منتديات إنما المؤمنون إخوة (2021 - 2010) The Believers Are Brothers
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2021 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالأحداثالتسجيل

السادة أعضاء وزوارالمنتدى الأفاضل... أحيطكم علماً أنني قد بدأت تنسيق خطوط جميع مساهمات المنتدى والبالغ عددها أكثر من 33000 مساهمة منذ مدة.. وقد وصلتُ بتوفيق الله تعالى في التنسيق حتى منتدى:

فضائل الشُّهور والأيَّام.

قال الفيلسوف توماس كارليل في كتابه الأبطال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مُتمدين من أبناء هذا العصر؛ أن يُصْغِي إلى ما يظن من أنَّ دِينَ الإسلام كَذِبٌ، وأنَّ مُحَمَّداً -صلى الله عليه وسلم- خَدَّاعٌ مُزُوِّرٌ، وآنَ لنا أنْ نُحارب ما يُشَاعُ من مثل هذه الأقوال السَّخيفة المُخْجِلَةِ؛ فإنَّ الرِّسَالة التي أدَّاهَا ذلك الرَّسُولُ ما زالت السِّراج المُنير مُدَّةَ اثني عشر قرناً، لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم اللهُ الذي خلقنا، (وقت كتابة الفيلسوف توماس كارليل لهذا الكتاب)، إقرأ بقية كتاب الفيلسوف توماس كارليل عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، على هذا الرابط: محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

يقول المستشرق الإسباني جان ليك في كتاب (العرب): "لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين) فكان محمدٌ رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق".
فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البُلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابهِ بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذَكَرَهَا باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم.
المهندس حسن فتحي فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء: هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّجَ من المُهندس خانة بجامعة فؤاد الأول، اشْتُهِرَ بطرازهِ المعماري الفريد الذي استمَدَّ مَصَادِرَهُ مِنَ العِمَارَةِ الريفية النوبية المَبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعُثماني.
رُبَّ ضَارَّةٍ نَافِعَةٍ.. فوائدُ فيروس كورونا غير المتوقعة للبشرية أنَّه لم يكن يَخطرُ على بال أحَدِنَا منذ أن ظهر وباء فيروس كورونا المُستجد، أنْ يكونَ لهذه الجائحة فوائدُ وإيجابيات ملموسة أفادَت كوكب الأرض.. فكيف حدث ذلك؟!...
تخليص الإبريز في تلخيص باريز: هو الكتاب الذي ألّفَهُ الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" رائد التنوير في العصر الحديث كما يُلَقَّب، ويُمَثِّلُ هذا الكتاب علامة بارزة من علامات التاريخ الثقافي المصري والعربي الحديث.
الشيخ علي الجرجاوي (رحمه الله) قَامَ برحلةٍ إلى اليابان العام 1906م لحُضُورِ مؤتمر الأديان بطوكيو، الذي دعا إليه الإمبراطور الياباني عُلَمَاءَ الأديان لعرض عقائد دينهم على الشعب الياباني، وقد أنفق على رحلته الشَّاقَّةِ من مَالِهِ الخاص، وكان رُكُوبُ البحر وسيلته؛ مِمَّا أتَاحَ لَهُ مُشَاهَدَةَ العَدِيدِ مِنَ المُدُنِ السَّاحِلِيَّةِ في أنحاء العالم، ويُعَدُّ أوَّلَ دَاعِيَةٍ للإسلام في بلاد اليابان في العصر الحديث.


 

 لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 8:38 pm

لحن الترنيمة (كورال)
الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا


لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit430


الطابع المعماري
كل شعب ممن أنتج معماراً يطور أشكاله المحببة له هو نفسه، والتي تخص هذا الشعب مثلما تخصه لغته، أو ملبسه، أو فنونه الشعبية.

وقبل انهيار جبهات الحضارة في القرن الماضي، كان هناك في العالم كله أشكال وتفاصيل محلية متميزة للمعمار، وكانت بنايات كل موقع محلي بمثابة أطفال جميلة لزواج سعيد قد عقد بين خيال أفراد الشعب واحتياجات ريفهم.

ولست بالذي يطلب التأمل في المنابع الحقيقية للخصوصية القومية، كما أني لست مؤهلاً لذلك بأي حال.

ولكني أود أن أطرح ببساطة أن أشكالاً بعينها تفتن أفراد أحد الشعوب، فيستخدمونها في مجالات جد متنوعة، نابذين فيما يحتمل أي تطبيقات غير ملائمة، وإنما هم يقومون بتطوير لغة بصرية رائعة مفعمة باللون هي لغة خاصة بهم وتلاءم تماماً شخصيتهم ووطنهم.

وما من أحد يمكن أن يخطئ طريقة انحناء القبة الفارسية وقوس انحناء القبة السورية، أو المغربية، أو المصرية.

وما من أحد يمكن أن يخطئ  تبين وجود نفس الانحناء ونفس البصمة في القبة والجرة والعمامة التي تنتمي لمنطقة واحدة.

ويتبع ذلك أيضاً أن أحداً لا يستطيع أن ينظر بعين الرضا إلى المباني التي تزرع في بيئة أجنبية عنها.
* * *
على أن مصر الحديثة ليس فيها أسلوب محلي، فالبصمة مفتقدة؛ وبيوت الأغنياء والفقراء هي على السواء بلا طابع، بلا لهجة مصرية، لقد ضاع التراث، وانفصمنا عن ماضينا منذ قطع محمد علي رأس آخر مملوك.

وهذه الثغرة في تواصل التراث المصري قد أحس بها أناس كثيرون، فطرحت لها كل صنوف العلاج.

والحقيقة أن هناك نوعاً من الغيرة بين أولئك الذين يعدون القبط السلالة الحقيقية المنحدرة من قدماء المصريين، وأولئك الذين يؤمنون بأن الأسلوب العربي هو ما ينبغي أن يمد بنموذج للمعمار المصري الحديث.

والحق أنه كانت هناك محاولة شبه رسمية للتوفيق بين هذين الفريقين، وذلك عندما اقترح عثمان محرم باشا وزير الأشغال العمومية أن تقسم مصر إلى شطرين، بما يشبه اقتراح سليمان بشطر الطفل، وأن تسلم مصر العليا إلى الأقباط، حيث يمكن أن يُنمى أسلوب من تراث فرعوني، بينما ينبغي أن تُعطى مصر السفلى للمسلمين ليجعلوا من عمارتها عمارة عربية بحق! وتؤدي هذه الحكاية إلى إيضاح شيئين.

الأول هو الحقيقة المشجعة من أن الناس يدركون بالفعل البلبلة الحضارية التي في معمارنا، ويرغبون في علاجها، والآخر -وهو أمر ليس بجد مشجع- وهو أن هذه البلبلة ينظر إليها كإشكالية في الأسلوب، وأن الأسلوب ينظر إليه كنوع من التشطيبات السطحية التي يمكن تطبيقها على أي بناء بل و يمكن إزالتها وتغييرها عند الضرورة.

والمهندس المعماري المصري الحديث يعتقد أن العمارة المصرية القديمة تتمثل في المعبد ببواباته الضخمة وإفريزه المُزيَّن بالتجاويف ربع الدائرية، وأن العمارة العربية تتمثل في سدائل المُقرنصات المُجمَّعة، وذلك في حين أن العمارة المصرية القديمة للبيوت كانت تختلف تماماً عن عمارة المعبد، والعمارة العربية للبيوت تختلف تماماً عن عمارة المسجد.

فالمباني المصرية القديمة غير الدينية، مثل البيوت، كانت تكوينات سخيفة بسيطة، لها خطوط واضحة مثلما لأفضل البيوت الحديثة.

ولكن مدارس العمارة ليس فيها أي دراسة لتاريخ البنايات المنزلية وهي تدرّس العصور المعمارية عن طريق ما هو أسلوب عارض ليس إلا، كالمعالم الظاهرة من مثل بوابات المعبد الضخمة وسدائل المقرنصات.

وهكذا فإن المهندس المعماري يتخرَّج وهو يعتقد أن هذا هو كل ما يعنيه ((الأسلوب))، ويتخيَّل أن البنّاء يمكن أن يُغيِّر أسلوبه بمثل ما يُغيِّر الإنسان ملابسه.

والتفكير من هذا النوع هو الذي أدَّى بأحد المهندسين المعماريين إلى أن يُخرِّبَ المدخل المؤدي إلى حُجُرات الفصول الدراسية في مدرسة القرنة بأن حوَّل المدخل الأصلي المعقود إلى بوابة معبد على الطرز المصري القديم قد اكتملت بإفريزها المزين بتجاويف من أرباع دوائر.

ومما لا يُفهم حتى الآن أن المعمار الحقيقي لا يمكن أن يكون موجوداً إلا في تراث حي، وأن التراث المعماري في مصر هو الآن تقريباً ميت.

وكنتيجة مباشرة لضياع التراث هذا فإن مُدننا وقُرانا أصبحت تزيد وتزيد قبحاً.

وكل بنَّاءٍ بمفرده يؤدي إلى زيادة هذا القبح، وكل محاولة لعلاج الموقف لا تؤدي إلا لتأكيد هذا القبح تأكيداً أثقل.

وفي ضواحي المدن الإقليمية بالذات حيث تجري أحدث عمليات البناء، يتأكد التصميم القبيح للبيوت بالتنفيذ السيئ للعمل، فتبرز صناديق مربعة مضغوطة في أحجام متباينة، بأسلوب ثم نقله عن أفقر أحياء المتروبوليس، ورغم أنها نصف مكتملة إلا أن التلف ينال منها بالفعل، وقد انتصبت إزاء بعضها بكل الزوايا، وقد انبثت فوق خلاء رث بطرق غير ممهدة، وأسلاك وصفوف غسيل تتدلى متربة من فوق حظائر الدجاج.

وفي أجواء من هذه المجاورات الكابوسية تؤدي الشهوة إلى الاستعراض والحداثة إلى أن يقوم مالك البيت بتبديد نقوده على تجهيزات وتزاويق مبهرجة مما يكون للبيوت الحضرية، بينما هو يضن بمساحة للمعيشة ويحرم نفسه تماماً من فوائد الصنعة الحقيقية، وتجعل المنازل بسبب هذا الموقف متضاغطة ومتجهة مما يكون للبيوت الحضرية على  الأسرة أن تقوم بتهوية بياضاتها على الشارع العمومي، وتهوية نفسها وهي مكشوفة للجيران في شرفاتها القاحلة؛ بينما لو كان هؤلاء الملاك أقل ابتذالاً في تفكيرهم لأمكنهم الاستفادة بنمط البيت ذو الفناء، فيستمتعون بالمساحة والخصوصية معاً.

ولسوء الحظ فإن هذا النوع من معمار الضواحي هو ما يتخذه الفلاحون كنموذج للحداثة، بحيث أنه أخذ يكتسب موقعاً في قرانا؛ ويمكننا أن نطلع في ضواحي القاهرة أو بنها على ما سيكون قريباً المصير لقرية غرب أسوان.
* * *
وبنّاء القرية إذ يتملّق عملاءه ليُقنعهم بأنهم أصحاب دراية وتحضُّر، يأخذ في تجربة أساليب بناء لم يراها إلا عند تداولها للمرة الثانية أو الثالثة، وبمواد بناء لا يستطيع هو في الحقيقية أن يتناولها في فهم.

وهكذا فإنه يهجر ما لديه في التراث من مرشد آمن، ويحاول وهو لا يملك علم وخبرة المهندس المعماري أن ينتج ((معمار المهندسين المعماريين)).

وتكون النتيجة هي بناء فيه كل أوجه القصور لعمل المهندس المعماري وليس فيه أياً من مزاياه.

وهكذا فإن المهندس المعماري إذ يُصمِّم مثلاً شقة في منزل في أحياء القاهرة الفقيرة لأحد المضاربين البُخلاء، ويضمِّن فيها ملامح مختلفة من تصميم حديث منقول عن عمل أوروبي رائج، فإن عمله هذا يتسرِّب عبر فترة من السنين لينحدر من خلال الضواحي الرخيصة إلى القرية، حيث يعدل رويداً على تسميم التراث الأصيل.

وقد بلغ من خطورة هذا الموقف أن أصبح القيام بعمل بحث علمي محكم عنه، هو مطلب ملح إذا كنا حقاً نريد أن نعكس هذا الاتجاه للإسكان السيئ القبيح المبتذل وغير الكفء في قرانا.

وقد انتابني اليأس في وقت ما لضخامة المشكلة.

فسلّمت بأنها مما لا يقبل حلاً.

فهي عملية مميتة من صنع القدر لا تقبل العكس وأذعنت لإحساسي بالعجز والأسى والألم لِمَا يحل بناسي وبلدي.

ولكني عندما وجدت أنه عليَّ أن أتعامل بنفسي مع الحالة الواقعية للقرنة تمالكت نفسي وبدأت أفكر في المشكلة بصورة عملية بأكثر.




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 8:42 pm

عملية اتخاذ القرار

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit431
الحضارة تنطلق من الجذور وتتسرب لتنفذ إلى كل طلع إلى الورقة والزهرة والبرعم ومن خليَّة للأخرى.

وكأنها دم أخضر ويطلقها رذاذ المطر كعطر من زهور منداة يفعم الهواء.

ولكن الحضارة التي تنصب على البشر من فوقهم من عل، لا تلبث أن تنعقد كما ينعقد السكر الرطيب، وهكذا يصبحون مثل عرائس السكر.

وعندما يبللهم بعض رذاذ من المطر الواهب للحياة فإنهم يتلاشون، يذوبون في خليط لزج.

كان يبدو لي أننا لم نتمكَّن من علاج أزمة المعمار المصري العامة بمجرد أن نبني مثالاً من نموذج جيد للبيت أو نموذجين.

ولا حتى قرية كاملة.

والأولى هو أننا ينبغي أن نحاول تشخيص الدَّاء.

أن نفهم الأسباب الجذرية للأزمة، ونهاجمها من جذورها هذه.

إن الفساد الحضاري يبدأ بالفرد نفسه، الذي يواجه بخيارات لم يهيأ للقيام بها.

وينبغي أن نعالجه عند هذه المرحلة.

والبناء إنما هو نشاط خلاق حيث اللحظة الحاسمة هي لحظة التصور.

تلك اللحظة التي تتخذ الروح عندها شكلاً.

وتتحدَّد بالفعل كل ملامح المخلوق الجديد.

وإذا كانت خصائص الكائن الحي تتقرَّر بلا رجعة في لحظة الإخصاب، فإن خصائص المبني تتحدَّد بكل مركب القرارات التي يعطيها كل مَنْ له يَدٌ في الأمر، عند كل مرحلة في بنائه.

وهكذا فإن لحظة التصور التي يعتمد عليها الشكل النهائي للكائن الحي تصبح بالنسبة للمبنى تعدداً من تلك اللحظات، كل منها تقوم بدور حاسم في العملية الخلاقة بمجملها.

ولو أمكننا تحديد هذه اللحظات والإمساك بها، فإننا سنستطيع عندها التحكُّم في كل عملية الخلق.

وممارسة الاختيار ممارسة متروية -أي اتخاذ القرارات- لهي النشاط الرئيسي للحياة، وكلما زادت المناسبات التي يمارس فيها الكائن الحي الاختيار، زاد علو المرتبة التي يوضع عليها بمقياس الحياة.

وابتداء من أبسط الكائنات المعروفة، وهي دواريات الماء التي يتألف وجودها كله من تمييزها بين ما يمكنها ولا يمكنها أكله، وانتهاء إلى أكثر الكائنات تعقداً وهو الإنسان، الذي تفعم كل ساعة من حياته باتخاذ القرارات أو بالحاجة إلى اتخاذ القرارات، فإنه ما من كائن حي لا ينفق وقته كله في الاختيار.

فأن تكون حياً هو أن تتخذ قراراً.

والقرارات التي يجب على الإنسان أن يتخذها لهي أكثر رهافة إلى حد بعيد، ويتطلب تقييمها وعياً بعوامل أكثر إلى حد بعيد، مما في تلك القرارات التي تتخذها الحيوانات الأبسط.

وفوق ذلك، فإن قرارات الإنسان تختلف كيفاً عن قرارات الحيوانات الأخرى، ذلك أن الإنسان لديه القدرة على التأثير بقراراته في العالم من حوله وأن يغير من مظهره  ومن طبيعته تغييراً جذرياً بالغاً.

ولما كان لقرارات الإنسان هذه الإمكانات الهائلة بما هو خير وشر معاً، فإن مسئوليته لهي حقاً مسئولية خطيرة.

وهذا في الحقيقة هو واحد من أهم أوجه مأزق الإنسان، وهو أن كل قرارات الإنسان تغير من العالم، وأنه لا مفر له من أن يصدر القرارات، وأنه على وعي بما يفعله من خير أو شر، وبما يخلقه من جمال أو قبح.

ويُقالُ أن الله استدعى الملائكة ذات يوم وعرض عليها مسئولية اتخاذ القرار؛ ولكن الملائكة بكل حكمة تفادت ذلك، مُفضِّلة أن تبقى في كمالها غير المتغير في انسجام مع الكون.

ثم طلب الله من الجبال أن تقبل المسئولية، فرفضت هي أيضاً، قانعة بأن تخضع في سلبية لقوى الطبيعة.

على أنه عندما عرض الله على الإنسان هبة المسئولية، فإن ذلك المخلوق الجاهل تقبلها لأنه لم يتبيَّن ما يستتبعه ذلك.

وهكذا فإن الإنسان الآن، أحَبَّ أو كَرِهَ ذلك، هو مُلجم بالمسئولية التي أرعبت الملائكة والجبال معاً، وأصبح لديه فرصة لإثبات أنه أعظم من أيهما.

وعلى أيٍّ، دعنا لا ننسى أنه بذلك يتقبَّل أيضاً مخاطر الهزيمة، وأنه لو هزم سيُنظر إليه على أنه من دون الخليقة لهو أكثر الحيوانات ادِّعاءً واستحقاقاً للزراية.

إن العالم في أي لحظة إنما هو صفحة  بيضاء في انتظار قلمنا؛ والفراغ الشاغر قد يتم شغله بكاتدرائية أو هو يشغل بكوم من خبث.

وحيث أنهما من رجلين يصدران في الظروف المتماثلة القرارات ذاتها، فإننا نقول أن شخصيات البشر تختلف.

واتخاذ القرار، أو الاختيار، هو كلمة أخرى تعني التعبير عن الذات - أو لعل الأفضل أنه التمهيد اللازم لكل التعبيرات عن الذّات.

والقرار الواعي لعله مما يتم الوصول إليه إما بالاسترشاد بالتراث أو بالتفكير المنطقي والتحليل العلمي.

وكلتا العمليتين ينبغي أن تؤدِّيا إلى نفس النتيجة، ذلك أن التراث يجسد استنتاجات التجربة العملية لأجيال عديدة على المشكلة نفسها، بينما التحليل العلمي هو ببساطة الملاحظة المنظمة لظواهر المشكلة.

وأرهف القرارات إنما تُستدعي عندما يقوم الإنسان بصنع شيء ما.

والكثير من القرارات الواعية ظاهرياً في حياة المرء اليومية هي ببساطة مما يتم بحكم العادة، ولكن عندما يُقْدِمُ المَرْءُ على صنع شيء فإن مجال اتخاذ القرار يصبح أوسع مما عند أداء الوظائف الثانوية للعيش.

ومن المؤكد أن المرء قد يقوم بصنع شيء بحكم العادة - ولكنه وقتها لن يكون حياً وجميلاً إلا بسبب ما يتبقى من فضل للقرارات التي اتخذها المرء عندما حاول لأول مرة القيام بصنع هذا الشيء، وأيضاً بفضل القرارات الثانوية التي يتخذها أثناء أداء الحركات المعتادة لإنتاج هذا الشيء.

على أن أفضل وسيلة لخلق الجمال ليست بالضرورة بأن تصنع تصميماً غريباً أو أصيلاً.

وكم يصدق ذلك حتى على صنع الله، حيث لا يتوجب أن يغير في تصوير التصميم من أجل أن ينتج التفرد فيما بين البشر، وإنما هو يمكنه أن يبسط كل درجات مقياس الجمال من كليوباترا حتى كالبيان بمجرد تعديل وضع أو حجم ما في الوجوه من عناصر.

ومن الشائق أن نلاحظ أن العادة قد تحرر الإنسان في الحقيقة من الحاجة لأن يتخذ قرارات كثيرة قليلة الأهمية، بحيث يمكنه أن يركز على القرارات المهمة حقاً لفنه.

والمخ الواحد لا يستطيع أن يتخذ أكثر من عدد محدود من القرارات في وقت بعينه؛ ولذا فإن من الإنصاف أيضاً أن يحال بعضها إلى اللاوعي.

 وناسجة السجاد تتعلم أن تعمل بيدها بسرعة وثقة بالعين بحيث لا تعود تفكر في كل حركة منفصلة ولكنها تستطيع أن تركزعلى التصميم وهو ينمو تحت يديها.

فهي كالموسيقى الذي يبذل كل انتباهه لعزفه للمقطوعة ويكاد لا يتتبع كل أصبع وهو يُصدر إحدى النغمات.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 10:07 pm

دور التراث
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit432
"لعل ما نطلق عليه أنه حديث هو فحسب ما لا يستحق أن يبقى حتى يصبح قديماً"
دانتي البجييري.

التراث للمجتمع هو المُماثل للعادة عند الفرد، وهو في الفن له نفس التأثير بأن يحرر الفنان من القرارات غير الضرورية التي تصرف الانتباه بحيث يستطيع أن يعطي كل انتباهه إلى القرارات الحيوية.

وما إن يتم اتخاذ قرار فني، بصرف النظر عن وقت اتخاذه ومن الذي اتخذه، فإنه لا يمكن أن يُتخذ مرة أخرى على نحو مفيد؛ والأفضل أنه ينبغي أن يمرر إلى مخزن العادة العام، فلا يشغلنا لأكثر من ذلك.

والتراث ليس بالضرورة طرز قديم وهو لا يرادف الركود.

وفوق ذلك، فإن التراث مما لا يلزم أن يرجع إلى ما سبق بزمن طويل وإنما  قد يكون مما بدأ من وقت جد قصير.

فبمجرد أن يجابه أحد العاملين بمشكلة جديدة ويتخذ قراراً بكيفية التغلب عليها، يكون قد تم اتخاذ الخطوة الأولى في إرساء تراث.

وعندما يقرر عامل آخر اتخاذ نفس الحل، فإن التراث يكون في حركة، وحين يتبع رجل ثالث الرجلين الأولين ويضيف إسهامه، يصبح التراث وقد تم إرساؤه إلى حدٍ كبير.

وبعض المشاكل يسهل حلها؛ وقد يقرر رجل في دقائق معدودة ماذا يفعل.

وهناك مشاكل أخرى تحتاج وقتاً، ربما يوماً، وربما عاماً، وربما حياة بأسرها؛ وفي كل حالة قد يكون الحل من صنع رجل واحد.

على أن هناك حلولاً أخرى قد لا يمكن التوصل إليها كاملة قبل مرور أجيال كثيرة، وها هنا يكون للتراث دور خلّاق يقوم به، ذلك أنه بالتراث وحده، وباحترام عمل الأجيال الأقدم والبناء عليه، يمكن لكل جيل جديد أن يصنع بعض تقدم إيجابي نحو حل المشكلة.

وعندما يحل التراث مشكلته ويتوقف عن النمو، يمكننا أن نقول أن الدورة قد اكتملت.

إلا أنه في العمارة، كما في النشاطات البشرية الأخرى وكما في العمليات الطبيعية، يكون هناك من الدورات ما هي في بدايتها فحسب، وأخرى قد اكتملت، وأخرى عند كل أطوار النمو فيما بين الطرفين وكلها توجد معا ًفي نفس الوقت وفي نفس المجتمع.

وهناك أيضاً أوجه من التراث تعود إلى بداية المجتمع البشري، إلا أنها مازالت حية ولعلها ستظل موجودة ما وجد المجتمع البشري؛ كما في صنع الخبز مثلاً، وضرب الطوب.

ومن الناحية الأخرى، ثمَّة أوجه للتراث، رغم أنها لم تظهر إلا حديثاً وكان ينبغي أن تكون في الطور الأول من دورتها، إلا أنها في الحقيقة قد ولدت ميتة.

فالحداثة لا تعني بالضرورة الحيوية، والتغير لا يكون دائماً للأفضل.

ومن جهة أخرى هناك مواقف تستدعي التجديد. ووجهة نظري هي أن التجديد يجب أن يكون مما قد تم التبصر فيه كاملاً كاستجابة لتغير في الظروف.

وليس كأمر يُطلب في حد ذاته.

ولا أحد يطلب أن يكون برج المراقبة في المطار مبنياً بأسلوب ما ريفي، والإنشاء الصناعي من مثل محطة للقوى الذرية قد يفرض على المصمم تقليداً جديداً.

وما أن يتم إرساء وقبول تقليد بعينه، حتى يكون من واجب الفنان أن يبقى على تواصل هذا التراث.

على أن يعطيه من ابتكاره الذاتي وبصيرته العزم الإضافي الذي ينقذه من أن ينتهي الأمر به إلى التوقف، وذلك حتى يصل إلى نهاية دورته ويستكمل نموه بالكامل.

والفنان سيتحرر بالتراث من قرارات كثيرة، ولكنه سيكون مضطراً لاتخاذ قرارات أخرى بنفس القدر من الإلحاح ليمنع موت التراث بين يديه.

والحقيقية أنه كلما زاد نمو تراث ما، زاد الجهد الذي يجب أن ينفقه الفنان لجعل كل خطوة فيه للأمام.

والتراث للفلاحين هو الضمان الوحيد لحضارتهم، فهم لا يستطيعون التمييز بين الأساليب غير المألوفة لهم، وإذا خرجوا عن قضبان التراث فسوف يلقون الهلاك حتماً.

إن الخروج عن التراث عمداً في مجتمع هو أساساً مجتمع تقليدي كما في مجتمع الفلاحين، لهو نوع من الجريمة الحضارية، ويجب على المهندس المعماري أن يحترم التراث الذي يقتحمه.

أما ما يفعله في المدينة فهو أمر آخر، فالجمهور والبيئة المحيطة هناك يستطيعان العناية  بأنفسهما.
* * *
وعلى المهندس المعماري ألا يفترض أن هذا التراث هو عائق له.

وعندما تكون كل قوة الخيال البشري مدعومة بثقل تراث حي، فإن العمل الفني الناتج يكون أعظم كثيراً مما يستطيع أي فنان إنجازه عندما لا يكون لديه تراث يعمل من خلاله أو عندما ينبذ عامداً تراثه.

وجهد الإنسان الواحد قد ينتج عنه تقدم هائل تماماً، إذا كان يبني عمله على تراث راسخ.

والأمر يكاد يشبه إضافة بلورية ميكروسكوبية واحدة إلى محلول هو من قبل محلول فوق المتشبع، وهكذا فإن المحلول كله يتحول فجأة إلى بلورات على نحو رائع.

على أن الأمر يختلف عن هذه العملية الفيزيائية من حيث أن هذا التبلور الفني ليس مما يحدث مرة واحدة وأخيرة، ولكنه عملية تفاعل يجب تجديدها دائماً.



((الكمال من غير اكتمال له فائدته. والانجاز دون إيفاء فيه ما يرغب)) (لاوتزي).

والعمارة مازالت من أكثر الفنون تعلقاً بالتراث، وعمل المهندس المعماري يقصد به أن يتم استخدامه، وشكل العمل يتحدد إلى حد كبير بما سبقه، وهو يقام أمام الجمهور حيث يجب أن يراه أفراده كل يوم.

وينبغي أن يحترم المهندس المعماري أعمال سابقيه ويحترم إدراك الجماهير وذلك بألا يستخدم معماره كوسيلة للإعلان الشخصي.

والحقيقية أنه ما من معماري يستطيع تجنب استخدام عمل المعماريين السابقين له؛ وهما كان ما يبذله من جهد جرياً وراء الأصالة، فإن الجزء الأكبر من عمله يكون إلى حد بعيد منتسباً إلى تراث أو آخر.

فلماذا ينبغي إذن أن يزدري تراث بلده هو نفسه أو منطقته.

ولماذا ينبغي أن يجر تراثاً أجنبياً في تركيبات مصطنعة وغير مريحة  ولماذا ينبغي أن يكون من الوقاحة بالنسبة للمعماريين الأسبق حتى ليشوه أفكارهم ويسيء تطبيقها؟

وهذا هو ما حدث عندما يؤخذ عنصر معماري تم تطويره عبر سنوات طويلة إلى حجم وشكل ووظيفة كلها متقنة، ثم يستخدم مقلوباً رأساً على عقب أو مضخماً بما يجعل منه شيئاً لا يدرك بحيث أنه حتى لا يعود بعد يقوم بوظيفته كما ينبغي، وذلك لمجرد إرضاء شهوة المعماري الأنانية للشهرة.

وكمثل فقد استغرق البشر سنوات كثيرة للوصول إلى الحجم المناسب للنافذة في مختلف أنواع التراث المعماري، وإذا ارتكب الآن معماري الخطأ الفظيع بأن يضخم من حجم النافذة حتى لتحتل حائطاً بأكمله، فإنه سيواجه في التو بمشكلة؛ إن حائطه الزجاجي سيُدخل من الإشعاع عشرة أضعاف ما يدخله الجدار المصمت.

والآن فإنه لو أضاف كاسرة شمس brise - Soleil ليظلل النافذة، وهذه ليست إلا مصراعاً بندقياً Venetian blind مكبراً، فإن الغرفة ستظل تتلقى إشعاعاً يزيد 300 في المائة عن الإشعاع من جدار مصمت.

وفوق ذلك، فإن المهندس المعماري عندما يزيد عرض شرائح المصراع البندقي من 4 سنتيمترات إلى 40 سنتيمتراً، حتى لا يفسد المقياس الملائم للجدار الزجاجي، فماذا ستكون نتيجة ذلك؟

بدلاً من أن يسمح المصراع بدخول نور لطيف منتشر كما يفعل المصراع البندقي، فإنه سيبهر عين أي فرد في الغرفة بنمط من قضبان عريضة مظلمة فوق وهج نور لامع.

وليس هذا فحسب.

ولكن المشهد، الذي كان الهدف الأول من الجدار الزجاجي هو ضمان رؤيته، سوف يفسد فساداً دائماً بسبب تلك القضبان الكثيرة التي تقطعه، بل إن كاسرة الشمس لن يكون لها ميزة إمكان طيها بعيداً، مثلما يحدث مع المصراع العادي والمصراع البندقي.

وحتى في المناخ البارد مثل مناخ باريس، يمكن أن يثبت في النهاية أن الجدار الزجاجي هو تطرف لا يمكن احتماله، فأثناء صيف 1959 الحار ارتفعت الحرارة داخل مبنى اليونسكو بسبب من ظاهرة ((بيوت الصوبة للنباتات)) الناتجة عن جدرانه الزجاجية، ورغم جهد آلات التكييف، فقد بلغ من ارتفاع الحرارة أن أصيب الكثيرون من الموظفين بالإغماء.

وإذن فإن من نافلة القول أن يعلق المرء على إدخال الجدران الزجاجية وكاسرات الشمس في البلاد الاستوائية؛ ورغم هذا فإنه من الصعب أن يجد المرء مثالاً من المعمار الاستوائي الحديث لم تستخدم فيه هذه الملامح، وعندما يجوس المهندس المعماري في تيقظ من خلال تراث حضارته، فإنه يجب ألا يفترض أن فنِّيَّتًهُ بهذا ستختنق.

فالأمر أبعد من ذلك وفنه سيعبر عن نفسه في إسهامات للتراث تتعلّق به تعلّقاً وثيقاً، وسيُسهم فنَّه في تقدم حضارة مجتمعه.

وعندما يوهب المعماري تراثاً واضحاً ليعمل فيه، كما في قرية قد بُنيت بواسطة الفلاحين، فإنه لا يحق له أن يحطم هذا التراث بنزواته الخاصة به.

وما يمكن تقبُّله في مدينة كوزموبوليتاتيه مثل باريس أو لندن أو القاهرة هو مما يؤدي بالقرية إلى حتفها.

وعقل أي إنسان هو من التركب بحيث أن قراراته تكون دائماً قرارات فريدة.

وتفاعله مع الأشياء من حوله هو أمر خاص به وحده.

وإذا كنت في تعاملاتك مع البشر تعتبرهم مجرد جمهور وتلجأ للتجريد، وتستغل الملامح المشتركة بينهم، فإنك ستدمر من الملامح المتفردة لكل منهم.

إن المعلن الذي يلعب على مظاهر الضعف المشتركة عند البشر، والصانع الذي يرضي الشهوات المشتركة، والمدرس الذي يعلّم بردود الفعل المشتركة، لكل منهم يعمل بطريقته على قتل الروح.

ذلك أن كلاً منهم إذا يعطي للملامح المشتركة أكثر مما تستحقه، يخنق الملامح الفردية بالزحام.

صحيح أن الفرد هم مما يجب إلى حدٍ ما أن يضحي به للجماهير، وإلا فإنه لن يكون ثمة مجتمع، ويموت الإنسان من العزلة، إلا أنه ينبغي أن يسأل كل الناس أنفسهم، كيف يمكن إلى التوازن في الشخصية الإنسانية ما بين العوامل المشتركة و الفردية.

وقد سادت سيادة عنيفة، هي غالباً سيادة بلا تحد، تلك العوامل التي تروج التماثل فمحت من الحياة الحديثة تراث الفردية.

فهناك وسائل الاتصالات بالجملة، والإنتاج بالجملة، والتعليم بالجملة، وكلها علامات على مجتمعاتنا الحديثة، التي سواء كانت شيوعية أو رأسمالية، فإنها  لا تتمايز من هذه النواحي.

والعامل الذي يتحكم في آلة في مصنع لا يضع شيئاً من ذاته في الأشياء التي تصنع الآلة.

والمنتجات التي تصنعها الآلة  منتجات متماثلة، غير شخصية، وبغير مردود سواء بالنسبة  لمستخدمها أو لمن يشغل الآلة.

أما المنتجات المصنوعة باليد فإنها تستهوينا لأنها تعبر عن مزاج الحرفي.

وكل وجه من عدم انتظام أو شذوذ أو اختلاف هو نتيجة لقرار يُتخذ لحظة الإنتاج، وتغيير التصميم عندما يصيب الحرفي الزهق من تكرار نفس الفكرة، أو التغيير اللون إذ ينقص ما لديه من أحد الألوان أو الخيوط، فيه ما يشهد  على التفاعل الحي المتواصل بين الإنسان ومواده.

والشخص الذي يستخدم الشيء الذي صُنع هكذا سوف يفهم شخصية الحرفي من خلال أوجه تردده هذه هي ونزواته، وسيكون هذا الشيء بسبب ذلك جزءاً من بيئته المحيطة له قيمة أكبر.
* * *




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 10:19 pm

إنقاذ الفردية في القرية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit433
فيما مضى، عندما كان أحد الرجال يريد بناء بيت، فإنه كان يندفع إلى عملية من أعقد وأطول عمليات اتخاذ القرار في حياته.

وابتداءً من أول مناقشة عائلية للفكرة حتى اليوم الذي يغادر فيه آخر العمال البيت وقد تمَّ بناؤه، فإن صاحب البيت يظل يعمل مع البنائين -ولعله لا يعمل بيديه، ولكنه يقترح، ويصر، ويرفض- مثابراً على إجراء مشاورات متصلة معهم وجاعلاً نفسه المسئول عن الشكل النهائي للبيت.

والحق أن اهتمام المالك المُستمر هذا ببيته سوف يظل مستمراً إلى ما لانهايه، فهناك عقيدة خرافية مؤدَّاها أنه ما إن ينتهي العمل في أحد البيوت تماماً حتى يموت صاحبه، وهكذا فإن صاحب البيت الحصيف يواصل دائماً تغيير انشاءاته والإضافة إليها ليؤجل إرساء الطوبة الأخيرة القاتلة.

والرجال العاملون في بناء البيت كلهم حرفيون.

يعرفون ما يمكنهم عمله ويعرفون ما هي حدودهم  هم.

وربما كانوا من نفس الجيرة مثل المالك، ويعرفونه جيداً، بحيث أنه لا يوجد صعوبة في شرح ما يريده، كما أن مقاول البناء سيفهم جيداً جداً قدر ما يمكن للمالك أن يطيق إنفاقه، وما لذي يمكنه الحصول عليه مقابل نقوده.

وإذ يتقدم العمل، فإن المالك يختار التجهيزات المختلفة؛ فهو يتحدث مع النجار عن المشربيات والأبواب، والأصونة، ولو كان فقيراً فسوف يتحدث مع نحات الحجر عن الخوانات و الزخارف التي من حول الباب، ولو كان غنياً فسيتحدث مع نحات المرمر عما سيصنعه بالفسيفساء من خوانات، ونوافير، وتكسيات، وأرضيات، ويتحدث مع الجصاص عن النوافذ الزجاجية المعشقة الملونة.

وهو صاحب خبرة بهذه الأشياء، فمن المستحيل خداعه، وهو يعرف ما يريد ويستوثق من الحصول عليه.

وكل حرفي يعرض للمالك ما هو ممكن عملياً ويختار المالك ما بين تنوعات رهيفة معروضة في تصميمات ثلاثية الأبعاد لا يمكن قط تمثيلها على مسقط معماري.

والإنسان الوحيد الذي ليس له وجود في مشروع البناء هذا هو المهندس المعماري.

فالمالك كان يتعامل مباشرةً مع الرجال الذين يقومون بالعمل، وكان في وسعه أن يرى ما الذي يحصل عليه.

ومن ناحيتهم، فإن هؤلاء الحرفيين كانوا أحراراً في تنويعات تصميماتهم في حدود التراث بشرط موافقة المالك.

ولو أن مهندساً معمارياً تدخل بين المالك والحرفيين، لكان قد أنتج رسومات مساقط لا يفهمها أي منهم.

وحيث إنه لا يستطيع فراراً من لوحة رسمه، فسوف يظل يجهل تماماً أن التنوعات الممكنة في تفصيل أحد التصميمات فيها كل الفارق بين البيت الجيد والبيت السيئ.

وقد تحدثت ذات مرة إلى المعلم محمد اسماعيل، وهو أحد الحرفيين الذين يصنعون النوافذ من الزجاج المُلوَّن المُعشَّق في الجص، وكان هذا فيما مضى أحد أوجه الزينة الشائعة في بيوت المدينة، إلا أنني عندما سألت محمد اسماعيل كم عدد الحرفيين غيره هو نفسه الذين يمارسون هذه الحرفة، لم يتمكن من أن يتذكر سوى رجل واحد هو المعلم لطفي.

وسألت اسماعيل عمَّا إذا كان يُعَلّم هذه الحرفة لأولاده.

فقال: ((إن ابني الأكبر ميكانيكي وقد أرسلت الأصغر إلى المدرسة)).

((وإذن لن يبقى أحد بعد جيلك يواصل التراث؟))

((وماذا تريدني أن أفعل؟ أتعرف أننا كثيراً ما لا يكون لدينا ما نأكله.. لا أحد يطلب اليوم عملي، لم يعد هناك مكان لنافذة من الزجاج الملون في معماركم الجديد هذا.. فكر بالأمر، ففيما مضى كان حتى السقا معتاداً على تزيين بيته، فكان يُشَغِّلُنِي، أما الآن، فكم عدد المهندسين المعماريين الذين يعرفون حتى بوجودنا؟)).

وقلت له: ((ولو أحضرت لك عشرة صبيان، هل تعلمهم الصنعة؟)).

وهز اسماعيل رأسه ((أنا لم أتعلم في مدرسة، إذا كنت تريد إحياء الصنعة أعطنا عملاً، فإذا كان لدينا عمل، فإنك سوف ترى هنا، ليس فحسب عشرة تلاميذ، وإنما عشرين صبياً للصنعة..)).

واستطعت أن أعهد إليه بمهمة، ولفت عمله انتباه مهندسين معماريين آخرين بحيث تم جر ابنه الأكبر الميكانيكي مرة أخرى إلى الصنعة، وهو الآن فاق أباه مهارة.
----------------------------------------------------
* ذات مرة كان على كبير المهندسين المعماريين في وزارة الأشغال، وهو المسئول عن بناء المساجد وصيانتها أن يُعِدَّ بعض رسومات مشروع تتضمن تاج عمود له سدائل مقرنصات من النمط العربي المعتاد، وثبت أنه من الصعوبة بمكان رسم التاج منتصباً بتلك السدائل الحجرية المعقدة، وظل المهندس المعماري يناطح هذه المشكلة عدة أيام، وهو في أسوأ مزاج، ثم أتى أحد الجصاصين إلى المكتب وتطلع إلى الرسم، وسأل المهندس المعماري عمَّا يفعله، وإذَ أخبره بالأمر فإنه قال: ((ولكن هذا أمر بسيط جداً، سأصنع لك أحد هذه التيجان بالجص وأحضره لك صباح غد))، وقد فعل، وكان النموذج غاية في الإتقان بحيث تمكَّن المهندس المعماري من رسم مساقطه من النموذج ثم أعادها بكل وقار إلى نفس الجصَّاص ليصنع منها التيجان.
----------------------------------------------------

والحقيقية أن ملامح كثيرة من الجمال المعماري العظيم لا يمكن تمثيلها بمساقط هندسية على رسم المشروع مثلما لا يمكن ذلك مع قطعة نحت عظيمة.

وإذا كان التقدم الحديث في التكنولوجيا قد منحنا مواد ومناهج جديدة للبناء فإنه قد استوجب أيضاً إقحام المهندس المعماري المحترف، وهو متخصص يتم تلقينه علم العمل بهذه المواد.

وهذا المهندس المعماري بخبرته هذه يضيع كل بهجة بناء البيت على عميله، الذي لا يستطيع أن يلاحق تلك التكنيكات التي تتقدم سريعاً.

والآن فبدلاً من المناقشات المتأنية العارفة مع الحرفيين أثناء بناء البيت، لم يعد للمالك فرصة ممارسة اختياره إلا بعلامات على رسم للمشروع في مكتب المهندس المعماري.

وهو لا يفهم لغة الرسم المعماري ولا رطانة المهندس المعماري، وهكذا فإن المهندس المعماري يزدريه متكبراً عليه (2)، أو هو يمكر به ليتقبل ما يريده المهندس المعماري وذلك بأن يضيف أشجاراً وسيارات خداعة.

والمهندس المعماري يحس أن ماله من معرفة تقنية -قدرته على الحديث عن الاجهادات وعزم الانحناء- يصنعه في مرتبة أعلى من عميله، والعميل وقد هُوّل عليه الأمر يذعن مستسلماً.

ومن السخرية بمكان، أنه مع كل هذا فإن القليلين من المهندسين المعماريين هم الذين يستطيعون تناول الأشكال الجديدة تناولاً فنياً، وهكذا تحل الهندسة المبسطة مكان المعمار، ليتزايد تشويه المدينة و الريف.

هكذا إذن، فإن الرجل الغني الذي يطيق تحمل أتعاب المهندس المعماري يصبح محروماً من الكثير من سلطته السابقة لاتخاذ القرار لنفسه.

أما الرجل الفقير، فلعلك تفترض أنه أكثر حظاً ولعله أحياناً يكون هكذا، وذلك لو ترك لشأنه، أما عندما تقرر الحكومة أن تبني له، فإن حاله يصبح أسوأ كثيراً من حال أي رجل غني يستبد به المهندس المعماري.

ذلك أن مهندسي الحكومة المعماريين، حتى عندما لا يصرفون الفقراء بعيداً على أنهم أجهل من أن يُستشاروا، فإنهم سيقولون أنهم لا وقت لديهم للتعامل مع كل عائلة على حِدَة.

((لدينا مليون بيت نبنيها، ولدينا مال قليل ووقت قليل، كن واقعياً من فضلك، كيف نستطيع بأي حال أن نرسل مهندسينا المعماريين ليناقشوا مليون عائلة؟ هذه مثالية مبالغ فيها، إن الإسكان سياسة محكمة -وقد أحسنا عملنا تماماً- لقد بوبنا عائلاتنا حسب الحجم، والتركيب، والدخل، والتغير المتوقع، واكتشفنا من التحليل الإحصائي أن هناك أنواعاً خمسة من العائلات، وقد صممنا المنزل المثالي لكل منها، وسوف نبني الآن 200.000 بيت من كل نوع، ماذا يمكن أن نفعل أكثر من ذلك؟)).

هكذا يقدم معماريو الحكومة حُججهم التي لا تقبل الجدل ويبنون منازلهم المليون المتماثلة، والنتيجة هي شيء شنيع لا إنساني، مليون عائلة تكدس في تلك الزنازين ذات التجهيز السيئ من غير أن يتمكن أفرادها من أن ينطقوا و لا بكلمة عن التصميم، ومهما كان قدر ما يطبق من علم لتصنيف العائلات وجعل المساكن ملائمة لها.

فمن المحتم أن الغالبية ستكون ساخطة.

إن هؤلاء المهندسين المعماريين إذ يطبقون المتوسطات الإحصائية على الإسكان يتجاهلون تحذيراً أولياً يوجه لكل هواة استخدام الإحصاءات.

فعلماء الإحصاء أنفسهم يخبروننا أنه رغم أن خواص السكان ككل ثابتة، إلا أن أفراد هؤلاء السكان يتباينون بما لا يمكن التنبؤ به.

فالمتوسطات الإحصائية قد تكون لها قيمة عظيمة عند شركة للتأمين على الحياة وهي تقدر متوسط الأعمار بين المؤمنين لديها، ولكن حتى شركة التأمين، ودع عنك عالم الإحصاء، لا تستطيع أن تخبرنا متى سيموت فرد بعينه.

وبالنسبة لمصلحة حكومية ينقصها المهندسون المعماريون، فإن إنتاج التصميمات بالجملة لعائلات مختلفة على أساس المتوسطات الإحصائية، مثله مثل شركة تأمين ينقصها المحاسبون، وهي تقرر لكل مؤمّن لديها قدر ما خصص له من عمر ثم ترسل له وكيلها ومعه مسدسه لتدبير أمر العميل حتى تظل دفاترها منتظمة.

والمهندس المعماري الذي يأخذ على عاتقه هذه المذبحة بالجملة للفردية سوف يحس بالنقمة لو طلب منه تصميم مائة بيت مختلف لمائة عميل خاص في شهر واحد.

ليس بالنقمة فحسب بل والمرض، فهو سينهار بعد عشرين تصميماً.

أما عندما يصمم مليون بيت للفقراء فأنه بأبعد من أن ينهار سيكون على استعداد لتصميم مليون بيت آخر في الشهر التالي.

فهو يصمم بيتاً واحداً ويضيف إليه ستة أصفار.

وهو إذ يفعل هذا إنما يضاعف بعملية ضرب ما لا يمكن أن يتم تضاعفه هكذا على النحو صحيح.

وعندما يبني أحد البيوت، فإن صنوفاً شتى من العمل تسهم في البناء..

ويمكن تصنيف عمليات الشغل كالتالي:
1- عمل خلاق (التصميم).
2- عمل تقني (الحسابات الهندسية).
3- عمل إداري وتنظيمي (حسابات مالية وتجنيد العمال، الخ).
 4- عمل ماهر.

----------------------------------------------------
 (2)  قال دي لاو وهو يسأل ليكوربوزييه: عندما يكون عليك أن تبني مسكناً فما هي هواجسك عندها حسب ترتيب أهميتها؟ وأجابه: أول كل شيء من الذي يقصد أن يكون البناء له؟ أهو العميل الخاص، أو الإنسان بوجه عام؟ أما العميل الخاص فهو عموماً فاقد الاتزان، وغبي، وله أوجه جنونه التي اكتسبها في سياق الحياة. وهذا لا يهمني أمره  كثيراً.       
(الأسرة والمسكن)، لبول شومبارت دي لاو -المركز القومي للبحث العلمي- ص 197).
----------------------------------------------------

وحتى ندرك إسهام المواطن العادي في حضارة مدينة اليوم، يمكننا لذلك أن نقارن أوجه المفارقة بين نظرة ليكوربوزييه إلى عميله وعلاقة أصحاب العمل فيما مضى مع الحرفيين.. ودعنا نتذكر أن ((صاحب العمل)) قد يكون شخصاً متواضعاً مثل سقا محمد اسماعيل.

ومسئولية انحدار وضع صاحب العمل هكذا حتى أصبح في وضع العميل إنما تقع بصورة قاطعة على المهندس المعماري، الذي انحدر حاله هو نفسه من فنان إلى مهني: (البناءون، النجارون، السباكون، الخ).

5- عمل نصف ماهر (رمي الخرسانة، الخ).
6- عمل غير ماهر.


وكل صنف من صنوف العمل هذه يكّون نسبة معينة من المجموع الكلي للعمل، وما بينها من تناسب ينبغي أن يكون ثابتاً إلى حد ما، وإذا غاب أي صنف منها، فإن البناء النهائي سيتأثر على نحو أو آخر ويصبح دور المعمار في التنمية الحضارية للبلد منقوصاً.

فلو غابت العمالة غير الماهرة، فمن الواضح أن البناء لن يُبنى!

ولهذا السبب فإن المرء لا يستطيع أن يقتصد على حساب العمالة غير الماهرة.

ولكن المرء يستطيع أن يوفر على حساب بعض الأنواع الأخرى للعمالة.

والإقلال من العمالة الماهرة في العمل سيؤدي إلى الإضرار بنوعية الشغل.

والإقلال من العمل الإداري سيؤدي بمشروع بيتك إلى الفوضى.

وحيث أن السلطات التي تبني للفقراء تصمم على التوفير في شيء ما، فإنها هكذا تلجأ عادة إلى التوفير في العمل الخلاق والعمل التقني.

ولربما أمكن أن يتم عمل شغل الهندسي مرة واحدة ثم يُضرب مضاعفاً، أما العمل الخلاق فهو مما لا يمكن التقتير فيه.

ومن العسير أن يفهم المرء لماذا ينبغي أن تكون السلطات ضنينة هكذا في تقديم خدمة مهنية جيدة للعائلات المنفردة، ولماذا يذعن المهندسون المعماريون لما تمليه السلطات.

والحقيقة التي يجب أن تقال، هي أن الخطأ ليس خطأ السلطات بقدر ماهو خطأ التقنيين.

فبالنسبة للطب ما من أحد يتوقع من الطبيب عندما يعامل الفقراء أن يحاول إجراء عمليات بالجملة.

ما السبب إذن في أن علة عارضة مثل زائدة دودية ملتهبة تشرف بأن يتم تناولها بعناية تناولاً فردياً، بينما تلقى حاجة ضرورية دائمة كبيت عائلة عناية أقل؟

لو أنك بترت الزوائد الدودية بالألوف مستخدماً آلة ما، فإن مرضاك سيموتون، ولو دفعت بالعائلات إلى صفوف من بيوت متماثلة، فإن شيئاً ما سيموت في هذه العائلات، خاصة إذا كانت عائلات فقيرة.

سوف يصبح الناس متبلدين بلا روح مثل بيوتهم ويذوي منهم الخيال.

والحقيقة أن مهندس الحكومة المعماري، أو الحكومة نفسها، قد يكون لهما العذر في التساؤل هنا عما إذا كنت أقترح أن تُترك العائلات المليون في عناءها المروع وكأنه ليس هناك من بديل للتصميم بالجملة.

ويقينا فإنه لسؤال بليغ، على أن الحكومة ستعقبه بأن نتساءل بابتسامة منتصرة، كيف يمكن إسكان مليون عائلة  بالقدر القليل من النقود المتاح لها.

فليس هناك من يعمل مجاناً حباً في العمل ولا حتى المهندسون المعماريون، والبناءون من كل الأنواع يطلبون أجرهم أسبوعياً.

والمواد تكلف الكثير، وكذا الآلات.

وحسب قولهم فإنه يجب تخفيض التكاليف بجعل برامجنا برامج معقولة، وبالفعل على تبسيط العملية كلها، وعلى التوفير بالأسلوب الذي يدلنا عليه الإنتاج الصناعي بالجملة.

بأي وسيلة أخرى سيمكننا إسكان الملايين  إلا بجعل البيوت بنمط موحد؟

على انه لا يبدو أن أحداً من هؤلاء الحواريين للإنتاج بالجملة ولاستخدام المواد السابقة التجهيز يدرك مجرد الإدراك مدى فقر الفلاح المصري.

وليس من مصنع على وجه الأرض يمكنه أن ينتج بيوتاً يطيق هؤلاء القرويون تكلفتها.

إن متوسط دخل الفلاح المصري هو أربعة جنيهات سنوياً.

وقد تبين من مسح لأربع عشرة قرية مصرية نموذجية في مصر العليا والسفلى أن 27 في المائة من العدد الكلي لغرفها ليس له أسقف.

والشكل المعتاد الآن للتسقيف هو استخدام أعواد البوص التي ترص فوق عمود خفيف أو عمودين من الخشب.

وكثيراً ما يكون الفلاحون أفقر من أن يطيقوا تكلفة عيدان البوص (عشرة قروش لحمل جمل) ثم يتوقع لهم أتباع التجهيز المسبق، أنهم سيشترون خرسانة مسلحة!

كيف لهؤلاء الناس الذين يبلغ فقرهم أنهم لا يطيقون حتى شراء خبزتهم خبزة مسبقاً، وإنما عليهم أن يخبزوا عيشهم بأنفسهم ليوفروا ربح الخباز، كيف لهم أن يستطيعوا حتى أن يحملوا بيت مصنوع في المصنع؟

إن الحديث عن التجهيز المسبق لأناس يعيشون في مثل هذا الفقر لهو أسوأ من الغباء، إنه سخرية قاسية من حالهم.

حسن إننا لا نستطيع إسكانهم بوسيلة رخيصة حتى عندما ننمط البيوت بالفعل، ولا نستطيع إسكانهم بما فيه أضال مظهر للكرامة الإنسانية إلا إذا ألغينا التنميط، الأمر الذي سيقال أنه مكلف.

ومن أسف أن سلطات الحكومة تفكر في الناس على أنهم ((بالملايين)).

وعندما تنظر للناس ((كملايين)) تُجرف في صناديق شتى، مثلهم كمثل أكوام الحصى، وعندما تنظر إليهم على أنهم أشياء متماثلة، جامدة غير محتجة، ودائماً سلبيون، ودائماً يحتاجون لأن تصنع لهم الأشياء، فإنك بذلك تضيع أعظم فرصة تسنح لك لتوفير المال.

ذلك أن من الطبيعي أن الإنسان له عقله الذي يخصه، وله زوج من الأيدي يقومان بصنع ما يقوله لهما عقله.

والإنسان مخلوق نشط، مصدر للفعل والمبادرة وليس عليك أن تبني له بيتاً مثلما ليس عليك أن تبني لطيور الجو أعشاشها.

ولو أعطيت الإنسان نصف فرصة فإنه سيحل الجزء الذي يخصه من مشكلة الإسكان -دون عون من المهندسين المعماريين، والمقاولين، والمخططين- وسجله بأفضل إلى حد كبير مما تستطيعه أي سلطة حكومية  وبدلاً من مهندس معماري واحد يجلس إلى مكتبه طول الليل ليكتشف كم بيتاً من كل حجم يلاءم أحسن الملائمة الجموع التي يجب إسكانها فيه، فإن كل عائلة ستبني بيتها الخاص بها حسب متطلباتها الخاصة بها، وستصنعه حتماً في شكل عمل فني حي.

وهكذا.

فإن تشوق كل فرد تشوقه الخاص إلى بيت، ولهفته لأن يبني بيتاً بنفسه، فيهما البديل لخطط كوارث الإسكان بالجملة التي تقوم بها حكومات كثيرة.

وماذا عن المهندس المعماري؟
إنه إذا لم يكن لديه وقت ينفقه للمشورة الشخصية، وإذا لم يُعط له المال الكافي بما يجعل المهمة جديرة باهتمامه، فإن هذه المهمة إذن ليست له.

فلندعه يذهب ليدور بخبرته على من سيدفعون من أجلها، ولندع الفقراء ليصمموا بيوتهم هم.

أما البديل الآخر، تصميم منزل واحد وضربه مضاعفاً إلى الألف، مثلما يفعل مهندس الطرق عندما يصمم جزءاً من الطريق ويكرّه كراً لأي عدد من الأميال، فإن اتخاذ المهندس المعماري لهذا البديل هو خيانة لمهنته، وتضحية بالطبيعة الفنية للبيت مقابل النقود، ونبذ لكرامته هو نفسه.

وسيبقى للحكومة دور كبير جداً تقوم به في عملية أحياء البناء التي تبزغ من العائلة الفردية.

فسوف يكون عليها أن تخلق الظروف التي تكفل ازدهار هذا الإحياء، ومن الواضح أن هذه الظروف غير موجودة الآن، وإلا لما كان ثمة مشكلة.

فعلى الحكومة أن تزيل العقبات المختلفة أمام البناء الخاص، وعليها أن توفر قدراً هائلاً من الإرشاد إلى الأفراد الذين ليس لديهم أي خبرة على الإطلاق (التخطيط العام للقرية أو المدينة هو المجال الصحيح للسلطة، كما أن هذا المجال يكون أيضاً في توفير الخدمات، وتدريب الأفراد على حرفة البناء، وإعطاء العون المادي في الأمور الملائمة).

وما يجب أن توفره السلطة من تدريب خاص سيمتد بالضرورة إلى المهندسين المعماريين في مصر ليتم تدريبهم على مشاكل المعمار الريفي.

وهذا كله يدخل في نطاق موارد أي حكومة.

ولو أن الحكومة غيرت فحسب موقفها من الإسكان، ولو أنها تذكرت أن البيت هو الرمز المرئي لهوية الأسرة، وأنه اهم ملكية مادية يمكن للإنسان أن يحوزها، وأنه الشاهد الدائم على وجوده، وأن غيابه هو أحد أقوى الأسباب لسخط المواطنين، وبالعكس فإن امتلاكه هو أحد أقوى الضمانات للاستقرار الاجتماعي، ولو أن الحكومة تذكرت ذلك فإنها ستتبين أن أي إنسان إنما سيبذل أقصى ما يستطيع من فكر، وعناية.

ووقت وجهد في صنع بيته الذي سيعيش فيه.

وسوف تتبين أن من أعظم الخدمات التي يمكن أن تقدمها حكومة لشعبها، ان تعطي كل أسرة الفرصة لبناء بيتها الخاص المنفرد، والفرصة لأن تقرر في كل مرحلة كيف يكون، وأن تحس بأن البناء عندما يكتمل هو تعبير حقيقي عن شخصية الأسرة.

وإذا كان هناك أي فرد يشك في أن من العملي أن يترك الناس ليبنوا بيوتهم الخاصة بهم.

فما عليه إلا أن يذهب للنوبة.

وهناك سوف يرى البرهان القائم على أن الفلاحين من غير أي تعليم، عندما تكون لديهم المهارات اللازمة، يستطيعون العمل بأفضل كثيراً مما قد قامت به أي خطة حكومية للإسكان.

بل إن نفس البرهان على الخيال، والإبداع، والحماس يمكن رؤيته في الكثير من مدن الأكواخ حيث يبني الناس الذين بلا مأوى بنايات بهيجة من صناديق التعبئة، وصفائح الجاز وغير ذلك من النفاية.

وطبيعي أن هذه المناطق ليس فيها صرف صحي، ولا شوارع مرصوفة والبيوت نفسها غير محكمة، وذات ضجيج، ومزدحمة، وعرضة لأن تمسك بها النيران.

إلا أن لهذه المباني مظهراً طيباً بالفعل، وسبب ذلك أن الناس بما هم عليه من تفنن لا يُكبت يجعلون كل بيت يختلف عن الآخر، ويتمسكون بوسيلة التجميل الوحيدة الممكنة -الألوان الزاهية والزهور- كما أن السبب أيضاً أن المواد المستخدمة تفرض تجانساً عاماً على هذه المواقع.

وقد بنى اللاجئون الفلسطينيون في الأردن لأنفسهم مدينة من هذا النوع، وفي أثينا بنى اللاجئون أيضاً مناطق كثيرة هي اليوم تشكل النوع الوحيد من المعمار المنزلي الذي له مظهر حسن في المدينة، بينما حدث في بيرو ما يشكل درساً لكل المخططين في كل مكان.

ففي عام 1959، قرر مائة ألف فرد يعيشون في الأحياء الفقيرة في ليما أن يبنوا لأنفسهم ضاحية كاملة جديدة على أرض خلاء تبعد بعض الشيء عن المدينة.

ولمَّا كانوا يعرفون أن السلطات لن تتعاطف معهم.

فإن هؤلاء الناس خططوا للعملية كلها سراً، وكأنها مناورة عسكرية، فقسَّموا أنفسهم إلى أربع مجموعات، كل منها لها قائدها الخاص وكل لها منطقة في الضاحية الجديدة، ورسمُوا الخطط، مخططين الضاحية بالطرق والميادين والمدارس والكنائس، وفي ليلة 25 ديسمبر، اتخذوا مسيرتهم، حاملين مواد البناء معهم.

ووصلوا إلى هدفهم، وفيما بين العاشرة مساءً ومنتصف الليل كانوا قد أقاموا ألف بيت مؤقت اتخذت مواقعها حسب خطتهم، وكان لكل حي كنيسته.

وعند منتصف الليل كانت السلطات قد لاحظت ما يحدث.

ودُفع بالشرطة لإيقاف هذا الاحتلال.

ورغم هذا، فقد بقي هناك خمسة آلاف فرد (من المائة ألف المخطط لهم) ومازالوا يعيشون هناك في كيوديد دي دوا، على بعد عشرة أميال من ليما.

والمغزى لا يكاد يحتاج لإيضاح؛ إذا كان خمسة آلاف فرد يستطيعون إسكان أنفسهم في ليلة واحدة، في ضاحية أُحسن إرساؤها بتخطيطهم هم أنفسهم ورغماً عن المعارضة الرسمية، فما الذي لا يقدرون عليه لو نالوا تشجيعاً رسمياً؟

تُبَيِّنُ هذه القصة كم للأفراد من جوع للإسكان، ومن العزيمة على العمل والبناء ومساعدة كل واحد للآخر!

على أنه يمكن أيضاً أن يضاف تحذير هنا.

فيجب ألا يفترض أن كل الفلاحين ينتجون بالطبيعة مباني لطيفة بمجرد إعطائهم مواد البناء وتوضيح طريقته لهم.

ومعظم الفقراء يحسدون الأغنياء ويحاولون تقليد ممتلكات الأغنياء.

وبالتالي، فعندما يحصل أحد الفلاحين على نقود كافية لبناء بيت، فإنه غالباً ما يبني نسخة -أكثر ابتذالاً وسوءاً من كل وجه- من بيوت الأغنياء المحليين، التي قد نسخت بدورها عن فيلات أوروبا.

وهكذا فالفلاح الذي يُسمح له بإطلاق العنان لذوقه هو، سينتهي به الأمر إلى نسخة فجَّة عن نسخة أخرى.

بل إن الأصل البعيد قد يكون بيتاً أقامه أحد العملاء الخاصين الأوروبيين من الأغبياء فاقدي الاتزان الذين يرفضهم مسيو ليكو بوزييه، فالمصريون ليسوا مطلقاً هم الشعب الوحيد الذي يعادل الحداثة بالتفوق.

على أنه يوجد في مصر بالفعل قدرة كامنة لخلق التصميمات الجميلة.

ومنذ بضع سنوات قام السيد حبيب جورجي والسيد رمسيس ويصا واصف بتعليم مجموعة من أطفال القرية طريقة نسج السجاد*، وتركهم ليضعوا تصميماتهم الخاصة بهم فأنتجوا أعمالاً بلغ من جمالها أنها مما يمكن مقارنته بأجمل السجاد القبطي.

وعندما عُرِضَتْ في أوروبا شَدَّتْ إعجاب كل فنان وناقد رآها.
----------------------------------------------------
*    مازال هؤلاء الأطفال يصنعون السجاد حتى الآن في الحرانية بالجيزة (المترجم).
----------------------------------------------------



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 10:23 pm

إحياء حرف التراث في القرية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit434
كان من المُعتاد أن يوجد في الأقصر والقرى التي من حولها نوع جد شائق من النجارة.

وذلك أنه لما كان الخشب نادراً ومن النوع السيئ، فإن النجار حتى يصنع باباً فإنه يشكله من ألواح صغيرة كثيرة تسمر معاً في نمط أصيل بهيج.

ومازال عدد قليل من هذه الأبواب موجوداً، خاصة في قرية نقادة، ولكن أصحابها مشغولون بهدمها ليضعوا مكانها أبواباً من النوع الأوروبي المعتاد ذي الألواح الأربعة، الذي يسمى على نحو يثير العجب ملكاني (أمريكاني).

وعندما وصلنا إلى إقامة الأبواب لبيوتنا في القرنة، رفض نجاري إبراهيم عجلان في ازدراء أن يصنع أبواب ((الصبرات)) التراثية، وعندما ضغطت عليه قال أنه نجار بمثل ما ينبغي للنجار، وقد تدرَّب في المدينة، ولا يعرف الأساليب الخرقاء للنجارة في القرية.

وتصادف أن كان عندنا نجار قروي قد آتى لصنع ذراع طاحون، فسألت هذا الرجل -الذي كان يعمل بقدوم لا غير- إن كان يستطيع صنع أبواب الصبرات وأجاب ((بالطبع)) وعندها احتضنته أمام إبراهيم عجلان، ودعوته بأنه فنان حقيقي، إنسان استطيع أن أفهمه، مصري حقاً، وابتسمت له ورَبَتُّ على ظهره.

وفي نفس الوقت تجهَّمتُ عابساً لعجلان ودعوته بأنه إنسان بلا إحساس، وبلا فن، فهو مقلّد، ومزيف، وليس مصرياً، وإنما هو ملكاني، وليس صنايعياً، وإنما هو مجرد قاطع أخشاب أخرق لا يستحق ما عنده من عدد، حتى وصلت به إلى أن يصبح في حال مرهف من المهانة والغضب.

فقلت له: ((حسن جداً، إذا كنت تريد أن تثبت أنك حقاً أفضل من نجار القرية هذا فلديك تسعة أبواب هناك يجب صنعها للدكاكين اذهب واصنعها، واجعل كل واحداً منها مختلفاً، هيا بعيداً، ولا تعد ثانية إلا إذا أثبَتَّ لي أنك يمكنك صنع أبواب الصبرات بأفضل من هذا الرجل)).

وقد فعل.

فما إن أجبر على العودة إلى التراث الوطني حتى أصبح هو أيضاً متحمساً له، وقبل أن يمضي زمن طويل أصبح ينتج أكثر الأنماط جمالاً وإبداعاً، وكان أفضلها باب المسجد الضخم.

وعالجت البنائين أيضاً بنفس الطريقة، طالباً منهم أن يملؤا نوافذ بناء السوق بشتى أنواع حليات المخرمات، وكانت النتيجة هي الحصول على مسطح جداً شائق إلى حد أكبر كثيراً مما كان يمكن الحصول عليه من الأنماط المتماثلة.

وهكذا نرى أن حرف التراث يمكن إعادة إحيائها سريعاً، والأمر يحتاج إلى إعادة رد اعتبارها أكثر ما يحتاج لإعادة تعليمها.

ويجب على الفنان -وهو في حالتنا المهندس المعماري- أن يستخدم سلطته ليقاوم فتنة الملكاني ويجب عليه أن يعثر على الحرف المخبوءة التي تموت ويأتي بها للنور، ويُحْيِّيِهَا، ويعيد للحرفي مرة ثانية ثقته التي فقدها، ويشجع على نشر الحرفة بزيادة ما يعهد به من مهام جديدة منها.

ومن بؤس الحال، أنه ما من شيء يكاد يُنجز في هذا الاتجاه.

ومعظم المهندسين المعماريين، بما فيهم من يتشدقون لا غير بالكلام عن سحر التراث، يقولون أن الصنعة التي من هذا النوع قد راح زمانها ولا تستطيع بقاء في الظروف الحديثة -حتى وهم يرونها حية باقية تحت أعينهم- ومن النغمات السائدة أن يدور الحديث عن الحرف و كأن الأمر بديهي فيقال ((آه - نعم، ولكننا بالطبع لا يمكننا الارتداد إلى ذلك،)) أو أن يدور الحديث عن أن أساليب الإنتاج هذه لا يمكن إحياؤها في اقتصاد متشابك  تماماً هكذا، الخ.

هراء لا غير، لاتقاء الأسئلة المحرجة ولإخفاء حقيقة إن معظم المهندسين المعماريين ليس لديهم معرفة إلا بمواد البناء الصناعية، ولا يستطيعون أن يتقنوا العمل كما يتقنه الحرفيون المحليون فيما لو أعطيت لهم نفس موادهم.

ويبدو أيضاً هذا الموقف المتعالي في الطريقة التي يؤكد لك بها الرسميون والخبراء أن الفلاحين لا يحبون الحرف الفلاحية، وأنهم جميعاً يريدون المباني الإسمنتية الخراسانية.

وهذا في المكان الأول هو تهرب من المسؤولية، لأن الفلاحين في مصر لو كانوا يريدون الخراسانة، فسيكون عليهم بأي حال أن ينتظروا لخمسمائة عام، ثم يقوم الخبراء بطرح بدائل يعلمون أنها لا وجود لها.

وقد رأيت في نيجيريا عرضاً لعمل من أعمال العلاقات العامة، لوحتين، إحداهما تعرض أسوأ الأكواخ الإفريقية وقد التقطت صورتها من زوايا تسيء لمظهرها، والأخرى تعرض مباني نظيفة من النوع الأوروبي من الخراسانة والألمنيوم، والسؤال هو ((هذا أم ذاك؟)).

واعترف لي الرسميون أن هذه ليست مطلقاً بدائل حقيقية، فالبلد لا يطيق إلا تكلفة الطين والقش.

على أنه بصرف النظر عن عدم الأمانة عند الإيماء إلى أن الحلول الغالية التكلفة هي الحلول العملية، فإنه أيضاً لَمِمَّا يُعَدُّ من التجديف أن تفرض ذوقك الخاص المنحرف على الفلاحين.

والفلاحون مثل كل الناس يرهبون السلطة والنفوذ، وعندما يملي عليهم ما ينبغي أن يريدوه، فإنهم يفعلون كل ما في وسعهم للإذعان.

وحتى لو كان الفلاحون يريدون حقاً مباني قبيحة، فإن من واجبنا كمهندسين معماريين أن نرشدهم إلى تقدير الجمال، ومن المؤكد أن هذا لا يكون بإفساد ذوقهم لفرض سلطتنا والإذعان لها.

على أن الحقيقة هي أن الفلاحين يحبون بالفعل العمارة الجيدة عندما يرونها، وأنهم بقليل من التشجيع يستطيعون نقد العمارة السيئة نقداً غاية في الإدراك.

وعندما بدأنا بناء المدرسة في فارس، عارض الفلاحون استخدام طوب اللبن وقالوا أنهم يريدون مدرسة من الخرسانة الإسمنتية - هذا رغم أنه لا يوجد ولا بيت واحد من بيوت القرية فيه أي إسمنت والكثيرون منهم ربما لم يروا قط الإسمنت، على أنه عند الانتهاء من المدرسة، آتى العمدة ذات يوم لرؤيتي، وهو يحتدم زهواً وقال إن الحُجَّاج الذين يأتون كل عام للاحتفال بمولد أحد الأولياء هناك وليزوروا قبره، قد ذهبوا هذا العام لرؤية المدرسة بدلاً منه، وأن القرية كلها فخورة بذلك.

ومرة أخرى، كنت قد أخذت اثنين من بنائِيَّ (بغداد أحمد علي وعرابي) إلى الغداء في القاهرة، ولمَّا كنت أريد أن أجد مكاناً يُحِسُّونَ فيه أنهم على سجيتهم فقد أخذتهم إلى مطعم حاتي، قد زين زينة سقيمة نوعاً بالمرايا المذهبة والثريات ونحو ذلك، وفي أول الأمر راعهما المكان رغم سوقيته فحاولا الفرار منه، ولكنني جذبتهما ليعودوا وطلبت منهما ألا يكونا كالأطفال، وإنهما ليسا أقل شأناً من أي شخص آخر هناك.

فقالا أن هذا مكان بالغ الفخامة بالنسبة لهما، فانفجرت فيهما: ((فخامة! أتجرؤان على تسمية هذه المحاكاة المبتذلة بأنها فخامة، أنتما يا من تستطيعان إقامة بناء أفضل من هذا وأعينكما مغمضة!)).

واستجمعا شجاعتهما، فدخلا وأخذا يناقشان أمر المكان، وهما ينتقدانه نقداً سليماً حصيفاً بما قد لا يستطيعه حتى الكثيرون من المهندسين المعماريين.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 11:34 pm

استخدام طوب اللبن ضرورة اقتصادية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit435
من حُسن الحظ أننا مُجبرون على استخدام طوب اللبن للإسكان الريفي على النطاق الواسع؛ فالفقر يُرغمنا على استخدام طوب اللبن وعلى اتخاذ القبو والقبة للتسقيف، على أن ما للطين من ضعف بالطبيعة يُحَدُّ من حجم القبو والقبة.

وكل مبانينا يجب أن تتكون من نفس العناصر، وقد تباينت تبايناً بسيطا في الشكل والحجم، وانتظمت في توليفات مختلفة، ولكنها كلها حسب المعيار الإنساني، وكلها لها نوعيتها التي يسهل إدراكها ولها تناغمها أحدها مع الآخر.

إن الموقف يفرض حله الذاتي، وهو حل جميل - ربما لحُسن الحظ، وربما بصورة  حتمية.

ومهما كان ما يريد الفلاح أن يصنعه، ومهما كان ما يتمنَّى محاكاته من فيلات الأغنياء، فإنه لن يستطيع الفرار من القيود الصارمة التي تفرضها عليه مادة بنائه.

والتساؤل عما لو كان سيظل يتوق إلى الحداثة المستوردة عندما يتم له العيش في قرية هي حقاً ذات جمال وكرامة لهو تساؤل علينا أن ننتظر لنرى إجابته.

ولعله حينما لا توجد لديه على الإطلاق أسباب يحسد الرجل الغني من أجلها -ثروته، وتحضره، ومكانته الاجتماعية- فإنه سيتوقف أيضاً عن أن يحسده بسبب منزله.

و للفلاح في الأحوال الطبيعية فرصة كبيرة واحدة في كل حياته يختار فيها لنفسه نوع البيت والأثاث الذي يريده.

فهو لا يستطيع إلا عند زواجه فقط أن يصنع أي تغيير أساسي في بيئته المحيطة، فهذه هي المناسبة الوحيدة التي يجمع لها من النقود ما يكفي لاتخاذ قرار أساسي هكذا، والتقليد هو أن يعطي العريس لعروسه قدراً من المال، هو المهر، وهو بمثابة نوع من الدوطة، بينما يتوقع منها هي أن تجهز الأثاث، وأدوات المطبخ، والبياضات، ويجمع كل هذا المتاع في منزل والدي العروس ثم يحمل في موكب باحتفال كبير إلى بيت الزوجين الجديد.

ويدور الموكب من حول القرية كلها، عارضاً المتاع، حتى يرى كل واحد ان الزوجين الجديدين قد جُهز تجهيزاً جيداً وأن استطاعتهما أن يتخذا مكانهما بين جيرانهما كعائلة مستقلة.

وينبغي أن يكون متاع البيت بحيث يبقى طيلة حياتهما، ومشتروات الزوجين هذه تقرر مدى الجمال أو القبح الذي سيحيط بهما هما وأطفالهما لسنين قادمة.

ويتم اتخاذ خطوة حاسمة أخرى عندما تبني الأسرة بيتاً لنفسها.

وهذا حقاً قد يُحَدِّدُ البيئة المحيطة ليس فحسب طيلة حياة الفرد بل ولأجيال قادمة.

وإذا كان المرء لا تأتيه فرصة أحداث تغيير كبير في بيئته المحيطة به إلا مرة واحدة في حياته أو مرة واحدة كل عدة أجيال، فما هو عدد المرات التي يتاح فيها لقرية بأكملها فرصة كهذه؟

ها هنا، مع الفارق الهائل في القياس، توجد بالضبط نفس الفرصة.

بالضبط نفس الحرية للاختيار بين الجمال والقبح، وما إن يتم اتخاذ القرار فإنه سوف يحدد البيئة البصرية لآلآف الأفراد لمدة قرن آت أو يزيد.

وأهمية القرارات التي تتخذ في هذا الوقت واضحة أكمل الوضوح.

وعند لحظة كهذه فإن أي عناية تُبذل، وأي مهارة، وأي ممارسة للتروي لا يمكن أبداً أن تعد تزيداً.

لقد كانت الآف العائلات في القرية على أهبة اتخاذ هذه الخطوة لامتلاك بيت جديد.

وكل عائلة منها تستحق أن تكون لها فرصة أن تصنع بيتها بحيث يكون جميلاً وصالحاً بقدر الإمكان، وكل عائلة تستحق أن يكون لها رأيها في تصميم البيت.

وحيث أن كل عائلة تختلف عن الأخرى، فسيكون من الضروري أن يتم تصميم كل بيت تصميماً متفرداً.

وإذا كان لكل عائلة أن تحصل على بيتها المنفرد وقد هيىء بحرص لحاجاتها ولأسلوب المعيشة في القرية، فإن تصميم البيوت كلها سيستغرق زمناً طويلاً.

وفي اعتقادي أن في هذا ما يرضي كل الرضى.

فلم أكن لأحفل مطلقاً بذلك المنهج الذي تُصمَّم فيه القرية ككل تصميماً تعسُّفيَّاً منذ أول بداية المشروع، ثم أظل أنا طيلة الأعوام الثلاثة المحددة لإنهائها لا أقوم إلا بمجرد الإشراف على البناء.

فبالإضافة إلى ما يتصف به هذا المنهج من بالغ الجمود واللاإنسانية، فإنه أيضاً في غاية الإملال.

كان على القرنة أن تسكن تسعمائة عائلة، مما يعني أن يتم البناء بمعدل ثلاثين بيتاً في كل شهر.

وثلاثون بيتاً هي على الأكثر ثلاث مجاورات عائلية.

ومن المؤكَّد أن تصميم ثلاثة بلوكات كهذه هو مما يمكن إنهاؤه بسهولة في شهر واحد.

على أننا عندما وصلنا للبناء بالفعل، تبيَّن لي أنه حتى الرسومات التنفيذية كانت تفقد الكثير مما يكون لها عادة من أهمية.

فالبنَّاءُون  كانوا معلمين في حرفتهم بحيث أن كل تفصيل في العمل قد أصبح مألوفاً لديهم عبر السنين الكثيرة، فقد كان هذا هو فنُّهم التقني الخاص بهم.

وكانوا يعرفون عن ظهر قلب نسب الغرف المختلفة، وعندما يُذكر لهم ارتفاع القبة أو القبو، فإنهم يستطيعون للتو أن يذكروا أين يبدأ الإنشاء.

والحقيقة أنهم كانوا يرقبونني وأنا أرسم، ويطلبون مني ألا أشغل بالي بهذه المقاييس.. وهكذا كنا فيما بيننا، البنَّاءون وإيَّاي، قد أحببنا العلاقة الخاصة بين المصمم والحرفي وضممنا معاً عضوين من الأعضاء الثالوث المُشتَّت؛ وإذا كان العضو الثالث، وهو العميل، لم يلعب دوراً كاملاً في القرية فإن هذا لم يكن خطأنا، وإني لواثق أنه في أي مشروع في المستقبل سوف يتعاون الأعضاء الثلاثة تعاوناً منسجماً كما تعوَّدوا فيما مضى.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 11:39 pm

إعادة إرساء ((الثالوث))؛ المالك، والمهندس المعماري، والحرفي
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untitl18
في مشاريع البناء الرسمية، تقوم إدارة التصميم بإعداد كل الرُّسومات التفصيلية وتُسلّمها إلى أحد المقاولين، الذي يكون عليه أن يتبعها بالحرف، تحت إشراف المهندسين المعماريين في الموقع.

أما في القرنة فقد كنا نقوم لأنفسنا بدور المصممين، والمشرفين، والمقاولين.

وكان البنَّاءون مُلمُّون بكل عمليات الإنشاء مثلهم مثل المهندس المعماري نفسه.

وهكذا فإن كل ما كان عليّ أن ارسمه هو المساقط الأرضية للبيوت المنفردة، وأن أعطيهم الارتفاعات، والرسومات المظللة لبلوكات المجاورة العائلية.

وأحد أعظم مزايا استخدام طرق البناء التراثية والعودة بالحرفيين إلى عمل الفريق هي أن المهندس المعماري عندما يفعل ذلك يتحرَّر من أعمال كان قد أخذها من الحرفيين ليضعها على عاتقه بلا ضرورة.

وفي طريقة الإنشاء هذه تكون الغرفة هي وحدة التصميم، ويمكن للمرء أن يثق في أن البنَّائين سينفذونها بالكيفية النمطية وبكل الأحجام كما لو كانت قد أتت من مصنع مواد سابقة التجهيز.

ولا يمكن أبداً أن يتم لنا الحصول على الاقتصاد هكذا لو أننا استخدمنا الخرسانة الإسمنتية أو غيرها من المواد أو التقنيات الأجنبية.
* * *
ومن الوجهة المثالية، إذا كان بناء القرية سيستغرق ثلاث سنوات، فإن التصميم ينبغي أن يستمر لعامين وأحد عشر شهراً، فينبغي أن أظل لآخر لحظة وأنا أتعلم ن وأعدّل، وأحسن تصميماتي لأجعلها تتلائم تلاؤماً أكمل مع العائلات التي ستعيش فيها.

ولكن رغم هذه النوايا الطيبة، إلا أني قد وجدت في القرنة أنه من الصعب جداً أن يثير المرء اهتمام الفلاحين ببيوتهم الجديدة.

وكانت لا مبالاتهم ترجع حقاً إلى حد كبير إلى نفورهم من فعل أي شيء قد يؤوّل فيما بعد على أنه موافقة منهم على خطة نقلهم، على أنها أيضاً كانت تنبع من عجزهم عن التعبير بالكلمات عن حاجاتهم و ميولهم.

وقد قال لي أحد الشيوخ أنه طالما سيتم إيواء ماشيته كما ينبغي فإنه لا يطلب شيئاً آخر.

وكان هذا إلى حدٍ ما رأيّاً عامّاً.

ولم أستطع تغيير رأيهم هذا إلا بعد أن بيَّنت لهم أنهم إذا كرَّسُوا كل انتباههم للماشية وحدها واعتبروا بيوتهم و كأنها مجرَّد ملحق للحظيرة، فإن أبناءهم الذين يدرسون في المدينة سيخجلون بالغ الخجل من زيارتهم.

وهكذا وافقوا على أنهم يجدر بهم أن يمنحوا البيت بعضاً من عنايتهم، على أنهم قالوا أنهم سيتركون الأمر لي لأصمم أيّاً مِمَّا أحِبُّ، وهذا التفويض على البياض جعل المشكلة أكثر إرباكاً.

كيف لي بأي حال أن أعرف كل تفاصيل الحياة المنزلية لفلاح من القرنة وأن أفهم ماذا يريده في بيته؟

ولعل لا مبالاة الرجال هذه بالنسبة لبيوتهم قد نشأت عن حقيقة أن البيت هو مملكة المرأة لا الرجل.

ولو كان في استطاعتي أن استشير النساء لكان في ذلك أعظم العون.

على أن هذا كان لسوء الحظ أمراً مستحيلاً لأنهن كن يُحجبن بعيداً في غيرة.

وفيما بعد، عندما آتى إلى القرية بعض السيدات من معارفي، أمكننا بالفعل أن نحصل على آراء بعض نساء القرية.

عندما أدركت صعوبة أن أجعل أهل القرنة يساهمون بدور بَنَّاءٍ في تخطيط مدينتهم، قمت في وقت مبكر جداً ببناء حوالي عشرين بيتاً لأبيَّنَ لهم هكذا نوع من المعمار الذي نطرحه عليهم، حيث أنهم لا يستطيعون فهم رسومات المشروع.

وكنت آمل أيضاً أن أرقب العائلات إذ تعيش بالفعل في هذه البيوت، وبهذا يكون الأمر وكأني ((أستشيرهم)) عندما أرى حاجاتهم بالتطبيق.

وقد يبدو في هذا تحمل لمشقة بالغة، ولعل القارئ أن يتساءل عمَّا إذا كان أهل القرنة قد ساهموا بالفعل بدورهم كعملاء.

على أني أعتقد أن الإسهام الذي يقوم به العميل فيما يتعلق بالتصميم، مهما كان من جهله أو حتى من ارتيابه، لهو أمر لا نستطيع الاستغناء عنه.

فنحن لسنا فحسب مطالبين بواجب نؤديه لهؤلاء الفلاحين الفقراء هو أن نعيد لهم وضعهم كأصحاب حرفة -سواء كانوا هم أنفسهم أو لم يكونوا قد أضاعوا هذا الحق، وسواء كانوا أو لم يكونوا مستاءين من فكرة المشروع- وإنما نحن مطالبون أيضاً أمام أنفسنا كمهندسين معماريين بألا نحاول عمل أي تصميم بدون عون العميل الذي لا غنى لنا عنه.

ومن المُؤكَّد أن موقف أهل القرنة هكذا موقفاً غير ودِّيٍّ نوعاً تجاهنا، لم ينشأ إلا لأنهم كانوا ينظرون إلينا كعملاء للحكومة يتدخلون في حياتهم دون أي دعوة منهم.

ولو كان أحد أهل القرنة يبني لنفسه بيتاً بنقوده الخاصة لكان له موقف مختلف تماماً، وللعب دوراً في البناء هو أكثر إيجابية إلى حَدٍ بعيدٍ مهما أراده معنا.

وإنَّما كنت أوَدُّ أن أشجع في عملائنا من أهل القرنة موقفاً من الانشغال النشط الذي يتدخل في كل طور من عملية البناء.

إن الإسهام الذكي للعميل هو ضرورة مطلقة لتنفيذ عملية البناء تنفيذاً متناغماً.

فالعميل، والمهندس المعماري، والحرفي، كل في مجاله، يجب أن يتخذ القرارات، وإذا تنازل أي واحد منهم عن مسؤوليته فسوف يعاني التصميم من ذلك وسيتقلص من ذلك وسيتقلص الدور الذي يقوم به المهندس المعماري في النمو والازدهار الحضاري للشعب كله.

وأهل القرنة كانوا لا يكادون  يستطيعون مناقشة أمر المباني معنا.

فهم لا يستطيعون التعبير بالكلمات حتى عن احتياجاتهم الماديَّة في الإسكان؛ وهكذا كانوا عاجزين تماماً عن الحديث عن أسلوب البيت أو عن جماله.

فالفلاح لا يتحدث عن الفن، وإنما هو يصنعه.

والفن القروي في القرنة لم يكن مما يبهر على وجه الخصوص.

وهو يحتل مرتبة لعلها مما يتوقعه المرء عند درجة تقع بين الأسلوب الراقي للبناء عند الفلاح النوبي وانحطاطه بالكامل في الدِّلتا.

ولو سافرت بالقطار إلى أسوان حتى البحر فسوف تلاحظ أن مستوى الفن الشعبي ينحدر في اطراد، ولو رسمت لذلك رسماً بيانياً، فسينتج منحنى يتبع تقريباً بروفيل النهر.

والقرنة تقع تقريباً فيما يَقْرُبُ من المنتصف على النهر بين النوبة ومصر السُّفلى.



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 11:43 pm

المعمار الدارج في القرنة القديمة

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit436
وهكذا فرغم أن القرنة لم يكن فيها ما تُقدمُه مما يماثل معمار النوبة ذا الألوان والتأثير، ولعلها أيضاً لم يكن فيها نفس الفخر بما هو حقاً حرفية جميلة، إلا أنه كان هناك بعض مباني عارضة تظهر نوعاً من النقاء في الشكل، فهي على الأقل خالصة من الفساد الفني الذي يزداد غلظة في كل الحياة القروية كلما اتجهنا شمالاً.


وما من شعب في أي مكان يكون محروماً كل الحرمان من القدرة على الإبداع الفني.


ومهما كانت الظروف قامعة، فإن هذه القدرة الإبداعية سوف تجد دائماً طريقها للظهور من خلال شيءٍ ما.


وفي القرنة لم يكن ذلك يظهر كثيراً في بيوتهم، حيث كانوا يتعرضون لتأثيرات سيئة.


وإنما كان ظهور ذلك فيما لأهل القرية من إنشاءات منزلية صغيرة، يتيح فيها أهل القرية لأنفسهم صياغة أجمل التكوينات التشكيلية وأكثرها ذاتية.


فكان في القرية القديمة أسِرَّةً تُشبه نبات عش غراب كبير حيث يمكن للأطفال أن يناموا آمنين من العقارب (وهكذا تستقى الأسرة اسمها منها وهو بيت العقرب)؛ وكان هناك أبراج حمام ترتفع كنصب جليل له نوعه الخاص جداً من المهابة؛ وهناك سرير بسيط فخيم جميل ينشئه الفلاح في بيته يماثل في أهميته ومركزيته سرير أوديسيوس  بل إن هناك بيتاً أو بيتين بالكامل يظهر فيهما نفس التشكيل وانسياب الخطوط كما في بيت العقرب.


ويتصادف أن هذين البيتين كانا من بين أفقر بيوت القرية.


وقد اضطر صاحباهما إلى اللجوء إلى هذا التصميم الأصيل بسبب فقرهما.


فلما كانا لا يُطيقان أن يتكلفا في بيتيهما ما تكلفه تلك التعقيدات من الذوق السَّقيم التي ينحو إليها جيرانهما الأغنى، ولا يُطيقان تكلفة بناء بأجر، فقد كان عليهما أن يبتكرا كل جزء من مسكنيهما بنفسيهما.


وهكذا فإن تخطيط إحدى الغرف أو وضع خط لأحد الجدران لم يكن يتم في بأسلوب ما يقاس قياساً متوازناً بليداً، وإنما يُصاغ شكلها بحساسية كما يُصاغ إناء الفخار.


وفي كثير من هذه البيوت بالغة الفقر لو أمكن للمرء أن ينظر فيها متجاوزاً عن القذر والفوضى العارضين، فإنه سوف يرى أن خطوط البناء إنما تطرح درساً تعليمياً في المعمار.


أنظر إلى الصورة الضوئية للمنزل الصغير في قرنة مرعى؛ ما من أثر هنا لأي حذلقة معمارية، ليس من تشنج لمحاولة التسلق إلى مرتبة اجتماعية ((أعلى))، وإنما استخدام مباشر لمواد البناء في أغراض حياة الفلاح؛ وأي تفصيل يتم بناؤه لأن الفلاح يحتاج إليه ويتم حيث يحتاجه، وفي أكثر الأشكال والأحجام ملائمة، من غير أي تفكير في محاولة التأثير في أناس آخرين.


والنتيجة  في الحقيقة يكون لها تأثيرها البالغ، فالبيت فيه اكتفاء ذاتي كما في أي صنيع بارع ينتجه مهني متمكن.


وهذا النوع الخاص من التشكل الطيع واللاتقليدي هو مما لا يمكن إعادة نسخه عن لوحة رسم هندسية.


فهو مما يتم تصوره أثناء بنائه، مثله كمثل قطعة صلصال يتم تشكيلها، فالرسم المسطح لا دور له في عملية كهذه.


وبيت من هذا النوع لابُدَّ أن يبنيه صاحبه، ذلك أن كل خط غير منتظم وكل منحنى هو انعكاس لشخصيته.


على أنه بسبب هذا الطابع الشخصي الذي يحمله البيت، فإنه لا يمكن أن يوجد إلا في إحدى القرى حيث تكون عملية البناء تجري على الراحة وبدون حذلقة، وما إن يبدأ إنشاء مشروع كمشروعنا، حتى تقفز عملية البناء إلى مستوى مختلف تماماً، فتصبح عملية منظمة، فيها إحساس بالوقت، وبصورة عامة فهي أكثر التصاقاً ((بالمهنية)).


وهذه القفزة من بيت ((يتشكل)) إلى بيت ((يتهندس)) لهي مرحلة طبيعية في تطور البناء، تتبع زيادة ثروة أهل القرية.


ولو حدث التَّغَيُّر بصورة طبيعية، فإن المعمار الجديد سوف ينمو ليصبح تراثاً.


والحقيقة أن مهمتي في القرنة لم تكن أن أخلق تراثاً ينبغي أن يتخذه أهل القرنة لأنفسهم، فحتى لو كان من الممكن أن يصنع لأحد الرجال ما ينبغي أن يصنعه هو لنفسه، وأن تدخل في إهابه، وتكون بالنسبة له بمثابة ضميره الفني، فإن ادِّعاءً كهذا سيدمر ما يكون لديه من حافز وتكامل فني، ويكون فيه القضاء على الغاية ذاتها.


على أنه ما كان يمكنني أن أتجاهل تماماً كل ما كان أهل القرنة قد صنعوه، و أمحو كل أثر لإبداعيتهم الخاصة بهم، فأغرس تصميماتي هكذا في الموقع  متخلصاً من أي إرباكات.


وإنما كان عليّ أن استخدم المنشآت التراثية بالقدر الذي يمكن تضمينه، وأن أظهر في التصميمات الجديدة قدر ما يمكن إظهاره من روح أهل القرنة.


وكان من السهل تضمين منشآت بعينها، وهي بذلك قد ساعدتنا مساعدة عظيمة منذ البداية بأن وفّرت في التصميم نغمة رئيسية له.


فمثلاً كانت أبراج الحمام في القرية القديمة، هي أشكال فلاحية أصيلة وتلقائية بالكامل، لم تطرح من مكان آخر وإنما أملاها بالكلية ذوق أهل القرية، فهي ردِّهم الإبداعي الخاص بهم على مشكلة حفظ حمامهم.


وبنيان كهذا دخل إنشاء القرية الجديدة دونما أي إحساس بجهد.


وقامت بصنعه نفس الأيدي، فأقام البنّاء القروي برج الحمام القديم للقرية الجديدة، وكان البرج اليوم ملائماً مثلما كان بالأمس.


ومرة أخرى وجدنا ((مزيرة)) جداً شائقة في القرية القديمة، والمزيرة مكان توضع فيه جرة المياه المُسماة ((الزير))، وهي في هذه الحالة تتخذ شكل قبو يظلل جرَّة الماء من الشمس، وهذا الترتيب بدائي  بعض الشيء ولكنه جميل نوعاً.


وفي القرية الجديدة وفرَّ لنا القبو الذي يدعم السلم موقفاً مناسباً وظلاً قاتماً حقاً، بينما أمكننا استكمال هذا التنظيم بإضافة  حلية مخرمات -نوع من ((مشربية منطوب اللبن))- لتعمل بمثابة مرشح هواء طبيعي للهواء.


وأمكننا في الجامع أيضاً أن نحتفظ بجزء مهم من تراث القرنة.


فقد كان أحد المساجد القديمة بالقرنة يستخدم سُلّمَاً خارجياً مستقيماً يطلع مائلاً إلى المئذنة، وهو شكل يرجع إلى أول أيام الإسلام  ومازال يوجد في النوبة ومصر العليا.


ورغم أن الجامع في القرية الجديدة كان يجب أن يكون أكبر كثيراً،لأنه سيخدم السكان كلهم الذين يتركزون الآن في قرية واحدة، إلا أن الأمر كان يستحق تماماً بذل الجهد لتكييف التصميم القديم، بما فيه السلم الخارجي، حسب المقياس الجديد.


ومن المهم أن يُفهم أن هذا البحث عن الأشكال المحلية لتضمينها في القرية الجديدة لم يكن مبعثه رغبة عاطفية للاحتفاظ ببعض تذكار من القرية القديمة.


فقد كان هدفي دائماً أن استعيد لأهل القرنة إرثهم من تراث البناء المستلهم محلياً استلهاماً قوياً، مما يتطلّب تعاوناً نشطاً بين العملاء ذوي المعرفة والحرفيين ذوي المهارة.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 11:47 pm

التغيير مع التواصل
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit437
كنت أريد بأي ثمن أن أتجنَّب موقفاً كثيراً ما كان يتخذه المهنيون من المعماريين والمُخططين عندما يُجابهون بمجتمع قروي، وهو موقف بأن المجتمع القروي ليس فيه ما يستحق نظرة اعتبار من المهنيين، وأن كل مشاكله يمكن حلّها باستيراد تناول حضري متحذلق لعملية البناء.

وكنت أوَدُّ، لو في الإمكان، أن أمُدَّ جسراً على الفجوة التي تفصل المعمار الشعبي عن معمار المهندس المعماري.

وكنت أوَدُّ أن أوفِّر صلة متينة مرئية بين هذين المعماريين في شكل ملامح مشتركة بينهما معاً، حيث يستطيع القرويون أن يجدوا فيها نقطة ارتكاز كمرجع مألوف لهم يبدؤون منها توسيع فهمهم للجديد، كما يستطيع المهندس المعماري أن يستخدمها ليختبر بها صدق عمله هو نفسه بالنسبة للناس وللمكان.

والمهندس المعماري له وضعه الفريد لإحياء إيمان الفلاح بحضارته هو نفسه.

وإذا قام المهندس المعماري.

بصفته ناقداً يوثق به.

بإظهار ما هو جدير بالإعجاب في الأشكال المحلية.

بل وإذا ذهب لأبعد من ذلك فاستخدمها هو نفسه، فإن الفلاحين سيأخذون في الحال في النظر إلى منتجاتهم في تيه.

وما كان فيما مضى يتم تجاهله أو حتى الزراية به، سيصبح فجأة شيئاً يُفخر به.

ويصبح فوق ذلك شيئاً يستطيع القروي أن يفخر به عن معرفة.

وهكذا فإن الحرفي في القرية سيُحفز إلى استخدام وتنمية الأشكال التراثية المحلية، وذلك ببساطة لأنه يرى أنها قد نالت احترام مهندس معماري حقيقي؛ أما القروي العادي، أي العميل، فإنه يعود مرة أخرى إلى وضع يفهم فيه عمل الحرفي ويقدره.

على أنه كان من الضروري للوصول إلى قرار موضوعي بشأن نوع معمار القرية الجديدة، أن يتم المزيد من الاستقصاء.

فبالإضافة إلى البيئة المصنوعة في القرنة بواسطة الإنسان، والتي ينبغي أن تتجانس معها القرية الجديدة، كانت هناك أيضاً البيئة الطبيعية من المشهد الخلوي الطبيعي، والنبات والحيوان.

والمعمار التراثي يكيف نفسه عبر القرون الكثيرة مع بيئته الطبيعية هذه، من الوجهة البصرية والعملية معاً.

وينبغي على القرية الجديدة أن تتناغم مع هذه البيئة منذ البداية الأولى، ويجب أن تبدو مبانيها كما لو كانت نتاج قرون من التراث.

فكان عليّ أن أحاول أن أضفي على تصميماتي الجديدة مظهراً وكأنها قد نشأت من المشهد الخلوي لأشجار المنطقة وينبغي أن تبدو في مستقرها في الحقول مثلما يبدو نخيل البلح والدوم.

وينبغي أن يعيش فيها قاطنوها بما يكون طبيعياً بمثل ارتدائهم لملابسهم.

على أن هذه مهمة هي جد شاقة بالنسبة لرجل واحد، أيكون في استطاعتي أن أتصوَّر نفسي من خلال خبرة أجيال من بنائي القرية أو أن أتصور في ذهني كل التعديلات البطيئة التي نجمت عن المناخ والبيئة؟

على أننا نستطيع طلب العون من أجدادنا لنحصل على معرفة كهذه لقد نفذ قدماء المصريون إلى روح هذه الأرض ومثلوا طابعها بأمانة وصلت إلينا عبر آلاف السنين التي تفصلنا.

فهم في رسوماتهم -تلك الخطوط البسيطة التي رسمت على جدران القبور- ينقلون جوهر طابع الطبيعة بأكثر مما تنقله أروع تأثيرات اللون والضوء والظل في أعمال أشهر العارضين للوحات التي من الأسلوب الأوروبي الحديث.

ولما كانت مشروعات المهندس المعماري هي كلها رسومات من خطوط فقد فكرت في أنه يمكنني أن أضع فوق تصميماتي رسوم نباتات وحيوانات المنطقة، وأن يصنع ذلك في بساطة كما في الرسومات المصرية القديمة، وكنت على ثقة من أن هذه الصورة لأشجار النخيل أو الأبقار كما تُرى في مقابر النبلاء ستبدي مدى الصدق أو تكشف مدى الزيف الذي في المباني.

ونفذت كل أدائي في التصميمات التجريبية هكذا؛ وتجنبت في حرص الحذلقة المهنية التي تكون في رسوم مشروعات الكثير من المهندسين المعماريين والتي كثيراً ما تشوه الأشكال الطبيعية لتجعل الخلفية موافقة للمباني، وهكذا فإنني لم أحاول إحداث تأثيرات بالعمق، أو أن أجلب ما لا يتناسب من أشجار البلوط حتى أوزان بها الكتل، وإنما نفذت رسومي في خطوط بسيطة وجعلت من حولها اسكتشات للحيوانات والأشجار والملامح الطبيعية في القرنة.

وكانت تلك هي؛ التل المُطل على القرنة والذي يبدو دائماً كصخرة مقدسة بماله عند قمته من هرم طبيعي، والبقرة، ذلك أن الآلهة - البقرة حتحور كانت حامية جبانة القرنة، كما كانت القرية في منطقة يكثر فيها البقر ولا يرى فيها جاموس مصر صاحب الهيمنة؛ ثم شجرتا النخيل، نخيل البلح ونخيل الدوم، ذلك أنهما هما أشجار مصر العليا؛ و طابع معين كان يظهر في تكتل لبعض بيوت القرنة القديمة بمقصوراتها  التي في قمتها.

وقد وضعت كل هذه الأشكال على رسومي التجريبية الأولى المؤقتة، لتعمل كمعيار للمقارنة.

فقد أحسست أن من واجبنا في القرنة أن نبني قرية ينبغي ألا تكون مزيفة على مصر.

فيجب إعادة اكتشاف أسلوب الشعب؛ أو بالأولى، إعادة الإحساس به من خلال الدلائل المتناثرة في الحرف المحلية والمزاج المحلي.

وقد كان لدينا تكنيك من النوبة؛ إلا أننا ما كنا نستطيع بناء بيوت نوبية هنا.

فالإخلاص للأسلوب، حسب ما أفهمه، لا يعني أن نعيد بوقار نسخ إبداع ينتمي لأناس آخرين.

ولن يكون مما يرضي أن ننسخ حتى أفضل المباني التي تنتمي إلى جيل آخر أو لمنطقة أخرى.

ربما يكون من الجائز استخدام منهج البناء، ولكن عليك أن تنزع عنه كل ما فيه من طابع وتفصيل خاصين، وأن تطرد من ذهنك صورة تلك البيوت التي سبق أن أوفت برغباتك أجمل إيفاء.

ويجب عليك أن تبدأ من البداية الأولى، تاركاً مبانيك الجديدة لتنشأ عن الحياة اليومية للناس الذين سيعيشون فيها، ومشكلاً البيوت بمقياس ما يتغنى به الناس، وناسجاً نمط القرية كمل لو كان ذلك بأنوالها هي، وقد أفعمت بكل اليقظة للأشجار والمحاصيل التي تنمو هناك، وأفعمت تبجيلاً لخط الأفق، وتواضعاً أمام تغيرات الفصول.

ويجب ألا يكون هناك تراث زائف أو حداثة زائفة، وإنما هم معمار يكون منه التعبير المرئي الدائم لطابع المجتمع.

على أن هذا يعني لا اقل من معمار جديد بالكامل إن التغيير آتٍ حتماً إلى القرنة بأي حال.

فالتغيير هو شرط الحياة والفلاحون أنفسهم يريدون التغيير، ولكنهم لا يعرفون كيف يكون ذلك.

ولما كان الحال هو أنهم مستهدفون لتأثيرات المباني المبهرجة في المدن الإقليمية التي من حولهم، فإنهم فيما يحتمل سيتبعون هذه الأمثلة السيئة.

وإذا لم نتمكن من إنقاذهم، وإذا لم نتمكن من حثهم على أن يتغيروا معمارياً إلى الأفضل فإنهم سيتغيرون إلى الأسوأ.

كان أملي أنه قد يكون من القرنة إشارة فحسب للطريق إلى بدء إحياء التراث في البناء، بحيث يواصل التجربة آخرون، ويوسعون من نطاقها، بحيث يرسون في نهاية الأمر متراساً حضارياً يوقف الانزلاق إلى المعمار الزائف الخالي من المعنى والذي يتزايد بناؤه بسرعة في مصر.

فالقرية الجديدة يمكن أن تُبَيِّنَ كيف أن معماراً يندمج في واحد مع الناس لهو أمْرٌ ممكن في مصر.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالسبت 28 ديسمبر 2019, 11:51 pm

المناخ والعمارة
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit438
يتميز مناخ مصر العليا بأنه مناخ منطقة حارة جافة، مع اختلاف واسع جداً في درجات الحرارة نهاراً وليلاً.

ولما كان وجود ظل من السحاب هو أمر يكاد يكون معدوماً بالكامل، فإن الأرض تتلقى في النهار قدراً هائلاً من إشعاع الشمس، بينما هي تشع ليلاً قدراً هائلاً من الحرارة يتجه ثانية للسماء.

وهكذا فإن أي مسطح معرض لضوء الشمس المباشر، كأرضية أحد المباني أو جدرانه أو سقفه، ستزيد حرارته زيادة مهولة أثناء النهار، ويفقد من حرارته أثناء الليل.

وبالتالي فإن توفير راحة الناس في الداخل من مباني هذه المنطقة يعتمد إلى حد كبير على الخواص الحرارية للجدران والسقف.

وأفضل مواد البناء هي تلك التي لا توصّل الحرارة.

ولحسن الحظ فإن طوب من التربة المجفف في الشمس هو من أسوأ موصلات الحرارة.

ويرجع هذا الجزء منه إلى الانخفاض البالغ في قدرته على التوصيل طبيعياً (0.22 كالوري / دقيقة / سم المربع / لوحدة سمك الطوب المصنوع بعشرين في المائة من الرمل الناعم، و 0.32 كالوري / دقيقة / سم المربع / لوحدة سمك الطوب المصنوع بثمانين في المائة من الرمل الخشن، وهذا مقابل 0.48 للطوب المحروق، و 0.8 لبلوكات الأسمنت المجوفة).

كما يرجع في جزء آخر إلى ضعف الطين مما يستلزم أن تكون جدرانه سميكة، وبيوت طوب اللبن في مصر العليا تبقى فعلاً مبردة إلى حد ملحوظ لمعظم اليوم، وقد ثبت في كوم امبو أن المنازل الإسمنتية التي بنتها شركة السُّكَّر لموظفيها هي أسخن من أن يعيش المرء فيها صيفاً وهي بالغة البرودة شتاءً، وهكذا فَضَّلَ الموظفون أن يعيشوا في بيوت الفلاحين الطينية.

على أن جدران الطين السَّميكة ليست بالوسيلة المثلى للاحتفاظ بالبيت مُبرَّداً، ذلك أن الطين وإن كان موصلاً رديئاً للحرارة، إلا أنه يحتفظ بها زمناً طويلاً.

وهكذا فإن الجدار الذي يجعلك تُحِسُّ بالبرودة طول الصباح يواصل في الواقع اكتساب واختزان كل الحرارة التي تقع عليه، وسوف يشع طول الليل كله هذه الحرارة ثانية لخارجه، ويكون هذا في جزء منه لداخل الحجرة.

ولهذا فإن الحرارة من داخل بيت طوب اللبن تكون في الليل أعلى كثيراً مما في خارجه.

والحل الواضح هو أن يعيش المَرْءُ في الطابق السُّفلي أثناء النهار، حيث تحميه بنية حوائط البيت السميكة هي والسقف، وأن ينتقل ليلاً لأعلى إلى السطح لينام في هواء الليل المبرد.

والحقيقة أن الأمر سيحتاج إلى إنشاء خفيف جداً من فوق، ومن حول مساحة السطح العلوي ليبقى الطابق السفلي ما أمكن من الشمس، وحتى يقي النائم أيضاً من البعوض.

والقاعدة هي أن يحتمي المَرْءُ نهاراً خلف الحائط الطيني السَّميك جداً، وأن ينام ليلاً على السَّطح تحت خيمة أو ما يساوي ذلك في رقته، وفي القرنة فإن الحُجُرات السّثفلية للبيت قد تصل إلى أقصى ارتفاع في الحرارة حوالي السابعة مساءً، وذلك بعد مرور حوالي خمس ساعات على وصول الحرارة لأقصاها في العراء.

أما في الثامنة صباحاً، عندما يكون السطح العلوي قد أصبح بالفعل ساخناً بما يثير الضيق، فإن الغرف السفلية تكون أبرد بما ينعش.

وهذا النظام الحراري يمكن تعديله إذا تم بناء البيت من حول فناء.

فالفناء يعمل بمثابة بئر يرسب فيه الهواء الأبرد الآتي من السطح، وهكذا فإن الغرف السفلية تبرد أثناء الليل بسرعة اكبر.

والعامل الثاني الذي يتحكم في راحة الناس داخل البيت في مصر العليا هو حركة الهواء.

وحيث أن الهواء جاف للغاية، فإن أي قدر من النسيم يساعد على تبخير العرق، وبذا فإنه يبرد الجسم.

وهكذا فإن من المهم جداً أن نراعي تهوية البيت هنا أوثق مراعاة.

والريح السائدة هي شمالية - شمالية غربية وهي باردة نسبياً.

وحتى يمكن لهذه الريح أن تهوي بيتاً، فإنه يجب أن يتاح لها الدخول من خلال فتحات البيت.

والسؤال هو، أين ينبغي أن تكون هذه الفتحات؟

عندما ذهبت إلى القرنة لأول مرة، في منتصف الصيف، زرت مستر ستوبلير، الذي كان يقيم في استراحة هوارد كارتر*، وكانت حارة بما لا يحتمل.

وكان ذلك باعثاً على الضيق حتى أني فضَّلتُ الخروج إلى الشمس، واقترحت على صديقي أن نخرج لنلقي نظرة على بعض المقابر.

وأخذني إلى مقبرة تفر - رنبت في خوخة، وعندما وصلنا إليها وجدناها مغلقة.

وأثناء انتظارنا لإحضار المفاتيح، لجأنا إلى الظل في مضيفة قريبة، على أنه في الداخل من مقصورة هذه المضيفة كان هناك تيار بارد منعش إلى حد جعلنا نتطلع في التو لنرى سبب ذلك كانت المقصورة قد بُنِيَتْ وظهرها إلى الريح السَّائدة، وقد فتحت تحت الريح، فكان الجدار الخلفي في أعلاه من فوق مشقوقاً بصفين من فتحات صغيرة تواجه الريح.

والشائع في التطبيق المعماري أن يجعل المرء دائماً الفتحة الأكبر في مواجهة الريح، إذا كان الغرض هو اصطياد أكبر قدر ممكن من النسيم.

على أن المضيفة  كانت في الحقيقة مجهزة على نحو بارع حسب أحسن مفاهيم الديناميات الهوائية.

وكما شرح لي أخي فيما بعد‘ فإن المقصورة المفتوحة في اتجاه مهب الريح، سينساب من خلالها تيار هوائي ثابت لأن انسياب الهواء من ((فوقها)) ومن ((حولها)) يخلق ضغطاً منخفضاً من داخلها، بحيث يُشد الهواء في تيار ثابت من خلال الفتحات الصغيرة، ومن الناحية الأخرى فإن المقصورة ذات الفتحات الكبيرة في اتجاه مهب الريح، والتي ليس فيها فتحات أو فيها فتحات صغيرة فحسب في الاتجاه مع الريح، فإنها سرعان ما تمتلئ  بالهواء، بحيث أن الهواء الطازج يستمر من فوق المقصورة بدلاً من أن يمر من خلالها، تاركاً بذلك الهواء القديم من داخلها.

وهذه الظاهرة، التي يمكن فهمها بسهولة جداً هكذا عامة، قد عُبر عنها حديثها تعبيراً أكثر دقة بالمعادلة التالية: معدل انسياب الهواء من خلال المبنى، بالقدم المكعب / ساعة  = 3.150 (مساحة المداخل بالقدم المربع) (سرعة الريح بالميل / ساعة)، وتصح هذه المعادلة إذا كانت الريح التي في الجيرة المباشرة لفتحة المدخل عمودية على مستوى الجدار.

أما إذا لم تكن كذلك، فإن المُعدل المفروض لانسياب الهواء يجب أن يُقلل حسب الزاوية؛ فعندما يكون اتجاه الريح هو بخمس وأربعين درجة على أحد المساقط الرأسية للبناء، فإن انسياب الهواء ينبغي أن يقلل بخمسين في المائة.

وفوق ذلك، فإنه إذا كان هناك فارق ملحوظ بين مساحات فتحات المخارج والمداخل، فإن المعادلة يجب أن تعدل بما يناسب هذا الفارق.

ويتألف التعديل بأن تستبدل قيمة أخرى برقم 3.150، وذلك حسب الجدول التالي، حيث القيم التي في العمود الأول هي نسبة المساحة الكلية لفتحات المخرج إلى المساحة الكلية لفتحات المدخل:
القيمة
مساحة فتحات المخرج       =  1                                   3.150
مساحة فتحات المدخل
فإذا كان المخرج  أكبر من المدخل، فإن:
مساحة فتحات المخرج     = 2                                     4.000
مساحة فتحات المدخل
= 3                                      4.250
=  4                                      4.350
= 5                                       4.400
وإذا كان المخرج أصغر من المدخل فإن:
مساحة المخرج         = 4/3                                    - 2.7
مساحة المدخل
= 2/1                                    -  ,2
= 4/1                                    - 1.1
-----------------------------------------------------------
* هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، وقد اطلق اسمه على الاستراحة (المترجم).
-----------------------------------------------------------

وهكذا نرى بوضوح أنه كلما زادت نسبة مساحة المخرج إلى مساحة المدخل، زاد انسياب الهواء من خلال المبنى.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 8:37 pm

توجيه المنازل يتحدَّد في جزء منه بالشَّمس، وفي جزء منه بالرِّيح
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit439
تحديد موقع الغُرف بحيث تصبح لطيفة الجو لهو أمر يتطلب تفكيراً حريصاً، والمساحة الظليلة التي يتخللها تيار هواء هي التي تظل دائماً باردة نسبياً.

والنقطة هي، من أي شيء ينبغي أن تظلل الغرفة؟

أتُظلّل من ضوء الشمس المباشر، هذا أمر أكيد، ولكنها يجب أن تُظلّل أيضاً من الإشعاع المُنعكس، الذي يمكنه أن يجعل الغرفة أحياناً أسخن حتى من مما يمكن للشمس.

ذلك أن كل جدار مواجه للجنوب يعكس أشعة الشمس عن سطحه الأبيض الناصع لتذهب مباشرة إلى الحجرات التي تكون عبر الطريق.

بل وحتى قطع الحجارة والأسطح غير المنتظمة في الأرض كلها تعكس أشعة الشمس من أسطحها الجنوبية، بحيث تعمل كالمشعاع في نظام التدفئة المركزية.

على أن الحجرات التي ستتلقى كل هذا الإشعاع المنعكس مصطدماً بواجهتها هي الحجرات التي تواجه الشمال.

وهكذا فإن من الضروري فحص كل ما يحيط مباشرةً بالبيت قبل أن تطبق دون محيص القاعدة المعتادة من أن: ((حجرات المعيشة ينبغي أن تواجه الشمال)).

وما من شك أن الحجرات التي تواجه الشمال ستفيد من النسيم البحري البارد، فالشمال هو أحسن واجهة للحجرة بشرط أن يكون في استطاعتنا التأكد من أنه ليس ثمة إشعاع منعكس هناك.

أما إذا كان هناك منازل أخرى على مقربة، فلعله مما يحتمل أن تكون غرفة المعيشة أبرد عندما تواجه الجنوب، رغماً عن التطبيق المعتاد بهذا الشأن.

ذلك أنه لن يكون هناك وقتها إشعاع منعكس، أما بالنسبة للإشعاع المباشر من الشمس التي ستكون عالية جداً في السماء عند سقوطها على هذا الجدار، فإنه يمكن إيقافه بمظلة للسقف.

بل إن من الممكن أن يجعل النسيم البحري بحيث ينساب من خلال غرفات المعيشة عن طريق تخطيط هذه الغرف.

وفلاحو العراق يبنون غرف معيشتهم إلى الجنوب، ويجعلون من خلفها مقصورة تواجه الشمال.

وتسقف غرفة المعيشة بقبة لها ثقب في قمتها، بحيث أن الهواء الذي سيسخن في القبة التي تشبه الفرن سيهرب باستمرار، بينما ينجذب الهواء البارد باستمرار للداخل من المقصورة الظليلة.

والعيب الوحيد في هذا التصميم العراقي أنه ليس فيه مظلة تُظلّل الجدار الجنوبي من الشمس، ذلك أن العراقيين ينقصهم الخشب.

وكل بيت في قريتنا قد وُفِّرَتْ له غرفة للضيوف، بالإضافة إلى مضيفة المجاورة للعائلة، التي هُيئَتْ أيضاً لأن تستخدم كغرفة معيشة للعائلة، وليس لأن تظل مستبقاة ((كأفضل)) الغرف بغرض استقبال الغرباء.

وتصميم الغرفة يتبع قاعدة ((القاعة)).

فهناك ((الدرقاعة)) المركزية المربعة، التي تُسقف بقبة، ويكون  لها أيوانات تخرج منها ويجلس فيها الناس.

وهذه الغرفة عالية جداً -فهي ترتفع لعلو طابق ونصف الطابق من الطوابق العادية بالإضافة إلى ارتفاع القبة- حتى يسمح ذلك بفتحات عالية فوق خط السطح للدور الأرضي.

وهكذا فإن الهواء الساخن يرتفع ويهرب من خلال هذه الفتحات العالية، مما ينتج عنه دخول تيار من الهواء لأسفل ليبرد الغرفة.

وهكذا فإن توجيه المباني يتحدَّد في جزء منه بالشمس وفي جزء بالريح، وأحسن توجيه للشمس هو أن يقع المحور الطولي للمبنى في اتجاه الشرق - الغرب، وهذه قاعدة معمارية شائعة.

ولكننا نود أن نجعل الريح تهب على أكبر مساحة ممكنة من الجدران، لتسري من خلال البيت وتبرده.

والريح السائدة تأتي من الشمال الغربي، وهكذا  فالأمثل أنه ينبغي أن يكون اتجاه البيت من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، متعامداً على هذه الرياح.

أفينبغي استخدام حل وسط، فننصف الزواية بين الاتجاهين المشار إليهما، فنجعل البيت في اتجاه من شرق - شمال شرق إلى غرب - جنوب غرب، كما هو في التطبيق المعماري المعتاد.
* * *




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 8:42 pm

الملقف أو مصيدة الريح
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit440
في أوروبا حيث لا يكون للتحكم في الحرارة أهمية رئيسية، تقوم النافذة بخدمة ثلاثة أهداف؛ أن تدخل الهواء، وأن تدخل الضوء وأن تجعلك ترى ما في الخارج.

على أن هذه الوظائف الثلاث ليست مما لا يقبل أن ينفصل.

والحقيقة أن البنَّائين في الشرق الأوسط قد اعتادوا أن يفصلوا فيما بينها.

ففي بيوت القاهرة القديمة تُؤدي وظيفة التهوية في الأبهاء الرئيسية (القاعات) بواسطة تجهيز يُدعى ((الملقف)) يصطاد الريح في أعلى، حيث تكون قوية نقية، وذلك عن طريق تصميم الغرفة تصميماً خاصاً حيث يكون الجزء المركزي (الدرقاعة) عالية جداً، بما يجعل الهواء الساخن  يهرب عند القمة.

ويمكن أن تقام مصيدة الريح هذه بالزاوية المناسبة بالضبط لاصطياد الريح، بصرف النظر عن توجيه البيت.

وقد استخدمنا في المدارس التي بنيناها في القرنة مصيدة ريح تتكون من مجرى للهواء يشبه المدخنة له فتحة كبيرة في أعلى تواجه الريح السائدة.

وقد وضع من داخلها صفيحة معدنية مائلة ممتلئة بفحم يمكن أن يتم بله بصنبور؛ وينساب الهواء من على هذا الحاجز فيتم بذلك تبريده قبل أن يدخل الحجرة.

وفي هذه الأداة ما يذّكر بالسلسبيل الذي كان يوجد منتصباً في قاعات وإيوانات البيوت العربية القديمة - و كان من لوح من الرخام المقوس في نمط مموج، بينما ينساب من فوقه ماء نافورة.

ومن الممكن في التطبيقات المستقبلة لقاعدة مصيدة الريح أن يجعل الحاجز المبّرد مرئياً ويصنع من مادة ماصة مثل الحرير الصخري ويكون عليه نمط بهيج مثلما في السلسبيل.

وقد نتج عن مصيدة الريح في القرنة انخفاض الحرارة داخل الحجرات الدراسية بقدر 10ْم.

أما وظيفة توفير رؤية المشهد فتقوم بها المشربية -وهي نوع من نافذة خارجة تُبنى من خارج الجدار ويثبت فيها ساتر من خشب مخروط متشابك يُروِّض ويُرقق الضوء المصري الجافي بما يناسب قبل أن يدخله إلى الغرفة، ويمكن لسيدات البيت أن يجلسن من خلف هذه المشربية ويرقبن الشارع في راحة وهن معزولات عنه تماماً- وفيما يعرض فإن هذا يكون من غير حاجة إلى اختلاس النظر من وراء الستائر، أو إلى المرور عبر الحجرة لرؤية ما في الخارج؛ والحقيقة أن المشربية تقوم بكل ما يقوم به الجدار الزجاجي وأكثر.

وهكذا فإننا نستطيع استخدام مصيدة الريح لتُحررنا من الحاجة إلى توجيه البيت للريح، وبهذا نضع في الاعتبار فحسب التوجه الشمسي.

والحقيقة انه حتى هذا سيكون إلى حدٍ ما أمراً ثانوياً بالنسبة لمتطلبات المشروع، ذلك أنه لو انتظم كل بناء في نفس الاتجاه سيصبح المشروع رتيباً.

وفوق ذلك، فإن كل انحراف عن الفكر العام إنما يعني نظرة اعتبار فردية لكل بيت وحلاً فردياً لمشاكله الخاصة، وهذا أمر مرغوب من الوجهة الفنية.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 8:48 pm

المجتمع والعمارة
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit441
رغم إيماني بأن مظهر البناء له أعمق التأثير في سكانه، إلا أن المَرْءَ لا يستطيع أن يُسكن الناس في البارثينون.

ويجب أن تكون التصميمات الجميلة عند الواحد منا بحيث تفي بحاجات الناس اليومية المتواضعة؛ والحقيقة أنه عندما تكون هذه التصميمات صادقة بالنسبة لموادها وبيئتها ومهمتها اليومية، فإنها ستكون وجوباً جميلة بالضرورة.

على أن القرية الجديدة لا يمكن ان تكون صادقة بالنسبة لوظيفتها إلا إذا كنا نعرف بالضبط ما ستكونه هذه الوظيفة.

وسيكون علينا أن نزيل الغطاء عن الحياة اليومية لأهل القرنة ونكشفها، ولعل ذلك سيكون حتى بأدق مما يعرفونه هم أنفسهم عنها.

وكل إنسان يكون له مجموعة من العادات في أفعاله، وأفكاره، وردود فعله، ونحن عندما نرغب في تمييزه عن غيره نُستدعي ماله من فردية.

وعندما ننظر في أمر مجتمع، سوف نرى أنه نمط من هذه الفرديات، وأهم من ذلك أن كل فردية منها هي من خلق كل الآخرين.

فكل خصوصية في الفعل، أو الفكر أو رد الفعل إنما قد نشأت تحت ضغط من تلك الخصوصيات الأخرى الكثيرة التي تجاورها وتحت تأثير مطالب المناخ، والعمل، والمهنة، فالفردية ليست ((صفة)) مجردة غامضة ولكنها محصلة تفاصيل كثيرة ملموسة؛ متى ينهض الإنسان من نومه، وما إذا كان يحلق ذقنه،  والملابس التي يفضلها، وعاداته في الحديث، والناس الذين يخضع لهم وأولئك الذين يتحكم فيهم.

وفوق كل شيء آخر فإنها بيته.

فالبيت، وهو مكبَّر الإنسان نفسه ونصبه التذكاري الأبقى، ويتفق في الحجم والمظهر والرفاهية مع التفاصيل الأخرى لفردية الإنسان.

وهو بالطبع يتكيف حسب حاجاته الاقتصادية، على أنه أيضاً فيه كل الخصائص العارضة لمزاجه.

وقاعة قصر كتخداً في القاهرة بسموقها، وبرودها في بساطة، وبجلالها إنما تعكس مهابة الإمارة عند الأمير الذي بُنيت له، أما بهو بيت جمال الدين الذهبي الذي يُعَدُّ بالمقارنة مخسوفاً ومسرفاً في زينته فهو يلائم ما لشيخ التجار هذا من روح تجارية متحذلقة.

والوادعون من الناس يعيشون في بيوت هادئة، والشحاذون تنحنى الجدران في قريتهم بمذلَّة وأنين، والمتعالون من الناس تحملق بيوتهم في برود فوق رأسك.

فالبيت أيضاً يعي تماماً مكانته الاجتماعية؛ وكما يعرف الإنسان من الذين يفوقونه مكانة ومن الذين ينظر هو إليهم من عل، فإن البيت كذلك يتخذ موقعاً يتفق ومرتبته، وهو حسب ما لتجهيزاته من حجم وترف أو فقر يُظهر ملائمة هي أرهف ما تكون بالنسبة للتقسيم الطبقي للمجتمع.

وفي مصر يعتبر القروي أن إحدى علامات التميز لأعلى هي أن يمتلك بيتاً له أرضيات خشبية تسمى ((المصرية)) أي القاهرية، وهو يتباهى بامتلاكها على زملائه من أهل القرية الذين ليس لديهم إلا أسقف من القش والبوص.

وهكذا فإن القرية بعد أن تعيش فيها أجيال كثيرة، لا تقتصر على أن تصبح متوائمة مع روتين سكانها في العمل والترويح، وإنما هي أيضاً تنمو لتعكس أوجه الغرابة في مجتمعها.

وينمو الطوب والملاط في كلِّ حي واحد مع الحصاد والزرع، وحفلات الزفاف والجنازات، والبيع والشراء، والحرفة والمهنة، وإحساس العائلة العائلي، وإحساس الطبقة الطبقي.

وتتخذ المباني شكل المجتمع بما له من أبعاد كثيرة، مثلما يتخذ الحذاء القديم الشكل الخاص لقدم أحد الرجال أو بالأحرى مثلما يواصل نبات متنام تكييف نفسه مع بيئته.

وصانع الحذاء قد يبذل الجهد حتى يلائم الحذاء عميله، وذلك بأن يقيس قدمه، ويشكل الحذاء بحرص بحيث يكون مناسباً للعميل وحده - أو هو قد يكون مثل صانع أحذية الجنود، فينتج حجماً نمطياً من الأحذية ويترك قدم العميل لتكيف نفسها بأحسن ما يمكنها.

والشيء نفسه بالنسبة للقرنة؛ كان لديّ مجتمع بكل تركيبه وكان في وسعي إما أن أدفع به في مساكن ذات أحجام نمطية معدودة، تاركاً إيَّاه ليُمارس من التقلصات والبثرات كل ما يمارسه العسكر كالمجند عندما يأخذ في التعود على حذائه، وأما أن أقيسه وأنتج قرية تتواءم معه بكل ما فيه من أوجه عدم الانتظام والتواء، الأمر الذي يشبه نوعاً نزع قوقع من محارته وإدخاله في محارة أخرى.

ومجتمع القرية يستغرق قياسه زمناً طويلاً ويحتاج لأدوات قياس أكثر دقة من شريط القياس.

على أن هناك أمراً واحداً كان واضحاً منذ البداية؛ وهو أنه يجب أن يتم التصميم لكل عائلة على حدة.

وهكذا ينبغي على الأقل أن تتم استشارة كل عائلة في القرنة، وينبغي أن نكشف عن أشياء كثيرة كان من الصعب نوعاً استجلاؤها من أهل القرنة المتشككين المتحفظين.

وكان لدينا نوع من دليل من مسح مبكر للقرية القديمة يضع قائمة للبيوت ويصف مناطقها، وعدد الحجرات ومواد التسقيف؛ على أن هذا المسح قد تم منذ عشرة إلى خمسة عشر عاماً، و حتى إذا كان لم يعف زمنه، فإنه لم يكن بالذي يعطي نوع من المعلومات الذي أطلبه.

كان ثمة حاجة ملحة لبعض المسح الاجتماعي، إلا أنه لم يكن من السهل أن يصل إلى هناك بحاثون اجتماعيون، وحتى لو أمكن الحصول عليهم، فإني كنت أعرف بالخبرة أن ما سيسألونه من أسئلة فجَّة إجابتها ((بنعم أو لا))، مما يتم تصميمه ليس للكشف عن مجتمع وإنما لإنتاج الإحصائيات.

وإحصائيات كهذه ليس لها سوى أقل قيمة للمعماري، إنها مما يمكن أن ينبؤنا وحسب بعدد أطفال زيد أو إذا كان عبيد عنده حمار، ولا تستطيع الكشف عما إذا كان زيد وعبيد على علاقة طيبة معاً.

والاستبيان المعتاد لا يستطيع أبداً أن يجلب إلى انتباهي حقيقة اجتماعية مهمة كما مثلاً عندما يفعل المهندس المعماري شيئاً فيؤدي إلى تحطيم عائلة.

ولو استطاع أحد الصبية أن يشق طريقه من كوخ فلاح إلى المدرسة فالجامعة حتى يصبح محامياً أو طبيباً أو مدرساً أو ضابطاً، الأمر الذي لابُدَّ أنه سيحدث للمزيد والمزيد من الصبية الفلاحين، فإنه سيحس بالخجل من بيته القديم ولن يعود إلى القذارة والقبح الذي يعيش فيه والده.

ومن بين سبعة آلاف من أهل القرنة لم يكن قد تخرج من الجامعة سوى فرد واحد، هو الآن محام يمارس مهنته في القاهرة ولم يضع قدمه قط ثانية في قرية موطنه.

ومع انتشار التعليم في ظل القانون الجديد، سيتعلم جيل جديد بأسره من الأطفال ليزدروا -وهم على حق تماماً- قذارة بيوتهم؛ ولكنهم سوف ينظرون -وهم على خطأ تماماً- إلى الحداثة البراقة للمساكن الحضرية على أنها العلامة الحقيقية للتقدم والتمدن.

ونوع الأسئلة التي تُسأل في أبحاث المسح المعتادة لا يستطيع أن يكشف عن مدى سرعة التغير في حياة الريف.

وقد لا يستطيع الواحد أبداً أن يُدرك كيف أن النمط التقليدي القديم من العزلة والجهل بالعالم الخارجي لهو نمط يتحطم بدداً عن طريق حافلة (أتوبيس) الريف والسيارة الأجرة؛ وفيما مضى لربما عاش الرجل ليموت في قريته وهو لم يذهب قط حتى لأقرب مدينة، أما الآن فإن وجه مصر تشقه آلاف من طرق الحافلات، وتكدس كل أنواع الناس وطبقاتهم في سيارات مترنحة، لا شيء إلا لمجرد الركوب فيها.

والحكومة البرلمانية أيضاً، بدعايتها، وخطب انتخابها، تأتي بالمدينة مباشرة إلى القرية.

ومذياع المقهى قد حل منذ زمن طويل مكان الحكايات الشعبية والأساطير.

والتعليم العام ينتج الآن آفاقاً جديدة لأطفالنا.

وقد فعلت وسائل الاتصال الغربية بالقرية ما فعله كوبر نيوكس بالأرض - فالقرية الآن أصبح ينظر إليها كجزء صغير من الكون، وليس على أنها مركزة، بينما العالم الغربي، وهو مصانع تشيكوسلوفاكيا وإيطاليا بسلعها التي تصمم خصيصاً بألوان فجة سقيمة لترضى الذوق الفاسد عند الفلاح، هو الذي أصبح يبدو على نحو متزايد وكأنه الشمس أو المصدر الوحيد للحياة.

والفلاح المغلوب على أمره، وهو يبحث عن التقدم، يهجر التراث الحضاري الذي يحمي ذوقه، وذلك قبل أن يتم له اكتساب ما يلزم من قدرة على التمييز، تحل مكان تراثه.

وهكذا فإن منتجات أوروبا وأمريكا بلمعتها التي تزداد دائماً، تلك الأقداح المعدنية الناصعة، والأكواب الموشاة بالذهب، والحلي الزجاجية ذات الألوان الباهرة، والأثاث المذهب، كل هذا يقهر أسواق القرى المحرومة من أي دفاع، ويجبر الأعمال اليدوية الجميلة الجليلة التي ينتجها الحرفيون المحليون على ان تختفي في هوان.

والفلاح، وقد تفتَّحت عيناه على ثراء حياة المدينة، يتخذ لنفسه مثالاً من الموظف الحضري وضابط الشرطة، وهذان، يكون أي شيء أوروبي هو بالنسبة لهما الشيء الجيد.

إنه لا إله إلا الله؛ ولا مدينة إلا مدينة الغرب.

ويصبح الذوق الوضيع الشره لسكان المدينة من الطبقة الوسطى هو ما يملي الطرز الرائج عند ملايين الفلاحين.

وكما أن سائر تاريخ مصر الحي على النيل قد أصبح في حالة تقهقر كامل، فإن حرفيتها قد أخذت تختفي أمام هجوم الصفيح البراق والأقمشة المبهرجة.

والطابع المرئي للقرية، مثله مثل عادات سكانها، يتغير لأبعد مما يمكن إدراكه، بينما يظل في عين رجل الإحصاء التي لا تميز وكأنه هو نفسه بالضبط.

فالإحصائيات تغفل تماماً عن المعلومات الحيوية من مثل طريقة احتفال الناس بأعيادهم الشخصية والدينية.

وهناك مثلاً التقليد السائد في بعض قرى مصر العليا، حيث أي فرد يعود من القاهرة لا يقيم أول ليلة في بيته الخاص وإنما في مضيفة العمدة، وذلك ليدلي بما لديه من أخبار جديدة، وإذ يجهل المهندس المعـماري هذا التقليد فإنه يفشل في توفير ما يناسبه.

وحتى نكتشف التقاليد والطقوس السائدة، ونرسم خريطة طبقات المجتمع، ينبغي أن تتحدث إلى المسنين بالقرية، وأن نرقب حياة القرية لشهور كثيرة.

وحتى نكتشف كيف يقوم الناس بعملهم وكيف يستخدمون بيوتهم، ينبغي أن نرصد الآراء ونستدعيها.

والحقيقة أنه كان ينبغي أن نُخضع القرنة حقاً لبحث شامل اجتماعي - اثنوجرافي* واقتصادي، ينفذ على نحو صارم بأقصى درجة، ذلك أننا كنا نريد معلومات يُعتمد عليها حتى نؤسس عليها تخطيط مشروعنا.

والناس بصفة عامة لا يدركون أن الاثنوجرافي الاجتماعي له إسهامه الضروري في تخطيط المدن والمناطق؛ على أني أرى أنه له نفس أهمية الديموجرافي**.

والمخططون كلهم تقريباً يتعاملون الآن مع مجتمعات هي في عملية تغيير، وما من مخطط يستطيع الزعم بأنه بخبرته الخاصة المحدودة وملاحظته غير المتمرسة سيفهم التغيرات الحضارية التي تحدث حتى في مجتمعه هو.

وأقل من ذلك ما يستطيع أن يزعمه من فهم للمجتمع الأجنبي، حيث يحدث كثيراً أن يكون عليه فهمه.

والاثنوجرافي الاجتماعي هو وحده الذي يستطيع أن يوفر هذا الفهم، وهو فهم قد يثبت في النهاية أنه أمر حيوي لنجاح المشروع.

وينبغي أن يُعد المسح الاثنوجرافي الاجتماعي معاً مما لا يمكن حذفه عند تخطيط المدينة مثلما لا يمكن حذف السجل الديموجرافي للمجتمع.
-----------------------------------------------------
* الاثنوجرافيا: الاثنروبولوجيا الوصفية، علم الأعراق البشرية الوصفي (المترجم).
** الديموجرافيا: علم دراسة الإحصائية للسكان (المترجم).
-----------------------------------------------------

والسلطات لم توفر لنا أبداً هذا النوع من العون المهني؛ وهكذا كان  علينا أن نتصرف حسب ما لدينا من معرفة وتخمين يتأسسان على الفهم المتعاطف لحياة  الفلاح.

والطبيب البارع كثيراً ما يصل إلى تشخيص بالملاحظة المباشرة هو أدق مما يصل إليه طبيب غير متمرس رغم كل ما قد يتوفر للأخير من مساعدة الأدوات العلمية؛ وقلت لنفسي ذلك وأنا آمل أنه حتى تلك المعطيات الضئيلة التي جمعناها، قد يكون فيها عندما ندعمها بخبرتنا، ما يكفي لكتابة وصفة علاج ناجحة لحالة القرنة!

فالنقاط المماثلة لما سبق ذكره، والتي يغفلها المسح الإحصائي غير الكامل، لو تم تفسيرها تفسيراً ذكياً فإنها ينبغي أن تمد بمفتاح للحل الصحيح للمشكلة المعمارية.

وأول مشكلة معمارية كبيرة في القرنة الجديدة كانت تخطيط القرية.

مسألة ما هو الطابع الذي ينبغي أن يكون لشوارعها، وكيف تكون العلاقة بين البيوت أحدها بالآخر، وهي مسألة على أقصى درجة من الأهمية.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 8:50 pm

بنية القرابة والتقاليد المحلية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit442
هناك سُبُلٌ ممكنة لكيفية تنظيم عدد من البيوت وتنويع الطريقة التي تلتقي فيها القرية هي والريف.

وفي أوروبا مثلاً تتداخل القرية مع المشهد الخلوي الطبيعي، والبيوت ليست فحسب منفتحة على هذا المشهد الطبيعي، وإنما هي جزء منه، تماماً مثلما تكون الأشجار والحقول جزءاً من القرية.

وفي مصر حيث تختلف طبيعة الفلاحة وحيث منظر الأرض الزراعية أقل جاذبية، فإن القرويين يفضلون أن يحشدوا بيوتهم متقاربة معاً فيما يكاد يكون كتلة حجر واحدة.

ويرجع هذا في جزء منه إلى الطبيعة العدوانية لخلاء الريف، وفي جزء لطلب الاحتماء، وفي جزء آخر إلى غلو ثمن الأرض الزراعية التي لا يريدون تبديدها.

وحاجة القرويين هذه للاحتماء من الطبيعة ومن الناس الآخرين، لحماية أنفسهم والماشية معاً، تنعكس في الطريقة التي تنفتح بها البيوت والقرى للداخل نحو المركز مديرةً ظهرها للعالم الخارجي.

ويصدق هذا بالذات على القرى التي بنيت بالفعل فوق أرض زراعية.

والقرى في مصر العليا، حيث يضيق وادي النهر، تنحو إلى أن تُبنى على التلال التي على الجانبين، حيث يصبح في الوسع أن تستخدم مساحات أكبر.

والقرنة القديمة هي في الحقيقة قرية منبسطة على نحو خاص في غير نظام وهذا في جزء منه لأن كل بيت قد بنى ليشمل أكبر عدد ممكن من المقابر.

والآن فإن معظم المهندسين المعماريين عندما يعيدون تخطيط قرية، يرصون البيوت في شوارع مستقيمة منظمة، يوازي أحدها الآخر.

وهذا أمر سهل، ولكنه كئيب.

والحقيقة أن هذه الشوارع المتوازية عندما تتكون من بيوت متجانسة منمطة على أدنى المستويات، ولا يخفف من وقعها أي أشجار أو ملامح أخرى، فإنها تكون هكذا ذات تأثير كئيب منحط.

على انه ما من حاجة لرص البيوت هكذا.

فهذه البيوت نفسها بالضبط يمكن تجميعها بنفس السهولة من حول ميدان صغير.

ويكون هذا اقتصادياً تماماً مثل صفوف البيوت المستقيمة، كما أن له مزاياه العديدة.

وأول شيء، فهو أن الميدان يُبقى على التوجه التقليدي لبيوت القرية بواجهتها للداخل.

وثانياً، فهو يجلب للقرية بعضاً من لطف وتحضر حياة الإنسان الغني في المدينة.

فقصر الباشا كان يبني دائماً من حول فناء أو سلسلة من الأفنية، تعطي له جواً خاصاً من الهدوء والجمال.

ولسوء الحظ فقد نشأ عند المهندسين المعماريين تحيز ضد الأفنية، ذلك أنه عندما هجر الباشوات قصورهم وانتقل إليها أفراد الشعب، استخدمت هذه الأفنية كمساحة للبناء تختنق بمساكن صغيرة غير صحية.

وهكذا  فإن ما كان ذات يوم فناءً رحيباً هادئاً أصبح حشداً مُكتظاً من أكواخ سيئة التهوية.

على أننا نستطيع أن نستعيد الفناء للناس مع الاستيثاق من أنه لن ينال مصير فناء الباشا.

وعندما نجمع بيوتهم حول الأفنية أو الميادين الصغيرة، فإننا نستطيع منحهم كل الجمال الذي كان الباشا يستمتع به ويتم في نفس الوقت إسكانهم إسكاناً أنيقاً نظيفاً.

وبالطبع فإن الفناء لن يكون بعد فناء مغلقاً، ولكنه سيتصل بالشارع بحيث يصبح ملكية عامة، ولا يمكن أبداً أن يستخدم للبناء، بينما هو في نفس الوقت ينتمي بوضوح إلى مجموعة واحدة من البيوت.

و إني لأحس أن الميدان والفناء هي عناصر معمارية ذات أهمية خاصة في مصر.

فالمساحات المفتوحة هكذا من خلال المباني، هي جزء من طابع المعمار في الشرق الأوسط كله - وهي موجودة حقاً ابتداء من المغرب، ثم هي تتخلل الأراضي الصحراوية مباشرة إلى سوريا والعراق وفارس، حتى تصل إلى ما قد يكون أرهف تعبيراً عنها في بيوت المدينة بالقاهرة القديمة.

والأمر يستحق أن نستطرد هنيهة لننظر في معنى الفناء والميدان بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في العالم العربي.

يوجد في المساحات المغلقة في الغرفة أو في الفناء، خاصية معينة يمكن الإحساس بها بوضوح، وتحمل الطابع المحلي بمثلما يحمله أي قوس بعينه، وهذه المساحة المحسوسة هي في الحقيقة عنصر أساسي في المعمار، وإذا لم يتوافر الإحساس الصادق لمساحة من المساحات، فإنه ما من زينة تستطيع بعدها أن تجعلها شيئاً طبيعياً ينتمي للداخل من التراث المرغوب.

هيا ننظر إلى البيت العربي كتعبير عن الحضارة العربية.

بأي الطرق أدَّت القوى البيئية التي صاغت الشخصية العربية إلى التأثير في المعمار المنزلي؟

إن العربي يأتي من الصحراء.

والصحراء هي التي كوّنت عاداته ووجهة نظره وشكلت حضارته.

وهو مدين للصحراء ببساطته، وكرمه، وميله للرياضيات والفلك، ناهيك عن بنية عائلته.

ولما كانت خبرته بالطبية هي خبرة مريرة للغاية، ولما كان سطح الأرض، والمنظر الخلوي الطبيعي هما بالنسبة للعربي عدو قاس، محترق متوهج قاحل، فإنه لا يجد أي وجه للراحة في أن يفتح على الطبيعة في المستوى الأرضي.

فوجه الطبيعة الحاني بالنسبة للعربي هو السماء - النقية الطاهرة، الواعدة بالبرودة وبالماء الواهب للحياة من سحبها البيضاء.

السماء التي تقزّم  حتى من اتساع رمال الصحراء أمام لا نهائية الكون كله المرصع بالنجوم.

وما من عجب أن تصبح السماء بالنسبة لساكن الصحراء هي بيت الله.

والوثنيون الأوروبيون لهم آلهتهم  في الأنهار وفي الأشجار، أو آلهة تمرح على قمم الجبال؛ ولكن ما من إله لهم يعيش في السماء.

فإله السموات آتى للعالم عن الرعاة وسائقي الجمال في الصحراء، الذين كانوا لا يستطيعون أن يرو أي مكان آخر يلاءم الإله؛ فسطح الأرض بالنسبة لهم لا نتاج له إلا من الجن والشياطين الذين يدورون فيما حولهم في العواصف الرملية.

وهذه النزعة الغريزية المحتومة لرؤية السماء على أنها الوجه الحاني من الطبيعة قد تنامت تدريجياً كما رأينا، إلى فرض لاهوتي محدد، أصبحت فيه السماء مقام الله، والآن وقد اتخذ العربي لنفسه حياة مستقرة فإنه شرع يطبق الاستعارات المعمارية في علمه الكوني، بحيث تعد السماء قبة تدعمها أعمدة أربعة.

وسواء كان هذا الوصف يؤخذ أو لا يؤخذ به حرفياً، فمن المؤكد أنه يضفي قيمة رمزية للبيت، الذي يعتبر نموذجاً أو مصغراً للكون.

والحقيقة أن الاستعارة وُسعت بأكثر إلى الجوانب الثمانية للمثمن الذي يدعم، على خناصر معقودة، قبة ترمز للسماء؛ وقد أُخذت هذه الجوانب الثمانية على أنها تمثل الملائكة الثمانية التي تدعم عرش الله.

ولما كانت السماء عند العربي تعد في التو المقر لوجه الطبيعة القدسي و أكثر ما فيها السكينة، فإنه بالطبع يريد أن يجلبها إلى مسكنه نفسه.

وكما أن الناس في أوروبا يحاولون أن يجعلوا من منازلهم شيئاً متوحداً مع المنظر الخلوي الطبيعي هو ونباتاته، إما من خلال الحدائق، أو من خلال جدران الألواح الزجاجية، فإن الناس في البلاد الصحراوية يحاولون أيضاً أن يُنزلوا صفاء وقدسية السماء لأسفل بالداخل من البيت، ويحاولون في نفس الوقت.

أن ينغلقوا عن الصحراء برمالها المْعمية الخانقة وشياطينها المنفرة.

ووسيلة صنع ذلك هي الفناء.

فالبيت يكون مربعاً أجوف، وقد أدار للخارج جدران صماء بلا نوافذ، بينما تطل كل غرفة للداخل على فناء لا يمكن أن يُرى منه إلا السماء.

ويصبح من هذا الفناء قطعة السماء التي تخص المالك.

والمساحة المُحاطة بغرف بيته تستطيع، على أحسن حال، أن تولد وحدها إحساساً بالهدوء والأمان لا تستطيع أن تولده أي قيمة معمارية أخرى.

حيث تكون سماء الفنان في كل الأحوال وكأنها قد جذبت لأسفل في علاقة حميمة بالبيت، وهكذا فإن روحانية البيت تظل تتزود من السماء تزوداً مطرداً.

وصفاء الفنان المطوَّق ليس بأمر خيالي، ولا هو بالعمل الرمزي المستبعد، ولكنه حقيقة يمارسها كل فرد يمشي من داخل البيت العربي أو من داخل فناء لدير أو كلية.

وقيمة المساحة المطوَّقة قد تم إدراكها ليس فحسب بواسطة سكان الصحراء، وإنما أيضاً بطول ساحل البحر المتوسط، بواسطة قدماء الإغريق وبناة الفيللا الرومانية، وبواسطة الأسبان بباحتهم المرصوفة، كما أدركها المعماريون العرب في  جوامع القاهرة وبيوت دمشق، وسامراء، والفسطاط.

على أن الفناء بالنسبة للعربي على وجه خاص، إنما هو أكثر من مجرد وسيلة معمارية للحصول على الخصوصية والحماية.

إنه مثل القبة، جزء من مصغر يوازي ترتيب الكون نفسه.

وعلى هذا النمط الرمزي، فإن جوانب الفناء الأربعة تمثل الأعمدة الأربعة التي تحمل قبة السماء.

والسماء نفسها هي السقف للفناء، وهي تنعكس على النافورة التقليدية التي في وسطه.

وهذه النافورة أو الحوض، هي في الحقيقة إسقاط دقيق لقبة فوق خناصرها المعقودة.

وهي في التصميم مشابه بالضبط، فهي أساساً مربع، زواياه في المستوى الأوطي، قد قطعت لتشكل مثمناً؛ ومن كل جانب من الجوانب الجديدة التي تشكلت هكذا تتقعر نصف دائرة، بحيث أن الحوض إنما هو نموذج مقلوب للقبة، بالضبط كما لو كانت القبة الحقيقية تبدو في صورة مرآة في الماء.

وبيت العربي الذي ينظر إلى الداخل، مفتوحاً للسماء الهادئة، وقد جُمّل بعنصر الماء مؤثثاً في شكل نافورة هذا البيت المكتفي بذاته والمفعم بالسلام، الدعوى النقيضة المتعمدة للعالم الخشن للعمل والحرب والتجارة، هو هكذا مملكة المرأة.

والكلمة العربية المسكن ((المسكن)) التي تدل على البيت، تتعلق بكلمة ((السكينة))، أي ما هو سلمى مقدس، بينما كلمة ((حريم)) التي تعني ((النساء)) تتعلق ((بالحرم)) أي ((المقدس))، الذي يدل على الأجزاء الخاصة بمعيشة العائلة في المنزل العربي.

والآن فإن من الأهمية بمكان أن هذه المساحة المطوقة، بما تحتويه من أنوثة دافقة راعشة، لا ينبغي لها أن تنكسر.

وإذا كان ثمة فجوة في المبنى المحيط، فإن هذا الجو الخاص سوف ينساب للخارج ويتدفق إلى الضياع في رمال الصحراء.

فهذا السلام والقدسية، وهذه الأنثوية المتجهة للداخل، وهذا الجو من السكن الذي لا تكفى كلمة البيت للإبقاء به، هذا كله هو إبداع هش لدرجة أن أقل خرق صغير في الجدران الواهنة التي تحميه سوف يؤدي تدميره.

وهذا هو السبب في أن الباحة المرصوفة، التي تكون مفتوحة عند أي واحد أو اثنين من جوانبها، والتي ربما تكون بهيجة بما يكفي في أسبانيا حيث الخلاء الريفي مروُّض نسبياً، هذه الباحة لا تصلح أبداً في الشرق الأوسط، حيث ستقفز الصحراء المتوحشة داخله كالجن لتدمر البيت.

ولو أن جانباً واحداً حتى من الفناء هو جدار بسيط، لفسد الجو، واضطربت فيه السكينة.

فلا يمكن الإبقاء على هذا السحر في مكانه إلا بواسطة غرف يُسكن فيها حقاً، وسبب هذا بالطبع هو أنه ليس بمادة -ولن نستطيع الحديث هنا إلا بضرب الأمثال- وإنما هو إحساس، وهو يتخلق بالضبط بالتفات الغرف هكذا إلى الداخل وإذن، فإنني لهذه الأسباب أساساً قد خططت كل منزل ليكون من حول فناء؛ ولكن الأمر لم يقتصر على أن يتضمن كل بيت فناءه، وإنما كانت كل مجموعة من البيوت تنتظم أيضاً لتحيط بالفناء المشترك الأكبر شبه العمومي، أو الميدان، فناء ((الباشا)) الذي تكلمت عنه فيما سبق.

وكل واحد من هذه الميادين، بما يحيط به من بيوت، قد قصد به أن يخدم مجموعة عائلية واحدة، أو ((بدنة)).

والبدنة هي مجموعة من أناس قرابتهم لصيقة، وتتألف من عشر عائلات إلى عشرين عائلة، ويكون لها رأس أبوي معترف به كما أن لها حساً وثيقاً بالولاء المشترك.

وتعيش هذه العائلات في بيوت متجاورة، ورغم وجود الاختلاف في الثروة والوضع الاجتماعي بين العائلات المفردة، تعيش هذه العائلات في بيوت متجاورة، ورغم وجود الاختلاف في الثروة والوضع الاجتماعي بين العائلات المفردة، إلا أنها تتبع أسلوباً مشتركاً للحياة.

والبدنة الأكبر يكون لها مقهاها الخاص، ولا يذهب أحد إلى المقهى آخر؛ كما يكون لها حلاقها وبقالها الخاصان، وعندما تخبز إحدى العائلات خبزها، فإن كل العائلات المجاورة في البدنة يكون لها أن تستخدم الفرن لتسخين خبزها القديم، وحسب دورة مرتبة للعائلات تقدم كل منها هذه الخدمة في دورها؛ أما في الأعياد والاحتفالات عند استقبال الضيوف فإن البدنة ككل توفر الوليمة ووسائل الترفيه.

والبدنة هي من وجوه هامة من الوحدة الاقتصادية - الاجتماعية الرئيسية للفلاح.

وكان عليّ أن أحسب لذلك حسابه، وأن أتأكد من أن كل بدنة يتم إسكانها معاً وتوفر لها تسهيلات متابعة القيام بكل الأنشطة الاجتماعية التي تعودت عليها.

وكان هذا سبباً إضافياً لتخطيط البيوت من حول ميادين، حيث تستطيع البدنة أن تستقبل الضيوف وأن تقيم الاحتفالات المرتبطة بالزيجات وعمليات الطهور (وُفرت مضيفة أو غرف ضيافة للاستخدام المشترك لكل بدنة في ميدانها)، والميدان أيضاً يصلح لأغراض أخرى أكثر عملية كالتخزين المؤقت للوقود والقش، وإلا فإنهما كان سيكومان بلا نظام في الشارع العام.

على أن الأهم من ذلك، أن الميدان بما يضيفه على المنازل بوصفه بؤرة لها حيث تلتفت كلها للداخل مطلة عليه ‘ فإنه بذلك يخلق للبدنة شيئاً من الجو نفسه الذي يخلقه فناء المنزل الخاص للعائلة المفردة.

وهكذا فإنه يساعد على توثيق صلة المجموعة العائلية معاً، بتأكيد لطيف متواصل على وحدتها، وكذلك أيضاً بسبل عملية عديدة، مثل تسهيل ممارسة تلك العادة الراسخة من أين يسخن المرء خبزه في الفرن الذي صادف أن يكون أي من جيرانه يخبز فيه، وبتوفير مكان للأطفال يلعبون فيه حيث يكونون تحت أعين أمهاتهم وليس تحت أرجلهن.

على أن ما كان بالنسبة لي أكثر أهمية من كل هذه الاعتبارات، لهو التأثير في الشخص إذ يخرج من غرفة بيته، ثم من خلال فناء البيت، إلى الميدان الأكثر رحابة وإن كان مازال مطوقاً، بحيث لا يمر إلى الشارع العام إلا بعد ذلك.

وسواء كان ذلك في القرية أو المدينة، فإن هذا الترخيم التدريجي فيه سلام وسكينة بأكثر مما في الاندفاع المفاجئ للمرء من خصوصية غرفته الصغيرة إلى صخب الشارع أ إلى الحجم الهائل للحقل.

ومن الممكن أن تُرتب هذه الوحدات نفسها بالضبط ترتيباً يتم بطرق مختلفة -كتخطيطها في شبكة متعامدة أو أي شكل آخر- على أن أحسن ترتيب لها هو الميدان المتناسب تناسباً جيداً.

على أنه يجب ملاحظة أن من المهم أهمية حيوية أن البيوت يجب أن يكون وجهها للداخل، في الميدان، تماماً مثلما يكون ضرورياً أن يحاط فناء البيت بالغرف ووجهها للداخل.

ومما يحدث كثيراً إلى حدٍ ما أن نرى ما يزعم أنها ميادين، وهي بالفعل ليست إلا مجرد مساحات عارضة تحددها نهايات صفوف البيت، أو جدار لمدرسة، أو ظهر مصنع.

وعندما تدير كل المباني ظهرها إلى الميدان، أو تعطيه في أحسن الأحوال جانباً بارداً منها، فكيف لنا بعدها أن نتوقع أن يستخدم الناس هذه المساحة كميدان حقيقي؟

وما يحدث عندها لا يقتصر على أن الجو العام يتسرَّب بعيداً، بل إنه أصلاًلا يتواجد أبداً.

والمساحات الكئيبة من مثل ذلك سرعان ما تصبح مقالب للزبالة ومقراً لاجتماع عصابات الأحداث المنحرفين.

واستقبال الضيوف في القرية هو جزء هام جداً من حياة القرويين.

واحتفالات العائلة هي والأعياد الدينية تستدعي حشداً كبيراً، ويقوم كل الجيران بالمساعدة في توفير الطعام.

ويجتمع الضيوف حسب مراتبهم، فرئيس مجموعة العائلات -الرجل الأكبر سناً والأكثر احتراماً في البدنة- يتخذ مكان الشرف في المضيفة حيث يُقدم له الطعام هو والضيوف الأكثر اعتباراً.

أما الأقارب الأبعد صلة فيجلسون لأبعد قليلاً من تحت المقاصير المغطاة.

أما جمهور المعارف العارضين هم وعابرو السبيل فيجتمعون في الخارج في الميدان.

ومن الممكن رؤية الميادين الخاصة وهي تستخدم أعنف استخدام لاحتفال من هذا النوع وذلك عند الاحتفال السنوي؛ بمولد النبي، الذي يرادف الكريسماس في الغرب.

فالاحتفالات عندها تستمر لاثني عشرة ليلة، وفي كل ليلة منها تقوم بالضيافة عائلة مختلفة، ويجتمع أفراد المجاورة لسماع ترتيل القرآن وللمساهمة في الذكر أو الحركات الإيقاعية مع التغني باسم الله.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 8:55 pm

الاعتبارات الاجتماعية الاقتصادية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit443
كان علينا بأيِّ حال، أن نعرف عن أهل القرنة ما هو أكثر من مجرد تقاليد وتجمعاتهم الاجتماعية، وأهم من ذلك أن نعرف الحقائق الصادقة عن حياة القرويين الاقتصادية، التي يمكن منها أن نقيس تأثير انتقالهم في قدرتهم على كسب عيشهم.

ورغم أن مهمتنا كانت فحسب أن نبني مجموعة جديدة من البيوت، فإنه ما كان يمكننا أن نتجاهل عامدين مسألة أسباب العيش هذه عند أهل القرنة بعد انتقالهم.

فوسيلة القرويين لكسب عيشهم هي مما يجب أن يؤثر في تصميم بيوتهم وما يتم توفيره لهم من المباني العامة.

وأول حقيقة أصبحت واضحة لنا هي أن أهل القرنة لا يمكن أن يأملوا في كسب عيشهم من الأرض المحيطة بالقرية.

فإجمالي مساحة الأرض الزراعية المتاحة للقرنة هو فحسب 2357 فداناً؛ الفدان = 1.038 من الأكرات)، بينما كان عدد السكان في إحصاء 1947 هو 6394.

وحيث أن 2357 فداناً لا يمكن أن تعول إلا 3000 فرد، فسيكون هناك فائض من 3000 فرد آخرين على الأقل عليهم أن يكسبوا رزقهم من مهنة أخرى.

وقد تطوَّر الأمر بالقرنة إلى مهن خدمة الآثار، فاستُخدم سكانها غالباً كعمال في الحفائر، كما كسبوا أيضاً مالاً وفيراً من سرقة المقابر وبيع الأشياء للسائحين.

ولابد أن عدد السكان عند نشوب الحرب في 1939 كان حوالي 9000، إلا أن إيقاف كل الحفريات وكساد أعمال السياحة قد جعل الكثيرين من أهل القرنة يتركون القرية، كما أدَّى وباء شديد من الملاريا الجامبيا في 1947 إلى قتل ما يقرب من ثلث السكان الباقين.

ومع ذلك فحتى هذا العدد المنخفض من السكان لم يكن ليستطيع أن يجد عملاً كافياً لكسب العيش، وذلك رغم إعادة بدء الحفائر.

أما عملهم القديم في سرقة المقابر فقد أصبح عائده في تناقص مستمر بسبب تزايد يقظة السلطات، واستنفاذ ما في القبور.

وفوق ذلك، فإن أهل القرنة عندما ينتقلون، سيجدون معيشتهم أصعب وأكثر تكلفة، ذلك أنه عندما يُقتلع مجتمع من جذوره ويتبدَّد ما كان لديه من وسائل صغيرة لراحة العيش، فإن من كانوا يتمكنون بالكاد من مواصلة العيش سيصبحون جوعى، وكما يبدو ستصبح موارد الأفراد أقل.

والآن؛ فقد افترضت مصلحة الآثار أن السكان سيستمرون في الانكماش، وكان هذا استنتاجاً طبيعياً من الموقف الاقتصادي الفعلي للقرية آنذاك.

على أنه كان يوجد -ومازال يوجد- طريقتان محتملتان - لكسب أود جماعة سكان متنامية.

والأولى أن تستبدل بعض الحرف بشتى المهن التي تعتمد على الآثار، وتحول القرنة إلى مركز للصناعات الريفية.

وهذا أمر متاح كما يتضح من مثل نقاده، وهي مدينة على مقربة يعيش سكانها العشرون ألفاً على النسيج.

ولو أصبح أهل القرنة في معظمهم من الحرفيين، فإنه يمكن أن يستقر السكان بعددهم الحالي وسوف يأخذون بعدها في التزايد بالمعدل الطبيعي للزيادة.

والاحتمال الآخر للتنمية يعتمد على قرب القرنة من الأقصر ومن منطقة الآثار؛ فالقرية الجديدة ستصبح قاعدة السياح لزيارة وديان المقابر؛ والطرق التي تؤدي من المعدية النيلية إلى الآثار والتي تمر عبر القرنة كانت بالفعل مُمهَّدة، وهناك جسر صغير قد بُنِىَ على ترعة الفضلية.

بل وهناك حديث عن بناء كوبري على النيل لربط الأقصر بالضفة الغربية.

والقرنة قريبة من معظم الآثار الهامة أكثر من الأقصر، وإقامة فندق سياحي هناك ستوفر فرصة كبيرة للعمالة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

والحقيقة أنه مع تحسن المواصلات فإن قيمة الأرض سترتفع ويمكن حتى أن تصبح القرية ضاحية للأقصر.

وهكذا فإن تنمية القرنة تبدو أمراً ممكناً للغاية.

وتخطيط القرية الجديدة يوفر إحلالاً لكل بيت في القرية القديمة سواءً كان مسكوناً أو غير مسكون، بحيث تستطيع القرنة الجديدة أن تأوي ما يصل تقريباً إلى العدد الأصلي للسكان وهو 9000.

وإذا زاد عدد السكان عن 9000، فإن هناك متسعاً للامتداد شمالاً وغرباً حتى يمتلأ الحوش عن آخره؛ أما حالياً فيستخدم منه خمس واحد فحسب للقرنة الجديدة.

وأما المباني العامة فكانت كبيرة بما يكفي للتعامل مع زيادة عدد السكان بما له اعتباره، وذلك فيما عدا المدارس الابتدائية؛ سوف يلزم بناء مدارس جديدة بمعدل مدرسة لكل 2000 ساكن جديد.

وإذن فإن أحد أجزاء المشروع الحيوية هي أن توسَّع موارد أهل القرنة بتزويدهم بالمهن التي توفر كسب المال.

والمهن التي لديهم من قبل هي قليلة العدد؛ وقد ذكرت مهارتهم الملحوظة في تزييف التماثيل والجعارين الأثرية، وإلى جانب هذا فقد اعتادوا تحويل الألبستر إلى زهريات، ونسج بعض أنواع لطيفة جداً من المنسوجات الصوفية، وأن يصنعوا الفخار.

وهم أيضاً يقومون ببعض أعمال صياغة الفضة، إلا أن المشغولات الفضية لم تكن مما يُطلب الآن إلا قليلاً، فكانت المهنة في طريقها إلى الزوال.

والعمل في بناء القرية الجديدة سيوفر فرصة رائعة لإدخال المهن المختلفة المتعلقة بالبناء.

والحق أنه يبدو توفير المهارات المحلية ما كان يمكن بناء القرية.

وأردت أن أعَلّمَ أهل القرنة صنع الطوب، واستخراج الحجارة، وحرق الطوب والجير، ورص مداميك الطوب، والسباكة؛ والتجصيص.

ثم هناك تأثيث بيوتهم الجديدة، وأردت في ذلك أن أحافظ على التصميمات التراثية للأثاث التي تلائم البيوت، وربما مع تعديلها.

والقرويون ما إن يتعلموا هذه الحرف، فإنهم سيستطيعون بيع مهارتهم ومنتجاتهم للقرى الأخرى من حولهم  ولكن إذا تم ذلك بالنسبة لهذه الحرف، فلماذا لا يتم أيضاً مع غيرها؟

إن النسيج الصوفي المحلي ينبغي أن يجد سوقاً له.

ويمكن تعليم القرويين صنع بساط الحصير، والسلال، والأبسطة والسجاجيد.

وكنت أرغب أشد الرغبة أن اكتشف طريقة بسيطة لصقل الفخار على درجة حرارة منخفضة، بحيث يمكنهم صنع أواني مائدة من نوع جيد ليبيعوها، والحُلِي أيضاً؛ كان هناك تقليد بأن تُدَّخرَ النقود في شكل حُلِي فضية من المشابيك والخلاخيل والأساور والعقود، والأنواع الأخرى من الحُلِي - ومن هنا تكون مهنة صياغة الفضة وأعتقد أنه لو كانت مُدَّخرَاتك بحيث يتسنَّى لك أن تراها وتعجب بها فإن هذا أفضل من أن تحتفظ بها في مصرف، وهكذا وددت أن أشجع إحياء مهنة صياغة الفضة.

ومن الممكن أيضاً صنع التذكارات للسياح (وهاهنا بعض مجال لمزيفي الآثار).

بل أننا فكَّرنا في تأسيس ورشة صغيرة لصنع النوافذ ذات الزجاج المُعشَّق المُلَوَّن.

ولو ابتدأت كل هذه الأنشطة الجديدة في القرية، فإنها ستهب الناس في التو حياة أكثر إرضاءً.

وسوف تتضاعف مقتنياتهم الشخصية وتصبح بيوتهم أجمل، وسوف يكسبون نقوداً أكثر ويتخلصون مما ألفوه طويلاً من تعاسة.

والمدينة إنما تُقاس حسب نوعية ما يقتنيه الناس من الأشياء الثانوية للحياة وكسب نوع عاداتهم، فهي لا تُقاس بغلو ثمن مقتنياتهم.

وقد يحوز أحد الرجال آلة حلاقة كهربائية، ولكنه لن يكون أكثر تمدُّناً من رجل يحوز موسى من الطراز القديم؛ فالاثنان يحلقان وهذا فيه الكفاية.

والأمير المُترَف إذ يجلس في مكتبته الخاصَّة وسط كتب من الطبعة الأولى كلها مُجلّدة وعليها شعاره، لا يكون بسبب هذا أكثر تمديناً بأي حال من عامل رَثٍّ ملابس يدرس في مكتبة عامة كُتُباً قذرة بَلِيَتْ من كثرة التقليب.

فمستوى المعيشة في القرية إنما يرتفع ارتفاعاً عظيماً بتوفير بيوت بسيطة ولكنها وافية، مؤثثة بما يكفي، ومزوَّدة بالتركيبات الصحية ومُزيَّنة بالمنتجات المحلية الممتازة، كما يرتفع بالتعليم، وبالنقود التي تُكتسب من الحرفة، وبزيادة الاتصال بالمسافرين والسياح والمدرسين من الخارج.

وهكذا يُصبحُ الناس أكثر صحة وسعادة وراحة وأمناً وحتى جداول الإحصائيين سيظهر فيها عدد وفيَّات أقل وأطفال أكثر.

* * *

واقتصاد القرنة الجديدة عليه بحكم الظروف أن يعتمد على الإنتاج و ((التصدير)).

ولدينا الفرصة لاختيار الحرف التي يبدو أنها أكثر أرباحاً، ويبقى علينا أن نستفيد بكل ما لمجتمع حرفي قوي من مزايا تتفوَّق على جيراننا المزارعين الأكثر ضعفاً، ولربُّما شعر هؤلاء الجيران حقاً بالغيرة إذ يرون أهل القرنة الذين عملوا بالسرقة خمسين عاما ينالون جائزتهم عن ذلك بما قدم لهم من وسائل تجعلهم ما زالوا يزيدون غنى، على حساب الفلاحين الشرفاء، ولا شك أنه ليس هناك مطلقاً ما يبرر محاباة أهل القرنة بالذات.

ولو أنهم استحوذوا على كل الأسواق، فسيكون من الصعب بعدها أن تُنوع الحرف في القرى الأخرى ويُرفع من مستوى معيشتها.

والحقيقة أنه ما من قرية تستطيع أن يكون لها وجود مستقل بذاته، وينبغي ألا تُعَدُّ القرية كِيَاناً مُنعزلاً.

وينبغي من كل الوجوه أن تتخذ القرية المكان الملائم لها ضمن نموذج كلي -ليس فحسب من حيث المكان، وإنما من حيث الأبعاد المختلفة للنمو الاجتماعي والاقتصادي-، بحيث أنها مع تطورها ومع تنامي عملها وحرفها وأسلوب حياتها، تساعد بذلك على الاستقرار البيئي للمنطقة بدلاً من أن تفسده.

ولعله ينبغي أن يكون لدينا خطة للمنطقة على المدى الطويل، تُخصَّص الصناعات للقرى بحيث لا تتولَّد ضغوط منافسة لا تطاق، على أننا لم يكن لدينا أي من ذلك.

وعلى كُلٍّ، فإن هذا مبعث للقلق لحظتها، فبالوضع الحالي للريف هناك نقص هائل في أي منتج، في أي من أكثر الضرورات الأولية للحياة المتمدينة، بحيث أن هناك مجالاً فيه أكثر من مُتَّسَعٍ لأن تُضاعف كل قرى مصر من إنتاجها لِمَرَّاتٍ كثيرة.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 9:40 pm

الحرف الريفية في القرنة
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit444
لابُدَّ من أن أوضح أنه فيما يتعلق بالحرف الريفية في القرنة، فإنني فيما عدا حرف البناء، لم يكن لدي أي نيَّة لتنمية هذه الحرف بنفسي؛ فلم يكن هذا من مهامي.

على أننا قد قمنا ببعض التجارب، وكأنها بمثابة أخذ عينات من التربة، لنرى إذا كان يمكن للحرف أن تنمو في القرنة.

وأهم الحرف هي صناعة النسيج، فيمكن أن يكون منها بالفعل نوعان محليان للنسيج لهما أهمية كبيرة في القرنة ((البردة)) و ((المنير))، وأما قرية نقادة القريبة التي تعرف بأنها القرية ((المليونيرة)) فكانت تنتج نسيجاً بالغاً في التعقيد وغلو الثمن يسمى ((الفركة))، وكنت أريد إدخاله للقرنة.

وإلى جانب هذه، وكلها أقمشة صوفية، كان هناك أقمشة قطنية للكوفيات وما شابه وهي حقاً جميلة جداً بتقليمتها الرهيفة في تناسقها؛ على أنها لم تكن من نوعية جيدة جداً وذلك بسبب الغزل والصبغات.
* * *
صناعة النسيج
في سياق جهودنا لإنشاء صناعة نسيج، أجرينا بعض تجارب في الصباغة، بمساعدة من اسكندر نسَّاج القرية.

وفيما مضى كانت الصبغات النباتية المحلية جميلة جداً، ولكنها نبذت لتستخدم بدلاً منها الصبغات الكيماوية الرخيصة والتي أدَّى استعمالها إلى تأثير بالغ السيوقية في منسوجات الأقمشة التراثية.

ولو أمكننا إعادة إدخال الصبغات النباتية، فإن أقمشة القرنة فيما ينبغي سوف تباع جيداً.

وقد كان هدفنا إلى إحياء تقنيات الصبغة النباتية، لأن هذه الصبغات أكثر ثباتاً ورقة في ألوانها من الصبغات الكيماوية.

ولكن حتى يحل الوقت الذي نتمكن فيه من إنتاج الصبغات النباتية بقدر كبير، كان علينا أن نعتمد قبلها على صبغات الأنيلين*، وقمنا بعدد من التجارب لجعل هذه الصبغات أكثر لطفاً وتجانساً.

وفكرت من بين أشياء أخرى، في أن أخفف من التباين الجافي للصبغات الأنيلية بأن أمزج كل صبغة منها في الماء المتخلف من لونها المكمل، وفكرت أيضاً في أن يتم اختيار الصوف الأصلي اختياراً حريصاً، بحيث أن الصوف الذي يكون لونه الطبيعي بنياً قاتماً يتم صبغه بالأحمر، بحيث أن الصوف الذي يكون لونه الطبيعي بنياً قاتماً يتم صبغه بالأحمر، والصوف البني الفاتح بالأصفر، والصوف الأسود بالأسود، وهلم جرا.

وسوف يرقق ذلك من الألوان الزاهية بينما يجعل الألوان الداكنة متوهجة.

وقد ساعدتنا شركة الصناعات الكيماوية الإمبراطورية المحدودة مساعدة كبيرة في هذه التجارب، إذ اهتمَّت بهذا العمل وسمحت لي بالحصول على الصبغات في كميات صغيرة، الأمر الذي يخالف إجراءاتهم المعتادة.

وكانت منسوجات القرنة المُحسَّنة الصبغة جذّابة أقصى الجاذبية.

وتصادف أن رأى مسيو بودان، أحد مديري جانسين في باريس، هذه الأقمشة فراقت له كثيراً حتى أنه عرض أن يشتري كل متر نستطيع إنتاجه من قماش المنير الملون.

وزار القرية السيد محمود رياض وزير التجارة والصناعة، وثار اهتمامه أيضاً بتجارب النسيج والصباغة.

وشجَّعنا تشجيعاً هائلاً بأن وعد بأن يُرسل لنا خبيراً في صناعة النسيج لتوطيد هذه الحرف.

وسرعان ما وصل الرجل.

وكان اسمه محمد طلحة أفندي، وهو شخص على أقصى درجة من طيبة القلب والتفكير الاجتماعي، ويتحمَّس لعمله كل التحمُّس وفي ظرف ليلة، كان قد جمع في الخان مجموعة من عشرين طفلاً ليُعلمَهُم النسيج.

وكان أول ما فعله هو أن جعلهم جميعاً يغتسلون جيداً، ثم جعلهم يشرعون في برم الخيوط، وإعداد النُّول وما إلى ذلك، ومن المُذهل أن يرى المرء كيف أن فيهم مَنْ تشرَّبُوا نسج السجاد وكأنما بنفس الطريقة الطبيعية التي ينسج بها العنكبوت وكأن الحرفة كانت تجري في دمائهم.

وعندما أتى وكيل الوزارة، شفيق غربال، لزيارتنا تأثّر تأثّراً بالغاً بهؤلاء النسَّاجين الصغار، على أنه قد لاحظ أنهم يبدون نحافاً جائعين، واقترح أن يُمنح لهم في كل يوم سُلطانية من حساء العدس.

وكان هذا اقتراحاً عملياً معقولاً صفَّق له كل واحد (وخاصة الأطفال)، وما لبثت الوزارة أن سألت عن بند الميزانية الذي سيوضع الحساء عليه.

واتضَّح أنه لا يوجد باب مناسب يمكن صرف حساء العدس عن طريقه، اللهم إلا إذا استطعنا بدء تشغيل المدرسة الابتدائية، ووضع الأطفال فيها، فيحسب مبلغ القرش الواحد أو ما يقاربه لكل فرد على حساب وجبات المدرسة.

وبدا أن هذه طريقة باهظة التكلفة للحصول على سُلطانية حساء، بأن تُبنى مدرسة وتوظف لها هيئة من المدرسين.

على أن المشكلة حلّت نفسها، عندما سقطت الوزارة بعدها مباشرةً تقريباً وتم نقل طلحة أفندي.

وطُرد الأطفال ليهيموا في منطقة الآثار وهم يشحذون البقشيش من كل السُّيَّاح.

وبعد هذه النكسة، فكّرت في أنه يمكن توطيد جذور حِرَفِ النسيج توطيداً أشد لو أمكن بناء مدرسة الصنايع ليتم تشغيلها.. وهكذا سارعت للبدء في بنائها.

وكان الهدف منها أن تكون معاً مركزاً للتدريب وورشة جماعية، بها الأنوال وتجهيزات الصباغة.

وهكذا جُهزت المدرسة بستة أحواض للصباغة، وكل حوض له غلايته الخاصة التي تعمل بفرن من نوع قطرة - زيت - وماء - وهو وسيلة فعالة جداً تغلي سعة برميل كامل من المياه كل ربع ساعة.

وكان في المدرسة الصنايع مُتَّسَعٌ لعشرة أنوال للأنسجة المحلية ولعدد من الأنوال الرأسية للأقمشة العادية.

وبمجرَّد الانتهاء من مدرسة الصنايع كتبت إلى وزارة التجارة والصناعة عارضاً إيَّاها عليهم.

وكان للوزارة من قبل مركز للصناعات اليدوية في قنا، ولكنه كان يتوارى بعيداً في شقة مؤجرة بالطابق الثاني؛ وهكذا ظننت أنهم سيرحبون بفرصة تدريس صناعاتهم في هذه الإنشاءات الدَّائمة التي حَسُنَ إعدادُها، خاصة أنها تقدم لهم مجاناً.

ولكن المدير العام كتب ليرُدَّ عليَّ قائلاً: إنني أحاول فرض أرائي على وزارة وأنهم لا يقبلون العرض.. وبدا من لهجته وكأنني أحاول انتزاع شيء منه بدلاً من كوني أقدم شيئاً مجاناً.

وهكذا ماتت تماماً تجربة النسيج، وكان ذلك بالكلية بسبب تثبيط حكومي نشط.
----------------------------------------------------
* مادة عضوية تستخرج من قطران الفحم وتستخدم في الصبغات والعطور (المترجم).
----------------------------------------------------



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 9:43 pm

صناعة الفخار
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit445
إلى جانب النسيج كنت أوَدُّ أن أعطي القرنة وسيلة عملية لصنع الفخار المصقول، للأسباب التي شرحتها من قبل، وصنع القرميد تدخل فيه مشكلة أن لا يوجد، أو كان لا يوجد، مادة صقل مناسبة تنصهر على درجات الحرارة التي يمكن الحصول عليها من أفران الفلاحين العادية.

فكان علينا إما أن نعثر على مادة صقل في درجة حرارة منخفضة أو على فرن رخيص عملي عالي الحرارة.

وكان المثّال الياباني إيسامو نيجوتشي قد أخبرني أن أحد الأشخاص في جامعة كاليفورنيا قد صنع مادة للصقل تعمل عند درجة حرارة 600ْ م، ورغم أني سألت أناساً كثيرين، فما من أحد آخر كان يبدو أنه قد سمع بهذا.

على أنني قد صمَّمتُ بالفعل فرناً، يعمل بقاعدة نقطة - الزيت - والماء لإحراق الطوب والجير.

وبالنسبة لأي شخص يهتم بهذا الموضوع، فهناك أيضاً صناعة الخزف والقيشاني المحلية في رشيد، حيث كانت تصنع فيما مضى أجمل أنواع البلاط القيشاني، وهو بلاط ما زال يمكن رؤيته في البيوت القديمة برشيد ودمياط.

وكان الأب دي مونتجولفير، وهو قس يُدِيرُ مستوصفاً صغيراً في جرجا عبر النهر إلى الشمال من الأقصر قد رأى أني مهتم بتحسين الفخار المحلي.

فأرسل دعوة لابن أخيه، وكان خزَّافاً، ليحضر من باريس، وبنينا له ورشة جميلة جداً في جرجا.

ولسُوءِ الحظ فإن الفخار الذي أنتجه ابن أخيه وإن كان لطيفاً جداً، إلا أنه لم يكن مطلبي.

فقد كان فنياً لأكثر مما ينبغي، بينما كان ما يحتاجه الفلاحون هو فخار أو قرميد مباشر جداً وقابل للاستخدام.

فما نحتاجه فوق كل شيء هو تكنيك يستطيع الفلاحون تقليده بسهولة؛ شيء يُشبه في رخصه وبساطته البناء بطوب اللبن.

وكم كنت أوَدُّ لو أنني أتيتُ بإيسامو نيجوتشي ودي مونتجولفير معاً لأرى إذا كانا سيتمكنَّان فيما بينهما من إنتاج شيءٍ ما.

وكان ينبغي أن يتمَّ تعليم أهل القرنة كل هذه الحرف الجديدة، واتباعاً لمبدأ أنه (بعد أن شاب لا يصلح للكُتّابْ) فكّرتُ أننا ينبغي أن نُرَكِّزَ على أن نُعِدَّ حِرَفِيِّينَا الجُدُدِ من بين أطفال القرية.

ولَمَّا كنت أعرف أن حُجُرَاتِ الدِّراسة تكون عُرضَة لأن تنعزل عن الواقع بما تُفعم به من حشو الطباشير وأوراق الامتحانات، وأنه مهما بلغ من حُسن نوايا المُدرسين فإن الأطفال يتململون ويتطلعون من النوافذ للخارج.

فقد قررتُ ألا تُدَرَّسُ هذه الحرف الجديدة في المدرسة.

وأفضل من ذلك كثيراً أن تتم الاستفادة بنظام صبي الحِرفة.

فيعمل الدارسون في دُكان معلم للحرفة، وسوف ينغمسون من أول يوم يعملون فيه تحت يده في جو الصنعة.

وسيتعلمون كل خِدَعِ الحرفة وحيلها، وسوف يرون فائدة معرفتهم هذه ملموسة فيما سينالونه من نقود - ذلك أنهم سيمكنهم بيع إنتاجهم من أول الأمر ولن يكون هناك أي من تلك الحيرة التي تنتاب معظم التلاميذ عندما يحاولون إدراك العلاقة بين التجريدات التي تلقن لهم في حُجرة الدِّراسة وحقائق الحياة الواقعية خارجها.

فهم سيكبرون في عملهم، متفهمين لكل ما فيه من صعوبة، وإذ يتقنون العمل فإنهم يكتسبون، لا المديح من المدرس، وإنما النقود من العميل.

وصبيان الحِرفة عندي لا يمكن أبداً أن يكونوا على مثال أولئك التلاميذ الذين يخرجون من المدرسة بشهادة في أيديهم، ويتحيَّنون في سذاجة أي منفذ ليقفزوا عند أول فرصة إلى وظيفة ما مكتبية.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 9:47 pm

خان الصنايع

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit446
كان يجب أن نزيد من السرعة المعتاد تطبيقها لتعليم الحرفة للصبيان، فلم يكن في وسعنا أن نُبقي الصبيان طيلة ثلاث سنوات وهم ينظفون أدوات المعلم ويلفون الخيوط في كرات.


وعليه كان ينبغي أن نستدعي حرفيين من مناطق أخرى، ونحدد لهم الفترة الزمنية التي يحتاجونها للبقاء، وندفع لهم راتباً ونوفر لهم الإقامة أثناء وجودهم معنا.


وقد خططت لهذا الغرض نزلاً هو واحد من أهم البنايات العامة في القرية، حيث يمكن أن يقيم كل معلم حرفة هو وعائلته، مع وجود ورش يمكنه فيها أن يمارس مهنته ويعلمها، ودكاكين يمكنه فيها أن يبيع سلعه.


وهذا الخان، كما أسميته، هو المكان الذي ستُعلم فيه المهن الجديدة التي ستُنشئ اقتصاد القرنة الجديدة.


والخان هو الأداة الرئيسية لتنظيم الإمداد بالحرفيين الجدد.


وقد بزغت فكرة هذا البناء من حاجة القرنة لحرف جديدة، ومن الحقيقة أن النظام المدرسي لن يكون اقتصادياً بالمرَّة بالنسبة لهدفنا.


وفي سياق الحياة الطبيعي، لا يستطيع مجتمع ما أن يمتص في أي حرفة واحدة إلا عدداً محدوداً من الحرفيين.


وعندما يتعلم الأولاد المهنة كصبيان لها، فإن المعلم الحرفي يحرص على ألا يكون في دكانه عدد من عمال المهنة المهرة هو أكثر مما يلزم، لأنه يجب أن يدفع لهم أجراً وهكذا فإنه يحتفظ بالكثير من صبيانه لزمن طويل وهم يؤدون في الدكان مهام لا ضرر منها، ولا يُتيح لهم أسرار الحرفة إلا بحذر شديد وعندما يكون حقاً في حاجة إليهم.


وبهذه الطريقة فإنه يتأكّد أيضاً من أن السوق لا يكتظ أبداً بالمُنافسين من مُعلمِي الحرفة، وبهذا فإنه يضمن كسب عيشه هو نفسه.


وهكذا فإن نظام صبيان الحرفة هو وسيلة طبيعية ممتازة للاحتفاظ بتوازن الحرف في المجتمع، على أنه نظام محافظ.


وعندما يظهر أن تغيير نمط العمل هو أمر مرغوب فيه، وعندما تصبح هناك حاجة إلى عدد أكبر كثيراً من الحرفيين في حرفة معينة، فإن نظام صبيان الحرفة لا يمكنه أن يتوافق توافقاً طيباً.


وحتى نُعيد توفير الحرفيين للقرنة كنا في حاجة إلى نظام ما يجمع بين الناتج الكبير من المدرسة مع مرونة وانخفاض تكلفة نظام صبيان الحرفة، وقد وجدنا هذا  الخان.


والمبنى نفسه، وهو رخيص في المقام الأول سيتم فيه إيواء معلمي الحرفة في تَتَالٍ، بحيث يُدعى كل منهم للحضور وتمرير مهاراته بأسرع ما يمكن حتى يتم استيفاء حاجاتنا في هذه الحرفة بعينها.


ثم يعود المعلم إلى بلده ثانية، ويمكن أن يشغل حرفي آخر مكانه ليعلم حرفة ضرورية أخرى.


ولن يكون هناك فصول دراسية، وسوف يقوم الحرفيون ببيع عملهم، وسوف يتعلّم الصبيان بسرعة (لأنه ما دام معلموهم لا يمكثون إلا مؤقتاً، فإنه لن يكون لديهم أي سبب لتأخير تعليمهم)، ولو حدث وتم إمداد القرية بالكامل بالحرف المُزدهرة، فإنه يُمكن تحويل المبنى لغرض آخر.


والتلاميذ، إذ يتعلمون حرفتهم بنجاح سيُمارسُونها في القرية وليس في الخان، وسيتخذون بدورهم صبياناً لأنفسهم.


وهكذا فإن الحرفة بعد الأخرى سوف تنتشر ((بذورها)) من الخان إلى القرية، حيث يمكن بعدها أن تستمر في النمو بنفسها.


والمهن التي يجب أن تُعَلّمَ حسب هذا النظام هي تلك التي يكون الطلب عليها محدوداً نوعاً؛ كصناعة الحُلِي وخرط الخشب، والنجارة، والنسيج الفاخر، ونجارة الأثاث، وتقليد الآثار، (الذي يُصبح الآن مهنة مُحترمة)، وما إلى ذلك.


أما الحرف الأخرى، وخاصة النسيج والصباغة، فإن لها سوقاً كبيراً ثابتاً.


وسوف يكون هناك طلب متواصل على القماش، وبالتالي حاجة متواصلة للنَّساجين والصَّباغين.


وهؤلاء سوف يتعلمون في مدرسة الصنايع.


وهي ثاني أكبر مبنى تعليمي في القرية، حيث يكون الأمر جديراً بإقامة نظام دائم.


والمقصود هو أن الأولاد إذ يتعلمون الحِرَفَ هناك، فإنهم ينبغي أن يمارسوها في نفس المبنى، الذي سيصبح بمثابة مصنع صغير للقماش يتم فيه تدريب ما يخصه من الحرفيين.


وسيكون هناك أيضاً بالطبع مدرستان ابتدائيتان حيث سيتعلم كل أطفال القرية القراءة والكتابة، وحيث لهم بشيء من الحظ والممارسة أن يصلوا منهما في النهاية إلى الدراسة في المدرسة الثانوية والجامعة.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 9:51 pm

قاعة معرض الحرف
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit447
المعرض الدائم للحرف فيه ما يثير الاهتمام كوسيلة غير مألوفة في القرية، وقد قصدنا هنا أن يستمر فيه عرض عينات من كل منتجات الحرفيين الجدد في القرنة الجديدة، حتى يمكن للزوار والسياح أن يستعرضوا سلعنا على نحو ملائم.

والمعرض يتخذ موقعه في الطريق الرئيسي الذي يمتد من تمثالي ممنون إلى الأقصر، ومن الأفضل حتى يتم جذب السياح، أن ندفع عمولة صغيرة على المبيعات لسائقي سياراتهم وترجمانهم.

وقد خُصِّصَ مبنى آخر من المباني العامة ليضم المركز الاجتماعي للنساء والمستوصف.

ويُتاحُ في المستوصف علاج الإصابات والأمراض البسيطة، ويمكن إقامة عيادة خارجية لطبيب زائر، كما توفر خدمات رعاية الأمومة.

ويلحق بهذا، المركز الاجتماعي للنساء، وهو يتصل مباشرة بالمستوصف، ويمكن للنساء أن يتلقين فيه التعليمات الصحية وتعليمات رعاية الأطفال.

ويكون في هذا المركز مشاغل حيث يمكن لهن أن يؤدين معاً الأشغال اليدوية، وفيه مطبخ حيث يمكن أن يتعلمن مبادئ الطهي الجيد وهو فيما يعرض سيخدم المستوصف.

وسيكون هناك أيضاً حمام تُركي، ومسرح مفتوح، بل وكنيسة صغيرة لأقباط القرية الذين يقرب عددهم من المائة.

وباختصار، فقد كنت أريد أن توفر مباني القرنة العامة كل الاحتياجات الاجتماعية للقرويين لعملهم وحِرَفهم، ولتعليمهم، ولتسليتهم، ولعبادتهم.

وقد ضَمَّنتُ وصفاً لهذه المباني المقترحة في تقرير مصلحة الآثار.

وهذا التقرير، إلى جانب وصف المباني وصفاً بسيطاً، فإنه يشرح نظام العمل الذي قررنا اتباعه، وكذلك مبادئ تعويض العائلات التي كان عليها أن تنتقل.

ولَمَّا كانت التقنيات التي سنستخدمُها غير مألوفة، فإننا لم نكن نستطيع أن نعهد بالمُهمَّة إلى مقاول.

فما من مقاول لديه أي خبرة في التسقيف بطوب اللبن.

وهكذا فلو دعونا إلى مُناقصة فسوف تقدم لنا فيما ينبغي عروض مالية مستحيلة.

ولو لجأنا إلى شركات تجارية لصنع قوالب الطوب لنا، ونقل مواد البناء، وإقامة البناء، فإن هذا لا يمكن أن يكلفنا أقل من مليون جنيه.

وكان كل ما لدينا هو 50.000 جنيه.

والطريقة الوحيدة لإنجاز عمل كثير كهذا بمبلغ زَهِيدٍ هكذا هي بأن لا نتخذ وسائل الفلاح للبناء فحسب، وإنما بأن نتخذ أيضاً وسائله في العمل عندما يبني لحسابه، والفارق الأساسي هو أننا ينبغي أن ندفع أجراً لهذا العمل الذي يؤديه الفلاحون في العادة مجاناً.

كان في استطاعتنا أن نبني القرية كلها بأنفسنا.

ولن نعتمد على المصادر التجارية للحصول على أي من موادنا للبناء؛ فسوف نقوم تواً بصنع كل أداة مُفرَدَة يتم تصنيعها؛ ستكون العملية كلها بأسلوب ((أد العمل بنفسك)) ((وإن كان للعمل أجره)).

وسوف نصنع قوالبنا الخاصة بنا من طوب اللبن، ونبني الأفران، ونحتجر الحجارة  ونحرق الجير، ونحرق الطوب للتركيبات الصحية، الخ.

ولن نوظف أحداً سوى البنَّائين من أسوان ومن أهل القرنة أنفسهم.

وبهذه الطريقة فإن المشروع كله يُمكن أن يُصبح مدرسة تقنية هائلة حيث يتعلم القرويون شتَّى حِرَفِ البناء، لتلحق بالحِرَفِ الأخرى التي سيتعلمونها في الخان ومدرسة الصنايع.

وسيتم تصميم البيوت الجديدة تصميماً فردياً، فيُتاح لكل عائلة عدد الغرف نفسها والمساحة نفسها التي كانت تشغلها من قبل.

وهذا أكثر واقعية من محاولة تقدير قيمة المنازل الموجودة وتصميم منازل جديدة بنفس ثمنها، ذلك أنه في مشروع على نطاق واسع كهذا يكون أي رقم يقدر كثمن للبيت بمفرده هو إلى حَدٍ كبير رقم بلا معنى وفوق ذلك، فإن تأسيس المأوى الجديد على أساس من القديم يجعل من الأسهل إرساء معيار الحد الأدنى، غرفتان والملحقات الصحية - بحيث أن أفقر العائلات التي كانت تشغل حَرْفِيّاً ممتلكات لا قيمة لها (هاهي في بعض الأحوال ما لا يزيد عن قبر مُسَوَّر) سوف يتم إيواؤها كما ينبغي أن يكون الإيواء السليم.

وقد شرحتُ هذه المبادئ للإسكان العائلي في تقريري.

على أني اخترتُ أن أبدأ بالمباني العامَّة لسببين مُهِمَّيْنِ.

الأول إنني حسب خبرتي بالمصالح الحكومية كنت أتوجس أنه ما إن يتم إقامة عدد معقول من بيوت الإيواء، فإن الحكومة ستقول: ((شكراً جزيلاً؛ هذا حقاً جميل جداً))، وتدفع بالفلاحين إلى البيوت، وتكُفَّ عن دفع أي نقود أخرى لأي شيءٍ آخر، وهكذا فإن المباني العامَّة لن يتم بناؤها وستظل القرية الجديدة حشداً من بيوت ليس لها مركز.

والسبب الثاني، أني أردت أن أتيح لنفسي زمناً أرقب فيه القرويين وأتحدث إليهم عن بيوتهم الشخصية نفسها.

فما كانت لي حاجة لأي نصيحة منهم بشأن تصميم المسجد أو المدارس، وإنما كنت أريد أن أجعل كل بيت يناسب بالضبط العائلة التي ستسكنه.

ورغم أني كنت أُعطيت موقعاً، ومنحت لي حرية التصرف فيه، إلا أن المصلحة لم تكن جِدُّ سخيَّة بمالها.

وكان المبلغ المُخَصَّصِ لي مُؤسَّسَاً على تقدير تعسُّفي لقيمة البيوت في القرنة القديمة، ولم تكن له أدنى علاقة بالتكلفة المُحتملة لبناء القرية الجديدة.

فالفلاحون ستُنزع ملكيتهم وقد خُصِّصَ لهم خمسون ألف جنيه كتعويض.

وهذه النقود سَتُحَوَّلُ إليَّ لأبني قرية كاملة ما يقرب من ألف بيت.

ولسوء الحظ، لم يخطر للمصلحة أن القرية تحتاج لما هو أكثر من مجرد بيوت، ورغم أن تقدير خمسين جنيهاً لكل بيت كان تقديراً معقولاً (بشرط أن نستخدم الأسلوب الذي طورته في المباني السابقة في ظروف طبيعية)، فإنه لن يتبقّى أي شيءٍ للطرق، والمدارس، والجامع، وغير ذلك مِمَّا هو ضروري من المباني والخدمات العامَّة.

كان من المفروض أني سأنتهي من القرية في ثلاث سنوات، وأُعطى لي لأول الموسم للعمل 15.000 جنيه!

وفي نفس الوقت تقريباً، كانت الحكومة قد منحت مليون جنيه لذلك المشروع الآخر في إمبابة حيث كان سيُبنى ألف بيت كلها تتماثل تماماً وكل واحد منها ضيق بما يكفي لأن يكون كله داخل غرفة الضيوف في بيت من بيوتي، وعلى كُلٍّ، فقد أمكنني أن أقهر نفسي وإحساسي بعدم الثقة، وركزت على وضع تصميماتي.

ولم يكن ثَمَّةَ فائدة من التَّذَمُّر بشأن النقود.

هيا بنا نُقيم بعض المباني، ونفعل أقصى ما بوسعنا، ونضع ثقتنا في أنه يمكن فيما بعد أن نُزوَّدُ بمالٍ أكثر لإنهاء القرية.

ولو سألت المزيد الآن سيثور نقاش، ثم تأجيل، ولن نتمكّن أبداً من بدء العمل.

وليس هذا فحسب، ولكني أيضاً أخذتُ على عاتقي ما يكاد يكون أقسى تَحَدٍ اجتماعي في مصر، وأحسستُ  أنه إذا كان عليَّ أن أثبت بما لا يقبل الجدل أن المبادئ التي اتخذتها هي على صواب، فإنه ينبغي أن أثبت ذلك تحت أكثر الظروف تحدِّياً، وبكل تأكيد ليس هناك مَنْ يستطيع أن يقول مُتشكيّاً أنني عندما اخترتُ مشكلة إعادة إسكان أهل القرنة فإني قد اخترتُ بذلك مشكلة هيِّنَة.

وأهل القرنة أنفسهم كانوا يُعارضون الفكرة مُعارضة عنيدة.

فلم يكن لديهم أدنى ميل للانتقال من القرية التي يعرفونها والمهنة التي نشأوا عليها، وما كان لديهم أدنى ميل لتعمير قرية جديدة والانشغال بعمل شاق جديد لمجرد إثبات نظرية البناء.

بل هم لا يتخيَّلون أن يهجروا الدخل الوفير الذي يأتيهم من حفرياتهم الخاصة أو ((الكحتة)) كما يسمُّونها، والتي كانت تجعلهم أغنى من سائر الفلاحين عامة، من أجل أن يكسبوا عيشهم بعرق جبينهم مثل أي فرد آخر.

وذهب التقرير إلى مصلحة الآثار، ولم أسمع بعدها أي شيء عنه.

ولست أعرف إذا كان أحَدٌ قد قرأه، ولكني اعتبرتُ أن عدم وجود تعليق فيه يشير إلى الموافقة ومضيت قُدُمَاً في التصميم.
  *  *  *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 9:55 pm

تخطيط القرنة الجديدة
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit448
كان الموقع مُحَدَّدَاً في جانبيين منه بسكة حديد ضيقة تدور في منحنى عند الركن الجنوبي الشرقي، وها هنا كانت محطة صغيرة، من الواضح أنها تُحَدِّدُ لنا موضع السوق، فالتُّجار والفلاحون سيرغبون في جلب وإرسال سلعهم بواسطة القطار.

ويشغل السوق هنا مساحة مربعة كبيرة، وهو يوفر المدخل الرئيسي للقرية.

ويعبر الزوار السكة الحديدية، ويدخلون السوق من خلال بوابة، ثم يمرُّون من خلال بوابة أخرى ذات عقد على  الجانب المقابل من السوق، ليدخلوا إلى القرية ذاتها.

ومن هذه البوابة يتلوى الطريق الرئيسي في وسط القرية كالثعبان، في ثلاثة منحنيات، وينتهي عند الركن المقابل عند بحيرة صناعية صغيره ومنتزه.

وعند المنتصف، يصبح هذا الطريق أعرض كثيراً، وليكون هو وشارع آخر عريض، يؤدي إلى الجنوب ومتعامد عليه، الميدان الرئيسي للقرنة.

وينتظم من حول الميدان المسجد، والخان، وقاعة القرية، والمسرح، وقاعة المعرض الدائم.

أمَّا المباني العامة الأخرى فكانت أكثر بُعْداً من المركز؛ فمدرسة البنين الابتدائية مثلاً تقع بجوار المنتزه عند الطرف الشمالي الغربي للطريق الرئيسي، حيث الجو لطيف هادئ (لتصيّد النسيم الشمالي الشرقي السائد في جيزة المنتزه).

أمَّا مدرسة البنات فتشغل موقعاً مماثلاً ولكنه باتجاه أكثر نوعاً إلى الشرق.

وَوُضِعَتْ مدرسة الصنايع بجوار السوق، وسبب ذلك في جزء منه هو تشجيع مبيعاتها وفي جزء آخر أن أدع الصبَّاغين يصرفون ماء مخلفاتهم في مصرف مجاور.

وهناك شارعان رئيسيان آخران ينحنيان بعيداً في هلالين، واحداً من كل طرف من الجزء الأوسط من الطريق الرئيسي، بحيث يُشكِّلان طريقًا رئيسياً ملتوياً مشابهاً  يربط ركن القرية الشمالي الشرقي بالركن الغربي.

وعلى هذا الطريق جنوباً هناك الكنيسة القبطية الصغيرة، وفي الشمال الحَمَّام التُّركي، ونقطة البوليس، والمستوصف والرسم التخطيطي للشوارع الرئيسية هكذا كان يفصل ما بين ((الأحياء)) الأربعة للقرية.

وكل حي من هذه الأحياء يتم فيه إسكان أحدى المجموعات القبلية الرئيسية للقرية القديمة.

ويجب أن أوضح هنا أنه إلى جانب تجميع العائلات في بدنات فإن هناك تجميعاً أكبر في قبائل أو عشائر؛ وفي القرية القديمة كانت المجموعات القبلية الخمس التي يتكوَّن منها السُّكان تعيش في أربعة نجوع متميِّزة تماماً.

وقد خَطّطَتُ في القرية الجديدة للإبقاء على هذا التمايز الفيزيائي بتسكين المجموعات القبلية في الأحياء الأربعة المُحدَّدة تحديداً واضحاً، والتي خُصِّصَتْ كالتالي: الحساسنة والعطيات الذين كانوا يعيشون ((العسيلية))، (النجع الذي يقع وسط القرنة القديمة)، يتم إسكانهم وسط القرية الجديدة، إلى الشمال من الميدان.

والحساسنة عشيرة قديمة جداً واسمُهُم مُستقى من الحُسَيْنِ، حفيدُ النَّبِيِّ محمد –صلى الله عليه وسلم-.

وبسبب انتمائهم لهذه السُّلالة، فإنهم كانوا يُوَقَّرُونَ دائماً كأناس ورعين عارفين, وفي ذاك الوقت كان من بينهم الشيخ الطيب، وهو عجوزٌ ديّنٌ جداً تُبجِّلُهُ كل المنطقة.

وهكذا فقد بدا من المناسب أن يُجمع الحساسنة من حول الأبنية التي تمثل الدين والمعرفة؛ الجامع، والمدرستان الابتدائيتان، والمركز الاجتماعي للنساء الملحق بالمستوصف.

ووضعت العطيات مع الحساسنة في نفس الحي.

وهذه القبيلة كانت مرتبطة دائماً بالحساسنة وتعيش معهم في نفس النجع بالقرنة القديمة.

واسمهم مشتق من كلمة العطية.

ويشغل الحساسنة والعطيات حيَّاً نصف دائري إلى الشمال من الميدان.

وإلى الجنوب من الطريق الرئيسي، يقع حي الحروبات الكبير وهو يحتضن نصف الدائرة هناك.

واسم الحروبات يعني أنهم ((محاربون))، وقد كانوا حقاً جماعة نشطة تضم أبرز لصوص المقابر.. وهكذا فإن حيَّهم كان يشمل ساحة السوق، والخان، قاعة القرية، والمسرح، ومدرسة الصنايع، وقاعة المعرض، ونقطة البوليس.

والقبيلة الثالثة الغابات تأخذ اسمها من كلمة ((الغابة))، وهكذا فإن حيَّهم كان مُلاصقاً للبحيرة الصناعية والمنتزه.

وكان هناك قبيلة رابعة هي البعيرات، وتعيش أساساً في قرية مجاورة بهذا الاسم، بينما كان عدد قليل من العائلات يعيش في قرنة مورة، أحد نجوع القرية القديمة، وقد كانوا دائماً يجعلون أنفسهم منعزلين بعض الشيء عن أهل القرنة، والحقيقة أنهم كانوا يتبعون عمدة البعيرات.

وقد أُسكن هؤلاء في أقصى الغرب من القرنة الجديدة، مفصولين بشارع عريض عن باقي القرية.

وقد قصد في الشوارع العريضة التي تفصل الأحياء أن تكون طرق المرور الرئيسية التي تصل كل المباني العامة وتلتقي في الميدان.

وجُعلت هذه الشوارع بعرض عشرة أمتار على الأقل لضمان جودة تهوية وعزل بلوكات المنازل، وأيضاً لتسهيل الحركة ولإبراز حدود الأحياء.

وعلى العكس من ذلك، فإن الشوارع الموصلة إلى الميادين شبه الخاصة للبدنات المختلفة، جعلت ضيقة عن عمد -لا أكثر من ستة أمتار في عرضها- لتمد بالظل والإحساس بالألفة، وهي تتضمن الكثير من الزوايا والمنحنيات، لتصرف الغرباء عن استخدامها كطرق للمرور؛ وهي في رسم المشروع تبدو متشابكة، لأنه قد قُصد بها أن تسهل تبادل الاتصال بين العائلات الأعضاء في البدنات المتجاورة.

ولم أجعل للشوارع هذا التخطيط المتعرج لمجرد أن تكون طريفة، أو بسبب بعض هيام بالعصور الوسطى فلو أنني اتبعت تخطيطاً منتظماً كما في خطوط شبكة متعامدة، لأصبحت البيوت قسراً ذات تصميم منتظم بدورها.

والبيوت في الشوارع الطويلة المستقيمة، وحتى في الأقواس ذات السمترية، يجب أن تكون كلها متماثلة بالضبط إذا كنا لا نريد للمظهر العام أن يكون فوضى؛ على أن العائلات التي تسكن في هذه البيوت لن تكون كلها متماثلة وفوق ذلك فإنه مهما كان تخطيط الشبكة المتعامدة ملائماً في المدن الكبيرة حيث يكون الشاغل الرئيسي للمخطط هو الوصول إلى السرعة والحجم الأمثلين لحركة مرور السيارات، إلا أنه في القرية الصغيرة، حيث لا يحتمل أن يمتلك فلاحوها ولا حتى درَّاجة، يكون مثل هذا النمط نمطاً ضاراً بكل تأكيد.

فعندما تجعل قرية صغيرة مقسومة بشوارعها في بلوكات مستطيلة صغيرة، أحدها يتلو الآخر من غير أي توصيلات فيما بينها، يكون هذا بمثابة جعلها كنوع من ثكنات مدنية, في حين أن مهمة المهندس المعماري هي أن يجعل قريته فاتنة ما أمكن.

وإذا كان للمهندس المعماري أن يجد عذراً لغطرسته عندما يفرض على أخوانه من البشر ما ينبغي أن يسكنوه, فإن هذا العذر يجب أن يكون في وسعه أن يحيطهم بالجمال.

وكم يكون الأمر فظاً للغاية لو أن مهندساً معمارياً قد أثرى خياله وسط الجمال في سيينا أو فيرونا، أو كاتدرائيات ويلز، ثم هو يؤدي عمله في عجلة ويغش عملاءه بشيء يقل عن أجمل ما يستطيع خلقه من معمار.

أما المهندس المعماري المصري فعذره أقل، ذلك أنه يجب أن يكون عارفاً بشوارع القاهرة القديمة الجميلة، فكيف يعمل عامداً على زيادة سوء البناء، الأمر الذي يحط اليوم بثقله على مصر.

وإنما ينبغي عليه أن يذهب لرؤية شارع درب اللبان ببيوته من القرن السابع عشر التي تؤدي إلى بوابة المسجد التي تتخذ موقعها تماماً في الزاوية التي يصنع فيها الشارع لفة على شكل حرف L، أو ينبغي عليه أن يتمعَّن ثانية في مجموعة المساجد والمباني التي حول ميدان صلاح الدين، أو في دائرة القلعة ذاتها.

وينبغي أن يذهب إلى شارع الدرديري ليرى كيف حوّل المعماري مشكلة صعبة إلى ميزة جديدة؛ فعندما توجَّب عليه أن يقيم حجراته العليا المستطيلة من فوق شارع مُقوَّس، فإنه أقام كل منها منحرفة انحرافاً بسيطاً فوق طابقها السفلي، بحيث يبرز أحد أطرافها أكثر من الآخر، وأقامها محمولة على كتيفات من أحجام وأعماق مختلفة بحيث تلاءم قدر بروزها.

وينبغي عليه أن يتذكَّر تلك الأماكن التي يشتاق لزيارتها المرَّة بعد الأخرى -قرى، ومدن بأكملها، وأحياء، وميادين، وشوارع- تلك الانجازات النادرة من الجمال، والتمدين، والتحضر، والتي بوجودها في مكان ما على سطح الأرض تدعم من ثقتنا في المدينة و ترفع من تقديرنا للإنسانية، وعليه أن يمضي للعمل في مهمته الخاصة بروح مصممي هذه الانجازات.

والمهندس المعماري عندما يُصَمِّمُ قرية يحتاج إلى بذل أعظم عناية فنية إذا كان له أن يخلق توحداً، وطابعاً، وجمالاً يقترب حتى من الجمال الطبيعي الذي يخلقه الفلاحون  بلا وعي في قراهم التي نمت نمواً وئيداً طبيعياً.

وليس مما يفيد الفلاحين وجود سباكة جديدة ثمنها فيه الخسارة لكل ما يبهج العين.

ولكن ما هي القواعد التي ينبغي أن يطبقها المعماري، وأي مبادئ يعمل بها للوصول إلى هدفه؟

من المؤكد أن التأثير السحري الذي ينجم عن هذه التكوينات من الروائع المعمارية المعدودة لم يتأت مصادفة، ولكن هذه القواعد لسوء الحظ لو تُحظ ولم تجدول.

فالتباين المحكوم في الخط، والحجم، والشكل واللون، والسطح، والنسج الموجود مثلاً في بيازاديلا سنيوريا هي المرادف المجسّم للانتقالات المقامية الموجودة في الموسيقى.

وهناك تماثل دقيق بين الموسيقى والعمارة، وقوانين الجمال تتماثل فيهما معاً.

وإذا كان البيت المُفرد قد يؤلف لحناً فإن مدينة بأكملها لتشبه السيمفونية، كما في ويلز حيث ميادين المدينة تتصاعد في حركة تلو الحركة لتصل إلى الذروة بالكاتدرائية.

على أن الموسيقى فيها قواعد لتنظيم تآلف الأصوات والطباق الموسيقي، ولتجنب الأصوات القبيحة وإنتاج تأليف تسر له الأذن، بينما العمارة ينبغي أن يكون الإحساس فيها بما هو صواب إحساساً حدسياً.

وهي في هذا أكثر شبهاً بالشعر منها بالموسيقى.

ولو أمكن فحسب أن يكون هناك قانون للتأليف المعماري لساعد ذلك المهندس المعماري على تنظيم ضيائه وظلاله، والكتلة والفضاء، والسطح البسيط والمزخرف، بحيث أن التصميم  كله يقدم كما ينبغي نفس التتالي من النغمات، والتصعيدات والذروات، وتبادل الفقرات الهادئة والعنيفة، بمثل ما تتفتح سيمفونية بأسرها في يد بتهوفن أو برامز.

أما في غياب أي قوانين راسخة للتأليف، فإنه يجب على المهندس المعماري أن يعتمد على إدراكه الخاص لينتج مشاريع مدن تعطيها الانتقالات المقامية البصرية تنوعاً وجمالاً دائمين من داخل توحد شامل في التصور.

وتصميم كهذا لهو المثال الذي يخلق، أو على الأقل يُثْبت، القواعد التي لم تكتب بعد للهارمونية البصرية.

على أن الانتقالات المقامية والتباين ليست من عناصر التصميم التي يمكن لصقها بمشروع كالح أصلاً لتضفي عليه الحيوية.

فما لم يكن التنوع في الشكل والحجم ينبعان مباشرة من احتياجات المباني -وبالتالي من احتياجات ساكنيها- فإنها تصبح مجرد تزويقات زائفة وسوف تفشل حقاً في هدفها من إمتاع العين.

وإذ ألزمت نفسي في القرنة بأن أجعل البيوت تختلف في حجمها حسب مساحة البيوت الأصلية التي ستحل محلها بحيث يتم إعدادها في رقع شتى غير منتظمة، وإذا كنت مستعداً لتغيير خطة كل منها لتلاءم الناس الذين سيعيشون فيها، فإني بذلك ضمنت أنني سأفكر بما ينبغي من حرص بشأن تصميم كل واحد منها، وأتجنَّب فخ إضافة التنوع بلا هدف، وإني سوف أنتج قرية يكون للانتقالات المقامية المعزوفة فيها سبب واضح لأن توجد.

وهكذا أخذت على عاتقي حل مشكلة ترتيب عدد كبير من مساكن مختلفة في مواقع ذات أشكال وزوايا عجيبة، ومشكلة من هذا النوع لهي مشكلة خلاقة وتستثير حلولاً أصيلة وأمينة، أما مشكلة إضفاء بعض جمال على تصميم مُسبق فلا يمكن أن ينتج عنها إلا خطة باهتة غير مخلصة.

وخطة غير منتظمة تؤدي إلى التباين والأصالة في التصميم، وإلى الإثارة البصرية الدائمة، وتحول دون بناء تلك الصفوف المملة من المساكن المتماثلة والتي كثيراً ما يُعد أنها كل ما يستحقه الفقراء.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 10:17 pm

مباني الخدمة العامة ووسائل الترفيه
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit449
المسجد:
المسجد هو أساساً مكان مُغلق لحماية المصلين أثناء صلاتهم.
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit450
وفي يوم الجمعة يجب أن يحضر كل فرد إلى الصلاة في المسجد، حيث يستمع الكل إلى خطبة وعظ تتناول موضوعات ذات تنوع واسع، أخلاقية أو سياسية ويجب أن يتوجَّه كل المصلين إلى مكَّة، وهكذا فإن على المهندس المعماري أن يوفر لهم ذلك، وعليه فإن توجيه المبنى نادراً ما يتفق مع اتجاهات الشوارع في المدينة، وفي كثير من المساجد القديمة يكون في التحوُّل من باب الشارع وحائطه إلى الداخل الموجه إلى مكَّة المُكرَّمة ما يفرض مشكلة معمارية شائقة، تُحل بترتيب مبهج للمرات والمساحات تكون له فائدة أيضاً في أن يجعل المرء ينسى أن الشارع في الخارج مباشرة.

ويتجمَّع المصلون في ساحة الصلاة الرئيسية وهم صفوف طويلة قبالة الشيخ بدلاً من الصفوف المتعامدة في الكنائس المسيحية.

(ولتشجيع المواظبة على الصلاة، ومَنْ يحتلّون الصف الأول يستحقون ثواباً أكبر).

وكل صلاة يُدعى لها بواسطة المؤذن من قمَّة المئذنة؛ وفي المساجد الكبيرة قد يحتاج الأمر إلى تبليغ الأذان للمصلين من منصة في وسط المبنى.

وينبغي أن يتطهَّـر المصلون قبل الصلاة، ولَمَّا كان مَنْ يستطيعون الاستحمام في بيوتهم بسهولة هم القلة، فإن المساجد توفر مكاناً وماءً للاغتسال.

وأكبر فارق ملحوظ بين المسجد والكنيسة المسيحية هو أن المسجد ليس فيه واسطة كالمذبح، حيث يلتقي الطقس الديني والمعمار في بؤرة مشتركة، وذلك باستثناء تجويف ((القبلة)) في أحد الجُدران ليدل على اتجاه مكَّة المُكرَّمة، ومنبر على مقربة منه حيث يمكن للشيخ أن يخطب من فوقه.

والمسجد يخدم المصلين، عازلاً إيَّاهم عن العالم الخارجي، عاكساً أفكارهم في ارتداد من جدرانه البسيطة ليرتكز اهتمامهم بالله سبحانه وتعالى.         

 ولهذا السبب فما من صور أو تماثيل -وأقصى ما يكون هو آيات قليلة مكتوبة- وليس من حقل قدَّاس.

فالرأي هو أن التقرُّبَ إلى الله لا يتطلّب وسيطاً ولا أن يُترجم بالرُّموز.

ولَمَّا كان تصوير أشكال حيَّة ممنوعاً على الفنانين العرب، فإنهم قد حوَّلوا كل مهارتهم وحساسيتهم إلى تجويد فنِّهم في الخط العربي؛ وفي المساجد الإسلامية العُظمى قد تكون كلمة الله وحدها هي ما يُزيِّنُ الجدران، إلا إن هذا الهدف الثقافي الصارم يصبح ميسراً تيسيراً جميلاً برشاقة الحروف ذاتها.

وتُضغط انحناءات الكتابة العربية وتُقيَّد من داخل افريز حجري ضيق حيث تتشابك الأحرف مع نباتات تقليدية، بحيث يطوّق الجدار بأنماط لا نهاية لتنوعها، وعندما يتتبعها المصلي فإنه طول الوقت يرد ثانية إلى كلمة الله.

وحتى أقيم بناء بحيث يكون له من هذا الجو الوقور الهادئ الذي يؤدِّي إلى التأمُّل والصلاة في هدوء فإنه كان عليَّ أن أتدبَّر طريقة يسقط بها الضوء على جدرانه ويتوزّع في حجراته.

وأنا أعتقد أنه حينما يوجد تراث للبناء فإن المعمار الديني المحلي سيكون قد نما من داخله بحيث يمثل فكرة أناسه عمَّا هو مُقدَّسٌ، واعتقد أن من الصواب احترام الأشكال المحلية والطابع المحلي والإبقاء عليها - مثلما أبقيت على تراث مصر العليا من وجود سُلّمٌ خارجي مستقيم جريء للمئذنة، التي تنتصب هكذا كمنبر سامق فوق المسجد.

كان هناك الفناء المفتوح بأشجار معدودة، وعلى جوانبه الأربعة تنفتح إيوانات المذاهب الأربعة في القرنة.

وفيما عدا الإيوان الغربي، كانت هذه الإيوانات مساحات مغطاة، وقد سُقفت بسرب كامل من القباب الصغيرة تُهيمن عليها قبَّة كبيرة جداً تغطي المنبر والقبلة في الإيوان الرئيسي.

والقباب محمولة فوق عقود، بحيث يمكن للمصلين أن ينظموا أنفسهم في صفوف طويلة جداً عبر كل عرض المبنى.

أما الإيوان الرابع، في الجانب الغربي من الفناء، مقابل الجزء الرئيسي، فهو مسقوف بأقبية متقاطعة، على شكل  شبه المنحرف.

والجدار الشمالي للمسجد بالغ الطول والامتداد، في زاوية بالنسبة للحائط الجنوبي، تتجاوز بما له اعتباره الجسم الرئيسي للمبنى، حتى تحتوي غرف الوضوء التي تبرز في اتجاه الشمال الشرقي.

وثمة إنشاءات مُعَيَّنَة أخرى تبرُز للخارج من المجمع الرئيسي؛ المئذنة بسلمها الخارجي الطويل المستقيم فوق المدخل الأمامي، وبائكة مقبية تستخدم كمضيفة، وحجرة للشيخ، وحجرة صغيرة للصلاة والتأمل في خلوة وحجرة مخزن.

والمصلي له أن يختار بين مدخلين.

فهو إذا كان قد تطهَّر يدخل من الجانب الجنوبي.

ثم يمر عبر بوابة عالية معقودة أسفل السلم، إلى فناء أمامي صغير ممهَّد، له حوض زهور في منتصفه، ويمر منه إلى الفناء الرئيسي للجامع.

وسوف يرى الإيوان المقبي إلى يساره؛ و يمكنه بعدها أن يسير إلى يمينه عبر الفناء ليدخل الإيوان الرئيسي الذي يقع أسفل القبو الأسطواني الكبير، حتى يقف تحت القبة الكبيرة، أمام القبلة مباشرة.

وإذ ينظر حوله يميناً ويساراً، فإنه يرى صفوفاً من أعمدة مربعة تحمل عقود تستقر عليها قباب ضحلة.

وتكون القبة الكبيرة من فوق رأسه (وفيما يعرض فإنها من الطوب المحروق - وهي القبة الوحيدة في القرنة التي ليست من طوب اللبن).

والإيوانات كانت تقدم نمطاً جميلاً رهيفاً من الفراغ والكتلة حيث لا يجد المصلون فيه ما يشغل انتباههم عن صلاتهم.

أما إذا كان المصلي لم يتطهَّر، فإنه يدخل من باب يؤدي مباشرة إلى غرف الوضوء.

وهنا سيجد إلى يمينه ممراً يؤدي عبر دورات المياه إلى صفين من حجيرات الادشاش، حيث يستطيع الاستحمام بالكامل، وسوف يرى إلى الأمام بهواً مخصصاً للوضوء البسيط - غسل الرأس والأذرع والأرجل.

وفي هذا البهو يجري على كل جانب من جانبيه حوض عميق يحمل إلى بعيد الماء الذي ينصب من صف من الصنابير على الجدار بعلو يبلغ ما يقارب الصدر.

وأمام كل صنبور كتلة حجرية يجلس عليها من يتوضأ.

وقد اتخذ هذا النظام بعد تجارب أجريت، حيث أنه الوضع الذي يوفر أعظم راحة عندما يغسل الواحد رأسه وقدمه.

وبعد الاغتسال، يمر المصلي أسفل ممر طويل، عبر خلوة صغيرة للصلاة والتأمل، ثم عبر باب المخزن، ليدور يساراً إلى الساحة الرئيسية للصلاة.

أو هو يستطيع أن يواصل طريقه للداخل من فناء مفتوح مزروع بالزهور، ويستطيع أن يدخل منه إلى الفناء الرئيسي بأشجار الثلاث من شجر الطرفاء، ليسير عبر بساط كثيف من أوراق إبرية إلى داخل الإيوان الرئيسي.

ويدخل الشيخ إلى الجامع من باب صغير في الجدار الشمالي، مقابل بيته والمضيفة.

وقد وفرت له غرفة صغيرة في الركن الشمالي الغربي من المسجد هي بمثابة مكتب له.

والغرفة تثير الاهتمام حيث أنها غير منتظمة بالكلية وتتطلب استخداماً حاذقاً لكل تنويعات القبو والعقد والقبة حتى يمكن تغطيتها، وليس لها أي زوايا قائمة، وما من بعدين متماثلين فيها، بينما يبدو من بابها منظور بهيج خادع من خلال صف من العقود في الإيوان يتزايد ضيقاً باطراد تجاه طرفه البعيد.

ومن القسمات الأخرى الملحوظة في المسجد مضيفته.

ولما كان معظم الناس الذين يصلون إلى قرية غريبة يتوجهون مباشرة إلى الجامع، حيث يلتقون بمختلف القرويين، ويتبادلون الأخبار، ويرتبون لإقامتهم، فقد تصورت أن من المرغوب فيه توفير ما يخدم هذه العادة.

وبنيت إزاء الجدار الغربي من الخارج ممراً طويلاً من فوقه قبو اسطواني، مفتوح من الشمال ليسمح بدخول النسيم البارد وله باب يؤدي إلى الفناء الأمامي، وهناك توجد مقاعد وجرتان للمياه، حتى يمكن للزوار أن يجلسوا ويثرثروا في راحة.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 10:33 pm

ساحة السوق

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit451
يوم السوق في القرية هو يوم عطلة بقدر ما هو يوم عمل.


وهو يوم النساء بخاصة، اليوم الوحيد في الأسبوع الذي يتمكنَّ فيه من مُغادرة أسْرِ البيت للتَّمَتُّعِ بحرية السَّيْرِ، وتضييع الوقت، والقيل والقال كما يشأن.


وتأخذ المرأة إلى السوق ما يكون عليها أن تبيعه -ربما دجاجة، أو سلّة بيض، أو زبد، أو جبن-، وهناك تنسى تماماً رتابة حياتها اليومية وقيودها؛ وهي تُحَوِّلُ بضاعتها إلى نقود ثم تُنفق باقي يومها الطويل اللذيذ ذي الضّجيج والغبار، وهي تتخيَّر من السلع المَبيعة، وتتحسَّس الأقمشة وبواقي المعروضات، وتُقَدِّرُ نوعية البهار، والحُبوب، والبُقول والخضروات قبل أن تشتري بقالتها للأسبوع.


وهي فوق كل شيء تحيا في المجتمع وتُحِسُّ أنها جزء من العالم.


وهاهنا فإن المُحبطات القديمة لمجتمعها تتراخى بحكم التقاليد القديمة، ويُباحُ لها أن تكون عضواً من الجُمهور بدلاً من أن تكون عضواً من الأسرة.


أمَّا رجالها فلهم سلوكٌ مختلفٌ يوم السوق.


فهم لا شأن لهم بالمُساومات المُبتذلة على الخضروات المُلقاة حول مواقف البيع بالسوق.


وإنَّمَا هم يتمتعون بميزة التصرُّف في بيع حيوانات كبيرة مُهِمَّةٍ كالبقر، والحمير، والجمال، فيجلسون طول النهار في المقهى، ويُساومون في جديَّة، ويقدم العرض، والعرض المُضاد ببطء متعمداً كما في حركات لعبة الشطرنج، بينما يمرُّ اليوم في حديث مُتحضِّر تقطعه فترات من سكون له مغزاه.


وكما أن غريزة الجماع تتهذَّب في الإنسان وتُخفف لتصبح استثارة دائمة رتيبة بدلاً من الانفجارات الجنسيَّة الدَّوريَّة التي تحدث للحيوانات، فإنه يماثل ذلك أن الاحتياجات التجارية للمدينة يتم أداؤها في تعامل تجاري ثابت بلا لون ولا إيقاع، بينما الاتجار في القرية له إيقاع وموسم مثل كل سائر حياة الفلاح.


وهذه التفجيرات المتقطعة من التعامل التجاري، هي رغم كل متاعبها، لها عائدها الهائل في أنها تجعل الاتجار نشاطاً اجتماعياً احتفالياً، يكاد يكون طقساً من الطقوس، هو شخصي ومثير بأكبر مما أصبحت عليه آلية التجارة المُجهّلة الهادئة في المدينة.


وفي السُّوق يتم إجراء كل صفقات الأسبوع في هذا اليوم الواحد؟


أنه قلب اقتصاد القرية، الذي ينبض مرة في الأسبوع، وهذا النبض الأسبوعي يبين بوضوح الحالة الصحية للاقتصاد القروي.


وتتوافد للسوق كل منتجات المنطقة: كل المحاصيل، كل البهائم، وكل المنتجات المحلية.


وعدد العملاء في القرية لا يكفي لإقامة متاجر كثيرة فيها؛ وأقصى ما يمكن هو أنه قد يكون ثمة متجر واحد يبيع البن، والسكر، والأرز، والزيت، والثقاب -وكلها احتياجات عليها طلب يومي- ولكن ما من تاجر عاقل يحتفظ  بسلع أخرى، لأنه لن يبيعها أبداً وسرعان ما يصيبه الإفلاس.


والقروي لا يستطيع الحصول على الحبوب والخضر إلا في يوم السوق، وذلك أن كل بوصة مربعة من الأرض في الريف تخصص للمحاصيل المُجزية، فلا مكان لحدائق منزلية للخضر، والخضروات إنما تأتي من بساتين الخضر قرب المدينة.


وفي يوم السوق وحده يستطيع الفلاح شراء حيوانات جديدة وتستطيع الفلاحة شراء مشابكها وإبرها.


وفي السوق يحصل الفلاح وزوجته على القماش والملابس والأحذية وأدوات التجميل؛ والمفروشات مثل السجاد والأبسطة والبياضات؛ والأواني والحلل ومواقد الغاز؛ والفئوس والمجاريف والسلال.


وهناك في السوق يمكنك أن ترى في لمحة -أو ما يكاد يكون لمحة- مدى غنى القرية، ليس هذا فحسب، بل ويمكنك أيضاً أن تتفحص ذوق القرويين في الأمتعة المنزلية.


والتجول خلال مواقف البيع في السوق يعطي الدليل على ما أصاب الفلاح من تَغَيُّرٍ في الذوق.


فالسلع الرائجة لم تعد بعد أجمل السلع.


وكم من منسوجات محلية قد اختفت أمام المنافسة الساحقة لأقمشة المصانع المطبوعة المُبتذلة، وكم من مشغولات تراثية وقورة طردتها من السوق البضائع البلاستيكية المبهرجة


إن المصنوعات المحلية لتتراجع ببساطتها أمام سلع المدينة المُزخرفة المُبهرجة التي تُصنع بالجملة؛ وكلما وجدت أداة ما جميلة مصنوعة في القرية، سيُقال لك أن زمنها قد ولّى ولم تعد بعد مما يُصنع، فأي قدرة دفاعية يمكن أن تكون لثقافة الفلاح الهشَّة إزاء الهُجُوم الصاخب للصناعة الغربية؟


ومع كل ما يجلبه يوم السوق من إثارة وحيوية كل أسبوع في القرية فإن ساحة السوق نفسها في معظم القرى هي مكان تجاري بما هو مبتذل، وساحات السوق في مصر حِكْرٌ تمتلكه شركات خاصة، ولا يمكن الحصول على رخصة للسوق إلا على ممتلكات هذه الشركة.


وعادةً فإن قطعة أرض مربعة جرداء تسوَّر بسلك شائك، وتزود ببوابة، وجابٍ للضرائب، ولا يكاد يُقام شيءٌ لراحة الناس الذين يدخلون السوق محتشدين متدافعين ببضائعهم وحيواناتهم.


ونادراً ما يُظلِّل الموقع من الشمس، ولا يكون فيه الكثير من المباني الدائمة أو مصادر المياه.


وقد خططت لساحة سُوق القرنة أنها ينبغي أن تكون ذات خلفية توفر أكثر الوسائل إراحة للسوق الأسبوعي.


فالحيوانات تأوي إلى مذاود دائمة، يُقام كل منها بالارتفاع المناسب للجمل، أو العنزة، أو الحمار، وكلها مُظلّلة بأشجار عديدة توزَّع في خط منظم.


وأصحاب مواقف البيع ينبغي أن يوفر لهم صف من أقبية ظليلة ينشرون سلعهم من تحتها، ويكون هناك مقهى ليجلس الرجال فيه.


وساحة السوق كما قلت، تحدد موقعها في الركن الجنوبي الشرقي من القرية، بما يناسب محطة السكة الحديد.


وحتى يدخل المرء إليها من جانب السكة الحديد فإنه يمر أسفل نصب من بوابة ذات عقدين، حيث يمكنه أن يتطلع مباشرة إلى الطريق الواسع جداً المؤدي للبوابة الأخرى التي إلى جانب القرية، والتي لها عقد واحد وعلى يسارها برج حمام كبير.


وفي يوم السوق يكون هذا الطريق محط تُجَّارُ الحُبُوب، الذين ينشرون أكوام القمح الذهبي بطول الطريق أسفل مظلّات مُخطّطة.


وإلى اليمين مباشرة سوف ترى المقهى مسقوفاً بست قباب، وهناك صف من أربعة عشر قبواً عميقاً يمتد بطول الجدار الشمالي الشرقي إلى البوابة الأخرى، حيث توجد مواقف البيع فيه.


وفي عمق كل من هذه الأقبية يجلس التاجر القرفصاء من فوق مصطبة منخفضة وسط بضائعه ليُساوم مع حشد النساء من أمامه.


وسترى إلى يسارك كتلة من الأشجار، قد وُزِّعَتْ على مسافات منتظمة كالبُستان لتظّلل أكبر مساحة ممكنة، ومن أسفلها المذاود الطولية، ولكل منها مصدر ماء عند طرفه، وقد عقل في كل منها عدد من الحيوانات، ويمشي الرجال ما بين هذه المذاود ويتفحصون البهائم، بينما يمكن استعراض أحد الحيوانات المتفوقة، من جمل أو حمار أو بقرة، بأن يمشي به صاحبه جيئة وذهاباً.


ولما كانت هذه الحيوانات معروضة للبيع، فإن هناك رَسْمٌ يُدفع عنها عند دخولها للسوق؛ أما الحيوانات الأخرى التي تُقَوَّمُ فحسب بحمل أصحابها هم والبضائع إلى السوق، فإنها تظل بالخارج.


ووفرت موقفاً للحمير، زرعتُ فيه بالمثل أشجاراً لتوفير الظّلِّ وبه مَذاود ومصادر مياه، في الخارج مباشرة من ساحة السوق، بجوار السكة الحديد.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 10:41 pm

المسرح

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit452
المجتمع الريفي في مصر ما زال يختلف تماماً عن المجتمع الحضري، والقرية مازال يوجد فيها كل صنوف الفن -كما مثلاً في الفخار، والنسيج، والأشغال المعدنية- ونسيج الحياة في القرية يدخل فيه الكثير من أشكال الترفيه والاحتفالات التي تُعَدُّ جُزءاً من الفن الشعبي مثلها مثل الفنون الإنتاجية.


ففي حفل الزفاف مثلاً، توجد فرقة للموسيقى ومعها راقصة، بينما يأتي شُبَّانُ القرية متبخترين ليستعرضوا براعتهم في التحطيب وليتحَدُّوا بطل البدنة.


والتحطيب رياضة ترجع وراء زمن الفراعنة، وما زالت تُمارس على نطاق واسع في كل ريف مصر.


وحيثما اجتمع معاً فلاحان أو ثلاثة في الحقول، ربما حول النار في المساء، فإن اثنين منهم سيبدآن المباراة بنبوتيهما.


وفي المناسبات الأكثر جماهيرية، كحفلات الزفاف، قد يُصبح النزال حادّاً نوعاً، وأحياناً يُصاب المُتنازلان بالأذى.


على أنه سواء كان هذا النزال خطراً أو آمناً، فإنه كنوع من التسلية يكون أفضل للمشاهد واللاعب من أي تسلية توفرها المدينة.


فالسينما والراديو لا يمكن أن توفر للمتفرجين هذا الإحساس بالمُشاركة الذي يوفره العرض الحي.


والمتفرجون لا يستطيعون الإحساس بأنهم روح متوحدة تتطلع كفرد واحد إلى مصير اللاعب أو الممثل إلا في المسرح أو عند مشاهدة مباراة حقيقية.


ونفس هؤلاء المتفرجين عندما ينفصلون في عُزلة كُلٌ في منزله، فإنهم لا يستطيعون مطلقاً الوعي بذاتهم كمجموعة.


وحتى في ظلام دور السينما، فإن القصة تتواصل على الشاشة تواصلاً صارماً، فلا تُغَيِّرُ أو تُعَدِّلُ من سرعتها ونغمتها حسب مزاج المشاهدين أو عددهم.


وإذن فلماذا لا يوفر للقرنة مسرح دائم، حيث يمكننا عرض الرقصات والأغاني، والألعاب الرياضية للحياة اليومية، وحيث يمكن أيضاً الحفاظ على هذه الفنون كلها مما ينتظرها من مصير محتوم بالانقراض لو تركت لمواجهة منافسة الأفلام والراديو دون حماية لها.


فالمسرح يُمَكِّنُهَا من أن تحصل على خلفية بهية، وعلى نظّارةٍ متحمسين، وسيمكنها فوق كل شيء الحصول على مقر دائم يجعل في الإمكان إقامة عروض أكثر مما تتيحه حفلات الزفاف العارضة في حياة القرية.


ولست بالذي يزعم أن المسرح ظاهرة معتادة في القرى المصرية، والحقيقة أن مسرح القرنة هو المسرح الوحيد في الريف.


على أن المسرح فيما أعتقد ضروري للقرية مثل ضرورة قاعتها أو المدرسة، وقد أثبت مسرحنا أهميته المَرَّةَ بعد الأخرى بما أقيم فيه من عروض لا تُنسى، شدَّت الخيال، لا عند القرويين أنفسهم فحسب بل وأيضاً خيال السَّائحين والزوار من الأقطار الأخرى.


كان المسرح من نمط بين الإغريقي والأليزابيثي.


وهو في شكل شبه منحرف غير مسقوف، تشغل منصة العرض الجانب الطويل منه، بينما صفوف مدرجات المقاعد تحاذي الجوانب الثلاثة الأخرى، أما الساحة أو الأوركسترا ففي وسطه.


ومنصة العرض مصطبة حجرية بسيطة يقرب ارتفاعها من ثلاثة أقدام وعرضها من 35 قدماً، وهي مفتوحة للسماء، وقد جُعلت تمتد أماماً بحذاء جدار مقدمة المسرح.


ويوجد عليها ترتيب ثابت يوفر منظرين اثنين، أحدهما لمنظر داخلي أو فناء، والآخر لشارع، والمنظر الداخلي  يشغل معظم المنصة، ويتكون من مدخل في وسط الحائط الخلفي، من فوقه شرفة، يمكن الوصول إليها بسلم على يسار المشاهد أو بباب من الكواليس يؤدي إليها مباشرة.


وهناك أبواب أخرى جانبية، أحدها إلى يسار المشاهد والأخرى من وراء حاجز دائم متعرج إلى يمين المشاهد.


وهذا الحاجز، الذي يخترقه باب ونافذتان أقيمت إزاء خطوط المنظور، يوهم بواجهة على الشارع (لمن له خيال طيع).


وكل مساحة منصة العرض فيما عدا فتحة المقدمة يحيط بها جدار ارتفاعه حوالي 25 قد ماً.


وعلى كل جانب من مساحة قاعة العرض هذه يوجد دهليز مسقوف بست قباب، يعمل كمدخل.


ومساحة الكواليس الكبيرة تستخدم كمخزن وكغرفة لارتداء ملابس الممثلين.


وأمام منصة العرض ساحة تبلغ ما يقرب من 36 قدماً مربعاً، مفروشة بالرمال، يمكن استخدامها لتمثيليات أو لعروض من مثل مباريات التحطيب.


ويمكن الوصول إليها بمجموعة من الدرجات على كل جانب من منصة العرض.


والمتفرجون قد هيأ لهم مكانهم في ست صفوف من المقاعد الحجرية، مدرجة كما في المسرح الإغريقي، إلا أنها من حول الجوانب الثلاثة للساحة المربعة.


وتسع هذه المقاعد حوالي خمسمائة متفرج، بينما يمكن أن يقف مائتان آخرون في الممر العريض الذي يدور من خلف مدرجات المقاعد.


وهذا الممر مغطى بتعريشة ومسور بجدران محلاة بالمخرمات على كل جانب، وله من الخلف جدار بسيط فيه غرفة آلة عرض لعروض السينما.


وعروض التمثيل لم يكن فيها ما يشبه مسرحيات المسرح الأوروبي.


فليس هناك نص مكتوب ولا منتج.


وهناك مدير للمسرح يقرر ترتيب العرض، ويخطط لأن يدخل المسرح ويخرج منه تتال الراقصين، والمقلدين، والشعراء، بحيث تتم رواية قصة متشابكة.


وهناك منصة المسرح تنتصب خاوية مظلمة أمام نظارة يثرثرون وقد تكدَّسُوا فوق المقاعد الحجرية ووقفوا في الممرات من خلفها، تحت سماء باردة مليئة بالنجوم.


وفي هدوء، يُسمع من مكان ما خلف المنصة صوت وحيد يغني.


ويتخافت الحديث لينتهي وينحني المتفرجون للأمام في انتباه بينما يزداد الغناء اقتراباً، ولا يظهر ضوء بعد، بينما يبرز المغني ليعبر المنصة، كشبح قاتم متمهل، يتخذ مكانه ببطء وراحة في أحد الأركان.


ثم إنه يحك ثقاباً فيشعل ناراً وضعت هناك من قبل، ويواصل غناءه وقد أعطى ظهره للمتفرجين، وتُفتح نافذة في الشرفة من فوقه، ثم أحد الأبواب، وتخرج فتاة لتستمع.


وتعلق مصباحاً صغيراً بجوار الباب، وتمشي الهوينا وهي تهبط السلم متجهة إلى المغنى، الذي يواصل الغناء، دون أن يلحظها، وتتسلل الفتاة عبره، لتخرج من الباب الذي على واجهة الشارع.


ويأتي صديق أو صديقان للمغني ويجلسان حول ناره مستمعين.


ويأخذ رجال القبيلة المنافسة في الدخول ليحتشدوا متجمعين على الجانب الآخر من المسرح، حيث يشعلون ناراً ويحضرون مغنيهم الخاص بهم.


وتبدأ القبيلتان في التنافس على يد الفتاة في تبادل تقليدي للتحديات والسخريات.


ويغني كل شاعر في دوره أبياتاً عن منافسه ليلتقطها رفاقه ويرددونها جماعياً، ثم يجلسون بعدها وهم يدعون اللامبالاة بينما الشاعر الآخر يؤلف إجابة فيها الرَّدَّ على السخرية.


وإذ يتبارى المغنيان في براعة، فإنهما يتبادلان الرد بالأبيات الشعرية عبر المنصة، ويتردد الغناء الجماعي المرة تلو الأخرى، بينما يهز الشبان نبابيتهم في انفعال وزهو، متحفزين للقتال من أجل الفتاة.


ثم إنهم ينحدرون إلى الساحة واحداً فواحد ثم اثنين فاثنين، وهناك تُشعل نار ثالثة، و إذا ترتسم ظلالهم إزاء ضوء النار المرتعش فإنهم يبدءون الضربات الأولى الحادة في نزالهم.


ويتحلق المزيد من الرجال من حولهم، على أرجلهم وفوق جيادهم وحميرهم، وعندما ينهزم أحد المقاتلين أو الآخر يحل رجل آخر مكانه.


وإذ تزيد المباراة سرعة وتشتد الإثارة،شعل  المزيد من النيران، حتى يصبح المسرح كله متواثبا صاخبا في لهيب ستة نيران،يكون للنزال ظلاله الضخمة على الجدران إذ يقفز الشبان ويتواثبون.


وتقعقع النبابيت وتصفر في الهواء، ويردد المتفرجون ثانية صدى صيحات الممثلين، وكل منهم ينتصب على قدميه ويصرخ مؤيداً بأعلى صوته، والحقيقة أن المتفرجين ينضمون عادةً إلى القتال، فيثب الرجال نازلين من مقاعدهم ليحلوا مكان المقاتل المهزوم.


على أن النزال ينتهي؛ ذلك أن أحد الرجال يشق طريقه محارباً للقمة، ويهزم كل المتحدين، ويكسب الفتاة ويُحمل في انتصار إلى المنصة، بينما يتفرق الجمهور، بعضهم إلى المنصة في أثره، والبعض يعودون إلى مقاعدهم في النظارة.


ويُعَدُّ حفل الزفاف، حيث يوضع المنتصر على العرش في منتصف المنصة، ويتجمع الموسيقيون، وتقام الرقصات وموكب للزفاف كلها في ضوء النيران المرح، حتى ينفض الحفل في النهاية، وإذ تنطفئ النيران واحدة بعد الأخرى، ينصرف الضيوف، وهم يغنون ويرحلون بعيداً.


وتظل نار واحدة مشتعلة حيث يجلس المغني الأول، الذي هُزمت قبيلته، وهو يولي ظهره للعروسين.


ويمتلئ المسرح بنغمات مَوَّالِهِ الرقيقة بينما نيرانه تذوي لتنطفئ، ويكون الضوء الوحيد الآن آتياً من المصباح الوحيد الصغير على الشرفة.


وينهض العريس، ويقود العروس لترتقي السلالم , فتدخل من خلال الباب إلى الشرفة.


وتنزل المصباح ثم تغلق الباب وينهض المغني وحيداً في الظلمة ويهيم مبتعداً ببطء، وتظل أغنيته الشعبية مسموعة لبرهة قصيرة، وهي تشحب، حتى تذوي تماماً.


وينتهي العرض.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 10:57 pm

المدارس

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit453
في حوالي ذلك الوقت هيَّأت الحكومة المصرية لنفسها فرصة نادرة في العمارة، فقد وضع برنامج جديد لبناء المداس لتوفير أربعة آلاف مدرسة في مصر، معظمها في القرى.


وهكذا فإنه كان يمكن لو وجد تأييد رسمي حماسي، المُضي بالأفكار الجديدة في العمارة إلى أقصى أركان الريف، لصنع مباني ستصبح في التو جزءاً من حياة الناس اليومية، فتبدأ عصر نهضة معمارية تتواءم مع عصر النهضة الثقافية الذي ستبعثه المدارس الجديدة.


وإذا كانت مصر ستبدأ ذلك جِدُّ متأخرة بالمقارنة بالبلاد الأخرى، فإن هذا يجعلها في وضع يتيح لها أن تتعلم من خبرة كل بلاد العالم الأخرى في بناء المدارس.


ولدى هذه البلاد الكثير مما تُعلّمه لمصر، ففي انجلترا مثلاً، وجد أن كل المدارس التي بنيت قبل 1939 لا تفي بالمعايير التي أرسيت للمدارس الجديدة ما بعد الحرب.


وفي أمريكا استمرت الدراسات طيلة سنوات لينتج عنها إنشاء مدارس رائعة للغاية في رحابتها وغنى تجهيزها.


فلم يكن لديهم نقص في المشورة الطيبة بشأن بناء المدارس.


على أن وزارة الأشغال العمومية أخذت تقيم نمطاً موحداً من المدارس في كل هذه القرى المختلفة.

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit454
وعرض عليَّ تصميم لنمط مدرسة موضعها سيكون في الأسكندرية والنوبة، واحدهما تبتعد عن الأخرى بستمائة وخمسين ميلاً، ولكل منهما مناخ وتلميذ من نوع مختلف تماماً.


وقد كان هناك فيما مضى أسلوب معماري معتاد يسمى ((الأميري))، أدخله الخديو أو الأمير لبناء القصور والمباني الحكومية في البلاد.


وهذا الأسلوب الذي اتخذه أولئك الحكام الأجانب ليميزوا أنفسهم عن المواطنين الذين يحتقرونهم، هو أسلوب لا يزيد في أحسن أحواله عن أن يكون محاكاة زرية للفخامة الأوروبية، ويُغرس هذا الأسلوب في القرى الطينية بمصر العليا، وقد قلّص من مقاييسه من باب الاقتصاد، وأبرز من موقعه ليؤثر في الفلاحين، وهكذا يصبح عامل تخريب بصري مثله كمثل صندوق قمامة يغرس فوق حوض للزهور، ويكون واجهة المدرسة، وهي تجثم بنوافذها المصطنعة، ما يبشر بما في الداخل من حجرات دراسة مستطيلة مليئة بالتراب، وكان في هذا الموقف، المُشبَع بالروح غير الموائمة التي أتت من المدينة، ما يعلن أن المدرسة هي الأخ التوأم لنقطة الشرطة، وقبحها الخالص فيه ما ينبغي أن يؤكد أنها مما لا يمكن قط أن يكون له أدنى علاقة بالتعليم.


وداخلها يمكن أن يكون لمكتب البريد بمثل ما يكون لمدرسة كهذه.


وإني لأذكر مبنى كهذا، كانت إضاءة حجرات الدراسة فيه غاية في السُّوء رغم توهج شمس مصر أقصى توهج، حتى أنه كان يلزم الإضاءة بالنور الكهربائي من الثامنة صباحاً حتى السابعة مساءً.


فالأسلوب الحكومي يحكم على قُرَانَا باسم الاقتصاد والحداثة، بأن يكون فيها مدارس تنقصها الأولويات من أدنى وسائل الراحة المتفق عليها دولياً.


وقد سقط الأسلوب الأميري بما يستحقه من سوء السمعة، إلا أن الروح التي ألهمته ما زالت مزدهرة، وها هنا اليوم أسلوب أميري جديد -تقليد كالح للعمارة الفرنسية الحديثة- يُنْشَرُ عَبْرَ مصر حيث يقوم جيل بعد جيل من المهندسين المعماريين بمجاراة النمط السائد.


على أنه إذا كان الأسلوب الحكومي لا علاقة له باحتياجات التعليم في البلد، فإن هذه لا يعني أننا ينبغي أن نحتضن دون تمحيص أفكار ومعايير المعماريين الأجانب حتى ولو كانوا على أقصى درجة من التنوُّر، بل إن أكثر المهندسين المعماريين تنوُّراً في بناء المدرسة ينتشر بينهم انتشاراً واسعاً طريقة لتناول مشكلة بناء المدرسة هي طريقة مغلوطة أساساً، فالمهندس المعماري يضع في اعتباره وظيفة المبنى، ويرصد لتدفق حركة التلاميذ، ولوتيرة اليوم الدراسي، ولعمليات نقل المعرفة في حجرة الدراسة وهو يحسب درجة الحرارة المُثلى وشدة الإضاءة المُثلى، وينظر للمدرسة من أول الأمر على أنها مصنع يُكَرِّسُ مهارته لانسياب تنظيم الأطفال فيه.


والأطفال هكذا يتم حقاً تناولهم برقة ولكنها تماثل رقة تناول الخنازير في مصنع لتعليبهم، فينقلون من طور لآخر من أطوار خبرتهم التعليمية بكفاءة تامة من حيث الجو الصحي الناعم.


وتكييف الهواء وعزل الصوت، ومع هذا فإن المهندس المعماري لم يكد حتى يبدأ في توجيه خطابه لمهمة تصميم المدرسة.


والمهندس المعماري لا يستطيع البدء في نظر المشكلة الحقيقية لتصميم بناء المدرسة إلا بعد أن يوفر تلك الشروط الميكانيكية، التي ينبغي أن تكون مضمّنة في كل مدرسة دون أي سؤال أو نقاش والتي ينبغي أن يتقبَّلها المهندس المعماري، كأدنى حد للقياس عليه، فوجدها في المدرسة أمر طبيعي مثل وجود السقف أو الأرضية.


والمعماري هنا أشبه بعازف البيانو.

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit455
الذي لا يستطيع أن يبدأ في تفسير الموسيقي التي يعزفها إلا بعد أن يسيطر على تقنية عزف البيانو.


أما تصميم المدرسة فيجب أن يتناوله المهندس المعماري كما يتناول تصميم مسجد أو كنيسة.


لأنها من نفس النوعية من البناء.


فالمدرسة إنما هي لتنمو فيها روح الأطفال، يجب أن يكون البناء بحيث يدعوهم إلى التحليق وليس إلى التقلص كما يفعل بهم حذاء صيني*.


والمهندس المعماري بخطوط المصيرية المعدودة التي يخطها على لوحة رسمه، يصدر قرار بمدى ما سيكون للخيال من حدود، وللعقل من سلام، قرار بالوضع الإنساني طيلة أجيال قادمة.


وطالما ظلت مدرسته قائمة، فإن جدرانها ونوافذها تظل تتحدث إلى الأطفال الصغار في سنوات عمرهم المستهدفة أقصى استهداف.


إن عليه واجباً خطيراً بأن يخلق من هذا البناء مصدراً للحب والتشجيع لهؤلاء الأطفال، ويجب ألا يدع شيئاً يقف في سبيل ذلك.


وإذا سرى الحُبُّ في عمل، فإنه دائماً سوف يبدو طاهراً.


ولو نظر المهندس المعماري نظرة حُبٍّ لكل تفصيل رَائِياً للأطفال وهم يعيشون ويتعلمون داخل جدرانه، ومتابعاً إيَّاهم في عملهم ولعبهم، ولو نظر إليهم كما هم حقاً وليس ككائنات مُصَغَّرَةٍ للكبار، فإنه لن يمكنه إلا أن يهبهم البناء الذي يحنو عليهم.


إن الرجل البالغ العادي، الذي ظلَّ جلده يزيد سُمكاً من حوله لثلاثين عاماً، لا يكاد يستطيع تخيُّل الأساس الهشِّ الذي تستقر عليه ثقة الطفل.


على أن المهندس المعماري للمدرسة يجب أن يرى العالم بعين الطفل, ليس لمجرد أن يفهم احتياجات الطفل من الحجم والفراغ, بل وأكثر من ذلك، حتى يفهم ما يُريح الطفل وما يُروِّعُه.


إن الطفل منذ لحظة مولده ثم ما يتلوها، يُمارس استنزافاً يومياً لذلك الإحساس بالأمان المُطلق الذي أحسَّه ذات مرَّة، أي ذلك الأمان البيولوجي في الرَّحِمِ.


وهو تقريباً بدرجة أو أخرى, يتعلّم حسب رعاية والدته له, كيف يعتمد على نفسه فيما يُجابهه من بيئة مُعادية، على أن هذا على أن هذا يتطلب منه وقتاً طويلاً.


وما زال الكثيرون من الرجال البالغين يحسّثون بقلوبهم تغوص من داخلهم عندما يواجهون ظرفاً مناوئاً في حياتهم, ويتمنّون لو عادوا طائرين إلى ملاذهم الأمين في أحضان أمَّهاتهم.


فكم ينبغي أن يكون يأس الطفل ساحقاً بأكثر عندما يلاقي عالماً غير ودود.


إن المهندس المعماري يجب أن يُوظّف كل مهارته ليجعل حجرة الدراسة حجرة تُوَلِّدُ الثقة والإحساس بالأمان كما يفعل البيت الطيب.


وهو إن لم يفعل, فإنه يعُوق لذلك أفضل جهد للمربي منذ البداية.


وهذا هو السبب في أن المدرسين والمعماريين الذين يحاولون التحوُّط بالنسبة لتغيُّرات المستقبل في النظريَّات التربويَّة فيصممون حجرات دراسية ذات جدران من فواصل متحركة يمكن تعديل مكانها لتناسب المعاير الجديدة، هم بذلك إنما يناقضون أهدافهم ذاتها.


فحجرات الدراسة التي لا شكل لها والتي تغير دائماً من مظهرها، بأن تقطع فيها الحواجز وبأن يُعاد تنظيم أثاثها، إنما هي تُنتج أطفالاً قلقين عصبيين.


إنها حُجُرات دراسة بلا قسمات, صفحة بيضاء مثل نافذة عرض أو قاعة عرض خاوية، ولا يمكن لها أن تصبح مألوفة ودودة للأطفال الذين ((يعيشون)) فيها، في حين أن التردد وعدم اليقين اللذين أوحيا بهذا التصنيف لن يكون منهما إلا أن يخربا ثقة الطفل بنفسه، تلك الثقة التي تنضج نضجاً وئيداً.


لقد استخدمت كلمة ((يعيشون)) عن عمد كامل، ذلك أن المدرسة التي يرتادها الأطفال لساعات معدودة في النهار، لتحشي رؤوسهم بالدروس ثم يرسلون إلى بيوتهم، لهي وسيلة تربية خرقاء معوقة.


فحجرة الدراسة ينبغي أن تكون بيتاً للأطفال، حيث يمكنهم أن تكون لهم حياتهم الخاصة بهم، وهي ليست مجرد مكان لتجميعهم معاً تحت أعين المدرس.


ولننظر مثلاً أمر المساحة التي يوصي بها لحجرة الدراسة.


لقد تمَّت دراسة خصائص نمو الطفل في مكان ما وتبيَّن أن الطفل بين السادسة والثامنة من عمره يحتاج إلى ثلاثة أمتار مربعة من مساحة أرضية حجرة الدراسة.


وبالإضافة فإن من المفروض أن المدرس الواحد يستطيع التعامل مع ثلاثين طفلاً، وهكذا فإن حجرة الدراسة الوافية تحتاج إلى تسعين متراً مربعاً من مساحة الأرضية ولكن هذا يعني أن تكون الحجرة من 9م × 10م، وهي بذلك تبدو ضخمة كحظيرة للسيارات.


ولن تبدو بأي حال ودودة للطفل ولا جديرة بثقته.


إذن فالحساب البسيط لا يمد بالحلول اللازمة لتصميم حجرات دراسة جميلة حقاً.


وبالنسبة لأيام دراستي، فإني لا أكاد أحتفظ بأي ذكريات لمدرستي الابتدائية (مدرسة محمد علي)، التي صَمَّمَتْهَا وبنتها وزارة الأشغال العمومية بالخطة المعتادة لصف حجرات الدراسة المتماثلة لها ممر من أمامها.


وهي هكذا إن لم تكن قبيحة بالفعل، فإنها بالتأكيد بلا طابع ومحايدة فنياً.


أما مدرستي الثانوية -المدرسة الخديوية- فهي تختلف تماماً، وإني لاحتفظ لها بذكريات غاية في الحيوية، والبهجة، عن أركان هي غير متوقعة، ومساحات مفتوحة ذات شكل عجيب، وأبهاء وحجرات دراسة من كل الأشكال والأحجام، وحدائق رائعة.


ولابد أن وجود المفاجآت المعمارية العارضة قد استثار خيال وإدراك الكثير من التلاميذ، وهم ولا شك قد تشرَّبوا أيضاً مناهجهم التعليمية، إلا أن البناء لم يُصَمَّمْ قط كمدرسة، لقد كان قصراً قديماً.


والقرنة القديمة لم يكن فيها مدرسة، وحسب الطريقة المُعتادة كان على القرية أن تنتظر دورها في برنامج بناء المدارس، لتنال في النهاية بناء يخلو من أي سحر ومبنى حسب الطراز الحكومي الحديث.


وقد تصوَّرت أن سيكون من حُسن التفكير أن أبادر بالسَّبق ببناء مدرسة -أو بالأحرى مدرستين، إحداهما للبنين والأخرى للبنات- وذلك حسب معاييري الخاصة بي.


فلعل هذا أن يَحُثَّ الوزارة على توفير بعض المدرسين في سبق للحظة.

----------------------------------------------------

* المقصود الحذاء الصيني الذي كانت توضع فيه قديماً أقدام الفتيات لتظل صغيرة.

(المترجم).

----------------------------------------------------

بل وربما أصبح ذلك نموذجاً لبناء المدارس بالمنطقة فيما بعد، وعندما انتهى البناءان، سُرّت بهما الوزارة أيُّمَا سُرُور؛ فأعجبوا بالطراز بل وأكثر من ذلك فقد أعجبوا بالتكلفة.


وكنت بالطبع قد بنيتهما بطوب اللبن، وعندما قمتُ بُنَاءً على دعوة الوزارة بتشييد مدرسة أخرى في فارس، بلغت ما يقرب من ثلث ثَمَنِ التصميم المعتاد.


وحتى تظل حجرات الدراسة هادئة وخالية من التراب، فإنها وزعت من حول أفنية ممهدة، بما يشبه إيوانات المدارس التقليدية في المساجد التي تطوق الفناء الأوسط للمسجد.


وتخطيط التصميم في عناية -وليس مجرد التخطيط لمساحة مفتوحة عارضة فيها حوض زهور لهو أمر على أقصى درجة من الأهمية عند تنظيم عدد من البلوكات المنفصلة في تكوين متماسك.


وكثيراً ما يحدث أن يكون تصميم كل بلوك وحده تصميماً جيداً، مع تنظيم حجراته وممراته العديدة تنظيماً بهيجاً، ولكن البلوكات نفسها تكون مبعثرة في الموقع كيفما اتفق وبلا معنى، ويترك الأمر للجنايني ليحاول أن يربطها معاً بالزهور والممرات.


والآن فلو أن المهندس المعماري عامل مساحة الفضاء الخارجي بين مبانيه بنفس الاحترام الذي يعامل به المساحة الداخلية التي تضمُّها الحجرات.


واستخدام البلوكات المختلفة بوعي لتُضفي شكلاً على فضائه، فإنه لن يضيع أي جزء من الموقع.


وسوف يساهم كل قدم مربع، مسقوف أو مفتوح، في إعطاء المعنى للكيان الكلي.


بل إن هذه المساحات المفتوحة يمكن أن تحوَّل إلى استخدامات عملية للغاية؛ فقد يكون في موقع مُعيَّن تتجاور فيه المباني، ما يطرح موضعاً للمسرح، كذلك فإن مستطيلاً قد يُصبح منه قاعة اجتماع، أو قد يثبت أن باحة يمكن استخدامها كفصل أو كساحة للاجتماع في الهواء الطلق.


ومرة أخرى فإن سلسلة من المساحات المفتوحة تؤدي من حجرة الدراسة إلى الشارع، بحيث يمر الطفل من خلال رواق إلى باحة، فساحة مستطيلة، فملعب، وكل منها له طابعه الخاص، كل هذا سيعطي الطفل قدراً من الأحاسيس وهو في طريقه إلى المدرسة.


عندما يأتي الأطفال إلى المدرسة، فإنهم يدخلون فناء صغير تزينه بركة في منتصفه.


وتصميم هذه منقول عن لوحة حائطية في مقبرة رخمير من الأسرة الثامنة عشرة، وهي تشكل حوضاً مربعاً صغيراً تَحُفُّ بطرفه مجموعة من أشجار نخيل سامقة، غُرِسَتْ بانتظام لتعطي إيحاءً ساحراً بشموع فوق كعكة عيد ميلاد، كما تظهر المياه من بين سيقانها.


ويفتح على هذا الفناء قاعة الاجتماعات، ومكاتب المدرسة بما فيها حجرة الناظرة، وحجرة الطبيب الزائر.


ويمشي الأطفال في هدوءٍ من خلال هذا الفناء، الذي سَيُرَحِّبُ بهم بجماله، ثم يمرُّون أسفل بوابة بعقد إلى الفناء الرئيسي بين صفَّين من حُجُرات الدراسة.


وهذا الفناء مُمَهَّدٌ حتى لا يكون مُترباً، وقد غُرِسَتْ الأشجار في منتصفه.


وهناك أربع حجرات للدراسة في كل جانب، وكل منها مسقوف بقبة كبيرة ضحلة ومساحته تقرب من 400 قدم مربع.


وبسبب الحاجة إلى شكل مربع تجلس عليه القبة، فإن المساحة الإضافية اللازمة تضاف في شكل إيوانات مقببه على جانبين من المربع.


ويوفر هذا التنظيم حُجُرات دراسة واسعة بما يكفي ولكنها تنقسم إلى ثلاث مساحات واضحة مميزة.


وفي رأيي أن هذا النوع من حُجُرات الدراسة هو نوعٌ عطوفٌ جداً، ذلك أن الصَّبي لا يحسُّ بضياعه في حُجْرَةٍ واسعة غير ودودة، وإنما هو يجلس دائماً في مساحة جُعلت حسب مقاسه هو.


وهذه الغُرف هي نتاجٌ سعيدٌ للعمل بمادة بناءٍ بالغة التَّواضع كطوب اللبن، فهي تفرض قيوداً إنشائيةً تُقْسِرُنَا على أن نبني من الأرض إلى أعلى، نحن متنبهون طول الوقت إلى مشكلة تسقيف مبنانا.


فلا يمكننا أن نضع فحسب لوحاً إسمنتياً من فوق جدراننا لتسقيفها؛ وإنما يساهم كل قالب طوب بنصيب ما في السقف ويتحمل مسئولية ما بالنسبة للشكل النهائي للفراغ الذي نحيط به؛ والقيود الطبيعية لتحمل هذه المادة تجعلنا نقسم مساحة السقف إلى عدة عناصر حسب القياس البشري.


وفي الطرف الأقصى من فناء حجرات الدراسة يوجد مسجد المدرسة، وفي الداخل منه يثبت أن أكثر الملامح إثارة للاهتمام هي الإضاءة، وتتوافر هذه بواسطة أربع نوافذ صغيرة أقيمت مرتفعة في القبة، بحيث تتخلل المساحة الداخلية كلها إنارة تنتشر متساوية مريحة وبهيجة للغاية، وإضاءة هادئة هكذا تجعل للبناء جواً وقوراً، وتَحُثُّ على التأمُّل في سلام.


وليس هناك وهج من نور مُبهر من نوافذ غير محجوبة، ولا أي مشاهد للخارج تُلهى الانتباه، وإنما كما في مسجد القرية الكبير، فإن هذا المسجد الصغير يرتدُّ بأفكار المُصلي إليه هو ذاته ويحثّهُ أن يتأمَّل.


ولقد خطر لي وقتها أن هذه هي أحسن طريقة لإضاءة حُجَر الدراسة.


والمَرْءُ لا يستطيع، على الأقل في مصر، أن يتحمَّل نوراً ساطعاً كثيراً، ولو وضعت نوافذ حجرات الدراسة على مستوى العين، لتسمح بالضوء الخارجي المباشر -كل الوهج المرتعش الذي ينعكس من الشوارع المتربة والجدران البيضاء المبهرة- فإنها ستخلق أوجه تباين هائلة في شدة الضوء، بحيث تصبح القراءة يقيناً مزعجة.


إلا أن حُجُرات الدراسة عندما تُضاء بنوافذ عالية فحسب فإن هذا يجعلها جد منغلقة وقاتمة، وحجرة الدراسة ليست بالمسجد.


على أنه من الأفكار الطيبة أن نوفر شيئاً من الخصوصية في الخارج في شكل حديقة صغيرة ذات أزهار وحشائش تنمو منخفضة، وتسمح للتلاميذ بأن يرونها من خلال نوافذ منخفضة تقام بمستوى الأرضية على الطريقة اليابانية.


ويمكن أن نجعل من هذه الحديقة جداراً لا يعكس الضوء، بحيث تصبح كل نافذة لوحة حيَّة من نغمات خفيضة ومُريحة تنعش الأطفال أثناء دروسهم.


وهذه النوافذ بالاشتراك مع النوافذ العالية في القبة ستوفر إضاءة لطيفة متساوية، وربما لو استخدمنا زجاج نوافذ مُعشَّق وملوَّن لإمتاع الأطفال مُتعةً أكبر، فإن هذا سينتج عنه حُجْرة دراسة مُفعَّمة بالحيوية والبهجة وإن كانت هادئة، وهذا بلا شك ما سأفعله لو كان عليَّ أن أصَمِّمَ مدرسة أخرى.


وقد زودت حُجُرات الدراسة بنظام بسيط جد فعال للتهوية، ففوق كل غرفة يوجد برج مربع يشبه المدخنة به فتحة كبيرة تواجه الشمال.


وتدخل نسمة الشمال اللطيفة من خلال الفتحة، عالياً خالية من التراب، وتسري لأسفل فوق صفحات من فحم مُبلَّل، جعلت كالحواجز من داخل المدخنة.


وهذا التَّجهيز ينتج عنه انخفاض الحرارة بعشرة درجات مئوية.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 11:10 pm

الحمَّام

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit456
في رغبة محمودة لتشجيع على النظافة بين الفلاحين، قامت الحكومة بتوفير حمَّامات عُمومية ذات أدشاش في عدد من القرى.


ورغم جودة الفكرة, إلا أن هذه الأدشاش لم تستخدم عند التطبيق.


وما زالت تنتصب كنصب تذكارية يائسة لمن أقاموها من محبي صنع الخير من أصحاب التفكير المدرسي الأخرق.


والفلاحون لم يستخدموها لأن الحكومة في المكان الأول لم تتوسع في الإنفاق عليها بما يكفي لتزويدها بالماء الساخن، ولا يمكن أن نلوم أحداً عندما لا يشعر بالتحمس لدش بارد.


وثانياً، فإن المشرفين كانوا موظفين حكوميين، لا يبالون حتى بأداء عملهم الأصلي من المحافظة على نظافة المنشآت، دع عنك أن يحاولوا جعلها جذّابة، كما أن الإجراءات البطيئة لروتين الحكومي كثيراً ما كانت تترك الحمَّامات بدون صابون.


والحمَّام العُمومي الذي يُتَّخذ موضعه في بناءٍ غير مُشجع, أو يندس بعيداً في شارع خلفي، أو يلحق بالمراحيض في المسجد، سوف تقل حرارة جاذبيته  لتصبح في برودة ماءه، ولم يُصبح أبداً المؤسسة الاجتماعية التي ينبغي أن يكونها.


على أن الحمَّام كان فيما مضى بمثابة المركز لأرقى طبقات المجتمع في كل مدينة في مصر.


وعندما غزا نابليون مصر، كان الحمَّام أو المغسل التركي مؤسسة مزدهرة.


وقد وصل إلى أن يكون بمثابة العنصر المُكَمِّل للمسجد، فهو يُيَسِّرُ ما اعتاده المُصلّون من الاغتسال ((الأكبر)) صباح الجمعة، وهو يُعتبر من الأهمية بحيث أصبح بناء الحمَّام يُعَدُّ عمل بِرٍ من أعلى المراتب.


ويقول صفوان الثوري -رحمه الله-: أنه مهما كان ما ينفقه المؤمن من دراهم فلن يكون ذلك خيراً من ((درهم)) ينفقه صاحبُ حمَّام في تحسين مؤسسته.


ومزايا الحمَّام الصحية مشهورة بما تستحق، ويشهد عليها اليوم انتشار الحمَّامات التركية في الكثير من مدن أوروبا وأمريكا.


ومن المؤكد أنه في تلك الأيام كان كُلُّ مَنْ يُحِسُّ بأنه سيُصابُ بمرض, يُبادر ليسبقه، فيذهب مباشرةً إلى الحمَّام ليغتسل بحمَّام بخار مُنعش، ذلك أنه كان من المُعتقد أن الأمراض تنشأ عن قلة إفراز العرق.


والعرق الغزير الذي يُحدثهُ البُخار يُفيدك فائدة جلية حتى لقد أصبح للاستحمام أهمية طقس من طقوس الحياة، ولم يكن الشفاء من المرض يُعَدُّ مُكتملاً إلا عندما يغتسل المريض ((بغُسل الصحة))، أو حمَّام العافية الذي يؤكد شفاءه.


على أن الحمَّام فوق ذلك، هو مكانٌ للاجتماع حيث يتبادل الرجال الأخبار، والقيل والقال, ويُجرُون الصفقات ويناقشون أمور السياسة في جو من التنعُّم.


أما بالنسبة للنساء فهناك حتى ما هو أكثر، فالحمام يوفر لهنَّ عذراً للفرار من قيد البيت.


وعندما كان الحمَّام عُرفاً سائداً.


فإنه كان يلعب دوراً مهماً جداً في حياة نساء المدينة اللائى كنا يرتدين أحسن ثيابهنَّ وأغلى حُليهنَّ للقيام بزيارتهنَّ الأسبوعية له.


وهناك كُنَّ يخترن العرائس لأبنائهنَّ وأخواتهنَّ ويرتبن زيجاتهم، كما أنه في اليوم السابق مباشرةً ليوم الزفاف نفسه تؤخذ العروس إلى الحمَّام لتُمشَّط وتُطيَّب, ويُنتف الشعر الزّائد، وتُعَدُّ لحفل الزفاف.


وينبغي التأكيد على أن الحمَّام كان مِمَّا يستخدمه أي فرد فقيراً كان أم غنياً, وحتى أولائك الذين يمتلكون حمَّامات خاصة في بيوتهن ذاتها, فالحمَّام كان مكاناً عاماً للاجتماع، ولم ينحدر حال الحمَّام في المدن إلا عندما انتقل الأغنياء إلى أحياء حديثة لم تزود بالحمَّامات.


وعندها، حين أصبح الزبائن الوحيدون هم الفقراء، انخفض مستوى الخدمة والنظافة، وانحدر الحمَّام إلى حالته المُزرية الحالية، ظل قذراً في الأحياء الفقيرة بمُدُنِناَ الكبيرة.


وفكَّرْتُ أنه لو أعيد إدخال الحمَّام إلى القرية المصرية، فسوف يثبت في التَّو أنه مقبول قبولاً أكثر من حمَّامات الدُّش الحكومية.


فالحمام التقليدي له جو وتراث من الترفُّه، وعندما يكون الحمَّام تحت إشراف مالك خاص سينال مرتادوه رعاية أكثر تدقيقاً عمَّا في حمَّامات الدُّش.


وليس هذا فحسب، ولكنه سيكون أكثر جاذبية لأنه ساخن.


وحمَّام البُخار يُنظّف البَشرة أنظف كثيراً من الدُّش البارد، وإذا تم أيضاً تدليك المَرْءِ فإن الجسم كله يسترخي وينتعش بحيث يُصبح الحمَّام إنعاشاً بدنياً وعقلياً معاً، ويزول التوتر العصبي والقلق، والانزعاج.


وإذا كان علينا أن نُعيد إنشاء الحمَّام، فمن الواضح أنه من المُستحسن عدم تغيير طابعه العام بحيث يظلُّ جذاباً لِمَنْ كانوا على معرفة سابقة بفوائده.


وعندما يرغبُ أحَدُ المرشدين الاجتماعيين في توجيه الناس إلى الأنماط والأنشطة التي يُحبِّذُها لهم، فإن أقصى نجاح يصل إليه في ذلك إنما يكون عن طريق منشآت من نوح الحمَّام.


وكما أن الطبيعة تُنجزُ مهامَّها الضرورية بأن تجعل منها أمراً مُمتعاً، حتى ليتناقل البشر هم والحيوانات من أجل الطعام، وتكاثر الأنواع، فإن الاجتماعي أو السياسي الحكيم يستخدم أيضاً نوع من المُغريات التي لا تقاوم للوصول إلى هدفه بدلاً من أن يستخدم القهر.


والحمَّام، فيما آمُلُ، سيُغري الناس أيضاً بالدخول في شبكة أخرى من التكامل الاجتماعي ويساعد على أن يوفر لكل فرد مجموعة من الاتصالات الاجتماعية الواسعة المُنوَّعة القوية كما يوفر له في نفس الوقت فرصة لتطهير نفسه من الحشرات.


وأبسط طريقة لإعداد الحمَّام في إحدى القرى هي استخدام غلاية يوصل بخارها إلى حُجرة للبُخار، يمكن أن تخرج منها مواسير الماء السَّاخن إلى المُستحمِّين في حُجُراتهم الفردية.


والمغتسل في حمَّام القرنة يدخل ليدفع الأجر إلى ((الحمَّامجي)) عند طاولة على المدخل، فيُعطيه المناشف وكيساً للملابس القذرة.


وهو يدخل بعدها إلى ((المسلخ))، أو حجرة خلع الملابس، فيخلع ملابسه في حُجيرة هناك.


ثم يناول ملابسه إلى حيث تُغسل، ويذهب إلى إحدى حجيرات الاغتسال وهو هنا يمزج الماء السَّاخن والبارد من الحنفيات في ((قُرنة)) أي وعاء لمزج الماء، ثم يجلس على مقعد منخفض بغير سند ليصب على نفسه الماء من (طاسة الحمام))، وهي وعاء صغير تقليدي، وبعد أن يغتسل يمر إلى داخل حجرة البخار، ويبقى هناك زمناً، وربما يتم أيضاً تدليكه، ثم يخرج إلى غرفة دافئة، ثم بعدها إلى الطاولة حيث يتلقّى ملابسه وقد تَمَّ غسلُها.


ثم هو يذهب إلى إحدى حُجيرات ارتداء الملابس -التي تكون معزولة عن حُجيرات خلع الملابس للتأكُّد من أن الملابس نظيفة حقاً- وإذ يرتدي ملابسه فإنه يمر إلى حجرة للاستراحة ليثرثر مع زملائه ولعله أيضاً يدخن النرجيلة معهم.


وهذا المسار يضمن قدر الإمكان، أن الملابس القذرة أو المُصابة بالحشرات لن تُلامس الملابس النظيفة، ونظام الماء السَّاخن هذا رخيص وعملي بالنسبة للقرية التي لا تتحمل تكلفة أدشاش ساخنة.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 11:16 pm

مضرب الطوب

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit457
كان من اللازم أن يتم بناء القرية بطوب اللبن؛ وصُنع هذا الطوب حِرفة، وهي تتطلب عدة عمليات مُتمايزة فالمرءُ لا يغترف وحسب بعض الطين فيُشَكِّل كل قالب طوب كما يحتاجه، فقالب الطوب النمطي في القرنة له حجم وقوام مُحَدَّدٌ، حتى يكون وحدة يمكن الاعتماد عليها ويمكن إدخالها في خطتنا.


وحتى تصنع قالب الطوب فإنه يلزمُك تُربة عادية من الموقع، ورمل من الصحراء، وقش وماء.


وتخلط التربة والرمل بنسبة 1: 3/1 بالحجم.


وقد وجدنا بالتجربة أن هذا الخليط يعطي نتائج طيبة، وينتج عنه قالب طوب لا ينكمش انكماشاً بالغاً (تنكمش التربة النقية عند جفافها بما يصل إلى 37 في المائة) وهو اقتصادي من حيث القش.


فيُضاف لكل متر مكعب من ذلك 45 رطلاً من القش، وتُخلط كلها بالماء.


ويُترك الخليط بعدها ليتشرَّب ويتخمَّر لما لا يقل عن ثماني وأربعين ساعة؛ وينتج عن التخمُّر حمض اللبنيك الذي يجعل القوالب أمتن وأقل امتصاصاً من القوالب التي تُصنع بأسرع من ذلك، بينما يختلط القش بالتربة يحث يكتسب القالب تجانُساً في قوامه وهذا أمْرٌ جِدُّ مرغوبٌ فيه، ولا يتوافر في القوالب غير المُخمَّرة.
* * *
وعندما يتخمَّر خليط الطوب، يُحمل في سِلال إلى مكان صّبِّهِ حيث يستخدم ضارب الطوب قالباً يدوياً صغيراً، وقالب الصَّبِ هذا هو مُجرَّد إطار مستطيل لا قاع له ولا سقف؛ ويضعه ضارب الطوب على الأرض، ويملؤه بالطين، ثم يرفعه.


فيتخلّف القالب المصبوب باقياً فوق الأرض، التي تكون منثورة بالرَّمل والقش.


وهذه الطريقة تعني أن الخليط لابُدَّ أن يكون رطباً جداً، بحيث يمكن للقالب أن يُبعد منزلقاً دون أن يحتاج المرء قط إلى أي ضغط لأسفل على الطين.


والخليط الرطب له عدة عيوب؛ فقوالب الطوب تنكمش أكثر من اللازم، حتى أنها تتشقق أحياناً أو تلتوي، وهي تلتقط أثناء جفافها الكثير من القذر من أسفلها، بحيث يكون على البنّاء أن يضيع وقتاً في تنظيف كل قالب طوب قبل رصه.


وقد صُمِّمَتْ آلة ضغط يدوية تُمكِّنُنَا من صُنع قوالب الطوب بالضغط باستخدام خليط أجَفَّ كثيراً، وبهذا قضينا على هذه العيوب، وتترك القوالب التي صُبَّتْ حديثاً لتجفَّ في الشمس، وتقلب على جنبها بعد ثلاثة أيام، ثم تؤخذ إلى مكان تشوينها بعد ستة أيام.


وهناك يُحتفظ بها لأطول ما يمكن (كل الصيف فيما هو أفضل) لتجف تماماً قبل استخدامها في البناء.


وبناء القرنة يحتاج إلى قوالب طوب بالملايين.


ولإنتاج القوالب بهذا القدر فإن الأمر ليتطلب استحداث الوسائل للتأكد من أن يظل الإنتاج كبيراً وأن تظل النوعية جيدة، ويتطلب أيضاً استحداث الوسائل للتحكم في تكلفة العمل.


وقد صُمِّمَ مضرب الطوب عندنا بهذا الهدف.


ولَمَّا كان إنتاج القوالب يشغل دورة ستة أيام، فقد زود كل فريق عمل بستة أحواض للخلط وستة مواقع للصب.


وكان من اللازم نقل التربة الناتجة من تطهيرات ترعة الفضلية، باستخدام عربات ديكوفيل*، أما الرمل فمن الصحراء باستخدام شاحنات اللوري.


ويجب أن يتم ملء الأحواض بالتناوب، واحد في كل يوم، ويترك ليومين؛ ثم تضرب القوالب.


وكل موقع للصَّبِّ يكون كبيراً بما يتسع لثلاثة آلاف قالب -الناتج اليومي المحسوب لفريق من أربعة رجال- وترص هذه القوالب في صفوف كل منها من 32 قالباً، وبهذا يسهل التأكد من عدد القوالب المضروبة.

----------------------------------------------------

* عربات صغيرة للشحن على قضبان حديدية ضيقة.

(المترجم).

----------------------------------------------------

وقد تم حساب العدد 32 بملاحظة عدد من القوالب التي لا يستطيع الرجل الجالس رصها جنباً إلى جنب وهو مرتاح، والرجل الواحد يستطيع رص 16، والرجلان يرصان 32.


وينتقل الفريق في اليوم التالي إلى موقع الصَّبِّ التالي، أما في اليوم التالي ذلك فإن على واحد منهم أن يعود ثانية إلى الموقع الأول ليضع القوالب على جنبها، وفي اليوم السادس تنقل القوالب بالعربات.

يوم العمل    ملء الحوض    صب القوالب    تقليب القوالب    نقل القوالب

1    (1)    (5)    (3)    (6)

2    (2)    (6)    (4)    (1)

3    (3)    (1)    (5)    (2)

4    (4)    (2)    (6)    (3)

5    (5)    (3)    (1)    (4)

6    (6)    (4)    (2)    (5)

7    (1)    (5)    (3)    (6)

8    (2)    (6)    (4)    (1)

9    (3)    (1)    (5)    (2)

10    (4)    (2)    (6)    (3)

11    (5)    (3)    (1)    (4)

12    (6)    (4)    (2)    (5)

 

والحقيقة أنه كان لدينا خمس فرق عمل؛ وهكذا كان إجمالي ما لدينا هو خمسة أحواض، خمسة مواقع صب.


ومن الوجهة المثالية فإن مضرب الطوب هكذا ينبغي أن يكون موقعه خارج المنطقة المُخطَّط بناؤها، بحيث لا يلزم أن يُنقل عندما يُحتاج إلى موقعه.


وفوق ذلك فإنه عندما يكون خارج منطقة البناء، يمكن الإبقاء عليه دائماً؛ وسوف يكون مفيداً للقرية التي ستظل دائماً تبني المنازل وترممها.


وينبغي أيضاً أن يكون الموقع بين قناة تَمُدُّ بالمياه ومصرف يصرفها بعيداً، وأن يكون قريباً من مصادر التربة؛ وإذا تم حفر بركة صناعية، فإنه يكون قريباً من ناتج تطهيرها.


أما في القرنة فقد كنا نعمل في موقع محدود، ولم نتمكَّن من بناء مضرب طوب دائم.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 11:20 pm

بيت الفلاح
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit459
هناك فارق في النوع بين بيت الفلاح وبيت ساكن المدينة، فحياة أسرة الفلاح كلها تعتمد على بقرة أو بقرتين وعلى فدان من الأرض أو ما يقرب.

ولو ماتت البقرة أو خاب المحصول، فإن الأسرة تجوع حتماً، ذلك أنه ليس هناك مشروع تأمين ليُنقذها، وما من إعانات ولا مطابخ لحساء حكومي مجاني.

والفارق بين طريقة حياة الفلاح وساكن المدينة ينعكس على بيتيهما.

فبينما يُقصد بالبيت في المدينة أن يكون فحسب مأوى للناس الذين يعيشون فيه، فإن البيوت في القرية يجب أن تحوي أنواعاً كثيرة من المخازن الواسعة كما تحوي أيضاً ماشية الفلاح.

والمطبخ في المدينة هو حجرة صغيرة فيها موقد، وحوض وصنبور.

أمَّا في الريف فتنتشر منطقة الخدمة عبر البيت كله وبدلاً من خزانة صغيرة مُعلّقة إلى الجدار فيها عُلبتان أو ثلاث من الصفيح ورغيف خبز، فإن بيت الفلاح فيه مقتنيات ومخزونات تتدلّى من السَّقف.

وملابس مُعلّقة على قطعة من حبل مشدود عبر الزوايا، وحُبوب مُكدَّسة فوق الأرضية، ومُقتنيات عجيبة محشورة في كوى صغيرة تُصنع في الجدران الطينية أو هي توضع مُتَّزنة على أفاريز طينيَّة تعمل كأرفف.

وبدلاً من نقطة مصدر للكهرباء أو صفيحة صغيرة من الكيروسين، فإن البيت يتكدَّس بالوقود؛ حِزَمُ الحطب، وأعواد الذُّرة، وحطب القطن، والرَّوث المُجفَّف، كلها مُكوَّمة إزاء الجُدران أو مُكدَّسة على السَّطح.

وثمَّة دَجاجات تجري داخله خارجة بين التّراب والأطفال، بل وحتى أبقار من داخل البيت نفسه، بحيث يبدو أشبه بحظيرة يأوي إليها بعض الناس أكثر مِمَّا يبدو كبيت حقيقي لعائلة.

والفلاح يعيش أقرب ما يكون للعوز حتى أنه لا يحتمل أن يهمل أي وجه من وجوه التوفير مهما كان مُرهقاً.

وهو يجد في جمع الوقود ليخبز عيشه الخاص لأن هذا يوفر له ملاليم في الأسبوع  يعيش على الجُبن القريش المصنوع من اللبن منزوع الدَّسم لأنه يبيع الزبد ليكسب نقوداً.

وهو لا يتذوَّق خضراً خضراء لأن أرضه كلها تُزرع بالمحاصيل المُجزية، فهو على شفا مجاعة تحيق به.

ورغم أن النيل لا يخيب أبداً وأن المحصول دائماً أكيد إلا أنه في مصر، حيث يعيش ستة وعشرون فردًا على كل ستة فدادين من الأرض الزراعية، وهذا لا يضمن للفلاح إلا أن يظل يعيش بنفس التغذية غير الكافية مثلما كان عليه في عامه السابق.

وهو لأجل أن يحتفظ حتى بمستوى معيشته الحالى البائس يجب أن يُخزِّن كل آخر ورقة وحبَّة من أي محصول يمكن أن يبيعه وأن يُعامل أبقاره في غِيرَةٍ وحنان مثلما يُعامل أطفاله، بل وأكثر من ذلك في الحقيقة، ذلك أنه يقول أنه لو مات له طفل فسيُمكنه أن ينجب الكثيرين غيره، ولكن لو ماتت بقرة فإنه يجب أن يدفع ليشتري بدلاً منه.

وهكذا فإن علينا أن نوفّر في بيوت القرنة مساحة للتخزين وحظائر كبيرة للماشية.

وقد فكّرنا في بدائل شتّى فالوقود الذي يُختزن عادةً في مصر فوق أسطح البيوت كثيراً ما يُسبِّبُ حرائق مُدَمِّرَة تنتشر لتحرق قرىً بأسرها، بمواشيها، ومحاصيلها، وكل ما عليها.

وإذن فإنه بدا معقولاً أن تُخزَّن هذه المواد سريعة الاشتعال تخزيناً آمناً في مبنى عام كبير، كما بدا صحيّاً بأكثر أن تكون هناك حظائر ماشية عامَّة بعيداً تماماً عن البيوت.

إلا أن الفلاحين ما كانوا ليفترقوا عن محاصيلهم ولا عن ماشيتهم.

كيف يتأتّى أن يظل النساء يجرين طول اليوم في الشوارع العامَّة لإحضار الوقود ولحلب البقر؟          

وإلى جانب ذلك، فإن البقرة تحتاج إلى رعاية مُستمرَّة ولن تكون سعيدة وهي بعيدة عن عائلتها.

وإذن، فلماذا لا تُبعثر البيوت ما بين الحقول، بحيث يتوافر لكل بيت مساحة لكل احتياجاته؟          

ولكن هذا لا يصلح، لأن المنزل المُنعزل الصغير ذا الحماية الضعيفة هو بمثابة طُعْمٌ جِدُ مُغْرٍ للصوص، كما أن توفير الخدمات لمنازل مبعثرة سيكون أكثر صعوبة من توفيرها لقرية صغيرة مضمومة.

وقد خططت بعدها قرية أخرى تُطِلُّ فيها المنازل من الخلف على حدائق للخُضر حيث يزرع فيها الكُرنب وأشجار الفاكهة وحيث تسير الأبقار إلى مذاودها في البيوت على طول ممرَّات صغيرة بجوار هذه الحدائق.

وسوف يحتفظ هذا بالجو الريفي خلال القرية كلها، كما يجعلها بمثابة مصغر لحديقة المدينة، أو هي ((حديقة خضروات للقرية)).

على أنه كان علينا في القرنة أن نُكدِّس المباني معاً لأن الموقع كان صغيراً وكان علينا أن نُوفِّر لكل بيت حظيرة ماشية ومكاناً لمخازنه من داخل المساحة المحدودة المخصصة له.

ولهذا السبب أيضاً، كان لابد أن تكون كل البيوت من طابقين.

وإيواء الماشية علفها والتعامل مع السِّباخ وإيجاد مكان للوقود ولبقايا المحاصيل وللطعام والمُتعلّقات الشخصية هذه كلها مشاكل جابهت الفلاحين لسنوات كثيرة.

وحلولهم لها كثيراً ما تكون حلولاً خرقاء، وبدائيّة، وغاية في عدم المُلائمة، على أننا مازلنا يمكننا التَّعلّم منهم.

فيُمكننا أحياناً أن نأخذ عنهم لمحة إيجابية، كما من أسلوبهم في تجميع كل الخدمات من حول الفناء.

ويُمكنُنا أحياناً أن نرى ما يجب ألا نفعله، مثل تخزين المحاصيل سريعة الاشتعال هي والعلف من فوق أسطح بيوت تحتشد مُتقاربة.

والخدمات المنزلية -من طهي، وغسل، ومراحيض- تجمع من حول الفناء المركزي، الذي يكون له مقعد مفتوح يمكن للعائلة أن تأكل فيه.

والدُّور الأرضي فيه أيضاً غرفة الضيوف وحظائر الماشية.

أما الدُّور العُلوي فتوجد فيه غُرف النوم وخزانة لخزن الوقود.

ويتخذ موضع هذه ليكون مكاناً ملائماً بالنسبة لمكان نيران الطهي والفرن، وإنها تكون محميَّة بحرص من خطر الحريق بأن يُرفع من جوانبها، وبأن يكون موقعها بحيث تحتمي من خزانة الوقود التي في البيت المُجاور بواسطة كُتلة غُرف النوم.

والانثروبولوجي الذي يُعنى بدراسة الإنسان، ينزع إلى أن يُحَدِّدَ مراحل تقدُّم الإنسان حسب ما يستخدمه من الأدوات، وهكذا فإن المدينة ظلّت تتواصل ابتداءً من العصر الحجري، ومروراً بالعصر البُرُونزي، فالحديدي، حتى عصر البُخار والكهرباء.

ويمكن للمهندس المعماري أن يَخُطَّ مقياسه المُوازي لذلك، حيث علامات التَّدرُّج تكون حسب وسائل الخدمات المنزلية التي يستخدمها الرجل، والمرأة.

فهو سيلحظ عصر استخدام حوض المطبخ، وعصر السِّباكة، وعصر الثلاجة، وهلُمَّ جَرّاً؛ وسيرصد أيضاً أن معظم الفلاحين هم من الوجهة المنزلية يعيشون مُتخلّفين في العصر الحجري.

وتجهيز المطبخ بما يُساير أقصى المعايير حداثة سيُكلّف الفلاح أكثر مما يكسبه طول حياته كلها.

فالثلاجة أو المَوقد الكهربائي لهي أبعد من متناول موارده بُعْدَ الطائرة.

بل إن التجهيزات البادية التواضع مثل حُوض متين للغسيل، أو حوض غسل الوجه الخزفي، هي بالنسبة إليه غالية جداً.

وبصرف النظر تماماً عن حقيقة أن القرية ليس فيها كهرباء ولا صرف صحي، فإن الفلاح لا يستطيع تحمُّل ثمن أبسط الضرورات المنزلية كما تباع في المحلات.

وإذا كان لبيته أن يكون أكثر إمتاعاً في الحياة وأكثر سهولة في إدارته، فإنه يجب ابتكار تجهيزات بسيطة تُصنع محلياً وتؤدِّي نفس المُهمَّة التي تؤدِّيها تجهيزات المدينة الغالية المصنوعة في المصانع.

والفلاح يفتقر إلى أشياء معدودة، من غيرها لا يستطيع تحسين بيته كثيراً وأول شيءٍ هو المساحة؛ والثاني هو القُدرة على تنظيم الوحدات المُنفصلة في كُلٍّ مُمتع له كفاءته؛ والثالث هو بعض مواد يحتاج إليها، ولو بمقادير صغيرة، لينفذ التحسينات في البيئة المحيطة.

فبقليل من الإسمنت، مع مواسير معدودة، وكيس جبس، يمكنه أن يصنع لنفسه فُرناً لا يملأ الغُرفة دخاناً، ومِرحاضاً صحياً، ونظاماً يوفر له ماءً جارياً، وبقليل من التَّخيُّل، يمكنه أن يصنع لنفسه مصطبة يرتفع بها بنيران طهيه بعيداً عن التراب.

والإسمنت والجبس لا يتواجدان في القرية، وإنما يتواجد الفخّار.

والقرويون في مصر العُليا يُخزِّنُون زيتهم  ولبنهم، وماءهم، في قدورٍ فخاريةٍ غير مصقولةٍ يصنعونها بأنفسهم.

وهي بالنسبة للماء أداة مُمتازة، لأنها تُبرِّدُهُ، أما بالنِّسبة للزَّيت واللبن فهي ليست كذلك، لأن هذه المواد تتسرَّب من خلال الفخَّار وتفسد في الوسط منه.

ولو أمكن فحسب أن يصقل القرويون قدورهم، فإنها ستكون أدوات معقولة للغاية.

ولو كان لها مادة صقل جيدة يمكن حرقها في درجة منخفضة، فإننا سنستطيع استخدام فرن القرية أيضاً في صنع فخار مصقول لأغراض كثيرة أخرى.

فلو أمكن إنتاج بلاط القاشاني رخيصاً.

فإنه سيرتفع ارتفاعاً عظيماً بمستوى الرفاهة في البيوت، وسيُمكنُنا أن نُبَطِّنَ بالقيشاني أجزاء من الجُدران بحيث يسهل غسلها، وحيثما أمكن للناس مسح القاشاني أو رشِّهِ برذاذ من الماء فإن ذلك يُسَهِّلُ من العمل المنزلي ويجعل  الجُدران أنصع.

وينبغي أن نضع بلاطاتنا القاشانية الناعمة غير النَّفاذَّة على جوانب الأَسِرَّةِ المُبيَّتة في الحائط، وعلى ظهور المقاعد، وعلى أرضية مصطبة الطبخ، ولتبطين الأصونة بدلاً من الطين الذي يجمع الحشرات.

وبلاط القاشاني سيُدخِلُ التباين أيضاً، بحيث يكون ثمَّة تبادل في نسيج الجدران بين الأسطح المُلوَّنة الصلبة اللامعة، والخلفية اللينة للطين المطلي بالبياض، بل وحتى جسد الإنسان له سطحه اللين، البشرة، وسطحه الصلب، الأظافر؛ وسيكون بلاط القاشاني كالأظافر لبيت طوب اللبن.

وصناعة القاشاني المُزدهرة ستُشَجِّعُ أيضاً من فن التجميل.

وفي رشيد ودمياط، حيث كان يتم إنتاج القاشاني فيما مضى، كان بلاطه يستخدم استخداماً رائعاً في تجميل أسفل الجدران في البيوت هناك.

ولو أصبح بلاطنا القاشاني رائجاً، فإنه يمكننا أن نجعل الأطفال يرسُمُونهُ ونبني مدرسة لرساميه في القرنة.

وصناعة كهذه ينبغي ألا يكون ابتداؤها أمراً بالغ الصعوبة.

وقد كان المصريون القدماء يصنعون السيراميك بإتقان كامل؛ ففي قبر زوسر الذي ينتمي للأسرة الثالثة، غُطِّيَتْ الجُدران ببلاطات القاشاني الزرقاء.
----------------------------------------------------
* كُتِبَ هذا الكتاب في الستينات ليصف ريف مصر في الأربعينات قبل أن تصل الكهرباء للريف، وقبل موجات الهجرة النفطية التي أدَّت إلى بناء البيوت الإسمنتية في القرى حيث الكثير من الأدوات المنزلية الكهربائية الحديثة.
(المترجم).
----------------------------------------------------
وقبور القرنة القديمة مليئة بتماثيل صغيرة وجعارين مصنوعة من فخار مصقول.

ومازال مُزَيِّفُوا الآثار للآن يستطيعون صناعة جعارين مُقلّدة مثل تلك القديمة، وإن كانوا عادةً يحصلون على مادة صقل جديدة بنزعها بالصهر من أجزاء من الفخار القديم، بدلاً من صنع مادة صقل جديدة من مواد خام.

والمصنوعات المُقلَّدة يبلغ من إتقانها وجمال صياغتها ونقشها أنها تُباع بأثمانٍ عاليةٍ حتى عندما يُعرف أنها حديثة الصنع.

والشيخ عمر المطاعني واحد من أحسن الحرفيين في هذا المجال، وفي استطاعته أن يبيع جعارينه مقابل جنيهين للواحد.

وقد طلبت منه أن يُساعدني في تكوين مدرسة للفخّار المصقول والسِّيراميك، على أنه لم يكن هناك ما يمكن أن يُحِثُّهُ على التفريط في أسرار مهنته، ونفوره هذا، وإن كان فيما يُحتمل ناشئاً عن خوف مفهوم من المُنافسة، إلا أنه كان يُحبطني أيُّمَا إحباط.

وكان ينبغي أن نبدأ مدرسة يمكن فيها تعليم حِرفة الفخار بطريقة علمية، وحيث يمكن إجراء أبحاث على مواد الصقل التي تصلح عند درجة حرارة الأفران المحلية، كما ينبغي أن نحاول تصميم أفران بسيطة يمكن أن تصل إلى درجات حرارة أعلى.

ومدرسة كهذه سوف تُتِيحُ للقرية صناعة يمكن لها بالوقت والتجارب أن ترسخ بصفة دائمة وتُطوِّر من طُرُقها وأنماطها الخاصة بها.
* * *




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 11:38 pm

غرفة النوم
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit460
أشكال الحجرات في البيت تنشأ عن طبيعة مادة البناء، وطوب اللبن تتغيَّر خواصه الفيزيائية عندما يُصبح جافاً صلباً أو عندما يُصبح مبتلاً ثانية.

وثمَّة تخطيط  للغُرفة يبدو أنه يتلاءَم تماماً ومعمار طوب اللبن.

وهو الغرفة المُربَّعة ذات القبَّة، والتي تخرج منها تبييتات مقبيّة، بما يقلد تصميم القاعة في المنزل العربي القديم ببهوها الوسطى العالي، وخلوُّها من الأثاث، وربما يكون للقاعة نافورة صغيرة في منتصفها، بينما تخرج منها الإيوانات، وكل قد بنيت فيه مقاعده المبيتة، وبساط القاعة يمتد فوق وسط الأرضية، ومشاياتها تدور بالأطراف ليسير عليها الناس.

ويمكن العثور على بيوت من هذه في القاهرة القديمة، فيها بهوها المميز الوسطى -الدرقاعة- الذي يمتد من فناء مفتوح، والتخطيط كله فيه ما يذكر ببيت عراقي قديم أو بيوت الفسطاط الأولى، ذات الفناء الوسطى، والإيوانات على جانبيه، وقد استخدمت هذه الخطة الأساسية في بيوتي التي بنيتها قبل القرنة، واستخدمتُهُ في المدرسة، لحُجُرات الدِّراسة، كما أن كان أيضاً مُواتياً ومواتاة طبيعية جداً للغرف الخاصة في القرنة الجديدة.

والسَّقف المُقوَّس المصنوع من طوب اللبن يستمد كل ما فيه من متانة من شكله الهندسي.

وحتى يجعل المرء مادة متواضعة وضعيفة هكذا تمتد من فوق غرفة، فإن هذا يتطلّب منه عناية خارقة في تصميم القبو وكرماً بالغاً في حَدِّ الأمان الذي يتخذه.

والآن، فرغم أن القبو هو من أوجه كثيرة متين ومُلائم بما يكفي، إلا أنه ليس في متانة القُبَّة.

وإذا كان يمكن لبحر قبو أسطواني من طوب اللبن أن يصل امتداده لثلاثة أمتار، فإن بحر القبة يصل إلى خمسة أمتار.

فشكل القُبَّة الكُروي له كل مزايا الشكل البيضاوي أو مزايا المحارات الإسمنتية الحديثة بتقوّسها المزدوج وهي التي تستخدم الآن لتغطية قاعات الموسيقى، والهناجر، والمُدرَّجات المسقوفة في كل أوروبا وأمريكا.

وأعظم عدو لطوب اللبن هو الرُّطوبة.

وقد يبتل الطين من المطر، أو النَّدى أو من ظاهرة الجاذبية الشعرية من الأرض، أو من مُجرَّد الرُّطوبة التي في الهواء.

ويمكن استخدام أنواع علاج مختلفة للاحتفاظ بجفاف الطين، أو بمعنى آخر لتطويق آثار الرُّطوبة.

فيجب منع تسرب المياه من أسفل، ولا غنى في السقف عن مدماك مضاد للرطوبة، بينما يمكن توفير الحماية لقوالب الطوب بتلييثة مضادة للماء مصنوعة من تُربة مُثبَّتة بالبيتومين.

وما إن تتم حماية قوالب اللبن من الرطوبة فإنها تبقى دائماً أبداً.

وهناك أبنية مقببة وغير محميّة تماماً، في البجوات وواحة الخارجة وقد تحمَّلت الرِّياح والعواصف الترابية في الصحراء طيلة 1600 سنة، وذلك لمجرد أنها لا تصل إليها الرطوبة.

أمَّا بالنسبة للفلاح العادي، الذي يعيش في مكان رطب، فإن هذه الأنواع من الحماية تكلفتها أغلى مما يطيقه أو هي ليست مما يوجد في متناول يده.

ورغم أن مناخ القرنة جاف جداً، فقد كنت أوَدُّ أن تكون المثال الحق للقرية، الذي يمكن أن تُقلد مبانيه بأمان بواسطة أي فلاح في أي مكان في مصر دون أي مساعدة تقنية.

ولهذا السبب اخترتُ أن يكون بحر القبة ثلاثة أمتار وبحر القبو مترين ونصف المتر، مع زيادة سُمك الجدران على كل جانب من الإيوانات بخمسة وعشرين سنتيمتراً.

وهذا يجعل البنية قوية جداً، بحيث أنه إذا تمَّت حمايتها فحسب بمدماك عادي مُضاد للرّطوبة وبتلييثة بسيطة فإنها ستتحمل أي جو في أي مكان.

ولتسقيف حُجرة كهذه، بنينا أولاً القبو من فوق الإيوان.

ثم استخدمنا هذا القبو كشدَّة للعقد الذي يجب أن يحمل القبة من الناحية المفتوحة.

ومع بناء حلقتين من القوالب من فوقه عند طرفه، وكان في هذا ما يكفي لتقويته ليتحمَّل القبة.

وعادةً، فإنه بسبب ميل مداميك القبو تجاه الجدار الخلفي، فإن الجُدران الحاملة للقبو يجب أن تنتأ قليلاً في المربع الوسطى؛ وهكذا فإن قمة العقد ينبغي أن تكون مُحاذية تماماً للجُدران لتوفّر للقبَّة شكل مُربَّع مُتقن تستقرُّ من فوقه.

والغُرفة تستخدم كالتالي: التبييتة المقبية، أو الإيوان تحتوي على سرير مبني مُبَيَّتٌ فيها، مع مُتَّسعٍ للاحتفاظ بأشياء من تحته، وحوض عقرب لحجز هذه الحشرات لو حاولت الوصول إلى السرير.

وفي مقابل تبييته المُضَّجع يوجد قبوٌ آخر صغير من فوق صوان، وهذا بديل أنيق للحبل المُعتاد الذي يُعلِّق الفلاح عليه ملابسه ومُتعلّقاته الأخرى.

وهكذا فإن المنطقة الوسيطة يُحتفظ بها خالية من الأثاث فتُعطي إحساساً بالاتساع والكرامة للغرفة.

وفي هذا تحسين كبير لغرفة الفلاح المُعتادة.

التي هي مكان صغير مُظلم سَيِّءُ التهوية.

والقروي ليس لديه نافذة، أو هو عندما تكون لديه واحدة فإنه يُعِدُّهَا إعداداً سيئاً للغاية بحيث تكون مصدراً لتيار هوائي، فيسُدُّها تماماً ويُحْدِثُ كُوَّةً صغيرة عالياً قُرب السَّقف.

أمَّا عندما ينام في المُضَّجع المبيت في البيت الجديد، وقد دُسَّ بعيداً خارج الخط المُمتد من الباب للنافذة، فإنه سيكون مكنوناً تماماً بغير إزعاج من التيارات الهوائية.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 11:49 pm

الخبيز والتدفئة
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit461
فرن الخبيز موجود في فناء بالركن، وهو فرن طيني عادي مما يمكن شراؤه من السوق.

وثمَّة تقليد بأنه عندما تخبز إحدى العائلات فإنها يجب أن تسمح للجيران المُباشرين بأن يخبزوا عيشهم في فرنها، وهكذا فإن العائلات تخبز كل ثالث يوم فتقتصد في الوقود.

والشتاء في مصر يمكن أن يكون بارداً تماماً، وهكذا فإن الفلاحين.

يستخدمون وسائل شتَّى لتدفئة بيوتهم.

وكثيراً ما يكون لديهم فرن خبيز داخل حجرة النوم بالإضافة إلى فرن الفناء.

ولهذا الفرن حجم كبير, يلتهم مساحة كبيرة من الغرفة.

ولَمَّا كان بلا مدخنة، فإن الدُّخان يتدفّق منه, ويلتف حول الغرفة ليخرج من الباب.

والغرفة من الدَّاخل تكاد تكون من غير أي تهوية مُلائمة، وهكذا فإنها تُصبح من الدَّاخل سوداء بالسِّناج مِمَّا يجعلها قاتمة فاسدة الهواء بما لا يُحتمل.

ولَمَّا كان فرن الخبيز غير كُفء كأداة للتدفئة, فإن العائلة كلها يكون عليها عادةً أن تنام من فوقه (بالطبع بعد أن ينطفئ) وكثيراً ما يؤتَى بالأبقار إلى الداخل لتُشارك في الدفئ وتُضيف إليه.

ومَنْقَدِ الفحم هو إحدى الوسائل الأخرى الشَّائعة للتدفئة, والتي تُستخدم خاصَّةً عندما لا يكون هناك خبيز فلا تشعل نيران الفرن.

على أنه أيضاً يُعطي دفئاً جِدُّ قليل وينفث أدخنة أول أكسيد الكربون السَّامة.

ففرن الخبيز ومَنقد الفحم كلاهما ليس كُفئاً بالمرَّة, وكلاهما خطرٌ على الصحة.

لإيجاد وسيلة فعَّالة ورخيصة لتدفئة, يجب أن تذهب إلى مكان حيث المناخ بارد حقاً والناس فقراء, وقد ذهبت لهذا الغرض إلى النمسا, حيث اكتشفت في قرى التيرول أداة ممتازة لتدفئة والطهي ظل الفلاحون هناك يستخدمونها عبر القرون.

وهي ما يُسَمَّى فرن كاتشل (Kachelofen)، وهو موقد له من داخله نظام مُعقّد للغاية من الفواصل التي توجِّه غازات الاحتراق السَّاخنة وراءً وأماماً لتتيح المزيد من الوقت التي تشعُّ فيه الحرارة لداخل الغرفة قبل أن تهرب الغازات.

وبعد أن يحترق الوقود مُخلّفاً قطعاً معدودة من الفحم المتوهِّج, فإنه يُمكن إخماد المَوقد بإغلاق باب النِّيران والمَدخنة, بحيث يواصل بَثَّ دِفْئٍ مًريح طوال الليل مثلما تفعل قِرْبَةِ الماء السَّاخن في السَّرير.

والفُرن النمساوي مصنوع من مواد بسيطة جداً: ففي الداخل بلاط من طفل حراري, ومن الخارج بلاط قاشاني لتجميل يسما كاتشل (Kachel) هو مما قد أصبح تصميمه وتنفيذه من الفن الفولكلوري المعروف.

وهناك نوع  آخر أكثر بساطة له جدران رقيقة من حصى كبير مفلطح يؤخذ من قاع أحد الأنهار ويُرَصُّ في ملاطٍ جيري صافٍ.

وبالنسبة لمصر فإن تحقيق القاعدة التي في الفرن النمسوي بأرخص مادَّة مُمكنة يبدو كحلٍ واعدٍ أقصى الوعد لمشاكلنا في التدفئة.

وقد وجدتُ امرأة عجوز كانت تصنع أفران القرية العادية للخبيز من الطين ومن فضلات الحمير, وعلّمتُها أن تصنع المَواقد النمساوية من هذه المواد نفسها.

وقد تعلّمتها سريعاً جداً وسُرعان ما أمكنها إنتاجها بالثَّمن نفسه مثل أفران الخبيز, وهو ما يقرب من ثلاثين قرشاً.

وهي تحرق أي شيء حتى كِنَاسَة البيت وفضلات المطبخ؛ وصُمِّمَتْ للعائلات الأغنى نمطاً يعمل بنقط الزيت والماء ويشتعل مثلما يشتعل الفرن.

وأقيم داخل غرفة النوم إزاء الجدار, نمط مَوقد يشتمل على فرن خبيث, وباب الفرن فيه يفتح للخارج على الفناء.

وثمَّة نمطٌ آخرٌ للتدفئة فقط يُمكن وضعه في أي مكان, وصُمِّمَتْ البيوت ولها مداخن في أنسب الأماكن حيث يُمكن الاحتياج لمواقد نمساوية حتى إذا ما تمَّ شراؤها لا يبقى إلا توصيلها بها.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالأحد 29 ديسمبر 2019, 11:58 pm

الطهي

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit462
المرأة الفلاحة تطهو عادةً فوق نار تُقام على الأرض، وهي تُقلِّبُ الطعام في حلة تُوضع فوق قالبين من الطوب يحيطان بالنار، وهي تطهو صيفاً في الفناء، وشتاءً داخل البيت.


ويكون للنار دُخَّانُها، كما يكون الطعام قريباً من الأرض فيُصبح مُترباً، وأحياناً تُمسِكُ النيران بكميات الوقود الكبيرة التي يُحتفظ بها على مَقربَةٍ فتحرق البيت بل وتحرق القرية كلها والاستخدام الدَّائم للنيران المفتوحة في داخل البيت يملأ البيت برائحة الطبيخ ويُسَوِّدُ الجُدران بالسِّناج، وهذا عيبٌ يضاعف منه الوقود المُستخدم، أعواد حطب القطن المُجفَّفة وأعواد الذرة، وأي نوع من عيدان الحطب أو القش يمكن جمعه من الحقول.


وهذه المواد تُعطي حرارة قليلة، وتشغل قدراً هائلاً من المساحة، كما أنها مادَّة ممتازة لإنتاج دُخان بلا نيران.


وكانت مُشكلتُنا أساساً هي مُشكلة إعادة ترتيب نظام الطّهي والتّخلّص من الدُّخان.


وأول ما يلزم فعله هو صُنع مطبخ دائم، يتمُّ فيه إعداد وطهي الطعام صيفاً وشتاءً.


واخترت لهذا غرفة عائلية أو المقعد المفتوح التي تفتح جنوباً على الفناء والتي تمتد منها غرفة النوم.


وقد رتَّبْتُ من قبل أن يتمَّ خزنُ الوقود على السَّقف بطريقة بعيدة عن الخطر.


ووفَّرت الآن في المطبخ خزانة كبيرة سهلة الاستعمال للوقود، على يمين المَوقد ويمكن رَصِّ الوقود فيها من أعلاها، ويُجذبُ للخارج من فتحةٍ في مستوى الأرضية.


ولم يتم تصميم المَوقد نفسه إلا بعد ملاحظة طويلة، وتحليل حريص لحركات المرأة أثناء الطهي.


وحيث أن القرنة حارة جداً، فقد كان واضحاً أن من المُهم الاحتفاظ بوضع الجلوس القرفصاء للطهي، حيث تبين أن هذا الوضع أريح كثيراً من وضع الوقوف.


وضمنت النيران بالداخل من موقد دائم له شبكة من طوب حراري تحمل الحلل، وله كبُّود ومدخنة من فوق لتجميع أدخنة الطهي وتوجيهها بعيداً والحقيقة أن النتيجة النهائية كانت تُماثل تماماً المَوقد المعتاد للمطبخ في الكثير من البلاد الأوروبية، وإن كان ارتفاعه قد خُفِّضَ ليُصبح ما يقرُب من اثنتي عشرة بوصة.


على أن من المُهم أن نُلاحظ من وجهة التصميم الوظيفي، أنه لم يكن مِمَّا يصلح أن نختصر الطريق، وأن نفترض ببساطة، دون تحليل لطريقة استخدام الوحدة، أنه ما دامت المرأة المصرية تجلس للطهي، فإن حَلَّ المُشكلة يكون باستخدام نُسخة من الوقود الأوروبي ارتفاعاً أقل.


فقد يقع المَرْءُ في كل أنواع الأخطاء الخطيرة عندما يتِّخذُ موقفاً كسولاً هكذا.


وإلى اليسار مباشرةً من المَوقد يوجد حوض، يُمد بالمياه من خزان بالسَّطح، من خلال ماسورة، ويتم تصريفه إلى مُرشح حجز للشُّحوم، ثم إلى بئر الصَّرف المحفور في الفناء.


وفي الصيف يكون إشعال الموقد النمسوي في غرفة النوم للخبز عليه أمراً فوق القدرة على الاحتمال، ولهذا وفَّرت أيضاً موقداً ثانياً صيفياً خارج منطقة المطبخ، وقد أثبتت هذه المواقد شعبيتها وبراعتها.


وحتى عندما كان أصحابها يستخدمون مواقد البريموس* فإنهم قد وجدوا أنه من الملائم أن يضعوها في الفرن تحت الكبُّود، الأمر الذي أبهجني أيُّمَا إبهاج، فليس هناك ما هو أقبح وأشدُّ وساخة وقذارة من موقد البريموس في غرفة النوم وقد وضعت عليه حلّة مُلوَّثة بالشّحم والسِّناج تُجاورُ لحافاً مُلوَّناً في أشَدِّ الحاجة لأن يُغسل، (ويبدو بطريقة ما أن الاثنين يدعم كل منهما قذارة الآخر).


والتوصُّل إلى إخراج الحلة من غرفة النوم لهو خطوة طيبة للوصول إلى منزل مُنَسَّقٍ رحيب.


والمطبخ يمكن أن يكون منه حجرة جميلة، خاصَّة عندما تكون أدواته مصنوعة محلياً، أما عندما تكون هذه الأدوات في غير موضعها، فإنها تُصبح مركزاً للقبح يُفسد سائر المنزل كله.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 12:11 am

الإمداد بالمياه
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit463
مشكلتنا الرئيسية لتوفير حمَّام، ودش، ومغسلة ملابس، ومِرحاض، هي الإمداد بالمياه وتصريفها، ولقد جمعت هذه الوحدات مُتقاربة، بحيث يُمكن تصريف المياه المُتخلّفة بسهولة، ويتم الإمداد من جِرَارٍ كبيرةٍ مصقولةٍ لتخزين المياه على السَّطح.

وجِرَارِ التَّخزين هذه، التي يلزم إعادة مَلْئِهَا باليد من مضخَّات عُمومية قد تبدو كمطلب أدنى درجة من مطلب توفير مياه جارية لكل بيت.

والحقيقة أنه مع كل مزايا المياه الجارية، فإنها مما يجب ألا يدخل إلا بحذر وبعد أن يتم النظر بعناية في تأثيرها في المجتمع.

ففي الهند، حيث تم إمداد قرى مُعيَّنة بماءٍ نقيٍ من صنابير في البيوت، ظلّت البنات يُفضِّلن الذهاب إلى النهر ليعُدنَ ثانيةً وقد جلبن فوق رؤوسهن جِرَارَاً ثقيلة من الماء القذر.

ذلك أن جلب الماء كان عُذرهُنَّ الوحيد للخروج، وبالتالي فهو فرصتهنَّ الوحيدة لأن يراهنَّ شباب قريتهنَّ.

والفتاة التي تبقى في المطبخ، لتسحب من المياه من الصُّنبور لن تتزوَّج أبداً.

وهكذا فإننا نرى المرَّة بعد الأخرى في المُجتمع القروي، سواءً في الهند أو في مصر، كيف أن الإطار الجامد للتقاليد التي تبدو عتيقة إنما يؤدِّي إلى خدمة أنواع شتَّى من الأهداف العلمية بما هو غير مُتَوَّقَع.

وإذا أزيل عنصر واحد مُفيد من عناصر الحياة التقليدية، فسيكون من واجبنا أن نجعل مكانه عنصراً آخر يؤدِّي نفس الوظيفة الاجتماعية.

فلو أننا مثلاً أزلنا المصدر الجماعي للمياه، لوجب أن نوفِّر وسيلة أخرى لإتاحة عقد الخطوبات، بل ولتسهيل تبادل القيل والقال.

وقد كان إحياء الحمَّام أو المغسل التُّركي هو الوسيلة البديلة التي طرحت نفسها عليَّ، وهو ما ناقشتُ أمره من قبل.

وكُلّمَا زاد رُسُوخُ استخدام الحمَّام بين الأمَّهات في القرية بغرض تقييم جمال وشخصية الفتيات الجديرات بالانتخاب وبغرض ترتيب الزيجات، فإن ذلك سيُقلّل تدريجياً من أهمية المَوكب اليومي لذهاب الفتيات إلى النَّبع كعرض مثير لجذب الأزواج وسوف يزيد النفور منه كمهمة شاقة.
----------------------------------------------------
* طراز موقد شاع استخدامه للطهي في مصر حتى الخمسينات ويُستخدم الكيروسين كوقود ويُعرف بالعامية بوابور الجاز
(المترجم).
----------------------------------------------------

وهكذا فإنه بعد مرور ما يقرب من جيل واحد  قد تُصبحُ نساء القرية على استعداد لاستخدام توصيلات المياه في منازلهنَّ.

على أنه من الصعب تخيُّل قرية في مصر تخلو من منظر نسائها في أرديتهنَّ السَّوداء، وقد انتصبن كالكلمات، وكُلٌ منهنَّ تحمل جرة مياه (البلّاص) فوق رأسها بلا مبالاة، وسيكون من الخسارة أن نفقد هذا المشهد.

ولكن مَنْ يدري، فلعل الانحناء بدلو على صنبور في الفناء قد يؤدي أيضاً إلى زوال هذا الموكب الفخيم الذي اشتهرت به نساؤنا أمَّا في القرنة، فقد انتصرنا في الوقت الحالي على المضخَّات العامَّة؛ فلكل مجاورة أو مجاورتين مضخَّة يدوية، تضخُّ الماء من الأعماق بأسفل حيث يخلو من البكتيريا الضَّارة.

والمضخَّة تُوجد في الدَّاخل من غُرفة صغيرة لها قبَّة، ومُزوَّدة بمقاعد من حول الجدار حيث يمكن للنسوة أن يجلسن ويثرثرن وهن ينتظرن دورهنَّ.

والآبار ونقط مصادر المياه في كل القرى وفي الأحياء الفقيرة بالمُدن تكون مُحاطة بمُستنقع واسع ينجم عن فائض المياه المُتدفقة.

أمَّا حجرات مضخاتي فإن أرضيتها مُمهَّدة وتهبط بدرجتين تحت مستوى الأرضية للتأكُّد من عدم تسرُّب المياه لتوحل الأرض في الخارج.

وفائض  المياه يتم تصريفه بعيداً من خلال مصرف تحت الأرض، يُزوَّد بغرفة تفتيش لحفظه خالياً مِمَّا قد يؤدِّي لسَدِّهِ، وهو يذهب في النهاية لتغذية أشجار الفاكهة في الميدان المُجاور، وهكذا فإن وظيفتي نقطة مصدر المياه يتم القيام بهما جيداً؛ فمن الوجهة العملية سيكون هناك الكثير من المياه النقية، ومن الوجهة الاجتماعية، سيُصبح ضخُّها وسيلة بهيجة مُرطبة لتمضية الوقت على مهل.

وما أن يؤخذ الماء ثانية إلى البيت، فإن الفتاة تحمله لأعلى وتُفرغه في الخزان على السَّطح.

وتوجد هناك جرَّة أو جرَّتان كبيرتان من جِرار قصة علي بابا مغروزتان على السَّطح وتتصلان معاً بمواسير حديدية مُجلفنة.

وهما توضعان في الظل، ولكن حيث يمكن أن يلتقيا تياراً من الهواء ليحفظ الماء بارداً، وهما مصقولتان من الداخل لمنع تسرُّب الماء.

والقِدْرَة غير المصقولة التي تسمح بتسرُّب الماء من خلال سطحها الخارجي ليتبخر، تُبَرِّدُ الماء أكثر، إلا أن الماء المفقود أهمَّ من ذلك، كما أنه ليس من المُلائم أن يُترك الماء لينزل للخارج باستمرار فوق السَّقف الطيني.

وتوضع القِدرتان فوق حُجرة الحمَّام مُباشرةً ويكون لهما مَخرج إلى ماسورة من حديد مُجلفن تخرج من قاع واحدة منهما.

وإذا كان هناك حاجة للماء في مكان آخر فإنه يُمَدُّ من هذه الماسورة خلال مواسير مُشابهة تُعلّق من السَّقف عبر منتصف الحُجُرات، بحيث لو بدأت هذه المواسير في تسريب نقط للماء فإنها ستُسبِّبُ الإزعاج للعائلة، فتكون مُجبرة على إصلاحها، أمَّا الماسورة التي تُنقِّطُ على الجدار فلربما تركوها لشهور لتُواصِلَ تخريب الجدار والجص.

ومن المُمكن أن يُدخل تحسين على هذا النظام بأن يوضع خزان إضافي في الطابق الأرضي وتُرَكَّبُ مضخة يدوية صغيرة لملء قُدُورِ السطح، وبذلك يتم تجنُّب الحاجة إلى حمل قدور الماء لأعلى.

والقرويون عادةً يُخزنُون الماء في الفناء في جِرار كبيرة غير مصقولة تسمى: ((الزِّير))، ويخرجون الماء منها لاستخدامه بواسطة وعاء صغير أو إناء رقيق يسمى: ((الكُوز)).

وهم يمسكون بالكُوز في يد لصب الماء من فوق طبق أو طفل يمسكونه باليد الأخرى.

ولو أمكن إتاحة صُنبُور لهم، فإن كلتا اليدين تُصبحان حُرَّتين لأداء مُهِمَّة الغسيل، مِمَّا يجعل العمل المنزلي أسهل كثيراً.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 8:59 pm

الغسيل
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit464
معظم النساء المصريات يغسلن غسيلهنَّ في الترعة، أو إذا كُنَّ أغنى قليلاً، فإنهن يغسلن في حوض كبير هو ((الطست))، الذي يُعَدُّ جُزءاً مُهمّاً من جهاز العروس ولم يكن في القرنة ترعة، وهكذا لزم أن يوفر للبيوت مكان للغسيل.

وبعد إجراء ملاحظات وقياسات حريصة على الأفراد الذين يقومون فعلاً بالغسيل، بل ومع محاولة اتخاذ أوضاع الغسيل بنفسي، صمَّمتُ نظاماً بسيطاً من حوض ضحل جدرانه وأرضيته من الطوب المليث بالأسمنت، وثمة حامل دائري في المركز لحمل الطست، ومقعد قريب من الحامل قرباً ملائماً، ونقرة مسطحة في أحد الأركان.

وهكذا تستطيع المرأة أن تجلس إلى الحوض مثلما تعوَّدت أن تفعل وتترك الملابس منقوعة في نفس الوقت في النقرة.

وتصل المياه إليها في المواسير من قُدور السَّقف، وعندما تُنهي غسيلها فإنها ببساطة تُميل الطست وتصبُّ المياه في أرضية الحوض، ومن هنا تتصرف المياه بعيداً خلال فتحة من أحد الأركان إلى بئر محفور للصرف.

وحوض الغسيل نفسه يمكن استخدامه لاغتسال الأطفال ولحُجرة الحمَّام.

والحقيقة أني وضعت الأحواض الأولى في زاوية من الفناء، حيث يقوم النِّسوة عادةً بالغسيل، ولكنني في التصميمات اللاحقة نقلت أحواض الغسيل إلى حُجرة الحمَّام الأصلية؛ ويستطيع المُستحم أن يجلس على الحامل المركزي، ويقوم في الشتاء بمزج ماءه الساخن والبارد في النقرة، أو هو في الصيف يستخدم دُشّاً بارداً مُثبّتاً فوق رأسه.

والميزة الكبرى لهذه الأحواض، أنها مثل تلك التي تُحيط بالمضخَّات العُمومية، تمنع الماء الفائض من أن يسري في كل المكان أو أن ينساب خارجاً إلى الفناء أو الشارع.

وهي من غير أن تُخِلِّ بالتقاليد المحلية للغسيل، تجعل العملية كلها أنظف وأنشف.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 9:19 pm

المراحيض
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit465
في مصر يُعاني كل فلاح تقريباً من الانكلستوما وواحد أو أكثر من الأمراض المعوية، التي تتم العدوى بها مباشرةً من فضلات المريض.

وكنتيجة لعدم وجود مراحيض صحية ولا وسائل صحية للصَّرف فقد تفشَّت أمراض التيفود والبلهارسيا والدسنتاريا و الانكلستوما.

وهذه الأمراض بالإضافة إلى أنها تقتل وئيداً مَنْ يُصاب بها، فإنها تُوهن مِنْ قِوَاه فلا يستطيع أن يُحسن أداء عمله ولا أن يستمتع بحياته.

والقضاء على هذه الأمراض مُهِمَّة عاجلة، ويستطيع المهندس المعماري أن يفعل الكثير بهذا الشأن.

فلو أمكن تزويد بيوت القرية بالمراحيض النظيفة، ونظم طرد الفضلات والصَّرف الصحي، فإن نسبة وقوع هذه المصائب ستنخفض انخفاضاً عظيماً.

وقد قامت هيئات كثيرة بإجراء تجارب لإيجاد مراحيض رخيصة ونظيفة.

ولَمَّا كان إنشاء دورات مياه من الطراز الأوروبي أمراً مُكلّفاً للغاية لِمَا تتطلبه من إمداد المياه بوفرة في المواسير، ومن تركيبات صرف واسعة مُعقَّدة، فإن أولئك الذين أجروا التجارب حاولوا استخدام دورات رملية أو استخدام بئر للصرف.

وتتكوَّن الدَّورة الرَّملية من خندقين عميقين، يُستخدمان بالتبادل كل ستة شهور.. ويوجد مقعد على الخندق الجاري استخدامه، ورمل ليلقيه المستخدم على فضلاته.

أمَّا الخندق غير المُستخدم فيُغطى، وبعد مرور الأشهر السِّتة، تُزال محتوياته وتستخدم كسماد.

ولسُوء الحظ تبيَّن عند التطبيق أن مدة الشهور الستة لم تكن كافية لجعل السَّماد غير ضار؛ فقد وُجِدَ أن دودة الإسكارس تظل حيَّة نشطة؛ وهكذا فإن غير السَّماد يكون ضاراً نفس الضَّرر وكأنه ما زال طازجاً.

والنظام الآخر الذي جُرب هو بئر الصَّرف.

ويُحفر بئر الصَّرف عميقاً في فناء المنزل، ويوضع مقعد من فوقه.

ورغم أن هذا النوع عملي، إلا أن فيه شيئاً من عدم الإنسانية، فليس من خُصُوصيَّة في مرحاض في الهواء الطلق.

وكان من المُمكن أن يوضع البئر في دورة مياه دائمة من داخل البيت، إلا أن هذا البئر يمتلئ بعد وقت مُعيَّن ينبغي نقله، وهكذا فإن من المُستحيل أن تُصنع له دورة مياه دائمة من داخل المنزل.

وفوق ذلك فإن من العسير البدء في حفر بئر داخل الجزء المغطى من المنزل، ومن غير الملائم إيجاد مكان جديد للمرحاض كل ستة شهور أو ما يقرب.

وقد قرَّرتُ أنه بالنسبة للقرنة من الضروري إيجاد نوع ما من الصرف المحمول بالماء.

وكان العقيد عبد العزيز صالح، أحد مهندسي الجيش.

وقد صمَّم نظاماً حيث يمكن تنفيذ نظام طرد اقتصادي لقصرية المرحاض بينما يغتسل مستخدمها منظفاً نفسه.

وذلك بتوفير ماسورة ذات صُنبُور واحدٍ يتحكّم في مخرجين، الأول رفيع وتياره ضعيف للنظافة الشخصية، والثاني تياره أقوى للقصرية ذاتها.

ويمكن أن يتم تصريف هذا الماء إلى خزان تحليل يكون مشتركاً لصَفٍ كامل من البيوت -حوالي عشر عائلات- وينبغي أن يكون مما يمتلئ بالماء امتلاءً معقولاً، حيث أنِّي قدَّرتُ أن البيت القروي الواحد سيستخدم ما يقرب من عُشر ما يستخدمه البيت الكبير المتوسط في المدينة.

وخطر لي بعدها أن خزَّان التحليل المُشترك قد يُصبح مصدراً للعِرَاكِ بين الجيران، لأنه لن يكون ملكية خاصَّة ولا عامَّة.

وقرَّرتُ لهذا السَّبب أن أوفِرَ نظام صرف صحي خاص لكل بيت، ويتكوَّن ذلك من غرفة تفتيش كبيرة صُمِّمَتْ لتعمل كخزان تحليل صغير، يتم صرفه إلى بئر صرف في الفناء يعمل كبئر للترشيح، وهكذا يمكن لدورة المياه أن تظل في مكان واحد، وأن يُحتفظ بها نظيفة، وعندما يمتلئ بئر الصَّرف، يمكن حفر بئر جديد بسهولة في مكان آخر في الفناء ويوصَّل له خزان التحليل.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 9:29 pm

الحظيرة
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit466
مشكلة توفير حظائر لماشية الفلاحين لا تنشأ إلا عندما يبدأ الفلاحون في التكدس في قرى، فالمزرعة المعزولة يكون فيها مُتَّسع بقدرٍ مُعَيَّنٍ لإيواء البقر وفيها الكثير من الفضاء المفتوح الذي يحل متاعب بئر لفضلات الحيوانات.

أما القرية التي تتألف من مئات كثيرة من العائلات، كل منها لها بقرتان أو ثلاث، فإن البشر فيها يُجبرون على جيرة غير صحيَّة مع ماشيتهم.

والبقرة تأكل علفاً وتُخْرِجُ رَوَثاً؛ وهذان النشاطان يُحَدِّدَانِ مُهِمَّةِ المهندس المعماري.

فعليه أن يُوفِّرَ للحيوان مُذوداً يسهل اتصاله بمخزن العلف، وأن يُوَفِّرَ طريقة ما لحفظ الرَّوث للتسميد دون أن يدعو كل ذُبَابَ مصر ليتخذ مقامه في القرية.

والفلاح يتغلّب على مشكلة السَّماد كالتالي؛ في كل يوم يُجرِّفُ الفلاح تُربة حديثة فوق الرَّوث على أرضية الحظيرة، التي ترتفع هكذا رويداً تجاه السَّقف، وفي كل فترة مُعَيَّنَة يقتطعُ الفلاح من هذا الخليط لتحمله العربات إلى الحقل.

على أن هذه الطريقة فيها تبديد للسَّماد؛ فالكثير من مكوناته القيمة تتبخَّر هكذا أو تتسرَّب بعيداً.

وأحسن حل هو حفرة السَّماد الأوروبية، وهي خزان مُغطى لا يُسَرِّب الماء يُصرَف إليه كل بُول الحيوانات، ويُمكن أن يُلقى فيه القشُّ وكل الأنواع الأخرى من نفايات الخُضَر ليتكوَّن من ذلك خليط غني للتسميد.

على أن هذا لا يصلح إلا إذا كان هناك ماشية كثيرة، وبقرتان أو ثلاث لا تنتج بولاً كافياً ليتصرَّف إلى الحفرة بنجاح.

ولهذا فقد قرَّرتُ استخدام توليفة من الطريقتين، الاحتفاظ بنظام الفلاح في تغطية الرَّوث بالتُربة، ولكن سيكون عليه أن يُجرِّفُها كل يوم إلى حُفرة مُغطاة لا تُسَرِّبُ الماء.

ومن هنا يُحمل السَّماد بعربات إلى الحقل عند الحاجة إليه.

وهكذا فإن الحظائر تتكوَّن من صف من مواقف، كل منها عرضه ثلاثة أمتار ومغطى بقبو.

وكل موقف عليه بهيمتان وله مذود يمكن ملؤه من ممر يجري من خلف المواقف إلى مخزن العلف.

وثمَّة فناء صغير يمتد من مواقف الماشية وتمتد عبره حفرة طويلة ضيقة جداً، عرضها نصف المتر ومغطاة أيضاً بقبو، ويٌخزَّن فيها السماد.

والأرضية تنحدر من المستوى الأرضي عند أحد طرفي الحفرة بميل يصل إلى عمق يقرب من المتر ونصف المتر عند الطرف الآخر، وهي مثل الجدران مصنوعة من قوالب طوب ومُبطّنة بالإسمنت.

والسَّقف يتكوَّن من القبو المُعتاد من طوب اللبن، وهو في هذه الحالة بسيط جداً في صُنعه لأنه ضيِّقٌ للغاية كي يُغَيِّر هذا التكنيك من مظهر فناء الفلاح!

وبدلاً من أن يجهد في جمع الخشب والقش لصنع مظلات معدودة هزيلة غير مُنسَّقة، فإنه الآن يستطيع أن يستغل ما يشاء من المساحة المُغطاة، ويكون له في هذا البناء حظائر ومخازن لكل الاحتياجات العجيبة للمزرعة، وهو مع رخصه بمعنى الكلمة فيه من النظافة والأناقة ما يعيد تشكيل كل مظهر القرية.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 9:39 pm

مكافحة البلهارسيا - البحيرة الصناعية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit468
البحيرة الصناعية التي خَطَّطتُ لها أن تشغل أحد أركان موقع القرية هي من أكثر المعالم أهمية في القرنة، ورغم أنه يبدو من العبث استخدام جزء كبير من الأرض النافعة كبحيرة، وأنه من غير اللائق لمهندس معماري أن يشغل نفسه بتربية السَّمك والبط، إلا أن عبثي هذا كان ورائه ضرورة توقي مرض يجعل الدماء تجمد في الشرايين.

فالبلهارسيا اسم مرض هو كارثة لمصر.

وكل فلاح تقريباً في هذا البلد مصاب بالبلهارسيا.

والبلهارسيا تقتل، وهي تأكل من قوى الإنسان، وتسمم حياته وعمله ورفاهيته.

والبلهارسيا هي أعظم سبب واحد لتلك العيوب التي تنحدر بحال فلاحينا؛ فتور الشعور وقلة الاحتمال مما يُلحظ في حياة الناس الاجتماعية مثلما في عملهم.

وهي المصير المحتوم الذي لا فرار منه لأي فلاح.

فالماء، الذي يمنح الحياة للإنسان والمحصول، يمنح أيضاً البلهارسيا للإنسان، وكلما دخل إنسان في مياه ترعة أو بركة أو حقل أرز، وكلما تراشق الأطفال بمياه مخاضات لمصارف الري، وكلما غسلت امرآة ملابسها في النهر، فإن البلهارسيا تضرب ضربتها.

كيف يمكن للفلاح أن يبتعد عن الماء؟

إنه لو شفي من البلهارسيا -وإن كان العلاج طويلاً وغالياً وخطراً*- فلابد له حتماً أن يعود ثانية إلى الترع القاتلة.

والماء هو الحياة -للأرز، والذرة، والقطن، ولقصب السكر وللإنسان نفسه- والماء هو موطن البلهارسيا.

ما هو هذا المرض؟

إنه طفيلي يدخل الجسم من الماء الموبوء، ويستقر خاصة في المثانة، والكبد، وفي أعضاء أخرى، مخترقاً إياها، وممتصاً إياها، حتى تصبح كالإسفنجة تنزف.

وهو يتكاثر تكاثراً هائلاً في الجسم، وسرعان ما ينتج عنه الإنهاك، وفقر الدم، والنزف؛ إنها طفيليات خبيثة بما يقتلك.

وعدواها تنتقل من خلال الماء الموبوء؛ فيُمَرِّرُ أحد المُصابين بالبلهارسيا بيض الطفيليات للخارج في بوله؛ وتدخل اليرقات في نوع من القواقع المائية تعيش فيه هانئة حتى تقتله فتخرج منه سابحة في ماء الترعة أو البركة في طور يُسَمَّى السركاريا.

وتظل تعيش في الماء حتى تجذبها حرارة طرف من أطراف الإنسان.

فتخترق جلده، طارحة ذيولها في الخارج، ويحملها تيار الدَّم إلى الرئتين، ثم تصل إلى الكبد والمثانة لتضع بيضها الذي يُمَرَّرُ ثانية للخارج في الماء.

وكل المياه في مصر موبوءة بهذه السركاريا، أوديدان البلهارسيا، وكل فلاح يعمل ويغتسل في هذه المياه الموبوءة.

والفلاحون غالباً ما يستخدمون لري الحقول ((الطنبور))، أو لولب أرشميدي، وحتى يشغلوه فإنهم يجلسون لا مفر وسيقانهم تتدلى في الماء.

وحتى ((الشادوف)) الأكثر بدائية -دلو وأداة رافعة- يؤدِّي أيضاً إلى رشِّهم بقدر من الماء يكفي لتمرير السركاريا إليهم.

وفي الدِّلتا، حيث الأرز محصول مُهم، ينفق الفلاح معظم وقته وهو يخوض في الماء، ومن المعروف أن البلهارسيا أكثر انتشاراً في الدِّلتا عمَّا في مصر العليا.

والدلتا أيضاً يُستخدم فيها نظام الري الدائم، حيث تُروى الأراضي طول السنة من الترع بدلاً من الاعتماد على الفيضان السنوي كما في مصر العليا.

والماء في مصارف الري الدائم هذا هو الموطن الرئيسي للسركاريا، وهو يمكنها من البقاء حية، بينما في مصر العليا تقتلها الحقول الجافة*, يقول المقاولون -فيما ينبغي أن يكون مما يعرفونه- أن العامل من الدلتا ينجز فحسب سدس العمل الذي يستطيع إنجازه من مصر العليا.

ثم إن كل فرد يغتسل أيضاً في الصيف الحار في الترع والبرك.
----------------------------------------------------
* كان علاج البلهارسيا فيما مضى يتطلب الحقن لمدة طويلة بكيماويات لها تأثيرات جانبية ومضاعفات على المريض.
أما الآن فالعلاج أبسط كثيراً، أقراص معدودة تكاد تكون بلا تأثيرات جانبية.
ولكن العلاج لم يُقلّل من انتشار المرض كثيراً، لأن الفلاح يُعْدَى مرَّة أخرى من الماء الموبوء مادام يتَّبع نفس النظام من التبوُّل في الترع والخوض فيها (المترجم).
----------------------------------------------------

والأطفال خاصةً يخوضون المياه ويتراشقون بها عند كل بقعة ماء يستطيعون العثور عليها؛ في المصارف، والمخاضات  والبرك الراكدة، ولَمَّا كان من المُؤكَّد عملياً أن أيَّ فردٍ يقفُ لعشر دقائق في ترعة مصرية ستصيبه البلهارسيا، فإنه ليس مِمَّا يفاجئ أن تكون نسبة وقوع المرض عالية هكذا.

وبالطبع فإن مرضاً فظيعاً هكذا قد شَدَّ الكثير من انتباه الأطباء ورجال الصَّحة العامَّة.

وقد كرَّس أحَدُهَم، وهو الدكتور بارلو، كل حياته لمكافحة هذا المرض.

ودكتور بارلو أمريكي وفد إلى مصر بعد قضاء سنوات كثيرة في الصين.

وقد طرح فكرة بسيطة للقضاء على الطفيلي بتطهير نهر النيل كله، ومن منبعه إلى مصبه هو وكل روافده وبحيراته وكل التكوينات الأخرى من المياه الرَّاكدة في الرِّيف.

وخطة راديكالية هكذا ستكون مُكلّفة للغاية، إلى جانب أن نتائجها ليست مضمُونة مُطلقاً؛ فلو أن دودتين فحسب من ديدان السركاريا ظلّتا على قيد الحياة في ترع ومصارف مصر التي لا تُحصى، فإنهما، مثلهما مثل حيوانات فلك نوح، سيُعيدان انتشار نوعهما الضار انتشاره السابق، وتُعيدان الرِّيف كله ثانية.

على أنه إذا كان من غير العملي تطهير النهر كله، فلعل لنا أن نطهر جزءاً منه ليبقى هذا الجزء دائماً آمناً.

فالنهر يجري من خلال كل تلك الترع الصغيرة التي تروي حقولنا، والفلاحون جد مستمرين بالتحكم في سريان الماء.

فكم يكون سهلاً أن يوجَّه الماء بعيداً خلال قناة جانبية، يمكن حفرها من الترعة الرئيسية لتغذي بحيرة صناعية ونطهر الماء بالتالي
فيهما الاثنتين؟

ولماذا لا نُوَسِّعَ هذه القناة الإضافية لتُصبح بُحيرة صغيرة؟

هكذا ولدت فكرة البحيرة الصناعية.

وإذا أمكن للفلاحين أن يكون لهم مكان يستحمُّون فيه بلا سركاريا، فإن المرض لابد أن يأخذ في التقهقر.

وإذا أمكن بالإضافة إلى ذلك حمايتهم أثناء عملهم في الحقول، فإن البلهارسيا ستختفي في النهاية اختفاءً كاملاً.

على أن البحيرة الصناعية ستحل أيضاً مشكلة أخرى.

فبصفتي بنَّاءً مُحبّاً للنظام كان من الطبيعي أن اهتم بالتفكير في طريق ما لإزالة الحُفرة التي تخلّفت بعد أن حفرنا الأرض لصنع الطوب.

وفي مصر كلها توجد في كل قرية تلك الحُفر التي تتخلف عن صنع الطوب؛ بل إن لها اسمها وهو -البركة- وهي مصدر رئيسي للملاريا، لأن البعوض يتوالد في الماء الراكد.

والبرك معروفة كأماكن لتفريخ المرض حتى أن العديد من السَّاسة يُخصِّصُون مكاناً بارزاً في برامجهم لخطط ردم البرك.

ومع هذا، تظل البرك بطريقة ما باقية.

وبالطبع فإن ملء حفرة لهو مما يكاد أن يكون مشكلة مستعصية، ولا شك أن القارئ لن يكون من السَّذاجة بحيث يقترح ردم الحُفرة بالتراب.

فهو سيُدرك أن هذا التراب لابُدَّ أن يأتي من حفرة أخرى، التي لابُدَّ بدورها من أن تُردم، وربما كان هذا أحد أنواع علاج البطالة، ولكنه ليس علاجاً للملاريا.

وقد يكون من الممكن ردم كل هذه البرك برمل يجلب من الصحراء، حيث لا أهمية لوجود الحفر هناك، ولكن ها هنا لابد أن يدفع أحدهم أجر نقل الرمال، الأمر الذي يكلف الشيء الكثير.

وقد واتتني فكرة تحويل بركتنا في القرية إلى بحيرة، لأننا كان لدينا في إحدى عزبنا العائلية بركة تشابه كل البرك الأخرى فيما عدا أن هناك قناة صغيرة تجري من خلالها.وهكذا فإن ماءها كان دائماً جارياً، وكانت دائماً نظيفة، وكنا نربي عليها البط والإوز، بحيث أنها كانت فاتنة ومفيدة معاً.

فمن الواضح أن حل مشكلة البرك لم يكن بردمها وإنما هو بتوسيعها وتعميقها وتوصيلها إلى الترع، بحيث لا يمكن لمائها أن يصبح راكداً.

وحتى البرك البعيدة عن الترع يمكن معالجة أمرها أيضاً؛ وذلك برمها بتراب محفور من مكان مناسب بمُحاذاة قناة.

عندما عرضت خطتي على د. محمود مصطفى حلمي، مدير قسم الطفيليات في وزارة الصحة العمومية، وافق عليها واقترح تعديلات معينة: أولاً، حتى لا نسمح بموطئ قدم للقواقع التي تؤوي السركاريا ينبغي أن نبطن جوانب البحيرة بالحجارة، بحيث لا تنمو الأعشاب المائية التي تأكلها القواقع.

وثانياً، للتأكد من أن الماء قد تم تطهيره تطهيراً صارماً، ينبغي أن نحفر قناة صغيرة ((ما قبل البركة)) طولها حوالي مائتي متر، بجوار القناة الرئيسية بأعلى التيار في البحيرة، وأن تزود ببوابات للغلق عند كل طرفيها، بحيث يمكن إبقاء الماء فيها وتطهيره قبل أن يسمح بدخوله للبحيرة الأصلية.

وهكذا فإن الماء فيها وتطهيره مرتين مرة في قناة ما قبل البركة ومرة في البحيرة نفسها.

ويُذابُ مسحوق كبريتات النحاس في الماء من كيس يعلق في الجدول عند بوابة الغلق؛ ويقوم هذا بقتل القواقع والديدان واليرقات ولكنه لسوء الحظ لا يقتل سركاريا البلهارسيا السابحة في الماء.

ولمعالجة هذه من الضروري إبقاؤها لثمان وأربعين ساعة في قناة ما قبل البركة الخالية من القواقع؛ وبعدها فإنها تموت كلها.

أما بالنسبة للبعوض، فسيكون علينا أن نغيّر أعلى عشرة سنتيمترات في الماء، ويتم هذا أوتوماتيكياً كلما سمحنا للماء المطهر لقناة ما قبل البركة بأن ينساب إلى البحيرة.

ونظام بوابات الغلق يجعل من السهل جداً القيام بذلك؛ فكمية الماء المطلوبة يُسمح بخروجها من بوابة أسفل التيار، بينما بوابة أعلى التيار مغلقة؛ ثم يغلق بوابة أسفل التيار، ويُسمح بدخول ماء جديد مُطَهَّر من خلال بوابة أعلى التيار.
----------------------------------------------------
* بعد إنشاء السد العالي انتشر نظام الرَّي الدَّائم في الصعيد أيضاً، وبالتّالي زاد انتشار البلهارسيا هناك.
(المترجم).
----------------------------------------------------

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit469
ومن النقاط المهمة بشأن البحيرة الصناعية أنها ينبغي ألا تكون أعلى كثيراً من مستوى قناة الصرف التي تخدم المنطقة، لأنها لو كانت هكذا، فإن مياهها سوف تتسرب إلى الأرض الزراعية المحيطة بها لتخربها؛ ومن الناحية الأخرى  فعندما تكون البحيرة في مستوى قناة الصرف، فإنها ستعمل بمثابة مصرف رهيف للأرض الزراعية، التي تتحسن بذلك تحسناً كبيراً.

والصحيح أنه ينبغي أن يكون المستوى في البحيرة أعلى بعشرة سنتيمترات عن المستوى في قناة الصرف، بحيث يمكن تصريف الطبقة السطحية للمياه عبر تحويله صغيرة، تعمل أيضاً بمثابة ممر دائم لفائض الماء.

وتحمل القناة الجانبية الماء من القناة الرئيسية بانحدار ميله هو متر لكل مائتي متر، ثم إلى البحيرة.

ولما كانت البلهارسيا مرضاً واسع الانتشار هكذا، ليس في مصر فحسب بل في كل المناطق الحارة، فمن المرغوب فيه بوضوح أنه ينبغي تشجيع توفير البحيرات الخالية من البلهارسيا*.

والبحيرة مثلها مثل معالم القرنة الأخرى، يفترض فيها أن تكون نموذجاً لسائر مصر.

ولقد سبق أن علّقت على جهامة معظم قرانا حيث يستخدم كل متر مربع لزراعة المحاصيل، وما من مساحة أو فكر يبذل لتوفير أسباب الاستمتاع بالاسترخاء.

وإذ كان يمكننا حقاً تبرير البحيرة بحجج عملية صارمة، إلا أني لم أقصد لها قط أن تكون شيئاً عملياً بمثل ما يكون مكتب البريد عملياً.

وإنما وددت أن يكون لكل قرية بحيرتها الصناعية التي تقام وسط منتزه صغير للقرية.

وهذا المنتزه هو والبحيرة معاً، سيوفر للقرية المصرية شيئاً جديداً تماماً - مكاناً للاسترخاء والاستجمام، حيث تنتشر أشجار الصفصاف وصورتها تنعكس في الماء الصافي، وحيث تلتف الممرات بين أشجار المانجو والجوافة والطرفاء، لتفتح فجأة  على الأشجار المزهرة للسنط والبوهينيا والجكرندا، مكان من أربعة  أو خمسة فدادين تُبقى بعيداً عن الزراعة التجارية، بحيث يجد أفراد القرية فيه مظهراً من مظاهر الطبيعة أحنّ مما تقدمه لهم حقول القطن.

وللوصول إلى هذا الهدف لابُدَّ لنا من حل توفيقي بالنسبة للمنتزه المثالي ذي الممرات وأحواض الزهور والأشجار، المنتزه الأوروبي ذو المنظر الخلوي الطبيعي - الذي يحتاج إلى هيئة عمل كاملة من البساتين لصيانته.

فمنتزهنا ينبغي أن يوفر ظلاً وسلاماً وجمالاً دون حاجة إلى أجور لصيانته.

وهكذا يجب أن يكون أبعد ما يمكن من الحديقة المعتادة في محطة السكة الحديد أو منتزه البلدية ذوي الحشائش الجافة، والشجيرات المتقصفة الزاوية، والأسوار الحديدية، تلك الأنماط التقليدية المصغرة لفرساي والتي يقتبسها الكثير من بلديات المحافظات ثم لا تلبث أن تهملها.

ومنتزه القرية يحتاج إلى الأشجار.

ويجب ألا يُنشأ فيه بطريقة صناعية تلك الممرات وأحواض الزهور والأسوار.

وإنما يجب أن يخطط ليأوي إليه الناس فيروح عنهم، ويجب أن يكون فيه من قدرة التحمل بحيث يتحمل استخدامه استخداماً عنيفاً.

ويجب أن يكون منتزهاً من أشجار وصخور ورمال وصبّار.

وجماله وقدرته على الترويح هما مما لا ينبثق من أحواض الزهور النمطية وإنما يجب أن ينبع ذلك من تجمعات الأشجار، والتفاف الممرات، وأوضاع الصخور، والتقاء اللون والنبرة والكتلة والشكل في توليفات بهيجة.

واقترح أن نستفيد من المنتزه في مد القرية بالفاكهة.

والشجرة التي تمد بفاكهة وفيرة وبالظل أيضاً هي شجرة المانجو العادية.

والنوع الكبير ينتج ما يصل إلى ألفي ثمرة في السنة.

ولا يحتاج إلا رعاية قليلة.

أما الأنواع الأجنبية والمهجنة الأكثر هشاشة فينبغي ألا تستعمل، ذلك أنها وإن كانت تعطي ثماراً أفضل، إلا أنها تحتاج رعاية بالغة، وأشجارها على أي حال أميل إلى أن تكون صغيرة غير ظليلة.

ويكفي توفير الألوان بأشجار مزهرة من السنط والبوهينيا والجكرندا والبوانسيانا، أما أشجار الطرفاء فهي وإن كانت خشنة إلا أنها ظليلة وتفرش الأرض بساطاً من أوراق إبرية رهيفة، تثير راحة جمة عند السير أو الجلوس فوقها.

والعوامل التي تحكم حجم البحيرة هي عاملان: حجم التربة اللازمة لصناعة الطوب، والقدر الأدنى من المياه التي تبقى نسبياً نظيفة بين نوبات التغيير، بعد أن يستحم فيها أفراد الناس والماشية بالأعداد التي يتوقع أنها ستستخدمها.

والبيت الواحد يحتاج ما بين 100 - 150 متراً مكعباً من التربة، وهو عادة يتسع لخمسة أفراد.

وهكذا فإن قرية من خمسة آلاف فرد، أو ألف بيت، تحتاج على الأقل إلى 10.000 متر مكعب من التربة.

وإذا كان لبحيرتنا في المتوسط عمق مترين، فإن مساحتها تكون من 50.000 متر مكعب، أو حوالي اثني عشر فداناً.
----------------------------------------------------
*الإصابة بالبلهارسيا لها أعراض مرضية شديدة، ولها آثارها الاجتماعية، الاقتصادية ن كما أن المرض واسع الانتشار في أرجاء العالم، ولهذا كله تعد الإصابة بالبلهارسيا من أهم أمراض الإصابة بالدودية ((أي الأمراض الناجمة عن وجود ديدان في الأوعية الدموية)) ويقدر عدد المصابين بها في العالم بعدد هو 150.000.000 فرد  وتقوم بعض القواقع التي تنقل المرض بدور العائل الوسيط.
وقد تم اكتشاف مبيدات جديدة للقواقع (مشتقات فينول حلقية) تتحكم في دورتها، ونتائج استخدامها في التحكم في عدوى البلهارسيا تعطي أملاً في أن يكون منها وسائل تحكم هي أرخص وأكثر فعالية)).
تقرير منظمة الصحة العالمية.
----------------------------------------------------

وهذا يزيد كثيراً عما يكفي للوفاء بالشرط الثاني؛ إن بحيرة من أربعة فدادين فحسب تتسع لكل المستحمين -من بشر وحيوان- ممن سيستخدمونها كل يوم، وإذا تم تغيير مائها بالكامل كل خمسة عشر يوماً فإنها ستظل خالية من البكتيريا خلو اً بأكثر من حمام السباحة المتوسط في المدينة.

ولما كان للأرض قيمتها، كما هو الحال في القرية، فقد يكون من المستحيل حفر بحيرة أكثر من أربعة فدادين، ولهذا فإنه مما يريح البال أن نتذكر أن الطين البناء لا يلزم بالضرورة أن يأتي من البحيرة، بل ولا أن يأتي من أي مصدر آخر بعيد سوى البيوت القديمة ذاتها.

ورغم أن مصر في حاجة لعملية إعادة بناء، إلا أن المواد اللازمة لذلك موجودة بالفعل هناك في الموقع، وكل قرية تحوي في بيوتها القائمة الكثير من التربة اللازمة لبناء البيوت الجديدة التي ينبغي علينا بناؤها، والقرية المتوسطة لا تحتاج لتربة إضافية أكثر مما يمكن حفره من بحيرة من خمسة فدادين.

وقد يبدو لأناس كثيرين أن بحيرة من خمسة فدادين لهما حقاً تبذير لا مبرر له.

ونحن في بلد حيث معظم ملاك الأراضي أكثر جشعاً من أن يغرسوا شجيرة تظلل منازلهم لأنها قد تحرمهم جزءاً من أردب من القمح في كل عام، وكم يكون فزعهم لو تم تحت بصرهم التضحية باستهتار بعشرة فدادين من الأرض المنتجة.

على أن بعض الملاك كانوا أقل حرصاً على فدادينهم؛ فإسماعيل باشا كان لديه في حدائق قصره بالجيزة بحيرة للزينة تغطي على الأقل عشرة فدادين، كلها لمتعته الخاصة.

ومن المؤكد أنه ليس من التزيد أن نطلب لخمسة آلاف فرد نصف ما كان الباشا يستمتع به وحده؟

ولست أطلب ذلك من أجل متعتهم، وإنما من أجل حياتهم ذاتها.

وإيجار عشرة فدادين هو 200 جنيه مصري في السنة.

أيكون هذا أكثر مما يجب إنفاقه على قرية من خمسة آلاف فرد عندما تكون حياتهم تعتمد عليه؟

والنبي يحدثنا بأن ننشئ أبناءنا على تعلم الركوب والسباحة.

ونحن لا نستطيع أن نهب جياداً لكل قرى مصر ولكننا نستطيع أن نهبها البحيرات، ويجب أن نفعل ذلك، حتى نطيع على الأقل نصف النصيحة.

وقد رأيت في نادي المعادي الرياضي كيف تتحسن حالة الأطفال الصحية، وكيف يأتون ضعافاً، ناحلين، واهنين، فيتحولون بالسباحة إلى رياضيين أقوياء ذوي رشاقة.

وهذا التحول يتاح لأفقر أطفال الفلاحين  في الأرض إذا وهبناهم البحيرات.

وهم  حالياً يسبحون حقاً ولكنهم يدفعون ضريبة رهيبة لدودة البلهارسيا.

وكل البلاد التي تواجه مشاكل كبيرة لإعادة بناء الريف ينبغي أن تقوم السلطات فيها بمهاجمة المشكلة -بل ويجب ألا نكون مبهمين في ذلك الشأن، فرئيس الوزراء نفسه هو الذي ينبغي أن يقوم- بمهاجمة المشكلة كالتالي: أنه في كل قرية من تلك القرى التي ينعطن أناسها في بيوتهم السيئة وتتخرمهم البلهارسيا، ينبغي أن يتم اختيار موقع للبحيرة.

ويجب أن يقوم مهندسون بارعون في علم ميكانيكا التربة الجديد بفحص الأرض.

وبعد أن يتم اختيار أفضل مكان من حيث نوعية الأرض وقربها من إحدى الترع، فإنه ينبغي أن يتم حفر البحيرة في التو.

وينبغي أن توفر الحكومة الآلات لحفر التربة بأسرع ما يمكن، وتكويمها لتكون جاهزة لضاربي الطوب.

وهناك على الأقل بلد واحد لم ينبذ فكرة البحيرة الصناعية، فعندما قامت شركة دوكسيادس بوضع مخطط لحكومة العراق، فإن تلك الحكومة تبنت الفكرة وأصدرت مرسوماً بأنه ينبغي أن يكون لكل قرية في البلاد بحيرة صناعية.

والحقيقة أن الحكومة ينبغي أن توفر أيضاً.

كعنصر ضروري مكمل للبحيرة، مضرب طوب دائماً مجهزاً تجهيزاً ملائماً، بالمكابس والقوالب وأحواض الخلط، وذلك خارج منطقة البناء الأصلية، وحيث يضمن البناءون إنتاجاً لا ينقطع من قوالب الطين، ويكتسب القرويون وسيلة خدمة دائمة.

ومادامت أن التربة موجودة فسوف يبني الناس، على أن المبادرة لتوفير التربة هي مما يجب أن تبدأه الحكومة، والحكومة أيضاً في وضع يمكّنها من توفير الآلات الثقيلة، ويمكّنها من الوفاء بدور القوات الهجومية ربما بأفضل من المهندسين المعماريين والبنائين.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لو تبيَّن من تحليل الأرض أن التربة تحتاج لإضافة المزيد من الرمال لتصبح صالحة لصنع الطوب، فإنه يجب على الحكومة أن تنقل هذه الرمال، وهاتان العمليتان -حفر التربة وإضافة الرمال للوصول إلى القوام المناسب- هما ما يهزم الفلاح عادةً قبل أن يبدأ البناء.

ولو تم حلهما له سيشجعه ذلك تشجيعاً هائلاً.

وهكذا فلو أن الحكومة استخدمت مصادرها لحفر البحيرة، فإنها ستسهم إسهاماً رئيسياً في الإسكان الجديد وفي القضاء على البلهارسيا.
* * *




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 9:56 pm

الملابس الواقية

البحيرة -كمكان للاستحمام خال من البلهارسيا- لن تؤدِّي بذاتها إلى توقف الطفيلي عن دخول أجسام الناس لأنه كما سبق لنا القول، فإن كل عمليات الري تتطلب الوقوف في القنوات الموبوءة هي والمصارف، والفلاحون كلهم يجب أن يرووا أرضهم.

وهكذا فإن السلاح الثاني ضد البلهارسيا يجب أن يكون في نوع ما من الملابس الواقية.

وقد نجح اليابانيون في الإقلال من البلهارسيا إقلالاً عظيماً بأن وفروا لعمال مزارعهم أحذية مطاطية طويلة والمطاط يُعد غالياً أشد الغلو بالنسبة لمصر، على أنه يمكن بدلاً من ذلك أن يصلح شيء آخر لمصر.

وبعد شيء من التفكير، خطر لي أننا لو أطلنا سراويل الفلاح العادية لتحوي القدمين بالكامل، ولو شبّعنا هذه السراويل حتى ارتفاع الفخذ بزيت الكتان، فإنها قد تكون مانعة للماء وللسركاريا.

وجعلت ترزياً محلياً يصنع لي عيَّنة من سراويل هكذا، من نفس قماش القطن الذي تُصنع منه سراويل العُمَّال القصيرة ونقعتها في زيت كِتَّان مغلي وعلّقتُها لتجف.

وقد انتويت أن يتمَّ ارتداؤها ومعها نعل من المطاط (يُصنع رخيصاً من إطارات السَّيارات القديمة) يُثبَّت من أسفلها، ووجدتُها مانعة للماء تماماً.

وأرسلتها إلى القاهرة إلى د. محمود مصطفى حلمي بوزارة الصحة العمومية.

فقال أنها تُعطي مناعة مائة في المائة ضد السركاريا، وأنه لو ارتداها سيكون مُستعداً أتم الاستعداد لأن يخوض بها البركة التي يُرَبُّونَ فيها السّركاريا في معمله.

بل إنه قال أن القماش الذي يتم نسجُهُ نسجاً محكماً يُعطي دون أي معالجة له وقاية من ستين في المائة.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 9:59 pm

حملة تعليمية
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit470
هكذا كان سلاحنا الثاني الضروري، أو الشُعبة الثانية لهجُومنا على البلهارسيا، وهي شُعبة فعَّالة تماماً ورخيصة حتى ليتحمَّل تكلفتها أي فرد في الريف.

والمُشكلة التالية هي كيفية شن الهجوم، كيف تأتي أسلحتنا إلى مجال الفعل.

فالناس يجب أن يُحَثُّوا على ارتداء السراويل، وعلى استخدام البحيرات المطهرة.

وللوصول إلى ذلك يجب أن نجعلهم يرون السركاريا في الماء، ونجعلهم يرون تقدمها من خلال الجسد .

ويجب إنشاء حملة دعاية عامة تستخدم كل حيلة ووسيلة للاتصال الجماهيري لتجعل الفلاحين ينقذون أنفسهم.

والأمر ليس مجرد ملصقات معدودة مُمزَّقة تتدلّى في محطة السكة الجديد، مرسومة بلا دقة وبما يستحيل فهمه.

وإنما علينا أن نعرض للناس دودة البلهارسيا وهي حية تتلوى.

هيا أعرض عليهم عروضاً سينمائية، أحضر لهم ميكروسكوبات تعرض الشريحة مكبرة على الحائط.

دعهم يُخرجون دلو مياه من النهر، واجعلهم يُعدّون الشرائح بأنفسهم، واجعل القرية كلها ترى دودة هائلة، طولها ثلاثة أقدام، تسبح بطول جدار قاعة القرية.

هاجم الأطفال أيضاً.

وإذا كانوا لا يستطيعون تتبع الفيلم السينمائي، بسّط الأمر في حكاية من حكايات الجن.

وقد كتبت لهم تمثيلية، تحكي حكاية مرعبة عن العفريت بيل بن هارسيا، وتنكّرت في هيئة عفريت مروع (إلى حدٍ ما) فارتديت قناع غازات بعويناته الزجاجية، وملاءة بيضاء، تنتفخ كلها بهواء من أنبوبة داخلية من حول كتفي.

وتبدأ التمثيلية بأبٍ يجلس على عتبة بابه وهو في حال من القلق، إذ ينتظر أن تلد زوجته طفلاً.

وتخرج مُمرِّضة لتهنئه بميلاد ابن له، ويتسلّل كل أطفال القرية واحداً وراء الآخر إلى باب يسألون عن المولود الجديد. ويقام احتفال بهيج، ((السبوع))، في اليوم السابع بعد الميلاد، ويرقص فيه كل الأفراد، وتوزع الحلوى، وبينما الحفل في ذروته يظهر فجأة عند طرف المهد، بيل بن هارسيا، العفريت.

وهو مما لا يمكن رؤيته إلا لطفل واحد، وهذا الطفل يأخذ بالطبع في البُكاء، وبعد أن يومئ بيل هارسيا إيماءات مُهدِّدة فإنه ينسحب.

والآن، فقد أصبح الطفل محجوب في العاشرة من عمره وها هو الأب مريض؛ وقد أصبح ضعيفاً، مُصاباً بفقر الدَّم، ثم هو في النهاية يحتضر.

وأثناء احتضاره -من البلهارسيا- يجعل زوجته تَعِدَهُ بأنها لن تسمح لابنهما بأن يخوض المياه.

ولكن كيف يمكن أن يتجنب الصبي المياه؟

إنه بغياب أبيه قد أصبحت العائلة أكثر فقراً.

ويجب على محجوب أن يجد عملاً.

أين؟

إن أمَّهُ تطلب منه ألا يخوض في المياه، ولكن العمل الوحيد المُتاح هو بالطنبور أو الشادوف.

وهو يذهب من مُزارِعٍ إلى آخر متوسلاً أن يُمنح عملاً بعيداً عن التِّرع، ولكن ليس من عمل كهذا.

وأينما يسير محجوب يتبعه دائماً العفريت، زاحفاً من خلف الأشجار وهو يترصَّد متأهباً للوثوب عليه بمجرد أن يلمس الماء.

وفي النهاية عندما يجوع جوعاً شديداً هو وأمَّهُ أيضاً يُقرِّر وهو يائس أن يحنث بوعده لأمِّهِ فيعمل في الماء دون أن يذكر لها شيئاً.

وهكذا فإنه يذهب لإدارة الطنبور.

وما إن يدخل قدميه في الماء حتى يثب بيل هارسيا وثبة عفريتيه إلى جانب التِّرعة، ويُحضر برطماناً كبيراً ويأخذ في رش السركاريا على الصبي كله.

ويتغيَّر حال الصبي تدريجياً.

ويتحوَّل وجهه إلى لون أصفر فاقع.

ويُصبحُ الطفل ضعيفاً.

ويحاول أن يلعب مع زملائه، ولكن قواه تخور، ويؤخذ لداخل البيت ليرقد.

ومرة أخرى يتسلّل الأطفال إلى الباب، ووجوههم قلقة، ليسألوا عن حاله.

ويُصبحُ حالهُ أسوأ فأسوأ، وتكون أمّهُ قد أدركت الآن أنه ولابُدَّ قد خاض المياه، وترقُبُهُ وهو يموت من البلهارسيا مثل والده.

وعند هذه المرحلة الحاسمة الحزينة، يدخل إلى القرية غريبان.

إنهما في الحقيقة الطبيبان بارلو وعبد العظيم، ويسهل التعرف عليهما من معطفيهما الأبيضين ونظاراتهما الكبيرتين.

ويبدآن في سؤال القرويين وقد أمسكا بحقيبتيهما.

هل هناك أي واحد مريض في القرية؟

بل نعم، إن محجوب مريض.

كيف يبدو؟

إنه كله أصفر.

وماذا أيضاً، هل ينزف؟

نعم، وهو ضعيف جداً.

ويهرعان إلى المنزل، ويُخرجان السماعات والميكروسكوبات من حقيبتيهما، ويفحصان محجوب.

أي نعم! هذا ما فكَّرنا فيه.

هذا من عمل بيل بن هرسيا.

إنه عفريت.

والدكتور بارلو يحاول اصطياده بطول طريقه من الصين.

والآن استمعوا!

سوف نشفي محجوب (يُخرجان حقنة هائلة، ويحقنان بضع جالونات من الدواء في محجوب)، ولكن ما نريده هو العفريت.

يجب أن نُمسك به ونقتله.

ويجمع الطبيبان كل الأطفال ويعقدان مجلساً للحرب، ليُناقشا طرق ووسائل قتل بيل هارسيا.

يَثِبُ صبيٌ صغيرٌ شجاعٌ -هو صديق مُمَيَّزٌ لمحجوب- ويعرض أن يكون هو الطُّعم.

وهو سيذهب إلى المياه ليُصاب بالمرض، وليُغري العفريت لحتفه.

ويضحك الطبيب بارلو ويقول أنه ليس هناك حاجة لأن يُصاب بالمرض.

أنظر!

وينقب في حقيبته، ويخرج، وسط شهقات الإعجاب، سروالاً كبيراً.

ويقول مُفسِّراً، أن هذا السروال من نوع خاص جداً.

فهو قد نقع في زيت الكتان، وإذا ارتداه الصبي فإنه يستطيع أن يخوض المياه آمناً ولن يملك العفريت أن يفعل شيئاً.

ويرتدي الصبي السروال ويخطو في الماء.

ويظهر بيل بن هرسيا ولكنه يرتدَّ على ظهره مُرتبكاً في غضبٍ لمرأى السروال، ويتمكَّن الطبيبان الشجاعان من إطلاق النار عليه، فيلفظ أنفاسه وقد علا فحيحه مُطلقاً الهواء من أنبوبته الداخلية.

ويموت بيل هارسيا، ولكن أذاه لن ينته تماماً.

ومرة أخرى يجمع الطبيبان الأطفال ويحذرانهم تحذيراً جدياً للغاية من خوض المياه إلا إذا كانوا يرتدون السراويل الزيتية، ويحذرانهم بالذات من السِّباحة.

فهذا العفريت لسُوء الحظ قد سَمَّمَ المياه كلها، بحيث أنها ستظلُّ تُصيبُهم بالمرض لو سبحوا فيها.

ولابد من أن ينتظروا حتى يتم حفر بُحيرة جديدة جميلة، واسعة ونظيفة، لها أشجار من حولها وجزيرة من داخلها، بحيرة الباشا في القاهرة وليس فيها أي خطر، ويمكن لكل واحد أن يسبح فيها كل يوم.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 10:07 pm

القرنة، مشروع رائد
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit471
القرنة بالنسبة لي هي تجربة ومثال معاً، وكنت آمل أن يكون من القرية عرضاً للطريقة التي يُعاد بها بناء كل ريف مصر.

وكنت آمل أنه ما إن يرى الناس كيف يمكن أن يكون الإسكان الجيد رخيصاً، فإنه ستوجد بين فلاحينا حركة هائلة للبناء بطريقة ((أد العمل بنفسك)).

وحتى نعطي أكمل المعلومات لبنّائي المستقبل الذين سيؤدون العمل بأنفسهم كان مطلبنا أن نأخذ في إنشاء هذه القرية ابتداءً من تراب الأرض، و أن نصنع كل أصغر التفاصيل بأنفسنا، ونكتشف كيفية القيام بها، وقدر تكلفتها، وكان علينا أن نصنع طوبنا بنفسنا، هو وملاطنا، وأن نحفر طيننا، ونستخرج جيرنا ونحرقه، ونحتجر الحجارة لأنفسنا، ونصنع سباكتنا، ونقوم بكل شئون نقلنا.

والحقيقة أننا كنا نقوم بكل المهام التي يُعهد بها عادةً في معظم المشاريع المُماثلة من الأعمال العامة إلى مُقاولين خاصِّين، وفيما يعرض فإن حرية كهذه لم تكن مما سيْمنح لنا به إلا من مصلحة الآثار، ذلك أن هذه المصلحة بسبب تعاملها مع الآثار الرهيفة، كان يسمح لها هي وحدها من بين سائر المصالح الحكومية بأن تُشغِّل عُمَّالها الخاصِّين بها وأن تُشرف على العمل مُباشرةً من خلال خبرائها وملاحظيها.

وكنت آمل أني باهتمامي اهتماماً وثيقاً بكل تفصيل في العمالة ومشتريات المواد، فإن هذا ينبغي أن يمكنني من عمل تحليل مفصل لتكاليف القرية عند اكتمالها.

وينبغي أن أعرف كيف تم إنفاق كل قرش، فيها العدد من أن أتمكّن من أقول واثقاً أن قرية مثل كذا وكذا، فيها العدد كذا من وأن أتمكن من أن أقول واثقاً أن قرية مثل كذا وكذا، فيها العدد كذا وكذا من البيوت، والعدد كذا من المباني العامة، ستكلف بالضبط قدر كذا من النقود وتتطلب قدر كذا من العمالة.

وبهذا يُمكن أن ُتطبَّق نتائجي على أي مشروع في المُستقبل، ويمكننا أخيراً أن نضع جسراً فوق تلك الهوَّة الغامضة، التي تبتلع ملايين كثيرة من الجنيهات، تلك الهوَّة ما بين الخطط التي تضعها هيئات التخطيط القومية، والمباني التي تخرج للعيان كنتيجة لهذه الخطط.

ورغم أننا في القرنة كان علينا أن ندفع أجراً لعُمَّالِنَا، إلا أننا مازلنا نستطيع كما ينبغي أن نُطبِّق نظامنا من التخطيط والتحكُّم على أي قرية يتبرَّع سكانها بالعمل مجاناً، ولا زلنا نستطيع كما ينبغي أن نضع ميزانية أي قرية يبنيها المقاولون، ذلك أننا يمكننا تقدير نسبة مئوية من الربح تضاف إلى التكلفة المُجرَّدة للمواد والعِمَالة، وندفع ذلك للمقاول.

وكنت آمل أن تُعطى نتائجي بيانات مُحَدَّدَة ومُفيدة لأولئك الناس الذين يقومون بإدارة خطط من نوع ((الجُهد الذاتي المدعوم)) بالمجتمعات القروية.

وكنت آمل أيضاً أننا قد نستطيع في جَلَدٍ إعادة غرس تلك التقنيات التي ازدهرت ذات يوم في المنطقة ولكنها الآن محرومة منها: تقنيات بناء السَّقف المقبي التي تقهقرت إلى الجنوب في اتجاه السودان وبقيت حيَّة للآن حياة مزعزعة في النوبة تحت تهديد دائم بالزوال.

ولو أنها راحت، فإن معرفة طريقة بناء هذه الأسقف ستختفي للأبد، بما لا يمكن استرجاعه.

فما إن تنقطع السلسلة المتعاقبة حيث الأب يعلم الابن والمعلم يعلم الصبي، فإنه ما من بحث أثري في المعالم مهما كان قدره، سوف يمكنه استعادة هذه المعرفة.

ولعله يمكننا أن نسترجع رويداً هذه المهارات إلى الأرض التي سبق أن احتضنتها، لو نجحت تجربتنا في القرنة فاجتذبت انتباه المهندسين المعماريين وعموم الجمهور في مصر.

ولعل القرنة أن تُبيِّن الطريق إلى سياسة قومية واقعية لإعادة الإسكان، خطة للبناء توفر ملايين البيوت التي تحتاجها مصر بثمن يمكن لها تحمُّله.

وقد حدث من آن لآخر أن نوقشت خطط من هذا النوع تتأسَّس على مواد وأساليب ونظم البناء التقليدية مما يستخدم في المُمارسة المُعتادة، على أنه ما من خطة من هذا النوع قد وصلت قط لأبعد من المناقشات الأولى في إحدى اللجان.

ويرجع ذلك دائماً إلى نفس السَّبب: وهو قلة النقود قلة بالغة.

ويبدو وكأنه محتوم، أنه في مكان ما بين طوري التخطيط والبناء، تتضخَّم التكلفة وتنفخ نفسها للحجم الذي يخيف المُحاسبين فيتم التخلّي عن الخطة.

وفي دَأَبٍ يضع المُخططون خطة أخرى؛ وتكون النتيجة هي نفسها: إنها دائماً تُكلّف أكثر مما تستطيع أي حكومة أن تتحمَّله.

لماذا ينبغي أن يكون الأمر هكذا؟          

هناك سبب أساسي واحد: فما من مهندس معماري يقوم في المُعتاد بعمل تصميمات للفلاحين في القرى.

وما من فلاح يحلم بأن يستخدم مهندساً معمارياً، وما من مهندس معماري يحلم بأن يعمل بموارد الفلاح البائسة.

فالمهندس المعماري يضع التصميمات للرجل الغني، ويفكر في حدود ما يمكن للرجل الغني أن يُنفقه.

ومُعظم عمل المهندس المعماري يكون في المدينة، وهكذا فإنه يضع في الحُسبان موارد المدينة؛ فهو يفترض وجود مُقاولي البناء المُتمرَّسين ووجود المواد المُعقّدة التي تستخدم دائماً في بناء المُدن، ويفترض بالطبع أن عميله يستطيع أن يدفع ثمنها.

فالمهندس المعماري يفكر تلقائياً في الإسمنت والمُقاولين، كلما طُلب منه أن يبني، وهو لا يتصوَّر أبداً أي بديل لنظام بناء القطاع الخاص الحضري.

وكل هيئات التخطيط تعتمد بالطبع اعتماداً كاملاً على مهندسيها المعماريين بالنسبة للمشورة التقنية بشأن البناء.

وهكذا فإن كل هيئات التخطيط، وربما دون أن تدرك، تتخذ الأفكار المُسبقة للمعماريين عن الإسكان القروي، ويصبح في عقول أفرادها تصورهم لما ينبغي أن تكون البيوت على منواله.

فهم يرونها مبنية من الإسمنت، وقد بنتها شركات البناء التجارية العادية.

وارتفاع تكلفة خطط الإسكان الريفي ليس ناجماً فحسب عن غلو ثمن المواد المستخدمة، وإنما ينجم أيضاً عن ذلك النظام الذي يضع تنفيذ العمل في أيدي بنائي القطاع الخاص.

وينبغي أن يكون واضحاً بالفعل أنه توجد مادة بناء رخيصة جداً ووافية با الغرض الكامل وهي طوب اللبن؛ وإني آمل أن أبين أنه يوجد أيضاً أسلوب لتنظيم العمل -على أي نطاق وفي أي مكان- يستطيع أن يوفر علينا كل النفقات الباهظة التي تصاحب استخدام مقاولي البناء.

وكما أن مادة بناء الفلاحين -طوب اللبن- لا تتاح لنا إلا إذا اتخذنا تكنيك الفلاحين للبناء، فإننا بما يماثل ذلك أيضاً لا نستطيع أن نبني بناءً رخيصاً رخص ما يبنيه الفلاح إلا لو أسَّسنا تنظيماً للعمل يكون على أساس مُمارسات الفلاحين.

والحكومات لم تهتم إلا حديثاً بالظروف البائسة التي يعيش فيها معظم الفلاحين والتي تتزايد سوءاً زيادة سريعة.

وعلى نفس المِنْوَال، فرغم أن الناس ظلّوا يبنون بيوتهم لأنفسهم طيلة ألوف السِّنين، فإنهم لم يبدأوا إلا حديثاً جداً في استشارة المهندسين المعماريين بشأن تصميم بيوتهم.

أما قبل ذلك فكان البيت من اختراع الباني وحده (عندما يكون فلاحاً في الريف).

والمهندس المعماري هو تَرَفٌ مُكَلِّفٌ؛ وهكذا فإنه لا يوجد إلا حيثُما توجد النقود.

ولّمَّا كان المهندس المعماري يعمل في خدمة عملاء موسرين نوعاً، فإنه لا يهتم اهتماماً دائماً بتخفيض تكلفة مبانيه.

وتتحدَّد هذه التكلفة، بواسطة مقاول البناء الذي ينفذ العمل.

والمقاول المحترف، مثله مثل المهندس المعماري، ينزع لأن يكون مكلفاً؛ وهكذا فإنه أيضاً لا يوجد إلا حيثما توجد النقود.

والآن، فإن أصحاب النقود في مصر يُحبُّون العيش في المُدن، وفوق ذلك؛ فإن المدينة ذات الحجم المعقول هي وحدها التي تستطيع أن توفّر تدفق قدرٍ كافٍ من العمل بما يكفي لتشغيل المهندس المعماري والمقاول باستمرار.

وهكذا، فإن الأفراد المختصِّين مهنياً بالبناء، الأفراد الوحيدون الذين لديهم في الحقيقة أي خبرة بالبناء في الظروف الخاصة السَّائدة في المُدن.

فالمهندس المعماري يضع تصميمه دائماً ويتوقَّع أن تصميمه هذا سيتم تنفيذه بواسطة مقاول بناء، ومقاول البناء يفترض دائماً وجود شركات أصغر يستطيع أن يعطيها المُهمَّة بمقاولة من الباطن، كما يُفترض وجود إمدادٍ كافٍ من مواد البناء والعِمَالة.

وعندما ترغب الحكومة أو أي هيئة أخرى أن تبني، فإنها تحصل على المشورة التقنية من المهندسين المعماريين، والمهندسون المعماريون يضعون التصميم ويُعِدُّونَ التقديرات بفكرة أن العمل سيتم تنفيذه بأن يوكل به كالمعتاد إلى مقاول البناء التجاري.

وبالنسبة لمشروع في المدينة -مستشفى أو ربما بلوك من المكاتب- تكون تكلفة البناء الذي يتم بهذا الأسلوب تكلفة مقبولة للسلطات.

ولكن عندما تصل السلطة إلى النظر في أمر البناء على نطاق واسع في الريف، وخاصة لإعادة إسكان أعداد كبيرة من العائلات القروية، فإن التكلفة الهائلة للمشروع تحكم عليه في التو بأنه غير عملي.

وهكذا فرغم أنه قد تَمَّتْ مناقشة خطط طموحة كثيرة لإعادة تنمية الرِّيف؛ إلا أنه ما من خطة منها عاشت لأكثر من أول اجتماع للجنة يتكشَّف فيه تكلفتها المُحتملة، ونظام المقاولات هو الذي يجب أن يُلام على هذه التكلفة العالية.

فالمُقاول الرئيس يعهد بالعمل إلى مُقاولي الباطن، الذين تتعدَّد مسئولياتهم عن بنود من مثل عملية البناء، والنجارة والتركيبات الصحية، والطلاء بالجص، وما إلى ذلك.

ومُقاول الباطن بدوره يضع العمل بين يدي مُقاول أنفار البناء الذي يشغّل العُمَّال بالفعل ويُشرف على قيامهم بالمُهمَّة.

وهكذا فإن هناك وسطاء عديدين، ينال كل منهم ربحه.

ويُساعد على رفع تكلفة المُهِمَّة.

ومواد البناء أيضاً، عندما يتمُّ شراؤها جاهزة من المُمولين التجاريين، فإنها تنزع إلى أن تكون غالية الثمن.

وهناك ضرران آخران عند تنفيذ مشاريع إعادة الإسكان الكبيرة بواسطة مقاول خاص.

فأولهما، أن المقاول الرئيسي يكاد يكون بعيداً عن العمل بُعداً يُماثل بُعْدَ الهيئة المُخططة عنه، بحيث أنه لا يستطيع أن يُمارس أي تحكُّم في تفاصيل البناء وتسلسل المسئولية من مقاول الأنفار، إلى مقاول الباطن، إلى المقاول الرئيسي، حتى الهيئة المخططة يجعل تداولها يتم بحيث لا يكون من الممكن السيطرة بإحكام على تكلفة البنود المفردة.

كما أن المقاول ليس على صلة وثيقة بسوق العِمَالة، حتى أنه يمكن أن يتوقّف العمل أو أن يصبح مكلفاً تكلفة غير معقولة لأنه ليس هناك عُمَّال للقيام به.

والضرر الثاني: أنه عندما يكون أحد المشاريع كبيراً بما يكفي، فإنه يمكن أن يثير في أسواق المواد والعِمَالة اضطراباً بالغاً حتى ليدفع بأسعار هذه السلع إلى الارتفاع لأعلى كثيراً من مستواها العادي.

وهكذا فإن خطط البناء الكبيرة جداً لا تضمن أي توفير، وبدلاً من أن تُبني البيوت رخيصة فإنها تُصبح فعلاً أغلى بعشرات المرَّات.

وسبب ذلك أنه ما من مهندس معماري يعرف التكاليف الحقيقية للبناء؛ إنه يعرف فقط تلك الأسعار التي يعرضها عادةً المقاولون.

بل إن المقاولين لا يعرفون التكلفة؛ فهم كلهم تحت رحمة اقتصاديات الحرفة، ولا يستطيعون أن يتقدموا بأي ثقة بعروض لمشروعات تكون كبيرة بما هو أكثر من المعتاد.

وإذن، فلماذا تتمسَّك الهيئات المُخطّطة بنظام المُقاولات؟          

السَّبب ببساطة أنها تعتمد على مهندسيها المعماريين للحصول على المشورة التقنية، والمهندسون المعماريون ليس لديهم أي خبرة بطريقة أخرى لتنفيذ العمل.

ومن النادر جداً عند مناقشة خطط الإسكان الريفي أن يتم النظر فيما يكون بديلاً للمقاول الخاص.

على أن ثمة بديلاً قد اكتسب حديثاً بعض تحبيذ.

وهو النظام المعروف ((بالعون الذاتي المدعوم))، وخطط إعادة الإسكان المؤسسة عل هذا الأسلوب للحصول على العِمَالة تتبنَّاها بحماس وكالات الأمم المتحدة هي وهيئات أخرى.

والمبدأ باختصار هو كما يلي: الحكومة، أو الأمم المتحدة، أو أي هيئة مشرفة أخرى، تَمُدُّ الفلاحين، في منطقة ريفية ما فيها كساد، بالمعدات والمواد لبناء بيوتهم الخاصة.

ويتطوَّع الفلاحون بعملهم مجاناً، وبمساعدة الآلات والمواد التي أعطيت لهم يُحَسِّنُونَ حالتهم هم أنفسهم.

ومشكلة هذا النظام أن ((العون الذاتي)) لا يستمر إلا طالما يستمر الدَّعم)).

ويتعلّم الفلاحون طريقة تشغيل خلاط الإسمنت أو طريقة تثبيت سقف مُسبق التصنيع، ولكن بمجرد أن يتوقّف وصول المواد المجانية، يصبح الفلاحون في أسوأ حال كما هم دائماً، وذلك بالطبع فيما عدا المباني التي حازوها بالفعل.

والنقطة هي أنهم لا يستطيعون استخدام المهارات التي تعلموها لأنهم لا يستطيعون تحمل شراء هذه المواد.

وثمَّة خطرٌ آخر، وهو أنهم  قد يفقدون حتى الحِرَفِ التي كانت لديهم قبل ذلك، والتي كانت تُمكنُهُم من استخدام موادهم المحلية الخاصة بهم.

وقد يحدث هذا إما بأن يُنبذ الحرفي التقليدي عامداً أساليبه القديمة، نتيجة لإعجاب خاطئ بتفوق متخيل في الأساليب الأجنبية، أو قد يكون السبب مما يبعث على السخرية بأكثر، وهو أن الأسلوب الأجنبي يطرد الحرفي التقليدي بعيداً عن عمله، منتزعاً منه هذا العمل، ومطارداً إياه إلى عمل من نوع آخر.

وعندما تنتهي فترة الإنشاء المصطنع الوجيزة وتتخرَّب الآلات الغالية، ويتوقّف الإمداد بالمواد الأجنبية، لا يبقى هناك من يبني بالأسلوب القديم.

والحقيقة أن ((العون الذاتي المدعوم)) لا ينجح إلا في أن يُضفي على الحِرَفيين المحليين إحساساً موهوماً بالتقدُّم والتفوُّق بينما هو يغويهم نحو مسار مسدود مُحبط أيُّما إحباط، نحو حِرَف مُعقّدة من المُحتّم أنها بعد وقت قصير سوف تغلق أبوابها في وجوههم.

وإما أن يُصبحوا أتباعاً متحمِّسين للأساليب الجديدة هم أكثر ملكية من الملك، ويحتقرون مهارتهم القديمة، أو أنهم يُطردون بعيداً ليُصبحوا عمالاً زراعيين.

وفي كلتا الحالتين تتخرَّب حِرفتهم.

وأحياناً يبدو الأمر وكأن الناس في المكاتب الكبيرة النظيفة، أو في الجامعات الكبيرة النظيفة، في البلاد الجميلة المتقدمة يسوؤهم انتشار الفقر والقذارة بين ملايين الأفراد في البلاد التعسة.

وهم لا يستطيعون تحمُّل وجود هذا القذى في العين، أو في العقل.

إنه يشبه وجود شحَّاذ مُنَفِّر أمام بابهم، وهم يريدون التخلّص منه بأسرع ما يمكن، كيف يتخلّص الرجل الغني من الشحَّاذ؟          

إنه يرسل إليه عشرة قروش وبذا يشتري لنفسه طمأنينة فكره، أو هو بما يكون أكثر فعالية، يبني ملجأ ويشرّع لوضع الشحَّاذ فيه.

وحل الملجأ ربما يحدث استنكاره على نطاق الأبرشية، أما على نطاق المسائل الدولية فإنه مازال يصوِّر -فيما أعتقد- في شكل ((العون الذاتي المدعوم))، ((هيا أرسل مليون بيت مُسبقة التصنيع))، ((أمنح لهم حمولة عشرين سفينة من الإسمنت))، ((أعطه خمسة قروش ليذهب بعيداً))، ((ياللرائحة الكريهة، امنحهم بعض وسائل الصرف الصحي))، ((حسن، على الأقل فإن حالهم وهم في هذه الثكنات سيكون أحسن مما لديهم الآن من تلك الأكواخ الرهيبة))، على أن حالهم لن يكون أحسن.

إنَّ العِشش التي أقامها اللاجئون حول غزَّة فيها جمال، واحترام الذَّات أكثر مما في أي مكان من نماذج المُستعمرات الكئيبة التي أقامتها الهيئات الخيرية الأجنبية، كما يعيش كل فلاح في النُّوبة في قصره الخاص البهيج كالأمير.

آه لو كان ((العون الذاتي المدعوم)) هو حقاً كاسمه!

آه لو أن مانحي الدَّعم أمكنهم رؤية ما يستطيع الفلاح أن يفعله وهو في أفضل أحواله، فوجَّهوا دعمهم لمساعدته على تحقيق قدراته الخلاقة الخاصة به، وعندها فإن فلاح مصر سيتأتّى له لا فحسب أن يعالج مأزقه، وإنما ستُتاح الفرصة أيضاً لهذا المعماري لأن يأتي بما يجعله يفوز بإعجاب العالم.

إن النظامين اللذين يُطرحان أغلب الوقت لتنفيذ خطط على النطاق الكبير -نظام المقاولة ونظام ((العون الذاتي المدعوم))- لا يمكنهما أن يكونا صالحين لمشكلة في حجم مشكلة مصر.

وبنفس الطريقة فإن هناك حُلولاً هي غير صالحة، مثل استخدام الجيش أو جماعات الطلاب المتطوعين، أو حتى العمل الإجباري.

وعندما تُبنى للفلاح قريته كنوع من عمل خيري، فإنه لن يكتسب المهارة والخبرة اللتين يكتسبهما لو بناها بنفسه، وعندما يعود الجيش، أو أيَّاَ ما يكون، إلى مقره، وتأخذ المباني في التلف بمرور الوقت، لن يتمكّن القروي من ترميمها.

والأمر بالضبط كحال رجل يريد حديقة فيذهب إلى دُكَّان ويحصل على عشرة من خُبراء البساتين يأتُون ليصنعوا له حديقة في عطلة نهاية الأسبوع.

وستظل الحديقة جميلة جداً لمدة أسبوع، ولكن الرجل تنقصه الخبرة، وربما حتى الدافع، لأن يحافظ على حسن نظامها -ولعلها بأي حال هي بالنسبة له أكبر أو أغرب مما يستطيع تناوله- وهكذا فقبل أن ينقضي زمن طويل فإن حديقته تصبح جرداء؛ ومن الناحية الأخرى، فلو أنه صنعها بيديه ذاتهما وفي وقته الخاص  به، فإنه سيفهم كل ما فيها، ويستطيع أن يحافظ على جاذبيتها.

وحتى يمكن أن يكون ((نظام العون الذاتي المدعوم)) ناجحاً يجب الوفاء بالشروط التالية:
1-    يجب أن تكون المواد التي تعطى للفلاح رخيصة؛ رخيصة بما يمكن للفلاح أن يشتريه أو بما يمكن للحكومة أن تهبه مجاناً.

2-    يجب أن تكون المواد الممنوحة بحيث يستطيع الفلاحون الحصول عليها بأنفسهم دونما عون حكومي، عندما تصل الخطة إلى نهايتها، ويعني هذا في التطبيق، أنها يجب أن تكون مواد محلية شائعة.

3-    يجب أن تكون المواد بحيث لا تحتاج إلى عمل ماهر عند تناولها، يتجاوز ما يستطيع الفلاحون أنفسهم تحمل تكلفة تشغيلية: بما لا يزيد مثلاً عن بنّاء القرية أو نجاريها، ويجب أن تكون المواد بحيث يمكن تنفيذ معظم العمل بعِمَالة من غير إشراف.

وباختصار، فإن ((العون الذاتي المدعوم)) يجب أن يُساعد الفلاحين على البناء بمواد محلية تكاد تكون بلا تكلفة، مستخدمين مهارات تتوافر لديهم هم أنفسهم من قبل أو يستطيعون اكتسابها بسهولة.

وفوق كل شيء فإن مواد من مثل الحديد الصلب أو الإسمنت -أو حتى الخشب، حيث أنه في الغالب مما يجب دائماً أن يتم استيراده- هي مما ينبغي أن ينظر إليها بكل الارتياب عندما يُقترح تقديمها لمساعدة الفلاحين على بناء بيوتهم.

فهذه المواد يجب ألا يسمح بها في الخطط القومية لإعادة الإسكان إلا إذا كانت البلد نفسها تنتج هذه المواد رخيصة الرخص الكافي، وإلا إذا كان السكان يكسبون المال الكافي لشرائها.

وهناك نظام آخر استخدم في بعض الأماكن، وإن لم يكن واسع الانتشار في مصر، وهو نظام ((النواة))، وفيه تقوم هيئة التخطيط بتصميم بيت أو بيتين قياسيين وتبنى ((جزءاً صغيراً)) من كل بيت، وتترك شاغله ليبني الباقي نفسه.

والجزء الذي تبنيه الحكومة هو النُّواة، وإسهام السَّاكن يُشكِّل بقية التكوين، وحيث أن النَّواة يتم بناؤها، لسُوء الحظ، من الإسمنت أو الطوب المحروق، فإن الفلاح لا يستطيع تحمُّل تكلفة الاستمرار بنفس المواد، ويتمسَّك بأن تكون الإضافات بطوب اللبن.

وهكذا لا يكون ثمَّة تواصل أو انسجام بين جُزئي البناء، ولا يكاد إسهام الحكومة أن يستحق اسم ((النواة)).

ونظام النواة، مثله مثل الأنواع الأخرى من ((المعونة الفوقية)) لا يحفز الحرف المحلية ولا يُعِدُّ الفلاحين لأن يبنوا لأنفسهم.

ولن يكون لأي خطة قومية للإسكان في بلد غير نام أي فرصة للنجاح إلا عندما يُقِرُّ التقنيون -المعماريون المهندسون- الذين يُعهد إليهم بمسئولية إعادة إسكان جمهور من الفلاحين بأنه لا يمكن أن تنشأ تقاليد للبناء لها قوتها واستمراريتها الذاتية إلا من حماس الفلاحين أنفسهم، وأن هذا الحماس لا يمكن أن ينبعث إلا إذا رأى الفلاحون أنهم يستطيعون حقاً بناء بيوت جيدة لأنفسهم بما لا يكاد يُكَلِّفُ شيئاً.

وأنت عندما تريد زهرة، لا تحاول أن تصنعها بأجزاء من الورد والصمغ، وبدلاً من ذلك فإنك تُكرِّس عملك وذكائك لتهيئة الأرض، ثم تضع فيها بذرة تتركها لتنمو، وبنفس الطريقة، فإننا حتى نستفيد من رغبة القروي الطبيعية في البناء، يجب أن نُكرِّس أنفسنا لإعداد الأرض بأن نخلق جواً أو مناخاً اجتماعياً يزدهر فيه البناء، ويجب ألا نُبَدِّدَ جهودنا في إنشاء مبان هي مهما يكون حذقها أو روعتها، إلا أنها ستكون عميقة لا تتكاثر، مثلها مثل الزهور الصناعية.

والحقيقة أن البذور موجودة بالفعل في الأرض، وقد أنبتت واستعدَّت لأن تَشُقَّ طريقها للسَّطح، والنبات قد كَيَّفَ نفسه مع الأرض عبر القرون الطويلة، وسيكون أزهاره إزهاراً وفيراً.

وكل ما نحتاجه هو أن نمنحه القليل من التشجيع، والقليل من التطهير من العشب، والقليل من العزق، وربما بعض رذاذ من رشاشة للمياه بطريقة ذكية، سيكون فيهما الكفاية لأن يؤدِّيا إلى إعادة ميلاد مُبادرة الفلاح للبناء، التي ستكون هكذا أقوى بما لا نهاية له من أي مما يمكن أن يكونه برنامج حكومي جاهز الصُّنع.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 10:23 pm

النظام التعاوني
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit472
نحن نعرف بالفعل أن المواد موجودة وأنها رخيصة؛ ونحن نعرف بالفعل تكنيك استخدامها؛ ما الذي يمكن أن يُعَلِّمْهُ لنا الفلاحون أنفسهم بشأن تنظيم العمل؟

كيف تقوم القرى بتنظيم نشاطها للبناء في تلك الأماكن التي لم يمسَّها بعد مقاول البناء التجاري؟

إنها تتعاون.

وعندما يكون هناك منزل جديد ينبغي بناؤه في قرية، فإنه يتوقع من كل فرد أن يمد يداً.

ويساعد أفراد كثيرون في العمل، وسرعان ما ينتهي البيت.

ولا يُدفع أجر لأي من هؤلاء الجيران المتعاونين.

والعائد الوحيد الذي يتوقعه الرجل الذي يساهم بيوم بناء في بيت زميله القروي هو أن هذا الزميل القروي سيفعل له نفس الشيء ذات يوم.

وهكذا يصبح البناء نشاطاً جموعياً، مثل الحصاد، أو مثل إطفاء الحرائق، أو مثل الزفاف أو الجنازة.

وفي النوبة يبدو أن القرويين يعملون معاً ليساعد أحدهم الآخر مساعدة تتم طبيعياً وبأقل توجيه أو إشراف مثلهم مثل النمل أو النحل.

على أن النظام التعاوني لا يمكن أن يصلح بهذه الطريقة التقليدية إلا عندما يتناول مشاكل تقليدية، وإلا عندما يكون المجتمع نفسه تقليدياً بحق.

وعشرة بيوت جديدة في كل سنة لا تشكل عبئاً كبيراً على موارد العمالة في القرية.

وسيبقى هناك وقت للقيام برعاية الحقول وكل شئون الحياة الأخرى.

وبالمثل، فإنه عندما يعيش رجل على ما يزرعه، وتكون النقود سلعة نادرة، وعندما لا يكون قد تم إغواؤه بمعرفة ما يمكن للنقود أن تشتريه، فإنه يكون على استعداد تماماً لمنح وقته لبناء منزل أو اثنين.

فهو لم يخبره أحد قط بأن ((الوقت هو النقود)).

أما عندما ينبغي بناء قرية جديدة بأسرها، فإن البناء يتطلب قدراً كبيراً من وقت المجتمع؛ والإنسان إذا عمل مقابل أجر، فإنه لن يرغب بعدها في العمل مقابل لا شيء.

ورغم هذا، فإنه لو أمكن أن يُجعل النظام التعاوني نظاماً صالحاً لذلك، فسيكون له ميزات هائلة تفوق أي نظام يستخدم البنائين المحترفين، فأولاً وقبل كل شيء، فإن القرية التي يبنيها سكانها أنفسهم ستكون كائناً حياً، قادراً على النمو ومواصلة الحياة، بينما القرية التي يبنيها محترفون مستأجرون ستكون شيئاً ميتاً يبدأ في التهاوي في اليوم التالي لرحيل البنائين.

وثانياً، فإن القرية المبنية تعاونياً ستكون أرخص كثيراً من القرية المبنية بالعمل المأجور، والحقيقة أنها النوع الوحيد من القرية التي تكون رخيصة بما يكفي لأن يتحمل بلد مثل مصر تكلفة بنائها بأعداد كبيرة.

ولو أمكن جعل النظام التعاوني التقليدي صالحاً للعمل في ظروف غير تقليدية، فمن الواضح أنه سيكون في الإمكان توسيعه وتطبيقه على برنامج للإسكان الجماهيري.

والدافع الأساسي للتطوع المجاني بالوقت والعمل في النظام التعاوني هو الرغبة في أن يلتقي الفرد نفسه عوناً مماثلاً.

والحقيقة أنه مبدأ ((عامل الناس بمثل ما تحب أن تعامل)).

فكل جار، عندما يساعد في بناء منزل، يرسى حقه في أن يتلقى العون نفسه، ويفتح حساباً في نوع من بنوك العمل.

ولو تم الإعتراف بهذا المبدأ وأمكن حساب وتسجيل القدر المضبوط من العمل الذي يوضع لحساب أحد الأفراد، فإن النظام التعاوني سيأخذ في جذب الفلاحين حتى من يكون منهم تجارياً في تفكيره لأقصى درجة.

ومن الواضح أن أي فرد يُحب أن يكون له بيت جديد، إذا كان أكبر وأنظف وأجمل من بيته الحالي.

وأي فرد سيكون على استعداد لبناء منزل كهذا لنفسه إذا بينت له طريقة البناء.

والعقبة هي أن البيت أساساً نتاج جماعي؛ فلا يستطيع فرد واحد أن يبني منزلاً واحداً، ولكن مائة رجل يستطيعون بسهولة بناء مائة بيت.

سيقول الفلاح، ((على رسلك، إنني أريد بيتاً، فهيا نبنيه، ولكن لماذا ينبغي أن أبني بيتاً لأحمد؟ ولا يمكن حَثَّ هذا الفلاح المُتشكِّك على الانضمام لخطة البناء التعاوني الجموعي إلا إذا كان إسهامه الخاص في البيت هو مما يمكن قياس قدره قياساً مضبوطاً غير مُتَحَيِّز وتسجيله كقرض للمجتمع، يقوم المجتمع برَدِّهِ له في شكل بيت.

وحتى يمكن قياس قدر العمل الذي يقرضه أي فرد قروي للمجتمع، ولإقرار هذا القرض بلغة من البناء الذي يدين به المجتمع له، فإن من الضروري أن يُعرف شيئان بأدق التفاصيل فيهما: الأول، قدر عدد ساعات العمل المُفيد التي قام بها أي عامل بعينه، والثاني، قدر العمل بالساعة، الرجل الذي يتم استهلاكه في أي عنصر في البيت.

وأول هاتين المعلومتين يمكن الحصول عليه عن طريق نظام حريص لتنظيم العمل وتحديد مدى تقدمه.

أما المعلومة الثانية فقد أوجدناها في سياق العمل في القرنة، فقد حلّلنا تكلفة كل مقطوعية من العمل وأرسينا له مقطوعيات قياسية يمكن إقرارها بلغة النقود أو السَّاعات / الرجل، لكل طور من العمل في كل نوع من البناء.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 10:44 pm

التدريب بأداء العمل
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit474
إذا كان لقرية أن تبني بواسطة مَنْ سيسكنها مستقبلاً، فإنه يجب أن يوفر فيهم المهارات اللازمة لذلك.

ومهما كان ما يولده النظام التعاوني من حماس، فإنه حماس لا يفيد إلا قليلاً إذا كان الناس لا يعرفون كيف يرصُّون الطوب.

إن العدد اللازم من العُمَّال المهرة مهارة معقولة لبناء قرية لهو عدد أكبر من أن يسمح باستئجار أناس من خارجها، فهذا سيرفع التكلفة لأعلى كثيراً مما ينبغي.

والناس عندما يتحدثون عن التدريب فإنهم عادة ً يفكرون في المدارس، وهكذا يبدو وكأن من الطبيعي إنشاء مدارس فنية لتدريب الفلاحين على حرف البناء الضرورية.

وينبغي أن أؤكد بقوة على أن المدارس الفنية ليست هي ما يلبي حاجتنا من العمال المهرة.

فمن المُحتَّم أنها ستقوم بتدريس منهج أكثر تعقيداً عمَّا ينبغي، بينما نحن نحتاج إلى رجال لهم القدرة على أن يؤدوا عدة عمليات من البناء لعلها تبلغ ست عمليات، أما هذه المدارس فتنزع إلى أن تكون أكاديمية وإلى أن تحدث في عقول طلبتها تحيُّزاً ضد أي من الممارسات التي لا توجد في المراجع؛ وهي تعطي للخريج شهادة دبلوم، تجعله يحس بأنه بلغ درجة من العظمة والأهمية حتى ليحتقر العمل اليدوي ويفضل أن يصبح كاتباً في مكتب حكومي.

وهذه المدارس جداً مكلفة وتضيف إضافة لها قدرها إلى تكلفة برنامج البناء؛ وأخيراً فإنها ستنتج عدداً كبيراً من الحرفيين الذين تدرَّبُوا تدريباً حاذقاً، ولكنهم عند اكتمال قريتهم لن يجدوا عملاً يؤدونه وبذا يضيعون بالنسبة للحرفة وللزراعة.

لا، إنَّ ما نحتاجه هو طريقة لتعليم الفلاح عناصر البناء العملي بحيث يستطيع الإسهام إسهاماً مُفيداً في بناء قريته، ولكننا لا نريد أن نحوله من مزارع منتج إلى بنّاء، هو وإن كان ذا مهارة عالية إلا أنه عاطل.

فلابد للفلاح من أن يكتسب قدرة مناسبة على إقامة الجدران والمخازن على أرضه هو؛ وأن يكون في وضع يمكنه من مساعدة جاره بقدر من البناء، وأن يحتفظ ببيته الخاص سليماً ومُرَتباً؛ ولكنه يعد نفسه دائماً عامل زراعة، وليس بنّاء.

ولاشك أن هناك مجالاً للمقرر الدراسي للمدرسة الفنية، فنحن نحتاج إلى حرفيين محترفين ذوي مهارة عالية يكون منهم مكسب دائم للبلد، ويمكن تدريبهم تدريباً مناسباً في المدرسة الفنية، على أن الجمهرة من العمال أنصاف المهرة يحتاجون إلى طريقة تدريب مختلفة.

وإني لأقترح أن يتدرَّب هؤلاء العُمال بالعمل في المهمة.

وسيكون من الصعب تدريب عدد كبير من الصبيان بالعمل في مهام صغيرة مثل البيوت الخاصة.

وهذا هو السبب في أنه من الضروري، إذا كان للقرية ان يتم بناؤها بالنظام التعاوني، أن نبدأ بالمباني العامة، التي توفر الكثير من الفرص لتدريب القرويين على حرف البناء التي يمكنهم تطبيقها فيما بعد على مساكنهم الخاصة بهم.

وفوق ذلك فإنه إذا تم بناء المباني العامة بنفس أسلوب بناء المساكن الخاصة وبنفس وسائل إنشائها، فإن القرية سيتأكد لها الانسجام المعماري وسوف تتجنب مشهد مجموعة من المباني تعلن عن صفتها الرسمية وعمَّا تزعمه لنفسها من تفوق بمعمارها الأجنبي، وهو انفصام كثيراً جداً ما يكون أكثر من مجرد مظهر سطحي فهو يبرزأيضاً في موقف الناس من رجال الحكومة.

وبتدريب القرويين على المباني العامة، التي ستُقام أولاً كالقلب من القرية، فإنه سيمكننا الاستفادة من المهندسين المعماريين والمعلمين الحرفيين الذين يعملون لحساب الهيئة القائمة بالبناء، بحيث يمكنهم تمرير مهارتهم للناس.

وبعدها، وحتى لو كانت الهيئة لا تستطيع تحمل تكلفة بناء بيوت خاصة كثيرة، فإن المهارات المطلوبة يكون قد تم غرسها، وسيكون مركز القرية موجوداً، وسيتمكن السكان من مواصلة العمل لحسابهم هم أنفسهم.

وبعض عمليات البناء هي مما يسهل جداً تعلمه: كما مثلاً في بناء أضلاع غرفة.

وبعض العمليات الأخرى أكثر صعوبة.

فبناء قبو هو مهمة غاية  في المهارة، ومن المعروف في النوبة أن الصبي يحتاج إلى ثلاث سنوات ليتعلم كيفية رسم القوس الصحيح يدوياً.

ويمكن بالطبع أن يعطي للبنّاء غير المتمرس قالب للقوس الصحيح، بحيث تصبح مهمته أمراً يتطلب الحرص بدلاً من المعرفة.

وقد فعلنا ذلك في القرنة لزيادة سرعة تدريب الصبيان، ونجح ذلك نجاحاً جداً طيب، إلا أن عبد العزيز، معلمنا البنّاء، غضب مني لذلك.

وقال أنه كان يضرب ضرباً عنيفاً على أصابعه كلما ارتكب خطأ، وها نحن الآن نبوح بسر الصنعة لهؤلاء الصبيان من غير أن يكدّوا في سبيل ذلك.

وقد وصلت إلى الاقتناع بأن عبد العزيز على حق؛ وموقفه هذا هو موقف بنائي العصور الوسطى، ((زملاء)) نقابات الحرفة الفرنسية، الذين كانوا يرعون في غيرة الأسرار التي مكنتهم من بناء العقود المُعقدة للكاتدرائيات القوطية حيث كل حركة محسوبة بدقة.

وكان البنَّاءون يتناولون من معلم البنائين رسماً لكل عقد، لا يمكن لهم الانحراف عنه.

وسواء في أوروبا العصور الوسطى، أو في القرنة، أو النوبة لابد للبنّاء من أن يتم نضجه في مهنته على مدى زمن معين قبل أن يصبح مهيأ لتلقي أسرارها العليا.

وليس من طريق مختصر حقاً للوصول إلى المهارة الحرفية، ومثلها في ذلك مثل أي شكل آخر من أشكال المعرفة.

ومن السهل مثلاً تطبيق معادلة ما في الهندسة، ولكن ما لم تكن تفهم طريقة استنباطها فإنك قد تتورط في المشاكل.

ونضج المهارة لهو خبرة لها قدرها من حيث أهميتها معنوياً بالنسبة للحرفي، والرجل الذي يكتسب السيطرة القوية على أي مهارة، يصبح أيضاً أكثر احتراماً لذاته ورفعة في معنوياته.

والحقيقة أن ما يطرأ من تحول على شخصيات الفلاحين عندما يبنون قريتهم هم بأنفسهم لهو أكبر قيمة من التحول الذي يطرأ على حالتهم المادية.

فكل رجل حرفة يزيد ما يكتسبه ذاتياً من الفهم والكرامة، بينما تكتسب القرية ككل حسّاً من الروح الاجتماعية، ومن التكافل، والتآخي، ما لا يمكن الوصول إليه إلا بمثل هذا الإنجاز التعاوني.

وبسبب هذه القيمة المعنوية للمهارات الإنشائية، فإنه كثيراً ما كنت أفضل ما قد يبدو وكأنه الطريقة الصعبة للبناء.

فمثلاً، يبدو أن لاستخدام التربة المدكوكة مزايا كثيرة تفوق استخدام طوب اللبن، وأهمها أن عمليات صنع الطوب يتم اختصارها.

ولا يحتاج صنع الجدران إلى أي مهارة سوى القوة الغشوم.

على أني أعتبر دائماً أن رص الطوب نشاط فيه من النبل ما هو أكثر من المداومة على دك كتلة من التربة طيلة ساعات في إطار خشبي.

وحتى من الوجهة العملية فإن تنمية المهارات فيها مزايا؛ والبنّاء الذي يعتمد على القوالب للحصول على الأقواس الصحيحة لا يمكن له أن يقيم آمناً قبواً من فوق جدران تكون غير متوازية.

وقد شرحت من قبل أن نظام البناء التعاوني لا يمكن أن يصلح إلا إذا أمكن تسجيل عمل فرد كقرض للمجتمع ليرد له في شكل بناء.

ومن الواضح الآن أن عمل البنّاء الماهر ينبغي تقديره تقديراً أعلى كثيراً مما للعامل غير المدرب.

مرة أخرى، فإنه إذا سمح المجتمع لبنائيه بأن ينفقوا وقتهم الثمين في تعليم المتدربين، فإن هذا الوقت ينبغي أن يدفع ثمنه شخص ما، وبالتالي فإن خطة التدريب بأداء العمل يجب أن تتيح للمتدربين دفع ثمن تدريبهم بأن يهبوا إلى المجتمع مهارتهم المكتسبة حديثاً بأجر أقل من الطبيعي.

وقد وضعت الخطة التالية للتدريب بأداء العمل، والتي طبقتها في القرنة:
يُطلب من المساعدين -الشبان والصبيان الذين يقومون بالعمل غير الماهر- أن يراقبوا البنائين وهم يعملون بحيث يمكنهم أخذ فكرة عن نوع العمل الذي يتم أداؤه.

ويتم الإعلان عن مقرر التدريب شفوياً وبالكتابة معاً، مع شرح تفصيلي لمراحل التدريب، والمهارات التي ستُعَلّم، ومعدل الأجور المناسب لكل مرحلة.

وعندما يظهر على أفراد من بين المساعدين أنهم حريصون على التعلّم أو يظهر فيهم أي استعداد، فإنهم يوضعون على أول درجة من السُّلم الذي يؤدي إلى تأهليهم النهائي كبنَّائين.

وهناك خمس مراحل تدريب:
(أ) متدرب: أجر يومي، 8  قروش (نفس الأجر للفاعل الصبي غير الماهر).
(ب) صبي: أجر يومي، 12 قرشاً.
(ج)  مساعد بناء: أجر يومي، 18 قرشاً.
(د)  بناء أجر يومي، 25 قرشاً.
(هـ) معلم بناء: أجر يومي، 35 - 40 قرشاً.

ويتعلّم من يتم قبولهم في الفصل أ -متدرب- كيفية إقامة الأضلاع من رسم تخطيطي لوحدة مربعة، ورص الطوب للحوائط بسمك طوبة، وطوبة ونصف الطوبة، وطوبتين، ورص الطوب  للجدران المتقاطعة، ورص الطوب للأركان والعضادة.

وكل هذه الجدران تبنى يابسة، دون استخدام لملاط.

وبعد أسبوعين من التدريب يُختبر المُتعلّم لمعرفة قدرته على رص 200 طوبة في الساعة رصّاً صحيحاً.

وإذا اجتاز الاختبار، فإنه يعمل بعدها فيما جرى بناؤه بالفعل من المباني، فيساعد معلمي بناء بأن يناولهما المواد التي يحتاجانها.

وسوف يراقب أيضاً عملهما بفهم أكثر، حيث أنه قد تم تدريبه، وسوف يتعلّم من مراقبته لهما.

ولابد من أن يستمر لأسبوعين في هذا العمل، بنفس الأجر كفاعل (8 قروش).

ثم يتقدم المتدرب إلى المرحلة ب ويعود ثانية إلى الفصل ليتعلّم المزيد بشأن حرفته.

فيرص الطوب لنفس الجدران، كما من قبل، ولكنه هذه المرة سيستخدم الملاط.

وسوف يبني حواجز من نصف طوبة من الطوب الأحمر بملاط طيني.

كما يتعلم بناء أعمدة مربعة من سمك طوبة، وطوبة ونصف الطوبة، وطوبتين، وكتف جدارية بعرض طوبة على جدران من سمك مختلف.

وإذا استطاع أن يكون مُتمكناً من هذه العمليات خلال أسبوعي الدرس فإنه يعود ثانية إلى المهمة الرئيسية لأسبوعين، حيث يساعد مُعلّمي بناء بأن يملأ قلب الجدران التي يبنيانها.

وهذا عملٌ مفيدٌ، ولكنه لا يتطلّب مهارة بنّاء مؤهل، لأن المساعد ليس مسئولاً عن استقامة الجدران واستوائها.

والمتدرب يدفع له أثناء قيامه بهذا العمل 12 قرشاً، أي أكثر من الفاعل المتواضع، لأنه الآن قد تخرّج إلى مرتبة الصبي.

ويمكن القول بأن قيمة عمله هي على وجه التقريب ربع قيمة معلمي البناء، أو هي 20 قرشاً في اليوم.

وفارق القروش الثمانية بين أجره وقيمة عمله يمكن أن يُعَدُّ بمثابة وفاء لدينه للمجتمع عن تدريبه.

وبعد أن يقوم بهذا العمل على وجهٍ مُرْضٍ لمدة أسبوعين، يعود إلى فصل المرحلة ج.

وهو هنا يتعلّم بناء العقود المفصَّصة بعمق طوبة ونصف الطوبة على جدران سميكة طوبتين، ويكون بحر العقد من 0.9 متر و 1.2 متر (للنوافذ والأبواب) ويتعلّم بناء العقود المُدبَّبة ذات البحر من مترين 2/1 2 متر.

وإذا اجتاز اختباره، ويكون في هذه المرَّة بعد أسبوع واحد فقط، فإنه يصبح مساعد بنّاء ويذهب إلى العمل في المهمة لمدة أسبوع بأجر من 18 قرشاً.

ويمكن الآن أن نعد عمله مساوياً لعمل معلم بناء (40 قرشاً يومياً)، وهكذا فإننا نكسب منه 22 قرشاً يومياً.

والمقرر التالي من دروسه يستمر لأسبوعين، حيث بناء الأقبية دون شدة ولبحر من 2/1 1، و 2/1 2،  3 أمتار، وأن يبني قبة بيزنطية (من فوق خناصر متدلية) لها بحر من ثلاثة أمتار.

وحتى يتم تخريجه من هذه المرحلة، لابد أن يكون قادراً على بناء قبو بحره متر ونصف المتر بمعدل متر طولي في الساعة (152 طوبة للمتر الطولي)، وقبو من مترين بمعدل 60 سنتيمتراً للساعة (204 طوبة للمتر الطولي)، وقبو من مترين ونصف المتر بمعدل 30 سنتيمتراً للساعة (340 طوبة للمتر الطولي).

أمَّا القُبة التي تتكون من 1400 طوبة، فينبغي أن يتم بناؤها في يومين بواسطة اثنين من المتدربين.

ولَمَّا كان البنَّاءون يعملون في أزواج، فإن هذه المُعدلات  تضاعف بالنسبة لكل زوج من المتدربين وبالتخرج من هذه المرحلة  ينال المتدرب لقب بنّاء؛ وإذا لم يجتز اختبار التأهيل، فإنه يُعاد إلى المُهمَّة كمساعد بناء لمدة شهر على الأقل، يمكن بعده أن يُسمح له بإعادة المُقرر، إذا اجتاز أن يعود، وذلك بشرط أن يفهم أنه لن ينال أجراً.

والبنّاء المُتخرِّج، الذي يمكنه الآن أن ينال 25 قرشاً في اليوم، يكون حُرّاً في أن يأتي للعمل في المهمة كلما وحيثما أحَبَّ.

وبعد هذه المرحلة من التدريب، سواء اجتاز المتدرب اختباره أم لم يجتزه، فإن مستقبل عمله والعمل الذي سيقوم به، أو التدريب الإضافي الذي يدخله، هو أمر يترك له شأنه بالكلية.

وبهذه الطريقة فإنه لن يرغب في دخول المرحلة التالية من التدريب إلا من يكون حريصاً أبلغ الحرص على ذلك.

* * *

وفيما يلي ما يلزم لإعطاء المتدرب مؤهله النهائي كمعلم بناء.

فلابد من أن يبن قباباً على الخناصر المعقودة  ويكون قطرها من 3 أمتار وأربعة أمتار، وأن يبني قبواً على جدران تكون غير متوازية، بحيث يكون بحر طرفه الكبير 3 أمتار، وأن تظل القمة أفقية طول المسافة.

وهذه مهمة خداعة جداً، لأن الطلوع يجب أن يعلو تدريجياً في سياق عمل البنّاء.

ثم لابُدَّ من أن يبني سُلّماً محمولاً على أقبية.

ويستمر هذا المقرر لأسبوعين، وبعد اجتيازه يجب أن يعمل المتدرب لمدة أسبوع في المهمة مع بنائي الحجر، ليتعلّم كيفية معالجة الحجارة، وأخيراً فإنه يُعطي شهادة تُبيِّن ما يمكنه القيام به، وتشهد له بأنه معلم بناء كامل التأهيل وكل فترة التدريب لمعلم البناء تستغرق سبعة عشر أسبوعاً وتكلف ما يقرب من 800 قرش، أو ثمانية جنيهات.

وثمَّة وفرة في الوقت، فالمتدرب الذي يلتقط العمل سريعاً يتعلّم أسرع، واستثمار الجنيهات الثمانية يتم تعويضه بالكامل حتى قبل أن يتم تخرج المتدرب في النهاية، بينما لو نظرنا إلى أنه في أول شهر له كمعلم بناء سيُمنح أجراً يقل عشرة قروش عن المعدل المعتاد أو يقل 15 قرشاً يومياً لو ظل في درجة بناء فسوف نجد أننا نحصل على ربح إجمالي بالنسبة لكل متدرب ناجح.

وحيث أن المتخرج المتوسط سيعمل لبضعة شهور قبل أن يكون صالحاً بما يكفي لدفع أجر كامل له، فإنه سيرد مبلغاً كافياً لتغطية مرتب المدرب.

ونظام التدريب هكذا هو وسيلة عملية ميسرة لإنتاج العمال المهرة الذين نحتاجهم.

وهو مما يوصى به للمقاولين، فيما لو أرادت الحكومة استخدامهم، ذلك أن الشاغل الأكبر للمقاول هو أن يجد العمالة التي يحتاجها في الأماكن القصية.

وقد اتصلت بالعديد من كبار المقاولين لأعرف ما إذا كانوا يرغبون في استخدام بنائين تم تدريبهم هكذا، ورحبوا جميعاً بالفكرة في حماس.

فهي بلا شك ستوفر لهم نقودهم، ذلك أن حث بنَّاء يُقيم في المدينة على الرحيل إلى قرية بعيدة يستلزم أن يدفع له المقاول ضعف معدل الأجر المعتاد.

ومع كُلٍّ، فإنَّ أي مشروع سيظل هو الأرخص لو أن الحكومة أقرضت المعدات للبنائين الصغار المحليين بدلاً من تشغيل كبار المقاولين، ذلك أن البنائين الصغار هم الذين يقومون بالعمل الفعلي في كل حال، وهكذا فلو أنهم أُعطوا الفرصة لاستخدام المعدات التي لا يستطيعون في الأحوال الطبيعية تحمل تكلفتها، فسيمكن إلغاء ربح المقاول الكبير من قائمة الحساب، وسيتم تشجيع الاستثمار المحلي والازدهار المحلي، وسيسهل بأكثر تدريب الحرفيين المحليين.

وقد ظهر البرهان الساطع على أن هذا التطبيق يتصف بأنه عملي، عند بناء مدرسة فارس، حيث لم يتقدم أي مقاول بعطاء لها، ورغم أن المقاولة ظلت معروضة لثلاث سنوات متتالية.

واشترينا هناك معدات بما قيمته 200 جنيه وأقرضناها للبنائين الصغار المحليين، وكانت النتيجة أن المدرسة كلفت فحسب ثلث ما تكلفه المدارس عادةً في أماكن أكثر قرباً.

ومدرسة فارس بها عشر حُجُرات دراسية، ومكتبة واسعة صُمِّمت خصيصاً كمكتبة، وغرفة واسعة متعددة الأغراض من خلف مسرح مفتوح لعرض التمثيليات، وقد تكلفت 60 جنيه مصري، في حين أن مدرسة أخرى من نفس النوع في مدينة أسوان عاصمة المحافظة، بها فقط تسع حجرات دراسية وحجرة عادية تستخدم كمكتبة، تكلفت 16.000 جنيه مصري.

ومُعلّم البناء بعد تخرجه، يعمل على الأقل لمدة شهر بأجر من 30 قرشاً.

والمتخرج الذي يصل إلى مرتبة بنَّاء ويعمل في المهمة دون أن يواصل التمرين لمعلم بنَّاء سيرد نقوداً بمعدل 360 قرشاً بدلاً من 240 قرشا ومعلم البناء الذي يظهر مهارة عالية في البناء خلال الشهر الأول بعد التخرج أثناء عمله في المهمة، سيزيد أجره اليومي إلى 35 قرشاً.

وإذا استمر في إظهار التقدم في فنِّه خلال الشهر التالي لرفع أجره هذا، فإنه سيُعطي في النهاية أجراً كاملاً من 40 قرشاً (أنظر الملحق 2).
* * *




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الإثنين 30 ديسمبر 2019, 11:49 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالإثنين 30 ديسمبر 2019, 11:48 pm

القرنة ليست هدفاً في ذاتها
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit475
لم تكن القرنة بالنسبة لي هدفاً في ذاتها وإنما هي أول خطوة تجريبية على الطريق إلى تجديد الريف المصري تجديداً كاملاً من خلال إعادة بناء قراه.

وقد تمَّ في القرنة تجربة مفهوم جديد تماماً للإسكان الريفي وثبت أنه عملي.

والجزء الأول من هذا الكتاب يطرح برنامجاً لتطبيق هذا المفهوم في حملة بطول البلاد كلها لإعادة بناء القرية.

وقد يُعترض بأن الإسكان الريفي ليس هو أكثر المشاكل إلحاحاً فيما يواجه مصر؛ وأن من الأفضل لو أن المَرْءَ كرَّس انتباهه لتوفير العمل أو الطعام أو أي مطلب آخر أكثر ضرورة.

ولا يمكن أن ينكر أحد أن المهمة الأولى العاجلة بالنسبة لمصر هي تحسين حياة شعبها.

وإلى حَدٍ بعيدٍ، فإن الجزء الأكبر من سكان مصر موجود في القرى؛ أو بكلمات أخرى، فإن معظم المصريين قرويون، يعيشون عيشة بائسة أبلغ البؤس.

وهكذا فإن الحُكم على أي حكومة أو أي مذهب سياسي في مصر يكون حسب نجاحه في رفع مستوى معيشة هؤلاء الفلاحين.

وإذن هل البيوت الأفضل هي الضرورة الأولى لرفع مستوى المعيشة هذا؟ وربما لا، ولكن هل هي الطعام؟

إن مستوى المعيشة لا يتحدَّد فحسب بقدر الطعام الذي يأكله الناس ولا بقدر العُمر الذي يقضون بعده.

وقد اقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة عدداً من ((العوامل والمؤشرات لقياس مستويات المعيشة)) يظهر من بينها بنود من نوع ((الاستجمام))، و ((الحرية الإنسانية))، و ((ظروف العمل)).

ولا شك أن الصحة واستهلاك الطعام هي مما يؤخذ في الحسبان، وكذلك أيضاً الإسكان.

فمستوى المعيشة يتحدَّد بعوامل كثيرة، والإسكان ليس مطلقاً عاملاً تافهاً.

وهو أيضاً العامل الذي أستطيع، بصفتي مهندساً معمارياً، أن أعطي المشورة بشأنه.

وحتى عندما يُعترف  بأن ظروف الإسكان هي أحد عناصر ((مستوى المعيشة)) فإنه كثيراً جداً ما تقدر نوعية الإسكان حسب توفيره لمجرد غرفة ومنافع صحية.

على أنه قد ظهر المرة بعد الأخرى أن غرفة أو غرفتين، ودورة مياه لا ترفع بالضرورة من مستوى المعيشة.

فالغرف المُكدَّسة، الغرف التي تحتشد بالدواجن والحيوانات الأخرى، لا تساهم في منح الإحساس بالرضا والأمان.

وإذا كان للإسكان أن يكون عاملاً من عوامل مستوى المعيشة، فإنه يجب أن يكون إسكاناً يوفر سعة وجمالاً مثلما يوفر المراحيض.

ولسوء الحظ، حيث أنه يبدو الإسكان يأتي في مرتبة تالية للتغذية كأحد العوامل في الإبقاء على حياة الناس، فإنه كثيراً ما يبدو أن المخططين يظنون أن مجرد الحد الأدنى منه هو كل ما يمكن تحمل تكلفته، ويشبه ذلك ما يظنه بعض الناس من أن مسئوليتهم تنتهي بمجرد أن يوفروا للعاطلين مطبخ حساء لتغذيتهم.

ومطبخ الحساء ليس كافياً، وكذلك البيت الذي من الحد الأدنى.

وأي عائلة إنما تحتاج إلى بيت فيه ما يكفي من حيث السِّعَة، والخصوصية، والسَّلام، وفيه مُتسع للحيوانات وغير ذلك من الأغراض الإضافية التي لا غنى عنها لحياة الأسرة.

ويقول البعض من ذوي السلطان أن من المستحيل إعطاء ذلك للفلاح.

وهم يشيرون إلى صعوبة تمويل البيوت الجيدة.

فدخل الفلاح المصري هو في المتوسط 4 جنيهات في السنة.

كيف يمكن للفلاحين أن يدفعوا ثمناً لأي نوع من البيوت، دع عنك بيتاً كبيراً؟

وحتى مع القروض الحكومية، فإن معظمهم لن يستطيعوا دفع تكلفة أرخص التصميمات العملية التي تُعرض عليهم.

ويقول هؤلاء الناس أن النقود لا وجود لها في الريف، وهم مُحِقُّونَ في ذلك.

والبيوت تُكلّف نقوداً، وكلما كانت أكبر كلّفت أكثر.

ولن نستطيع بأي حال تحمُّل تكلفة إعطاء بيوت لكل الفلاحين، وهكذا فحتى نستطيع إسكان أكبر عدد ممكن، يجب أن تكون البيوت التي نعطيها لهم فعلاً من أقل نوعية مقبولة.

وهذا هو موقف مطبخ الحساء في أسوأ أحواله.

لقد أصيب هؤلاء الناس بالفزع بسبب أحد الأرقام، وهو أربعة جنيهات مصرية في السَّنة.

وهم بسبب تصورهم للبيوت على أنها أشياء تأتي من المصانع، أشياء هي نتاج مباشر أو غير مباشر للصناعة الكبيرة وللأعمال المالية الكبيرة، فإنهم لا يستطيعون تصوُّر أي طريقة يمكن بها شراء بيت مقابل 4 جنيهات في السَّنة.

والحقيقة أنه طالما ظلَّ تفكيرهم محصوراً بالنظام النقدي، وسجينا في صرح المقاولات، و مقاولات الباطن، والعطاءات وتخصيص الحصص، فإنهم لن يروا أبداً أي طريقة لتوفير بيوت للناس تصلح لأن يعيشوا فيها.

وحتى الآن فإن أي حَلٍ يُطرح لمشكلة الإنسان الريفي في مصر يبدأ بافتراض أن بيت الإسمنت أفضل من بيت اللبن، وأن أول خطوة لتحسين بيوت الفلاحين هي ((تحسين)) مواد البناء، وليس التصميم.

وهذه المواد ((المُحسَّنة)) هي على نحو ثابت مواد مُصنَّعة بواسطة الصناعة الكبيرة: الحديد الصلب، والإسمنت، الخ.

وبالطبع فإن هذه المواد تكلّفت نقوداً -وكلما زدت منها في البيت- أي كلما كان البيت أكبر حقاً كان عليك أن تُنفق أكثر.

ويصل مخطوطاً إلى استنتاج هم محقون فيه تماماً، وهو أننا لا نستطيع تحمُّل تكلفة إعطاء الفلاحين منازل أسمنتية واسعة.

وليس فقط المنازل الواسعة؛ بل إننا لا نستطيع حتى تحمُّل تكلفة أصغر المنازل الإسمنتية لكل الفلاحين الذين يحتاجون إليها، وهي حقيقية كثيراً ما يُحَرَّفُ تفسيرها.

لا، عن أي حل يتطلّب دفع ثمن مواد بناء مُنتجة صناعياً ودفع أجور لمقاولي البناء التجاريين لهو حَلٌ محكومٌ عليه بالفشل الأكيد.

فليس لدينا نقود كافية.

وإن كان للبيوت أن يتم بناؤها مطلقاً، وبكميات كافية، فإنها لابُدَّ وأن تبنى بما لا يُكلّف نقوداً.

فلابد أن نخرج مباشرةً عن إطار النظام النقدي، وأن نتجاوز المصانع، وأن نتجاهل المقاولين.

كيف يمكن القيام بذلك؟

كيف يمكن لنا أن نُعيد بناء أربعة آلاف قرية دون أن نستخدم نقوداً؟

إن الإجابة موجودة في هذه الصورة الفوتوغرافية.

وهي تُبيِّنُ حُجرة في منزل فلاح في النوبة.

وهذا البيت، مثله مثل مئات أخرى غيره في القرى المُحيطة بأسوان، قد تم بناؤه دون إنفاق قرش واحد.

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 1216


ولم يصل أي مقاول للبناء لمسافة عشرة أميال منه.

وهو لا يحوي أسمنتاً ولا صلباً، ولا مواد بناء مطلقاً سوى ما يتم إنتاجه في الموقع.

وبناء الحُجرة يستغرق أسبُوعاً واحداً.

والبيت كله التي هي جزء منه يتم بناؤه في ثلاثة أسابيع.

وهذه هي المزايا العملية.

أما من حيث الصفات الجمالية فإن الصورة تتحدث بوضوح كاف.

ويكفي أن نسأل أين يحدث في أي مشروع إسكان جماهيري في العالم تحت إشراف أي هيئة قومية أو دولية، أن نجد مثل هذا التمكُّن من المساحة، وهذا التناول الواثق للنِّسَبِ، وهذا التناسق، والنُّبل والسَّلام.

فكل مَنْ له أعين ترى، سوف يُدرك أن هذه الغرفة هي الحل ((لمشكلة)) الإسكان في مصر.

أي جوانب في المشكلة تحلها هذه الغرفة؟

الأول جانب المال.

إنها تُبنى بالكلية من اللبن ولا تكلف شيئاً.

والثاني, جانب المساحة.

فنحل مشكلة المال, لا يكون هناك قيد على حجم البيت, وعشر حجرات تكون في رخص حجرة واحدة.

والجانب الثالث هو الجانب الصحي.

فالاتساع يعي الصحة, بدنياً وعقلياً, بينما مادة البناء, وهي اللبن, لا تأوي الحشرات كما يفعل الخشب والقش.

ورابعاً جانب الجمال.

إن متطلبات الإنشاء وحدها فيها الكفاية تقريباً لضمان وجود خطوط لطيفة سائغة, كما أن حقيقة أنها طريقه بلا تكلفة تُعطي للمُصمم حرية كاملة لأن يُنتج جمالاً فراغياً دون إحساس بقيد من ميزانية شحيحة.

كيف يمكن لهذه الغرفة أن تحل مشكلة حيَّرت كل المعماريين والمُخططين في مصر؟

ما الذي يوجد عند الفلاحين النوبيين ولا يوجد عند مهندسينا المعماريين؟

الأمر الأول, أن لديهم التكنيك، تكنيك بناء الأقبية بطوب اللبن.

وهذا يحررهم من التكلفة, ويمكنهم من بناء منزل كامل بسقفه وبكل شيء دون إنفاق نقود.

والثاني, أن لديهم تقليد التعاون في حياتهم اليومية, بحيث أنه عندما ينبغي بناء بيت, فإن كل الجيران يأتون للمساعدة, ولا توجد مشكلة استخدام عمال ودفع أجر لهم.

والمغزى الذي نستقيه من هذه الصورة ذو شقين: أن تبني البيوت من طوب اللبن, وأن تستخدم في بنائها الخدمات المجانية التي يهبها مَنْ سيسكنوها مستقبلاً.

ومن الممكن عند هذه المرحلة توجيه سؤال معقول, هو ما الذي لدى تجربة القرنة لتضيفه, إذا كانت هذه الصورة توضح كل هذه الأمور؟

حسناً, لقد داوم النوبيون على البناء هكذا طيلة ستة آلاف سنة, ولم يتنبه أحد لأهمية تلك النقطة، والمهندسون المعماريون الذين تقتصر خبرتهم على البناء في المدينة يحتاجون لشيء من الإقناع عندما يُطلب منهم وضع تصميمات للبناء باللبن.

وعندما يستدعي الأمر على نطاق واسع -كبناء قرى بأكملها, بالمئات- فإنه سيودُّون معرفة ما إذا كانت الأساليب النُّوبية هي مما يمكن اتخاذه لمثل هذه الخطط دون أن تفقد مزاياها من عدم التكلفة ومن الجمال.

ولعلهم يودُّون أيضاً معرفة ما إذا كان بيت بالطوب اللبن يمكن أن يتضمَّن التركيبات الصحية وغيرها من وسائل الراحة التي تتطلبها المدنية الحديثة, وما إذا كان هذا البيت سيُثبت في النهاية أنه متين مثل البيت المصنوع من مواد البناء الأكثر احتراماً.

ولست أزعم أن القرنة تُجيب إجابة حاسمه عن كل سؤال من هذه الأسئلة.

على أن الأسئلة الرئيسية, فيما يتعلق بوسائل الراحة الحديثة والتحمُّل, فقد تمَّت الإجابة عنها حقاً إجابة جِدُّ مُرضية, وقد بيَّنا أن تقنيات الفلاح ومواده يمكن استخدامها في خطط البناء المُصممة معمارياً على نطاق واسع, وبالنسبة لمسألة التكلفة الخطيرة, فإن القرنة فيها اقتراح إجابة لا غير.

ذلك أن القرنة كانت حالة خاصة جداً.

فنحن لم نكن نُعيد بناء قرية موجودة, في تعاون سعيد مع القرويين, وإنَّمَا كنا نبني على موقع جديد مركز استقبال لسُكَّان عليهم أن يُنقلوا ضد رغبتهم ليُغادروا مسكنهم المُعتاد.

وحتى يكون البناء الريفي رخيصاً حقا, فإنه لابد أن يتم بواسطة الفلاحين في تعاون بالتطوع, وليس بواسطة الفعلة المأجورين.

وقد ابتكرتُ طريقة لأدخل تقاليد القرويين المتوارثة للبناء تعاونياً في مشروع على نطاق كبير من مثل بناء قرية كاملة, ولكن معارضة أهل القرنة لأن يُنقلوا كانت سبباً في عجزي عن استخدام هذه الطريقة.

وكان عليَّ أن أستخدم فَعَلَةً وأدفع لهم أجراً ومع كُلٍ, فقد كانت من السَّهل تماماً أن نطرح تكلفة العِمَالة من التكلفة الكلية حتى نصل إلى  تقدير التكلفة في خطة مماثلة تستخدم عمالة تعاونية مجانية.

وبعد القرنة, وددتُ كثيراً لو واتتني الفرصة لتجربة نظام التعاون التطوعي في أحد مشروعات البناء الكبيرة.
* * *




لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالثلاثاء 31 ديسمبر 2019, 12:04 am

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 1217

تجربة ولدت ميَّتة، ميت النَّصارى:

إبليس في مُطاردة لا تلين

واتتني الفرصة في عام 1954، عندما انهار جُزءٌ كبيرٌ من قرية ميت النصارى مُحترقاً.. وأصبحت مائتا أسرة بلا مسكن، وتعيش في الخيام في كَرْبٍ عظيم، وأرادت الحكومة إعادة إسكانهم بأسرع ما يمكن.


وكان سيُمنح لكل أسرة 200 جنيه مصري، منها مائة جنيه هبة بالكامل من وزارة الأشغال ومائة جنيه كقرض من وزارة الشئون البلدية والقروية.


وسرعان ما أصبح واضحاً أن هذا المبلغ لن يكفي لأن تبني العائلة لنفسها بيتاً جديداً من خلال الوسيط المعتاد من المقاولين الخاصِّين، وهكذا دعاني وزير الشئون الاجتماعية لأعمل كمستشار للجنة التي كان عليها توفير هذه البيوت الجديدة.


ووجدتُ أن الأسَرَ التي فقدت مأواها تتوقّع من الحكومة أن توفر لهم البيوت الجديدة وكأنها مَلَاكٌ يرعاهم.


وبدا أن الموقف السَّائد هو كالتالي: ((حسناً) إذا كان في إمكانهم إعطاؤنا 200 جنيه مصري، فلِمَ لا يعطونا 400 جنيه أو 1000 جنيه؟


وفكَّرتُ أن 200 جنيه قد تكون حقاً كافية لتغطية تكلفة المواد من مثل الخشب والمواسير التي لا يمكن صناعتها محلياً، كما تكفي أيضاً لتكلفة العِمَالة الماهرة والمساعدة الفنية، بشرط أن يُساهم القرويون أنفسهم بالعِمَالة غير الماهرة وأن يُقرضوا حيواناتهم للمساعدة في نقل المواد.


وسُرعان ما أدركنا أننا لن نستطيع فيما يحتمل تسجيل حسابات الإسهام بالعِمَالة لكل عائلة من المائتي عائلة ومالها من دين في البناء وأننا أذا حاولنا التعامل مع كل عائلة على حِدَة، فإننا لن نتمكن من ضمان انسياب العمال انسياباً منتظماً؛ فالناس سينطلقون دائماً إلى السوق أو إلى الحقول وسيكون علينا إنفاق الوقت في التنظيم أكثر مما في البناء.


كما وسيكون من المستحيل أيضاً جمع الأفراد دون تمييز أو بأي مما يكون من جداول العمل وذلك أن الأفراد لن يدفع لهم أي أجر، ومثل هذا الأسلوب سيكون نوعاً من العمل الإجباري.


ولهذه الأسباب، قررنا أن نقسم السكان إلى حوالي عشرين مجموعة من العائلات، وطلبنا من كل مجموعة اختيار ممثل لها، رَجُلٌ مُسِنٌ يُمكننا التفاوض معه.


وكل مجموعة من العائلات تكون مسئولة عن إيجاد حصتها من العِمَالة في الوقت المناسب؛ وسوف يُعهد بالبيوت إلى مجموعة العائلات؛ ويتم توقيع العقد مع مجموعة العائلات التي يمثلها الرَّجُلُ المُسِنُّ.


وكل مجموعة من هذه المجموعات تضم ما يقرب من عشرين عائلة يمكنها أن تقدم على الأقل ثلاثين عاملاً، ويمكنها تنظيم الأمور بحيث يؤخذ من العائلة الفقيرة أقل من غيرها فتستطيع المحافظة على الإمداد بالعمال بينما يُسمح للعائلات الفردية ببعض الحرية في التزاماتها.

* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالثلاثاء 31 ديسمبر 2019, 12:09 am

تنمية المجتمع على المستوى الجذري
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit476
ما إن قرَّرنا ذلك، حتى أصبح من الضروري شرح اقتراحاتنا للقرويين، ففي أول الأمر أبدوا عداءً لفكرة طوب اللبن، ولكن عندما شُرح لهم أنه ما من وسيلة أخرى للحُصول على بيتٍ مقابل تلك النقود، وأنه حسب هذا النظام سيكون في إمكانهم الحصول على بيت مقابل تلك النقود، وأنه حسب هذا النظام سيكون في إمكانهم الحصول على بيتٍ واسع جميل، فإنهم وافقوا.

وكنا وقتها قد وضعنا تقديراتنا على أساس المعلومات التي حصلنا عليها من القرنة، وحسبنا أنه يمكن إعادة إسكان القرية بتكلفة 84 جنيهاً للمنزل، وبذا نضع في جيوب القرويين 16 جنيهاً ونُمكنُهم من الاستغناء عن قرض الجنيهات المائة.

واتخذت هذه التقديرات شكل برنامج كامل للعمل.

ووُضح على خريطة للقرية أين ستكون بيوت كل مجموعة من العائلات، وبَيَّنَ جدول العمل أي جزء من العمل ينبغي توفيره بواسطة العِمَالة غير الماهرة من الفلاحين، وأي جزء بالعِمَالة الماهرة التي تستأجرها الحكومة، وأي جزء من العِمَالة يُنفق في التدريب.

وتعاقد كل طرف على توفير قدر مُعَيَّنٍ من العِمَالة، وأي مجموعة عائلات تتخلّف عن هذا الالتزام تفقد كل حقها من المعونة الحكومية.

وما إن تم شرح اقتراحاتنا ووافق القرويون على فكرة إنفاق نقودهم على المهندسين المعماريين والحرفيين بدلاً من إنفاقها على الإسمنت المسلح، حتى أصبح علينا أن نُريهم نوع البيوت التي ستكون لهم.

ورتَّبنَا لخمسة من ((المُسِنِّينَ)) ومعهم خمسة من بنَّائي القرية، أن يُسافروا إلى القرنة، حيث يُرحِبُ بهم أهل القرنة وتُعرض عليهم المباني هناك.

وأعددنا في نفس الوقت خططاً لعدد من عيِّنَاتٍ للبيوت، وباستخدام هذه الخطط، قمنا بتقديرات تفصيلية لكمية ونوع العِمَالة (المُحترفة أو التعاونية) المطلوبة لكل.

واخترنا موقعاً للقطاع الجديد، ولكننا تريثنا قبل وضع الرسم التخطيطي حتى يكون لدينا الوقت الكافي لاستقصاء التركيب الاجتماعي للعائلات، ولتحديد حجم المجموعات.

وتعيين المندوبين المُسِنِّينَ، ولنناقش توزيع العائلات على وحدات المجاورة.

وكان ينبغي القيام بهذا كله قبل إمكان تصميم البيوت المنفردة.

وكنا على استعداد لاعتبار حجم كل عائلة ورغباتها المعقولة ونحن نصمم بيتها -ولم يكن لدينا اعتراض لأن تدفع العائلة مبلغاً إضافياً يكون مثلاً لزيادة اتساع  المبنى، أو لبعض تجهيزات مترفة- ولكن كان علينا أن نجعل واضحاً أن شاغلنا الرئيسي هو إسكان المنكوبين وليس إرضاء نزوات أولئك الذين يمكنهم الدفع لمهندس معماري خاص.

وكل قرية يوجد لديها ميل تقليدي ومنطقي جداً للنظر إلى ((الحكومة)) كنوع من وثن معبود، يجب خشيته واسترضاؤه، والتوسُّل إليه، ولربما أمكن استنزال بعض بركات منه غير متوقعة، إلا أنه من النادر أن يخطر للقروي أن الحكومة هي شيء يمكنك أن تتعاون معه، شيء يمكنك حتى أن تبرم معه اتفاقاً معقولاً لتتناول إحدى المشكلات.

وكان علينا أن نقنع فلاحي ميت النصاري أن سلطان الحكومة ليس إلهياً وبلا حدود، وإنما هو على العكس من ذلك سلطان يمثله تمثيلاً دقيقاً جداً مبلغ المائتي جنيه التي سبق تقديمها، وأن كل ما ستقدمه الحكومة الآن هو فحسب النصيحة الطيبة بشأن طريقة إنفاق النقود على أحسن ما يُفيد.

وتكلفة كل شيء -من معماريين، ومهندسين، وآلات، وبنَّائين، وكتبة- كلها يجب أن تأتي من تلك النقود ولو أتاح القرويون لأنفسهم فرصة الإفادة بخبرتنا، فإنهم سوف يتمكنون من الحصول على بيوت جيدة بثمن رخيص جداً، ولكن ذلك لن يكون إلا إذا أسهموا هم أنفسهم بلا مقابل بالعِمَالة غير الماهرة وبالكثير من عمليات النقل.

وفي النهاية، تفهَّم القرويون مُقترحاتنا تفهُّماً وتحمَّسُوا لها.

فقد كانوا جداً بؤساء في خيامهم، وعلى عكس أهل القرنة، لم يكن لديهم ما يفقدونه حينما يوافقون على خطتنا.

ولسُوءِ الحظ، وكما حدث في القرنة بالضبط، سلكت الحكومة مسلكاً يتفق وشُهرتُها كوثن معبود بأن  نقلت فجأة مسئولية كل مبنى في البلاد من الوزارات المختلفة إلى وزارة الشئون القروية والبلدية وهي وزارة لم تكن تتعاطف وما طورتهُ من أساليب، فعهدت بالمهمة في التو إلى مهندسيها هي المعماريين لينفذوها بأسلوب الإسمنت التقليدي الغالي.

وهكذا لم يكتمل قط مشروع ميت النصارى بالطريقة التي تصورتها.

ومع هذا فإن استجابة القرويين المشجعة لمشروعنا تجعلني أعتقد أننا يمكننا أن نصل إل استنتاج متفائل معقول بأن البناء تعاونياً هو مما يصلح في معظم حالات إعادة إقامة القرى في مصر.

وقد شجَّعني بالذات ما رأيته من أن القرويين بمجرد معرفتهم بأنه ستكون هناك حاجة للرمل من قاع النهر لصناعة الطوب، وأن هذا الرمل يجب استخراجه خلال أسابيع قليلة قبل أن يفيض النهر، فإنهم أخذوا كل حميرهم وجمالهم ليحفروا وينقلوا بأنفسهم كل ما نحتاجه من رمال، دون انتظار لعقود أو اتفاقات او للمُسِنِّينَ أو لأي من ترتيباتنا الورقية لتقدير حساب عملهم.

وهناك اكتشاف تقني هام انبثق من مشروع ميت النصارى، وهو طريقة سريعة لصنع الطوب.

فقد كان علينا بسبب نكبة القرويين الحادة أن نبني القرية بأسرع ما يُمكن، وهكذا كُنتُ على استعداد لا ستخدام أي وسيلة لتوفير الوقت.

وهرع إلى مساعدتنا الدكتور يتزار، وهو مستشار ميكانيكا التربة لشركة بوم ماربن، واقترح أن تزداد سرعة إنتاج الطوب بخلط مكوناته الجافة -التربة والرمل- في خلاط أسمنت ميكانيكي مع استخدام البخار بكمية يتم التحكم فيها بحرص.

ويتخلل البخار كتل التربة تخلّلاً أفضل كثيراً مما يستطيعه الماء، فيُغلّف كل جزء بغشاءٍ مائي، وبهذا نصل إلى مزج التربة والماء في التو مزجاً كاملاً وبالنسبة الصحيحة بالضبط دون حاجة إلى صُنع طين رطب رطوبة بالغة ثم تركه طيلة أيام حتى يجف.

ووجدنا هذا الخليط المُرطّب بالبخار، عندما يُصنع منه الطوب بواسطة مكبس ميكانيكي نفس الضغط الذي ينتج عن ماكينة ونجت -ثمانية ضغوط جوية- فإنه يمكن استخدامه مباشرةً في البناء.

وأرسلنا عينات من التربة المحلية في معامل القسم الهندسي بجامعة القاهرة، حيث وجد أنه يجب إضافة قدر من الرَّمل لتحسين درجة التحبُّب، وعندما تم ذلك أصبحت قوالب الطوب تتحمَّل ضغطاً من أربعين كيلوجراماً لكل سنتيمتر مربع.

وتم صنع عينات الطوب هذه بمعدات مطورة في ورش شركة بوم ماربن، التي أظهرت اهتماماً بأبحاثنا، وكانت على استعداد لأن تقدم لنا عوناً مهماً في إنتاج الطوب للقرية، وعلى أنه ينبغي التأكيد هنا، على أن هذا الاستخدام للماكينات لم يُطرح إلا بسبب حاجة القرويين للبيوت.

أما في القرية العادية، حيث يكون للناس من قبل بيوت من نوع ما بحيث يمكنهم أن يبنوا بيوتهم الجديدة على مهل، فإنه ليس من حاجة قط، لأي سبب كان، لطوبٍ مصنوع بالماكينة.

وقوة التحمُّل التي يصل قدرها إلى أربعين كيلوجراماً لكل سنتيمتر مربع لهي تماماً من باب التزيد، ولَمَّا كانت هذه القوالب أشَدُّ كثافة وأكثرتوصيلاً للحرارة من القوالب المُجفّفة في الشمس، فقد يثبت في النهاية أنها حتى ذات ضرر أكيد.

وهي بالتأكيد أكثر تكلفة.

وثمَّة اتجاهٍ تَعِسٍ عند الكثيرين من المعماريين والمهندسين، حينما يتناولون مسألة الإسكان منخفض التكلفة، بأن يُدخلوا تعقيدات مكلفة هي في الحقيقة من غير المطلوب بالمرَّة.

وإنه ليبدو لي أن الكثير من تجارب تثبيت الطين بالإسمنت والبيتومين لاستخدامه في البناء لهي مما قد أُسيئ توجيهه.

فقالب طوب اللبن العادي المُجفَّف في الشمس، فيه الكفاية تماماً لبناء بيت عادي، ويمكن في مصر أن يتم صنعه بما لا يكاد يساوي شيئاً.

وهو لا يحتاج لوقاية بأكثر من أن يُغطي بطبقة من جَصٍ لا ينفذ فيه الماء، وإذا كان هناك حاجة إلى مواد مُثبِّتة، فإن استخدامها في طبقة الجَصِّ الواقية هذه يكون اقتصادياً بأكثر من استخدامها في كل سُمْكِ الجدار.

والمهندس له وجهة نظره التي تُخالف القروي؛ فهو يظن أنه كلما كان أحد العناصر أقوى، فلابد أنه الأفضل.

وهو يحاول أن يصل بقالب طوب اللبن إلى مستوى الإسمنت، ولكنه إذ يفعل ذلك يُحوِّلَهُ إلى مُنتج صناعي بدلاً من المُنتج الفلاحي.

وهو يصنع قالب طوب قوي بما لا ضرورة له وبما يتجاوز موارد غير موجودة، وبيوت طوب اللبن تتم الآن إقامتها في كل مصر دون عودة من ماكينات أو مهندسين، ولابد لنا أن نقاوم إغراء إجراء محاولة لتحسين شيء هو بالفعل شيء مرضي.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالثلاثاء 31 ديسمبر 2019, 12:18 am

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Untit477

برنامج قومي لإعادة بناء الريف
مشروع القرنة تم إنشاؤه لمواجهة موقف فريد ولم يكن أساساً جزء من أي خطة لتنمية الريف، على أن أي مشروعات في المستقبل لإعادة الإسكان في القرى -فيما عدا المشروعات العاجلة المعزولة التي تتسبب عن فيضان أو حريق- ستكون مما يًقام من أجل تحسين ظروف المعيشة الريفية.


ولعل من الحق القول بأن كل قرية في مصر تحتاج إلى إعادة بناء، على الأقل لضمان أن يكون لسكانها بيوت تفي بأدنى مستوى للبيوت القابلة للإسكان.


وعلى كل، فإن هذه الأمور من شئون السياسة القومية التي هي بما يلائم من مشاغل الأمَّة وحُكَّامها، وأنا فحسب إنما أوَدُّ أن أسجل الرأي بأن أي خطة لإعادة الإسكان لا يُمكن أن تصلح إلا إذا كانت جُزءاً من خطة قومية أوسع لإعادة التنمية.


ولو حدث أن تم الشروع في برنامج إعادة بناء هائل هكذا، فإنه لا يمكن أن يكون مجرد عملية معمارية.


وإذا كان ينبغي إعادة بناء كل قرية في الريف، فإنه يجب إنشاء برنامج عام للتنمية الشاملة لكل ريف.


وبرنامج كهذا يتطلّب إعادة النظر في كل مسألة توازن السكان والأرض، ولتحديد التوزيع الأمثل للسُّكان بين الريف والمدينة والتوزيع الأمثل للسُّكان القرويين على الريف.


وينبغي أن يكون الهدف هو التوصل إلى الاستغلال الكامل لكل موارد الريف، وتوزيعها توزيعاً عادلاً على كل السُّكان، ذلك أن مصر لا تستطيع تحمل تكلفة أن يُترك أي مصدر للثروة ممكن مهملاً دون استخدام، أو أن يُترك أي قطاع من شعبها مُعدماً.


وبرنامج كهذا ينبغي أن يطرد في مراحل تخطيطها بحرص، وإلا فسيكون ثمَّة مخاطر كثيرة.


فيجب أن يسبق الترتيب البنَّاء، وأن يُحسب حساب تأثيرات أي تغيُّر قد يحدث.


وكما أنه يجب في خطة الرَّي أن تُعِدَّ نظامك للصرف قبل جلب المياه، فإنه يجب بالمثل عند التخطيط الاجتماعي، الاقتصادي أن تكون مُستعدّاً للتعامل مع الزيادات المفاجئة في السَّكان والعِمَالة.


وكمَثَل فإن ميكنة الزراعة تخلق البطالة إلا إذا كان هناك أعمال مُرتقبة لامتصاص فائض العُمَّال الزراعيين.


وبنفس الطريقة فإن تصنيع الحرف يمكن أن ينتج عنه قدرٌ كبير من البطالة بحيث أن أي زيادة في الإنتاج تكون مما لا أهمية له مطلقاً إزاء ما سينجم من بؤس اجتماعي.


ويجب عند التخطيط لتحديث إحدى البلاد، أن يحسب كل تأثير لأي من الإجراءات المقترحة حساباً رياضياً دقيقاً: أما تفاؤل السياسيين تفاؤلهم المبهم فإنه لم يعد فيه بعد المرشد الكافي للمخطط الجاد.


وسكان مصر قد وصل تعدادهم إلى ثلاثين مليوناً بينما لا يوجد إلا ستة ملايين فدان من الأرض القابلة للزراعة.


ويمكن تحديد الموقف تحديداً أوضح لو تخيلنا عائلة من خمسة وعشرين فرداً تحاول أن تعيش على ستة فدادين من الأرض الزراعية - ومن الواضح أن هذه المهمة ميئوسة إذا كان ينبغي أن يتم بصورة وافية إطعام العائلة كلها، وإلباسها وإسكانها، وتعليم أطفالها.


والعلاقة بين كثرة الأفواه كثرة بالغة وانخفاض مستوى المعيشة لهي مما يمكن رؤويته مباشرة في عائلة واحدة، أما في الأمة فإن سلسلة العلة، والمعلول لا تكون واضحة مباشرةً؛ فالزيادة المفرطة للسكان تعلن عن نفسها في صورة المرض، والبطالة، والجريمة، على أن ثمة إغراء بأن تفسر هذه الظواهر بأن لها عللاً أخرى.


وكل تخطيط لنا لا يمكن له أن يستفيد فحسب قدر الإمكان من موقف هو أساساً موقف لايطاق.


وهذه حقاً مهمة نبيلة، على أن السبب الجذري لفقر مصر هو الزيادة المفرطة للسكان.


وزيادة السكان المفرطة لها علاجان أساسيان: تخفيض السكان وزيادة الإنتاج، والسكان يمكن أن يتم تخفيضها إما بإجراءات لتحديد النسل وإما بالهجرة، وبهذا يخف الضغط على الموارد.


والموارد الزراعية في مصر تكاد تكون مستغلة استغلال كاملاً بالفعل، وأكثر التقديرات تفاؤلاً تتنبأ بزيادة في الأراضي القابلة للزراعة، كنتيجة للسد العالي ومشروع الوادي الجديد، وقدرها مليوناً فدان.


وهكذا فحتى لو ظل السكان على مستواهم الحالي سيكون لدينا خمسة وعشرون فرداً يعيشون على ثمانية فدادين.. وهذا عدد مازال أكثر مما ينبغي.


وعلى كل، فإنه يمكن استخدام الموارد استخداماً أكثر فعالية.


فهناك مثلاً مجال لاستغلال الموارد التعدينية استغلالاً أعظم بماله اعتباره، وهذا يعني التصنيع.


ويمكن رفع مستوى فنون الإنتاج إلى السلع القابلة للتصدير، التي تجلب عائداً لشراء الاحتياجات الأساسية، كالطعام.


وهو عائد أعظم مما يجلبه إنتاج الطعام نفسه مباشرةً.


والدولة من سلطانها تشجيع تحديد النسل وزيادة الإنتاجية.


أما الهجرة بل والتصدير، فيعتمدان على البلاد الأخرى وما إذا كانت ترغب في السكان والبضائع المصرية، وهكذا فإنهما ليسا متاحين للتخطيط بصورة كلية، وإنما هما يقعان بدلاً من ذلك في مجال السياسة الدولية.


والتنبؤ بالسلسلة المعقدة من العلة والمعلول المرتبطة بأي تصرف اقتصادي أساسي أمر يجعلنا في حاجة لكل مهارة رجل الإحصاء.


فالتنبؤ بالواقف الكلية تنبؤاً شاملاً طويل المدى هو بالضبط ما يمكن للإحصائيات أن تكون ذات فائدة فيه، وليس في تصميم البيوت المفردة.


ورفع مستوى المعيشة يضع موارد البلاد تحت الضغط نفسه الذي يقع عليها بزيادة عدد السكان.


ومصر تعاني بالفعل من فرط زيادة السكان، والسكان يزيدون بسرعة، وموارد مصر الطبيعية ثابتة كماً، وهكذا فإنه يبدو ولابد أن أي محاولة لرفع مستوى المعيشة في مجال الإسكان ينبغي أن تضيف إلى خطورة الموقف أو أن يكون لها تأثيرها عكسي على الاحتياجات الحيوية الأخرى أو على الاستثمار في الصناعة.


وكثيراً ما يعد البناء استثماراً استهلاكياً غير إنتاجي، إلا أن هذه نظرة يشك فيها كثيراً.


وبصرف النظر عن مسألة الغاية للإنتاج، والتي قد يقول البعض أنها زيادة رفاهية الناس، فثمة حقيقة هي أن الاستثمار في البناء يجعل للبلد صناعة بناء، بمصانع، وعمال مهرة، وخبرة.


وفوق ذلك فإن تحسين صحة الناس وسعادتهم  ينعكس بالتأكيد في شكل تحسين الإنتاج عامة، وهكذا فإن الاستثمار في الإسكان فيه على الأقل ما يقارن بالاستثمار في أدوات من الماكينات الجديدة، وغيرها من السلع الرأسمالية.


والموارد الوحيدة التي يمكن استغلالها سريعاً دون استثمار كبير هي الموارد البشرية.


ففي صناعة سلع الرفاهة المنزلية -بما في ذلك البيوت نفسها- يكون الإنتاج الحرفي التعاوني فعالاً، على الأقل بمثل فعالية الإنتاج الصناعي، ولا يحتاج إلى إنفاق نقد أجنبي.


وإطلاق طاقة الإنتاج الكامنة في الشعب المصري سيكون فيه من التقدم الاقتصادي ما يقارن بالعثور على حقل بترول كبير، كما أن الفائدة الاجتماعية ستكون أعظم بما لايقاس؛ وهذا هو ماتعنيه الكفاءة ((بالتكامل)).


وهكذا فإن البرنامج كله سيتحرك بسرعة تتحدد حسب أبطأ العناصر نمواً فيه.


وهده العناصر هي:

(أ‌)    نوع وكمية الموارد ((الطبيعية)) أي المعدنية والمائية، الخ.
(ب)  الموارد البشرية، أي عد العمال ودرجة مهارتهم في المهن المختلفة مثل الزراعة، وصيد السمك، والتعدين، والصناعة، والحرف.
(ج) مستوى معيشة الناس، الذي يعتمد على الدخل وطريقة إنفاقه.


وإذا كان بعض الأفراد يفضلون إنفاق المال على أمور من المتعة كاتخاذ مزيد من الزوجات أو أجهزة التليفزيون بدلاً من إنفاقه على ضروريات كالطعام الصحي والإسكان الجيد، فإن هذا ينبغي ألا يصرف المخطط عن أن يقدم لهم ما يعتقد أنه الأفضل لهم.


ومن الوجهة المثالية فإن الناس ينبغي أن يختاروا بحكمة، على انه ينبغي على السلطات أن تسهل لهم هذا الاختيار، بل وأن تضيق الفرص على الاختيار غير الحكيم.


وهكذا فإن البرنامج سيتحرك في سلسلة من المراحل، أولها هو تنمية الموارد البشرية، بمعنى التدريب المنسق للسكان على المهارات المطلوبة حقاً.


ويتم توقيت دورات هذه المرحلة بحيث تكون الكمية المناسبة من المهارة المناسبة متاحة في الوقت المناسب.


ومن المهم أنه ينبغي التأكيد في مرحلة التدريب هذه على المهارات المفيدة في التو، بحيث يكون العمال المدربون مستعدون لتنفيذ المرحلة التالية.


ورغم أنه لأغنى عن كل أنواع التدريب التجريدي، والدراسة الأكاديمية، والعلم البحت، إلا أنها كلها يجب ألا ينظر إليها على أنها نوع من المعرفة الوحيد المطلوب للتعليم الذي يتم تخطيطه كجزء من برنامج كهذا.


فالمدارس والجامعات الموجودة في مصر بل وفي العالم كله، توفر بعناية الدراسات الأكاديمية من كل نوع.


أما الثغرة التي ينبغي أن يسدها برنامج التدريب في المرحلة الأولى لخطة التنمية العامة فهي التعليم لجمهرة العظمى من الشعب التي هي في الصف الأول من جبهة إعادة البناء.


فمستوى مجلس المدينة والقرية ومستوى العائلة نفسها، هي المستويات التي تكون عندها الحاجة للمبادرة والجهد في تناول مشكلة رفع مستوى معيشتنا.


وكثيراً جداً ما يحدث أن الخطط والسياسات العامة لا يمكنها أن تتخلل لأسفل لتصل إلى هذه المستويات، وإنما هي تظل بأعلى في منطقة السياسات العليا، والماليات العليا، حيث الوحدات بالملايين، بما يرتفع تماماً عن رؤوس الناس الذين يتداولون الملاليم.


وكما أن التخطيط الفيزيائي ينبغي أن ينحدر ليصل إلى مستوى الطوب والقش، فإن التخطيط الاجتماعي، الاقتصادي ينبغي بمثل ذلك أن ينظر بعين الاعتبار إلى العائلة والفرد بين أفقر الناس الذين نرغب في أن تصل خدماتنا إليهم.


ولسوء الحظ، فإنه مهما كانت شدة فقر الفرد في بلد غير نام، فإن حكومته عادةً لا يكون لديها إلا ملايين معدودة من الجنيهات التي تمنحها لخطط ومشاريع التنمية الريفية، وهذه الملايين -ولعلها من مساعدة أجنبية، أو من دخل داخلي- تجتذب أسراباً من الخبراء والتنظيمات لا هدف لها إلا ربح النقود.


وإنفاق نقود الناس الآخرين له سحره، ذلك أن الكثير من هذه النقود يظل ملتصقاً بمن ينفقها، وسنوات ما بعد الحرب ملطخة بخرائب المشروعات التي قام بتنفيذها، دون أي إحساس بالمسئولية هيئات تخطيط ومنظمات أعمال لا تفضل كثيراً أي انتهازي في السوق.


وماعليك إلا أن تضع خططاً فخيمة، وأن تبيعها إلى حكومة ما ساذجة (حكومة تنال الثقة هكذا بأنها حكومة تقدمية ديناميكية)، وتتقدم منظمتك بسعر له تأثيره بما يناسب، وحتى يحين الوقت الذي تعي فيه الحكومة فجأة حقيقة أن المشروع لا يسير تماماً حسب ما وعدت به، تكون أنت قد كسبت لنفسك مالاً، وليس هناك مايشغل بالك.


أما طوب اللبن أو أي مادة محلية أخرى للبناء.


فليس فيه ربح كثير، وليس من إعلان كثير عند القيام باستقصاء محلي مفصل عن الأسلوب الذي يعيش به ((المنبوذون)).


وهكذا فإننا لا يمكن أن تنوقع من رجال الأعمال أن يهتموا كثيراً بالبناء تعاونياً.


ولكن حيث أن برنامج إعادة بناء من هذا النوع سوف يستغرق سنوات كثيرة جداً، يحدث أثناءها تغير له اعتباره في الصورة الديموجرافية والاقتصادية، فإن أي مقترحات لتشجيع تغيير أوضاع السكان ينبغي ألا تطرح إلا بعد أن يتم استقصاء كامل لكل جوانب من جوانب المستوطنات البشرية في مصر، وإلا بعد أن يتم عمل تنبؤ حريص لاتجاهات المستقبل.


واستقصاء كهذا ينبغي أن يضع في الحسبان حاجات الناس من خدمات، وحاجاتهم المحتملة في المستقبل إذ تتنامى البلاد. وسيكون من هذا دراسة مسح تتطلب علماء اجتماع، واثنوجرافيين اجتماعيين، واقتصاديين، مثلما تتطلب الديموجرافيين، وهي بذلك يتطلب الاعتماد على علوم وصفية من أنواع كثيرة، هي إنسانية وأيضاً ميكانيكية.


وباختصار، فسوف يكون هذا مسحاً متكاملاً.


ومن غير دراسة مسح كهذه، لا يمكن وضع أي خطط حقيقية بعيدة المدى.


والتخطيط دون معرفة بالحقائق، ودون تشخيص لنمط المستقبل، لهو دعوة لخراب أكيد. وكل الأموال التي تنفق على المسح المتكامل لا تضيع أبداً.


ورغم أننا حتى بعد معرفتنا للحقائق، قد نجد أننا لا نستطيع تحمل تكلفة صنع الشيء الكثير للفلاحين، إلا أننا سيكون قد أصبح لدينا الأساس الذي لا غنى عنه ولأي مما سنقرر فعله بالفعل.


ذلك أن أي خطوة تُتخذ -خاصة ما تتخذه السلطة الرسمية- وأي بناء يقام، بل وأي طوبة ترص لهي قرار يتم اتخاذه بشأن حالة مصر في المستقبل.


والقرار الذي من هذا النوع هو ولابُدَّ إما قرار صائب وإما خطأ، وهو إذا كان لا يساعد البلاد على حل مشاكلها حلاً جيداً وصالحاً، فإنه ولابُدَّ سيدفعها إلى مزيد من الخلط والإسراف مما يدخل ضمن الحلول السيئة غير الصالحة.


ولا يمكننا أن نكون واثقين من أن أهدافنا في برنامج إعادة البناء هي الأهداف الصحيحة إلا عن طريق المعلومات التي يوفرها مسح علمي شامل للريف في كل البلاد، وبهذا وحده يمكننا أيضاً أن نكون واثقين من أي قرار يُتخذ سوف يساعدنا على الوصول إلى إنجاز هذه الأهداف.


وكمثل فإن من الضروري في التخطيط لمنطقة ما أن يتقرر أي المستوطنات ستكون مدن سوق، وأيها ستكون قرى كبيرة، وأيها قرى صغيرة، وأن توزع هذه الأنواع من المستوطنات على المنطقة بتساوٍ بنسبها الصحيحة.


ومعنى ذلك أنه يجب علينا أنا نصنع خريطة للتوزيع الأمثل للمستوطنات على المنطقة، وأن تطبقها على خريطة المستوطنات الموجودة، ونرى أي تغيرات تكون مطلوبة.


وإذا تبين في أي حالة بعينها أن ليس هناك حاجة لتغيير جذري.


فلعله يكون من الأفضل ألا نغير موقع القرية إطلاقاً.. وثمة موقفان عند المهندسين المعماريين المصريين إزاء هذه الناحية من التخطيط الريفي: فأحدهما يقطع كل صلة بالقرية القديمة، ويبني في كل حالة قرية جديدة بعيدة تماماً عن القديمة، بينما الآخر يعيد بناء القرية الأصلية في ((نفس الموقع)) جزءاً فجزء.


وأنا أحبذ الموقف الأخير، بشرط أن تُنشأ الخدمات والمنافع العامة منذ البداية.


ولهذا السبب: فإنه عند إعادة بناء مستوطنة، يكون من الخيرأن يتم ذلك بأقصى قدر من التوفير وبدون شق للقرية، حتى ولو مؤقتاً، إلى جزئين يتباعدان تباعداً واسعاً، جزء جديد وآخر قديم.


ولو بنيت القرية الجديدة بعيدة نوعاً عن القديمة، على موقع جديد تماماً، فسيظل هناك لزمن ما نجع يتم بناؤه في صخب وفوضى، ونجع آخر تتم الهجرة منه على نحو مطرد حتى يبلى بالزمن.


ومن الناحية الأخرى، فعندما يبدأ انشاء القرية الجديدة على مقربة من القديمة، وإلى الشرق منها فيما يفضل حتى تتم الاستفادة من الاتجاه الطبيعي لانتشار الإسكان غرباً*، فإن المباني الجديدة ستحل تدريجياً مكان القديمة في نفس الموقع، حسب الخريطة التي أعيد صياغتها، بحيث تكون كل عملية التجديد جزءاً من حياة القرويين اليومية، على أوثق صلة بها، ولاتشطر القرية إلى نصفين.


والمستوطنة التي تتألف من الفلاحين فقط لا تكفي لتكوين مجتمع عضوي.


فالوصول إلى مستوى معقول من المعيشة يتطلب وجود مجموعات مهنية ممزوجة مزجاً جيداً بحيث يمكنها توفير الخدمات الملائمة للمحافظة على مستوى المعيشة.


والتوزيع المخطط للسكان يتطلب التوصية بتوازن معين بين المهن في كل مستوطنة.


ومن الضروري إذن عند بناء قرية جديدة او إعادة تخطيط قرية قديمة، أن يتقرر عدد ما تحتاجه القرية من كل نوع من العمالة، عدد النجارين، وعدد النساجين والحلاقين والمدرسين، على أن حساباً من هذا النوع لا يمكن القيام به إلا على أساس المنطقة، لأن مهناً كثيرة ستكون نسبياً نادرة: فالطبيب مثلاً قد يخدم عشر قرى أو أكثر.


وحسب تعداد 1931 في انجلترا فإن قراها الزراعية بها في المتوسط 41 في المائة فقط من السكان العاملين الذين يشتغلون فعلاً بالزراعة، ونسبة ال 95 في المائة الباقية تتوزع بين شتى الحرف، والمهن، والخدمات.


ومن الناحية الأخرى فإنه يوجد في العراق نسبة تزيد عن التسعين في المائة من السكان العاملين في القرى الزراعية يشتغلون في الأرض.


ومن المؤكد أن مستوى المعيشة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتنوع الوظائف قي القرية، وعدد المدرسين والأطباء وأصحاب المتاجر في المجتمع لعله من أفضل الدلائل على حقيقة ازدهار هذا المجتمع واستقراره، تماماً مثلما يدل عدد السباكين مثلاً على حالة التركيبات الصحية.


ولسوء الحظ فإن من يخطط لا يجد الكثير من المعلومات لمساعدته على استنتاج النسب المرغوبة للمهن في المستوطنة القروية.


وتقوم الأمم المتحدة من آن لآخر هي وهيئات أخرى مثل منظمة العمل الدولية، ببحوث مسح على المستوطنات الموجودة، ويمكن للمرء تحليل الاحصاءات الديموجرافية القومية من بلاد كثيرة، ولكن الظروف التي في أحد البلاد لا تدل على الظروف التي في بلد آخر، كما أن هذه الدراسات لا تساعد على تحديد الحد الأدنى لتنويع الوظائف اللازم لمستوى المعيشة المقبول.


ومع كل؛ فإن هذا النقص في الحقائق ليس سبباً لأ لا نبدأ الآن في استقصاء موضوع جداً حيوي هكذا بالنسبة للمخطط.


وحالياً، فإن الحاجة الملحة أشد الإلحاح هي أن نبدأ البحث على ما هو الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لوحدة السكان الأساسية (حسب ما تشرطه قائمة الأمم المتحدة ((كعناصر)) لذلك).


وإذا كان ينبغي أن يتم إنجاز البرنامج القومي لبناء الريف في وقت معقول، فسيكون من الواجب أن يشتغل فيه عدد كاف من المعماريين، والمهندسين والإداريين، والعمالة غير الماهرة، أياً ما سيكون نظام العمل وتنسيقه والنظام التعاوني الذي اقترحناه، يتم فيه تدريب العمالة الماهرة تدريجياً أثناء قيامنا ببناء مباني الخدمة العامة، كما شرحنا فيما سبق.


ويحتاج مهندسو ميكانيكا التربة إلى تجهيزهم وإعدادهم حتى يقوموا بأبحاث ملائمة التربة لشتى الأغراض: كصنع قوالب الطوب الطينية، وقوالب طوب الطين المثبت، والقوالب المحروقة، وأنواع الجص الطاردة للماء والخرسانة الطينية، وذلك إلى جانب اختبار قدرة تحمل التربة للأساسات وما يتعلق بذلك من مشاكل الماء الجوفي، الخ.

----------------------------------------------------

* لوحظ أن المستوطنات البشرية تنتشر تجاه الغرب والشمال، في حالة عدم وجود عقبات طبيعية تحد من نموها في هذين الاتجاهين.

----------------------------------------------------

وسوف يدعمهم معمل أبحاث مركزي للقيام ببحث عام لخواص الطين كمادة بناء.


وبسبب من الزيادة الوشيكة لاستخدام التربة للبناء فإن لنا أن نركز على ذلك موجهين له المزيد من موارد بحوثنا التي ما زالت للآن مكرسة في أغلبها للإسمنت والخرسانة.


وبالإضافة للمعمل المركزي، يوجد عدد من المعامل المتنقلة المحمولة على اللواري، لعمل البحث مباشرةً في الموقع.


ويكون على كل من هذه اللواري أن يخدم منطقة كبيرة نوعاً، وإجمالاً فإنه ينبغي أن يكفي لذلك عدد يقرب من عشرة لواري، كل منها في عهدة مهندس ميكانيكياً تربة واحدة.


وهناك حاجة إلى عدد معين من الكتبة والمحاسبين.


وحيث أننا نتحول من نظام العمل بالمقاولة إلى النظام التعاوني الجديد تماماً، فسيكون هناك حاجة إلى نظام جديد للمحاسبة.


ويجب أن يكون هذا النظام صالحاً معاً لانشاءات مباني الخدمة العامة التي تنفذها الحكومة بعمالة مدفوعة الأجر، وللمنازل الخاصة التي سيتم بناؤها بالعمالة التعاونية.


وقد تم بالفعل ابتكار نظام محاسبي من هذا النوع (أنظر ملحق 3): وهكذا فإنه لن يطلب من المحاسبين إبتكار أي نظام بأنفسهم وإنما سيطبقون فحسب هذا النظام الموجود من قبل.


وفيما يعرض فإنهم سيكونون أقل عدداً مما في نظام المقاولة، ذلك أن نظام التضبيط لن يكون كما هو في المعتاد مزدوجاً بين الحكومة والمقاول.


وطبيعي أن المحاسبة تكون ضرورية فحسب بالنسبة لبناء البيوت الخاصة في تلك القرى التي لم يعد فيها وجود لتقليد العمالة التعاونية.


أما في المجتمعات التقليدية مثل واحة الخارجة، فلا حاجة على الإطلاق للمحاسبة،  ذلك أن الناس يساهمون طبيعياً في البناء، دون عمل موازنة بين مايساهمون به إزاء ما سيحصلون عليه.


والحقيقة أن مغامرة البناء الجماعي لقرية بالعمالة التعاونية لما ينبغي أن يرتفع بالروح المعنوية للمجتمع، وباحترامه لذاته، ويعطيه إحساساً بهدف مشترك مما يفيد أعضاء فائدة معنوية هائلة.



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 32706
العمر : 69

لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Empty
مُساهمةموضوع: رد: لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا   لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا Emptyالثلاثاء 31 ديسمبر 2019, 12:20 am

والمهندسون المعماريون كل منهم مسؤول عن سلسلة من مشاريع القرية، وهكذا يجب أن يتم تدريبهم من قبل تدريباً خاصاً.

ولسوء الحظ، فإن التدريب المتوافر في مدارسنا المعمارية اليوم ليس فيه أدنى مساعدة للمهندس المعماري الذي يتناول مشاكل ريفية.

فهذا التدريب يتأسس على تدريب وُضع في المدارس الأوروبية وموجه إلى احتياجات المدينة، وبناء بلوكات المكاتب، والشقق، والبنوك، والجاراجات، ودور السينما، وغير ذلك من الصروح الضخمة، ولكنه يتجاهل تماماً احتياجات الريف.

وهذه النظرة الأحادية قد يكون لها ما يبررها في مدرسة معمارية أوروبية، ففي بلاد مثل بريطانيا يعيش 80 في المائة من السكان في المدن، ويعمل خمسة في المائة فقط على الأرض، والجزء الأكبر من الأمَّة يأتي في غالبه من الصناعة والتجارة الحضريتين.

أما في مصر، حيث يعيش تسعون في المائة من السكان على الأرض وتأتي تسعون في المائة من الثروة من الأرض فإن عدم بذل أي قدر من الاهتمام إلى احتياجات الريف لهو بالتأكيد نوع من عدم المسئولية من المدرسة المعمارية.

على أن هذه اللامبالاة الأكاديمية هي بالضبط السبب في وجود موقف بالغ الاستخفاف تماماً بالعملية بالغة الخطورة لإعادة صياغة القرى.

وأن تعالج هذه العيوب بتعديل كل مناهج الدراسة في جامعاتنا لهو أمر مستحيل تماماً، على الأقل في المدى الزمني القريب.

وأحد أسباب ذلك، هو سيكون من الضروري وجود هيئة تدريس جديدة تماماً.

وهكذا فإنه حتى يمكن إنتاج عدد كاف من المهندسين المعماريين على وعي بهذه المشاكل الريفية، ينبغي علينا أن ننشأ لهم مقرراً دراسياً للتدريب ما بعد التخرج.

ومقرر كهذا ينبغي أن تكون مدته لعامين، وينبغي أن يتضمن بالإضافة إلى دراسة الحالة العامة لريف مصر -أي الحقائق الديموجرافية، والاجتماعية والاقتصادية- دراسة طرق الفلاحين في الانشاء ومواد البناء، ومبادئ تخطيط المدينة والقرية.

وعندما يستوعب أيضاً كل ماتم إنجازه في المعمار المصري، وكل تاريخ الأسلوب المحلي في مصر.

وكما أن بناء كاتدرائية العصور الوسطى في فرنسا لم يكن يسمح له بأن يضع حجراً فوق آخر إلا إذا أكمل الحج إلى كل المباني الأكليركية العظيمة في فرنسا، فإن مهندسينا المعماريين الريفيين ينبغي أن يحجوا إلى الأماكن التي يتمثل فيها أحسن وجه التراث العظيم للبناء المصري -إلى الجيزة، وبيت خلاف، وطيبة، وهرموبوليس، والخارجة- وينبغي أن يزوروا ويتفحصوا الأماكن التي ما زال التراث يعيش فيها مثل أسوان وأضرحة الأولياء الكثيرة المبعثرة أعلى وأسفل البلاد، حيث رؤية البناء بمواد الفلاحين بناءً جاداً جليلاً بلا فخامة، وحيث يوجد الحس الاحتفالي في المعمار بدرجة أكثر نوعاً عما في البناء الفلاحي العادي، على أن ذلك لم يفسد بعد بفن ومواد أجنبية.

ومتحف الحضارة المصرية هذا ذو الثراء الهائل لهو مما ينبغي دراسته دراسة جدية.

ويجب ألا يزور الطالب هذه المواقع زيارة روتينية كزيارة السائح المستعجل، وإنما يجب أن يفحص كل مثال فحصاً ذكياً، ويرسم منه رسوماً بالمقاس، ويطبق كل قدراته النقدية على العمل.

ودراسة كهذه للأعمال المعمارية البارزة، عندما تُربط بفهم عميق لكل جوانب البناء عند الفلاحين، فيما يتعلق بمواد البناء، وطريقة الإنشاء، ومبادئ التصميم، لهي دراسة ستؤدي فيما ينبغي إلى تثوير موقف الطالب من المعمار.

فهو أولاً سوف يستفيد، بما لا يمكن قياسه من دراسته هذه، التي تتم بالأبعاد الثلاثة، وبالحجم الكامل والبنية الكاملة، في أنماط المباني التي سيصممها.

والكثير جداً مما يتم تنفيذه الآن من الأعمال في المدارس المعمارية المختلفة هي أعمال تجريدية بالكلية -مجرد لعب بالخطط على الورق- حتى أصبح الكثيرون من المهندسون المعماريين المؤهلين يصممون المباني بأسلوب يصدق على الورق أكثر مما يصدق على الحياة الواقعية.

وأصبح المقرر الدراسي منفصماً عن المباني الحقيقية انفصاماً كاملاً حتى ليكاد المهندس المعماري أن يتوقف عن التفكير بلغة الموادالصلبة - فهو يرسم خططاً في مكتبه، ويناولها للمقاول، ولا يرى المبنى عند انتهائه.

وخطة المقرر الدراسي ذاتها تخصص دروساً منفصلة للجانبين الجمالي والهندسي من المعمار، ولا تلقي أبداً اهتماماً لعلاقة المبنى ببيئته، بحيث أصبح من الممارسات المعتادة بين المعماريين ما نجده من تشويههم لحقائق الطبيعة -أشكال التلال، والأشجار، والكائنات البشرية، بل وحتى الأشياء الميكانيكية مثل السيارات- وهو تشويه يتم بغرض أن تجعل ظروف أدائهم متلائمة مع أسلوب مبانيهم بينما التصميم هم ما ينبغي أن يتلائم مع البيئة.

أما مقررنا الدراسي عن المعمار الريفي الذي يستمر لسنتين فإنه عندما يبدأ من المباني الحقيقية، ويعود منها وراء إلى خطط المهندسين المعماريين، ويبقى طول الوقت أمام أعين الطلبة شكل المباني، وحجمها، ولونها، وبنيتها، والإحساس بها، تلك المباني التي يتألف منها تراثنا العظيم، فإن من المؤكد أن بعضاً من هذا التراث سوف ينبثق في تصميمات هؤلاء الطلبة.

ويجب أن يكون لكل قرية مهندس معماري يشرف على بنائها، على الأقل حتى يصل عدد كاف من البنائين إلى المستوى الذي يضمن سلامة توقيع الخطة بعامة، وحتى يعتاد بناءوا القرية على إقامة نماذج البيوت المختلفة.

وحتى بعد أن ينتقل المهندس المعماري إلى قرية أخرى، فإنه يجب أن يُبقي عيناً على القرية الأولى من خلال زيارات دورية حتى يكتمل إعادة بنائها.

وسوف نفترض أن في مصر 4000 قرية يجب إعادة بنائها خلال أربعين عاماً.

وهكذا فإنه يجب أن تتم إعادة البناء بمعدل 100 قرية سنوياً.

وعدد ما يجب استخدامه من المهندسين المعماريين سيعتمد هكذا على المدة التي سيبقاها كل واحد منهم في كل قرية.

وقريتنا التي يسكنها في المتوسط 5000 نسمة، ينبغي أن تكون قادرة على توفير خمسين بنَّاء على الأقل.

وإذا كان بناء البيت يستغرق من ثلاثة بنائين شهراً واحداً، فإن خمسين بنّاء يستطيعون بناء حوالي 1000 بيت في ست سنوات.

على أنه ينبغي أن يتمكن المهندس المعماري من مغادرة القرية بعد ثلاث سنوات، ولا يعود بعدها إلا من حين لآخر لإعطاء النصح للقرويين.

وهكذا فإنه بعد السنة الثانية من البرنامج، عندما يكون هناك من 300 إلى 400 قرية تحت الانشاء في نفس الوقت، سيكون من الضروري وجود 300 مهندس معماري يعملون في البرنامج.

وحتى يكون هؤلاء المهندسون المعماريون الثلاثمائة قادرين على العمل بثقة، لابد من أن ينالوا تدريباً خاصاً في ((دراسات التكامل)) على أنهم يجب ان يكونوا قادرين أيضاً على بذل كل انتباههم وحماسهم لعملهم، ولهذا فإنه لابُدَّ من أن يدفع لهم أجر طيب، والعمل نفسه جدير بذلك تماماً، فهو لا أقل من أن يعد خلقاً للبيئة القومية، ربما ىتية؛ على أنه مهما كانت جدارة العمل، فإنه ما من مهندس معماري يستطيع أن يُبقي تفكيره مشغولاً بعمله بينما هو يناضل للاحتفاظ بمستوى معقول من المعيشة.

وأقترح هنا إنشاء سلم أجور متدرجة، تحسب بمثل ما تحسب به معظم أجور المعماريين، اي كنسبة مئوية من تكلفة البناء.

وفي ظل النظام التعاوني تكون التكلفة الفعلية لكل بيت شيئاً لايذكر، أما لو قام مقاولوالبناء ببناء القرية، فسيكون من المستحيل أن تقل تكلفة أي بيت عن 500 جنيه مصري.. فلنسمح  إذن للمهندس المعماري بتقاضي 1 في المائة من تكلفة البيت.

وهذا يبلغ خمسة جنيهات.

ولو أنه عمل في قرية لثلاث سنوات وبنى 1000 بيت، فإنه سيكسب 5000 جنيه في ثلاث سنوات، أو 1550 جنيهاً في  السنة الواحدة.

على أن هذا كثير كأجر يدفع لمهندس معماري شاب.

وفوق ذلك، فإن من المطلوب أن يكون سلم الرواتب بحيث يسمح بتمييز الأقدمية بإظهار زيادات دورية حادة، حتى يتم الاحتفاظ بخدمات  أولئك الخبراء من أصحاب التخصصات العالية، الذين لا يوجد مثلهم في أي مكان آخر فوق الأرض، وهكذا يكون لسلم الرواتب أن يبدأ عند 900 جنيه للسنة ليرتفع بمعدل 50 جنيهاً في السنة حتى يصل إلى 2400 جنيه.

وهذه المهمة جديرة بذلك.

كما أن هذا ليس بمرتب مبالغ فيه، ذلك أن قائمة الحساب السنوية للخدمات المعمارية حوالي 500.000 جنيه.

ومبلغ 500.000 جنيه ينبغي ألا يعد مبلغاً كبيراً.

ولنتذكر أنه نسبة مئوية من الإنفاق الكلي على البناء، وأنه يكاد يكون أقل نسبة مئوية يتقاضاها المهندسون المعماريون في أي مكان في العالم.

فنسبة 1 في المائة من تكلفة البناء هي مبلغ قلة مضحكة كأجر يدفع لمنزل قد صممه مهندس معماري.

وفي سويسرا لابد لك، بحكم القانون، من أن تدفع 2 في المائة من التكلفة مجرد الزخرفة الفنية للبيت، بينما من المعتاد بالنسبة للمهندس المعماري أن يحصل عند ممارسة أعماله الخاصة على أجر بنسبة 10 في المائة من تكلفة أي مبنى تكون قيمته أقل من 1000 جنيه.

وينبغي أن نضع نصب أعيننا أن هذا الواحد في المائة أو نصف المليون من الجنيهات، سيوفر عنصر العمل الخلاق، وهو عنصر ضروري إذا أريد لبرنامج الإسكان الرخيص التكلفة هذا أن يكون ناجحاً حقاً.

وفوق ذلك فإن المرتب المجزي يحرر المهندس المعماري من القلق مالياً، ويمكّنه من التركيز على عمله الحقيقي.

وكثيراً ما يحدث أن يبدأ المهندس المعماري الحكومي في الإحساس بالقرف من مستخدميه لأن المهندسين المعماريين الآخرين ينالون من ممارسة العمل الخاص مالاً أكثر كثيراً مما يناله.

وعندما ينظر المهندس المعماري الحكومي إلى الحكومة على أنها بخيلة، فإنه يتخذ موقفاً: ((ولماذا أهتم؟ نعطيهم على قدر أجرهم)) وهذا الموقف كله بما فيه من ضيعة أحلام وفتور يمكن تحويله بأسره لو كان صاحب العمل كريماً.

فالكرم يولّد الكرم؛ والمهندس المعماري الذي ينال أجراً مجزياً يحسن أن من واجبه أن يبذل كل جهده لعمله؛ وبدلاً من أن يكون ساخراً مريراً من عمله الحكومي، فإنه يصبح ممتناً لأنه قد تخلص من همومه المادية، ولأن الطريق قد أخلى له ليعمل كما يعمل الفنان الحقيقي ولأنه قد أعطيت له الفرصة لتنمية مهاراته ومداركه أقصى تنمية.

وهناك فائدة أخرى تنجم عن هذا الإنفاق المتواضع نسبياً.

فينبغي أن يكون لدينا فريق من مهندسين معماريين يعملون بأرفع مستوى لفنهم، ويعملون كفريق، دائماً ينصحون وينقدون ويعيد كل منهم الحيوية لعمل الآخر، كيان من فنانين متحررين من الضغوط التجارية، ويُمكّنون من تكريس كل حياتهم لإرهاف أدائهم.

وثلاثمائة مهندس معماري من هذا النوع لهم حقاً كنز قومي.

وذات يوم، كان هناك في دير المدينة مجموعة من هذا النوع بالضبط من المهندسين المعماريين، والرسامين، والنحاتين، يعملون معاً ويعيشون معاً في ((قرية للفنانين)) جيلاً بعد جيل أثناء كل عصر المملكة الوسطى، وكانوا هم المسئولين عن أعمال الفن العظمى في مصر القديمة، فن حاذق ومتنوع، إلا أنه تقليدي؛ فن جموعي بحق في أرقى أنواعه.

ألا يمكن لأولئك المهندسين المعماريين الثلاثمائة الذين نحتاج إليهم أن يعيشوا معاً حتى ولو لفترة، في قرية مثل دير المدينة؟

من المؤكد أن خطتنا لإعادة بناء الريف ستحتاج إلى مركز لتنسيق العمل، ومركز للأبحاث وللتدريب أيضاً.

فلماذا لا نجمّع معاً مركز الأبحاث والتنسيق ومدرسة التدريب على المعمار الريف، أو بمعنى أوسع نجمع الدراسات ((الريفية)) في قرية واحدة ((للفنون الريفية))؟

إن لدينا بالفعل مشروعاً ((لمدينة للفنون الجميلة))، سينفق عليه مليون جنيه.

وإني أقترح أن تُبنى قرية -أول قرية تبنى في برنامج إعادة بناء الريف- لتكون هي بالضبط هذا المركز للدراسات الريفية.

وينبغي أن تكون على صلة وثيقة بالوزارات والهيئات الأخرى العلمية والفنية، على أنها ينبغي أن تكون قرية حقيقية، والأفضل أن تكون قريبة من قرية موجودة تكون من ضمن الخطة.

وينبغي أن يتم تصور هذه القرية وبناؤها حسب المبادئ التي سبق وضعها، وينبغي أن يتم بناؤها بواسطة المهندسين المعمارين أنفسهم كتطبيق عملي لمقررهم الدراسي عن المعمار الريفي وينبغي أخيراً أن تحتوي على مكتبات، وحجرات دراسية، ومعامل، وقاعات للمحاضرات والاجتماع، بل وأن تحتوي أيضاً على ورش عملية حيث ينمي الفلاحون حرفهم من الفخارة، والنسيج، والنجارة، والبناء، والتجصيص، الخ.

وسيكون ثمة بناؤون من أسوان يعيشون هناك، وصناع نوافذ الزجاج الملون من القاهرة، وصانعو الحصير والسلال من الشرقية، كلهم مع المهندسين المعماريين.

ويكون لكل منهم بيته حيث يعيش مع عائلته ويعلم حرفته للصبيان ، ويكون الكل أعضاء في المجتمع.

وسيكون هناك أيضاً متسع للزوار، من الحرفيين وغيرهم، وللمهندسين المعماريين والفنانين الأجانب ممن يهتمون بنشاطاتنا.

وكما أن الأمَّة -حتى ولو كانت جداً فقيرة- قد تستثمر من مالها في أوركسترا قومي، يكون رصيداً دائماً للأمَّة فإنها بمثل ذلك أيضاً قد تستثمر من مالها في فريق قومي من المهندسين المعماريين.

ولو كانت البلد تحوي حتى ثلاثة آلاف عازف على الكمان يعزفون في أركان الشوارع، فإنهم من الوجهة الفنية لايساوون شيئاً بالمقارنة بأوركسترا واحد دائم فيه مائة عازف، يستطيع خلق ثراث، ويكرس كل وقته لتحسين مستوى أدائه.

وعلى نفس المنوال فإن ثلاثة آلاف مهندس معماري يعمل كل واحد منهم لعملائه الخاصين، ومن خلال مقاولين خاصين، لا يمكن مقارنتهم بثلاثمائة مهندس معماري يعملون معاً وهم واعين لخلق تراث قومي في البناء.

وبرنامج بناء الريف يتطلب أول كل شيء مسح قومي للموارد والاحتياجات، وخطة شاملة، يصنع من داخلها خطط تفصيلية لكل منطقة محلية.

وهكذا يعمل المخططون على مستوين، مستوى ((القيادة العليا)) -هيئة صنع السياسة  المركزية- والمستوى الميداني الذي ينفذ القرارات.

ولا جاجة للقول بأنه لن يكون هناك فصل جامد بين المستويين، ولا إحساس بأن أحدهما يفوق الآخر؛ وعلى العكس فإنه سيتم تبادل أفراد الهيئة العاملة من المهنيين تبادلاً حراً ما بين القيادة العليا والميدان، وسيكون على الجميع مسئولية المشاركة في قرارات التخطيط.

وهناك حاجة منذ البداية إلى وجود تقدير ما لنسب المهن المختلفة المطلوبة لكل هيئة التخطيط.

وحتى الآن، فإنه لا يمكننا إلا أن نوضح نقطتين: أن وطأة العمل سيتحملها المهندسون المعماريون، وهكذا فإن كفتهم ترجح، كما أنهم سيدعمون دعماً كافياً بالمتخصصين الآخرين.

وبصورة مبدئية، يمكن أن تقترح أن يتكوَّن فريقنا بالكامل كالتالي:
1- المهندسون المعماريون، المخططون                           300
2- مهندسو ميكانيكا التربة                                              10
3- المهندسون الانشائيون                                               5
4- اقتصاديون                                                            15
5- اثنوجرافيون اجتماعيون                                            15
6- جغرافيون                                                             6
7- إداريون                                                               15

وفي حين سيعمل المهندسون المعماريون في المهمة باستمرار طيلة فترة إعادة الانشاء كلها -لأربعين سنة بحيث يظل هناك دائماً 300 مهندس معماري في الفريق- فإن بعض العاملين الآخرين، مثل الجغرافيين والاقتصاديين سيكون تناولهم للعمل من نوع العمل لمرة واحدة ن وأخيراً، بحيث يمكن تقليل عدد هؤلاء الخبراء بمرور الوقت على أننا ينبغي أن نخطط منذ البداية لفريق متكامل، بحيث يتم على الأقل تمثيل هذه العلوم ويكون ذلك بهذه النسب تقريباً.

وعندما يُستكمل المسح والتخطيط على النطاق القومي أو نطاق المنطقة، يكون قد حان الوقت بذلك لبداية برنامج البناء الفعلي.

فيتم اختيار إحدى القرى ليزورها فريق البحث.

والخطوات الأولى في البرنامج تكون دائماً تنظيم الإمداد بالعمالة وتجهيز مواد البناء.

وفي ظل نظام التطوع التعاوني لا يمكن الإمداد بالعمالة إلا بعد أن يتم تحليل السكان وتقسيمهم إلى جماعات عائلية أو إلى بدنات.

وتقسيم السكان هذا يُترك كلية للقرويين أنفسهم.

وعلى أي حال فإن العائلات تجمع أنفسها طبيعياً، ويجب ألا يكون هناك ضغط على أي عائلة لتخل مجموعة بعينها لأسباب من مثل حسن التنسيق الإداري أو تسهيل التصميم  فلن يكون هناك أدنى ما يشغل البال لو أن بعض البدنات تتألف من عشرين عائلة بينما تتألف بدنات أخرى من خمس أو ست عائلات فقط.

كما أنه ليس من سبب لأن تكون أي مجموعة واحدة مقصورة على عائلات على صلة قرابة؛ وإنما يكون العمل دائماً على الاستفادة من النزعة الطبيعية لمجموعات العائلات لأن تعيش في نفس المجاورة، على أنه قد يحدث أن عائلات ليس بينها أدنى قرابة تختار حقاً أن تعيش معاً.

والمثل العربي يقول: ((اختر الجار قبل الدار)) وكما شرحنا من قبل يتم تمثيل كل مجموعة عائلات بمَنْ يتحدث عنها -مُسِنٌ أو شَيْخٌ- وهو الذي يبرم كل الاتفاقات مع الهيئة المخططة باسم أعضاء مجموعته، ويكون هو الوسيط الدائم بين هيئة التخطيط والناس في مجموعته، وسيطلب من العائلات الأعضاء أن توقع إقرار توافق فيه على إدراجها ضمن البدنة.

ويلي ذلك أن يُطلب من كل عائلة أن تقرر مطالبها من الحجرات، والحظائر، والمساحة.

وعندما نعرف عدد المباني التي تحتاجها كل بدنة، سيمكننا حساب قدر العمالة -كذا لكل يوم- المطلوب الإمداد به، مع حساب فترة السماح المناسبة لأوقات مثل الحصاد حيث لا توجد عمالة يمكن الاستغناء عنها من الحقول.

وعندما تتضح للبدنة تمتماً ماهية مسئولياتها، تقوم الهيئة والمندوب بتوقيع عقد، يتفق فيه على قدر معين من العمالة لإقامة عدد وحجم معين من البيوت.

وبعد تجميع هذه البيانات، تجهز خطة للقرية، تبين وضعها الحالي، وكيفية تنميتها في المستقبل ويبين على هذه الخطة موضع وحدود كل مجاورة عائلية؛ ومساحة القطعة التي تخصص للبدنة هي حاصل جمع مساحة البيوت الفردية مع إضافة نسبة مئوية معينة من هذه المساحة لميدان المجاورة والشوارع الداخلية.

ويوقع كل مندوب بموافقته على تحديد موضع مجاور عائلاته وذلك حسب توكيل رسمي يمنحه له أعضاء المجموعة.

ويتم تحديد حدود كل مجاورة عائلية على هذه الخطة الابتدائية، أما التنظيم الداخلي، وتحديد موقع البيوت الفردية وشكل الميدان، الخ.

فكلها سوف ينتظر التصميم التفصيلي لهذه البدنة عندما يأتي الدور في سياق البناء ((ذلك أن العمل في التصميم يستمر خطوة فخطوة مع الانشاء الفعلي حتى يتم إنهاء القرية)).

وهكذا فرغم أن مسار الطرق الرئيسية يتحدد منذ البداية هو ومواقع المباني العامة والمساحات الأساسية المفتوحة، على الأقل في داخل المجاورة العائلية، إلا أننا لن نعرف بالضبط.

إلا بعد ذلك بكثير، أي أرض تكون خاصة (مواقع البيوت) وأي أرض تنتمي للجمهور (ميدان المجاورة).

وعدم تحديد هكذا لهو أمر ضروري إذا كنا نريد أن نبسط مزايا التصميم الفردي المتعمد على كل منزل في القرية.

والمهندس حتى يقوم بذلك، يحتاج وقتاً؛ ولو توجب عليه أن يوقع الرسم التخطيطي لكل بيت على الخطة قبل أن يبدأ أي إنشاء في أي مكان بالقرية، فسوف يكون المهندس المعماري مجبراً على اللجوء إلى التصميم الجموعي، أي أن يضاعف من تصميم مفرد عدة مرات، وبهذا فإن وجوده كفنان خلاق يصبح أمراً غير ضروري بمجرد أن ينتهي من رسم خطته الأولى هذه.

ومادة البناء الرئيسية هي التربة، التي ستجلب من حفر البحيرة الصناعية.

وهكذا فبينما يُقسم القرويون إلى مجموعات من العائلات، ويتعرفون على مقترحات البناء وتنظيم العمل، تكون هذه البحيرة ولابد قد تم حفرها، وفي نفس الوقت يكون قد تم تخطيط الحديقة المحيطة بها وزرعها.

وموقع البحيرة يتحدد حسب عوامل عديدة.

فأولاً، يجب أن تكون التربة مناسبة لصنع الطوب.

وهكذا تثقب حفر اختبارية في الموضع المرغوب فيه بأكثر، وتحلل التربة بواسطة مهندس ميكانيكا التربة الذي سيقول إذا ما كانت ملائمة لصنع الطوب أو هي مما ينبغي أن يخلط معه أي قدر من الرمل.

وإذا ثبت أن التربة عند أحسن موقع للبحيرة غير ملائمة لصنع الطوب، فإنه يجب استخدام مكان آخر كمحجر للتربة، ويظل موقع البحيرة في المكان الأحسن لاستجمام القرية، بينما يمكن استخدام التربة المحفورة منها لملء موضع محجر التربة.

وثانياً، ينبغي اتخاذ موقع البحيرة بحيث يمكن الاستفادة من عادات القرويين.

فإذا كان لديهم موضع معين يذهبون إليه بانتظام للاستحمام (موردة)، فإنه ينبغي أن يصبح جزءاً من البحيرة بحيث يسلكون نفس المسارات كما من قبل والعوامل الأخرى التي تحدد اتخاذ موقع البحيرة هي كالتالي: موضع الترع التي ستغذيها، واتجاه الرياح السائدة (الرياح الشمالية الغربية الباردة) واتجاه الرياح العارضة الساخنة المحملة بالتراب (من الجنوب الشرقي)، وموضع مضرب الطوب.

وحيث أن البحيرة ستكون في المنتصف من مساحة لشبه منتزه، ستبرد أشجار من الريح وتنقيها، فإن من الأفضل اتخاذ موقعها إلى الجنوب الشرقي من البيوت، بحيث تعترض الرياح الجنوبية الشرقية الحارة.

ومضرب الطوب الذي يجب أن توضع التربة المحفورة بالقرب منه، ينبغي أن يكون قريباً نوعاً من البحيرة، للإقلال من صعوبات النقل، ولكنه في الوقت نفسه بعيداً عن البيوت وأسفل اتجاه الريح بالنسبة لها بسبب الرائحة الكريهة للأفران (أفران حرق الجير واطوب يُتخذ موقعها في مضرب الطوب) وهكذا فإن الموقع الأمثل لمضرب الطوب هو إلى الجنوب حتى الجنوب الشرقي من البحيرة والمنتزه، بحيث تحجبه أشجار المنتزه عن المقربة.

ومن الواضح أن حفر البحيرة وتفريغ التربة بالقرب من مضرب الطوب إنما هو من مهام وزارة الأشغال العمومية.

ويمكن إنهاء هذه المهمة في أسابيع معدودة باستخدام ماكينات معدودة وسكة حديد ديكوفيل، فذلك أسرع كثيراً مما يستطيعه الفلاحون بأدواتهم اليدوية البسيطة.

ومن المهم جداً أن يتم حفر البحيرة سريعاً، لتوفير وقت مهندسي مصلحة الأشغال العمومية الذين يجب أن يقوموا بالإشراف على ما هو في الحقيقة عملية هندسية جداً معقدة، ولتوفير وقت أخصائي تربية الأسماك وأخصائي البساتين من وزارةالزراعة، الذين سيشرفون على إنشاء مزرعة الأسماك ورسم منظر الخلوي الطبيعي للمنتزه وزرعه.

ولو حفر البحيرة كان يتم يدوياً خلال زمن طويل، لتسرَّب الماء إليها قبل إكمالها، وهي لو أثقلت بالماء قبل أن يتم تجهيز نظام القنوات المغذية وأبواب الغلق، فإن هذا الماء سيركد فيتوالد فيه البعوض.

وفوق ذلك، فإننا ينبغي أن نستوثق أننا قد حصلنا على كل التربة التي سنحتاجها للقرية كلها قبل أن نبدأ البناء، بحيث لا يحدث توقف بسبب نقص في مواد البناء.
* * *



لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
لحن الترنيمة (كورال) الإنسان والمجتمع والتكنولوجيا
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2021 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: عمارة الفقراء للمهندس حسن فتحي-
انتقل الى: