منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة المائدة الآيات من 091-095

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 091-095 Empty
مُساهمةموضوع: سورة المائدة الآيات من 091-095   سورة المائدة الآيات من 091-095 Emptyالإثنين 01 يوليو 2019, 12:18 am

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [٩١]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

لم يأت الحق هنا بالأنصاب أو الأزلام؛ لأن المؤمنين لا يعتقدون فيها وانتهوا منها، والخطاب هنا موجه للمؤمنين.

إذن لماذا قرن الحق التكليف بالنهي عن الخمر والميسر -من قبل- بالأنصاب والأزلام؟

قال سبحانه ذلك ليبشع لنا الأمر، فوضع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام، ولنفهم أن الحكم بالنهي عن الخمر والميسر جاء ليقرنهما بالأنصاب والأزلام، وما داموا مؤمنين فلابد أنهم قد انتهوا عن الأنصاب والأزلام.

ويقول سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ}.

والإرادة هي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وتتعلق الإرادة بمريد، فهل يقدر على إنفاذ ما يريد أم لا يقدر؟

إن كان يقدر على إنفاذ ما يريد، فالقدرة تكون من بعد الإرادة.

وحينما يريد سبحانه وتعالى، فالقدرة تبرز المراد، فقدرته لا تتخلف ولا مراده يتخلف؛ لأن كل شيء منفعل له سبحانه وتعالى، وتختلف المسألة عند الإنسان والشيطان، فالإنسان يريد، ولكن أله القدرة على إنفاذ ذلك؟

أحياناً تكون له بعض من القدرة على إنفاذ ما يريد، وأحياناً لا.

والشيطان يريد، لكن أيقدر على إنفاذ ما يريد؟

إنه يقدر في حالة إطاعة الإنسان له.

وهكذا تكون إرادة الشيطان، وهو يحب أن تحدث المعصية من الإنسان، ويتمنى الشيطان ذلك، ويخطط لذلك.

لكن الفعل لا يأتي إلى الوجود إلا إذا وافق الإنسان على طاعة الشيطان.

إذن فالإرادة إن كانت ممن يقدر على الإرغام والإبراز فهي تظهر العمل فوراً، والقادر المطلق هو الله، وهو يحكم ما يريد، ولذلك يأتي قوله الحق: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82].

لكن خلقه حين يريدون فالأشياء لا تنفعل لهم انفعالها لخالقها؛ لأن إرادة المخلوقات تقتضي أن ينفذ الإنسان على قدر طاقته، وهي مهما زادت محدودة.

وإرادة الشيطان تحتال على الإنسان حتى يفعل ما يتمناه، ولا يستطيع الشيطان أن يُكره الإنسان قهراً على فعل ما، ولكنه يزين له الفعل.

فليس للشيطان سلطة الإكراه ليقهر الإنسان على فعل، وليس للشيطان قدرة على الإقناع أو الإتيان بأدلة تجعل الإنسان يفعل مراد الشيطان وهو راضٍ عن عمله.

ولذلك يقول الشيطان في الآخرة للمذنبين: إن الذنب ذنبهم.

{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22].

هكذا يعلن الشيطان أنه غير قادر على البشر، لا بالقهر ولا بالحجة، إنّه فقط زين لهم الأمر، فمن كانت له شهوة فالشيطان يزينها له فيرتكب الذنب.

ويعلن الشيطان: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22].

ويعترف الشيطان أنه مهما صرخ مستغيثاً -يوم القيامة- فلن يجد من يغيثه، وكذلك أصحاب الذنوب الذين اتبعوه سيصرخون ولن يجدوا من الشيطان عوناً ينجيهم من العذاب.

و "أصرخ فلان فلاناً” أي ذهب ليزيل صراخه وينجده.

إذن فقول الحق: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} يشرح لنا أن إرادة الشيطان هي إرادة تزيين، لا إرادة قدرة على القهر أو الإقناع.

وإذا سمعت كلمة "يوقع"، فافهم أن هناك شيئين الأصل فيهما الالتحام، وهناك من يريد أن يجعل بينهما شيئاً يفصل هذا الالتحام.

ولذلك يقال: "فلان مشى بالوقيعة” أي أنه أراد أن يصنع فجوة وشرخاً بين اثنين الأصل فيهما الالتحام.

وكلمة "بينكم” تفيد الانفصال.

وهذا الانفصال هو الذي توضع فيه الوقيعة.

لماذا؟

لأن المؤمنين إخوة، ولأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والشيطان يسعى بالخمر والميسر بأن يمشي بالوقيعة بين المؤمنين.

ونجد مجالس الخمر فيها هذا؛ فالشاربون معاً كثيراً ما تقوم بينهم المعارك ويدور بينهم السباب.

ولاعبو الميسر يأخذ بعضهم مال بعض، وهكذا يتحولون من وحدة كالبنيان إلى فرقة وتحدث بينهما العداوة والبغضاء.

وما الفرق بين العداوة والبغضاء؟

العداوة هي انفصال متلاحمين حدثت بينهما عداوة وبغضاء.

والبغضاء هي انفعال القلب بشيء مكروه.

كأن البغضاء توجد في الصدور بعد حصول العدوان، فكأن العداوة تكون هي المنطقة الوسط التي باعدت بين هذين الشخصين بعد أن استسلما لنزغ الشيطان.

وهذان الاثنان كان يجمعهما من قبل الصفاء والمودة والحب والأخوة الإيمانية.

والعداوة في هذه الحالة تأخذ من مشاعر كل طرف؛ لأن العداوة إن كانت من طرف واحد فعمرها قصير، ولكنها تطول إن كانت بين طرفين.

ولذلك تكون المعركة حامية بين عدوين يستشعر كل منهما العداوة للآخر.

وهي تكون عداوة مؤججة وملتهبة إن لم يتدخل طرف ثالث ليحسم بالحق بين الاثنين، فيخزي الذي على الباطل ويأخذ الحق منه ويعطيه لصاحبه، وهنا يحس صاحب الحق أن هناك من ينصره.

وبهذا تحسم العداوة وتنقضي.

لكن إن لم يجد الطرفان رادَّا ولا رادعاً، تظل العداوة متوهجة.

ولذلك حينما عرض الحق أمر موسى عليه السلام وأمر فرعون، قال عن موسى: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} [القصص: 8].

والتقطوا موسى لماذا؟

{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8].

فهل عرفوا هم من البداية أنه عدو؟

لا.

لقد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الله أفسد مرادهم.

فاللام في قوله: "ليكون” هي لام الغاية والعاقبة وليست لام العلة الفاعلة، وقد أثبت سبحانه بذلك أن فرعون ليس إلهاً، وأن أتباعه كانوا قوماً مغفلين لا فطنة لهم.

فلو كان فرعون إلهاً لعرف أن هذا الوليد الذي سيربيه سيكون عدواً له.

والعداوة هنا هل هي من ناحية موسى فقط تجاه فرعون؟

لا.

إنها عداوة بين الله وموسى كطرف، وفرعون كطرف.

لذلك قال: {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} [طه: 39].

ولم تنته هذه العداوة إلا بغرق فرعون.

والحق ينبهنا: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} و "في” هنا هي للسببية كقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت".

ونقول في حياتنا اليومية: أُخذ فلان إلى الحبس لمدة أعوام في قطعة مخدرات.

أي أنه أوقع نفسه في المكروه بسبب شيء ما.

وقوله الحق: {فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} دلت على أن العداوة والبغضاء مظروفة في الخمر والميسر.

ويقول بعد ذلك: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}.

إن ذكر أي أمر يعني أن يكون هذا الأمر في بؤرة الشعور دائماً، فكل معلومة يذكرها الإنسان تكون في بؤرة شعوره، ومن بعد ذلك تتحرك لتحل محلها معلومة أخرى.

وعندما يكون بال الإنسان مشغولاً بشيء فهذا الشيء لا يتزحزح من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور إلا بعد أن يأتي أمر آخر يشغل البال.

ولذلك نقول: إيَّاكم أن تعتقدوا أن الذهن يفهم أي أمر من مرة واحدة أو من مرتين أو من ثلاث مرات.

لا.

بل يفهم الذهن من مرة واحدة كآلة التصوير، والمهم أن يكون ساعة التقاط المعلومة خالياً من غيرها؛ ولذلك كنا نعرف أن إخواننا المكفوفين الدارسين معنا أقدر على الاستيعاب الحفظي منا نحن المبصرين؛ لأن المبصر عندما يكون بصدد مسألة قد تنشغل عيناه بشيء، فتكون بؤرة شعوره مشتتة.

أما الأعمى فبؤرة شعوره تذكر فقط ما يسمعه.

وهكذا نعرف ما هو "الذكر”.

والخمر تطمس العقل وتستره فكيف يذكر الله إذن؟

وكذلك الصلاة، وهي خير الذكر، تسترها الخمر عنا.

وكذلك الميسر الذي يلوح فيه الوهم بالكسب كالسراب، فيلهث اللاعب خلف اللعب لعله يكسب، ويفقد القدرة على ذكر الله والصلاة.

ولأن العداوة مسبقة بين الإنسان والشيطان، نجد الشيطان قد قال فيما يحكيه الحق عنه: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82].

قد عرف الشيطان كيف يقسم؟

أقسم بعزة الله أن يغوي خلقه، فلو أن الله أراد عباده لما أخذهم الشيطان.

ويذيل الحق أمر الخمر والميسر بقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}.

هذا استفهام، وهو طلب فهم الشيء، هذا ما نعرفه عندما يكون الاستفهام من البشر، ولكن عندما يصدر هذا الاستفهام من الله لنا، فهذا أمر الأمر سبحانه وتعالى.

كيف؟

إن هناك أمراً من الآمر هو حكم لازم.

وهناك أمر يريده الله من المأمور ليأمر به نفسه.

وهي ثقة من الآمر الأعلى في الإنسان المؤمن الذي يتلقى مثل هذا الأمر.

ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- يقول الأب لأحد أبنائه: إن إهمالك لدروسك سيجعلك تنال غضبي واحتقار زملائك لك وتتأخر عن غيرك، فهل ستنتهي من اللعب واللهو أو لا؟

ولم يقل: انته عن اللعب؛ لأن الأب أراد أن يأتي بالحيثيات حتى يحكم الابن بنفسه، وحتى يدير المسألة بمقابلها، ولا يجد إلا أن يقول: لقد انتهيت عن اللعب.

وهنا جاءت المسألة أيضاً على هذا الشكل، فبدلاً من أن تكون حكماً من الله أصبحت حكماً من العبد المأمور.

وهذا أبلغ أنواع الحكم؛ لأن المتكلم يلقي بالأمر في صيغة سؤال، ليدير المسئول كل جواب فلا يجد إلا الجواب الذي يريده السائل.

ومثال ذلك عندما فتر الوحي عن حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال أهل قريش: إن رب محمد قد قلاه وأبغضه وكرهه، ثم نزل الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 3].

ويتابع الوحي: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} [الضحى: 6].

وعندما يستقرئ النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المسألة يجيب: نعم يا رب أنت وجدتني يتيماً فآويتني.

وهذا يسمونه مشاركة المأمور في علة الأمر.

وهذه أبلغ أنواع الأمر.

وعندما يقول الحق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} يعلم المخاطبون ماذا يريده الله، فيقولون: نعم انتهينا يا ربنا.

وبالغوا كثيراً في هذا الانتهاء، فالإمام عليّ -كَرَّمَ اللهُ وجْهَهُ- يقول: لو وقعت قطرة منها في بحر ثم جف البحر، ونبت فيه الكلأ واندلع لساني من الجوع ما قربته.

ولم يكن هذا أمراً مفروضاً، ولكنها المبالغة في الانتهاء على أقصى صورة.

وها هوذا سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي.

وهكذا كان رد فعل قول الحق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}.

وبذلك تم حسم مسألة الخمر.

ونعرف أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجاً، والتكاليف الإيمانية إنما تأتى على لسان رسول، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع، وفي ذوات البشر في آن واحد.

فلا نجد من يلوم نفسه، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده؛ هنا تتدخل السماء بإرسال رسول، ولا تصب السماء كل أحكامها في أول الأمر، ولكنها تدعو خلال الرسول بالإيمان بالله الواحد حتى يتلقوا منه الحكم.

فالأيمان بوحدانية الله هو قمة العقيدة التي لا هوادة فيها.

لكن في الأمور التي تتعلق بالأحكام، فالأحكام تُغيِّر أوضاعاً عرفية وأوضاعاً اجتماعية متداولة بين الناس.

فإذا أراد الله أن يغير عادة بحكم فهو يأتي بهذه المسألة تدريجا؛ لأنه سبحانه وتعالى يتلطف مع خلقه برحمته.

ومثال ذلك: كان الرجل يملك المال فلا يعطي أباه ولا أمه، إنما يعطي المال لأولاده؛ لأنه يعرف أن والده منته وسيموت قريبا، وأن الابن هو الذي يستقبل الحياة، ولذلك فالابن يأخذ كُلَّ المال.

هنا قال الحق: لا، إنك أنت يا صاحب المال قد تموت قبل أبيك فاترك له شيئاً.

{إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180].

لقد أراد أن يخرجهم من عدم العطاء إلى الوصية التي تكون منهم.

وبعد أن استقرت الأحكام، قرر الحق للوالدين نصيباً من الميراث.

إذن جاء الأمر أولاً بتلطف في الخروج عن حكم الإلف والعادة والعرف؛ حتى لا يخرجهم إخراجاً قسرياً.

والحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل المال دُولة بين الأغنياء فحسب أي يتداولوه دون غيرهم، بل يريد أن يجعل المال دولة بين الناس.

لذلك جاء الميراث.

إننا عندما نحسب ميراث ألف فدان مثلا نجده قد ذاب وتقلص وتناثر خلال ثلاثة أجيال إلى فدانين وخمسة أفدنة.

وهذا تدرج أجيالي لا قسري.

حتى يرتب الإنسان حياته وحياة أبنائه، فيترك المالك لأولاده ميراثاً وخيراً ليديروا العمل فيه.

أما الذي لا يملك فهو يعطي لأبنائه حرفة أو وظيفة.

لذلك يذيب الدِّيُن المسألةَ المالية والعقارية أو الإقطاع كما يقولون، لا بالقسر حتى لا تحدث للمجتمع هزة حقد أو هزة توتر؛ لأن الذي جمع ماله من عرقه ومن اجتهاده ساعة يرى المال قد خرج منه إلى من لم يعرق ومن لم يجد، فهو يحقد، والحق يقول: {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 36-37].

وساعة يحدث الضغن في المجتمع فإن كل استقرار وود ينتهي.

وهذا هو منتهى التلطف في رعاية العادات.

وكانت الخمر ومجالسها عادة موجودة عند العرب، وكان من الصعب أن يخرجهم منها مرة واحدة.

لذلك جاء تحريمها بتدرج وبتلطف والذكي والفطن عندما يسمع الآية التالية يعرف أن الله قد بيت للخمر تبييتاً محكما للقضاء عليها وذلك بتحريمها، يقول الله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} [النحل: 67].

فسبحانه يقول: "ورزقاً حسناً"، ولم يصف السكر بأنه حسن.

ومعنى هذا أن أخذ الرزق وتخميره واتخاذه سكراً هو إتلاف للحسن.

وجاء الحق بـ (السكر) أولاً ليخبرنا أنهم كانوا يأخذون منه الرزق أولاً النصيب الذي يجعلونه خمراً.

ومن بعد ذلك يطرح الحق الأمر كعظة من الواعظ للموعوظ، والعظة ليست إلزاماً، إنما هي إبداء رأي حكيم لغيره، وهذا أول التبيت للدخول إلى تحريمها، ثم يقول الحق: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219].

وهكذا رجح الحق جانب الإثم على جانب المنفعة.

ومن بعد ذلك يأتي للصلاة، ولم يكن هناك حكم جازم بعدم شرب الخمر قبل الصلاة إلى أن قام واحد للصلاة وهو سكران، ونعوذ بالله مما قال، قال: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون.

لقد اضطرته الخمر أن يخطىء في القمة العقدية، لذلك جاء الأمر: {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} [النساء: 43].

ونعلم أن المسلم يصلي خمسة فروض في اليوم، وحتى لا يقرب الإنسان الصلاة وهو سكران فهذا يقتضي أن يمر النهار كله تقريبا دون خمر إلى ما بعد العشاء.

وبذلك أطال الحق المسافة الزمنية التي يمتنع فيها عن تعاطي الخمر.

وفي ذلك حبس للنفس عن المعتاد عليه حتى يألف الشخص المعتادُ تركَ ما اعتادَهُ.

ومن بعد ذلك يطلبون من الرسول رأياً شافياً في الخمر فيأتي قوله الحق: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91].

لقد كان هذا هو التدرج الذي يخرجهم من الإلف والعادة في أعمالهم، فيأتي الأمر بالتحريم وكأنه صادر منهم.
ويردف الحق سبحانه وتعالى ذلك الحكم الجزئي في الخمر والميسر فكأنه يقول: ما دامت المسألة كما علمتم مني بأن هذا رجس ومن عمل الشيطان فلا تعينوا الشيطان على نفوسكم وأخلصوا في عبادة الحق وحده، ويقول -سبحانه- بعد ذلك: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ...}.



سورة المائدة الآيات من 091-095 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 091-095 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 091-095   سورة المائدة الآيات من 091-095 Emptyالإثنين 01 يوليو 2019, 12:20 am

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [٩٢]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

لقد نقل الله الحكم بعدما انتهى من هذه الجزئية إلى حكم عام هو طاعة الله وطاعة الرسول.

وأنت ساعة تستقرئ أمر الله بالطاعة فأنت تجدها في صور متعددة.

فمرة يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: 92].

فقد كرر الأمر بالطاعة لله وللرسول، فالإطاعة لله في الحكم العام، وإطاعة الرسول في تفصيله، ومرة يقول سبحانه: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 32].

إنه هنا لا يكرر أمر الطاعة، فهناك أمر للطاعة، وهناك مطاع، وهناك مطيع والمطيع، هم المخاطبون، فهو هنا يوحد أمر الطاعة، والمطاع هنا هو الله، والرسول يأتي معطوفا على لفظة الجلالة.

ومرة يقول الحق سبحانه: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [النور: 56].

نحن إذن أمام حالات للطاعة: الأولى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، والثانية: أطيعوا الله والرسول، والثالثة: أطيعوا الرسول، ومرة واحدة فقط يعطف على ذلك "أولي الأمر” فيقول جل وعلا: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

وحين قال الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: 92].

فهو يكرر الأمر بالطاعة عند الله وعند الرسول، لكن عند أولي الأمر لم يأت سبحانه بأمر: "وأطيعوا"؛ ذلك أن طاعة أولي الأمر تكون من باطن الطاعتين: طاعة الله، وطاعة الرسول؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وإذا قال الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تكون طاعة الله في الحكم العام، وطاعة الرسول في تفصيل الحكم.

والمثال قوله الحق: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97].

هنا نطيع الله في الحكم العام، ونطيع الرسول في تفصيل الحج.

لأن التفصيل لم يأت في القرآن، والرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "خذوا عني مناسككم".

وعندما يتوحد الأمران: "وأطيعوا الله والرسول” فهذا يعني أن هناك أمراً واحداً قد صدر من الله، وصدور وحصول الفعل من الرسول يكون للقدوة والأسوة وتوكيدا للحكم.

وإذا كان لله أمر بالإجمال وللرسول أمر بالتفصيل فسبحانه يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}.

وإذا كان الأمر للرسول فقط ولم يرد فيه شيء من الله فهو أمر صدر بتفويض من الله بناء على قوله الحق: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7].

وهكذا نجد أنه لا تلتبس طاعة بطاعة ولا تتناقض طاعة مع طاعة.

والحق هنا يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ}.

لماذا هذا التحذير؟

يأتي هذا التحذير ليعلمنا الله أن الشيطان لن يدعنا ندخل في مجال طاعة الله وطاعة الرسول، وسيحاول جاهداً أن يُلبِّس علينا الأمر.

فعندما يعرف الشيطان ميلاً في نفس إنسان إلى لون من الشهوات، يدخل إليه من باب المعاصي.

وإن كان الإنسان قد أوصد بعض السبل أمام الشيطان فلا يستطيع مثلا إغراءه بالسرقة أو شرب الخمر، لا يتركه بل يدخل إليه من باب الطاعة، فيأتي الشيطان إلى الإنسان لحظة الوضوء وينسيه هل غسل هذه اليد أو تلك، وهل أسبغ الوضوء أم لا؟

أو يأتي الشيطان إلى المؤمن لحظة الصلاة فينسيه عدد الركعات أو عدد السجدات، وهكذا يدخل الشيطان للمؤمن من ناحية الطاعة.

ومعنى قوله سبحانه: {وَٱحْذَرُواْ} أي احذروا أن يحتال الشيطان عليكم؛ لأنه سيحاول أن يدخل لكم من كل مدخل، يدخل على المسرف على نفسه بالمعصية، وأشد أعمال الشيطان على المؤمنين هي أن يدخل عليهم من باب الطاعة.

ولذلك قال الحق: {وَٱحْذَرُواْ} وكثيراً ما نجد الإنسان منا ينسى موضوعاً ما، وحين يأتي إلى الصلاة فهو يتذكر هذا الموضوع.

والشيطان لا يترك الإنسان في مثل هذه الحالة، فقد أقسم الشيطان فقال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82].

وقال الحق سبحانه: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16].

إنه أقسم أن يقف على الطريق المستقيم لا على الطريق المعوج.

ومثال ذلك عندما يتصدق إنسان بصدقة قد يعلنها ويقول: لقد تصدقت أكثر من فلان.

وهكذا يضيع منه الأجر.

الشيطان يحاول -إذن- أن يدخل علينا من باب لا تفطن إليه وهو باب الطاعة.

وأروي لكم هذه القصة حتى تعرفوا مدى تَدَخُّل الشيطان، وقد حدثت مع الإمام أبي حنيفة -رضي الله عنه-.

فقد جاء إليه من يسأله الفتوى في أمر غريب؛ قال السائل: ضاعت مني نقودي، فقد دفنتها في مكان من الأرض، ونزل السيل فطمس مكان النقود وأزال الحجر الذي وضعته علامة على مكانها.

فقال الإمام أبو حنيفة: اذهب الليلة بعد صلاة العشاء وقف أمام ربك إلى أن يطلع الفجر، وقل لي ماذا سوف يحدث.

وعندما جاءت صلاة الفجر جاء الرجل متهللاً إلى أبي حنيفة وقال: وجدت مالي.

فسأله أبو حنيفة: كيف؟

قال الرجل: بينما أنا أقف للصلاة تصورت مكان وضع النقود، ومتى نزل السيل، وكيف سار، وهكذا قست المسافة وقدرتها إلى أن عرفت موقع النقود.

فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك.

هكذا ترى كيف يدخل الشيطان من باب الطاعة.

ولذلك قال الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [المائدة: 92].

أي فإن أعرضتم عمّا كلفتكم به فاعلموا أنكم بتوليكم وإعراضكم لن تضروا الرسول؛ لأن الرسول ما كلف إلاّ أن يقوم بالبلاغ المبين، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم به.

إن الحق يعلم أزلاً أن بعضاً من عباده قد يقول: إن هذا الحكم لم يَرِد في القرآن؛ لذلك جاء بالأمر بطاعة الرسول.

وهكذا صارت للرسول طاعة مستقلة، وأرادها الله حتى يَرُدّ مقدماً على الذين يسألون عن نص فيه كل تفصيل.

بينما نجد هذه التفاصيل في السنة النبوية الشريفة.

ومثال ذلك عدد ركعات كل صلاة، إنها لم تَرِدْ في القرآن، ولكننا عرفناها تفصيلاً من الرسول.

وفَوَّض الحق رسوله في التشريع: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7].

فسبحانه قد علم أزلاً أن هناك من سيدَّعي أنه لن يطيع إلا القرآن.

ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله عزوجل، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله).

أي أن الرسول هو المبلغ عن ربه، وأن علينا أن نحذر الشيطان إذا أراد أن يدخل علينا من باب الطاعة.ولكن لماذا قال الحق: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ}؟

وعن أي شيء يكون التولي؟

قال الحق ذلك ليوضح لنا أن الإنسان له الاختيار في أن يذهب إلى الطاعة، وله الاختيار في أن يذهب إلى المعصية، وإن تولى الإنسان عن الطاعة إلى المعصية، وعن الإيمان الذي جاء به الرسول الذي بلغ عن الله إلى البقاء في الكفر، فليعلم ذلك الإنسان أن الرسول قد أوفى مهمته وأداها.

فالمطلوب من الرسول أن يبلغ المنهج، وقد بلغ -صلى الله عليه وسلم- بلاغاً مبيناً، محيطاً، واضحاً ومستوعباً لكل أقضية الحياة.

لقد أبلغنا -صلى الله عليه وسلم- مطلوب الله منا أن نؤمن بإله واحد، قادر، حكيم، له كل صفات الكمال، ذلك هو الأمر الأول في العقيدة.

وأبلغنا -صلى الله عليه وسلم- أن نبتعد عما كان عليه العرب من الأنصاب، ومن الأوثان، ومن الأصنام.

وبلاغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يطلب منا إيماناً، وعملاً، والعمل ينقسم إلى قسمين: عمل إيجابي، وعمل سلبي.

ويتركز العمل الإيجابي في "افعل كذا"، إذا لم تكن تفعله، أما العمل السلبي فهو أن تكف عما نهاك عنه الله، ونهاك عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

إذن أول مطلوب الإيمان هو الاعتقاد في الإله الواحد، وأن نكف عن عبادة الأوثان والأصنام، والطلب -كما نعرف- هو أن تنشىء كلاماً تطلب به من مخاطبك أن يفعل شيئاً لم يكن مفعولاً وقت طلبه.

فإذا أوضح الحق: لا تعبد الأوثان، فهذا طلب الفعل، وهو أن نكف عن عبادة الأوثان.

وحين يأمرنا الحق بالصلاة والصوم والزكاة وحج البيت، فهذا طلب لأفعال.

وطلب الفعل يقال له: "أمر”.

وطلب الكف عن فعل يقال له: "نَهْي”.

وأنت إذا نظرت إلى كل التكاليف في الإسلام، تجدها لم تأت مرة واحدة، وإنما جاءت على مدار ثلاثة وعشرين عاماً.

فعندما جاء الإسلام آمن به أناس، ولم يكن قد صدر إليهم تنفيذ أي من الأحكام التي وردت على مدار سنوات الرسالة، وإنما كان المطلوب منهم بعضاً يسيراً منها، وكانوا يؤدونها، منهم من بلغه فقط ضرورة الإيمان بالإله الواحد، وآمن بذلك ثم وافاه الأجل وكانت له الجنة.

ومنهم من امتدت حياته، فزادت عليه أحكام جديدة فنفذها، وكان إسلامه بذلك إسلاماً تاماً.

إذن، فالتمام في الإسلام هو تنفيذ كل عمل جاء في الأحكام التي أدركها المسلم.

فإن لم يكن المسلم قد أدرك إلا حكماً واحداً ونفذه فله كل ما وعد الحق به.

ومثال ذلك: "مخيريق اليهودي” الذي أسلم وأوصى بماله للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

فلما كان يوم أُحُد، وقف في قومه قائلاً: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لَحَقُّ.

فلم يجيبوه، فأخذ سيفه وعُدته وقال: إن أُصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء.

ثم خرج إلى القتال فقاتل حتى استشهد.

ولم يكن قد نفذ أي حكم من أحكام الإسلام، لكنه قاتل فنال شرف الشهادة، وقال عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مُخَيْريق خير يهود).

ولابد لنا أن نفرق دائماً بين "أركان الإسلام” والمطلوب من المسلم.

ونعلم جميعاً أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: بني الإسلام على خمسٍ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان).

هذه هي أركان الإسلام.

أما المسلم فقد يختلف المطلوب منه، فالمطلوب من المسلم أن يشهد مرة واحدة في حياته أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

ومطلوب منه دائماً أن يقيم الصلاة مهما تكن حالته.

لكن فرض الزكاة قد يسقط عنه إن كان لا يملك مالاً.

وقد يسقط عنه الصوم إن كان مريضاً مرضا لا يرجى شفاؤه أو كان كبير السن لا يقدر على الصوم وعليه فدية طعام مسكين، أما المريض الذي يرجى شفاؤه وكذلك المسافر فيقضيان الصوم بعد زوال العذر ومثلهما الحائض والنفساء.

وقد يسقط عنه الحج لأنه لا يملك المال الكافي.

هكذا تختلف أركان الإسلام من مسلم لآخر، وهكذا نعرف أن من عاش في بدايات الإسلام ونفذ القليل من الأحكام التي نزلت حتى مات أو استشهد، فقد أدى مطلوب الإسلام منه.

وعندما نزلت مسألة النهي عن الخمر، والميسر، ذهب أناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليسألوه عن مصير زملائهم وإخوتهم في الإيمان الذين ماتوا أو استشهدوا قبل أن ينزل تحريم الخمر والميسر.

ومجرد السؤال هو دليل على اليقظة الإيمانية، فالإنسان لا يكون مؤمناً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

وهنا أنزل الحق سبحانه وتعالى القول الكريم: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ...}.



سورة المائدة الآيات من 091-095 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 091-095 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 091-095   سورة المائدة الآيات من 091-095 Emptyالإثنين 01 يوليو 2019, 12:44 am

لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [٩٣]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

لقد أنزل الحق هذه الآية ليُطَمْئن المؤمنين السائلين عن الحكم في إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا وكانوا يشربون الخمر قبل نزول الحكم بتحريمها.     

{لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} و{طَعِمُوۤاْ} لا تخص الطعام فقط ولكن تشمل وتضم الشراب أيضاً، فالحق يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} [البقرة: 249].

وعلى ذلك فالماء طعام، بمعنى أن طعمه يكون في الفم.

وهكذا عرف المسلمون السائلون عن إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا أن إسلامهم كان مقصوراً على الأحكام التي نزلت في أثناء حياتهم، فقد نفذوا المطلوب منهم بعدم عبادة الأصنام.

وقد يكون منهم من مات قبل أن تفرض الصلاة، أو مات قبل أن تنزل أحكام الزكاة أو الصوم، ولذلك لم يفعلوها.

وعلى ذلك يكون عملهم الصالح هو تنفيذ التعاليم التي نزلت إليهم.

لقد اتقوا الله فنفذوا مطلوب الإيمان على قدر ما طلب منهم الحق، آمنوا بالإله المكلِّف وجعلوا بينهم وبين الله وقاية بأن نفذوا مطلوبه سبحانه امراً ونهياً.

والإيمان له قمة هي أن يؤمن الإنسان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبعد ذلك بالأحكام التي تنزل من السماء.

واختلف العلماء فيما بينهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن العلماء من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومن العلماء من قال: إن الإيمان يزيد وينقص.

والذين قالوا بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنما نظروا إلى الإيمان بالقمة العقدية وهي الإيمان بالله.

والذين قالوا بأن الإيمان يزيد وينقص إنما نظروا إلى الإيمان بالأحكام التي ينزلها الله، وأخذوا ذلك من قوله الحق: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].

فكل آية تنزل بأحكام جديدة فهي تزيد الإيمان.

فعندما نزل الحكم بالزكاة أمن به المسلمون وطبقوه.

ومنهم ممن لم يكن يملك المال فلم يطبق الحكم على الرغم من أنه آمن به.

فالمسلم يؤمن بالحكم، وإن كان مستطيعاً فهو يفعله، وإن كان غير مستطيع فهو لا يفعله.

ولهذا كانوا يستبشرون بالأحكام التي تنزل بها الآيات.

وعلى ذلك يكون خلاف العلماء خلافا على جهة منفكة، ونلحظ أن الحق يقول: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93].

إذن، فهنا ثلاث مراحل: هناك من أدرك حكماً فاتقى الله وآمن وعمل صالحاً، وبعد ذلك انتقل وأفضى إلى ربه فلا جناح عليه، وهناك من عاش ليعاصر أحكاماً أخرى فآمن بها وعمل بها، وهناك من عاش ليعاصر أحكاماً قد زادت فعمل بها أيضاً.

والإيمان الأول ارتبط بالعمل الصالح، وكذلك الإيمان الثاني الذي جاء في الآية.

ثم يأتي الإيمان الثالث مرتبطاً بالإحسان.

والإحسان كما نعلم له وجهان: الأول أن يعبد المؤمن الله كأنه يراه، وكلما جاء تكليف، يحسن المؤمن في أدائه، كأنه يرى الله، وإن لم يكن يراه فإنه يحس أنه سبحانه يراه.

وإذا ما استوعب المسلم كل أحكام الله التي استوعبت بدورها كل أقضية الحياة، فهو يحسن أداء هذه الأحكام.

والوجه الثاني للإحسان أن يزيد المؤمن في أداء هذه التكاليف فوق ما فرض الله، وهي النوافل.

وبذلك لا يكتفي المؤمن بتصديق الأحكام التي نزلت، بل يزيد من جنسها.

والحق يقول: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 15-16].

وجاء الحق بالتعليل وهو: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16].

ووجه إحسانهم أن الواحد منهم لا يقف عند ما كلفه الله به، بل يزيد على ما كلفه الله من جنس ما كلفه سبحانه، فالحق قد فرض على المسلم خمسة فروض، والمحسن هو من يزيد ويتقرب إلى الله بالنوافل.

وفرض سبحانه على المسلم صوم رمضان، والمحسن هو من يؤدي صيام رمضان بتمامه ويزيد بصوم أيام أخرى من العام.

وفرض سبحانه على المسلم زكاة مال بقدر اثنين ونصف في المائة وهو ربع العشر، والمحسن قد يزيد الزكاة إلى أكثر من ذلك.

وفرض سبحانه على المسلم حج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمحسن هو الذي يزيد مرات الحج.

إذن، فالمحسن هو من عشق التكليف من الله، وعرف منزلة القرب من الله، فوجد أن الله قد كلفه دون ما يستحق -سبحانه- منا فزاد من العمل الذي يزيده قرباً من الله.

ويضيف الحق في وصف المحسنين: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17].

ولم يكلفنا سبحانه بألا نهجع إلا قليلاً من الليل.

كلفنا فقط بأن نصلي العشاء، وبعد ذلك قد ننام لنصحو لنصلي الصبح، أما المحسن الذي عرف حلاوة الخلوة مع الله فهو لا يهجع إلا قليلاً من الليل.

ويضيف الحق سبحانه في وصف المحسنين: {وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18].

ولم يكلف الله المسلم بالاستغفار في السحر، لكن المحسن يفعل ذلك ويضيف الحق سبحانه: {وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19].

ولم يقل سبحانه: إنه حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو الزكاة.

وهذه المراحل الثلاث هي التي تُدخل المؤمن في مرتبة الإحسان.

ولذلك نجد الحق في آخر مرحلة في الآية التي نحن بصددها يتحدث عن الإحسان: {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} أي أن يزيد الإنسانُ المؤمنُ من جنس ما فرض الله.

ووقت أن كان التكليف في دور الاستكمال فكل حكم يأتي كان يستقبله المؤمن بإيمان وعمل.

أما الذين أدركوا كل التكاليف خلال الثلاثة والعشرين عاماً -المدة التي مكثها وعاشها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسولاً ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى- فقد استوت عندهم التكاليف، وإذا ما أرادوا الإحسان فلابد لهم من الزيادة من جنس التكليف.

ويقول الحق من بعد ذلك: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}.



سورة المائدة الآيات من 091-095 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 091-095 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 091-095   سورة المائدة الآيات من 091-095 Emptyالإثنين 01 يوليو 2019, 12:46 am

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [٩٤]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وهذا انتقال لحكم جديد، فبعد أن تكلم الحق فيما أحله لنا وقال سبحانه: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} [المائدة: 1].

وبعد أن تكلم الحق سبحانه فيما حرم علينا من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكى وذبح وحرَّم ما ذبح للأصنام وما استقسم بالأزلام وكذلك الخمر والميسر، أراد أن يعطينا محرمات من نوع خاص، وحتى نعرف هذه المحرمات لابد لنا أن نعرف أن هناك أشياء محرمة في كل زمان وكل مكان، كالخمر والميسر والزنا وغير ذلك من النواهي الثابتة، سواء أكانت عبادة أصنام أم أزلام أم غير ذلك من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وهناك محرمات في أزمنة خاصة، أو في أمكنة خاصة.

والفعل، أي فعل، لابد له من زمن ولابد له من مكان.

نحن مأمورون بالصلاة في زمانها في أي مكان طاهر وصالح للصلاة فيه، وكذلك الصوم يتحكم فيه الزمان، أما الحج فالذي يتحكم فيه هو الزمان والمكان.

وأما العمرة فالذي يتحكم فيها هو المكان؛ لأن الإنسان يستطيع أن يعتمر في أي زمان -غالباً- ويتكلم سبحانه هنا عن نهي في مكان خاص وفي زمان خاص، فالصيد ليس محرماً إلا في حالة أن يكون الإنسان حُرُماً.

ونعلم أن كلمة و "حُرُم” هي جمع "حَرَام"، والحرام إما أن يكون الإنسان في المكان الذي يبدأ فيه بالتحريم.

ومثال ذلك منطقة رابغ التي يبدأ عندها الإحرام بالنسبة لسكان مصر، فإن وصلت إلى هذا المكان وبدأت في عمل من أعمال الحج أو العمرة فأول عمل هو الإحرام.

ومن لحظة الإحرام حتى ولو أحرمت من بلدك أو بيتك لا يحل لك الصيد.

و "الحرم” أيضاً هو وصف للمكان حتى وإن لم يكن الإنسان حاجاً، فالصيد محرم في الحرم، والحرم له حدود بينها الشرع، فالصيد فيه حرام على المُحْرِم وغير المحْرِم.

ونعلم أن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- قد جعل الحق لها الأرض كلها مسجداً وطهوراً.

وعلى ذلك فأي مكان يصلح للصلاة، ويصلح أن نقرأ فيه العلم، ويصلح أن نقيم عليه مصنعاً ويصلح أن نزرعه.

إذن فأي أرض تصلح أن تكون مسجداً لأنها مكان للسجود.

ولكن المسجد بالمعنى الاصطلاحي هو المكان المخصص للصلاة.

أما المسجد الحرام فمركزه الكعبة وحولها الطواف وحول ذلك جدران الحرم.

ويقع المسجد الحرام في دائرة الحرم، والتي تبدأ من التنعيم والجعرانة والحديبية والجحفة وغيرها، هذه حدود الحرم.

فالإنسان إذا ما جاء إلى ميقات الحج عند رابغ مثلا فهو لا يصطاد؛ لأنه أصبح في دائرة الحرم، فالصيد محرم عليه حتى ولو لم يكن حاجاً أو معتمرا.

والحج -كما نعلم- هو رحلة فرضها الله مرة واحدة في العمر يخرج إليها المسلم الذي يحيا في كل مكان مع نعمة المنعم.

وعندما يخرج المسلم إلى الحج فهو يتحلل من كل النعم التي تصنع له التمييز ليستوي مع كل خلق الله.

وأول سمة مميزة للإنسان هي الملابس، لذلك يخلع المسلمون ملابسهم ويرتدون لباساً موحداً يتساوون فيه.

وحين يترك المسلم النعمة كلها فذلك لأنه ذاهب إلى المُنْعِم.

ومن بعد ذلك يريد الحق أن يؤدبنا تأديباً إيمانياً مع الوجود كله.

ويصفي الله في الحج هذه المسألة كلها، فالكل سواء في ملابس تكاد تكون واحدة، وكلهم شُعْثٌ غُبْر، وكلهم يقولون: "لبيك اللهم لبيك”.

هكذا تتم تصفية التفاوت في الإنسان بالإحرام.

ومن بعد ذلك ينظر إلى الجنس الأدنى وهو الحيوان، ويعلمنا الحق الأدب مع هذا الجنس فيأتي بتحريم صيده.

ويعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر الحرم.

وهكذا تصفي كل هذه المسألة، وتصبح العبودية مستطرقة في الجميع.

وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج، وحول الكعبة يرى الخفيرُ الوزيرَ وهو يبكي، ويشعر الجميع أن الكل سواء، والحق يقول: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97].

فالحيوان يأمن وكذلك النبات، هذا ما أمر به الحق في دائرة الحرم؛ لأن ذلك تدريب للإنسان على أن يخرج من النعمة إلى المنعم.

ومن بعد ذلك يدخل إلى المسجد ويطوف حول الكعبة.

ونجد الإنسان -سيد الوجود- يقف من كل ما يخدمه في الوجود موقفاً مختلفاً، فالحيوان يأخذ كرامته وكذلك النبات، وكذلك الجماد يأخذ أيضاً كرامته، فمن عند الحجر الأسود يبدأ الطواف سبعة أشواط.

في الحج ينفض الإنسان أي طغيان عن نفسه ويتساوى مع كل الناس، ينفض طغيانه أمام الجنس الأدنى وهو الحيوان فحرّم عليه صيده - ونعلم أن الحيوان يغذي الإنسان - وينفض أيضاً طغيانه مع النبات - والنبات يغذي الإنسان - فحرّم قطعه.

وينفض الحق كبرياء الإنسان أمام الجماد -وهو أحط الأجناس- فأمر الحق الإنسان أن يستلم الحجر الأسود أو أن يقبله، وإن لم يستطع من الزحام فعليه الإشارة للحجر، ومن لم يستطع استلام الحجر أو تقبيله فقد يخيل إليه أن حجه لم يقبل وذلك زيادة منه في التعلق بالمناسك والاحتياط في أدائها.

كل ذلك حتى يحقق الله سبحانه وتعالى استطراق العبودية، ودائماً نجد مَنْ يتساءل: وكيف نُقَبِّلُ الحجرَ على الرغم من أن الله قد نهانا عن الوثنية وعبادة الأصنام؟

ونقول: إن الحجرية ليست لها قيمة في هذا المجال، ولكن رب الإنسان والحيوان والنبات والحجر هو الذي أمرنا بذلك، بدليل أننا نرجم حجراً آخر هو رمز إبليس، والعبد في أثناء أداء المشاعر - إنما ينتقل من مراد نفسه إلى مراد ربه، فيقبل ويعظم حجراً ويرجم حجراً آخر، وهكذا صفيت العبودية بالنسبة للناس فاستطرقوا، وصُفيت العبودية بالنسبة للحيوان والنبات والجماد.

ويلفتنا سيدنا عمر -رضي الله عنه- فيقول للحجر الأسود: "أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك”.

كأن سيدنا عمر -رضي الله عنه- يعلمنا حتى لا يقول أحد: إنها وثنية، فالوثنية أن تعبد حجراً بمرادك، أما الحجر الأسود فنحن نعظمه بمراد الله.     

{يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 94].

ما الفرق بين ما تناله الأيدي وما تناله الرماح؟.

ما تناله الأيدي هو صغار الأفراخ والأشياء السهلة اليسيرة، أما ما تناله الرماح فهو ما تصطاده بجهد وبالرمح وحسن تصويبه.

وقال الحق: "ولنبلوكم” لأن هناك فارقاً بين أن يلح الإنسان على المعصية فيفعلها، وبين أن يصل إلى منزلة لا يلح فيها على معصية، بل قد تقع عليه المعصية، وإن وقعت عليه المعصية فهو لا يرتكبها.

كأن الحق يبتلينا ما دمنا لا نلح على المعصية، ويريد أن يرى ماذا يكون التصرف منا إن جاءت المعصية إلينا فهل نفعلها أو لا؟.

فإن كان الإيمان قوياً فلا أحد يقرب المعصية.

ولذلك يبتليكم الله بشيء من الصيد المحرّم عليكم بان يجعله في متناول أيديكم.

حدث ذلك في الحديبية لقد كاد الصيد يضع نفسه بين أيدي المؤمنين ولم يقربوه وكان هذا اختباراً.

ونعلم أن الابتلاء غير مذموم في ذاته، إنما المذموم فيه الغاية منه؛ لأن الابتلاء اختبار، وقد ينجح إنسان، وقد يفشل إنسان آخر.

وكأن الحق قد ابتلى المؤمنين بان جعل الصيد يتكاثر أمامهم حتى يقوي عود الإيمان في قلب المؤمن فلا يتهافت على المعصية وتتكون لديه المناعة وذلك.     

{لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} وسبحانه وتعالى العالم بكل شيء قبل أن يحدث.

لكن هناك فرق بين علم وعلم، وإن علم الله أزلي لا يتخلف، ولكن هذا العلم ليس حجة على الناس؛ لأن الحجة على الناس هو ما يقع منهم فعلاً، ولذلك كان الابتلاء.

وأسوق هذا المثل -ولله المثل الأعلى- إن الوالد قد ينظر إلى أحد أبنائه ويقول: أنه يلعب طول السنة ومن الأفضل ألا ندخله الامتحان؛ لأنه سوف يرسب.

ولا يدخل الابن الامتحان، ولكن الوقاحة قد تصل به إلى الحد الذي يقول فيه: لو كنت دخلت الامتحان لكنت من الناجحين.

ولو كان والده أدخله الامتحان ورسب، لكان هذا الرسوب حجة عليه.

إذن فعلم الحق لا يلزمنا الحجة، إنما العلم الواقعي هو الذي يلزمنا بها.

وقد حدثت هذه الابتلاءات في النبوّات كثيراً.

ومثال ذلك ابتلاء الحق لليهود بتحريم الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأتي في هذا اليوم مشرعة وكأنها تلح عليهم أن يصطادوها.

وفي الأيام الأخرى لا تأتي الحيتان، فيحتالون لعصيان الأمر باختراع نوع من الشباك السلكية تدخل فيها الحيتان، وتظل حية ومحبوسة فيها إلى يوم الأحد فيأخذونها.

وتكون حيلتهم هي دليل الغباء منهم؛ لأن الصيد قد تم بالنية والعمل والاستعداد المسبق.

وكان الابتلاء في الإسلام بشيء من الصيد.     

{لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

وقد علمنا من قبل قوله الحق: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229].

فإن كانت المسائل مأمورات فعلينا أن ننفذها.

وإن كانت نواهي فيجب ألا نقربها حتى لا نقع فيها فتكون حجة علينا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه).

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}.



سورة المائدة الآيات من 091-095 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة المائدة الآيات من 091-095 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة المائدة الآيات من 091-095   سورة المائدة الآيات من 091-095 Emptyالإثنين 01 يوليو 2019, 12:47 am

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [٩٥]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

أي لا تقتلوا الصيد إن كنتم قد أحرمتم بالحج أو بالعمرة أو بهما معا، وإن لم تحرموا فالصيد محرّم أيضاً في حدود منطقة الحرم.

وسبحانه قد جعل الحرم زماناً والحرم مكاناً.

وهو فَيْءٌ يلجأ إليه الناس من غرور عزة قوم على حساب ذلة قوم آخرين.

وقديماً كان يحارب بعضهم بعضا، ولذلك جعل الحق أربعة أشهر حرماً في الزمان، أي لا قتال فيها، وذلك حتى يستريح المتعب من الحرب، ويستريح من يخاف على عزته، أو يذوق فيها الجميع لذة السلام والأمن، وقد يستمرون في ذلك الاستمتاع بالسلام والأمان.

وكذلك جعل الحق الحرم أيضاً مكاناً آمناً، لا يتعرض فيه أحد لأحد.

وكان الإنسان يقابل في الحرم قاتل أبيه فلا يتعرض له، كل ذلك ليحمي عزة الناس أن تنكسر أمام غيرهم.

ومثال ذلك طرفان كلاهما على خلاف مع الآخر، وكل منهما يرغب في الصلح مع الطرف الآخر.

وهنا يتدخل أي إنسان من الخارج فينجح؛ لأن الطرفين ميالان للصلح.

وكل منهما يريد إنهاء الحرب ولكن تأخذه العزة بالإثم وتستولي عليه الحمية ويأنف أن يبدأ خصمه بطلب الصلح.

وقد أراد الحق أن تكون هناك في الأشهر الحرم فرصة للائتلاف والصلح وذلك بأن يلجأ الناس إلى البيت الحرام حتى تنفض البشرية عن نفسها البغضاء وحتى يرتاح البشر من القتال، فتصدر الأحكام في رويّة واتزان وهدوء أعصاب.

ويقول الحق جل وعلا: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [المائدة: 95].

ولا يعتبر الشيء صيداً إلا إذا كان مما يؤكل.

أما إذا كان الشيء المصاد لا يؤكل كالسبع وغيره فقد قال بعض العلماء: لا يمنع ولا يحرم ولكنا نقول: إن الصيد هو كل ما يصاد سواء ليؤكل أو حتى غير مأكول، وذلك لنعلم أنفسنا وجوارحنا وأعضاءنا الأدب ونحن حرم.

ومعنى "حُرُم” هو أن نكون محرمين أو في الحرم، والحرم له حدود معروفة.

وداخل الحرم ممنوع على الإنسان أن يصطاد أي شيء من لحظة بلوغه ميقات الحج والعمرة.

إذن فحيز الصيد محدود بالنسبة لكل من دخل الحرم المكّي الشريف سواء أكان محرماً أم لا.

وحيز الصيد بالنسبة لمن أراد الحج أو العمرة هو أكثر رقعة واتساعا، ذلك أن التحريم يبدأ من حين الاحرام بالحج أو العمرة أو بهما.

ولكن ماذا يكون الحكم إن اعتدى إنسان على الحكم واصطاد؟      

{وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}.

لكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألحق قتل الخطأ بالعمد، وذلك حتى ينتبه كل مسلم إلى كل فعل وهو محرم، أو وهو في البيت الحرام.

هب أنك أردت أن تحك جلد رأسك بأظافرك وأنت محرم، هنا قد يتساقط بعض شعرك؛ فإن ثبت ذلك فعليك هدي للكعبة أو صوم أو إطعام مساكين؛ لأن الحق يريد لك حين تحرم أن تنتبه بكل جوارحك إلى أن كل حركة من حركاتك محفوظة ومحسوبة عليك، ولتكن في منتهى اليقظة الإيمانية، وأي خطأ مهما يكن يسيراً يوجب الفدية.

لذلك من قتل وجب عليه الجزاء لتعديه على شيء حرمه الله.

والجزاء محدد بنص القول الحق: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} وعند المثلية وقف العلماء أيضاً: أتكون المثلية بالقيمة، أو المثلية في الشكل؟.

والمثلية في القيمة تعني أن تقوِّم الشيء المقتول بثمنه، وتشتري بالثمن شيئاً من الأنعام وتذبحها.

والمثلية في الشكل تعني أن نشبه الشيء المقتول بمثيل له مما يذبح ويكون أقرب إلى شكله.

ودليل ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قتل مسلم ضبعاً أمر المسلم أن يفدي بكبش.

والصحابة رضوان الله عليهم: علي، عمر، وعثمان وعبدالله بن عمر أمروا رجلاً قتل نعامة أن يفديها ببدنة ناقة أو بعير لأنها تشابه النعامة في العلو.

وحينما قتل إنسان ظبياً فداه بشاة.

والظبي أو الغزال هو الذكر، والغزالة هي الأنثى، وعندما قتل غزالاً صدر الحكم بالفداء بعنزة.

ومن قتل "يربوعاً” -وهو من الزواحف وأكبر من الفأر قليلاً- صدر الحكم أن تكون الفدية "الجفرة” وهي ولد الماعز بعد أن يستغني عن لبن أمه ويستطيع الأكل.

إذن، فالمثلية هنا مثلية الشكل.

وقال أبو حنيفة بإباحة أن تكون المثلية بالقيمة إن لم يوجد الشبيه.

وعلى ذلك فالذي يصطاد من أجل أن يطعم نفسه يدفع ثمن الخطأ لغيره من المحتاجين.

وإن كانت المثلية بالقيمة فالذي يحدد هذه القيمة أناس لهم بصيرة وهما اثنان من ذوي العدل.     

{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وهم الذين لا يميلون عن الحق، ويقيمون الميزان.

ويأمرنا الحق أن نحكم بالإنصاف لنكون من ذوي العدل، أي أن الإنسان حين يواجه خصمين فهو يعطي نصفه لخصم ونصفه الآخر للخصم الثاني، فلا يميل بالهوى ناحية أحدهما.

ولا يدير الإنسان وجهه إلى خصم أكثر مما يديره للآخر.

وإن سأل أحد: كيف نأتي بذوي العدل؟

ونقول: انظر إلى عدالتهما في نفسيهما ولنر تصرفات الإنسان هل هي مستقيمة أو لا؟

وهل هو مسرف أو معتدل سواء في الطعام أو الغضب أو في أي لون من ألوان السلوك؟

ومن كان مأموناً على نفسه فهو مأمون على غيره، ويجب كذلك أن يكون من ذوي الخبرة في هذا الأمر، ولذلك يجب أن ينتبه الناس إلى هذه المسائل لأننا نرى أن موجة من النفاق للشباب تسود بعض المجتمعات، فنسمع أصواتاً تقول: إن الشباب يجب أن يتولى القيادة.

ونقول لأصحاب هذه الأصوات: تمهلوا ودققوا النظر في مثل هذا القول؛ لأن الشباب عليه أن يزاول عمله الخاص في فترة الشباب، وعلينا ملاحظته وهو يؤدي عمله فإن نجح ورأينا فيه أمانة على حركة نفسه، وعدلاً مع نفسه وعدم إسراف على نفسه فإننا نرشحه من بعد ذلك ليخدم أمته بعد أن يثبت أنه مأمون في عدالة نفسه.

ولا يصح أن نجرب في الأمة مَن لا يَستند إلى رصيد من الخبرة السابقة.

إنه لا يصح أن نولي الأمر في أي قطاع لمن أطلقوا عليهم: الأطفال المعجزة.

ومن يريد أن يجرب فليجرب في نفسه، وفيما يملك، لا في الأمم والشعوب.

وعلى الشاب أن يبدأ حياته بنشاط جدي لذاته، ليستخلص النفعية القريبة منه وألا يغش نفسه، فإن نجح في ذلك، نأخذ منه بعض الوقت أو كل الوقت لخدمة أمته بعد أن يثبت لنا أنه قد وصل إلى النضج العقلي الكافي، وقد زادت تجاربه وفقد شهية الطموح الشخصي والمتع الصغيرة، ووصل إلى القدرة على التجرد ليحكم بين الناس.

فإذا كان الحق قد أمرنا أن نختار ذوي العدل للحكم في رقبة شاة، فما بالنا برقاب الناس ومصالح الناس؟

نحن -إذن- مطالبون بأن نميز ذوي العدل بين الناس من خلال مراقبة حركة الإنسان مع نفسه وعلى نفسه وعلى أهله، وعندما نكتشف أنه صار مأموناً على نفسه، هنا نستطيع أن نوليه أمور غيره بالخدمة العامة، وذلك حتى لا تخيب الأمة، فالأمم إنما تخيب باختيار غير مدروس لقيادات المواقع المختلفة فيها.

ولنا أن نلحظ في عملنا دقة المعاني التي جاءت في القرآن الكريم، فنحن هنا في أمر شاة أو حيوان نستصدر الحكم من ذوي العدل.     

{فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وما يحكم به ذوا العدل إنما يذهب كله للكعبة؛ ليأكله الموجودون في البيت الحرام لعبادة الرحمن.

وقد أراد الله أن يضمن قوت الذين يسكنون وادياً غير ذي زرع حتى من أغلاط الذين يعتدون على ما حرَّمَ الله صيده من الحيوان.

ولكن ما الحل إذا ما كان المخطئ لا يملك القدرة على أن يقدم هدياً بالغ الكعبة؟

والحق سبحانه لا يترك مثل هذه الأمور دون بيان أو تفصيل، فهاهوذا يضع الكفارة بإطعام مساكين، يحدد عددهم الاثنان من ذوي العدل.

ومن لا يستطيع إطعام مساكين فليصم أياماً بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرجه.     

{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} والوبال هو الثقل والعاقبة.

ولماذا الوبال؟

لأن الإنسان حين يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل سيعز عليه ماله، وأيضاً إن أطعم مساكين فهو سيشتري الطعام بمال يعز عليه، وكذلك يسبب له الصيام الإرهاق.

إن هذا اللون من الكفارة يذيق الإنسان وبال ما فعل.

وأراد الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر شكلي، أو أن تظل الإساءة أمراً شكلياً.

وشاء سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر للإساءة، حتى تستقيم الأمور في الكون.

ولنا في قصة ذي القرنين المثل الواضح على ذلك: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 83-84].

لقد مكن الحق لذي القرنين في الأرض، وأعطاه من كل شيء سبباً.

ومع ذلك لم يركن ذو القرنين إلى ما أعطى فلم يتقاعس ولم يكسل، بل يخبرنا الحق: {فَأَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 85].

لقد أخذ ذو القرنين من تمكين الله له في الأرض، وأخذ من عطاء الله له بشيء من كل سبب، إنه أخذ طاقة وإحساساً بالمسئولية ليواصل مهمته: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86].

لقد بلغ مغرب الشمس في نظر عينيه، لأن الإنسان عندما يقف وقت الغروب في خلاء فالشمس تغرب أمامه وكأنها تسقط في آخر الأفق.

والحقيقة أن ذلك هو نهاية قدرة البصر.

وجاء التفويض لذي القرنين: إما أن يعذب هؤلاء القوم، وإما أن يعاملهم بالحسنى.

وليقس عمل كل إنسان منهم، وليجاز كل إنسان منهم حسب عمله.

وهو لا يفعل ذلك عن هوى، لأنه ممكن في الأرض من الحق سبحانه وتعالى؛ لذلك قال الحق: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87].

وكل إنسان -حتى النفعي- حين يرى أن ارتكاب العمل السيء يأتي له بالمتاعب والخسارة، يرجع عنه ولو لم يكن مؤمناً باليوم الآخر.

أما من يؤمن باليوم الآخر ويعمل عملاً صالحاً فماذا تكون نوعية معاملته؟

ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 88].

إنه ينال التكريم والتشجيع، فالتكريم والتشجيع يجب أن ينالهما صاحب الحق فيهما لا المنافق أو المتمسح بالأبواب.

هكذا يكون دستور كل متمكن في الأرض.

وهكذا تكون رعاية أوامر الله ونواهيه.

وحين أمرنا الحق بتحريم الصيد في البيت الحرام أو على المحرم ووضع عقوبة لمن أخطأ، فهو سبحانه وتعالى عادل معنا، فلا عقوبة إلا بنص ولا تجريم إلا بعد النص، ولذلك قال سبحانه: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}.

فسبحانه يعفو عما سلف، أما من عاد ليرتكب نواهي الله في هذا المجال فيعاقبه الحق.

فلا يقبل منه هدى ولا إطعام مساكين ولا صوم؛ لأن في تكرار المخالفة إصراراً عليها، لذلك ينتقم منه الله، وهو العزيز الذي لا يُغْلَب.

وبعد أن تكلم الحق عن صيد البر وحكمه، أراد أن يوضح لنا أن ذلك الحكم لا ينسحب على كل صيد.

فسبحانه حرم صيد البر إن كنا حرماً، أو في دائرة الحرم.

ويجيء قول الحق: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ...}.



سورة المائدة الآيات من 091-095 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة المائدة الآيات من 091-095
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: المائدة-
انتقل الى: