منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة النساء الآيات من 021-025

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: سورة النساء الآيات من 021-025   سورة النساء الآيات من 021-025 Emptyالإثنين 29 أبريل 2019, 7:00 am

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [٢١]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

فلو أدركتم كل الكيفيات فلن تجدوا كيفية تُبَرِّرُ لكم الأخذ، لماذا؟

لأن الحق قال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} [النساء: 21] وانظر للتعليل: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} [النساء: 21].

إذن فثمن البُضْع هو الإفضاء، وكلمة{أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} [النساء: 21] كلمة من إله؛ لذلك تأخذ كل المعاني التي بين الرجل والمرأة و "أفضى" مأخوذة من "الفضاء" والفضاء هو المكان الواسع، و{أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ} [النساء: 21] يعني دخلتم مع بعض دخولاً غير مضيق.

إذن فالإفضاء معناه: أنكم دخلتم معاً أوسع مدَاخَلة، وحسبك من قمة المداخلة أن عورتها التي تسترها عن أبيها وعن أخيها وحتى عن أمها وأختها تبينها لك، ولا يوجد إفضاء أكثر من هذا، ودخلت معها في الاتصال الواسع، أنفاسك، ملامستك، مباشرتك، معاشرتك، مدخلك، مخرجك، في حمامك، في المطبخ، في كل شيء حدثت إفضاءات، وأنت ما دمت قد أفضيت لها وهي قد أفضت لك كما قال الحق أيضاً في المداخلة الشاملة: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187].

أي شيء تريد أكثر من هذا!؟

ولذلك عندما تشتد امرأة على زوجها، قد يغضب، ونقول له: يكفيك أن الله أحل لك منها ما حرمه على غيرك، وأعطتك عرضها، فحين تشتد عليك لا تغضب، وتذكَّر حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] والميثاق هو: العهد يؤخذ بين اثنين، ساعة سألت وليها: "زوجني" فقال لك: زوجتك، ومفهوم أن كلمة الزواج هذه ستعطي أسرة جديدة، وكل ميثاق بين خلق وخلق في غير العرض هو ميثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها؛ فهذا هو الميثاق الغليظ، أي غير اللين، والله لم يصف به إلاَّ ميثاق النبيين فوصفه بأنه غليظ، ووصف هذا الميثاق بأنه غليظ، ففي هذه الآية: {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} [النساء: 21] فهنا إفضاء وفي آية أخرى يكون كل من الزوجين لباساً وستراً للآخر: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187] لهذا كان الميثاق غليظاً، وهذا الميثاق الغليظ يحتم عليك إن تعثرت العشرة أن تتحملها وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت وليس هناك فائدة من استدامتها فيصح أن تستبدلها، فإن كنت قد أعطيتها قنطاراً إياك أن تأخذ منه شيئاً، لماذا؟

لأن ذلك هو ثمن الإفضاء، وما دام هذا القنطار هو ثمن الإفضاء وقد تم، فلا تأخذ منه شيئاً، فالإفضاء ليس شائعاً في الزمن كي توزعه، لا. 

والحق يقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] هنا يجب أن نفهم أن الحق حين يشرع فهو يشرع الحقوق، ولكنه لا يمنع الفضل، بدليل أنه قال: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4].

إذن ففيه فرق بين الحق وما طاب لكم، والأثر يحكي عن القاضي الذي قال لقومه: أنتم اخترتموني لأحكم في النزاع القائم بينكم فماذا تريدون مني؟!

أأحكم بالعدل أم بما هو خير من العدل؟

فقالوا له: وهل يوجد خير من العدل؟

قال: نعم، الفضل. 

فالعدل: أن كل واحد يأخذ حقه، والفضل: أن تتنازل عن حقك وهو يتنازل عن حقه، وتنتهي المسألة، إذن فالفضل أحسن من العدل، والحق سبحانه وتعالى حين يشرع الحقوق يضع الضمانات، ولكنه لا يمنع الفضل بين الناس: فيقول -جل شأنه-: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].

ويقول الحق في آية الدَّين: {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ} [البقرة: 282].

ويأمركم الحق أن توثقوا الدَّيْن. 

لأنكم لا تحمون مال الدائن فحسب بل تحمون المدين نفسه، لأنه حين يعلم أن الدَّيْن موثق عليه ومكتوب عليه فلن ينكره، لكن لو لم يكن مكتوباً فقد تُحدثه نفسه أن ينكره، إذن فالحق يحمي الدائن والمدين من نفسه قال: {وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وقال بعدها: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283].

فقد تقول لمَنْ يستدين منك: لا داعي لكتابة إيصال وصكٍّ بيني وبينك، وهذه أريحية لا يمنعها الله فما دام قد أمن بعضكم بعضاً فليستح كل منكم وليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه.    

وما دام قد جعل للفضل مجالاً مع تسجيل الحقوق فلا تنسوا ذلك. 

فما بالنا بالميثاق الغليظ بين الرجل والمرأة، وغلظ الميثاق إنما يتأتى بما يتطلبه الميثاق، ولا يوجد ميثاق أغلظ مما أخذه الله من النبيين ومما بين الرجل والمرأة؛ لأنه تعرض لمسألة لا تباح من الزوجة لغير زوجها، ولا من الزوج لغير زوجته. 

إن على الرجل أن يوفي حق المرأة ولا يصح أن ينقصها شيئاً إلا إذا تنازلت هي. 

فقد سبق أن قال الحق: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4].

وما دامت النفس قد طابت، إذن فالرضا بين الطرفين موجود، وذلك استطراق أُنسي بين الرجل والمرأة. 

فالمهر حقها، ولكن لا يجب أن يقبض بالفعل، فهو في ذمة الزوج، إن شاء أعطاه كله أو أخّره كله أو أعطى بعضه وأخر بعضه. 

ولكن حين تنفصل الزوجة بعد الدخول يكون لها الحق كاملاً في مهرها، إن كان قد أخره كله فالواجب أن تأخذه، أو تأخذ الباقي لها إن كان قد دفع جزءاً منه كمقدم صداق. 

ولكن حين تنتقل ملكية المهر إلى الزوجة يفتح الله باب الرضا والتراضي بين الرجل والمرأة فقال: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4] فهو هبة تخرج عن تراضٍ. 

وذلك مما يؤكد دوام العشرة والألفة والمودة والرحمة بين الزوجين. 

وبعد ذلك يبقى حكم آخر. 

هَبّ أن الخلاف استعر بين الرجل والمرأة. 

حالة تكره هي وتحب أن تخرج منه لا جناح أن تفتدي منه نفسها ببعض المال لأنها كارهة، وما دامت هي كارهة، سيضطر هو إلى أن يبني بزوجة جديدة، إذن فلا مانع أن تختلع المرأة منه بشيء تعطيه للزواج: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].

والحق سبحانه وتعالى أراد أن يعطينا الدليل على أن حق المرأة يجب أن يحفظ لها، ولذلك جاء بأسلوب تناول مسألة أخذ الزوج لبعض مهر الزوجة في أسلوب التعجب: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21].

فكأن: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} [النساء: 21] هذه دليل على أنه لا يوجد وجه من وجوه الحق يبيح لك أن تأخذ منها مهرها، فساعة يستفهم فيقول: "كيف" فهذا تعجب من أن تحدث هذه، وقلنا: إن كل المواثيق بين اثنين لا تعطي إلا حقوقاً دون العرض، ولكن ميثاق الزواج يعطي حقوقاً في العرض، ومن هنا جاء غلظ الميثاق، وكل عهد وميثاق بين اثنين قد ينصب إلى المال، وقد ينصب إلى الخدمة، وقد ينصب إلى أن تعقل عنه الدِّيَة، وقد ينصب إلى أنك تعطية مثلاً المعونة، هذه ألوان من المواثيق إلا مسألة العرض، فمسألة العرض عهد خاص بين الزوجين، ومن هنا جاء الميثاق الغليظ. 

وبعد ذلك يتناول الحق سبحانه وتعالى قضية يستديم بها طهر الأسرة وعفافها وكرامتها وعزتها، ويبقى لأطراف الأسرة المحبة والمودة فلا يدخل شيء يقضي على هذه المحبة والمودة، ويُدخل نزغ الشيطان فيها. 

قال الحق سبحانه: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ...}.



سورة النساء الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 021-025   سورة النساء الآيات من 021-025 Emptyالإثنين 29 أبريل 2019, 7:02 am

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [٢٢]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

فكأن هذه مسألة كانت موجودة، كان ينكح الولد زوج أبيه التي هي غير أمه. 

و "صفوان بن أمية" وهو من سادة قريش قد خلف أباه أمية بن خلف على "فاختة بنت الأسود بن المطلب" كانت تحت أبيه، فلما مات أبوه تزوجها هو، ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعد هذه القضية من محيط الأسرة، لماذا؟

لأن الأب والابن لهما من العلاقات كالمودَّة والرحمة والحنان والعطف من الأب، والبر والأدب، والاستكانة، وجناح الذل من الابن، فحين يتزوج الرجل امرأة وله ابن، فذلك دليل على أن الأب كان متزوجاً أمه قبلها، وكأن الزيجة الجديدة طرأت على الأسرة. 

وسبحانه يريد ألا يجعل العين من الولد تتطلع إلى المرأة التي تحت أبيه، ربما راقته، ربما أعجبته، فإذا ما راقته وأعجبته فأقل أنواع التفكير أن يقول بينه وبين نفسه: بعدما يموت أبي أتزوجها، فحين يوجد له الأمل في أنه بعدما يموت والده يتزوجها، ربما يفرح بموت أبيه، هذا إن لم يكن يسعى في التخلص من أبيه، وأنتم تعلمون سعار الغرائز حين تأتي، فيريد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على الولد أمل الالتقاء ولو بالرجاء والتمني، وأنه يجب عليه أن ينظر إلى الجارية أو الزوجة التي تحت أبيه نظرته إلى أمه، حين ينظر إليها هذه النظرة تمتنع نزغات الشيطان. 

فيقول الحق: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] والنكاح هنا يُطلق فينصرف إلى الوطء والدخول، وقد ينصرف إلى العقد، إلا أن انصرافه إلى الوطء والدخول -أي العملية الجنسية- هو الشائع والأوْلى، لأن الله حينما يقول: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} [النور: 3] معناها أنَّه ينكح دون عقد وأن تتم العملية الجنسية دون زواج. 

والحق هنا يقول: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] فما هو السلف هذا؟

إن ما سلف كان موجوداً، أي جاء الإسلام فوجد ذلك الأمر متبعاً، وجاء الإسلام بتحريم مثل هذا الأمر. 

فالزمن الجديد بعد الإسلام لا يحل أن يحدث فيه ذلك وإن كان عقد النكاح قد حدث قبل الإسلام، ولذلك قال -سبحانه-: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] فجاء بـ (ما) وهي راجعة للزمن. 

كأن الزمن الجديد لا يوجد فيه هذا. 

هب أن واحداً قد تزوج بامرأة أبيه ثم جاء الحكم. 

أيقول سلف أن تزوّجتها قبل الحكم! نقول: لا الزمن انتهى، إذن فقوله: {مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] يعني الزمن، وما دام الزمن انتهى يكون الزمن الجديد ليس فيه شيء من مثل تلك الأمور. 

لذا جاءت (ما) ولو جاءت (مَن) بدل (ما) لكان الحكم أن ما نكحت قبل الإسلام تبقى معه، لكنه قال{إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] فلا يصح في المستقبل أن يوجد منه شيء ألبتة ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائماً من هذا الزواج. 

والحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه حين يشرِّع فهو يشرع ما تقتضيه الفطرة السليمة. 

فلم يقل: إنكم إن فعلتم ذلك يكون فاحشة، بل إنه برغم وجوده من قديم كان فاحشة وكان فعلاً قبيحاً: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22] وما كان يصح بالفطرة أن تكون هذه المسألة على تلك الصورة، إلا أنّ الناس عندما فسدت فطرتهم لجأوا إلى أن يتزوج الرجل امرأة أبيه، ولذلك إذا استقرأت التاريخ القديم وجدت أن كل رجل تزوج من امرأة أبيه كان يُسمَّى عندهم نكاح "المقت" والولد الذي ينشأ يسمُّونه "المقتى" أي المكروه. 

إذن فقوله: {إِنَّهُ كَانَ} [النساء: 22] أي قبل أن أحكم أنا هذا الحكم{كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22].

فالله يوضح: إنني أشرع لكم ما تقتضيه الفطرة. 

والفطرة قد تنطمس في بعض الأمور، وقد لا تنطمس في البعض الآخر لأن بعض الأمور فاقعة وظاهرة والتحريم فيها يتم بالفطرة. 

مثال ذلك: أن واحداً ما تزوج أمه قبل ذلك، أو تزوج ابنته، أو تزوج أخته. 

إذن ففيه أشياء حتى في الجاهلية ما اجترأ أحدٌ عليها.

إذن جاء بالحكم الذي يحرم ما اجترأت عليه الجاهلية وتجاوزت وتخطت فيه الفطرة، فقال سبحانه: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] أي مضى. 

لقد وصف سبحانه نجاح الأبناء لزوجات آبائهم بأنه{كَانَ فَاحِشَةً} [النساء: 22] أي قبحاً،{وَمَقْتاً} [النساء: 22] أي مكروهاً،{وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22] أي في بناء الأسرة. 

ثم شرع الحق سبحانه وتعالى يبين لنا المحرمات وإن كانت الجاهلية قد اتفقت فيها، إلا أن الله حين يشرع حكماً كانت الجاهلية سائرة فيه لا يشرعه لأن الجاهلية فعلته، لا. 

هو يشرعه لأن الفطرة تقتضيه، وكون الجاهلية لم تفعله، فهذا دليل على أنها فطرة لم تستطع الجاهلية أن تغيرها، فقال الحق سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ...}.



سورة النساء الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 021-025   سورة النساء الآيات من 021-025 Emptyالإثنين 29 أبريل 2019, 7:04 am

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [٢٣]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

مَنْ الذي يُحَلِّلْ ويُحَرِّمْ؟

إنه الله، فهم رغم جاهليتهم وغفلتهم عن الدين حرموا زواج المحارم؛ فحتى الذي لم يتدين بدين الإسلام توجد عنده محرمات لا يقربها. 

أي أنهم قد حرموا الأم والبنت والأخت... إلخ، من أين جاءتهم هذه؟

الحق يوضح: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].

ومنهج السماء أنزله الله من قديم بدليل قوله: {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} [طه: 123].

فبمجرد أن خلق الله آدم وخلق زوجته، أنزل لهما المنهج، هذا المنهج مستوفى الأركان، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة، وإن أخذ محل العادة ومحل الفطرة، أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه، ولم يخطر ببالهم أن الله شرعه في ديانات سابقة. 

والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم كثير من أحكام الله، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان أيضاً، كلما ابتعد النوعان "الذكورة والأنوثة" فالنسل يجيء قوياً في الصفات. 

أما إذا كان الزوج والزوجة أو الذكر والأنثى من أي شيء: في النبات، في الحيوان، في الإنسان قريبين من اتصال البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفاً، ولذلك يقولون في الزراعة والحيوان: "تهجن" أي نأتي للأنوثة بذكورة من بعيد. 

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا: (اغتربوا لا تضْوُوا) وقال: "لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً".

فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب، بل علينا الابتعاد، لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجيء هزلاً. 

وبالاستقراء وجد أن العائلات التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها، فبعد فترة ينشأ فيها ضعف عقلي؛ أو ضعف جنسي؛ أو ضعف مناعي، فقول رسول الله: "اغتربوا لا تضووا" أي إن أردتم الزواج فلا تأخذوا من الأقارب، لأنكم إن أخذتم من الأقارب تهزلوا، فإن "ضَوِي" بمعنى "هزل" فإن أردتم ألا تضووا، أي ألا تهزلوا فابتعدوا، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة الجاهلية هذا. 

ولذلك يقول الشاعر الجاهلي:
أنصــــــــح مَنْ كان بعيد الهم
تزوج أبنـــــــــــــاء بنات العم
فليس ينجو من ضَوًى وسُـقْم
فقــــــد يضوي سليل الأقارب

وعندنا في الأحياء الشعبية عندما يمدحون واحداً يقولون: "فتوة" أي فتى لم تلده بنت عم قريبة. 

وفي النبات يقولون: إن كنت تزرع ذرة في محافظة الغربية لابد أن تأتي بالتقاوى من محافظة الشرقية مثلاً، وكذلك البطيخ الشيليان. 

يأتون ببذوره من أمريكا، فيزرعونها فيخرج البطيخ جميلاً لذيذاً، بعض الناس قد يرفض شراء مثل تلك البذور لغلو ثمنها، فأخذ من بذور ما زرع ويجعل منه التقاوى، ويخرج المحصول ضعيفاً. 

لكن لو ظل يأتي به من الخارج وإن وصل ثمن الكيلو مبلغاً كبيراً فهو يأخذ محصولاً طيباً.    

وكذلك في الحيوانات وكذلك فينا؛ ولذلك كان العربي يقول: ما دكّ رءوس الأبطال كابن الأعجمية؛ لأنه جاء من جنس آخر. 

أي أن هذا الرجل البطل أخذ الخصائص الكاملة في جنس آخر. 

فلقاح الخصائص الكاملة بالخصائص الكاملة يعطي الخصائص الأكمل، إذن فتحريم الحق سبحانه وتعالى زواج الأم والأخت وكافة المحارم وإن كانت عملية أدبية إلا أنها أيضاً عملية عضوية.

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] لماذا؟

لأن هذه الصلة صلة أصل، والصلة الأخرى صلة فرع، الأمهات صلة الأصل، والبنات صلة الفرع،{وَأَخَوَاتُكُم} [النساء: 23] وهي صلة الأخ بأخته إنّها بنوة من والد واحد،{وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} [النساء: 23].

إذن فالمسألة مشتبكة في القرابة القريبة. 

والله يريد قوة النسل، قوة الإنجاب، ويريد أمراً آخر هو: أن العلاقة الزوجية دائماً عرضة للأغيار النفسية، فالرجل يتزوج المرأة وبعد ذلك تأتي أغيار نفسية ويحدث بينهما خلاف مثلما قلنا في قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} [النساء: 20]؛ ويكره منها كذا وكذا، فكيف تكون العلاقة بين الأم وابنها إذا ما حدث شيء من هذا؟!

والمفروض أن لها صلة تحتم عليه أن يظل على وفاء لها، وكذلك الأمر بالنسبة للبنت، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، فيأمر الحق الرجل: ابتعد بهذه المسألة عن مجال الشقاق.

ومن حسن العقل وبعد النظر ألا ندخل المقابلات في الزواج، أو ما يسمى "بزواج البدل"، حيث يتبادل رجلان الزواج، يتزوج كل منهما أخت الآخر مثلاً، فإذا حدث الخلاف في شيء حدث ضرورة في مقابله وإن كان الوفاق سائداً. 

فحسن الفطنة يقول لك: إياك أن تزوج أختك لواحد لأنك ستأخذ أخته، فقد تتفق زوجة مع زوجها، لكن أخته قد لا تتوافق مع زوجها الذي هو شقيق للأخرى. 

وتصوروا ماذا يكون إحساس الأم حين ترى الغريبة مرتاحة عند ابنها لكن ابنتها تعاني ولا تجد الراحة في بيت زوجها. 
ماذا يكون الموقف؟

نكون قد وسعنا دائرة الشقاق والنفاق عند مَنْ لا يصح أن يوجد فيه شقاق ولا نفاق.    

والحكمة الإلهية ليست في مسألة واحدة، بل الحكمة الإلهية شاملة، تأخذ كل هذه المسائل،{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء: 23] والمحرم هنا بطبيعة الحال هن الأمهات وإن علون، فالتحريم يشمل الجدة سواء كانت جدة من جهة الأب، أو جدة من جهة الأم. 

وما ينشأ منها. 

وكل واحدة تكون زوجة لرجل فأمها محرمة عليه، "وبناتكم" وبنات الابن وكل ما ينشأ منها، وكذلك بنات البنت،{وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23].

ولماذا يحرم الحق{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]؟

لأنها بالإرضاع أسهمت في تكوين خلايا فيمَنْ أرضعته؟

ففيه بَضْعَة منها، ولهذه البَضْعَة حُرمة الأمومة، ولذلك قال العلماء: يحرم زواج الرجل بامرأة جمعه معها رضاعة يغلب على الظن أنها تُنشئ خلايا، وحلل البعض زواج مَنْ رضع الرجل منها مصة أو مصتين مثلاً، إلا أن أبا حنيفة رأى تحريم أي امرأة رضع منها الرجل، وأفتى المحققون وقالوا: لا تحرم المرأة إلا أن تكون قد أرضعت الرجل، أو رضع الرجل معها خمس رضعات مشبعات، أو يرضع من المرأة يوماً وليلة ويكتفي بها، وأن يكون ذلك في مدة الرضاع، وهي بنص القرآن سنتان.

{وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233].

وهذه المسألة حدث الكلام فيها بين سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - وسيدنا عثمان -رضي الله عنه- حينما جاءوا بامرأة ولدت لستة شهور وكان الحمل الشائع يمكث تسعة أشهر، وأحياناً نادرة يولد الطفل بعد سبعة أشهر، لكن أن تلد امرأة بعد ستة شهور فهذا أمر غير متوقع، ولذلك أراد عثمان -رضي الله عنه- أن يقيم الحد عليها؛ لأنها ما دام ولدت لستة أشهر تكون خاطئة، لكنْ سيدنا علي -رضوان الله عليه وكرم الله وجهه- أدرك المسألة. 

قال: يا أمير المؤمنين؛ لماذا تقيم عليها الحد؟

فقال عثمان بن عفان: لأنها ولدت لستة أشهر وهذا لا يكون. 

وأجرى الله فتوحاته على سيدنا علي، وأجرى النصوص على خياله ساعة الفتيا، وهذا هو الفتح، فقد يوجد النص في القرآن لكن النفس لا تنتبه له، وقد تكون المسألة ليست من نص واحد. 

بل من اجتماع نصين أو أكثر، ومَنْ الذي يأتي في خاطره ساعة الفتيا أن يطوف بكتاب الله ويأتي بالنص الذي يسعفه ويساعده على الفتيا، إنه الإمام علي، وقال لسيدنا عثمان: الله يقول غير ذلك، قال له: وماذا قال الله في هذا؟

قال: {وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ}[البقرة: 233].  

إذن فإتمام الرضاعة يكون في حولين كاملين أي في أربعة وعشرين شهراً، -والتاريخ محسوب بالتوقيت العربي- والحق سبحانه قال أيضاً: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} [الأحقاف: 15].  

فإذا كان مجموع أشهر الحمل والرضاع، ثلاثين شهراً، والرضاع التام أربعة وعشرون شهراً، إذن فمدة الحمل تساوي ستة أشهر. 

هكذا استنبط سيدنا علي -رضي الله عنه-، وكرم الله وجهه- والإنسان قد يعرف آية وتغيب عنه آيات، والله لم يختص زمناً معيناً بحسن الفتيا وحرم الأزمنة الأخرى، وإنما فيوضات الله تكون لكل الأزمان، فقد يقول قائل: لا يوجد في المسلمين من يصل بعمله إلى مرتبة الصحابة، ومن يقول ذلك ينسى ما قاله الحق في سورة الواقعة: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} [الواقعة: 10-14].

أي أن الآخرين أيضاً لن يحرموا من أن يكون فيهم مقربون قادرون على استيعاب النصوص لاستنباط الحكم، إذن فالرضاع: مصة أو مصتان؛ هذا مذهب، وعشر رضعات مذهب آخر، وخمس رضعات مشبعات مذهب ثالث، وأخذ جمهور الفقهاء بالمتوسط وهو خمس رضعات مشبعات تحرمن الزواج، لكن بشرط أن تكون في مدة الرضاع، فلو رضع في غير مدة الرضاعة، نقول: إنه استغنى بالأكل وأصبح الأكل هو الذي يعطيه مقومات البنية. 

إذن فمسألة الرضاع متشعبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".

والمحرم من الرضاع هو: الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وهكذا نرى أنها عملية متشعبة تحتاج من كل أسرة إلى اليقظة، لأننا حين نرى أن بركة الله لا تحوم حول كثير من البيوت لا بد أن ندرك لها أسباباً، أسباب البعد عن استقبال البركة من الله.

فالإرسال الإلهي مستمر، ونحن نريد أجهزة استقبال حساسة تحسن الاستقبال، فإذا كانت أجهزة الاستقبال خربة، والإرسال مستمراً فلن يستفيد أحد من الإرسال، وهب أن محطة الإذاعة تذيع، لكن المذياع خرب، فكيف يصل الإرسال للناس؟

إذن فمدد الله وبركات الله المتنزلة موجودة دائماً، ويوجد أناس لا يأخذون هذه البركات؛ لأن أجهزة استقبالها ليست سليمة، وأول جهاز لاستقبال البركة أن البيت يبنى على حل في كل شيء، يعني: لقاء الزوج والزوجة على حل، وكثير من الناس يدخلون في الحرمة وإن لم يكن بقصد، وهذا ناشئ من الهوس والاختلاط والفوضى في شأن الرضاعة، والناس يرضعون أبناءهم هكذا دون ضابط وليس الحكم في بالهم. 

وبعد ذلك نقول لهم: يا قوم أنتم احتطتم لأولادكم فيما يؤدي إلى سلامة بنيتهم، فكان لكل ولد ملف فيه: شهادة الميلاد، وفيه ميعاد تلقي التطعيمات ضد الدفتريا، وشلل الأطفال وغير ذلك. 

فلماذا يا أسرة الإسلام لا تضعون ورقة في هذا الملف لتضمنوا سلامة أسركم، ويكتب في تلك الورقة مَنْ الذي أرضع الطفل غير أمه، وساعة يأتي للزواج نقول: يا موثق هذا ملفه إنه رضع من فلانة، في هذا الملف تُدْرج أسماء النساء اللاتي رضع منهن. 

فنبني بذلك أسرة جديدة على أسس إيمانية سليمة، بدلاً من أن نفاجئ رجلاً تزوج امرأة، وعاشا معاً وأنجبا وبعد ذلك يتبين أنهما رضعا معاً، وبذلك تصير المسألة إلى إشكال شرعي وإشكال مدني وإشكال اجتماعي ناشىء من أن الناس لم تُعد لمنهجها الإيماني ما أعدته لمنهجها المادي. 

إذن فلا بد من التزام كل أسرة أن تأتي في ملف ابنها أو بنتها وتضع ورقة فيها أسماء من رضع منهن المولود. 

وعلى كل حال لم تعد هناك الآن ضرورة أن نأتي بمرضعة للأولاد، فاللبن الجاف من الحيوانات يكفي ويؤدي المهمة، وصرنا لا ندخل في المتاهة التي قد تؤدي بنا في المستقبل إلى أن الإنسان يتزوج أخته من الرضاعة أو أمه من الرضاعة، أو أي شيء من ذلك، وبعد ذلك تمتنع بركة الله من أن تمتد إلى هذه الأسرة.

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} [النساء: 23].

ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".

وجاء القرآن بالأمور البارزة فيها فقط،{وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} [النساء: 23] فإذا تزوج رجل من امرأة ولها أم، بالله أيتزوج أمها أيضاً؟

إنها عملية غير مقبولة،{وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23].

الربيبة هي بنت المرأة من غير زوجها، فقد يتزوج رجل من امرأة كانت متزوجة من قبل وترملت أو طلقت بعد أن ولدت بنتاً هذه البنت يسمونها "ربيبة" وزوج الأم الجديدة سيُدخلها في حمايته وفي تربيته، وبذلك تأخذ مرتبة البنوة. 

والأمر هنا مشروط: {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] فما دام الرجل قد عقد على المرأة ولم يدخل بها تكون بنتها غير محرمة. 

أما العقد على البنت حتى دون دخول فإنه يحرم الأمهات.

{وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23] أي زوجة الابن، وكلمة{مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23] تدل على أنه كان يطلق لفظ "الأبناء" على أناس ليسوا من الأصلاب، وإلا لو أن كلمة "الأبناء" اقتصرت في الاستعمال على أولاد الإنسان من صلبه، لما قال: {أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23].

إذن كان يوجد في البيئة الجاهلية أبناء ليسوا من الأصلاب هم أبناء التبني، وكانت هذه المسألة شائعة عند العرب، فكان الرجل يتبنى طفلاً ويلحقه بنسبه ويطلق عليه اسمه ويرثه. 

وجاء الإسلام ليقول: لا، لا يصح أن تنسب لنفسك من لم تنجبه، لأنه سيدخل في مسألة أخوة لابنتك مثلاً، وسيدخل على محارمك، ولذلك أنهى الله هذه المسألة، وجاء هذا الإنهاء على يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد كانت المسألة متأصلة عند العرب. 

ونعلم أن زيد بن حارثة خُطف من أهله، وبعد ذلك بيع على أنه رقيق، واشتراه حكيم بن حزام. 

وأخذته سيدتنا خديجة وبعد ذلك وهبته لسيدنا رسول الله. 

وصار زيد بن حارثة مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعندما علم أهل زيد أن ولدهم الذي خُطف قديماً موجود في مكة جاءوا إليها، فرأوا زيد بن حارثة، ولما سألوه أن يعود معهم قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنا أخيره بين أن يذهب معكم أو أن يبقى معي، انظروا إلى زيد بن حارثة كيف صنع به إيمانه وحبه لسيدنا رسول الله: قال: ما كنت لأختار على رسول الله أحداً. 

وظل مع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأراد الرسول أن يُكرمه على العادة التي كانت شائعة فسمَّاه "زيد بن محمد" وتبناه. 

إذن فالمسألة وصلت إلى بيت النبوة. 

التبني وصل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأراد الله أن ينهى هذه المسألة فقال سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40].

هذا يدل على أن صرامة التشريع لا تجامل أحداً حتى ولا محمداً بن عبد الله وهو رسول: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40].

وبعض الناس الذين يتسقطون للقرآن يقولون: إن رسول الله كان عنده إبراهيم وكان عنده الطيب وكان عنده القاسم، ونقول: أكان هؤلاء رجالاً؟!

لقد ماتوا أطفالاً، والكلام: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40]، وهب أنهم كبروا وصاروا رجالاً، أقال من رجالكم أم من رجاله؟

قال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] أي لا يمنع أن يكون أبا أحد من رجاله، هو أبو القاسم وأبو الطيب وأبو إبراهيم هم أولاده فافهموا القول. 

وهذه المسألة أخذت ضجة عند خصوم الإسلام والمستشرقين والحق سبحانه وتعالى وإن كان قد عدل لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، فتعديل الله لرسوله يشرف رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن مَنْ الذي يعدل لمحمد؟

إنه الله الذي أرسله. 

ويقول: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23].

ومفهوم هذه العبارة أن المحرمة إنما هي حليلة الابن من الصلب. 

وقوله: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23] يدل على أنه كان هناك أبناء ليسوا من الصلب، إذن فالتبني كان موجوداً قبل نزول هذا الحكم، وأراد الله أن يبطل عادة التبني، وكانت متغلغلة في الأمة العربية، فأبطلها على يد سيدنا رسول الله، لا مشرعاً ينقل حكم الله فحسب، ولكن مطبقاً يطبق حكم الله في ذاته وفي نفسه حتى يأخذ الحكم قداسته، ويجب أن نفطن إلى أن فكرة التبني كانت في ذاتها تهدف إلى أن ولداً نجيباً يلحقه رجل به ليعطيه كل حقوق أولاده كلون من التكريم. 

ولذلك علينا أن نلحظ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصرف بالكمال البشري في إطار العدل البشري، والعدل هو: القسط، وساعة تبني زيد بن حارثة وسماه زيد بن محمد إنما كان يهدف إلى أن يعوضه والده، لأن زيداً اختار رسول الله على أبيه، إذن فكان ذلك التبني من رسول الله كمالاً وعدلاً بشرياً بالنسبة للوفاء لواحد آثر اختياره على اختيار أهله فإذا أراد الله أن يصوب فيكون كمالاً إلهياً وعدلاً إلهياً، فلا غضاضة عند أحد أن يُصوِّب الكمال البشري بالكمال الإلهي، ولا أن يصوب العدل البشري والقسط البشري بالعدل الإلهي والقسط الإلهي، وأنزل الله وهو أحكم القائلين هذا الحكم بعبارة تعطي ذلك كله: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} [الأحزاب: 5].

أي: إن دعاءهم لآبائهم: {أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} [الأحزاب: 5].

وكلمة: {أَقْسَطُ} [الأحزاب: 5] إياكم أن تكونوا بعدتم ونأيتم عن "عظيم" فـ "أعظم"، إنك ساعة تأتي بصيغة التفضيل يكون المقابل لها وصفاً من جنسها، فـ "أعظم" المقابل لها "عظيم"، و "أقسط" المقابل لها "قِسْط"، فما فعله رسول الله هو قِسْطٌ وعدل، ولكن ما عدله الله أقسط مما صنعه رسول الله. 

إذن فيجب أن نفطن إلى أن الكمال البشري والعدل البشري شيء، والكمال الإلهي والعدل الإلهي شيء آخر. 

ومَنْ نقله الله من عدل بشريته إلى عدل ألوهيته يكون قد تلقى نعمة كبرى. 

وإذا ما حاول المستشرقون أن يأخذوا هذه المسألة على أن ربنا عدل له ويحاولوا أن يلصقوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطأ ما، نقول لهم: أنتم لا تحسنون تقدير الأمر ولا تفهمون المراد من ذلك، فالذي صوب هو الله الذي أرسله، وقد صوب له فعلاً فعله في إطار البشرية، وقال الحق: {هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} [الأحزاب: 5] ومَنْ الذي يجعل البشر متساوين مع الله في القسط والعدل والكمال؟

إن هناك قصة طار بها المستشرقون فرحاً وكذلك يروجها خصوم الإسلام من أبناء الإسلام؛ لأن من مصلحة خصوم الإسلام، وكذلك الذين لا يحملون من الإسلام إلا اسمه؛ يروجون أن هذا الدين يحتوي على أكاذيب -والعياذ بالله- فما دام الواحد منهم لا يقدر أن يحمل نفسه على منهج الدين لا يكون له مندوحة ولا نجاة إلا أن يقول: هذا الدين غير صحيح؛ لأن هذا الدين إن كان صحيحاً فسوف يهلك هو ومَنْ على شاكلته، فيكذبون أنفسهم وينكرون على الدين أملاً في النجاة في ظنهم إذ لا منجى ولا أمل لهؤلاء إلا أن يكون الدين كذباً كله. 

لننظر إلى القصة التي طار بها المستشرقون فرحاً: النبي -صلى الله عليه وسلم- محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد المطلب له بنت اسمها: أميمة بنت عبد المطلب، وهي بذلك تكون أختاً لعبد الله بن عبد المطلب. 

وأنجبت أميمة بنتاً اسمها "برّة"، وغير النبي -صلى الله عليه وسلم- اسمها، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان له ملحظ في الأسماء، اسمها "برّة". 

والاسم جميل لأنه من البر وهو صفة تجمع كل خصال الخير، لكن رسول الله كره أن يقال فيما بعد: خرج رسول الله من عند "برّة"، فسماها "زينب". 

"برّة" هذه هي بنت أميمة فهي ابنة عمَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وزيد ابن حارثة -كما قلنا- كان طفلاً ثم خُطف وَسُرِق، وبيع وانصرف إلى ملكية رسول الله، وبعد ذلك أراد رسول الله أن يُكرمه على ما يقتضيه كماله البشري وعدله البشري فسمَّاه "زيد بن محمد".  

وعندما أراد زيد بن محمد أن يتزوج، زوّجه رسول الله من "برة" على مضض منها، لأنه مَوْلى، وهي بنت سيد قريش. 

وكان ملحظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه يريد أن يجعل من المسلمين مزيجاً واحداً، فلا فرق بين مَوْلى وسيد، وزوَّج بنت عمته لزيد، وبعد الزواج لم ينشأ بينهما ودّ، وكل هذه تمهيدات الأقدار للأقدار. 

بالله لو أنها كانت أخذته عن حب وكان بينهما وئام، وبعد ذلك أراد الله أن يشرِّع فهل يشرع على حساب قلبين متعاطفين متحابين ليمزقهما؟

لا، المسألة -إذن- تمهيد من أولها، فلم تكن لها رغبة فيه. 

وعندما يجد الرجل أن المرأة ليس لها رغبة فيه، تهيج كرامته، وخصوصاً أنه صار ابناً بالتبني لرسول الله، ويكون رُفض امرأةٍ له مسألةً ليست هينة، وتصعب عليه نفسه، فيأتي لرسول الله شاكياً، وقال له: لم تعجبني معاشرة "برّة" وأريد أن أفارقها، وكان ذلك تمهيداً من الله سبحانه لأنه يريد أن ينهي مسألة التبني، فقد كانوا في الجاهلية يحرمون أن يتزوج الرجل امرأة ابنه المتبني، ولذلك يقول الحق: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37].

وما دام يقول له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] فالكلام إذن قد جاء معبراً عن رغبة زيد في أن يفارقها، لكن خصوم الإسلام وأبواقهم من المسلمين يقولون في قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} [الأحزاب: 37] إن محمداً كان معجباً بالمرأة ويريد أن يتزوجها، ويخفي هذه الحكاية. 

نقول لهم: كونوا منطقيين وافهموا النص، فربنا يقول: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} [الأحزاب: 37]، أنتم أخذتم منها أن النبي كان يريد أن يتزوجها.  

والحق قال: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37].

فإذا كنت تريد أن تعرف ما أخفاه رسول الله، فاعرف ما أبداه الله، هذه هي عدالة الاستقبال، وبدلاً من أن تقول هذا الكلام كي تشفي مرض نفسك انظر كيف أعطاك ربنا من تفاصيل الحكاية. 

قال سبحانه: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37] فماذا أبدى ربنا؟

وحين يبدي ربنا أمراً يكون هو عين ما أخفاه رسوله، فلما ذهب زيد للنبي وقال له: أريد أن أفارق "برّة" قال له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] لأن رسول الله عَلِم مِنَ الله أنه يريد أن يزوجه "برة" التي هي امرأة زيد الذي تبناه كي ينهى مسألة التبني، وأن امرأة المتبني لا تحرم على الرجل، ويطبقها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نفسه. 

لكن هناك أناس ما زال عندهم مرض في قلوبهم، وأناس منافقون، والرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون هذا الأمر وارداً من الله في قرآنه. 

فلو كان قد قال هذا الأمر بمجرد الإيحاء الذي جعله الله بينه وبينه لقالوا: هذا كلام منه هو؛ لذلك قال محمد -صلى الله عليه وسلم- لزيد: أمسك عليك زوجك، فينزل ربنا الأمر كله قرآنا، فلم يقل محمد: ألهمَني ربنا، أو ألقَى في رُوعي، لا، جاء هذا الأمر قرآناً، ولذلك يقدم الحق سبحانه وتعالى لهذه المسألة في سورة الأحزاب فيقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 36-37].

فالله أنعم على زيد بالإسلام وأنعمت أنت يا رسول الله عليه بالتبني فلا تخش الناس أن يقولوا: طلق المرأة من زيد ليتزوجها. 

كأن زواج "زيد" من "زينب"، كان لغاية واحدة وهي أن تكون "برة" التي سماها رسول الله "زينب" منكوحة لزيد الذي تبناه رسول الله بدليل: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} [الأحزاب: 37] أي أدى المهمة، فأردنا أن نعطي الحكم: "زوّجنا" فمَنْ الذي زوَّج؟

إنه الله، وليس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذي تزوج. 

فإن كنتم تريدون أن تصعدوا المسألة فاتركوا رسول الله في حاله، وصعدوها إلى ربنا، فقوله سبحانه: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} [الأحزاب: 37] يدل على أن أصل الزواج من البداية ممهد له، فالغاية منه أن يقضي زيد منها وطراً وهو متبنى رسول الله، ويكون هذا الزواج عن كره منها، إنها غير موافقة عليه، وتنتقل المسألة عند زيد إلى عزة ويقول: لا أريدها.   

ويذهب إلى الرسول ويقول: أريد أن أطلق "برّة" فيقول له الرسول: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37].

والذي أبداه الله هو قوله لرسوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37] كأن الغاية من النكاح أن يقضي زيد منها وطراً وتنتهي الحكاية بالنسبة لزيد، ويأتي الحكم بالنسبة لرسول الله فيقول ربُّنا: {زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37].

فالذي يريد أن يمسك المسألة لا يمسكها على الرسول، لكن عليه أن يصعدها إلى ربنا: {زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب: 37].

كأن العملية جاءت من أجل أن ما أبداه ربنا في زواج الرجل من مطلقة الولد المتبنى إذا قضى منها وطرا، هذا ما أبداه ربنا، إن الله حكم بأن الذي أخفاه النبي -صلى الله عليه وسلم- سيبديه، إن الوحي هو الذي بيّن السبب الباعث على زواج الرسول بزينب إنه قوله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب: 37].

فالعلة في هذه العملية: يا ناس، يا محمد، يا زيد، يا زينب، أو يا من يحب أن يرجف، العلة في كل ذلك علة إلهية من كمال إلهي وعدل إلهي يتركز في قوله سبحانه: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب: 37]، والأدعياء: هم الذين يتبنونهم من غير ولادة. 

وما دام ربنا يريد أمراً فلا بد أن يفعل، وأنتم آمنتم بأنه رسول، وإن لم تؤمنوا بأنه رسول يكون تكذيبكم برسالته أكبر من أنكم تنقدون تصرفه، فإن كنتم مكذبين أنه رسول، فما شأنكم إذن؟

إن تكذيبكم له كرسول هو أشد من أن تنقدوا تصرفاً من تصرفاته بأنه تزوج ممن كانت امرأة ابنه المتبنى. 

وإن آمنتم بأنه رسول، فهذا الرسول مبلغ عن الله. 

إذن ففعل الرسول المبلغ عن الله هو الميزان للأعمال لا ما تنصبونه أنتم من موازين. 

أتقولون للرسول الذي أرسله ربنا كي يبلغ منهجه ويطبق هذا المنهج ويكون هو ميزاناً للتصرفات، تقولون له: سنأخذ تصرفاتك ونعيدها على الميزان الذي نضعه؟

ما كان يصح أن يفعل أحد هذا، فإن قلت ذلك فقد عملت الميزان من عندك، ونقلت الأمر إلى غير الحق، وهذا أول خطأ؛ فالأصل في الرسول أن كل فعل له هو الكمال، ولا تأتي أنت بميزان الكمال وتأتي للرسول وتقول له: كيف فعلت هذه العملية؟

لأنك عندما تقول ذلك فقد نصبت ميزان كمال من عندك، وتأخذ تصرف الرسول لتزنه بميزان الكمال من عندك، وهذا مناقض للحق لأنك آمنت بأنه رسول. 

وبعد ذلك يأتي بالقضية العامة ليقول سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40].

وكلمة: {أَبَآ أَحَدٍ مِّن} [الأحزاب: 40] أي لم يكن أباً لأحد، ماذا تفهم منها؟

نفهم منها أنه أبوكم كلكم،: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ} [الأحزاب: 40] لأنه أبو الجميع، بدليل أن أزواجه أمهاتكم، ومحرمات عليكم، فهو إذن والدكم كلكم؛ إذن فخذ بالك من دقة الأداء: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] وبمنطق الواقع هو أب لكم كلكم؛ لذلك هو لا يأخذ واحداً فقط ويقول: هذا ابني، لا، هو أب لكم كلكم. 

وكل المؤمنين أولاده بدليل أن أزواجه أمهات لهم، قد يقول واحد: لقد كان عنده أبناء.   

نقول له: إن أبناءه لم يبلغوا سن الرجولة، وهب أنهم بلغوا سن الرجولة حتى باعتبار ما سيكون فهؤلاء ليسوا رجالكم ولكنهم رجاله.

{وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] والرسالة وختم النبوة به فوق شرف الأبوة.

وجاء الحق بذلك حتى لا يحزن زيد، فرسول الله قد شرفه، وإن شرفك يا زيد أنك كنت تدعي ابن محمد، فما يشرفك أكثر أنك مؤمن بمحمد كرسول، فالعظمة في محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه جاء رسولاً. 

ولذلك قلنا: إن هذه جعلت بنوة الدم بلا قيمة عند الأنبياء، ونجد أن النبي جاء بسلمان وهو من فارس وليس من قبيلته وهو لا بعربي وقال: "سلمان منا آل البيت".

وقول الحق: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] بمفهوم العبارة ونضحها الذوقي والأدائي والأسلوبي أنه أبوكم كلكم، فلا ينفرد به أحد دون الآخر: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40] وبعدما كان زيدٌ ابنَ محمد، أصبح زيدا ابن حارثة، ومحمد هو رسول الله، وما دمت أنت مؤمناً به -يا زيد- فرسول الله هذه تعوض إلغاء الأبوة بالتبني بالنسبة لك، ثم إنك داخل في الأبوة العامة من رسول الله للمؤمنين؛ لأنك آمنت به كرسول، إذن فعندما نحقق في هذه العبارة نجد أنه يُسلَّى زيداً أيضاً. 

وخير من هذا -أنك يا زيد- إن فقدت بين الناس اسم زيد ابن محمد، وكنت تجعل ذلك شرفاً لك، فأنت الوحيد من صحابة رسول الله الذي يُذكر في القرآن باسمه الشخصي، وتصبح كلمة "زيد" قرآنا يُذْكر ويُتلى، ويتُعبد بتلاوته، ومحفوظاً على الألسنة؛ ومرفوع الذِّكر، إذن فقد عوضك الله يا زيد، فقد قال الحق: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} [الأحزاب: 37] وهب أنه بقي زيد ابن محمد، فما الذي يحدث؟

سنقرأها في السيرة، لكن يرتفع شرف ذلك عندما نقرأها في كتاب الله المعجزة المتعبد بتلاوته، الذي ضمن الله حفظه، فقد ضمن الله تخليد اسم زيد إلى أن تقوم الساعة، إذن فذكره كزيد ابن محمد في حياته أَوْلى أو ذكر زيد في القرآن؟

إن ذكر اسمه في القرآن أولى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40].

إذن فقول الحق سبحانه: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} [النساء: 23] يدل على أن حلائل الأبناء المتبنين حل لكم، بعد أن كانوا -في الجاهلية- يحرمون ذلك، ويقول الحق من بعد ذلك: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] وتحريم الجمع في الزواج بين الأختين لأن بينهما رحماً يجب أن تظل معه المودّة والرحمة والصفاء، لكن إذا كانتا تحت رجل واحد تحدث عداوة: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 23] وهذا الجزء من الآية{وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] مع استثناء الحق. 

في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 23] قد حصل في فهمهما والمراد منهما خلاف.

ونقول أولاً المرأة في ملك اليمين ليس لها حق قِبَلَ سيدها في أن يطأها أو يستمتع بها، فملك اليمين لا يوجب على السيد أن يجعل إماءه أمهات أولاد. 

إنّ الأمام علياً -رضي الله عنه، وكرَّم الله وجهه- وسيدنا عثمان -رضي الله عنه- أخذ كل واحد منهما موقفاً، فسيدنا عثمان سُئِلَ عن الأختين مما ملكت اليمين؟

فقال "لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرّمتهما آية" فتوقف -رضي الله عنه- ولم يُفت. 

أما سيدنا عليّ فقد حرم الجمع في وطء الأختين بملك اليمين، أما التملك من غير وطء فهو حلال، وهذا هو الذي عليه أهل العلم بكتاب الله ولا اعتبار برأي مَنْ شذ عن ذلك من أهل الظاهر. 

ويتابع الحق: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 23] أي أن هذا الأمر ما دام قد سلف قبل أن يشرع الله، فهو سبحانه من غفرانه ورحمته لم يؤاخذنا بالقانون الرجعي، فلا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم، وما دام الحكم لم يأت إلا الآن فيطبق من الآن ولا يصح أن يجمع أحدٌ أختين تحته في نكاح أو في وطء بملك يمين، ولا يجمع أيضاً بينهما في زواج من أحدهما ووطء بملك يمين لأخرى. 

ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...}.



سورة النساء الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 021-025   سورة النساء الآيات من 021-025 Emptyالإثنين 29 أبريل 2019, 7:05 am

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [٢٤]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

وقول الحق: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 24] هو قول معطوف على ما جاء في الآية السابقة من المحرمات، أي سيضم إلى المحرمات السابقات المحصنات من النساء، ومَنْ هن المحصنات من النساء؟

الأصل في الاشتقاق عادة يوجد معنى مشتركاً. 

فهذه مأخوذة من "الحصن"، وهو مكان يتحصن فيه القوم من عدوهم، فإذا تحصنوا فيه امتنعوا على عدوهم، أما إذا لم يكونوا محصنين فهم عرضة أن يُغير عليهم عدوهم ويأخذهم، هذا هو أصل الحصن، والاشتقاقات التي أخذت من هذه كثيرة: منها ما جاء في قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12].

و{أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12] يعني أنها عفت ومنعت أي إنسان أن يقترب منها، وهنا قوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} [النساء: 24] في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، المقصود بها المتزوجات، فما دامت المرأة متزوجة، فيكون بضعها مشغولاً بالغير، فيمتنع أن يأخذه أحد، وهي تمتنع عن أي طارئ جديد يفد على عقدها مع زوجها. 

هذا معنى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 24]، فالمحصنات هنا هن العفيفات بالزواج، والحق يقول: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25].

فما دامت الإماء قد أحصن بالزواج، هل يكن من المحصنات كالحرائر؟

لا، فهذه غير تلك، فهن لا يدخلن في المحصنات من الحرائر، وإلا لو دخلن في المحصنات يكون الحكم واحداً، فهو سبحانه يقول: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25]، وأصل الإحصان وهو العفة. 

توصف به الحرة؛ لأن الحرة عادة لا يقربها أحد. 

وهذه امرأة أبي سفيان في بيعة النساء قالت: وهل تزني الحرة؟

كأن الزنَى كان خاصاً بالإماء؛ لأنهن المهينات وليس لهن أب أو أم أو عرض، قد يجترئ عليها أي واحد، وليس لها شوكة ولا أهل، ولذلك جاء عقابها نصف عقاب الحرة؛ لأن الأمة يحوم حولها من الناس مَنْ تسوّل له نفسه فعل الفاحشة. 

إذن فالإحصان يُطلق ويراد به العفة، ويطلق الإحصان ويراد به أن تكون حرة، ويطلق الإحصان ويقصد به أن تكون متزوجة، وتُطلق المحصنات على الحرائر. 

فالوضع العام للحرة هو الذي يجعل لها أهلاً ولا يجترئ عليها أحد، لكن هَبْ أن امرأة متزوجة ثم حدث خلاف أو حرب بين قومها وبين المؤمنين وصارت أسيرة لدى المسلمين مع أنها متزوجة بطريقتهم في بلادها، وهي بالأسر قد انتقلت من هذا الزواج وجاءت في البيئة الإسلامية وصارت مملوكة، ومملوكيتها وأَسْرُها أسقطت عنها الإحصان، فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24].

إذن فهي بملك اليمين يسقط عنها الإحصان، وللمسلم أن يتزوجها أو أن يستمتع بها إذا دخلت في ملكه وإن كانت متزوجة لأن هناك اختلافاً في الدارين، هي في دار الإسلام، وخرجت من دار حرب فصارت ملك يمين، ولا يكون هذا إلاَّ بعد استبرائها والاستيثاق من خلو رحمها من جنين يكون قد جاءت به من قومها لقوله -صلى الله عليه وسلم- في سبايا أوْطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض".

وهذا تكريم لها لأنها عندما بعدت عن زوجها وصارت مملوكة ملك يمين فلم يرد الحق أن يعضلها بل جعلها تتمتع بسيدها وتعيش في كنفه كي لا تكون محرومة من التواصل العاطفي والجسدي، بدلاً من أن يلغ سيدها في أعراض الناس.

{وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] و{كِتَابَ ٱللَّهِ} [النساء: 24] يعني: كَتَبَ الله ذلك كتاباً عليكم، وهو أمر مسجل موثق، وكما هو كتاب عليكم فهو لكم أيضاً، ويقول الحق: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].

إذن فالمحرمات هن: محرمات نسب، ومحرمات رضاع، ومحرمات إحصان بزواج.

{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] أي أحل لكم أن تتزوجوهن، ولذلك قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ} [النساء: 24] أي تطلبوا "بأموالكم محصنين" والمال نعلم أنه ثمرة الحركة. 

والحركة تقتضي التعب والمشقة، وكل إنسان يحب ثمرة عمله، وقد يدافع عنها إلى أن يموت دون ماله؛ لأن المال ما جاء إلا ثمرة جدّ، وحتى إذا ما جاء المال عن ميراث؛ فالذي وّرثك أيضاً ما ورَّثك إلا نتيجة كدّ وتعب، وعرفنا أن الذي يتعب مدّة من الزمن تساوي عشر سنوات قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش بعدها مرتاحاً، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ولده مرتاحاً، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحاً. 

إذن فكل ما تراه من مال موروث كان نتيجة جدّ وكدّ ومشقة من الآباء، وإذا ما قال الحق: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] دلّ على أن مقابل البضع يكون من جهة الرجل.

{أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] التي قال عنها سيدنا رسول الله: "يا معشر الشباب مَنْ استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومَنْ لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

وما دام المال عزيزاً على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجدّ وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل، فإن هو حقق به خيراً عاجلاً ثم سها وغفل عن شرّ آجل فهو لم يضع المال في موضعه.

{أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ} [النساء: 24] و "محصنين" كما عرفنا لها معان متعددة. 

"محصنين" أي متعففين أن تَلِغُوا وتقعوا في أعراض الناس. 

بأموالكم، أي ضع مالك الذي كسبته بكدّ فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل، فلا تلغوا به في أعراض الناس؛ لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن، ونقول له: أنت حققت لذة ونفعاً عاجلاً ولكنك ذهلت عن شرّ آجل، يقول فيها ربنا: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24] ومنه أخذ السِفاح. 

فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضي معها وطراً. 

فكلمة: {مُّحْصِنِينَ} [النساء: 24] تعني التزام العفة، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو: مسافحين، من السفح وهو: الصب، والصب هطول ونزول الماء بقوة، فالماء قد ينزل نقطة نقطة، إنما السفح صبّ، ولذلك سمي سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوباً. 

هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول: {مُّحْصِنِينَ} [النساء: 24] بكسر الصاد، وحين يتكلم عن النساء يقول: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} [النساء: 24] بالفتحة. 

لم يقل: "محصِنات" بالكسرة، لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائماً للأنوثة، والأنوثة مطلوبة دائماً.

{غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] والاستمتاع هو إدراك متعة للنفس، والمتعة توجد أولاً في الخطبة، فساعة يخطب رجل امرأة فهذا استمتاع، وساعة يعقد عليها وساعة تزف له، هذه كلها مقدمات طويلة في الاستمتاع، لكن الاستمتاع ليس هو الغرض فقط، يقول لك: إذا استمتعت بهن فلا بد أن تعطيهن مهورهن، ولذلك إذا تزوج رجل بامرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها نقول له: ادفع نصف المهر؛ لأنك أخذت نصف المتعة، فلو أن المتعة هي العملية الجنسية فقط لم يكن قد أخذ شيئاً وبالتالي فلا شيء عليه من المهر، لكن نقول: إن المتعة في أنه تقدم إلى بنت فلان وخطب وعقد، كل هذه مقدمات متعة، فعندما يكون ذلك فإنه يكون قد استمتع بعض الشيء. 

الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نبني حياة الأسرة على طهر، وعلى أمن ملكات، فأنت تجد الرجل حين يكون بين أهله لا يجد غضاضة في أن يغلق عليها الباب، لكن تصور وجوده مع امرأة دون زواج، فالملكات النفسية تتصارع فيه، ويتربص، ويمكننا أن ننظر رجفته إذا سمع أي شيء، لأن ملكاته ليست منسجمة، هو سيمتع ملكة واحدة. 

لكن الملكات النفسية الباقية ملكات مفزعة، مما يدل على أن ما يفعله ليس أمراً طبيعياً، وما دام ليس أمراً طبيعياً فالملكات النفسية تناقضه، الحق سبحانه وتعالى يريد أن تُبِنى الأسرة على طهر وعلى أمن، وهذا الأمن النفسي يعطي لكل ملكات النفس متعة. 

وقلنا من قبل إن الإنسان إذا كان له بنت ثم رأى شاباً يمر كثيراً على البيت ويلتفت كثيراً إلى الشرفة، ثم يقع بصر والد البنت عليه، ماذا يكون موقفه؟

تهيج كل جوارحه، فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال: يا فلان أنا أريد أن أخطب ابنتك لنفسي، أو أريد ابنتك لابني.  

ماذا يكون موقف والد الفتاة؟

إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية والنفس مطمئنة، ويتم إعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحاً؛ لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء. 

ولذلك رُوى: "جَدَعَ الحلال أنف الغيْرة".

أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها، فكأن الغيرة فيها حمية، وإن طُلِبَ عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج النفس، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. 

وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها، فما الذي يسبب الرضا، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة؟

إنه -سبحانه- هو الذي يفعل ذلك. 

والإنسان عليه أن يلتفت إلى أن كُلاً منا مكون من ملكات متعددة، فعقد الزواج وقول: "زوجني" و "زوجتك" وحضور الشهود، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تُسر؟

إنها إرادة الحق. 

وهذا شيء معروف وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط، والإلف السيال بينك وبينه ما زال في أوله ما يكفي عندما تقابله أن تلقي عليه السلام وينتهي الأمر، لكنْ هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال الودي بينك وبينه، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك؛ لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير. 

إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييراً كيماويا في النفس، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله، والذي يأتي عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. 

والشاعر عندما خاطب مَنْ يُحِبُّهُ قال:
بأبي من وددته فافترقنا
وقضي الله بعد ذاك اجتماعاً
وتمنيتـــه فلـمـــا التقينا
كـــان تسليمه علـــيَّ وداعاً

كأن الشاعر يريد تطويل أمد التسليم ومسافته كي يغذي ما عنده من الود، وكأنه يريد أن يقول: أنا التقيت مع من أوده فاختفى في واختفيت فيه، وهذا ناشىء من الامتزاج. 

إذن فالتكوين العاطفي أو السيال أوجده الله كسيال التقاء. 

هذا إذا ما كان على شرع الله، أما في الحالة الأخرى فهو سيال كراهية. 

وما الذي يسبب ذلك؟

إنه عطاء من الله وهو خالق الرجل وخالق المرأة، فساعة يجيء اللقاء على وفق ما شرع الله فلا تستبعد أن يعدل الخالق الذرات، فعندما يحدث الامتزاج فلا بد أن الوفاء يأتي كنتيجة طبيعية وكذلك الولاء، ويتحقق الانسجام هذا إيجاب، أما إذا كان اللقاء على غير طريق الله فلا انسجام فيه وهذا سلب. 

إذن فالحق سبحانه وتعالى يبني الأسرة على هذا المعنى. 

وأنتم تعلمون أن الالتقاءات التي تحدث عن غير طريق الله إنما تحدث في الخفاء، ومنكورة الثمرة، فإن جاء منها أثر وحمل فسيلقى الوليد في الشارع ويكون لقيطاً وقد يميتونه، إنما الثمرة التي تأتي بالحل فالكل يفرح بها. 

فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] والاستمتاع أشياء كثيرة، وجاء الشيعة في قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24].

وقالوا: هذا نكاح المتعة بدليل أنه سبحانه سمى ما أخذ في نظير ذلك أجراً ونقول: كلمة "أجر" هذه واردة في الزواج، فسيدنا شعيب عندما جاءه سيدنا موسى عليه السلام قال له: أعطني أجر ثماني حجج. 

وسيأتي في الآية نفسها التي يتقولون بها ويقول: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [النساء: 25].

فسمَّى المهر "أجراً" أيضاً، فلماذا تأخذون هذا المعنى؟

هم يقولون: نكاح المتعة حدث، ونقول لهم: نكاح المتعة حدث ولننظر إلى أسبابه. 

إن هذا النكاح قد حصل على يد مشرع وله حكمة، ولكن ماذا بعد أن أنهى المشرع هذا الحكم وانتقل إلى الرفيق الأعلى؟

لقد أنهى الحكم، إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحل زواج المتعة في فترة وجيزة حينما كانوا في غزوة من الغزوات، وذهب قوم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم يريدون أن يبنوا حركة حياتهم على الإيمان الناصع. 

كان من الممكن أن يواروا هذه المسألة عن الرسول، إنهم قالوا له: يا رسول الله أنستخصي؟

أي نخصي أنفسنا؟

فما دام الجهاد يَطلب منا أن نكون في هذا الموقع بعيداً عن أهلنا فلنستخص حتى لا يكون عندنا رغبة. 

فأباح لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زواج المتعة؛ ولكنه أنهاه، والدليل على أنه أنهاه، أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأنتم تعلمون منزلته -رضي الله عنه- من التشريع في أحكام الله، إنه كان يقترح الاقتراح فينزل القرآن موافقاً له، يقول عمر: ما يجيء واحد ليستمتع إلى أجل إلا رجمته. 

إذن فانتهت المسألة، وسيدنا علي -كرم الله وجهه- أقر نَهْي سيدنا عمر، وقالوا: إن ابن عباس قال به: لكنه قال: إنني كنت قد أخطأت فيه، ونعلم أن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يجلسوا في فصول تعليمية لسماع الوحي، بل كان كل منهم يذهب إلى رسول الله بعد أن يفرغ من عمله، فهذا سمع وذلك لم يسمع. 

وهذا هو السبب في أن هذا يروى وذاك لم يرو، فسيدنا ابن عباس قال: إنني كنت أعرف مسألة المتعة، ولم يصح عندي خبر منعها إلا في آخر حياتي. 

إذن فقول الشيعة: إن المتعة موجودة هو نتيجة استدلال خاطئ، فقوله سبحانه: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] علينا أن نقرنه بقوله أيضاً في المهور في الآية التالية: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 25] لأن هناك فرقاً بين الثمن وبين الأجر، فالثمن للعين، والأجر للمنفعة من العين، ولم يَملك الرجل بمهره المرأة. 

إنما ملك الانتفاع بالمرأة، وما دام هو ملْكَ انتفاع فيقال له أجر أيضاً.

{فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24] أي أن الذي فرض ذلك هو ربنا.

{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] ونلحظ هنا أن هناك فرقاً بين أن يشرع الحق لحق، وأن يترك باب الفضل مفتوحاً، فمن حقها أنها تأخذ المهر.  لكن ماذا إن تراضت المرأة مع الرجل في ألا تأخذ المهر وتتنازل له عنه؟

أو أن يعطيها أكثر من المهر؟

هذا ما يدخل في قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، فلا لوم ولا تثريب فيما يتراضى به الزوجان من بعد الفريضة، وكلمة: {تَرَاضَيْتُمْ} [النساء: 24] تدخل في قوله سبحانه: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4].

وفي عصرنا نجد أن المرأة تأخذ مهرها من الرجل وتجهز منه أثاث البيت، مع أن المفروض أن يجهز الرجل لزوجته البيت وأن يبقى المهر كاملاً لها، ولكن التعاون هو الذي يعطي العطف والتكاتف. 

ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 24] إذن فكل أحكام الله مبنية على العلم بما يصلح خلقه، ولا يغيب عنه أمر كي يؤخر تشريعه، فتأخير التشريع يعني: أن الذي شرع غاب عن ذهنه جزئيات ما كانت في باله ساعة شرع، وحين يأتي الواقع يأتي له بجزئيات لم تكن موجودة، فيضطر إلى إصدار تشريع جديد يستدرك به ما لم يكن في باله. 

والذين يقولون: إن التشريع الإلهي لا يغطي حاجة البشر نقول لهم: مَنْ الذي سيغطيه؟

أنتم يا مفكرون أتعدلون على الله؟

إن الله يكشفكم أنكم تأتون بتقنينات، وبعد ذلك يظهر عيبها وعوارها وأخطاؤها فتضطرون أن تعدلوا، فسبحانه عليم حكيم. 

فإن أخرَّ حكماً عن ميعاده فقد اقتضت الحكمة أن يكون كذلك. 

ومثال ذلك تحريم الخمر، لم يجيء به مرة واحدة، لأن الشيء الذي تحكمه العادة والإلف، لا بد فيه من التريث، وأن يصدر التشريع على مراحل، وكل مرحلة تسهل المسألة بالنسبة لما سبقها، ويكون الأمر صعباً إذا كان التشريع دفعة واحدة لأن ترك العادة دون تدرج يكون عسيراً شاقاً؛ لأن أهم شيء في الخمر أنها تقود إلى الاعتياد، بدليل أن مدمن الخمر عندما يمر عليه الوقت يضطرب فيأخذ كأساً ليستريح، وأول مرحلة في التحريم أن الحق كسر الاعتياد، وما دامت هي عادة متغلغلة فمن الصعب جداً أن ينزعها صاحبها عن نفسه مرة واحدة. 

فأولا جاء الأمر كعظة، وبعد ذلك يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43].

وما دامت لا تشربها وأنت تصلي فكم مرة تصلي؟

خمس مرات في النهار، إذن فعودك أن تترك وقتا من الأوقات غير ملتبس بالخمر، وتكون قد تعودت على ترك الخمر طوال النهار، وبعد ذلك يتدرج فيقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219].

لكن الأحمق عادة يرجح الإثم ويفعله، وما دام سبحانه قال: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] إذن فالإثم يترجح. 

وبعد ذلك جعلها بعلمه -سبحانه- أمراً نهائياً، والحكمة شاءت أن يكون التحريم بالتدريج. 

ويطمئننا الحق على أن علمه وحكمته منوط بها إخراج الأحكام، ولذلك قال: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106].

وسبحانه عليم لا يخفى عليه شيء، ويعلم أن امرأة أحبت زوجها لدرجة أن هذا الأجر ليس له قيمة، أو رجل أحب زوجته أيضاً لدرجة أن النقود ليس لها قيمة عنده، وما دام سبحانه حكيم. 

فهو قد يجري الأمور لا بحتمية ما افترض، ولكن بإبقاءٍ على فضل المتعاملين. 

ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...}.



سورة النساء الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة النساء الآيات من 021-025 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة النساء الآيات من 021-025   سورة النساء الآيات من 021-025 Emptyالإثنين 29 أبريل 2019, 7:06 am

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [٢٥]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والاستطاعة تعني أن يدخل الشيء في طاعتي فلا يعصى ولا يتأبى علي، وافرض أنني أمسكت قطعة حديد ولويتها، هنا تكون قطعة الحديد قد دخلت في طوعي، ومثال ذلك: ابنا آدم، حين قدم كل منهما قرباناً لله فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فالذي لم يتقبل الله منه القربان قال: {لأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: 27].

فماذا كان ردُّ الذي تلقى التهديد؟

قال: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [المائدة: 28-30].

ما معنى: {فَطَوَّعَتْ} [المائدة: 30]؟

طوعت يعني: جعلته في استطاعته، وعندما نمعن النظر في: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} [المائدة: 30] نجد أن "الهاء" تشير إليه هو، وذلك يدل على أن الإنسان فيه ملكات متعددة؛ ملكة تقول: اقتله، وملكة أخرى تقول له: لا تقتله. 

ضميره يقول له: لا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء تقول له: اقتل، ويكون هو متردداً بين الأمرين. 

وقوله الحق: {فَطَوَّعَتْ لَهُ} [المائدة: 30] دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه، لكن النفس الأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين، وبعدما أخذ شهوته من القتل ندم، ويأتي هذا الندم على لسانه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} [المائدة: 31].  

أنت الذي قتلته، لكنك أصبحت من النادمين. 

لماذا؟

لأن ملكات الخير دائماً تُصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر. 

والإنسان قد يبدأ شريراً، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة، فهو ينزل من هذا الشر العالي ويخففه، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلاً ثم يصعده، فيقول في نفسه: فلان فعل فِيَّ كذا وأريد أن أصفعه صفعة، وبعد ذلك قد يرفع من شره فيقول: "أو أضربه ضربة". 

لكن إذا ما كان الإنسان خيِّراً، فيقول: "فلان كاد لي، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه" إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير. 

كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين قالوا: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 8-10].

إنهم أسباط، وأولاد النبي يعقوب، فيقللون من الشر، يخففونه مباشرة قائلين: {أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً} [يوسف: 9] يعني يلقونه في أرض بعيدة، إذن فخففوا القتل في نفس واحد، كيف تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضاً؟

ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا يأكله سبع أو يتوه، فقالوا: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} [يوسف: 10].

إذن فقوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ} [النساء: 25] أي من لم يستطع دخول الشيء في طوعه أو أن تطوله يداه، وهذا هو المقصود بالطول، "فطالته يده" يعني صار في استطاعته، وفلان تطول عليّ، أي تفضل عليّ بشيء، "وفلان تطاول عليّ" أي ما كان يصح أن يجترىء عليّ، وكلها من الطول، و "طولا": تعني قدرة تطول به الزواج بمن تحب أي أنت لا تملك مالا ولا تستطيع الطول، فهناك مرحلة أخرى، لا داعي للحرة لأن مهرها غالٍ غالباً؛ فخذ من الإماء الأسيرات لأن مؤنتهن ونفقتهن خفيفة، وليس لها عصبة ولا أهل يجادلونك في المهر، فقال: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25].

والذي نلمحه في الآية, أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها؛ لأن مالكها لا يحتاج ذلك، إنه يستمتع بها ويتغشاها؛ لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير.

إذن فقد أباح الله للمسلم أن ينكح مما ملكت يمين غيره على شرط أن يكون ذلك بإذن مولاها؛ لأنها بالزواج تقتطع جزءاً من وقتها وخدمتها لمَنْ يملك رقبتها، فلا بد أن يُستَأذَن حتى يكون أمر انقطاعها إلى الزواج في بعض خدماته مما هو معلوم لأوليائهن، وأمر أيضاً سبحانه ألا نستهين بأنها مملوكة ومهينة فلا نأتيها مهرها. 

بل يجب أن يُؤدَى لهؤلاء مهورهن بما يعرف، أي بالمتعارف عليه؛ لأن ذلك عوض البضع، فإذا كان الحق قد أمر بأن نستأذن مواليهن وأمر بأن نأتيهن أجورهن، هنا بعض الإشكال لأَنَّ المملوكة لا تملك؛ لأن العبد وما ملكت يداه لسيده. 

نقول له: نعم، ولكن إذا قلت: العبد وما ملكت يداه لسيده فلا بد أن تحقق لها ملكاً أولاً ثم يكون ما تملكه لسيدها، أما أن تتعداها وتعطي المال لسيدها فإنها في هذه الحالة لم يتحقق لها مهر، فقولك: العبد وما ملكت يداه، أي أعطها فترة وفرصة لتكون مالكة بأن تُعطي الأجر تكريماً لها، أما كون ما لها لسيدها فهذا موضوع آخر. 

وبعد ذلك تذهب لتتزوجها إن ذلك يصح، فهل نفهم من ذلك أنك إن استطعت طوْلاً لا تنكح الإماء؟

لا. 

وهل هذا يقلل من شأن الإماء؟

لا. 

لماذا؟

انظر للحكم العالية التي لا يقولها إلا رب. 

الله يريد أن يصفي مسألة الرق، فحين يأتي واحد ويتزوج أمة مملوكة لغيره فأولادها يتبعونها في الرق. 

فالأولاد في الدين تتبع خير الأبوين، وفي الحرية والرق يتبع الأولاد الأم، فإذا ما تزوج إنسان أَمَةً مملوكة لغيره فأولادها الذين سيأتون يكونون عبيداً. 

وحين يتركها لسيدها ويتزوج غيرها من الحرائر، فمَنْ تلده من سيدها يكون حراً، إذن فسبحانه يريد أن يصفي الرق، هذه واحدة، الشيء الآخر أن الزواج: التقاء الذكر بالأنثى ليكونا نواة أسرة، فإذا ما كان الزوج والزوجة أكفاء. 

فالزوج لا يجد في نفسه تعالياً على الزوجة، والزوجة لا تجد في نفسها تعالياً على الزوج؛ لأن كل واحد منهما كفء للآخر، وهذه تضمن اتزان الحياة واتزان التعامل، لكن حين يتزوج واحد أمةً ليس لها أهل فقد يستضعفها وقد يستعلي عليها. 

وقد يذلها. 

وقد يعيرها، وحين يكون لها أولاد قد يقولون لهم: ليس لكم خال مثلاً. 

والمشرع يريد أن يبني حياة أسرية متزنة، ولذلك اشترط الكفاءة، وقال: {وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26].

وبعض من الناس تفهم عندما ترى طيبة فلا بد أن يتزوجها رجل طيب، نقول لهم: إن هذا تشريع والتشريع تكليف وعرضة أن يطاع وعرضة أن يعصى، فسبحانه حين يشرع أن الطيبات يكن للطيبين والخبيثات للخبيثين، فإن طبقتم التشريع تكون المسائل مستقيمة، وهذا يحمل الرد على مَنْ يقولون: ما دام ربنا يقول: {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور: 26] فكيف يتزوج فلان بفلانه وأحدهما طيب والآخر خبيث؟

ونقول: إن هذا الحكم ليس في قضية كونية حادثة، بل هو قضية تشريعية تقتضي منا أن نتبعه وأن نجعل الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات ليتحقق التوازن. 

فإن كان خبيثاً وقال لها: أنت كذا وكذا تقول له: أنت كذا وكذا. 

فلا يقول هذه كي لا تقول له مثلها، أما الإنسان الطيب فهو يلين جانبه مرة وهي طيبة وتلين جانبها مرة.

{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] كلمة{ٱلْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25] تعني هنا الحرائر؛ لأنها لو كانت متزوجة فلن تكون محل تزويج لآخر.

{فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] وكلمة "فتى" نطلقها في الحر على من له فتوة وشباب، ونطلق كلمة فتاة على أي أَمَة ولو كانت عجوزاً، وعلمنا رسول الله ألا نقول: هذا عبدي وهذه أمتي. 

وإنما نقول: "فتاي" و "فتاتي".

{فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} [النساء: 25] ويتساءل البعض: وهل يتزوج الإنسان ممن يملكها؟   

نقول له: لا. 

إنها حلال له فهي مملوكة له ملك يمين ويستطيع أن يكون له منها ولد، إذن فتكون ما ملكت أيمان غيركم، لأن الله يخاطب المؤمنين على أنهم وحدة بنيانية، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".

ويقول الحق: {وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [الحجرات: 11].

ويقول في موضع آخر: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [النور: 61].

فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على مَنْ دخل عليهم؟

إن الحق يريد بالتشريع أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، ولذلك قال أيضاً: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].

أي لا تقتلوا غيركم، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب أن تجعلنا متكاتفين في وحدة.

{فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} [النساء: 25].

وقد تقول: إن إيمان ملك اليمين ضعيف وتجعلها علة. 

يقول لك الحق: لا{وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} [النساء: 25] ولعل أمة خير في الإيمان منك؛ لأن هذه مسألة دخائل قلوب، وأنت يكفيك أن تعلم الظاهر. 

والحق سبحانه وتعالى حين يعالج الأمر يعالجه معالجة رب يعلم واقع ما خلق ويعطي كل مطلوبات المخلوق، هو أولاً أوضح: أنتم إن كنتم لا تستطيعون طولاً أن تنكحوا المحصنات فانكحوا الإماء، وهذا من أجل مزيد من تصفية الرق. 

بعد ذلك يقول: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} [النساء: 25] فإن كنت ستتزوج يجب أن تجعل نصب عينيك أمراً هو: أن{بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} [النساء: 25].

أي أنكم جميعاً من آدم. 

وما دمت قد آمنت، فالإيمان سوَّى بينكما، فإذا ذهبت لتتزوج فلا بد أن تضع هذا نصب عينيك، إنه سبحانه يعالج واقعاً. 

ويقول بعد ذلك: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25].

وهذا إشعار بأن مَنْ تحت يده فتاة بملك يمينه فعليه أن يعاملها معاملة الأهل ليعوّضها عما فقدته عند أهلها هناك، ولتشعر أنها في حضانة الإسلام مثلما كانت في حضانة أهلها وآبائها أو أكثر. 

إذن فالذي يملك لابد أن يجعل نفسه من الأهل، وبذلك يزيد الحق سبحانه وتعالى من أبواب تصفية الرق، وأوضح: فإن لم يُدخل واحد منكم مَنْ يملكه في هذه المصافي فسوف يبقيه رقيقاً، وإذن فعليه أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلفه ما لا يطيق فيدك بيده. 

وعندما يوجد معك إنسان تلبسه من لبسك وتطعمه من أكلك، وعندما يعمل عملاً يصعب عليه فأنت تساعده، فأي معاملة هذه؟

إنها معاملة أهل. 

انظر كم مسألة يعالجها الحق: يعالج طالب الزواج ويعالج المملوكة، ويعالج السادة، إنه تشريع ربّ الجميع. 

فلا يشرع لواحد على حساب آخر. 

وما دامت ملك يمين ولها سيّد فهذا السيد له مصالح لابد أن تستأذنه، فقد لا يستطيع أن يستغني عنها لأنها تخدمه، فقال: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]، لكن في المهور قال: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [النساء: 25] فالأمة تنكح بإذن من يملكها كي يعرف أن هناك من دخل شريكاً له في العملية ويأخذ البضع وهو الزوج، وحين يُستأذن السيد ويزوّجها فهو يعلم أنها لم تعد له، وبذلك لن يأخذها أحد من خلف ظهره، وهو بالاستئذان والتزويج يرتب نفسه على أن البضع قد أغلق بالنسبة له، وبقيت له ملكية الرقبة. 

أما ملك البضع فهو للزوج.

{وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [النساء: 25] فإياكم أن تقولوا: هذه مملوكة يمين وأي شيء يرضيها ويكفيها، لا. 

فلها مهر بالمعروف أي بالمتعارف الذي يعطيها ميزان الكرامة في البيئة،{مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] وقلنا: إن المحصنة هي العفيفة،{غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء: 25] والمسافحَة؛ هي مَنْ تمارس وتزاول عملية الزنَى، ويسمونها: امرأة عامة، ومتخذات أخدان: أي يتخذن عشّاقاً وأخدانا.

{فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25] أي إذا تزوجت الإماء وجاءت الواحدة منهن بفاحشة فلها عقاب. 

أما إن لم تحصن فليس عليهن حاكم ويقوم سيدها بتعزيرها وتأديبها؛ لأن الأمة عادة مبتذلة، لكن عندما تتزوج تصير محصنة، فإن أتت بفاحشة نقول لها: أنت لك عقابك الخصوصي، لن نعاقبك عقاب الحرّة، لأن الحرة يصعب عليها الزنَى، لكن الأمة قد لا يصعب عليها أن يحدث منها ذلك، فليس لها أب ولا أخ ولا أسرة، فقال: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25]، أي نصف ما على الحرائر من العذاب. 

لكن الخوارج أخذوا الكلمة في معنى من معانيها ليخدم قضية عندهم وقالوا: إن "المحصنات" هن المتزوجات، هم يريدون أن يأخذوها بمعنى المتزوجات كي يقولوا: ما دامت الأمة عليها نصف ما على المتزوجة، إذن فالمتزوجة ليس عليها رجم؛ لأن الرجم لا ينصف، والخوارج أخذوا هذه وقالوا: إن القرآن لا يوجد فيه رجم واكتفوا بجلد الزانية مائة جلدة. 

ونقول لهم: أنتم أخذتم المحصنة على معنى أنها المتزوجة، ونسيتم: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25]، فالمحصنات هن الحرائر، فلماذا أخذتم المحصنات هناك بمعنى الحرائر والمحصنات هنا بمعنى المتزوجات؟!

إن عليكم أن تأخذوها بمعنى الحرائر ولا حجة لكم في مثل هذا الباطل. 

وبذلك تسقط الحجة، فالدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. 

ثم نبحث بحثاً آخر، نقول: يقول الحق: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25] لو أن الحكم على إطلاقه لما قال الحق: {مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25]، فكأن الذي عليها فيه النصف هو العذاب، وما هو العذاب؟

العذاب هو إيلام مَنْ يتألم، والرجم ليس فيه عذاب لأنه عملية إنهاء حياة، والآية تبين المناصفة فيما يكون عذاباً، أما ما لا يكون عذاباً فهو لا ينصّف والحكم غير متعلق به. 

فالعذاب إنما يأتي لمَنْ يتألم، والألم فرع الحياة. 

والرجم مزيل للحياة، إذن فالرجم لا يعتبر من العذاب، والدليل على أن العذاب مقابل للموت أن الحق سبحانه وتعالى حينما حكى عن سيدنا سليمان وتفقده الطير قال: {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 20-21].

فالذبح وإزهاق الحياة مقابل للعذاب، فقوله: {نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ} فالمتكلم فيه الآن العذاب وليس الرجم، وليس إزهاق الحياة وبهذا يسقط الاستدلال.

والذين يقولون: إن آيات القرآن لا تدل على رجم نقول لهم: ومَنْ الذي قال لكم إن القرآن جامع لكل أحكام منهج الله في الإسلام وأنه فصل كل شيء؟. 

القرآن لم يجيء كتاب منهج فقط، وإنما جاء معجزة وكتاب منهج للأصول، ثم ترك للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يبين للناس ما نزل إليهم فضلاً على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنص القرآن عنده تفويض من الله أن يشرع، وتلك ميزة تميّز بها -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين فالله قد أعطاه الحق في أن يشرع، بدليل أنه سبحانه قال في صلب القرآن الذي يشتمل على أصول منهج الإسلام: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7].

إذن فللرسول عمل مع القرآن، وإلا فليقل لي مَنْ يدّعي أنّ في القرآن كل حكم من أحكام دين الله، من أين أخذ تفصيل حكم الصلوات الخمس؟

ومن أي آية أخذ أن الصبح ركعتان؟

وأخذ الظهر أربعاً وأخذ العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، من أين أخذها؟!

إذن لا يوجد شيء من ذلك، فما معنى ذلك؟

معنى ذلك أن القرآن جاء كتاب معجزة وفيه منهج يتعلق بالأصول. 

وما دام المنهج الذي تعلق بأصول الأشياء قد أعطى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يشرع، إذن فتشريعه مأمور به ومأذون فيه من صلب القرآن. 

ولذلك إذا جاء لك حكم من الأحكام وقال لك المتعنت: هات لي هذا الحكم من القرآن، ونظرت في كتاب الله فلم تجد، فقل له: دليل الحكم في القرآن هو قول الله: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7]، وأي حكم من الأحكام يأتي ولا تجد له سنداً من كتاب الله ويقال لك: ما سنده؟

قال: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7].

والمنهج أوامر ونواهٍ. 

إذن فالطاعة أن تمتثل أمراً وتجتنب نهياً، تلك هي الطاعة، كل منهج أو دين أمر ونهي، فامتثل الأمر واجتنب النهي. 

وأنت إذا تصفحت القرآن وجدت آيات الطاعة المطلوبة من المؤمن بمنهج الله والذي شهد بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله تتمثل في الأمر والنهي. 

فإذا ما استقرأت القرآن وجدت -كما قلنا سابقاً- أن الحق سبحانه وتعالى يقول مرة في الطاعة: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 32].

ولم يكرر الحق هنا أمر الطاعة، فالمطاع هو المكرر، فـ "أطيعوا" أمر واحد، نطيع مَنْ؟.

الله والرسول، المطاع هنا هو الله والرسول، ومرة يكرر أمر الطاعة فيقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: 92].

ومرة ثالثة يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56].

ومرة رابعة يقول: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

وأدخل هنا أولي الأمر أيضاً، إذن فمرة يأمر بالطاعة ويكرر المطاع فقط، أي: يوحد أمر الطاعة، ويكرر المطاع: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 32] فوحد أمر الطاعة وكررالمطاع، ومرة يكرر أمر الطاعة، ويكرر معها المطاع: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 92]، ومرة يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُول} [النور: 56] فإذا قال لك: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 32] فالأمر قد توارد فيه حكم الله وحكم الرسول. 

إذن فتطيع فيه الله والرسول، وإذا كان الله أمر إجماليٌّ وللرسول أمر تفصيليٌّ كالصلاة والزكاة والحج، إذن فتطيع الله وتطيع الرسول. 

وإذا لم يكن لله أمر فيه بل جاء من باطن التفويض في قوله سبحانه: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7]، فهذا الأمر أطيع فيه الرسول، لأنه جاء في آية أخرى قوله: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} [النساء: 80]، لماذا؟

لأن الرسول عمل بالتفويض الذي أعطاه الله له حسب قول الحق: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7].

وبقيت طاعة أولي الأمر التي جاءت في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] أي أطيعوا أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسوله، فلم يفرد ولي الأمر بطاعة وإنما جعل طاعته من: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [النساء: 59]، فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل قال: وأولي الأمر، أي من باطن طاعة الله والرسول، إنها دقة الأداء في القرآن.

تأمَّل ما يقوله الحق سبحانه: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} [الحشر: 7]. 

لقد قلنا: إن الطاعة امتثال أمر واجتناب نهي، والموجود هنا "آتاكم" و "نهاكم"؛ فـ "آتى" هذه جاءت بدل وما أمركم والنهي موجود بلفظة "وما نهاكم عنه" الأمر هو "آتاكم"، ولماذا لم يقل: وما أمركم به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؟

ولماذا لم يختصر فيقول: وما آتاكم الرسول فخذوه؟!

لأن الإتيان من الرسول إما أن يكون قولاً وإما أن يكون فعلاً، ولكن أيكون المنهيّ عنه فعلاً يفعله الرسول؟!

لا يمكن. 

إذن فالنهي لا يتأتى إلا نهياً ومنعاً من الفعل، لكن الإيتاء يكون قولاً أو فعلاً؛ لأنه عندما يقول لك: لا تشرب الخمر، فماذا كان يفعل النبي كي نأخذه من الفعل؟

إن الرسول قطعاً لم يشرب الخمر. 

إذن فقول الرسول وفعله يتأتى في المأمور به، وأما في المنهي عنه فلا يتأتى إلا قولاً. 

بالله أمِنَ الممكن أن يأتي بهذا عقل بشري؟

لا يمكن، ولا يقولها إلا الله. 

ثم نبحث بحثاً آخر يا خوارج. 

إن الرسول إنما جاء ليبلغ عن الله - ومراد التبليغ أن يعلمنا بالحكم، لنؤدي مدلوله، فإذا جاء حكم قولاً بالنص، فالذي يشرحه لنا هو ما يفعله الرسول، وحين يفعله الرسول أيوجد مجال للكلام في هذا النص؟ لا يوجد، بل تكون المسألة منتهية. 

إذن فالفعل أقوى ألوان النص في الأوامر؛ لأن الأمر قد يأتي كلاماً نظرياً، وقد يتأول فيه البعض. 

لكن عندما يفعل الرسول يكون الحكم لازماً؛ لأن الذي فعل هو المشرع. 

أرجم رسول الله أم لم يرجم؟

قد فعل رسول الله ذلك، وفعله هو نص عمليّ. 

إنّ الفعل ليس نصاً قوليّاً يُتأول فيه. 

لقد رجم الرسول ماعزاً والغامدية ورجم اليهودي واليهودية وكانا قد أحصنا بالزواج والحرية، وفعل الرسول هو الأصل في الحكم، فدليل الخوارج إذن قد سقط به الاستدلال وبقي ما فعله المشرع وهو الرسول المفوض من الله في أن يشرع قولاً أو فعلاً أو تقريراً، أي يرى أحداً يفعل فعلاً فيقرّه عليه. 

ثم نبحثها بالعقل: إذا كنت تريد ألا يوجد في الزنَى حد إلا الجلد، أتسوي بين من لم يتزوج ومن تزوج؟

إن المتزوجة لها عرض ولها زوج ولها نسب ونسل. 

هل هذه مثل تلك التي لم تتزوج؟!

إن هذا لا يتأتى أبداً بالعقل، إذن فحكم الرجم موجود من فعل الرسول، والدليل الذي استدل به الخوارج هو دليل تسرب إليه الاحتمال. 

والدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25] ومَنْ هو المقصود بـ "ذلك"؟

المقصود به إباحة نكاح الإماء لمَنْ لم يجد طوْلاً أن ينكح من الحرائر. 

وما هو "العنت"؟

"العنت" هو المشقة والجهد، وإرهاق الأعصاب، وتلف الأخلاق والقيم، لأن الإنسان إذا هاجت غرائزه إما أن يعف وإما أن ينفلت. 

فإن انفلت فقد تسرب الفساد إلى قيمه وإلى خلقه، وإن لم ينفلت والتزم، ماذا يحدث؟

سيقع بين أنياب المرض النفسي وتأتيه الأمراض العصبية. 

فأباح له الله أن يتزوج الأَمَةَ، إن لم يجد طوْلاً في الزواج من الحرائر. 

وبذلك يكون مفهوم الآية: إن الذي لا يخشى العنت فليس ضرورياً أن يتزوج الأَمَةَ. 

وليس هذا تزهيداً في الأَمَةِ بل فيه احترام لها، لأنها إن تزوجت ثم ولدت ممن تزوجته فسيصبح ولدها عبداً، والله يريد أن يصفي الرق والعبودية، فيوضح له: دعها لسيدها فإن أعجبته وَحَلَت في عينيه ووطئها وجاءت منه بولد فستكون هي والولد من الأحرار إنهما قد دخلا في دائرة الحرية. 

إذن فالحق يريد أن يصفي الرق، ثم قال: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النساء: 25] أي وصبركم عن نكاح الإماء. 

وأنتم في عفة وطهر عن مقارفة الإثم إن ذلك خير لكم من زواجهن، فنكاح الحرائر أفضل. 

ويذيل الحق الآية: بقوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النساء: 25] أي إنه (غفور) لما قد بدر وحصل منكم من ذنوب استغفرتم ربكم منها (رحيم) بكم فلا يعاجلكم بالعقوبة شفقة عليكم وحباً في رجوعكم إليه. 

ويقول الحق من بعد ذلك: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ...}.



سورة النساء الآيات من 021-025 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة النساء الآيات من 021-025
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: النساء-
انتقل الى: