التفكُّك الأسَري (الأسباب والحُلول المُقترحة)

المحتويات:
تقديم بقلم عمر عبيد حسنة.
التفكك الأسري الأسباب والآثار.
أولاً المنهج الإسلامي للحفاظ على الأسرة وعلاج مشكلاتها.
ثانياً أسباب التفكك الأسري.
ثالثاً أثار التفكك الأسري.
التفكك الأسري الأسباب والآثار.
التفكك الأسري العلاج والحلول.
الخاتمة.


تقديم بقلم عمر عبيد حسنة
الحمد لله الذي شرع وحدة الأصل البشري، وخلق الأنثى من الذكر، وأمر بالتقوى في العلاقة بينهما، وجعل هذه العلاقة تحت رقابته، ورتب على الإخلال بها مسئولية في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا) (النساء: 1)، وقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13).

وبتلك الشريعة ألغي التميز والتمييز والتعالي والكبر والتظالم، وألغيت جميع الفوارق القسرية التي لا يد للإنسان في وجودها أو نفيها كاللون والعرق والجنس والذكورة والأنوثة، وجعل ميزان الكرامة ومعيارها كسبيا -فالأكرم هو الأتقى- وليس حكراً على أحد، كما جعلت هذه العلاقة منبت الإنسانية وسبيل امتدادها وتشكلها وانتشارها من رحم واحد، ورتبت مسئولية كبرى على  العبث بالأرحام والظلم في العلاقات الإنسانية، واعتبرت الأسرة الأساس الأول أو الوحدة الأولى في هذا البناء الإنساني، كما اعتبرتها المركز الرئيس للتدريب عل العلاقات الاجتماعية وتوريث القيم، والنقل الثقافي.. فالأسرة النواة، هي محضن النمو والتنمية والتنشئة والتربية، فمنها ينمو العدد ويمتد، وفيها تنمى الخصائص الفردية والاجتماعية، وتحدد قسمات الشخصية الإنسانية، وتزرع البذور الأولى لمستقبل الحياة السلوكية.

والصلاة والسلام على الرسول المثل الأعلى، القدوة في مجال الزواج والأبوة والجوار والصداقة.. إلخ، القائل: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) (أخرجه الترمذي).

وبعد، فهذا كتاب الأمة الثالث والثمانون:
"التفكك الأسري.. الأسباب والحلول المقترحة"
يشارك فيه عدد من الباحثين من مواقع ثقافية وتخصصية متعددة وشبه متكاملة، في محاولة للنظر في الموضوع الواحد من زوايا مختلفة، علها تحيط به من كل جانب، فتكون قادرة على صناعة أو تشكيل رؤية تنمية وقائية علاجية، أو وضع دليل تعامل يحمي الأسرة وينميها ويقودها إلى الأفضل، أو هكذا أريد له أن يكون، حيث التخصص بالشريعة والعلوم  الإسلامية، والتخصص بعلم النفس، والتخصص في مجالات البحث الاجتماعي والخدمة الاجتماعية، وسيبقى الأمر مطروحا والملف مفتوحا لمشاركة تخصصات جديدة، وإضافات من التخصصات نفسها، ذلك أن الأسرة هي الوعاء الذي تنطلق منه جميع التخصصات وتعاود الانصباب فيه في الوقت نفسه.

ونحب أن نعتذر للأخوة الذين تقدموا لنا ببعض المساهمات عن إرجائها للمشاركة في ملف التفكك الأسري، وسوف نقوم بنشرها، إن شاء الله، عند استكمال بعض الجوانب الأخرى للموضوع.

ونستطيع القول:
بأنه بعد هذه الرحلة الثقافية في سلسلة “كتاب الأمة”، التي أصبحت تربو على الثمانين، والتي استطاعت بحمد الله الاستمرار ضمن الإطار الثقافي الذي رسم لها والمرجعية الشرعية التي تلتزم بها، واستنبات أقلام جديدة، أن السلسة قد وفقت إلى حد بعيد في تنقيبها عن الخامات والمعادن الثمينة وكشفها وإعادة صياغتها، كما إنها استطاعت أن تحقق بعض الهدف الذي اختارته وتوجهت إليه، حتى لا تبقى الساحة الثقافية الإسلامية وقفا على بعض الأشخاص الذين قد يكونون أعطوا ما عندهم، ولما يتغير الواقع كثيرا، وعلى الأخص في ظل هذه  المتغيرات المتسارعة جدا في المجال الثقافي، والتي تقتضي التغيير والتطوير في الوسائل والقدرة على توليد رؤى جديدة قادرة على التعامل مع هذا الواقع وامتلاك أدوات الحوار مع (الآخر)، مما يستدعي التنقيب عن مواهب وإمكانات جديدة إضافة إلى ضرورة الاستمرار في حركة النمو والتنمية.

فلقد كنا، ولا نزال، نرى بأن الأزمة التي نعاني منها على مختلف الصعد هي أزمة عدم وجود نخبة تتحقق فيها المرجعية الشرعية، وتتحقق لها التخصصات المتنوعة في الشعب المعرفية المختلفة بحيث تصبح قادرة على إحياء فروض الكفاية في الأمة واستردادها واستدعائها إلى ساحة المسئولية والهم الثقافي، كما تعاود تشكيل رؤيتها الاجتهادية بحسب فقهها الحالة، وتحديدها الاستطاعة محل الحكم الشرعي ومورد التكليف.

إن النخبة إذا توفرت لها الاختصاصات المتنوعة، وتحققت بالمرجعية الشرعية، تكون مؤهلة لوضع الأوعية الشرعية لحركة الأمة بحسب الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة، كما تكون قادرة على حل إشكالية الالتباس بين نصوص الدين الثابتة المعصومة وصور التدين التي يجري عليها الخطأ والصواب، وإلغاء الكهانة  الدينية التي تعتبر من علل الأمم السابقة المزمنة وسبب سقوطها الثقافي والحضاري.

إن فك الالتباس بين الذات والقيمة يفتح الباب على مصراعيه أمام المراجعة والمناصحة والمثاقفة والنقد والتقويم، والتجديد وإعادة المعايرة، دون هواجس ورعب فكري وثقافي.

نعاود القول:
بأن الأزمة التي نعاني منها هي أزمة نخبة قادرة على القيادة والحركة، والتحلي بالخبرة والحنكة والحكمة وحسن التقدير للواقع، وما يقتضيه من مواقف، والتخطيط لحس استثمار الاستطاعة ووضعها في مكانها، حماية للطاقات من الهدر والضياع، والنفوس من الإحباط واليأس، وليست أزمة أمة أكدت في كل الظروف انتماءها للإسلام، والتزامها بأحكامه، واستجابتها لندائه، وتحركها لتكاليفه، وتقديمها في سبيله تضحيات مقدرة يمكن أن تقارب تضحيات صدر الإسلام.

لذلك اجتهدنا، ولا نزال، أن نختار موقعنا في فعلنا الثقافي من خلال سلسلة “كتاب الأمة”، أن يكون خطابا -ما أمكن- للنخبة، في محاولة لإعادة تشكيل هذه النخبة عقل الأمة، وتجتهد في بعثها وإحيائها وإعادة فاعليتها واسترداد عافيتها.

ولعلنا نتطلع بعد هذه الرحلة الثقافية من محاولة بناء خطاب النخبة إلى نوع من التطوير والارتقاء إلى أفق أوسع مدى ضمن الإطار نفسه، حيث إننا لا نزال نعتقد أنه غائب بقدر أو بآخر عن الساحة الدعوية والثقافية الإسلامية، وأننا سبقنا إلى تقدير أهميته ودوره من قبل (الآخر)، ولذلك ندفع اليوم أثمانا باهظة، ونخلي الكثير من المواقع، الواحد تلو الآخر لخصومنا، لعدم تملكنا الأدوات المناسبة والمقنعة في معركة المدافعة الحضارية، حيث تمتد فينا مرحلة الخطباء، وتتجاوز مساحتها المؤثرة والمطلوبة، فنخطب إذا كتبنا، ونخطب إذا دعونا، ونخطب إذا تحدثنا، ونخطب إذا درسنا، وإذا حاضرنا، وإذا شاركنا (الآخر) في الندوات والحوارات والمقابلات، ونظن أن الحل برفع الصوت وسماكة الحناجر والاستزادة في المستويات كافة، ونقيم الأنصاب من الزعامات "الزعيم الأوحد الخالد"، وحتى في المجال العلمي تستغرقنا الروح الفردية والفرد الذي يفهم في كل شيء، وبذلك تزداد العطالة، ويكرس التخلف، وتبدد الطاقات، وتدفن المؤهلات والإمكانيات، ونخشى أن نقول: بأننا بذلك نحجر على فضل الله.

وليست هذه الفردية الثقافية، أو الحالة الثقافية التي نعاني منها، هي حالة خاصة متفردة عن غيرها من الفرديات الكثيرة، في المجال السياسي والتربوي والاجتماعي، حيث لا يمكن أن يتصور نمو ونضج في جانب وتخلف وعجز في الجوانب الأخرى، وإنما هي تداعيات يأخذ بعضها برقاب بعض، وإن كنا نعتقد أن التجليات السياسية والاجتماعية والتربوية والأسرية جميعا هي في الحقيقة مؤشرات على الخلل الثقافي، لأن تلك التجليات لا تخرج عن كونها صورا ومظاهر للثقافي.. من هنا آثرنا العمل بالعمق، وبدأنا بالأسرة التي تعتبر عمق العمق، أو المحضن والمنشأ الذي إذا تجاوزناه في عمليات التأصيل والتأسيس والتنهيج أصبحنا وكأننا نضرب في الحديد البارد.

ولا يضيرنا أن نعترف بأن التحول، أو النقلة من الأسلوب الحماسي الإنشائي الوصفي الرغائبي، إلى الأسلوب الهادئ العلمي الموضوعي التحليلي ليس بالأمر الهين، خاصة في مناخ ثقافي يضطرم بالخطابيات، ويتمحور حول استدعاء مواصفات أسلوب الخطبة وزعامة الخطبة مهما كان المجال المطلوب.

ونحن لا ندعي أننا، بما قدمنا، وسوف نقدنه، استوفينا  مواصفات خطاب النخبة، ذلك أن مثل هذا الخطاب بحاجة مستمرة إلى التأمل والترقي وحسن البصيرة للساحة ومتطلباتها ومصطلحاتها ومفرداتها، لأنه بطبيعته خطابي دينامي وليس سكوني، كما لا ندعي أن خطاب النخبة يشكل بديلا عن أساليب الوعظ والإرشاد والدعوة والخطبة وجميع أدوات وسائل خطاب الأمة، وإنما هو أساس مكمل له، لكنه لا يغني عنه.

نقول: بعد هذه الرحلة الثقافية، في إطار محاولة التوفر على تحقيق مواصفات خطاب النخبة، عقل الأمة وسبيل رشادها واستعادة فاعليتها وعافيتها، كان لا بد لنا من التفكير بنقلة نوعية أو محاولة ارتياد أمداء أخرى أو أفق آخر في المسألة الثقافية وعملية الإحياء والتجديد التي نتطلع إليها، وهي محاولة المرابطة عند بعض القضايا والظواهر، والتمحور حولها والتعمق بدراسة الأسباب المنشئة لها، والآثار المترتبة عليها، وإبصار الأقنية الموصلة لها، والمآلات والعواقب التي سوف ننتهي إليها، أو بتعبير آخر محاولة الإحاطة بعلمها، قال تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) (يونس: 39)..

وذلك بالنظر من الزوايا المتعددة، ومن خلال التخصصات المتنوعة ذات الصلة، إضافة إلى استطلاع الواقع الميداني لتحصيل الفقه بالدين، ومعرفة التأويل، أي الفقه بالقضية -بالمعنى الواسع للفقه وليس الاصطلاحي- وإدراك الرؤية المستقبلية (العواقب والمآلات)، والتعرف على السنن التي تحكم المسار، ومحاولة المداخلة تسخيرا ومدافعة لقدر بقدر، لعلنا نستطيع بذلك أن نقدم رؤية (رؤية النخبة)، ودليل عمل وتعامل، لمعالجة السلبيات وتنمية الإيجابيات وتحقيق الحماية من الإصابات المحتملة، للوصول بالأمة إلى العواقب السليمة، ومعاودة إخراجها للناس من جديد.

ولا ندعي بأننا نملك لوحدنا تحديد مواطن الخلل ووضع الحل الناجع، وإنما هي محاولة تأصيلية أو تأسيسية أو منهجية لكيفية دراسة القضايا والظواهر، وبالتالي كيفية التعامل معها، أو بعبارة أدق: هي محاولة تنهيج للفعل الإسلامي للبلوغ به إلى مرحلة الرشد.

ونحن بهذا التوجيه نحو الفقه والفكر الثقافي الجماعي، أو الاجتهاد الفكري الجماعي، لا نلغي أو نتجاوز الأنموذج الثقافي السابق أو المسيرة الثقافية لسلسلة “كتاب الأمة”، وإنما هي محطات ثقافية كبرى نتوقف عندها بعض الوقت، ونحاول فتح ملفها وبابها  على مصراعيه، بحيث يشكل ذلك عطاء متميزا، أو ذات سمات خاصة، من عطاء السلسلة.

ويأتي هذا التوجه نحو الفكر الثقافي الجماعي لاعتقادنا بوجود فراغ للمشروعات الثقافية الجماعية، وعن حاجة ماسة للبدء بفتح الملفات المشتركة، التي تشكل مفاصل أساس في جسم الأمة، ومحاولة منا لتقسيم العمل، وإيجاد المشترك، وبناء المحاور التي تخدم الموضوع، من خلال تخصصات متعددة، وتمرين الذهن الثقافي، وإعادة بناء القضايا الكبرى ومعالجتها من خلال الإحاطة بعلمها، كما أسلفنا، لنخلص الأمة من المراوحة في مكانها، وهدر طاقاتها، وتغييب الكثير من المواهب والإمكانات عن الساحة وإبقاء الساحة الثقافية وقفا على بعض الأفراد وبعض الأسماء.

وسوف نلاحظ هذه الحاجة وهذا الفراغ، الذي لم نمتلك -فيما نرى- أدواته الكاملة ولا منهجه النضيج بعد، من خلال ما نطرحه من محاولة قد تخطو وقد تتعثر ولا تبلغ الأعماق، كشأن سائر المحاولات الرائدة، لكن يشفع لنا أن الإصرار على استكمال أدواتها والصبر على ذلك سوف يؤذن بنجاحها، إن شاء الله، شأنها في ذلك شأن محاولة “كتاب الأمة” التي بدأت وسارت واستمرت إلى أن استوت على سوقها..

والملف الذي سوف نبدأ به في هذا الإصدار هو قديم جديد، أو جديد متجدد، إنه موضوع الأسرة، أو ملف الأسرة، وهو الملف الأقدم في حياة الإنسانية، أو في بدء الخلق وارتقائه ونشأته وامتداده، وحتى ينشئ الله النشأة الآخرة.

وتناولنا لملف الأسرة، وإدراك أهميته وخطورته وضرورة الاهتمام به، ليس جديدا علينا، وإنما كنا تناولنا جوانب منه في السلسلة، وعلى الأخص في كتاب "وثيقة السكان" وما طرحناه موضوعا لجائزة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني الوقفية العالمية، لسنتها الثالثة تحت عنوان "الأسرة المسلمة في العالم المعاصر"، وما كان من المساهمات المتنوعة في ثنايا ما عرضنا له في كتب السلسلة.

لكننا ما نزال نعتقد أن التمحور العالمي حول الأسرة واستهدافها، ومحاولة إخراجها كوحدة أساس من وحدات المجتمع المدني، واستبدالها بأنماط اجتماعية، وعقد المؤتمرات وتنوع طروحاتها وتعدد أساليبها، وما ترمي إليه من ابتداع أنماط وأشكال جديدة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تحطم الحواجز الأخلاقية، وتعارض القيم الدينية، وتنشر الإباحية باسم الحرية، وتشجع على التحلل باسم التحرر، حيث لم يكتف واضعو البرامج لهذه المؤتمرات عند حد  التشكيك في اعتبار الأسرة هي الوحدة الأساس للمجتمع، ومطالبة الوالدين بالتغاضي عن النشاط الجنسي للمراهقين، عن غير طريق الزواج، واعتبار ذلك من الشئون الشخصية، أو من الحرية الشخصية، التي لا يحق لأحد أن يتدخل فيها.

إن المحاولات اليوم مستمرة لتكسير حواجز الحياء والقفز فوق الكثير من الضوابط والقيم الدينية الأخرى أيضا، لينتهوا إلى أن مفهوم الأسرة بالمعنى الذي يشرعه الدين ليس إلا مفهوما عقيما، وقيدا على الحرية الشخصية، لأنه لا يتقبل العلاقات الجنسية الحرة بين مختلف الأعمار، ويشترط أن تكون بين ذكر وأنثى فقط، وضمن الإطار الشرعي، ولأنه لا يمنح الشواذ حقهم في تكوين أسر بينهم، ويتمسك بالأدوار النمطية للأبوة والأمومة والعلاقات الزوجية ضمن الأسرة، معتبرين أن ذلك مجرد أدوار وأشكال لا تخرج عن كونها مما اعتاد الناس ودرجوا عليه وألفوه، حتى دخل في طور التقاليد المتوارثة.

واليوم تستخدم جميع وسائل الإعلام وأدوات الاتصال للترويح والإقرار لأنماط أسرية بديلة، دون أدنى اعتبار للنواحي الشرعية والقانونية والأخلاقية، مثل زواج الجنس الواحد، والمعاشرة بدون  زواج، وإعطاء الجميع حقوقا متساوية، ووضع سياسات وقوانين تقدَّم دعما تأخذ في الاعتبار تعددية أشكال الأسر، إضافة للدعوة إلى تحديد النسل باسم تنظيم النسل، وتشجيع موانع الحمل، وتيسير سبل الاجهاض.

والحقيقة التي باتت لا تخفى، أن هذه المؤتمرات، أو هذه المؤامرات على الإسلام والمسلمين، إن صح التعبير، تعني بالدرجة الأولى استهداف الأسرة المسلمة، لأنها تعتبر من أواخر الحصون الإسلامية التي لما تسقط بعد، سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو القانوني، لذلك لا بد من إسقاطها وإغراقها في الفلسفات والممارسات التي سقطت فيها الأسرة في الحضارة والثقافة الغربية، وعند ذلك يتم إحكام السيطرة على الحصن الأخير، والأمل الباقي لغرس القيم والنقل الثقافي والتوارث الاجتماعي، ليمتد التحكم بالنطف والأجنة مستقبلا، إضافة إلى التحكم بالأحياء حاضراً.

فهذه المؤتمرات والمعاهدات، التي يدعى لها القضاء على كل أشكال التميُّز ضد المرأة، على تنوع طروحاتها، ترمي إلى انحلال الأسرة وبعثرتها وابتداع بدائل اجتماعية لها.

ونحن لا ندَّعي هنا أن الأسرة، بالمفهوم والبعد الإسلامي بشكل  عام، نجت من بعض الإصابات والاختراقات، ذلك أن بعض الأسر في العالم الإسلامي، أصبحت تمثل النماذج والمعابر الخطيرة لمفاهيم الأسرة وعلاقتها في الحضارة والثقافة الغربية.

والقضية التي لا بد أن نسارع إلى طرحها والتأكيد عليها، أن الأسرة في الحضارة الغربية تكاد تكون انتهت تقريبا، وتحللت من كل القيود والضوابط الخلقية، والروابط الاجتماعية، والعلاقات الأسرية والزوجية على حد سواء، حتى لقد وصلت إلى مستويات ترقى عنها وتأنف منها بعض فصائل الحيوانات غريزيا، إلى درجة يمكن معها أن ينال سجل الفضائح الجنسية أكبر الرءوس وأعلى المناصب، حتى بات الاعتراف بالزنا والخيانات الزوجية، والتبجح بذلك في التلفاز وأجهزة الإعلام، على مرأى ومسمع من الناس أمرا طبيعيا أو أكثر من طبيعي، وأصبحت لتجارة الجنس ومقاولات الدعارة مؤسسات عالمية، تجاوزت البالغين والمراهقين والشاذين من الجنسين بسبب ما ألحقت من إصابات مرضية رعيبة، أصبحت من الجوائح التي تهدد البشرية، لتدخل عالم الاعتداء على الأطفال، الذين لا يحملون هذه الإصابات، حماية من الأمراض.

أمَّا قضية ملايين المرضى وملايين الشواذ، الذين أثمرتهم  مجتمعات الإباحة والقيم الديمقراطية الغربية في المجال الاجتماعي باسم الحرية الشخصية، فحدِّث ولا حرج، حتى لقد اعتبر مؤلف كتاب: "أمريكا التي تخيف لا تخيف" أن أحد الألغام الاجتماعية الكبرى الثلاثة، التي سوف تنفجر، عاجلاً أم آجلاً، فتقضي على كل شيء هي قضية الجنس، التي تعمل في داخل المجتمع الأمريكي بقوة، وتقترب به من حافة الانفجار، حيث آثارها الاجتماعية أصبحت ماثلة أمام العيان.

إن التوجه صوب الأسرة لإعادة بنائها وفق المعايير الإسلامية، واسترداد جو المودة والرحمة، وحمايتها من التفكك والانهيار، ودراسة المشكلات التي تعاني منها على مستوى الذات والاستهداف القادم من (الأخر)، والذي مكن له تفريطنا الكبير، أصبح مطلوباً من جميع الفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية على حد سواء، الآخر لنهوض الصناعة الثقافية الثقيلة حقاً.

ذلك أن الكلام عن نهاية مرحلة الأسرة، وتجسيد ذلك في أفعال وقرارات ومؤتمرات ومعاهدات دولية تنتقى ألفاظها ومصطلحاتها بدهاء وخبث وتلغيم باطني، حتى لا تستثير ولا تثير ردود الفعل  والاستفزاز والتحدي فتؤدي إلى عكس مفعولها، وإرسال جيوش من الخبراء والمستشارين باسم مساعدة الدول النامية على النهوض، بات يملأ المواقع جميعا، ويلتقي كله في نهاية المطاف عند الأسرة، فليس المطروح عولمة الثقافة وعولمة المجتمعات ونهاية التاريخ، وإنما إنهاء الأسرة أو نهاية الأسرة، أو الاستنساخ الثقافي.

وقد يكون من المفيد أن نعرض لو سريعا لبعض الأرقام ذات الدلالة على مظاهر التفكك التي تعيشها الأسرة في الغرب، لأن الكثير من أبناء جلدتنا المسكونين بالحضارة الغربية لا يبصرون غيرها.

ونريد أن نؤكد على أن النداءات إلى دراسة الظواهر الاجتماعية، والوصول إلى إحصاءات رقمية، تعتبر مؤشرات على وجهة المجتمع ومستقبل الأسرة في الغرب ليست من فعلنا، لأننا دون تلك القراءة بكثير وإنما نمارس عملية النقل والقراءة لما يكتبون وما يتنبه له عقلاؤهم.

نشرت مجلة V.S.D الفرنسية في أحد أعدادها ملفاً حول المعاشرة الزوجية، ذكرت فيه حقائق مرعبة، نقتطف منها ما يلي:
نوع جديد من العلاقات بدأ يهدم حياتنا، إنه زواج المخادنة،  وتتلخص فلسفته في أنه بإمكاننا أن نُحِبَّ، أمَّا أن نعيش الاثنان حياة زوجية فلا.. إن عدد الفارين من الزواج والمُطلقين في ارتفاع مستمر، أكثر من 13 مليون حالة سنة 1981م، فماذا الآن؟! كذلك الأسرة ذات العائل الواحد ارتفعت، فبلغت 723000 عام 1975م، وأكثر من مليون عام 1981م.. وتعطي الدراسة الإحصاءات التالية: 155000 زواج غير شرعي، 63000 طفل غير شرعي في عام 1975.. في عام 1981م بلغت نسبة الزواج غير الشرعي 400000، والأطفال غير الشرعيين 100000، وأن 60% من الشباب الفرنسي يجهلون كل شيء عن آبائهم؟!

لذلك بدأت تتعالى الأصوات وتؤسس الجمعيات للمطالبة بالعودة إلى قيم العائلة في الغربي، أما نحن فقد تبدأ عندنا الآن مرحلة الانسلاخ والتقليد أكثر فأكثر، خاصة بعد التقدَّم الهائل في وسائل الاتصال وعرض النماذج والأمثال الرديئة التي لم نعد العدة لمواجهتها والتعامل معها.

إن عمليات الاستهداف ورياح السموم تهب علينا من كل جانب، وتستنبت في أرضنا، وتأخذ أشكالا متنوعة، وليس آخرها  شكل المؤتمرات والمعاهدات، والدراسات الميدانية، والخبراء والخبيرات، الذين في معظمهم يشكلون جسورا لمرور الجريمة، ومحاولة تغيير الأنماط الاجتماعية التي أتينا على ذكرها، والتفكير ببدائل هشة اجتماعيا ومخزية أخلاقيا بعد أن انهدمت قيم العائلة في الحضارة المعاصرة.

وتبرز خطورة الأمر أكثر فأكثر عندما لا يدرك بعض المسلمين ما هم فيه من نعم، بسبب غياب الوعي أو بسبب حالات خاصة عانوا منها فظنوا أنها عامة ترقى إلى مستوى المرض الاجتماعي، فيسقطون في الشرك المنصوب لهم ليتحولوا إلى جسور لنقل رؤى المفسدين في الأرض إلى مجتمعاتهم، قال سبحانه وتعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (الكهف 103 - 104)، حيث يراد للأسرة المسلمة أن تتحول حياتها من جو المودة والرحمة والطهر والعفة والاحتساب والتضحية والتوازن في العلاقات والحقوق والواجبات، والمتأتية من الالتزام بشرع الله، إلى لون من الثنائية المتناقضة التي تؤذن بالصراع بين الرجل والمرأة، والأبناء والبنات، والصغار والكبار، وهكذا.. قال سبحانه وتعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) (النساء: 89)..

لقد أدى اختلال المعايير والموازين في حضارة العصر الغالبة، إلى ضياع وفوضى في الملامح الشخصية للإنسان، حتى وكأن تلك الحضارة المعاصرة صارت تبحث عن الرجل في المرأة، وتبحث عن المرأة في الرجل.

ولقد أصبح من المسلمات الحضارية القول: بأن كل ما يلحق بنا من إصابات على الأصعدة المتعددة إنما هو بسبب منا، قال تعالى: (قل هو من عند أنفسكم) (آل عمران: 165).

وإن فساد ذات البين عند (الآخر)، الذي بات يشكو هو منه، دفعه إلى التطلع للسكينة والمودة والدفء، والحميمية التي تتمتع بها الأسرة المسلمة، حتى أن رجالهم ونساءهم بدأوا يتطلعون إلى الزواج من غير بلادهم، ويحاولون البحث عن سر امتداد ذلك في الحياة الإسلامية.. ونعتقد أن الفساد في داخل مجتمعاتنا وأسرنا اليوم إنما هو يمتد بمقدار ما نحدثه من فراغ وجنوح عن القيم الإسلامية يسمح بتمدد (الآخر).

لذلك، فالواقع الأسري اليوم يقتضي الكثير من المراجعة والشجاعة في النقد، وتحرير التعاليم الشرعية من التقاليد الاجتماعية الفاسدة التي تمارس باسم الدين، واسترداد دور المرأة التي تعتبر  أم الأسرة وركيزتها، وإعطائها ما أعطاها الله وبينه رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإعادة تعليمها وتثقيفها لتمارس مهمتها الأساس في التربية والتنمية الاجتماعية -والتربية هي التنمية الحقيقية- عن وعي وبصيرة، إذ كيف يمكن أن تربي أبناءها دون معرفة وعلم؟! وكيف تستطيع أن تعدهم لمجتمع لا تدركه، ولا تتحقق بكيفية التعامل مع مشكلات لا تعي أسبابها؟!

واللافت للنظر حقا أننا عندما ننظر في أسباب التفكك الأسري تحكم رؤيتنا خارطة مسبقة لا تزال تتكرر وتذكر من عقود طويلة، دون أن تساهم بوضع حد أو علاج ناجع للمشكلة، ودون أن تدعونا لإعادة النظر، مع أن التفكك يزداد اتساعا، ورسالة الأسرة ودورها يزداد انكماشا، والإقدام على بناء الأسرة بدأ يتضاءل.. فهل المشكلة حقا في غياب الأب، أم في أهلية الأب وإدراكه لمهامه؟! فقد يعيش الأب في غيبوبة أسرية وهو حاضر يعيش بين أفراد الأسرة.. وقد نجد أسرا متماسكة متعاونة متكافلة، اعتبرت غياب الأب، الذي قد يعتبر عبئا على الأسرة، محرضا على التماسك والشعور بالمسئولية.

وهل المشكلة حقا بغياب الأم لساعة طويلة عن البيت، أو عمل  الأم، وعدم تفرغها للتربية؟! وهل تفرغها للتربية يقتصر على البقاء في المنزل دون مؤهل؟! فقد نجد أسرا لأم عاملة أفرادها أكثر اعتمادا على النفس وتعاونا وشعورا بالمسئولية من كثير من الأمهات الحاضرات الغائبات الجاهلات بمسئوليتهن! وهل وجود المرأة غير المؤهلة للتربية وغير المدركة لطبيعة المشكلات والظروف الاجتماعية، التي تعد أبناءها للتعامل معها، يحول دون التفكك الأسري، حيث يصبح وجود المرأة عبئا بحد ذاته، وتصبح طاقاتها عبئا عليها، وعلى الأخص عندما تتحول مهمتها التربوية إلى الخدم؟! وهل الطلاق الذي شرع حلا وعلاجا يتحول عند التعسف في استعماله ليصبح مشكلة وسببا في التفكك؟!

والحقيقة أن الموضوع دقيق وخطير، ولا ينفع معه التبسيط والاقتصار على ذكر الأسباب التقليدية دون سبر غور المشكلة والتعرف على جميع وجوهها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أسباب التفكك الأسري ليست ثابتة ولا جامدة، وإنما متحركة في أثرها وتأثيرها حسب الظروف والتطورات، لذلك لا بد لها من عين فاحصة تلمح أبعادها وتدرك دور الأسباب الجديدة والمتجددة..

ذلك أن التقنيات الحديثة، من فضائيات، وفديو، وكمبيوتر، وإنترنت أوجدت لكل فرد في الأسرة جوه الخاص، أو الجو البديل، والمناخ البديل عن مناخ الأسرة، وإن كان ضمن الأسرة نفسها، فلكل مجتمعه، ولكل موارده التربوية والثقافية، ولكل خياراته.. والأسرة بدأت تتحول شيئا فشيئا إلى مجمع سكني، أو مبنى فندقي، أو مطعم متعدد الوجبات والزبائن، إضافة إلى التقاليد والعادات والمسلسلات التي تحمل معها نماذج رديئة للعلاقات الزوجية، والخيانات الزوجية، وتغري بالاقتداء بها، عدا عما يقدم للأطفال ويشكل خيالاتهم، ويعبث بعواطفهم، وينمي بعض الخصائص النفسية التي قد تتحول لتكون وباء عليهم وسبيلا إلى الجنوح والجريمة.

لذلك فإن ملف التفكك الأسري ملف كبير وكبير جدا، يتطلب مجموعة تخصصات ومجموعة جهود، فقد أصبح لا مندوحة من التعامل معه من خلال وضعه ضمن السياق الثقافي والتربوي العالمي، انطلاقا من القيم الإسلامية، وامتلاك القدرة على توليد رؤى لكيفية العمل والتعامل، ذلك أن إغلاق الأبواب والنوافذ لم يعد بمقدورنا..

ونحن هنا لا نريد التهويل الذي يقود إلى العجز والاستحالة، ومن ثم الاستسلام، في مقابل التهوين وعدم المبالاة والتكذيب بالنذر، وإنما نريد تصويب منهج النظر، وتصويب المسيرة، فمهما كانت خطواتها وئيدة وسرعتها بطية تبقى خطوة في الاتجاه الصحيح.

وهنا قضية لا بد أن نتوقف عندها بهذه المناسبة، فلقد تحدثنا في أدبياتنا وخطبنا كثيرا عن مكانة المرأة المسلمة وحقوقها في الإسلام، دون أن نراجع حالة المرأة والأسرة في واقع المسلمين، وجاء ذلك في معظمه على حساب تنمية المرأة في الحقيقة، وأصبح لا بد لنا اليوم من التحول ببعض الحديث عما أعطى الإسلام المرأة من حقوق وواجبات إلى مراجعة واختبار صور التدين بالنسبة للمرأة، ومدى تمتعها بهذه الحقوق والواجبات.

ونطرح على أنفسنا السؤال الكبير:
هل أعطينا المرأة فعلاً ما أعطاها الإسلام؟
وهل تتميَّز الأسرة المسلمة بتربيتها وعطائها ومودَّتها ورحمتها عن غيرها في عالم اليوم، بحيث تثير الاقتداء؟
أم أن الأشكالية قد تكون في افتراق بالعناوين وانطباق بالمضامين؟!


ذلك أن الأمور إذا استمرت في الانحدار عما هو عليه فإنها تنذر بسوء العاقبة، والعياذ بالله.. فعلى الرغم من التقدَّم التقني والارتقاء المدعى بوسائل التربية والمعرفة، فإن ذلك ما يزال يترافق بانهيارات وتراجعات وتصدعات في البناء الأسري، وارتفاع نسبة الطلاق، والعزوف عن الزواج، إلى بدائل من العلاقات الاجتماعية غير المشروعة.

ومن هنا يتبيَّن خطورة النقل الثقافي والاغتراف الأعشى من حضارة (الآخر)، أو من أمراضها، ويتأكد من جديد خطورة التهاون بالقيم الإسلامية في البناء الحضاري.

نعاود القول:
لا بد لنا من العودة إلى دراسة شجاعة وجريئة لواقع الأسرة المسلمة، والاعتراف بالخلل الذي لحق بها، وعدم التستر على أمراضها، لأن ذلك سبيل العلا، كما لا بد من دراسة أسباب التفكك التي بدأت تتسرب إلينا، ومعالجة تلك الأسباب، وعدم التستر على هذه الألغام الاجتماعية، القادمة باسم الحرية والانفتاح، التي تنذر بسوء العاقبة، سواء من الذين يحاولون اقتفاء آثار الحضارة المعاصرة، ويعتبرون عدم تقليد الغرب هو سبب المشكلة والتخلف، أو من الذين يتوهمون أنهم في عافية ولا يبصرون النار الكامنة تحت الرماد، ويدركون أن العناوين غير المضامين، والصورة غير الحقيقة..

لا بد أن نتخلص من روح الحماس، ونتحول إلى عقلية الاختصاص، ومن منهج الوصف إلى منهج التحليل والدراسة وكشف الأسباب، ومن الفرديات والنظر ذي البعد الواحد إلى استصحاب الرؤية الجماعية وتوفير المعرفة المتعددة في النظر للموضوع.

ذلك أن أسباب التفكك الأسري كامنة في الذات المسلمة اليوم، التي باتت تفتقد معاييرها وتعتمد التقاليد الاجتماعية محل التعاليم الشرعية، وتتهاون في بناء الأسرة وفق المعايير الإسلامية، اختيارا واستمرارا وعلاجا، ومعرفة رسالتها، وتفتقد القيم الإسلامية في الاحتساب، والإيثار، والرحمة، والمودة، والعفو، والإحسان، والعدل، حيث تحولت الأسرة إلى بؤرة للصراع.

إن الأسباب الذاتية للتفكك هي التي تستدعي وتمكن (الآخر) من نقل أمراضه إليه، حتى إذا ما استعصيا عن الذاب إليه وزيارة حضارته وثقافته أتى إلينا، وإذا أفتينا بحرمة زيارة بلاد الكفر يؤتى بالكفر إلينا، وإذا فررنا عن الذهاب إلى الملاهي تفتح الملاهي على بيوتنا في الفضائيات أو الفضائحيات، التي أصبحت تتسلل إلينا وتحتل الهواء الذي نستنشقه..

لذلك نعتقد أن الخطب جلل والأمر عظيم، ولا بد من النظر لموضوع الأسرة والمرأة وثقافتها الغائبة، والطفولة ومراحل نموها ومشكلاتها، من خلال السياق العالمي، والتبصر بموضوع الأسرة إلى أين، والتفكير بكيفية التعامل.

فليس الانكفاء على الذات أصبح بعد الآن ممكنا، ولو أمكن في بعض الحالات الفردية فسوف لا يخرج إلا معوقين يعانون من غربة الزمان والمكان.. وليس الارتماء على (الآخر) وإلغاء الذات حلا، وإنما إلغاء واقتلاعا وخروجا من الحضارة.

إن طروحات نهاية التاريخ، استدعت التفكير بنهاية الأسرة، ونهاية الخصوصيات الثقافية جميعا، حيث بدأ عصر الاستنساخ الثقافي والحضاري، فكيف نتعامل معه؟ ذلك أن لغة الرفض واللعن وخطب الإدانة والاستهانة بـ (الآخر)، والعجز عن توليد رؤى ناجعة من القيم الإسلامية للتعامل وإثارة الاقتداء والإنقاذ الحضاري، سوف لا يجدي شيئا، بل يكرس الحالة الغثائية الواهنة، التي تفتقر إلى الثبات والاستقرار والمكث في الأرض والعطاء الحضاري.

وبعد:
فالكتاب الذي نقدمه، محاولة في الاتجاه الصحيح -فيما نرى- وإن كانت ما تزال تحبو على الطريق الطويلة، فقد توفق بعض  مسعاها وقد يعوزها بعض التوفيق، وحسبنا أننا فتحنا ملفا يعتبر من أخطر الملفات إن لم يكن أخطرها، لأن الأسرة هي الحصن الباقي، وأن الهزيمة عندها تعتبر الحالقة، فهي الوحدة الاجتماعية الأولى، وهي الرحم والمحضن الذي تتخلق فيه جميع الأنشطة والفعاليات، والأسرة المسلمة على ما أصابها ما تزال مستعصية عن التذويب رغم المحاولات الكثيرة.

ولا نذيع سراً إذا قلنا:
بأنها كانت تاريخياً المعقل والرابط الذي احتفظ بالقيم والتعاليم الإسلامية بعد أن أفسدت المؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية والسياسية وأريد للأجيال أن تخرج على حضارتها ودينها.

ولا ندَّعي بمحاولتنا هذه أننا تجاوزنا فتح الباب ووضع سهم لتحديد التوجه صوب هذا الموضوع الخطير والأهم، الذي يقتضي أعمالا ثقافية جماعية واختصاصات معرفية وميدانية متعددة، حيث نعتقد أنه لا بد من توليد رؤى معاصرة من القيم الإسلامية، والنظر إلى مشكلاتنا من خلال معاييرنا وثقافتنا، وليس تقويم واقعنا الثقافي والاجتماعي من خلال قيم حضارية أخرى، حيث  أخفقت كل المعالجات التي حكمها التقليد على مستوى الذات أو على مستوى تقليد (الآخر).

إن الأسرة المسلمة استطاعت أن تحتفظ بالخمائر الأصلية للقيم الإسلامية لما يقرب من مائة سنة في القرن الماضي، في أكثر من بلد من بلدان العالم التي اجتاحتها رياح السموم والاقتلاع، وتعاود نشرها من جديد، بعد أن أريد لبعض المجتمعات استبدال قيمها بالتغريب والمركسة والعلمنة.. فهل ندرك دور الأسرة، ونعاود البناء لهذا الحصن بدراسات موضوعية تبصر الجوانب جميعا وتحيط بعلم الأمور المطروحة حتى لا تكذبها أو تكذب على أنفسها: (بَلْ كذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) (يونس: 39).

والله ولي المتقين.