(8) مدينة طراباني:
وصلنا هذه المدينة بعد سبع ساعات وهي إحدى موانئ جزيرة صقلية الغربية، ولم تمكث الباخرة بها سوى ثلاث ساعات؛ فلذلك لم أتمكن من النزول إليها ومشاهدتها ولكنها ذات مناظر جميلة، وحدائق غَنَّاءَ على صِغَرِهَا، وهي آخرُ ميناء مررنا بها في طريقنا من موانئ إيطاليا.

وهنا يجدُرُ بي أن أقول كلمة عن جمال الطليان الطبيعي والمُصطنع؛ إذ لا بأس من ذلك شأن السَّائح الذي يصف كُلَّ ما يراه عرضًا كان أو جوهرًا في سياحته؛ إذ كان القصد عِلْمُ المَرْءِ ما لم يكن يعلم من أحوال الأمَمِ الأخرى في كل الشُّئُونِ والأحوال، وعليه أقول:

يَقُولُ الشَّاعِرُ العَرَبِيُّ فِي وَصْفِ جَمَالِ العَرَبِ:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
أفدي ظباء فلات ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ومن هوى كل من ليست مموهة

تركت لون مشيبي غير مخضوب

هذا الشاعر يمدح جمال قومه الطبيعي غير المجلوب بالصّنع فما بالك إذا أُضِيف إلى الجمال الطبيعي الجمال المجلوب، لا شك في أن يكون الجمال بهذه الصفة أدعى للصبوة وأجذب للقلوب كذلك تفعل أمَّة الطليان؛ لأن الجمال فيها كما هو في العرب طبيعي، ولكنها تزيده بالتنميقات الأخرى في تصفيف الشعر، وحُسْن الأزياء، والتفنُّن في الخلاعة، حتى إنك ترى الفتاة الطليانية تمشي كأنها الغصن يرنِّحه النسيم أو السكران لعبت بمشيته الشمول، إذا رَنَتْ بمُقلتها سلبت العقول، ونهبت الأرواح، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أستعير كُلَّ وصف للجمال، ونطق به الشعراء قديمًا وحديثًا فأصف به جمال الجنس اللطيف الطلياني، وإن كان في أمَمِ العرب مَنْ يُشاركُها في هذا الوصف فتكون أمَّة الفرنسيس والإسبان، والأخرى أقرب؛ لأنها جمعت بين الجمال الإفرنجي والحُسْن العربي فما ألطفهما إذا اجتمعا!
•••
ثُمَّ أقلعت الباخرةُ من طراباني قاصدةً تونس مباشرةً وهي تبعد عنها بمقدار خمس عشرة ساعة تقريبًا.

ولَمَّا وصلتُ إلى تونس كان في انتظاري أحَدُ الإخوان الذي خَاطَبْتُهُ بِحُضُورِي، وقد اخترتُ أنْ أنزل في أحَدِ الفنادق رغم دعوة الكثيرين من أفاضل التونسيين للنُّزُول في ضيافتهم مع ما هم عليه من كَرَمِ الأخلاق، وحُسْنِ وِفَادَةِ الضَّيْفِ، وقبل أن أقول كلمة في ذِكْرِ ما شاهدتُهُ في أثناء وجُودِي بهذه المدينة أذْكُرُ شيئًا مُختصرًا عن تاريخها لِمَا في ذلك من الفائدة فأقول: