منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة الأعراف الآيات من 171-175

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة الأعراف الآيات من 171-175 Empty
مُساهمةموضوع: سورة الأعراف الآيات من 171-175   سورة الأعراف الآيات من 171-175 Emptyالخميس 22 أغسطس 2019, 1:22 pm

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والجبل معروف أنه من الأحجار المندمجة في بعضها والمكونة لجرم عالٍ قد يصل إلى ألف متر أو أكثر، والحق يقول عن الجبال: (وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا) ولا يقال أرساها إلا إذا كان وجد شيء له ثقل، فأنت لا تقول: "أرسيت الورقة على المكتب"، ولكنك تقول: "أرسيت لوح الزجاج على المكتب ليحميه"، وأنت بذلك ترسي شيئاً له وزن وثقل.

وقد أرسى ربنا الجبال وجعلها في الأرض أوتاداً، والوَتِد -كما نعلم- ممسوك من الموتود والمثبت فيه، بدليل أنه لو تخلخل في مكانه نضع له ما نسميه "تخشينة" لتلصقه وتربطه بما يثبت فيه، وهنا يقول الحق: (وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ) "نتقنا" أي قلعنا، وهناك قول آخر: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ) (النساء: 154).

وقال الحق أيضاً: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ) (البقرة: 63).

وهنا اختلاف بين "نتق" و"رفع"؛ لأن الجبل راسٍ في الأرض، وممسوك كالوتد؛ لذلك يحتاج قبل أن يرفع إلى عملية نزع واقتلاع من الأرض، ثم يأتي من بعد ذلك الرفع، و"نتقنا" تعني نزعنا الجبل من مكان إرسائه حتى نرفعه، وقد رفعه الله ليجعل منه ظلة عليهم، أي أن هناكَ ثلاث عمليات: نتق أي نزع وخلع، ثم رفع، ثم جعله سبحانه ظلة لهم، وهذا يحتاج إلى اتجاه في المرفوع إلى جهة ما.

والحق يقول: "وإذ" أي اذكر إذ نتقنا الجبل، أي نزعناه وخلعناه من الأرض، ولا ننزعه ونخلعه من الأرض إلا لمهمة أخرى أي نجعله ظلة، وكان تظليل الغمام رحمة لهم من قبل، وصار الجبل ظلة "عذاب"؛ لأن الحق أنزل لهم التوراة على موسى فقالوا له: إن أحكام هذه التوراة شديدة.

وللإِنسان أن يتساءل: لماذا كل هذا التلكؤ مع التشريعات التي جاءت لمصلحة البشر؟

وجاء لهم العقاب من الحق بأن رفع فوقهم الجبل كظلة تحمل التهديد كأنه قد يقع فوقهم (كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ).

لذلك نجد أن كل يهودي يسجد على حاجبه الأيسر على الرغم من أن السجود يقتضي تساوي وضع الجبهة على الأرض، ولكنهم يسجدون بميل إلى الحاجب الأيسر لأن السابقين لهم رأوا الجبل فوقهم وتملكهم الخوف من سقوط الجبل، وكانوا يسجدون وفي الوقت نفسه يرقبون الجبل، وبقيت هذه المسألة لازمة فيهم، وصاروا لا يسجدون إلا على حاجبهم الأيسر، بسبب حكاية الجبل الذي نتقه الله وقلعه ورفعه فصار فوقهم (وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ).

والظن هو رجحان قضية، وقد يأتي ويراد به أنه رجحان قوى قد يصل إلى درجة اليقين، مثل قوله الحق: (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ) (البقرة: 46).

وحين بقيت الحالة هذه، وخافوا من الجبل أن يقع عليهم، ولأن هناك كتابا قد أنزل إليهم وهو التوراة وهم يعصون ويتمردون على ما فيه؛ لذلك قال لهم الحق: (خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأعراف: 171).

و"خذوا" فعل أمر، والأمر يقتضي آمرا، ولابد له من شيء يأمر به.

وكلمة "القوة" هذه هي الطاقة الفاعلة، والأصل في الكون كله أن نقبل على كل شيء بقوة؛ لأن الكون الذي تراه مسخراً ليس له رأي في أن يفعل أو لا يفعل، بل هو فاعل دائماً إذا أُمر، وكما قلنا من قبل: لم تغضب الشمس على الناس وقالت: لن أطلع هذا اليوم، وكذلك لم يمتنع الهواء، وأيضاً لا يرفض الحمار مثلاً أن يحمل الروث، أو ينظفه صاحبه ويأتي له بـ "البردعة" ليجعله ركوبة متميزة، الحمار إذن لا يعصي هنا ولا يعصي هناك، والكون كله مسخر بقوانين مادية ثابتة.

(لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: 40).

وقد وضع الحق هذا النظام للكون نظراً لأنه مقهور وليس له تكليف، والمحكوم بالغريزة الكونية صالح للحياة عن المحكوم بالاختيار الفعلي، ومع هذا الاختيار فالإنسان له أشياء تفعل فعلها فيه ولا يَدْرِي عنها شيئاً مع أن بها قوام حياته، فلا أحد يمسك قلبه ويضبطه ويقول له: دق، والرئة كذلك وحركة التنفس، والحركة الدودية في الأمعاء، والحالب، ويرغب الإنسان في دخول دورة المياه عندما تمتلئ المثانة بالبول، كل هذه مسائل رتيبة لا اختيار للإنسان فيها أبدا، والأمور المحكومة بالغرائز ليس لنا فيها اختيار، كأن يأكل الإنسان ويتكلم في أثناء تناول الطعام فتنزل حبة أرز في القصبة الهوائية فيحاول الإنسان أن يطردها بالسعال، هذا اسمه "غريزة" أي أمر غير محكوم بالفعل الاختياري.

وكذلك الحيوان إذا أحضرت له طعاماً فهو لا يأكل أكثر من طاقته حتى لو ضربه صاحبه.

أما الإنسان فقد يأكل بعد أن يشبع، وحين يقول له مُضيفه -على سبيل المثال-: أنت لم تذق هذا اللون من اللحم، فيأكل.

ولهذا نجد أن الأمراض في الانسان أكثر من الأمراض في الحيوان؛ لأن اختيار الإنسان يمتد إلى مجالات متعددة متفرقة قد تضر به وتؤذيه.

ونعرف جميعاً هذا المثال للفارق بين الإنسان والحيوان، نجد الإنسان يغلي النعناع ويشربه، ويطبخ الملوخية ليأكلها، وقد فعل ذلك لأنه اختبر الاثنين، فلم يأكل النعناع وأكل الملوخية، رغم تشابه أوراقهما.

لكن هات شجرة النعناع أمام الجاموسة أو الحمار، وهات النجيل الناشف وضع الاثنين أمام الجاموسة أو الحمار، ستجد الجاموسة والحمار يتجهان إلى النجيل الناشف ويتركان نبات النعناع الأخضر الرطب، وهما يفعلان ذلك بالغريزة، فالمحكوم بالغريزة له نظام، ولو كان الحيوان مختاراً لارْتَبَكت حركة الحياة كلها واختلطت واشتد على الناس شأنها.

وهكذا نعرف أن مقومات الحياة تقوم على قوانين الغريزة، وهذه القوانين موجودة في الكون لتخدمنا نحن بني البشر.

فالكهرباء مثلاً كانت موجودة قبل أن ننتفع بها، لكن بعد ذلك انتفعنا بها، وكذلك الجاذبية، كانت موجودة في الكون منذ الأزل، لكنا لم ننتبه لها، وحين اكتشفناها زادت قدراتنا على الاستفادة منها، وهكذا نرى أن الإنسان واحد من هذا الكون، إلا أنه يتميز بأن له جهة اختيار في بعض الأمور، وله جهة قهر في البعض الآخر، فهو يشارك الكون في القهر، ويتميز عن بقية المخلوقات -عدا الجن- بالاختيار في أمور أخرى.

ونجد على سبيل المثال: أن الإنسان الذي يعاني قلبه من ضعف ما، عندما يصعد هذا الإنسان سلماً ينهج ويتتابع نَفَسه من الإعياء وكثرة الحركة، لأنّ غريزته المحكوم بها تُنبه الجسد إلى ضرورة أن تعمل الرئة أكثر لتعطي الأوكسجين الذي يساعد على الصعود.

ومثال آخر: نجد الذكر من الحيوانات يقترب من أنثاه ليشمها، فإن وجدها حاملاً لا يقربها، والحيوان في هذا الأمر مختلف عن الإنسان؛ لأن الحيوان تحركه الغريزة التي تبين له أن العملية الجنسية بين الذكر والأنثى لحفظ النوع، وما دامت الأنثى قد حملت، فالذكر لا يقربها، فاختلف الإنسان عن الحيوان في هذا الأمر؛ فلذة الإنسان في الجنس أعلى من لذة الحيوان؛ لأنها في الحيوان ترضخ للغريزة فحسب، أما في الإنسان فإنها مع الغريزة ترضخ أيضا للاختيار الذي منحه الله للإنسان.

ومن رحمة الله -إذن- أن يكون الإنسان مقهوراً في بعض الأشياء ومختاراً في أشياء أخرى، بـ "افعل" و"لا تفعل" حتى يختار بين البديلات.

وهنا يقول الحق: (خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّة) (الأعراف: 171).

أي خذوا ما آتاكم في الكتاب بجد واجتهاد.

وكان هذا القول مقدمة لما جاء به العلم في شرح معنى القوة.

وقد وصل إلينا خبر العلم قبل أن يصل لنا واقعه المادي، فصرنا نرى الطاقة التي تعطي القوة وجاء نيوتن ليكشف لنا قانون الجاذبية، القانون الأول والثاني والثالث، واكتشف أن كل جسم يظل على ما هو عليه، فإن كان ساكناً يبقى على سكونه إلى أن يأتي محرك يحركه.

وإن كان الجسم متحركاً فهو لا يتوقف إلى أن يصدمه صادم أو يمسكه ماسك.

وسمّى العلماء هذا التأثير بالقصور الذاتي.

أو التعطل، أي أن الساكن يُعَطّلُ عن الحركة إلا أن يحركه محرك، والمتحرك يُعَطّلُ عن السكون إلا أن يوقفه موقف، فأنت إذا ركبت سيارة وأنت قاعد وساكن والسيارة تسير، فإنك تظل ساكناً، إلى أن يوقفها السائق فجأة فتتحرك من مكانك ما لم تمسك بشيء.

وفي الأسواق نرى الحواة وهم يؤدون بعض الألعاب ليسحروا أعين الناس فيأتي بمنضدة وعليها مفرش لامع وأملس، ثم يضع عليها أطباقاً وأكواباً، ثم يحرك المفرش بخفة لينزعه بهدوء من تحت الأكواب حتى لا تتحرك بحركة المفرش.

وحين جاء نيوتن عقد مقارنة وموازنة بين القوة والحركة والعطالة، وقلنا: إنّ العطالة تعني أن الساكن يتعطل عن الحركة، والمتحرك يتعطل عن السكون، وهذه هي القضية المادية في الكون التي خدمت العلم الفضائي الخاص بسفن الفضاء والصواريخ.

ونحن نرى السفن الفضائية ونعتقد أنها تدور في الفضاء بالوقود، رغم أن حجمها لا يسع الوقود الذي يسيرها لسنوات، والحقيقة أنها تسير بقانون القصور الذاتي أو العطالة إنّها بدون وقود، وهي تندفع إلى الفضاء بقوة الصاروخ إلى أن تخرج إلى الفضاء الكوني، وتظل متحركة ما لم يوقفها موقف.

ونرى ذلك في التجربة اليسيرة حين يطلق إنسان رصاصة من مسدس فتنطلق الرصاصة بقوة الطلقة مسافة ثم تقع إن لم يوجد حاجز يصدها، وهي تقع بعد مسافة معينة؛ لأن الهواء يقابلها فيصادم الحركة إلى أن تتوقف، أما في الفضاء الخارجي فليس هناك هواء؛ لذلك لا تتوقف سفينة الفضاء، لأنها تسير بقانون القصور الذاتي أو العطالة.

وهذه السفن الفضائية تعتمد في صعودها إلى الفضاء على الصواريخ لتصل إلى المدار الخارجي.

والصواريخ تسير بالغاز المتفلت الذي أخذ القانون الثالث من قوانين نيوتن، وهو القانون القائل: إن كل فعل له رد فعل يساويه ومضاد له في الاتجاه، وحين يسخن هذا الغاز المتفلت يخرج من خلف الصاروخ بقوة فيندفع الصاروخ للأمام.

وهكذا نرى قول الحق: (خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ) (الأعراف: 171) في الواقع المادي والواقع القيمي.

وانظر إلى غير المتدينين تجدهم ساكنين في بعض الأمور ولا يتحركون عنها ولا يجاوزونها، فالواحد منهم لا يصلي، ولا يزكي، ولا يقول كلمة معروف، وهو في ذلك يحتاج إلى قوة تحرك سكونه عن طاعة الله.

ونجد أيضاً من غير المتدينين من يشرب خمرة.

أو يزني أو يسرق أو يرتشي.

وهو هنا يحتاج إلى قوة لتصده عن مثل هذه الحركة.

ولذلك نقول: إن الإنسان في أفعاله الاختيارية يحتاج إلى أمرين: الأول إن كان ساكناً عن فعل الخير نأتي له بقوة تحركه إلى هذا الخير، وإن كان متحركا إلى الشر نأتي له بقوة توقفه عنه، وهذا هو ما يقدمه المنهج الإيماني في "افعل"، و"لا تفعل".

فمن يتراخى عن الصلاة وسكن عنها نقول له صلّ.

ومن يذهب للقمار ويتحرك إليه لا يمكن أن يقف إلا إذا جاءت له قوة توقفه عن ذلك وتمنعه، إذن فالقوة الشرعية تكون في المنهج بـ "افعل" ليحرك الساكن، و"لا تفعل" ليقف المتحرك شريطة أن يكون كل من السكون والحركة في ضوء المنهج.

ولنعرف أن الله سبحانه وتعالى يسخر لنا الكافرين ليبينوا لنا المستغلق علينا في قوانين الكون، فقد اكتشفوا قوانين القوة المادية وفهمناها نحن في إطار الماديات والمعنويات، وليس اكتشاف الكافرين للقوانين في الكون مدعاة للكسل والاعتماد عليهم، بل علينا أن نشحذ الهمم لنتقدم في العلم الذي يُسير أمور الحياة، ولنعلم أنه لا شيء ينشىء فينا فطرة جديدة؛ لأن البشر من قديم مفطورون على الفطرة السليمة التي تلفتهم إلى أن لهذا العالم صانعاً، فكل ذراتنا وكل اتجاهاتنا تؤكد لنا وجود إله واحد.

بل إن الفلاسفة حينما بحثوا وراء المادة تأكد لهم ذلك، وأغلب الفلاسفة كانوا غير مؤمنين، وهم ببحثهم وراء المادة إنما يبحثون عن الخالق الأعظم؛ لأن الإنسان لا يبحث عن شيء لا يظن وجوده.

ولأنهم جميعا يعلمون أن الإنسان طرأ على كون، وهذا الكون مقام بهندسة حكيمة، ومخلوق بقوة لا تستطيع قوى البشر جميعا أن تأتي بمثلها، إذن لابد لهذا الكون من خالق.

لقد بيّنا أن القوانين التي تظهر لنا في المادة تتماثل مع قوانين القيم، إلا أن الناس يتهافتون على قانون المادة لأنها تحقق لهم خيراً أو تدفع عنهم شرا، فيأخذون ما ينفعهم ويدعون ويتركون ما يضرهم، ولذلك احتاج الإنسان إلى منهج من السماء ليوضح ويبين له قوانين القيم التي تحقق له السعادة العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، أما قوانين المادة في الأرض فتركها الله لنشاط العقل، حتى الذين لا يؤمنون بالله يذهبون إلى قوانين المادة ويصنعونها، ويتهربون من قوانين القيم لأنها تحد من شهوات النفس وتتعب بمشقة التكليف، فشاء الحق سبحانه وتعالى أن يقول فيها: (خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأعراف: 171).

وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطي من قانون المادة ما يقرب لنا قوانين القيم في الفعل ورد الفعل، لنفهم أن كل حركة للشر قد تحبها النفس لأنها تحقق لها شهوة من شهواتها، لكن يجب ألا يغيب عن ذهنك أيها الإنسان أن لكل فعل رد فعل مساوياً له في الحركة ومضاداً له في الاتجاه، فإن كنت ترتاح في هذا العمل وتحبه وتشتهيه فتذكر جيداً رد الفعل الذي يأتيك بالعقاب عليه، وكذلك مشقات التكليف، حين تفعل الطاعة تكون صعبة عليك ولكن يجب أن تذكر رد الفعل فيها وهو الراحة وحسن الثواب، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ) (الحاقة: 24).

وفي هذا القول فعل ورد فعل، الفعل هو العمل الصالح في الأيام التي مضت، ورد الفعل هو الطعام والشراب الهنيء في الآخرة.

ولمن اغتر واعتز بنفسه وجبروته وقوته يقول له الحق: (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً) (التوبة: 82).

وهكذا نجد البكاء الكثيف الشديد الكثير نتيجة للضحك القليل.

ويأتي الإنسان من هؤلاء يوم القيامة ليقال له: (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ) (الدخان: 49).

إن كنت قد فهمت أنك عزيز كريم فأسأت إلى الناس فلسوف تتلقى العقاب.

ولذلك يقول لنا الحق عن المنهج: (وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

وإياكم أن تطرأ عليكم الغفلة من هذه الناحية، فالذي يتعب الناس في مناهج الله أنهم يغفلون عنها؛ لأن الطاعة تكلفهم مشقة وبعض عناء، والمعاصي تكسبهم لذة وشهوة، فأوضح الحق: اذكروا جيدا الفعل ورد الفعل في هذه القيم.

ونعلم أن الذِّكْر يحتاج إلى أشياء كثيرة جداً، فالواعظ مثلاً يذكرهم دائماً، وقلنا إن "الوعظ" هو نوع من إعادة التذكير بالإعلام بالحكم، فأنا أعظ من عَلِمَ الحكم، لأني أريد أن يفعله، فبعد أن علمه الموعوظ علماً فقط يريد منه الوَاعظ أن ينفذه عملياً.

فكلنا نعلم أن الصلاة ركن، وأن الحج ركن، والزكاة ركن من أركان الإسلام، وكلنا جاءنا العلم بذلك، لكن منا من يكسل في تطبيق هذا العلم.

ونظل ندق على دماغه بالتذكير والوعظ، وهذا من خيرية أمته -صلى الله عليه وسلم-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110).

ولماذا هذا التذكير؟

يجيب الحق: (تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ) (آل عمران: 110).

الأمر بالمعروف عظة قولية، والنهي عن المنكر عظة قولية، ويعددها الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبقاء التذكير، وليأخذ كل مسلم منهج الله بقوة، فيقول في الحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان".

إذن فقد نقل الرسول المسألة من الأمر وهو القول والنهي وهو قول أيضاً إلى أن نباشرها فعلاً، فإن لم يستطع الإنسان منا تغيير المنكر بلسانه أو بيده فلينكره بقلبه، ونجد القرآن قد جاء بها أمراً ونهياً، والرسول جاء بها فعلاً، لأن هناك فرقاً بين المعلومة التي تدخل الذهن، وحمل النفس على مطلوب المعلومة.

ولذلك نحن ندرس الدين في مدارسنا، وندرس فيها أيضاً الجبر والهندسة، والكيمياء، والطبيعة، والمتعب ليس تدريس الدين، بل الذي يتعب الناس هو حمل النفس على مطلوب الدين.

لكن التلميذ حين يتعلم الجبر والهندسة أو الكيمياء فهذه علوم تعطي الإنسان خير الدنيا فيذهب لها، لكن مسألة الدين مسألة قيم؛ لذلك لا يكفي أن نعلم الدين بل لابد أن تنفذ ذلك العلم، وتنفيذ هذه المسألة يكون بالتطبيق في سلوك من أسوة حسنة وقدوة طيبة.

وهب أن الذي يُعلم الدين يدرسه معلومة ويدخلها في نفوس التلاميذ، ثم لا يجدون من أثر هذه المعلومة نضجاً على سلوك مَن علَّمها، ماذا يكون الموقف؟

هنا تضعف ثقة التلميذ في أستاذة، وتضعف ثقته في الدين؛ لأنه لم ير من الدين إلا كلاماً يقال، بدليل أن من يقولونه لا ينفذونه، وفي هذا فشل في تعليم منهج الدين، والخطأ إذن أن الناس يظنون أن منهج الدين يقف عند تعليم المعلومات الدينية، لا.

إن تعليم الدين يقتضي تنفيذ ما فيه من معلومات، عكس العلوم الأخرى التي تعطي المعلومة فقط.

وإن أراد الإنسان أن ينتفع بها في حياته انتفع، وإن لم يرد فهو حر في ذلك إذن فالتذكير مرة يكون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، ومرة يكون بالفعل: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه".

وماذا يعني التغيير باللسان؟

يعني أن الإنسان إن كان عنده حسن تأد واستعداد للعظة ومعرفة أدب النصح فله أن يقبل على تناول العظة.

وليس كل إنسان صالحاً لأن ينصح؛ لأن المنصوح يخالف المنهج، والناصح يقف أمامه حتى لا يخالف المنهج، إنه يخرجه عما ألف وأحب، لذلك يجب أن يتلطف الناصح في النصح.

ومثال ذلك نجد الطبيب حين يذهب إليه المريض يصف له الدواء، والدواء قديماً كان كله مراً.

وكانت الناس تأخذ الدواء بصعوبة، ويمسك الكبار الأطفال ليعطوهم الدواء.

وحين ارتقت صناعة الدواء، قام الصيادلة بتغليف جرعة الدواء بغلاف يحجب المرارة.

ليتلطفوا مع مريض الجسم، فما بالنا بمريض القيم؟

إنه يحتاج إلى المسألة نفسها.

لذلك لابد أن نجعل النصح خفيفاً، ولا نجمع على المنصوح بين أن تخرجه عما ألف وما يكره من الأساليب، ولذلك قلنا: إن النصح ثقيل، لأنك حين تنصح إنسانا فمعنى ذلك أنك افترضت أنك أفضل سلوكاً منه، وهو أقل منك في ذلك، وهذا هو أول مطب، وينظر لك المنصوح على أنك تفهم أحسن منه.

ولهذا قالوا في الأثر: النصح ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلاً.

وقيل أيضاً: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان.

هكذا يكون التذكير، وإن لم تستطع أن تمنع بالفعل فامنع بالقول؛ لأن التغيير باليد يحتاج إلى سلطة المغيِّر على المغيَّر، وهذا لا يأتي إلا بأن يكون للمغيِّر مقدمة وسابقة مع المغيَّر يثبت فيها المغيِّر أنه يحب مصلحة المغيَّر.

وقد يكون ذلك وارداً من غير أن تقول.

كأن تكون أباه أو أمه، والأب والأم يقومان برعاية الابن، وتلبية احتياجاته طعاماً ومشرباً ومسكناً ومصروفاً.

وكل منهما هو المتولي لمصالح الابن.

وإذا كان الناصح ليس له هذه الصلة بالمنصوح، فعليه أن يتلطف له أولاً بما يحب.

فحين يطلب منك أمراً تقوم بإجابته إلى طلبه، وتنبهه بعد ذلك إلى ما تريد أن تنصحه إنك قد قدمت له شيئاً من المعروف فيتحمل منك النصح.

ومثال آخر: افرض أن ابنك قد طلب منك أن تحضر له ساعة، وبعد ذلك قالت لك أمه: إنه لم يستذكر دروسه حتى الآن.

ثم تأتي له بالساعة وتقول له: يا ولد أنت أردت مني ساعة وأحضرتها لك، وتناولها له وتقول: إن أمك قالت لي إنك غير مهتم بدروسك، ولو تذكرت قولها لما أحضرت لك الساعة.

وقد توجه له توبيخاً فيضحك لأنك قد حننت قلبه، وبينت له أنك تحبه فيقبل النصح، حتى ولو صفعته قد يقبل لأنه يعلم أنك تحب مصلحته.

إذن للتذكير ألوان متعددة: عظة بالقول، وتغيير بالفعل وإنكار بالقلب.

(وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) والأصل في التقوى أن تتقي شيئاً بشيء؛ تتقي مؤلماً بجعل وقاية بينك وبينه، وهي تأتي كما علمنا في المتقابلات؛ فالحق سبحانه يقول: (وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (آل عمران: 131).

وهو سبحانه وتعالى يقول: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة: 189، آل عمران: 130).

ونجد من يتساءل: كيف يقول: "اتقوا الله"، "واتقوا النار"؟

نقول: نعم؛ لأن اتقوا الله تعني اتقوا غضب الله عليكم، واتقوا عذاب الله لكم بأن تجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية، ولابد أن تجعل بينك وبين النار وقاية؛ لأن الحق سبحانه وتعالى كما علمنا لَه صفات جلال وصفات جمال، وصفات الجمال هي التي تسعد الإنسان ككونه -سبحانه- "غفوراً"، و"رحيماً"، "باسطاً"، وكما أن لله صفات جمال تعطيك الرغبة والإقبال عليه -سبحانه- فله صفات جلال تعطيك الرهبة، فهو -جل شأنه- جبار منتقم.

فاتق الله حتى تحجب عن نفسك متعلقات صفات الجلال التي منها جبار منتقم.

ويقول الحق بعد ذلك: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن...).



سورة الأعراف الآيات من 171-175 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة الأعراف الآيات من 171-175 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الأعراف الآيات من 171-175   سورة الأعراف الآيات من 171-175 Emptyالخميس 22 أغسطس 2019, 1:24 pm

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (١٧٢)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وإذ تنصرف إلى الزمن، أي اذكر وقت أن أخذ الله من بني آدم، والآخذ هو الله، والمأخوذ منه بنو آدم، والشيء المأخوذ هو ذريتهم، هذه هي العناصر.

ولنتأمل ذلك بدقة، إن الرب هنا هو الآخذ، وبنو آدم مأخوذ منهم، والمأخوذ هو الذرية.

وبنو آدم هم أولاد آدم من لدنه إلى أن تقوم الساعة، وهنا اتحد المأخوذ والمأخوذ منه، ولابد أن نرى تصريفاً في هذا النص؛ لأنه يشترط أن يكون المأخوذ منه كلاً، والمأخوذ بعضه.

والمثال: إن أنا أخذتُ منك شيئاً، فالمأخوذ منه هو الكل، والمأخوذ بنفسه هوالبعض.

لكننا هنا نجد المأخوذ هو عين المأخوذ منه، وأزال سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الإشكال في هذه الآية فقال -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: لما خلق الله أدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وميضاً من نور ثم عرضهم على آدم، فقال: أيْ رَبَّ من هؤلاء؟ قال هؤلاء ذريتك. فرأى رجلاً منهم. فأعجبه وميض ما بين عينيه. فقال: أي رب. من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قُضي عُمُر آدم جاءه ملك الموت. فقال: أو لم يَبْقَ من عُمُري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدمُ فجحدتُ ذُريته، ونسي فنسيت ذريته. وخطئ آدم فخطئت ذريته).

إذن ذرية آدم أُخذت من ظهر آدم.

وعرفنا من قبل أنّ كُلاً منا قبلَ أن تحملَ به أمّه كان ذَرَّةً في ظهر أبيه، وأبوه كان ذرّة في ظهر أبيه حتى آدم.

وهكذا نجد أنَّ كل واحد مأخوذ من ظهره ذرية هناك أناس يؤخذون -كذرية- ولا يؤخذ منهم، مثًل من فرض عليهم الله أن يكون الواحد منهم عقيماً، وكذلك آخرُ جيل تقومُ عليه الساعة، ولن ينجبوا.

وآدم مأخوذ منه لأنه أول الخلق، وهو غير مأخوذ من أحد.

وما بين الأب آدم وآخر ولد؛ مأخوذ ومأخوذ منه.

وبذلك يكون كل واحد مأخوذ ومأخوذ منه، وهكذا يستقيم المعنى.

والمأخوذ منه آدم ثم كل ولد من أول أولاد آدم إلى الجيل الأخير الذي سينقطع عن النسل.

وأوضح النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن ربنا سبحانه وتعالى مسح بيده على ظهر آدم وأخرج منه الذرية، وقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.

وبهذا عَلمْنا أنَّ كل ذرّة من الذرات قد أُخذت مما قبلها، وأُخذ منها ما بعدها؛ وكلها مأخوذ ومأخوذ منه، اللهم إلا القوسين؛ القوس الأول: آدم لأنه مأخوذ منه وليس مأخوذاً من شيء، والقوس الثاني: آخر ولد من أولاده مأخوذ وليس مأخوذاً منه؛ لأن الإنسان منا وُجد من حيوان أبيه المنويّ.

ولو أن الحيوانَ المَنَويَّ أصابه موت لما أنجب الأب.

ومن وُلد من حيوان مَنَوِيَّ لأب، هذا الأب مأخَوذ من حيوان مَنَوِيَّ حيّ من الجد أيضاً، وسلسلها إلى آدم؛ ستجد أن كل واحد منا فيه جزيء حَيّ من لدن آدم لن يدركه موت أبداً.

لذلك يقول ربنا: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ) (الأعراف: 172).

ولا تقل إن الكل سيكون في ظهره؛ لأن المأخوذ منه هو الأساس الموجود في ظهره وما دام كل شيء يتكاثر فهو قد وجد من أقل شيءٍ ونعلم أن الأقل يوجد فيه الأكثر مطموراً.

وقد أخذ ربنا من ظهور بني آدم الذرية وخاطب الذرية بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟

وهنا قد يقول قائل: أكان لهذه الذرية القدرة على النطق؛ إنها ذرية تنتظر التكوين الآخر؛ لتتحد مثلاً بـ"البويضة" في رحم الأم؟

فنرد عليه ونقول: لماذا تظن أن مخاطبة ربنا لهم أمرُ صعب؟

إن الواحد من البشر يستطيع أن يتَعلَّم عَشْرَ لغاتٍ، ويتزوجَ من أربع سيدات، وكل سيدة ينجب منها ذرية، ويقعد يوماً عند سيدة وذريتها ويعلمهَا اللغة الإنجليزية مثلا، ويجلس مع الأخرى ويعلمها اللغة الألمانية، ويعلم الثالثة وأولادها اللغة العربية وهكذا، بل يستطيع أن يتفاهم حتى بالإشارة مَعَ من لا يعرف لغته، وإذا كان الإنسانُ يستطيع أن يعدد وسائل الأداء، ألاَ يقدر أن يعدد وسائل الأداء لمخلوقاته؟

إنه قادر على أن يعدد ويخاطب، ألم يقل الحق تبارك وتعالى للجبال: (يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) (سبأ: 10).

كيف إذن لا يتسع أفق الإنسان لأن يدرك أن الله قادر على أن يخاطب أياً من مخلوقاته؟

إنه قادر على أن يخاطب كل مخلوق له بلغة لا يفهمها الآخر.

وهو القائل سبحانه: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ) (الأنبياء: 79).

ونعلم أن القرآن الكريم كذلك أن الجبال تسبح أيضاً من غير داود، شأنها شأن المخلوقات جميعها مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: 44).

وحتى ذرات يد الكافر تسبح، وإن كان تسبيحها لا يوافق إرادته.

وقول الحق سبحانه: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ) (الأنبياء: 79).

يبين لنا أن الجبال كانت تردد تسبيح داوود وتلاوته للزبور، ولا يقتصر أمر الحق إلى الجبال بل إلى كل مخلوق، فنحن -على سبيل المثال- نقرأ في القرآن الكريم أن ربنا أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون.

إذن فلله مع خلقه أدوات خطاب؛ لأنه هو الذي خلق الكون والمخلوقات، وله سبحانه خطاب بألفاظ، وخطاب إشارات، وخطاب بإلهام، وخطاب بوحي، فإذا قرأنا أن الحق تبارك وتعالى قال لذرية آدم: ألست بربكم؟

فهذا يعني أنه قالها لهم باللغة التي يفهمونها، لأنه هو سبحانه الذي قال للسماء والأرض: (ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ) (فصلت: 11).

ولقد تكلمت النملة وفهم سليمان كلامها، ولو لَمْ يُعْلِم اللهُ سليمانَ كيف يفهم كلامها لما عرفنا أنها تكلمت: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) (النمل: 18).

إنها تفهم ما يفعله البشر حين يدوسون على كائنات صغيرة دون أن يروها، ولكن سليمان نبي من أنبياء الله، ولن يعتدي على خلق الله، والنملة التي تكلمت كانت تحرس بقية النمل.

وكذلك تكلم الهدهد ليخبر سيدنا سليمان عن مملكة سبأ وحالة بلقيس وقومها.

إذن فالله عز وجل يخاطب جميعَ خلقِه، ويجيبُه جميعُ خلقه، فلا تقل: كيف خاطب المولى سبحانه الذر، والذَر لم يكن مكلفاً بعد؟

دولم يحاول العلماء أن يدخلوا في هذه المسألة؛ لأنها في ظاهرها بعيدة عن العقل، ويكفي أن ربنا الخالق القادر قد أبلغنا أنه قد خاطب الذرات قائلا: ألست بربكم؟ قالوا: بلىَ.

ويبدو من هذا القول أن المسألة تمثيل للفطرة المودعة في النفس البشرية.

وكأنه سبحانه قد أودع في النفس البشرية والذات الإنسانية فطرةً تؤكد له أنَّ وراءَ هذا الكونِ إلهاً خالقاً قادراً مدبراً.

وقديماً قلنا: هب أنَّ طائرةً وقعت بك في صحراء، وحين أفقت من إغماءة الخوف؛ فكّرت في حالك وكيف أنك لا تجد طعاماً أو شراباً أو أنيساً، وأصابك غمٌّ من هذه الحالة فنمت، ثم استيقظت فوجدت مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، ألا تتلفت لتسأل من الذي أقام لك هذه المأدبة قبل أن تمد يدك إلى أطايب الطعام؟

كذلك الإنسان الذي طرأ على هذا الكون الحكيم الصنع؛ البديع التكوين؛ ألا يجدرُ بهِ أن يسأل نفسه من خلق هذا الكون؟

إننا نعلم أن المصباح الكهربائي احتاج لصناعته إلى علماء وصناع مهرة كثيرين وإلى إمكانات لا حصر لها لينير هذا المصباح حجرة محددة، وحين نرى الشمس تنير الكون كله، ولا يصيبها كللٌ أو تعبٌ ولا تحتاج منا إلى صيانة، ألا نسأل من صنعها؟

وخصوصاً أنَّ أحداً لم يدَّع أنه قد صنعها، وقد أبلغنا المولى سبحانه وتعالى بأنه هو الذي خلق الأرض وخلق الشمس وخلق القمر، فإما أن يكون هذا الكلام صحيحاً؛ فنعبده، وإما لا يكون الكلام صحيحاً فنبحث عمن صنع وخلق الكون لنعبده.

وبما أن أحداً لم يَدَّعِ لنفسه صناعة هذه الكائنات، فهي تسلم لصاحبها وأنه لا إله إلا الله.

إذن فالفطرة تهدينا أن وراء هذا الكون العظيم قدرةً تناسب هذه العظمة؛ قدرة تناسب الدقة؛ هذه الدقة التي أخذنا منها موازين لوقتنا؛ فقد أخذنا من الأفلاك مقياساً للزمن؛ ولولا حركة الأفلاك التي تنظم الليل والنهار؛ لما قسمنا اليوم إلى ساعات، ولولا أن حركة الأفلاك مصنوعة بدقة متناهية؛ لما استطعنا أن نَعُدَّها مقياساً للزمن.

وحينما نستعرض قول الحق سبحانه وتعالى: (ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (الرحمن: 5).

نجد أن كلمة "بحسبان" وردت مرتين، فقد أبلغنا الحق سبحانه وتعالى: أنه جعل الشمس والقمر بحسبان، أو حسباناً، وهما من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه ولم يخلقهما عبثاً بل لحكمة عظيمة.

(لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ) (يونس: 5).

فقد أخذنا من دورة الشمس والقمر مقياساً، ولم نكن لنفعل ذلك إلا أن كانت مخلوقة بحساب؛ لأن الكون مصنوع ومخلوق على هذه الدرجة من الدقة والإحكام، لهذا يجب أن نلتفت إلى أن هناك قدرة وراء هذا العالم تناسب عظمته.

لكن أنعرف ماذا تريد هذه القوة بالعقل؟

إن أقصى ما يهدينا العقل هو أن نعرف أنَّ هناك قوةً ولا يعرف العقل اسم هذه القوة، وكذلك لم يعرف العقل مطلوبات هذه القوة، وكان لابد أن يأتي لنا رسولٌ من طرف تلك القوة ليقول لنا مرادَها، وجاء الموكب الرسالي فجاءت الرسل ليبلغ كلُّ رسولٍ مرادَ الحق من الخلق، فقال كلُّ رسول: إن اسم القوة التي خلقتكم هو الله، وله مطلق التصرف في هذا الكون، ومراد الحق من الخلق تعمير هذا الكون في ضوء منهج عبادة الحق الذي خلق الإنسان والكون.

وكل هذه الأمور ما كانت لتدرك بالعقل.

وهكذا نعلم أن منتهى حدود العقل هو إيمانٌ بقوةٍ خالقةٍ وراءَ هذا الكون، وتستوي العقول الفطرية في هذه المسألة.

أما اسم القوة والمنهج المطلوب لهذا الاله فلابد له من رسول.

وأرهق الفلاسفة أنفسهم في البحث عن هذه القوة ومرادها.

وسموا مجال البحث "الميتافيزيقا" أي "ما وراء الطبيعة" وعادة ما يقابل الفلاسفة من يسألهم من أهل الإيمان: ومن الذي قال لكم إن وراء المادة قوة يجب أن تبحثوا عنها؟

وغالباً ما يقول الفيلسوف منهم: إنها الفطرة التي هدتني إلى ذلك.

وتشعبت الفلسفة إلى مدارس كثيرة.

وحاول أهل الفلسفة أن يتصوروا هذه القوة، وهذا هو الخلل؛ لأن الإنسان يمكنه أن يعقل وجود القوة الخالقة، ولا يمكن له أن يتصورها.

وغرق الكثيرون من الفلاسفة في القلق النفسي المدمِّر.

وأنقذ بعضهم نفسه بالإيمان.

وكان يجب على كل فيلسوف أن يرهف أذنه ويسمع ما قاله الرسل ليحلّوا لنا هذا اللغز، بدلاً من إرهاق النفس بالخلط بين تعقل وجود قوة وراء المادة، وبين تصور هذه القوة.

وإنني في هذا الصدد أضرب هذا المثل وأرجو ألا تنسوه أبداً: إننا إذا كنا قاعدين في حجرة، والحجرة مغلقة الأبواب.

ودق الجرس وكلنا يجمع على أن طارقاً بالباب؛ وهذا الشيء المجمع عليه من الكل يَعدُّ تعقلاً، لكن أنستطيع أن نتصور من الطارق؟

رجل؟

امرأة؟

شاب؟

شيخ؟

المؤكد أننا سنختلف في التصور وإن اتحدنا في التعقل.

ونقول للفلاسفة: أنتم أولى الناس بأن ترهفوا آذانكم لمجيء رسول يحل لكم لغز هذا الكون، واسم القوة التي وراء هذا الكون، ومطلوب هذه القوة منا.

والحق سبحانه وتعالى يهدينا إلى هذا عبر الرسل، ويقول هنا: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ) (الأعراف: 172).

وهذه شهادة الفطرة، ونحن نرى أن الفطرة تكون موجودة في الطفل المولود الذي يبحث بفمه عن ثدي أمه حتى ولو كانت نائمة ويمسك الثدي ليرضع بالفطرة وبالغريزة، وهذه الفطرة هي التي تصون الإنسان منا في حاجات كثيرة، وفي رد فعل الانعكاسي؛ مثال ذلك حين تقرب أصبعك من عين طفل، فيغمض عينيه دون أن يعلمه أحد ذلك.

وقد أشهدنا الحق على وحدانيته ونحن في عالم الذر: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ) (الأعراف: 172).

ويقال "أشهدته" أي جعلته شاهداً، والشهادة على النفس لَوْنٌ من الإقرار، والإقرار سيد الأدلة؛ لأنك حين تُشهد إنساناً على غيره؛ فقد يغيّر الشاهد شهادته، ولكن الأمر هنا أن الخلق شهدوا على أنفسهم وأخذ الله عليهم عهد الفطرة خشية أن يقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ) (الأعراف: 172). فحين يأتي يوم الحساب، لا داعي أو يقولَن أحد إنني كنت غافلاً.

ويتابع المولى سبحانه: وتعالى قوله: (أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا...).



سورة الأعراف الآيات من 171-175 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة الأعراف الآيات من 171-175 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الأعراف الآيات من 171-175   سورة الأعراف الآيات من 171-175 Emptyالخميس 22 أغسطس 2019, 1:30 pm

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

كأن الحق يريد أن يقطع عليهم حجة مخالفتهم لمنهج الله، فينبه إلى عهد الفطرة والطبيعة والسجية المطمورة في كل إنسان؛ حيث شهد كل كائن بأنه إلهٌ واحدٌ أحَدٌ، ويذكرنا سبحانه بهذا العهد الفطري قبل أن توجد أغيار الشهوات فينا.

(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ) (الأعراف: 172).

وهل كان أحد من الذر وهو في علم الله وإرادته وقدرته يجرؤ على أن يقول: لا لست ربي؟

طبعاً هذا مستحيل، وأجاب كل الذر بالفطرة "بلى" وهي تحمل نفي النفي، ونفي النفي إثبات مثل قوله الحق: (أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ) (التين: 8).

و"أليس" للاستفهام عن النفي؛ ولذلك يقال لنا: حين تسمع "أليس" عليك أن تقول "بلى" وبذلك تنفي النفي أي أثبت أنه لا يوجد أحكم الحاكمين غيره سبحانه، وهنا يقول الحق: "ألست بربكم"؟

وجاءت الإجابة: بلى شهدنا.

ولماذا كل ذلك؟

قال الحق ذلك ليؤكد لكل الخلق أنهم بالفطرة مؤمنون بأن الله هو الرب، والذي جعلهم يغفلون عن هذه الفطرة تحرُّك شهواتهم في نطاق الاختيار، ومع وجود الشهوات في نطاق الاختيار إن سألتهم من خلقهم؟

يقولون: الله وما دام هو الذي خلقهم فهو ربهم.

(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) (العنكبوت: 61).

وجاء الحق بقصة هذه الشهادة حتى لا يقولَنَّ أحدُ: (إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ) وبذلك نعلم أن أعذار العاصين وأعذار الكافرين التي يتعللون ويعتذرون بها تنحصر في أمرين اثنين: الغفلة عن عهد الذر، وتقليد الآباء.

وما الغفلة؟

وما التقليد؟

الغفلة قد لا يسبقها كفر أو معصية، ويقلدها الناس الذين يأتون من بعد ذلك.

والمثال الواضح أن سيدنا آدم عليه السلام قد أبلغ أولاده المنهج السوي المستقيم لكنهم غفلوا عنه ولم يعد من اللائق أن يقول واحد منهم إن أباه قد أشرك.

ولكن جاء هذا الأمر من الغفلة، ثم جاء إشراك الآباء في المرحلة الثانية؛ لأن كل واحد لو قلد أباه في الإشراك؛ لانتهى الشرك إلى آدم، وآدم لم يكن مشركاً، لكن الغفلة عن منهج الله المستقيم حدثت من بعض بني آدم، وكانت هذه الغفلة نتيجة توهم أن هناك تكاليف شاقةً يتطلبها المنهج، فذهب بعض من أبناء آدم إلى ما يحبون وتناسوا هذا المنهج ولم يعد في بؤرة شعورهم؛ لأن الإنسان إنما ينفذ دائماً الموجود في بؤرة شعوره.

أما الشيء الذي سيكلفه مَشقَّة فهو يحاول أن يتناساه ويغفل عنه، هكذا كانت أول مرحلة من مراحل الانفصال عن منهج الله وهي الغفلة في آبائهم.

وهنا يضاف عاملان اثنان: عامل الغفلة، وعامل الأسوة في أهله وآبائه.

ولم تكن القضايا الإيمانية في بؤرة الشعور، ولذلك يقال: الغالب ألا ينسى أحد ما له ولكنه ينسى ما عليه؛ لأن الإنسان يحفظ ما له عند غيره في بؤرة الشعور، ويُخرج الإنسان ما عليه بعيداً عن بؤرة الشعور.

ولأن البعض قد يتصور أن في التكليف الإِيماني مشقة، لذلك فهو يحاول أن يبعد عنه وينساه، وكذلك يحاول هذا البعض أن ينأى بنفسه عن هذه التكاليف.

ونأخذ المثل من حياتنا: قد نجد إنساناً مَدِيناً لمحل بقالة أو لنجَّارٍ وليس عنده مال يعطيه له، لذلك يحاول أن يبتعد عن محل هذا البقال، أو أن يسير بعيدا عن أعين النجار.

وهكذا يكون افتعال الغفلة في ظاهره هو أمراً مُنْجِياً من مشقات التكاليف، لكن البشر في ميثاق الذر قالوا: (بَلَىٰ شَهِدْنَآ) (الأعراف: 172).

وقد أُخِذَ ذلك العهدُ عليهم، وأُقرُّوا به واستشهد الحقُّ بهم، على أنفسهم حتى لا يقولوا يوم القيامه: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ) (الأعراف: 172) لأنه لا يصح أن نغفل عن هذا العهد أبداً، ولكنَّ الحقَّ تبارك وتعالى عرَفَ أنَّنا بشرٌ، وقال في أبينا آدم: (وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ) (طه: 115).

وما دام آدم قد نسي، فنسيانه يقع عليه حيث بيَّن وأوضح لنا الإسلام أن الأمم السابقة على الإسلام تؤخذ بالنسيان، وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخبر واضح: فقال عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

والخطأ معلوم، كأن يقصدَ الإنسانُ شيئاً ويحدث غيرهُ، والنسيانُ ألاَّ يجيءَ الحكمُ على بال الإنسان.و

المُكْرَهُ هو من يقهره من هُو أقْوى منه بفقدان حياته أو بتهديد حريته وتقييدها ما لم يفعل ما يؤمر به، وفي الحالات الثلاث يرفع التكليف عن المسلم.

وذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الله أكرم الأمة المحمدية بصفة خاصة برفْع ما ينساه المسلم.

وهذا دليل على أن من عاشوا قبل بعثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يؤاخذون به.

وإذا سلسلنا من قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نصل إلى سيدنا آدم الذي خُلق بيد الله المباشرة، بينما نحن أبناء آدم مخلوقون بالقانون؛ أن يوجد رجل وتوجد امرأة وتوجد علاقة زوجية فيأتي النسل.

وقد كلف الله آدم في الجنة التي أعدها له ليتلقى التدريب على عمارة الأرض بأمر ونهي؛ فقال له سبحانه وتعالى: (وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ) (البقرة: 35).

إذن فقصارى كل تكليف هو أمر في "افعل"، ونهي في "لا تفعل؛، وقد نسي آدم التكليف في الأمر الواحد البسيط وهو المخلوق بيد الله والمكلف منه بأمر واحد أن يأكل حيث يشاء ويمتنع عن الأكل من الشجرة، وإن لم يتذكر آدم ذلك، فما الذي يتذكره؟

وما كان يصح أن ينسى لأنه مخلوق بيد الله المباشرة، ومكلف من الله مباشرة، والتكليف وإن كان بأمرين؛ لكن ظاهر العبء فيه على أمر واحد؛ الأكل من حيث شاءا هو أمر لمصلحة آدم، و"لا تقرب" هو تكليف واحد.

ولذلك قال الحق في آية أخرى: (وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ) (طه: 121).

وهو عصيان لأنه نسيان لأمر واحد، ما كان يصح أن ينساه.

لعدم تعدده ويقول الحق تبارك وتعالى: (أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ) (الأعراف: 173).

جاء هذا القول لينبهنا إلى أن الغفلة لا يجب أن تكون أسوة لأن التكاليف شاقة، والإنسان قد يسهو عنها فيورث هذا السهو إلى الأجيال اللاحقة فيقول الأبناء: (أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ) (الأعراف: 173).

وهذا يعني أن إيمانهم هو إيمان المقلد، رغم أن الحق قد أرسل لهم البلاغ، وإذا كان الآباء مبطلين للبلاغ بالمنهج فلا يصح للأبناء أن يغفلوا عن صحيح الإيمان.

ويقول الحق بعد ذلك: (وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ...).



سورة الأعراف الآيات من 171-175 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة الأعراف الآيات من 171-175 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الأعراف الآيات من 171-175   سورة الأعراف الآيات من 171-175 Emptyالخميس 22 أغسطس 2019, 1:31 pm

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والآيات التي فصلها الحق هنا هي العهود الخاصة، ورفع الجبل ليأخذوا التوراة بقوة، وكذلك العهد العام الذي اشترك فيه كل الخلق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، وجاء سبحانه بكل ذلك ليؤكد لهم أن قضية الإيمان عقيدةٌ يجب أن تكون في بؤرة الشعور، فمن غفل فليتذكر، ومن قلد أباه في شيء مخالف للمنهج القويم، فليرجع عن هذا التقليد؛ لأن التكاليف الإيمانية تكاليف ذاتية، وسبحانه لا يكلفك وأنت في حاجة إلى أبيك، أو إلى أمك.

لكنه يكلفك من بعد البلوغ؛ لأنك بعد البلوغ تستقل بذاتيتك استقلالا كاملا مثل والدك، وما دمت مكتمل الرجولة كوالدك وصالحا للإنجاب فلا ولاية إيمانية لأبيك عليك أبداً، فلا تقل إنني أقلد أبي ولو كان على غير المنهج السليم؛ لأن مثل هذا القول يمكن أن يكون مقبولاً لو كان التكليف للإنسان وهو في دور الطفولة، حيث الأب يسعى لإطعام أبنائه ورعايتهم، لكن التكليف لا يأتي للإنسان إلا بعد البلوغ، ومعنى بعد البلوغ: أنك صالح لإنجاب مثلك ورعاية نفسك.

ولذلك يطلب الحق سبحانه وتعالى من الآباء أن يدربوا أبناءهم ويعودوهم على مطلوبات التكليف قبل مجيء أوان تكليف الله، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع... إلخ.

الأب إذن يأمرُ ويُعاقِبُ قبل أوان التكليف ليتدرب الأبناء عليه ويصير دربة سهلة لا يتعب منها الإنسَان بعد البلوغ.

(وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف: 174).

أي أن على الغافل أن يرجع عن غفلته فيتذكر، وأن يرجع المقلد لآبائه عن التقليد، ويقتنع اقتناعاً، مصداقاً لقوله الحق: (لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً) (لقمان: 33).

ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: (وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ...).



سورة الأعراف الآيات من 171-175 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26070
العمر : 67

سورة الأعراف الآيات من 171-175 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الأعراف الآيات من 171-175   سورة الأعراف الآيات من 171-175 Emptyالخميس 22 أغسطس 2019, 1:33 pm

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ولأنهم قالوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ) (الأعراف: 172)، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا خبر هؤلاء فيقول: (وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ) (الأعراف: 175).

والنبأ هو الخبر المهم وله جدوى اعتبارية ويمكن أن ننتفع به وليس مطلق خبر.

ولذلك يقول سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر: (عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ) (النبأ: 1-2).

كما يقول: (وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا) (الأعراف: 175)، كأن هذا النبأ كان مشهوراً جداً، ويقال: إنه قد قيل في "ابن باعوراء" أو أمية بن أبي الصلت، أو عامر الراهب، أو هو واحد من هؤلاء، والمهم ليس اسمه، المهم أنّ إنساناً آتاه الله آياته ثم انسلخ من الآيات، فبدلاً من أن ينتفع بها صيانة لنفسه، وتقرباً إلى ربه (فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا) (الأعراف: 175) واتبع هواه ومال إلى الشيطان.

وكلمة "انسلخ" دليل على أن الآيات محيطة بالإنسان إحاطة قوية لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية لينسلخ الإنسان منها؛ لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها، وهذا يعني أن الآيات تحيط بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ليحفظ الكيان العام للإنسان؛ لأن هذا الكيان العام فيه شرايين، وأوردة، ولحم، وشحم، وعظام.

وجعل الله التكاليف الإيمانية صيانة للإنسان، ولذلك سمي الخارج عن منهج الله "فاسقاً" مثله مثل الرطبة من البلح، فبعد أن تضرب الشمس البلحة يتبخر منها بعض من الماء، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها وتظهر الرطبة من القشرة، ولذلك سمي الخارج عن المنهج "فاسقاً" من فسوق الرطبة عن قشرتها، والله عز وجل يقول هنا: (ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا) (الأعراف: 175).

وكان يجب ألا يغفل عنها، لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها، لكن الإنسان انسلخ من الآيات.

ونعرف جميعاً ثوب الثعبان وهو على شكل الثعبان تماماً، ويغير الثعبان جلده كل فترة، ولا ينخلع من الجلد القديم إلا بعد أن يكون الجلد الذي تحته قد نضج، وصلح لتحمل الطقس والجو، وكذلك حين يندلق سائل ساخن على جلد الإنسان، تلحظ تورم المنطقة المصابة وتكون بعض المياه فيها، ولو أفرغ الإنسان هذه المياه تصاب هذه المنطقة بالتهاب، أما إذا تركها فهي تحمي المنطقة المصابة إلى أن يتربى الجلد تحتها وتجف وتنفصل عن الجسم، وكذلك نعلم أن الشاة -مثلاً- لا تسلخ نفسها.

بل نحن نسلخها، والحق سبحانه وتعالى يقول: (وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ) (يس: 37).

فكأن الليل كان مجلداً ومغلفاً بالنهار، والليل أسود، والنهار فيه الضوء، ونعلم أن اللون الأسود ليس من ألوان الطيف، وكذلك اللون الأبيض ليس من ألوان الطيف؛ لأن ألوان الطيف: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي، واللون الأسود يأخذ ألوان الطيف ويجعلها غير مرئية، لأنك لا ترى الأشياء إلا إذا جاءت لك منها أشعة لعينيك، واللون الأسود يمتص كل الأشعة التي تأتي عليه فلا يرتد إلى العين شعاع منها فتراه مظلماً.

والأبيض هو مزيج من ألوان متعددة إن مزجتها مع بعضها يمكنك أن تصنع منها اللون الأبيض، وهكذا نعلم أن الأبيض مثله مثل الأسود تماماً، فالأسود يمتص الأشعة فلا يخرج منه شعاع لعينيك، والأبيض يرد الأشعة ولا يخرج منه شعاع لعينيك.

فقوله الحق: (نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ) (يس: 37) كأن سواد الليل جاء يغلف بياض النهار.

وإذا انسلخ من آتاه خبر الإيمان عن المنهج يقول الشيطان: إنه يصلح لأن يتبعني، وكأن الشيطان حين يجد واحداً فيه أمل، فهو يجري وراءه مخافة أن يرجع إلى ما أتاه الله من الكتاب الحامل للمنهج، ويزكي الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن منهج ربنا.

وقلنا من قبل: إن المعاصي تأتي مرة من شهوة النفس، ومرة من تزيين الشيطان وأوضحنا الفارق، وقلنا: إن الشيطان لا يجرؤ عليك إلا إن أوضحت للشيطان سلوكك أن له أملاً فيك، لكن إن اهتديت وأصلحت من حالك فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة ويحاول أن يكرهه فيها، والشيطان لا يذهب -مثلا- إلى الخمارة، بل يقعد عند الصراط المستقيم ليرى جماعة الناس التي تتجه إلى الخير، أما الاخرون فنفوسهم جاهزة له.

إذن فالشيطان ساعة يرى واحداً بدأ في الغفلة عن الآيات فهو يلاحقه مخافة أن تستهويه الآيات ثانية، ولذلك لابد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية هل هو من النفس أم من نزغ الشيطان، فإن جاءت المعصية وحدثتك نفسك بأن تفعلها ثم عزت عليك تلك المعصية لأي ظرف طارئ ثم ألححت عليها ذاتها مرة ثانية، فاعلم أنها شهوة نفسك.

لكن إن عزت عليك ثم فكرت في معصية ثانية فهذا من نزغ الشيطان؛ لأن الشيطان لا يريدك عاصياً بمعصية مخصوصة، بل يريدك بعيداً عن المنهج فقط، لكن النفس تريد معصية بعينها وتقف عندها، فإن رأيت معصية وقفت عندها نفسك، فاعلم أنها من نفسك، وإن امتنعت عليك معصية وتركتها، ثم فكرت في معصية ثانية.

فهذا نزغ من الشيطان - ويقول الحق: (فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ) (الأعراف: 175).

الغاوي والغَوِيّ هو من يضل عن الطريق وهو الممعن في الضلال، ونعلم أن الهدى هو الطريق الموصل للغاية، ومن يشذ عن الطريق الموصل للغاية يضل أو يتوه في الصحراء.

وهو الذي يُسمى "الغاوي"، وما دام من الغاوين عن منهج الله فالفساد ينشأ منه لأنه فسد في نفسه ويفْسد غيره.

ويقول الحق بعد ذلك: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ...).



سورة الأعراف الآيات من 171-175 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة الأعراف الآيات من 171-175
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: الأعراف-
انتقل الى: