سورة النبأ
سورة النبأ 78_aao10
عناصر السورة:
الإخبار عن البعث وتأكيد وقوعه
وصف يوم القيامة، وعذاب المجرمين
أحوال السعداء الأبرار
معاودة تأكيد وقوع يوم القيامة


بَين يَدَيْ السُّورَة
* سورة عمَّ مكية وتسمى سورة: {النبأ} لأن فيها الخبر الهام عن القيامة والبعث والنشور، ومحور السورة يدور حول إِثبات "عقيدة البعث" التي طالما أنكرها المشركون.

* ابتدأت السورة الكريمة بالإِخبار عن موضوع القيامة، والبعث والجزاء، هذا الموضوع الذي شغل أذهان الكثيرين من كفار مكة، حتى صاروا فيه ما بين مصدّق ومكذب: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ..} الآيات.

* ثم أقامت الدلائل والبراهين على قدرة رب العالمين، فإِن الذي يقدر على خلق العجائب والبدائع، لا يعجزه إِعادة خلق الإِنسان بعد فنائه: {أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا* وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا* وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا* وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} الآيات.

* ثم أعقبت ذلك بذكر البعث، وحدَّدت وقته وميعاده، وهو يوم الفصل بين العباد، حيث يجمع الله الأولين والآخرين للحساب: {إِن يوم الفصل كان ميقاتاً * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً..} الآيات.

* ثم تحدثت عن جهنم التي أعدها الله للكافرين، وما فيها من ألوان العذاب المهين: {إِن جهنم كانت مرصاداً * للطاغين مآباً * لابثين فيها أحقاباً} الآيات.

* وبعد الحديث عن الكافرين، تحدثت عن المتقين، وما أعدَّ الله تعالى لهم من ضروب النعيم، على طريقة القرآن في الجمع بين الترهيب والترغيب: {إِنَّ للمتقين مفازاً * حدائق وأعناباً * وكواعب أتراباً * وكأساً دِهاقاً} الآيات.

* وختمت السورة الكريمة بالحديث عن هول يوم القيامة، حيث يتمنى الكافر أن يكون تراباً فلا يحشر ولا يحاسب: {إِنا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}.

الإخبار عن البعث وتأكيد وقوعه
{عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)}

سبب النزول:
نزول الآية (1):
{عَمَّ يَتَسَاءلُونَ}: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم، فنزلت: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ*عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}.

{عَمَّ يَتَسَاءلُونَ}؟ أي عن أيّ شيءٍ يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضاً؟ وأصل: {عَمَّ} عنْ ما، أدغمت الميم في النون وحذفت ألف: {ما} الاستفهامية، وليس المراد هنا مجرد الاستفهام وإِنما المراد تفخيم الأمر وتعظيمه، وقد كان المشركون يتساءلون عن البعث فيما بينهم، ويخوضون فيه إِنكاراً واستهزاءً فجاء اللفظ بصيغة الاستفهام للتفخيم والتهويل وتعجيب السامعين من أمر المشركين، ثم ذكر تعالى ذلك الأمر الخطير فقال: {عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} أي يتساءلون عن الخبر العظيم الهام وهو أمر البعث: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} أي الذي اختلفوا فيه ما بين شاكٍ في وقوعه، ومكذب منكرٍ لحصوله: {كَلا سَيَعْلَمُونَ} ردعٌ وزجر أي ليرتدعْ أولئك المكذبون عن التساؤل عن البعث، فسيعلمون حقيقة الحال، حين يرون البعث أمراً واقعاً، ويرون عاقبة استهزائهم: {ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ} تأكيد للوعيد مع التهويل أي سيعلمون ما يحل بهم من العذاب والنكال.. ثم أشار تعالى إِلى الأدلة الدالة على قدرته تعالى، ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من أمر البعث، وكأنه يقول: إِن الإِله الذي قدر على إِيجاد هذه المخلوقات العظام، قادرٌ على إِحياء الناس بعد موتهم فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا} أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا على ظهرها، وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المرزوعات؟: {وَالْجبَالَ أَوْتَادًا} أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد، قال ابن جزي: شبَّهها بالأوتاد لأنها تمسكُ الأرض أن تميد: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} أي وجعلناكم أيها الناس أصنافاً ذكوراً وإِناثاً، لينتظم أمر النكاح والتناسل، ولا تنقطع الحياة عن ظهر هذا الكوكب الأرضي: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} أي وجعلنا النوم راحة لأبدانكم، قاطعاً لأشغالكم، تتخلصون به من مشاق العمل بالنهار: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} أي جعلنا الليل كاللباس يغشاكم ويستركم بظلامه، كما يستركم اللباس، وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوبُ لابَسه، قال في التسهيل: شبهه بالثياب التي تُلبس لأنه سترٌ عن العيون: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} أي وجعلنا النهار سبباً لتحصيل المعاش، تتصرفون فيه لقضاء حوائجكم، قال ابن كثير: جعلناه مشرقاً مضيئاً ليتمكن الناس من التصرف فيه، بالذهاب المجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} أي وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سمواتٍ محكمة الخلق بديعة الصنع، متينةً في إِحكامها وإِتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها بقدرتنا لتكون كالسقف للأرض كقوله تعالى: {وجلعنا السماءَ سقفاً محفوظاً} وقوله: {والسماءَ بنيناها بأيدٍ وإِنا لموسعون}: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} أي وأنشأنا لكم شمساً منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها ويتوقد لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة والتوقد، قال المفسرون: الوهَّاج المتوقد الشديد الإِضاءة، الذي يضطرم ويلتهب من شدة لهبه، وقال ابن عباس: المنير المتلألئ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} أي وأنزلنا من السحب التي حان وقتُ إِمطارها ماءً دافقاً منهمراً بشدةٍ وقوة، قال ابن جزي: المعصرات هي السحب، مأخوذةٌ من العصر لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء، شبهت السحابة التي حان وقت إِمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا} أي لنخرج بهذا الماء أنواع الحبوب والزروع، التي تنبت في الأرض غذاءً للإِنسان والحيوان: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} أي وحدائق وبساتين كثيرة الأشجار والأغصان، ملتفةً بعضها على بعض لكثرة أغصانها وتقارب أشجارها.. ذكر تعالى هذه الأدلة التسع على قدرته تعالى، كبرهانٍ واضح على إِمكان البعث والنشور، فإِن من قدر على هذه الأشياء قادرٌ على البعث والإِحياء لهذا قال بعده.

وصف يوم القيامة، وعذاب المجرمين
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18)  وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (22) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا (24) إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29)  فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا (30)}

{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} أي إن يوم الحساب والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له وقت محدودٌ معلوم في علمه تعالى وقضائه، لا يتقدم ولا يتأخر: {ذلك يومٌ مجموع له الناسُ وذلك يوم مشهود * وما نؤخره إِلا لأجل معدود} قال القرطبي: سمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وقد جعله وقتاً وميعاداً للأولين والآخرين: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} أي يكون ذلك يوم ينفخ في الصور نفخة القيامة من القبور، فتحضرون جماعات جماعات، وزمراً زمراً للحساب والجزاء، ثم ذكر تعالى أوصاف ذلك اليوم الرهيب فقال: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} أي تشققت السماء من كل جانب، حتى كان فيها صدوعٌ وفتوحٌ كالأبواب في الجدران، من هول ذلك اليوم كقوله تعالى: {إِذا السماء انشقت} وعبَّر بالماضي: {وَفُتِحَتْ} لتحقق الوقوع: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} أي ونسفت الجبال وقلعت من أماكنها، حتى أصبح يخيَّل إِلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، كالسراب يظنه الرائي ماءً وليس بماء، قال الطبري: صارت الجبال بعد نسفها هباءً منبثاً لعين الناظر، كالسراب الذي يظنه من يراه ماءً وهو في الحقيقة هباء: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} أي إِن جهنم تنتظر وتترقب نزلاءها الكفار، كما يترصد الإِنسان ويترقب عدوه ليأخذه على حين غرة، قال المفسرون: المرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو، وجهنم تترصَّد أعداء الله لتعذبهم بسعيرها، وهي مترقبة ومتطلعة لمن يمرُّ عليها من الكفار الفجار لتلتقطهم إِليها: {لِلْطَّاغِينَ مَآبًا} أي هي مرجع ومأوى ومنزل للطغاة المجرمين: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} أي ماكثين في النار دهوراً متتابعة لا نهاية لها، قال القرطبي: أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب - أي الدهور - وهي لا تنقطع، كلما مضى حقب جاء حقب، لأن أحقاب الآخرة لا نهاية لها، قال الربيع وقتادة: هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا} أي لا يذوقون في جهنم برودةً تخفف عنهم حرَّ النار، ولا شراباً يسكِّنُ عطشهم فيها: {إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} أي إِلاّ ماءً حاراً بالغاً الغاية في الحرارة، وغساقاً أي صديداً يسيل من جلود أهل النار{جَزَاءً وِفَاقًا} أي عاقبهم الله بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم السيئة: {إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا} أي لم يكونوا يتوقعون الحساب والجزاء، ولا يؤمنون بلقاء الله، فجازاهم الله بذلك الجزاء العادل: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} أي وكانوا يكذبون بآيات الله الدالة على البعث وبالآيات القرآنية تكذيباً شديداً: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} أي وكل ما فعلوه من جرائم وآثام ضبطناه في كتاب لنجازيهم عليه: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا} أي فذوقوا يا معشر الكفار فلن نزيدكم على استغاثتكم إِلاَّ عذاباً فوق عذابكم، قال المفسرون: ليس في القرآن على أهل النار آية هي أشد من هذه الآية، كلما استغاثوا بنوعٍ من العذاب أغيثوا بأشد منه.

أحوال السعداء الأبرار
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)}

ولما ذكر تعالى أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر بعدها أحوال السعداء الأبرار فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} أي إِن للمؤمنين الأبرار الذين أطاعوا ربهم في الدنيا، موضع ظفر وفوز بجنات النعيم، وخلاص من عذاب الجحيم، ثم فسَّر هذا الفوز فقال: {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} أي بساتين ناضرة فيها من جميع الأشجار والأزهار، وفيها كروم الأعناب الطيبة المتنوعة من كل ما تشتهيه النفوس: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} أي ونساءً عذارى نواهد قد برزت أَثْداؤهنَّ، وهنَّ في سنٍ واحدة، قال ابن جزي: الكواعب جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها: {وَكَأْسًا دِهَاقًا} أي وكأساً من الخمر ممتلئةً صافية، قال القرطبي: المرادُ بالكأس الخمرُ كأنه قال: وخمراً ذات دِهاقٍ أي مملوءة قد عُصرت وصُفّيت: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا} أي لا يسمعون في الجنة كلاماً فارغاً لا فائدة فيه، ولا كذباً من القول لأن الجنة دار السلام، وكل ما فيها سالمٌ من الباطل والنقص: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} أي جازاهم الله بذلك الثواب العظيم، تفضلاً منه وإِحساناً كافياً على حسب أعمالهم.

معاودة تأكيد وقوع يوم القيامة
{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَانِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40)}

{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَانِ} أي هذا الجزاء صادرٌ من الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء: {لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} أي لا يقدر أحدٌ أن يخاطبه في دفع بلاء، أو رفع عذاب في ذلك اليوم، هيبةً وجلالاً: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا} أي في ذلك اليوم الرهيب يقف جبريل والملائكة مصطفين خاشعين: {لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا} أي لا يتكلم أحد منهم إِلاّ من أذن الله له بالكلام والشفاعة ونطق بالصواب، قال الصاوي: وإِذا كان الملائكة الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله لا يقدرون أن يشفعوا إِلا بإِذنه، فكيف يملك غيرهم؟: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} أي ذلك هو اليوم الكائن الواقع لا محالة: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} أي فمن شاء أن يسلك إلى ربه مرجعاً كريماً بالإِيمان والعمل الصالح فلْيفعلْ، وهو حثٌ وترغيب: {إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} الخطاب لكفار قريش المنكرين للبعث أي إنا حذرناكم وخوفناكم عذاباً قريباً وقوعه هو عذاب الآخرة، سمَّاه قريباً لأن كل ما هو آتٍ قريب: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي يوم يرى كل إِنسان ما قدَّم من خير أو شر مثبتاً في صحيفته كقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً}: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} أي ويتمنى الكافر له أنه لم يخلق ولم يُكلَّف ويقول: يا ليتني كنت تراباً حتى لا أحاسب ولا أعاقب، قال المفسرون: وذلك حين يحشر الله الحيوانات يوم القيامة فيقتصُّ للجمّاء من القرناء، وبعد ذلك يصيّرها تراباً، فيتمنّى الكافر أن لو كان كذلك حتى لا يُعَذَّب.