الدم الأسود الذي يخرج من الميتة فهذا لا عبرة به، ودليل هذا قوله تعالى: {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}} [المائدة: 3]، وهذه كالمنخنقة تماماً فإذا ذكيت وفيها حياة حلَّت.

ولكن هل يشترط أن ترفس برجلها أو بيدها أو تمصع بذنبها أو لا يشترط؟
الجواب:
قال بعض العلماء يشترط؛ لأننا لا نعلم حياتها إلا بذلك، ولكن الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام في هذه المسألة أنه لا يشترط.

الشرط الثالث:
لابد أيضاً أن يكون الذابح عاقلاً، فإن كان مجنوناً فإنه لا تصح تذكيته ولو سمَّى؛ لأنه لا قصد له.

الشرط الرابع:
أن يكون مسلماً، أو كتابياً.

فالمسلم ظاهر، والكتابي، لقول الله تعالى: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}} [المائدة: 5]، قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: «طعامهم ذبائحهم»، وهذا متواتر عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أنه كان يأكل مما ذبح اليهود.

هل يشترط أن يكون ذبحُ الكتابى كذبح المسلمين؟
اختلف العلماء هل يشترط أن يكون ذبحه كذبح المسلمين؟ أو نقول ما عدوه ذبحاً وتذكية فهو ذكاة، وإن لم يكن على طريقة المسلمين؟

في هذا قولان هما: الأول:
وهو قول الجمهور: أنه لابد أن ينهر الدم، أعني ذبح الكتابي، كما أنه لابد من أن ينهر الدم في ذبح المسلم.

الثاني:
وهو وجه في مذهب الإمام مالك أن ما عدوه ذكاة فهو ذكاة، وإن كان بالخنق؛ لعموم قول الله تعالى: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}}، وهذا طعام عندهم فيكون حلالاً.

ولكن نقول في الرد على هذا:
إن قوله: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}} مطلق مُقَيَّدٌ بقول الرسول (صلّى الله عليه وسلّم): «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا»، فإذا كان إنهار الدم شرطاً في ذبيحة المسلم، وهو خير من اليهودي والنصراني، فكونه شرطاً في ذبيحة اليهودي والنصراني من باب أولى، وهذا هو الحق.

ولكن هل يجب علينا أن نعلم أن الكتابي ذبحه على هذا الوجه؟

الجواب:
لا يشترط.

وهل يجب أن نعلم أنه سمى عليه؟
الجواب:
لا، والدليل على هذا ما رواه البخاري عن عائشة -رضي الله عنها-: «أن قوماً سألوا النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، فقالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟

قال: «سموا أنتم وكلوا»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر»، ومن هو حديث عهد بالكفر يشك في كونه سمَّى؛ لأنه لم يعرف أحكام الإسلام ومع ذلك قال: «سمَّوا أنتم وكلوا»، أي: سموا على الأكل لا على الذبح؛ لأنه لا تمكن التسمية؛ ولأن الإنسان لا يُسأل إلا عن فعل نفسه، وفعلكم أنتم هو الأكل فسموا عليه، أما فعل غيركم فليس عليكم منه شيء.

وقد ترجم مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله- على هذا الحديث:
بأن الفعل إذا صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، ولو أننا كلفنا أن نبحث عن كيفية الذبح وهل سمَّى الذابح أم لا؟ للحقنا بذلك حرج شديد لا يحتمل، حتى المسلم يمكن أنه لم يسم، أو أنه خنق، فكل شيء محتمل، لكن الأصل في الفعل الواقع من أهله السلامة، وبهذا يستريح الإنسان، ويسلم من القلق الذي يحصل فيما لو ذبح الكتابي اليهودي والنصراني الذبيحة وأهدى له، والحمد لله على التيسير، لقوله تعالى: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}} [المائدة: 5].

وقد أخبرني بعض الإخوة الذين في أمريكا أنهم الآن رجعوا إلى الشرط الإسلامي، وهو إنهار الدم بشق الودج ثم يدخلون آلة مع الودج الثاني وينفخونها بشدة، من أجل أن يخرج الدم مندفعاً من الودج الأول الذي فروه، أي: أنهم أشد منا، فيتعجلون أن يخرج الدم؛ لأنه إذا جاءه ما يدفعه من أحد الودجين اندفع إلى الآخر، لكننا -ولله الحمد- لا يكلفنا الله -عزّ وجل- مثل هذا، فذبحنا يسير، أمرر السكين على الودجين، وهذا كافٍ.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 11:00 pm

الشرط الخامس:
أن لا يكون الحيوان مُحَرَّماً لحق الله، كالصيد في الحرم، أو الصيد في الإحرام.

فلو ذبح الإنسان أو صاد صيداً في الحرم فإنه حرام حتى لو سمى وأنهر الدم، ولو صاد صيداً أو ذبحه وهو محرم فهو حرام، ولو سمى وأنهر الدم؛ لأنه محرَّم لحق الله، ولهذا قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم) للصعب بن جثامة -رضي الله عنه- قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم»، وهذا يتبين بالتعبير القرآني: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}} [المائدة: 95]، ولم يقل لا تصيدوا الصيد، فدل هذا على أن صيد الصيد والإنسان محرم يعتبر قتلاً، لا صيداً، والقتل لا تحل به المقتولة.
 
فإن كان مُحرَّماً لحق الغير كالمغصوب مثلاً، فهل يكون كالمحرم لحق الله ويحرم أو لا يحرم؟

الصحيح:
أنه لا يحرم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة -رحمهم الله-، وفرقوا بينهما بأن الغير حقه يمكن ضمانه، أو إرضاؤه، ويمكن أن يسمح، بخلاف حق الله -عزّ وجل-.

وفيه رواية أخرى في المذهب أن المحرَّم لحق الغير كالمحرَّم لحق الله لا تصح تذكيته.

فلو رأينا من باب التأديب والتعزير والتوجيه أن نقول لمن غصب شاة وذبحها: لا يحل لك أكلها ولا لغيرك، وعليك ضمانها، لو رأينا أن هذا من باب التعزير بحرمانه هذا المال الذي تعجَّله على وجه مُحرَّم لكان هذا متوجهاً.

مسألة:
هل يشترط أن يكون الذبح في وقت يحل فيه الذبح بالنسبة للأضاحي؟

الجواب:
لا يشترط ذلك لحل الذبيحة، لكن يشترط لوقوعها أضحية.

تعيينُ الهدى والأضحية:
هذا هدي بالنسبة للهدي، أو أضحية بالنسبة للأضحية، فيتعينان بالقول، ولا يتعينان بالنية، ولا بالشراء، فلو اشترى شاة بنية أن يضحي بها فإنها لا تتعين ما دامت في ملكه، إن شاء باعها وإن شاء فسخ النية، وإن شاء تصدق بها، وإن شاء أهداها.

وكذلك لو اشترى شاة يريد أن تكون هدياً كهدي متعة -مثلاً-، وفي أثناء الطريق قبل أن يقول: هي هدي، أراد أن يبيعها فلا بأس، وهنا فرق بين أن يقول: هذا هدي، أو هذه أضحية على سبيل الإخبار، وبين أن يقول: هذا هدي أو أضحية على سبيل الإنشاء...

ويظهر الفرق بينهما بالمثال:
رجل يجر شاة فقال له مَنْ رآه: ما هذه؟ قال: هذه شاة للأضحية، يعني أنها شاة يريد أن يضحي بها، فهذا خبر وليس بإنشاء، بخلاف ما إذا قال: هذه أضحية لله، وأنشأ أن تكون أضحية فإنها حينئذ تتعين.

وعلم أنها لا تتعين بالفعل، أي لا يتعين الهدي، ولا الأضحية بالفعل، ولكن في هذا نظر، فإنهم نصوا على أن الهدي إذا قلده أو أشعره بنية أنه هدي، فإنه يكون هدياً، وإن لم ينطق به.

والتقليد هو أن يُقَلِّد النعال، وقطع القرب، والثياب الخَلِقة، وما أشبه ذلك في عنق البهيمة، فإنه إذا علق هذه الأشياء في عنقها فهم من رآها أنها للفقراء، وهذا كان معتاداً في عهد النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وعهد من بعده، حتى تضاءل سَوْق الهدي بين الناس، وصار لا يعرف هذا الشيء.

وأما الإشعار فهو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن من رآه يعرف أن هذا معد للنحر.

والإشعار مع أنه سوف يتأذى به البعير، ولكن لما كان لمصلحة راجحة سمح فيه كما سمح في وسم الإبل في رقبتها أو في أذنها أو فخذها أو عضدها وما أشبه ذلك، مع أن الوسم كي بالنار، لكن للمصلحة، وأحياناً يجب وسمها إذا كان يتوقف حفظ إبل الصدقة أو خيل الجهاد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فنقول:
الهدي يتعين بالقول وبالفعل مع النية.

فالقول:
قوله هذا هدي.

والفعل:
الإشعار، أو التقليد مع النية يكون هدياً بذلك.

ويترتب على التعيين وعدمه مسائل ستذكر فيما بعد.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
أنه إذا اشتراه بنية الأضحية، أو بنية الهدي أنه يكون هدياً أو يكون أضحية، وأنه لا يشترط لذلك لفظ؛ لأن المقصود أن يتعين هذا أضحية أو هدياً، وهذا يحصل بالنية لقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، ولكن الأظهر ما ذهب إليه وهو المشهور من المذهب، بدليل أن الإنسان لو اشترى عبداً ليعتقه في كفارة أو غيرها فلا يعتق، أو اشترى بيتاً ليوقفه على الفقراء أو المساكين، أو طلبة العلم، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يكون البيت وقفاً بمجرد الشراء حتى يفعل ما يختص بهذا الشيء، ولهذا قلنا في الهدي لما كان يشرع تقليده أو إشعاره: إن تقليده أو إشعاره مع النية يعتبر تعييناً.

هل يجوز أن يتصدق بها بعد تعيينها؟
الجواب:
لا يجوز أن يتصدق بها، بل لابد أن يذبحها، ثم بعد ذبحها إن شاء وهبها وتصدق بما يجب التصدق به، وإن شاء أبقاها، وإن شاء تصدق بها كلها، لكن لا بد أن يتصدق منها بجزء كما سيأتي ذكره إن شاء الله.

وينبني على ذلك وجوب ذبحها ولابد، وعلى هذا لو أن الإنسان يقود هديه فلقي فقراء وقالوا: أعطنا إياه فأعطاهم إياه، فهل يجزئه الهدي؟
الجواب:
لا يجزئه.

فإن قالوا:
نذبحه لك ووكلهم بذلك فهل يجزئ؟

الجواب:
فيه تفصيل:
إن كان يثق بهم، وأنهم سوف يذبحونه فلا بأس، ويكونون وكلاء له، أما إذا لم يثق بهم بحيث يخشى أنهم سيأخذونه ثم يذهبون فيبيعونه، فهذا لا يجزئه.

مسألة:
لو قال قائل:
هذا جار لي فقير وطلب مني أن أعطيه أضحيتي يذبحها ويتصدق بها، فهل الأفضل أن يُعطيه إياها أو الأفضل أن يعطيه غيرها ليضحي بها لنفسه؟

الجواب:
الثاني أفضل، ويكتب لك أجر أضحيته؛ لأنك ساعدته على ذلك.

هل يجوزُ تبديلها بخير منها بعد تعيينها؟ مثل أن يكون عَيَّن هذه الشاة أضحية، ثم وجد مع شخص آخر شاة خيراً منها في السمن والكبر والطيب، وأراد أن يبدلها بخير منها، فإن ذلك لا بأس به؛ لأنه زاد خيراً ولم يتهم برد شيء من ملك هذه الأضحية إلى نفسه وربما يستدل لذلك بحديث الرجل الذي قال: يا رسول الله، «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صلِّ هاهنا فأعاد عليه، قال: صلِّ هاهنا، فأعاد عليه ثالثة، فقال: شأنك إذاً»، فدل ذلك على أن الإنسان إذا أبدل العبادة بما هو خير منها جاز ذلك، ولا بأس به، وعلى هذا فإذا أبدلها بخير منها فلا حرج: للدليل الأثري وهو قصة الرجل الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس، فقال له النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «صلِّ هاهنا».

والدليل النظري:
فيُقال: إنه زاد خيراً منها؛ لأن هذا أفضل وأنفع للفقراء وأثمن غالباً.
 
لو قال:
أنا أريد أن أجز صوفها؛ لأنتفع به، قلنا: لا يجوز إلا إذا كان أنفع لها فلا بأس، وكيف يمكن أن يكون أنفع لها؟

الجواب:
يمكن إذا كان عليها صوف كثير يؤذيها، وكان في جزه راحة لها، أو حصل فيها جرح وجز الشعر من أجل إبراز الجرح للهواء حتى ينشف ويبرد أو من أجل مداواته.

والخلاصة
أنه إذا كان جز الصوف أنفع فإنه يجزه، وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر فلا يجوز.

حكمُ إعطاء الجزر الذابح منها شيئا؟
الجازر الذابح والناحر، فالناحر للإبل، والذابح لغيرها، وقوله: «لا يعطي جازرها أجرته منها»؛ لحديث علي -رضي الله عنه- أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها، لحومها وجلودها وجلالها ولا يعطي في جزارتها شيئاً؛ ولأن هذا الجازر نائب عنه، وهو ملزم بأن يذبحها هو بنفسه، فإذا كان ملزماً بأن يذبحها؛ من أجل أن تكون قربة فإنه لا يمكن أن يعطي الجازر منها أجرته، وهو وكيل عنه.

وقد يقول قائل:
ألستم تجيزون أن يعطى العامل على الزكاة من الزكاة، فلماذا لا يجوز أن نعطي جازر الأضحية والهدي من الهدي كما نعطي العامل على الزكاة؟

قلنا:
الفرق ظاهر؛ لأن هذا الجازر وكيل عن المالك، ولهذا لو وكل الإنسان شخصاً يفرق زكاته، فإنه لا يجوز أن يعطيه من سهم العاملين عليها.

فمثلاً لو أن إنساناً أرسل إلى شخص عشرة آلاف ريال، وقال له: خذ هذه وزعها زكاة، فهذا الذي أخذ العشرة آلاف لا يجوز أن يأخذ منها شيئاً؛ لأن العامل عليها هو الذي يتولاها من قبل ولي الأمر.

وهل يجوز أن يعطيه شيئاً من الأجرة؟
الجواب:
لا، يعني لو قال اذبحها لي وكانت تذبح بعشرة ريالات، وقال: أعطيك خمسة من لحمها وخمسة نقداً، فلا يجوز؛ لأنه بذلك يكون قد باع ما تقرب به إلى الله وهو اللحم؛ لأن عوض الأجرة بمنزلة عوض المبيع فيكون قد باع لحماً أخرجه لله، وهذا لا يجوز.

وهل يجوز أن يعطيه هدية أو صدقة؟
الجواب:
يجوز كغيره إن كان فقيراً يعطيه صدقة، وإن كان غنياً يعطيه هدية.
 
حكمُ الأضحية:
الأضحية هي:
 ما يذبح من النعم في أيام الأضحى تقرباً إلى الله -عزّ وجل-.

«ما يذبح في أيام الأضحى»
خرج به ما يذبح في غير أيام الأضحى، فإنه ليس بأضحية حتى ولو ذبح ضحى، فالعقيقة -مثلاً- إذا ذبحناها في الضحى في غير أيام الأضاحي لا تسمى أضحية.

«تقرباً إلى الله»
خرج به ما لو ذبح لوليمة عرس في أيام الأضحى فإنها ليست بأضحية، فلا بد أن ينوي بذلك التقرب إلى الله -عزّ وجل- بهذا الذبح.

حكمها:
قال بعضُ العلماء إنها سُنَّةٌ مؤكدة: لأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) داوم عليها وضحى عشر سنوات، وحث عليها حتى قال: «من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا»، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بالمصلى، ولهذا اختلف العلماء هل هي سُنَّة مؤكدة لا يكره تركها، أو سُنَّة يكره تركها للقادر، أو واجبة؟

فذهب أبو حنيفة -رحمه الله- وأصحابه إلى أنها واجبة، وأن القادر يأثم إذا لم يضح، ومال شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى هذا؛ لأنها شعيرة ظاهرة قرنها الله -تعالى- بالصلاة في قوله: {{فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *}} [الكوثر]، وفي قوله: {{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}} [الأنعام].

والقول بالوجوب للقادر قوي:
لكثرة الأدلة الدالة على عناية الشارع بها، واهتمامه بها فالقول بالوجوب قوي جداً، فلا ينبغي للإنسان إذا كان قادراً أن يدعها، ولكن إذا كان الناس في بيت واحد، وقيم البيت واحد فإنه يجزئ عن الجميع ولا حاجة إلى أن يضحي كل واحد، خلافاً لما اعتاده بعض الناس الآن تجد الأب يضحي، والزوجة تقول سأضحي والبنات الموظفات يقلن سنضحي، والبنين الموظفين يقولون: سنضحي، فهذا خلاف السُّنَّة، ما دام في المسألة سُنَّة واضحة عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فلا ينبغي أن نتجاوز، فالنبي (صلّى الله عليه وسلّم) ضحى بواحدة عنه وعن أهل بيته وعنده تسع زوجات، كل واحدة في بيت واقتصر على ذلك، والمطالب بالتضحية هو رب البيت لأنه من الإنفاق بالمعروف.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 11:09 pm

لِمَنْ تُسَنُّ الأضحية:
للأحياء أم للأموات؟

الجواب:
أنها سُنَّة للأحياء، وليست سُنَّة للأموات، ولذلك لم يضح النبي (صلّى الله عليه وسلّم) عن أحد ممن مات له، لا عن زوجته خديجة -رضي الله عنها- وهي من أحب النساء إليه، ولا عن عمه حمزة -رضي الله عنه- وهو من أحب أعمامه إليه، ولا عن أحد من أولاده -رضي الله عنهم- الذين كانوا في حياته، وأولاده بضعة منه، وإنما ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن أراد أن يدخل الأموات في العموم فإن قوله قد يكون وجيهاً، ولكن تكون التضحية عن الأموات هنا تبعاً لا استقلالاً؛ ولهذا لا يشرع أن يضحى عن الإنسان الميت استقلالاً؛ لعدم ورود ذلك عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم)...

فإن ضُحي عنه:
قيل: تكون أضحية.
وقيل: تكون صدقة.

والفرق بينهما ظاهر، فإن الأضحية أجرها أكثر من أجر الصدقة.

هل الذبحُ أفضل أم الصدقة بثمن الأضحية؟
فلو قال شخص:
أنا عندي خمسمائة ريال، هل الأفضل أن أتصدَّق بها أو أن أضحي بها؟

قلنا:
الأفضل أن تُضحي بها.

فإن قال:
لو اشتريت بها لحماً كثيراً أكثر من قيمة الشاة أربع مرات، أو خمس مرات، فهل هذا أفضل أو أن أضحي؟

قلنا:
الأفضل أن تُضحي، فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها أو أكثر ليتصدق به؛ وذلك لأن المقصود الأهم في الأضحية هو التقرب إلى الله -تعالى- بذبحها لقول الله تعالى: {{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}} [الحج: 37]، كما أن عتق العبد أفضل من الصدقة بثمنه.

فإن قال قائل:
لو كان في المسلمين مسغبة، وكانت الصدقة بالدرهم أنفع تسد ضرورة المسلمين فأيهما أولى؟

الجواب:
في هذه الحال نقول:
دفع ضرورة المسلمين أولى؛ لأن فيها إنقاذاً للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسُّنَّة، فقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.

حكمُ بيع جلد الأضحية:
ما تعين لله فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب  -رضي الله عنه- : أنه حمل على فرس له في سبيل الله يعني أعطى شخصاً فرساً يجاهد عليه، ولكن الرجل الذي أخذه أضاع الفرس ولم يهتم به، فجاء عمر يستأذن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في شرائه حيث ظن أن صاحبه يبيعه برخص، فقال له النبي (صلّى الله عليه وسلّم): «لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم»، والعلة في ذلك أنه أخرجه لله، وما أخرجه الإنسان لله فلا يجوز أن يرجع فيه، ولهذا لا يجوز لمن هاجر من بلد الشرك أن يرجع إليه ليسكن فيه؛ لأنه خرج لله من بلد يحبها فلا يرجع إلى ما يحب إذا كان تركه لله -عزّ وجل-، ولأن الجلد جزء من البهيمة تدخله الحياة كاللحم.

تنبيه:
لا يبيع شيئاً من أجزائها، ككبد، أو رجل، أو رأس، أو كرش، أو ما أشبه ذلك، والعلة ما سبق.

وعلى هذا يمكن أن يلغز بهذه المسألة فيقال:
شيء يجوز الانتفاع به، ولا يجوز بيعه ليشتري ما ينتفع به بدله؟

الجواب:
الجلد لو أراد المضحي أن يدبغه، ويجعله قِربَةً للماء يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ويشتري بدلاً من القربة وعاءً للماء كالترمس مثلاً فلا يجوز، كل هذا حماية لما أخرجه لله أن يرجع فيه.

مسألة:
لو أنه عيَّن هذه أضحية ثم هربت ولم يحصل عليها، فإن كانت واجبة قبل التعيين كأن يكون نذر أضحية، لزمه البدل مثلها أو خير منها؛ لأنه لم يوف بما عليه؛ وإن لم تكن واجبة قبل التعيين نظرنا إن فرط فعليه ضمان، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه.

مثال آخر:
اشترى هدياً ثم هرب ولم يمسكه وعجز عنه -بعد أن عيَّنه- فيلزمه بدله؛ لأنه واجب في ذمته قبل التعيين، أما هدي التطوع فإنه لا يلزمه.

وإذا قلنا
يجب عليه بدله فاشترى البدل وذبحه وبعد ذبحه وجد الضال الذي هرب فهل يلزمه أن يذبحه، أو يكتفي بالبدل؟

القول الراجح
أنه يكتفي بالبدل؛ لأن الرجل ضمن ما هرب وأدى الواجب بدلاً عن الذي هرب، وإذا كان يجوز أن يبدلها بخير منها وهي حاضرة، فكذلك إذا كانت هاربة من باب أولى، ولكن المذهب ليس له أن يسترجع الضال إذا وجده بل يذبحه؛ قالوا: لأن هذا الضال تعين بالتعيين فيجب عليه أن يذبحه، لكن هذا التعليل عليل، هو تعين بالتعيين ولكن أقام مقامه البدل فبرئت ذمته، فإذا عاد هذا الذي ضل فإنه يعود على ملك صاحبه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.

وكذلك إذا نذر أن يذبح أضحية فاشترى شاة، وقال هذه أضحية للنذر ثم تعيبت بكسر أو عرج أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يذبحها لأنه عيَّنها ويذبح بدلها لأنها لا تجزئ، فلابد أن يذبحها ويقضي ما وجب بالنذر، والصواب خلاف ذلك كما سبق وأنها إذا تعيبت ولو كانت واجبة في ذمته قبل التعيين فإنه يذبح بدلها خيراً منها أو مثلها وتجزئ، فالله لم يوجب على العباد عبادتين بدون سبب.

الأكلُ والهدىُ والصدقةُ من الأُضحية:
يشرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب أن يقسمها أثلاثاً، فيأكل الثلث، ويهدي بالثلث، ويتصدق بالثلث.

والفرق بين الهدية والصدقة:
أن ما قصد به التودد والألفة فهو هدية؛ لما جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا»، وما قصد به التقرب إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني.

أي ثلثاً للأكل، وثلثاً للهدية، وثلثاً للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، وقدم الأكل؛ لأن الله قدمه فقال: {{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}} [الحج: 28].

تنبيه:
لو تصدَّق بها كلها فلا شيء عليه ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سنّة كما هو قول جمهور العلماء.

وقال بعض أهل العلم:
بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛ لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في حجة الوداع «أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها»، قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مائة بعير مائة قطعة تطبخ في قدر، ويأكل منها يدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله -عزّ وجل- فيدخل في قوله (صلّى الله عليه وسلّم): «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله -عزّ وجل-.

وعلى كل حال:
لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته.

واستحب بعض العلماء:
أن يأكل من كبدها.

وعلل ذلك:
بأن الكبد أسرع نضوجاً؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كثير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيهم، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.

«يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً»
هذا ما اختاره أصحاب الإمام أحمد -رحمهم الله- وهذا ما ورد عن السلف -رحمهم الله- وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافاً لقوله تعالى: {{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}}، وقوله: {{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}}، ولم يذكر الله -تعالى- الهدية، والهدية من باب جلب المودة يحصل بهذا أو بغيره، وهذا القول أقرب إلى ظاهر القرآن والسُّنَّة، ولكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة؛ لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعاً أعظم مما لو أهديت له ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذا مصلحة فهي مطلوبة، ولكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السُّنَّة.

والرسول (صلّى الله عليه وسلّم) تصدَّق بكل لحم الإبل في الهدي، إلا القطع التي اختارها (صلّى الله عليه وسلّم) أن تجمع في قدر وتطبخ.

وقول: «ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق»
ظاهر الكلام أن هذا الحكم في كل أضحية حتى الواجب بالنذر فإنه يأكل منها، ويهدي ويتصدق، وهو صحيح، بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبراناً، ويأكل منه إذا كان شكراناً، فدم هدي التمتع والقران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفارة والأول شكر، فلذلك أكل النبي (صلّى الله عليه وسلّم) من هديه، وهو واجب بالقران.


فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Empty
مُساهمةموضوع: رد: فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما   فقه الحج والعمرة وأَحكَامهما وفتاويهما Emptyالأربعاء 18 يوليو 2018, 11:18 pm

إذاً الأضحية يأكل منها، سواء كانت واجبة بالنذر أو غير واجبة...
وأما الهدي ففيه تفصيل كما يلي: أولاً:
ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة.

ثانياً:
ما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران، فإنه يأكل منه، كما جاءت بذلك السُّنَّة، أما التطوع فلا إشكال أنه يأكل منه ويتصدَّق ويُهدي.

وظاهر الكلام -أيضاً- أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويُهدي ويتصدَّق.

وقال بعض العلماء:
إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به.

ولكن الصحيح:
أنه متى قلنا بجواز الأضحية في مال اليتيم فإنه يعمل فيها ما جاءت به الشريعة، فيؤكل منها، ويهدى، ويتصدق.
 
مسألة:
هل يشرع أن يُضحى من مال اليتيم؟

في هذا تفصيل:
إن جرت العادة بأنه يضحي من أموال اليتامى، وأنه لو لم يضح من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أن يضحى من ماله، كما أننا نشتري له ثوباً جديداً للعيد مع أن عنده ثوباً يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يوازي غيره من الناس.

فهي إذاً -أعني الأضحية- من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فإنه يضحي ولو من ماله، وهذا يقع.

مثال ذلك:
أن يكون في هذا البيت أيتام ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم أو أعمامهم، أو من أي أنسان، المهم عنده مال، فهل نضحي من أموالهم وندفع لهم الأضحية ليضحوا بها ويفرحوا مع الناس؟ أو نقول هذه أموال يتامى لا يجوز أن يتبرع منها بشيء؟

الجواب:
الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس، لانكسرت قلوبهم فإنه يضحى عنهم من مالهم.

تنبيه:
قال بعض العلماء:
إن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم، فإنه لا حرج عليه، ولكن لو أكلها جميعاً فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم.

مثال ذلك:
رَجُلٌ ضحَّى بشاة وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، نقول له الآن: يجب عليك أن تتصدَّق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، فاشتر لحماً من السوق، وتصدَّق به من أجل حق الفقراء، فإن أكلها إلا عضدها -مثلاً- أجزأه ذلك؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم.

يَحْرُمُ عَلَى مَن يُضَحِّي أن يَأخُذَ فِي العَشْرِ مِن شَعْرِهِ أوْ بَشَرتِهِ شيئاً:
الحرام من تركه لله أثيب، وإن فعله استحق العقاب على فعله.

والدليل ع