فن قيادة الأرواح وفن التعامل مع النفوس
يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله في الهجرة، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى، وهذا الحب الرباني كان نابعا من القلب وبإخلاص، ولم يكن حب نفاق أو نابعاً من مصلحة دنيوية، أو رغبة من منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع.
ومن أسباب هذا الحب لرسول الله صفاته القيادية الرشيدة، فهو يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، فمن سلك سنن الرسول مع صحابته، في حياته الخاصة والعامة، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم، وكان عمله لوجه الله، أصابه هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام.
وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهداوي عندما قال:
فإذا أحب الله باطنَ عبده
ظهرت عليه مواهب الفتاح
وإذا صفت لله نية مصلح
مال العباد عليه بالأرواح
إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء، وتستطع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود، فقد كان رحيماً وشفوقاً بجنوده وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفون والمفتونون، ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة.
والجدير بالذكر أن حب الصديق -رضي الله عنه- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان لله، ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر كان يحب النبي مخلصاً لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 17- 21]، وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله، بل أدخله النار؛ لأنه كان مشركاً عاملاً لغير الله، وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق، لا من النبي ولا من غيره، بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه في الله، متقرباً بذلك إلى الله وطالبًا الأجر من الله، ويبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده.

خامسًا: مرض أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بالمدينة في بداية الهجرة:
كانت هجرة النبي وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي بقوله: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرجت منك ما خرجت».
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما قدم رسول الله المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلا (يعني ماء آجنا) فأصاب أصحابه منها  بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فاستأذنت رسول الله عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم -وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب- وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبي بكر فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه  كالثور يحمي جلده بروقه
قالت: قلت: والله ما يدري عامر ما يقول.
قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته، ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر  وجليل وهل أرِدَن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت: فأخبرت رسول الله بذلك فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حمَّاها واجعلها بالجحفة».
وقد استجاب الله دعاء نبيه، وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطنًا ممتازًا لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم.
شرع رسول الله بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية، فآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود، وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وزير صدق لرسول الله ولازمه في كل أحواله، ولم يغب عن مشهد من المشاهد، ولم يبخل بمشورة أو مال أو رأي.
----------------------------------------------