عش رجباً... ترى عجباً!
عش رجباً... ترى عجباً! Ocia1247
عش رجباً بعد رجب، فسيظهر لك في الحياة العجب، ولربما كان كل إنسان بحاجة إلى الاستشهاد بهذا المثل ذات يوم؛ لأن الحياة في مسيرتها المتجددة لا يمكن أن تخلو من العجائب في كل الجوانب العقدية والدينية والاجتماعية، فمن قدر الله له العيش في الحياة عمراً طويلاً فسوف يرى من تقلب أحوالها ما يثير العجب

يتجدد هذا المثل السائر:
"عش رجباً... ترى عجباً..." على مدار الزمان والمكان.

وروي عن الحارث ابن عباد، وكان ذا مكانة وملك في قومه، حيث طلق إحدى زوجاته من بعد ما تجاوز في العمر وأصابه الخرف، فتزوجها بعده رجل كانت تظهر له من المودة والحب ما لم تكن تظهره لزوجها الحارث من قبل، فلقي زوجها الحارث ذات يوم فأخبره بمنزلته الكريمة من زوجته، فقال الحارث: "عش رجباً... ترى عجباً".

والمعنى:
عش رجباً بعد رجب، فسيظهر لك في الحياة العجب، ولربما كان كل إنسان بحاجة إلى الاستشهاد بهذا المثل ذات يوم؛ لأن الحياة في مسيرتها المتجددة لا يمكن أن تخلو من العجائب في كل الجوانب العقدية والدينية والاجتماعية، فمن قدر الله له العيش في الحياة عمراً طويلاً فسوف يرى من تقلب أحوالها ما يثير العجب.

فحينما تقرأ مقالات بعض الكتاب الذين تعيش أقلامهم على السب والشتم والنيل والتعصب والتهوين من نجاحات الآخرين، وانتقاد الآراء المتوازنة تشعر حينها - أنك تردد قول الحارث ابن عباد: "عش رجباً... ترى عجباً"، يعد شهر رجب من الأشهر الحرم، ولا يعني ذلك أن له أفضلية تخصه عن غيره من أشهر السُّنَّة، أو أن العمل فيه أفضل من غيره، ولم يرد في تخصيصه نص في أي نوع من أنواع العبادات، ولم يصح في فضل رجب وصيامه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، بل وردت أحاديث تحذر من تخصيصه بصيام أو صلاة.

والمعروف تاريخياً أن العرب في الجاهلية كانت تعظم الأشهر الحرم بما فيها رجب، فلا يرتكبون فيها جرما، ولا يشنون فيها حرباً، ولا يئدون فيها بنتا، ولا يثأرون من قاتل، فلو وجد الواحد منهم قاتل أبيه أو أخيه، فإنه لا يتعرض له بسوء، ومن المؤسف ما نشاهده في معظم دول العالم الإسلامي من التأسي بأعمال الجاهلية، وتعظيم رجب بعبادات معينة ما أنزل الله بها من سلطان، وسنرى فيما يلي أعجب العجب فيما أحدثه الناس في رجب.

1- النهي عن صيام رجب:
لقد تضافرت النصوص في النهي عن تخصيص رجب بصيام أو صلاة، ومن ذلك ما روى ابن ماجة في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب.

2- كراهية الصحابة لتخصيص رجب بشيء:
بناءً على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تخصيص رجب بصيام أو صلاة، فقد كره الصحابة رضي الله عنهم تخصيص رجب بأي عبادة، وأنكروا بشدة على من فعل مثل ذلك، وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب بالدرة رجالاً صاموا رجب وأجبرهم على الأكل، وقال: "ما رجب؟". إن رجب كان يعظمه أهل الجاهلية فجاء الإسلام بتركه.

3- علة تحريم الأشهر الحرم:
الأصل في تحريم الأشهر الحرم أن الله تعالى لَمَّا شرع الحج، وأمر نبيه إبراهيم الخليل عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، حرَّم القتال في هذه الأشهر الأربعة، لتكون مسالك الحج آمنة ليؤدوا هذه الشعيرة في طمأنينة وأمان، وذلك لأن العرب كانوا يعتمدون في الحصول على أرزاقهم بالحروب والغارات، فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، فقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئاً لنهلكن.

وكانوا يتحايلون على حرمة بعض هذه الأشهر، فيستلفون شهرا غير محرم، ويضعونه في شهر محرم، مما اضطرهم إلى تنقل الحج في كل أشهر السُّنَّة، فكانوا يحجون في صفر ويتقاتلون في شهر الحج، حتى حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فثبت الحج والأشهر الحرم كل في مكانه، وبهذا قضى على فوضى التبديل والاحتيال على استباحة ما حرم الله تعالى.

4- العتيرة في رجب:
ومن تعظيم أهل الجاهلية لشهر رجب، ذبحهم ما يسمى "العتيرة" فجاء الإسلام بإبطالها، وشرع الأضحية والهدي والعقيقة، وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا فَرَعَ ولا عَتيرةَ» (رواه البخاري).

* الفرع:
هو أول نتاج الناقة، وكانوا في الجاهلية يذبحونه قرباناً لآلهتهم.
* العتيرة:
هي ما يذبح من الضأن في شهر رجب قرباناً وطلباً للبركة في أموالهم وأولادهم.

5- صلاة الرغائب:

إن مما أحدثه أهل البدع من العبادات في رجب صلاة الرغائب، فقد قال عنها الحافظ ابن رجب رحمه الله: "إن الأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل، ولا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء".

6- إحياء ليلة سبع وعشرين من رجب:
من البدع في شهر رجب إحياء ليلة سبع وعشرين على أنها (ليلة الإسراء والمعراج)، وتخصيصها بأنواع من الاحتفالات والعبادات التي ما أنزل بها من سلطان، وبعض الأدعية والأذكار.

وهذا باطل من عدة وجوه:
* الأول: لم يقم دليل على تعيين ليلة الإسراء التي وقع فيها، ولا على الشهر الذي وقع فيه، فالعلماء مختلفون في زمانه، فتخصيص ليلة من الليالي في رجب أو غيره للإسراء تخصيص لا دليل عليه.

* ثانيا: لو ثبت تعيين الليلة التي وقع فيها الإسراء لم يجز لنا أن نخصصها بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله، فإنه لم يرد أن النبي صل الله عليه وسلم احتفل في تلك الليلة ولا خصها بشيء من العبادات، ولم يفعل ذلك الخلفاء الراشدون بعده ولا صحابته الكرام، ولا التابعون لهم بإحسان، وعليه فلا يجوز لأحد بعدهم أن يفعل في الإسلام شيئا لم يفعلوه.

7- العمرة في رجب:
إن من البدع المستحدثة في شهر رجب الحرص على أداء العمرة فيه، واعتقاد أنها أفضل من غيرها في رجب، وهذا العمل ليس له أصل في الشرع، ولم ينقل عن النبي صل الله عليه وسلم أنه اعتمر في حياته في رجب، ولم يخصص أحد من صحابته الكرام رجب بعمرة، ولم يقل به أحد من السلف، والعمرة كأي عمل صالح مطلوب في أي وقت إلا أن تخصيص رجب بعبادات لم تشرع لا دليل عليه.

8- أحاديث موضوعه في فضل رجب:
وهذه بعض الأحاديث الموضوعة، والتي تتناقل في فضل رجب حتى يتنبه لها القارئ ولا ينخدع بها أحد ممن لا يعرف درجتها من الصحة:
* «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي».

* «من صام يوماً من رجب كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه خمسة عشر يوماً بدلت سيئاته حسنات، ونادى مناد من السماء قد غفر لك فاستأنف العمل».

* «إن في الجنة نهراً يقال له رجب من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر».

* «من صام ثلاثة أيام من شهر حرام كتب الله له عبادة تسعمائة سنة».

* «من يبارك الناس بهذا الشهر الفضيل -يعني رجب- تحرم عليه النار».

وجميع هذه الأحاديث باطلة ولا أساس لها من الصحة.

خالد بن محمد الأنصاري