القاعدة السابعة والثلاثون: لَا تُلْهِكُمُ الدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ 3710
القاعدة السابعة والثلاثون: لَا تُلْهِكُمُ الدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ
أ.د. ناصر بن سليمان العمر
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
 
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: 9).
بَيَّنَ اللهُ عز وجل شيئًا مِنْ خَصائصِ الطَّبيعةِ البَشَرِيَّةِ فِي سورةِ آلِ عِمْرَانَ بقولِهِ: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: 14-15)، وفِي آيَةِ ”المنافقونَ“ تنبيهٌ إلَى أنَّ هذهِ الطبيعةَ البشريةَ قدْ تَكوْنُ سببًا في إبعادِ المرْءِ عَنِ الآخِرَةِ، فالأولادُ يُلْهُوْنَ، والزوجةُ تُلْهِي، والزوجُ يُلْهِي أيضًا، فاللهُ يُحذِّرُنَا مِنْ ذَلِكَ.

إنّ ممَّا يُلحَظُ أنَّ بعضَ النَّاسِ يكونُ علَى خيرٍ وصلاحٍ واستقامةٍ وعبادةٍ، وقدْ يكونُ صاحبَ دعوةٍ، فَإِذَا تَزَوَّجَ ضَعُفَ، وإذَا رُزِقَ الأولاد ازدادَ ضَعْفُهُ، فهَذَا في الحقيقةِ تَحقَّقَ فيه مَا حذَّرتْ منهُ الآيةُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، فَأَلْهَتْهُ الدنيا عنْ ذكرِ اللهِ، وليسَ المرادُ الذكرَ باللسانِ فحسْبَ، بلِ الذِّكْرُ كلُّ مَا يَتَعلَّقُ بطاعةِ اللهِ والعبادةِ والدعوةِ وفعلِ الخَيْرِ.

والبعضُ يُخَيَّلُ إليه أنَّهُ معذورٌ إنْ وَقَعَ منهُ ذلكَ لأنَّه يَسْعَى لتحقيقِ سعادةِ أولادِه، وهوَ أمرٌ مشروعٌ بِلَا شكٍّ، لكنْ يفوتُه أنَّ هَذَا لا يَنْبغِي أنْ يَكُونَ بمَا يُلهيهِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ -عز وجل-، فينبغِي الحَذَرُ أنْ يكونَ الأولادُ أوِ الزوجةُ أو الزوج أو طلبُ المالِ والدُّنيا سببًا لهذَا المآلِ الوَبِيْلِ: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

وفي تقديمِ المالِ في الآيةِ نُكتَةٌ بَديعةٌ، إذْ فِتنتُهُ عظيمةٌ، ولِهَذَا كانَ فِي تقديمِه مزيدُ تحذيرٍ منْهُ، فكمْ منْ أُناسٍ كانوا عَلى خيرٍ وصلاحٍ عنْدمَا كانتْ أموالُهم قليلةً، فلمَّا أَكْرَمَهُمُ اللهُ بالمالِ بَدؤوا يَبتعِدُون شيئًا فشيئًا عنِ الدَّعوةِ والعلمِ حتَّى ألهتهمْ عنْ ذكرِ اللهِ.

ومنَ العجيبِ أنَّ بعضَ مَنْ كانَ يُعرَفُ بِطاعةِ اللهِ وِبالدَّعوةِ إليهِ والصبرِ والاحتسابِ، بل بعضهم أُوذِيَ في اللهِ، فلمْ تتغيرْ حالُهُ، فلمَّا رَزَقهُ اللهُ المالَ الذِّي كانَ يَجبُ أنْ يَتَقَوَّى به علَى طاعةِ اللهِ وأنْ يَزيدَ بسبِبِهِ مِنْ شُكْرِهِ، إذَا به ينشغِلُ بمالِهِ ويَنْهَمِكُ فِي أعمالِه، ولمْ يَكْتَفِ بِهَذَا، بلْ بَدَأَ يَرْتَكِبُ المحرماتِ، ولا يتورع عن بعض العقود المشبوهة مِنْ أَجْلِ تنميةِ مالِهِ وتِجارتِهِ، وَمَنْ خُتِمَ لَهُ بِذلكَ: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

فَمَنْ فُتِحَتْ عليهِ الدُّنْيا وَرُزِقَ بالمالِ والزوجةِ والأولادِ، عليهِ أنْ يَحْذَرَ أنْ يَكونُوا سَبَبًا لصدِّهِ عنْ ذكرِ اللهِ، فيُصبِحُوا لَهُ أعداءً كمَا فِي قوله تعالى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن: 14).

أمَّا الْمُوفَّقُ فهوَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِمَا رَزقَهُ اللهُ علَى طاعةِ اللهِ، وهذَا موجودٌ مشاهَدٌ والحَمْدُ للهِ، فَهناكَ مَنْ زادَ مالُهم فازدادتْ عِبادتُهم وزادَ صلاحُهم وأَسْعَدُوا أولادَهم واستخدموهُم في طاعةِ اللهِ، وأعانوا المحتاجين، وبذلوا في مشاريع الدعوة، ولسان حالهم يقول: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا: (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (الإنسان: 9-10).

والخَسارَةُ قدْ تكونُ عاجلةً فِي الدُّنيا وقدْ تكونُ مؤجلةً فِي الآخرةِ، وَمِنَ الخَسارةِ العاجلةِ عدمُ الاستقرارِ في البيتِ، والضنكُ في الحياةِ وفي المعيشةِ، والتَّوَتُراتُ والخِلافاتُ والشِجار داخلَ الأُسْرةِ؛ فإنْ وُجِدَتْ هذهِ الحالُ فلنْ تُغني الملايينُ عنْ أصحابِها شيئًا، وقدْ حَدَّثَنِي منْ يَملِكُ قصرًا بالملايين، قَالَ: أتمنَّى واللهِ غرفةً لا تَتَجاوزُ مساحتُها أربعةَ أمتارٍ فِي أربعةٍ في مقابلِ أنْ أنامَ سعيدًا هانئًا بدلَ عيشِ الضَّنْكِ، الذِي وَجَدْتُ مِنْ أسبابِهِ تقصيرَهُ فِي حقِّ اللهِ عز وجل، لحرصِهِ علَى إسعادِ أولادِه.

ومِنَ الخسارةِ العاجلةِ أيضًا أنْ يخْسَرَ زوجَه أوْ أولادَه، فَمِنْ أَشَدِّ مَا يُؤذِي الإنسانَ أنْ يرَى ابنَه وقدْ أَصْبِحَ خَصْمًا لهُ، يُعادِيه ويُبغِضُه ويُؤْذيهِ، وكذلكَ الزوجةُ، رَغْمَ أنَّه قدْ يكونُ يُغْدِقُ عليهِم مِنَ المالِ وُيلبِي طلباتِهم، ولكنْ إنْ كانَ هذا فيما حَرَّمَ اللهُ، فقدْ تَعَجَّلَ عقوبتَه فِي الدُّنيا، ويُبْتَلَى بهِم ويعيشُ بسبِبِهم في تعاسةٍ وشقاءٍ.

فالآيَةُ واضحةٌ، ويجب أن نتخذها قاعدة عظيمةً في حياتِنا وفي بيوتِنا: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، والحلُّ أَكَّدَتْهُ آيةُ آل عمرانَ: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران)، فالَّتقوَى مِفْتاحُ كلِّ خيرٍ، جَعَلَنا اللهُ مِنْ أهلِها.

المصدر:
http://www.almoslim.net/tarbawi/291086