عجيبة..
الحيوان لسانه طويل ولا ينطق.. والإنسان لسانه قصير ولا يصمت!!

77.    اضبط لسانك..
إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه..
هكذا حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس من إطلاق الكلام على عواهنه.. دون النظر في العواقب..
عدم ضبط اللسان قد يؤدي إلى المهالك..
احفظ لسانك أيها الإنسان
لا يلدغنك إنـه ثـعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الشجعان
كم من امرأة طلقها زوجها بسبب اللسان.. يختلف معها.. فتردد قائلة له: طلقني.. أتحداك تطلقني.. إن كنت رجلاً طلقني.. فيأمرها بالسكوت.. يصرخ بها.. ينهرها.. يشتد الأمر بينهما.. فينهدم البناء.. ويطلقها..
لذا أمر -صلى الله عليه وسلم- الشخص إذا غضب أن يسكت.. نعم يسكت..
لأنه إن لم يضبط لسانه.. أرداه في المهالك..
يموت الفتى من زلة بلسانه
وليس يموت المرء من زلة الرجل
أذكر أني دخلت قبل فترة في مشكلة بين عائلتين للإصلاح بينهما..
وقصة الخلاف: أن رجلاً عاقلاً كبيراً في السن أظنه قد تجاوز الستين من عمره.. خرج في نزهة صيد مع مجموعة من أصدقائه.. وسنهم جميعاً متقارب..
دارت بينهم الأحاديث وذكريات الصبا.. ثم تكلموا عن أراض لأجدادهم بالقرية.. فثار خلاف بين اثنين منهم حول أحد الأراضي يملكها أحدهما وادعى الآخر أنها لجده..
اشتد بينهما النقاش حتى قال مالك الأرض لصاحبه: والله لإن رأيتك قريباً من أرضي لأفرغن هذا في رأسك..
ثم تناول بندقية الصيد التي بجانبه ووجهها أعلى من رأس صاحبه بمترين أو ثلاثة ثم أطلق منها رصاصة..
ثار الرجلان وكادا أن يقتتلا.. لكن أصحابهما هدؤوهما وتفرقوا إلى بيوتهم..
لم يستطع الرجل الذي أطلق عليه الرصاص أن ينام من شدة الغيظ.. فما كاد أن يصبح حتى كان قد أجمع أن يشفي غيظه من صاحبه.. فحمل سلاحاً من نوع " كلاشينكوف " ومضى يبحث عن صاحبه.. حتى رآه في سيارته عند مدرسة بنات..
كان صاحبه متقاعداً من وظيفته ويعمل سائقا لسيارة خاصة لنقل المدرسات.. وقد أوقف سيارته عند باب المدرسة وجلس داخلها ينتظر خروجهن.. وبجانبه مجموعة من السيارات تشبه سيارته كلها مخصصة لنقل المدرسات أو الطالبات..
اختبأ الرجل خلق شجرة بعيدة لئلا ينتبه إليه.. وكان ضعيف البصر.. ووجه سلاحه إلى السائق.. وحاول جاهداً أن يسدد الطلقة إلى رأسه.. ثم ضغط على الزناد.. ودوى صوت الرصاص وانطلقت ثلاث رصاصات واستقرت في رأس السائق.. ثار الناس واضطربوا.. وفزعت الطالبات.. وارتفع الصراخ..
واجتمع الشرطة.. وأحاطوا بالمنطقة.. والرجل قد هشمت الطلقات جمجمته.. ومات..
أما القاتل فقد توجه بكل هدووووء إلى مخفر الشرطة وأخبرهم بالقصة.. وقال: أنا قتلت فلاناً.. والآن قد شفيت صدري فاقتلوني أو أحرقوني أو اسجنوني.. افعلوا ماشئتم..
أدخلوه إلى غرفة التوقيف.. وخرج الضابط لمعاينة مكان الحادث.. فلما اطلع على بطاقة المقتول فإذا المفاجأة الكبرى!! إذا بالقتيل ليس هو صاحبه الذي أراد أن يشفي صدره منه وإنما هو شخص آخر ليس له دخل بالقضية..
فأقبل الضابط يمشي بسرعة، والرجل المسن المقصود بالقتل يمشي بجانبه.. حتى أدخله مخفر الشرطة وأوقفه أمام الزنزانة.. وقال: يا فلان! أتدعي أنك قتلت هذا؟! الرصاص أصاب شخصاً آخر!!
فصرخ المسكين وأصابه حالة هستيرية.. ثم أغمي عليه ومكث في غيبوبة أياماً.. ثم شفي وأدخل السجن وحكم عليه القاضي الشرعي بإقامة حد القتل عليه..
وصدق أبو بكر لما قال: ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان..
لا أنس خبر ذلك الخليفة الذي جلس يوماً مع نديمه.. يضاحكه ويمازحه.. فلعب الشيطان برؤوسهما فشربا خمراً.. فلما غابت العقول.. وسيطرت أم الخبائث.. وصار الواحد منهما أضل من الحمار..
التفت الخليفة إلى حاجبه وأشار له إلى النديم وقال: اقتلوه..
وكان الخليفة إذا أمر أمراً لم يراجَع فيه..
فانطلق الحاجب إلى النديم وتله برجليه.. وهو يصرخ.. ويستغيث بالخليفة.. والخليفة يضحك ويردد: اقتلوه.. اقتلوه..
فقتلوه.. وألقوه في بئر مهجورة..
فلما أصبح الخليفة.. اشتاق إلى من يؤانسه.. فقال: ادعوا لي نديمي فلان..
قالوا: قتلناه!! قال: قتلتموه؟!! من قتله؟! ولماذا؟ ومن أمركم؟! وجعل يدافع عبراته..
فقالوا: أنت أمرتنا البارحة.. وأخبروه بالقصة..
فسكت.. وخفض رأسه متندماً ثم قال: رب كلمة قالت لصاحبها دعني..
أعود وأقول: كم من شخص نفر الناس عن شخصه.. وبغضهم في نفسه.. وجر إلى نفسه الويلات بسبب عدم ضبطه للسانه..
قال ابن الجوزي:
ومن العجب أن من الناس من يقوى على التحرز من أكل الحرام.. ومن الزنا.. والسرقة.. لكنه لا يقوى على أن يتحرز من حركة لسانه.. فيتكلم في أعراض الناس.. ولا يقدر على منع نفسه من ذلك..