يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [٦]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)
أيضاً نداء خاص بالذين آمنوا، وهو النداء الثالث بعد { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..}[ الحجرات: 1] وبعد{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ..} [الحجرات: 2] وهنا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ ..} [الحجرات: 6].
ونلاحظ أن النسق القرآني لم يجمع بين هذه الأمور الثلاثة في نداء واحد، ولم يستخدم أدوات العطف إنما خصَّ كل أمر منها بنداء خاص لمزيد التأكيد والاهتمام.
ففي وصية سيدنا لقمان لابنه قال:{ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13].
وقال:{ يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ } [لقمان: 17-19].
إذن: خصّ مسألة العقيدة بنداء خاص لأهميتها، وجمع عمل الجوارح في نداء واحد لأنها على مستوى واحد من الأهمية في الدين.
إذن: نفهم من تكرار النداء بيأيها الذين آمنوا أنه يعطي أهمية خاصة لكل نداء.
ومعنى {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ..} [الحجرات: 6] الفاسق وصْف مأخوذ من قولنا فسقت الرطبة.يعني: خرجت عن قشرتها، وخروج الرطبة عن قشرتها يُعرِّضها للحشرات وللآفات الضارة.
كذلك المؤمن يُغلفه الإيمان ويحميه أنْ تصيبه آفات النفوس، فإذا فسق يعني: خرج عن حدود الإيمان وشذَّ عنه أصابته الأمراض المهلكة، لذلك قالوا عن الفاسق هو مرتكب كبيرة أو مجهول الحال.فإذا جاءك النبأ أي الخبر من مثل هذا من فاسق فلا تُسلم له بما قال، إنما {فَتَبَيَّنُوۤاْ ..} [الحجرات: 6] يعني: تثبَّتوا من صحة هذا الخبر ومن صدَّقه.
قف حتى تتبين وجه الحقيقة فيما سمعتَ حتى يكون حكمك على الأمور واقعياً، ولا تأخذك العجلة والحمية فتقع في محظور {فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].الحق سبحانه يأمرنا بالتثبت هنا لأن الإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فربما اتصف بالصدق، لكن كذب هذه المرة أو اتصف بالكذب، لكن صدق هذه المرة، فالتثبت احتياط واجب، حتى يأتي الحكم والتصرف بعد ذلك موضوعياً ولا نقع في دائرة الظلم والتعدي على الآخرين.
تبيَّن من خبر الفاسق لعله يكون من الأشياء التي عصى الله فيها، لأن العصيان عنده سهلٌ، فلو صدَّقته ربما تصيب قوماً لا ذنبَ لهم.
{بِجَهَالَةٍ ..} [الحجرات: 1] وأنت تجهل حقيقة الأمر، وعندها يصبح المصاب صاحبَ حق وأنت مُعتد فتندم على تعدِّيك وتجاوزك للصواب، تندم لأنك جعلتَ مَنْ أسأته صاحبَ حَقٍّ عليك.
وفرْق بين مَنْ يفعل الذنب بجهالة ومَنْ يفعله متعمداً، وبحسب موقف النفس البشرية من المعصية يكون قبول التوبة، وأذكر ونحن في فرنسا أن واحداً من الزملاء رُشِّح لأنْ يكون مبعوثاً إلى فرنسا، هذا ذاهب إلى هناك لقصد العلم فقط وليس في باله أي أغراض أخرى، وهناك سكن على طريقة الغرباء في أحد البيوت مع إحدى الأسر.
وفي ليلة دخلت عليه بنت هؤلاء الذين يسكن معهم، ربما قد يكون ارتكب معصية معها في هذا الموقف لكنه وقع فيه عن جهالة ودون أن يخطط له.
على خلاف شخص آخر حينما يذهب إلى هذه البلاد يذهب وفي باله هذه المسائل، وربما اتصل بمَنْ يعطيه عناوين أهل المعصية.
لذلك يُحدد الحق سبحانه شروط التوبة المقبولة، فيقول: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [النساء: 17-18].
والندم على المعصية أول مراحل التوبة، لكن الأمر بالتثبُّت من خبر الفاسق، أهو وعظ ابتداءً أم له سَببٌ نزل القرآنُ من أجله؟ قالوا: بل له سببٌ وهو حادثة الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما ولاَّه رسولُ الله جبايةَ أموال الزكاة من بني المصطلق.
فلما ذهب إليهم خرجوا جميعاً لمقابلته والاحتفاء به حين علموا أنه رسول رسول الله، لكنه خاف من جمعهم على هذه الصورة، وخشي أنْ ينالوه بشرٍّ خاصة وقد كان له دية قديمة عندهم من أيام الجاهلية.ففرَّ عائداً إلى رسول الله وقال: يا رسول الله منعوني الزكاة، فرسولُ الله تثبَّت من الأمر وسألهم فقالوا: بل خرجنا فرحاً به يا رسول الله، ولو صدَّق رسولُ الله هذا الخبر لاعتبرهم مرتدين، وربما كان حدث ما لا تُحمد عقباه.
وروُي أن سيدنا رسول الله بلغه أن السيدة مارية القبطية أم إبراهيم لها ابنُ عم يزورها ويدخل عندها، فأغضبه ذلك وقال لعلي: خُذْ هذا السيف واذهب إليه فإنْ وجدته فاقتله.
فقال: يا رسول الله أنا في أمرك أأقتله.
أم يرى الشاهد ما لا يرى الغائب؟ انظر هنا إلى احتياط علي رضي الله عنه فلما ذهب وجده عند مارية فهمَّ بسيفه ليقتله، لكن الرجل أسرع إلى نخلة فصعد عليها بحيث لا يناله سيفُ علي، ثم ألقى بنفسه على الأرض وفتح بين ساقيه حتى بانت لعلي أماكن عورته فرآه علي أمسحاً، يعني: ليس له ما للرجال فكفَّ عنه.
وذهب إلى رسول الله وأخبره الخبر فقال: صدقتَ يا علي، يرى الشاهد ما لا يراه الغائب.
ونفهم من هذه القصة أن الذي أخبر بها رسولَ الله فاسقٌ أراد الوقيعة والتشهير بأم إبراهيم.


وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [٧]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)
الكلام هنا له علاقة بما حدث من مخالفة المسلمين لرأي رسول الله في الحديبية، فالحق سبحانه يقول لهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ..} [الحجرات: 7] كأنه يقول لهم احترموا وجوده بينكم فهو رسول الله ولا يخفى عليه شيء لأنه مُؤيَّد من الله، والله يخبره بالواقع، فليس علمه بالأمور كعلمكم.
وكلمة {فِيكُمْ ..} [الحجرات: 7] تدل على الظرفية كما تقول: الماء في الكوب، أو المال في الخزانة، ومعلوم أن المظروف أغلى وأنفَسُ من المظروف فيه، وأنتم ظرف لرسول الله ومنهج رسول الله؛ لذلك قرأوا:{ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} [التوبة: 128] بفتح الفاء.
إذن: وجود رسول الله بينكم ميزة لكم وعصمة وحماية لأنه موصول بربه، وهذه المسألة كان يعلمها كفار مكة وصناديدهم، لكنهم غلبهم العناد والمكابرة وحجبتهم عن الإيمان.
لذلك اجتمع في يوم من الأيام كلٌّ من أبي سفيان والحارث بن هشام وثابت بن قيس، وكان بلال يؤذن للصلاة، فقال ثابت: لقد رضي الله عن أبي حيث قبضه قبل أن يرى هذا المنظر، يعني: أن بلالاً الحبشي الأسود هو الذي يؤذِّن لرسول الله، وقال الحارث: أما رأى رسول الله غير هذا الغراب الأسود يُؤذِّن، وقال أبو سفيان: والله أحب أنْ أقول يعني مثل قولكما، لكني أخشى أنْ يخبر اللهُ رسوله بما أقول.
إذن: كان هؤلاء القوم يعلمون صدق رسول الله، لكن منعهم اللدد والعناد والكبر عن قبول الحق.
أيضاً تعلمون أن سيدنا رسول الله قد زوَّج ابنتيه رقية وأم كلثوم لولدين من أولاد أبي لهب، وكان هذا قبل البعثة، فلما اشتدت العداوة بين أبي لهب ورسول الله أجبر أبو لهب ولديه على تطليقهما.
وفي يوم قابل أحد هذين الولدين رسول الله في الطريق ونظر إليه ثم تفل وتنبه رسول الله لما فعل، فدعا عليه وقال: يأكلك كلب من كلاب الله وبلغت هذه الدعوة أبا لهب فخاف على ولده، وعندما خرج مع القافلة التجارية إلى الشام جمع رجالها وقال لهم: إذا عرَّسْتم - يعني أويتم للمبيت - فاجعلوا ولدي فلاناً بينكم، فإنني أخشى عليه دعوة محمد.
إذن: كان يعلم أن محمداً على الحق، وأن دعوته ُمستجابة.
وبالفعل جعلوه بينهم لما ناموا، وسلط الله عليه أسداً حقيقاً اختطفه من بينهم.
فصِدْق رسول الله كان معلوماً لهؤلاء، وكانت ألسنتهم تغلبهم وتنطق بهذا التصديق، من ذلك قولهم:
{ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ .. }
[المنافقين: 7] وأخبر الحق عنهم بقوله:{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..} [النمل: 14].
وقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ..} [الحجرات: 7] ومن ذلك ما حدث منكم في الحديبية، فلو أطاعكم في عدم الصلح {لَعَنِتُّمْ ..} [الحجرات: 7] أصابكم العنت والمشقة والإثم.
ومثلها قوله تعالى:{ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ..}
[التوبة: 128] يعزّ عليه أنْ يراكم في مشقة، لأنه بكم رؤوف رحيم، فإنْ رآكم على المعصية استغفر لكم، وإنْ رآكم على الطاعة حمد الله، هذا حتى بعد أنْ يموت.
{وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ..} [الحجرات: 7] لكن هنا استدراك لما سبق، يعني أن رسول الله لم يطعكم فيما ذهبتم إليه من التصميم على دخول مكة وأداء العمرة، ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزيَّنه في قلوبكم، فعُدْتم إلى رأي رسول الله ولم تقضُوا أمراً خلاف أمره ورضيتم به.
وهذا نتيجة هداية الله لكم، وتحبيبه الإيمانَ وتزيينه في قلوبكم، فلولا ذلك لخرجتم عن أمره وهلكتُم بعصيانكم له، وفي نفس الوقت {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ..} [الحجرات: 7] وهذا من أعظم نِعَم الله عليكم.
{أُوْلَـٰئِكَ ..} [الحجرات: 7] أي: الذين اتصفوا بهذه الصفات فأحّبوا الإيمان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، أولئك {هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] جمع راشد، وهو الذي التزم طريقَ الحق والهداية فلم يَحِدْ عنه، ومن ذلك قولنا: ترشيد النفقات وترشيد الاستهلاك، يعني أنْ نضعه في موضعه المناسب.


فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [٨]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)
الفضل يعني الزيادة، والمراد هنا أن الله تعالى عاملهم بمزيد من نعمه وكرمه.
قالوا لأحد الصالحين: احكم بيننا، فقال: بالعدل أم بما هو أحسن من العدل؟ قالوا: وهل هناك أحسن من العدل؟ قال: أحسن من العدل الفضل، العدل أنْ تأخذ حقك، والفضل أنْ تتنازل عنه تفضلاً.
كذلك نِعَم الله علينا من باب الفضل، لأن التكليف الذي كلَّفنا الحق به يعود علينا نحن بالمصلحة ولا ينتفع الله منه بشيء، لأنه سبحانه الغني عن خَلْقه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو سبحانه بصفات الكمال فيه خلقنا، إذن: النعم ليستْ مقابلاً للطاعة، إنما هي محْضُ فضل من الله.
أما في مثله قوله تعالى:
{ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[الزمر: 10] فسمَّى لهم أجراً ليعلموا أن عملهم مقبولٌ، وسيُجزون عليه الجزاء الأوفى.
وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 8] عليم وعلمه محيط لا يخفى عليه شيء من أمرك، والسر عنده علانية
{ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } [غافر: 19].
إذن: إياك أنْ يخالط عملك نفاقٌ أو رياء أو عجب أو كبرياء.
وقلنا: إن الله تعالى يريد القلوب لا مجرد عمل الجوارح.
ثم هو سبحانه {حَكِيمٌ} [الحجرات: 8] يدبر شئون ملكه بمقتضى حكمتهتعالى، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.


وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٩]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)
كلمة {طَآئِفَتَانِ ..} [الحجرات: 9] مثنى طائفة وهي مفرد في اللفظ، وإنْ دَّلتْ في واقعها على الجمع مثل كلمة قوم، تُجمع طائفة على طوائف.
وهذه الآية تقرر حكماً يتعلق بالحرب وضرورة الصلح بين الطائفتين المتحاربتين، حتى لا تستمر الحروب بين المؤمنين بعضهم البعض.
ونلاحظ هنا أن لفظ {طَآئِفَتَانِ ..} [الحجرات: 9] مثنى.
والقياس أن يقول: اقتتلتا لكن القرآن جمعها فقال: {ٱقْتَتَلُواْ ..} [الحجرات: 9] لماذا؟ قالوا: لأن الطائفة كتنظيم تتمثل في واحد، هو رئيس هذه الطائفة، لكن إذا دار القتال تقابل أفراد الطائفتين، فالقتال بمجموع الأفراد.
بدليل أنه لما تحدَّث عن الصلح عاد إلى لفظ المثنى، فقال: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..} [الحجرات: 9] لأن مجلس الصلح ليس بالضرورة أنْ يحضره جميع أفراد الطائفة، بل ينوب عنهم شخص واحد يعقد الصلح.{
فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ ..} [الحجرات: 9] أي: بعد أنْ تمّ الصلح وبغَتْ إحدى الطائفتين على الأخرى.
يعني: تعدَّتْ وتجاوزتْ الحدَّ في العدوان ولم تحترم الصلح {فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي ..} [الحجرات: 9] أي: لردعها {حَتَّىٰ تَفِيۤءَ ..} [الحجرات: 9] ترجع {إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} [الحجرات: 9] أي: إلى الحق.
وهكذا أصبح لدينا ثلاث طوائف، طائفتان اقتتلتا، وطائفة تحكم بينهما بالصلح، ذلك لأن المجتمع المؤمن في مجموعة مؤتمنٌ على هذه المهمة، مهمة الحكم بين المتخاصمين، ولديه ما يؤهله للعدل وعدم الميل أو اتباع الأهواء في عملية الصلح، وإذا لم تتوافر هذه الشروط في الحكم لا يتم الصلح، بل تتفاقم الأمور وتزيد تعقيداً.
ويكفي أن صاحب الهوى والميل في الحكومة بين الطرفين يسقط من نظر الجميع، حتى الفئة التي حكم لصالحها زوراً تمقته، لذلك قالوا عن شاهد الزور: ترتفع الرؤوس على الخصم بشهادته، وتدوس الأقدام على كرامته.
وقوله تعالى: {فَإِن فَآءَتْ ..} [الحجرات: 9] أي: بعد القتال وعادتْ إلى الصواب، فعودوا أنتم إلى الصلح {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ ..} [الحجرات: 9] والمعنى: لا تتركوا الفئة التي فاءتْ إلى الحق دون أنْ تُصلحوا بينهما، صحيح هي عادتْ إلى الحق لكن ما زال الخلاف قائماً فلا بدَّ من الصلح حتى لا تفرخ حرباً أخرى وتبقى جذور الخلاف تتأجج في الصدور فتشعل المعارك من جديد.
إذن: منعنا المعركة أولاً، ورددنا المظالم إلى أهلها، ونزعنا فتيل الحرب.
وكلمة {وَأَقْسِطُوۤاْ ..} [الحجرات: 9] من أقسط يُقسط فهو مُقْسط أي: اعدلوا بينهما {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] العادلين، وهناك قسَط يقسط فهو قاسط أي: جائر.
ومنه قوله تعالى:{ وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } [الجن: 15] فالهمزة في أقسط همزة إزالة.
أي: أزال الجور والظلم.


إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [١٠]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)
وهذه المسألة لها سبب، ففي حنين اختلفوا على شيء وتفاقم بينهم هذا الخلاف، حتى صار معركة خاصة بين سفهاء القوم منهم واستعملوا فيها الأسلحة الخفيفة مثل العِصيِّ وسعف النخيل والشماريخ، وقبل أنْ تتحول إلى حرب حقيقية بلغ الأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم:
"أصلحوا بين أخويكم".
ذلك لأن المؤمنين إخوة في النسب من آدم عليه السلام، وإخوة في الإيمان، وإخوة النسب أسبق وتبعها إخوة الإيمان، وهذا يعني أن للكافر حقَّ أخوّة النسب، وإنْ لم يكُنْ له حق في أخوة الإيمان.
لذلك نقول في إخوة النسب إخوة، وفي الإيمان نقول:{ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } [الحجر: 47] لذلك تكتمل الأخوة في إخوة الإيمان.
ويُروى أن معاوية دخل عليه حاجبه.
فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل يستأذن في الدخول، ويدَّعي أنه أخوك، فضحك معاوية وقال: خدمتني كذا وكذا ولا تعرف إخوتي؟ قال: هكذا قال لي، قال: أدخله، فلما دخل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ فقال: أخوك من آدم، فضحك معاوية وقال: رحم مقطوعة، والله لأكوننَّ أولَ مَنْ وصلها، وقضى له حاجته.
ولفظ الإخوة هنا يُقرِّب النفوس، ويُزيل ما بين الناس من طبقية أو عصبية، لذلك نجد الأسلوب القرآني حتى في مسألة القصاص في القتلى يقول:
{ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} [البقرة: 178].
يريد أنْ يُذكره أنه أخوه رغم ما بينهما من عداوة و شحناء، فالله يُرقِّق القلوب حِرْصاً على سلامة المجتمع المسلم، ولمنزلة الأخوة في العلاقات الإنسانية قالوا في الحِكَم: رُبَّ أخ لك لم تلده أمك.
حتى أن البعض يرى أن الإنسان حينما يتعثر في الطريق فيصيبه مكروه يقول: أخ.
كأنه يستنجد بأخيه، أي أخ له قريب منه يمكن أن يُسعفه.
وقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] أي: اتقوا الله في عملية الإصلاح بين الطرفين.
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] ترحمون من ماذا؟ تُرحمون من استمرار العداوات بين المؤمنين، وهذا يعني ضرورة إنهاء الخلافات قبل أن تستفحل وتتمادى، وفي استفحالها ضرر يصيب الجميع، يصيب الطرفين المتنازعين أولاً، ثم يتعدَّى إليكم.
حيث ترى كل طائفة أنكم تنحازون للأخرى.
إذن: من مصلحة المجتمع كله إنهاء العداوات وحقن الدماء بين المؤمنين.