التقارب الصوتي ليس تقاربًا في المعنى
التقارب الصوتي ليس تقاربًا في المعنى Ocia1705
زعم بعضهم أن الحجَّ معناه الحَكَّ! وأن الشهرستاني قد ربط في كتابه "الملل والنحل" بين (الحكِّ، والاحتكاك) من ناحية، و (الحَجَّ) من ناحية أخرى؛ حيث ذكر أن النساء كُنَّ يَحْكُكْنَ فروجهنَّ بالحجر الأسود حتى في أوقات حيضِهِنّ.

وهذا زعم باطل فاسد من وجوه:
الأول: قوانين اللغة والواقع اللغوي:
فإن من بدهيات علم اللغة أن التقارب الصوتي ليس بالضرورة تقاربًا في المعنى، وقد بنى مثير هذه الشبهة دعواه على وجود تقارب صوتي بين الحجِّ والحكِّ، حيث الجيم والكاف مخرجهما من حَيِّز واحد.

ولو صَحَّت هذه الدعوى لكان هناك تقارب (أو تماثل على زعمهم) في المعنى بين كل من:
أَكَل ـ أَجَل.
رَكَل ـ رَجَل
نجح ـ نكح... إلخ.

وهذا لا يقوله عاقل ناهيك عن أن يكون عارفًا بقوانين اللغة.

كذلك فإن الواقع اللغوي، أي الاستعمال الفعلي للفظين (الحجّ والحكّ) يقطع بعدم وجود أي علاقة بينهما، وسوف ننقل كل ما يتعلق بالمادتين (ح ج ج)، (ح ك ك) لنرى ما أوردته المعاجم اللغوية في هذا الصدد.

ولنطالع معًا:
الحج: القصد، والكفُّ، والقُدُوُمُ، وسَبْرُ الشَّجَّة بالمحجاج: للمِسْبَار، الغلبة بالحُجَّة، وكثرة الاختلاف والتردد، وقصد مكة للنسك، وهو حاج وحاجج، والجمع: حُجَّاج، وحجيج وحَجٌّ، وهى حاجَّة من حواجّ، وبالكسر الحِجّة: الاسم، والحِجة: المرة الواحدة، (شاذ؛ لأن القياس الفتح)، والسَّنَة، وشحمة الأذن، الحَجّة: خرزة أو لؤلؤة تتعلق، وبالضم الحُجَّة: البرهان، والحِجَاج: الجَدِل، وأحججته: بعثته ليحج، وحجَّةِ الله لا أفعل، بفتح أوله وخفض آخره: يمين لهم، وحَجْحَج: أقام، ونكَص، وكفَّ، وأمسك عما أراد، والحَجَوَّج: الطريق يستقيم مرة ويعوجُّ أخرى، والْحُجُجُ: الطرق المحفرة والجراح المَسْبُورة، والحَجَاجُ: الجانب، وعَظْم ينبت عليه الحاجب، وحاجب الشمس، وأحجُّ: أحق، وحجّاج: اسم، والتحَاجّ: التخاصم.

هذه هي معانى كلمات مادة (ح ج ج) كما وردت في المعاجم، حتى التي ألَّفها غير المسلمين لم تذكر خلاف هذه المعانى، فمن أين جاء الشهرستانى ـ إن صحت نسبة هذا النص إليه ـ بهذا المعنى، الذى انفرد به، ولم يقل به أحد غيره.

ولنأتِ إلى مادة (ح ك ك)، حيث نجد:
الحكُّ: إمرار جِرْم على جِرْم، وتحاكّ الشيئان: اصطكّ جرماهما فحك أحدهما الآخر، واحتك بالشيء: أي حَكّ نفسه عليه، والحِكَّة: الجرَب، والحُكاكة: ما تَحَاكَّ بين حجرين إذا حَكّ أحدهما بالآخر لدواء ونحوه، والتحاكّ: التساوى في الشرف، والحاكّة: السَّنُّ؛ لأنها تحك صاحبتها أو تحكّ ما تأكله، والتحكك: التحرش والتعرض، والمحاكّة: كالمباراة، وحكَّ الشىء في صدرى وأحك واحتكّ: عمل، والأول أجود، والحكّاكات: ما يقع في قلبك من وساوس الشيطان، والحَكَكُ: مشية فيها تحرك شبيه المرأة القصيرة إذا تحركت وهزت منكبيها.

فهل هناك إشارة من قريب أو بعيد إلى ما ادَّعى أصحاب هذه المزاعم من أن النساء كُنَّ يفعلْنَ هذا الفعل القبيح في أطهر الأماكن، وأقرب ما يكون فيها المرء من ربّه.

الثانى:
الواقع نفسه: فنحن لم نسمع منذ الأَزَل ولم نر هذا الفعل من حُجَّاج بيت الله الحرام، فإن كان هذا المدعى قد رأى هذا فلِمَ لمْ يُطْلِعَنا عليه أو يصوره لنا، أو يَدْعُنَا إلى مشاهدته؟

الثالث:
لعل مُرَوِّجَ هذا الزَّعم الفاسد قد ربط بين الحج في الإسلام وبين ما كان عليه أهل الجاهلية؛ فقد كانوا يحجُّون عَرَايَا؛ لأنهم كانوا يعتقدون عدم صحة الطَّواف في ثوبٍ عصى الإنسانُ فيه ربَّه، وكان النسوة يفعلْنَ، فيضعْنَ أيديهُنَّ على مواطنَ عوراتهن.

وتقول الواحدة منهن:
اليَومُ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهْ *** وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهْ

فجاء الإسلام ورفض هذه العادات رفضًا قاطعًا، فقال عز وجل: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة: 28، وفى الحديث: "فلا يَحُجَّنَّ بعد اليوم مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيت عُرْيَان".          

أفيصح بعد هذا أن نربط بين عفن الجاهلية، وطُهْر الإسلام؟.