منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

মুহররমওআশুরারফযীলত (Bengali)



شاطر
 

 سورة البقرة: الآيات من 206-210

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 206-210 Empty
مُساهمةموضوع: سورة البقرة: الآيات من 206-210   سورة البقرة: الآيات من 206-210 Emptyالسبت 13 أبريل 2019, 2:19 am

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [٢٠٦]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

ولا يقال له اتق الله إلا إذا كان قد عرف أنه منافق، وما داموا قد قالوا له ذلك فهذا دليل على أن فطنتهم لم يجز عليها هذا النفاق.       

ونفهم من هذه الآية أن المؤمن كَيِّس فطن، ولابد أن ينظر إلى الأشياء بمعيار اليقظة العقلية، ولا يدع نفسه لمجرد الصفاء الرباني ليعطيه القضية، بل يريد الله أن يكون لكل مؤمن ذاتية وكياسة.     

 {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} [البقرة: 206]

فكأن المظهر الذي يقول أو يفعل به، ينافي التقوى؛ لأنه قول معجب لا ينسجم مع باطن غير معجب، صحيح أنه يصلي في الصف الأول، ويتحمس لقضايا الدين، ويقول القول الجميل الذي يعجب النبي صلى الله عليه وسلم ويعجب المؤمنين، لكنه سلوك وقول صادر عن نية فاسدة.       

ومعنى "اتق الله" أي ليكن ظاهرك موافقاً لباطنك، فلا يكفي أن تقول قولاً يُعجب، ولا يكفي أن تفعل فعلاً يروق الغير؛ لأن الله يحب أن يكون القول منسجماً مع الفعل، وأن يكون فعل الجوارح منسجماً مع نيات القلب.       

إذن، فالمؤمن لابد وأن تكون عنده فطنة، وذكاء، وألْمعِيَّة، ويرى تصرفات المقابل، فلا يأخذ بظاهر الأمر.       

ولا بمعسول القول ولا بالفعل، إن لم يصادف فيه انسجام فعل مع انسجام نية.       

ولا يكتفي بأن يعرف ذلك وإنما لابد أن يقول للمنافق حقيقة ما يراه حتى يقصر على المنافق أمد النفاق، لأنه عندما يقول له: "اتق الله" يفهم المنافق أن نفاقه قد انكشف، ولعله بعد ذلك يرتدع عن النفاق، وفي ذلك رحمة من المؤمن بالمنافق.       

وكل مَنْ يرى ويلمح بذكائه نفاقاً من أحد هنا يقول له: "اتق الله" فالمراد أن يفضح نفاقه ويقول له: "اتق الله”.

فإذا قال له واحد: "اتق الله" وقال له آخر: "اتق الله"، وثالث، ورابع، فسيعرف تماماً أن نفاقه قد انكشف، ولم يعد كلامه يعجب الناس.      

 {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} [البقرة: 206]، وتقييد العزة بالإثم هنا يفيد أن العزة قد تكون بغير إثم، وما دام الله قد قال: {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} [البقرة: 206]، فهناك إذن عزة بغير إثم.       

نعم، لأن العزة مطلوبة للمؤمن والله عز وجل حكم بالعزة لنفسه وللرسول وللمؤمنين: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] .

وهذه عزة بالحق وليست بالإثم.       

وما الفرق بين العزة بالحق وبين العزة بالإثم؟ ولنستعرض القرآن الكريم لنعرف الفرق.       

ألم يقل سحرة فرعون: فيما حكاه الله عنهم: { بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44].       

هذه عزة بالإثم والكذب.       

وكذلك قوله تعالى: { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2]. 

وهي عزة كاذبة أيضاً أما قوله عز وجل: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } [الصافات: 180].       

فتلك هي العزة الحقيقة، إذن فالعزة هي القوة التي تَغْلِبُ، ولا يَغْلِبها أحد.       

أما العزة بالإثم فهي أنفة الكبرياء المقرونة بالذنب والمعصية.       

والحق سبحانه وتعالى يقول لكل من يريد هذا اللون من العزة بالإثم: إن كانت عندك عزة فلن يقوى عليك أحد، ولكن يا سحرة فرعون يا من قلتم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، أنتم الذين خررتم سجداً لموسى وقلتم: { قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} [الشعراء: 47-48].       

ولم تنفعكم عزة فرعون؛ لأنها عزة بالإثم، لقد جاءت العزة بالحق فغلبت العزة بالإثم.       

لذلك يبين لنا الحق سبحانه وتعالى أن العزة حتى لا تكون بالإثم، يجب أن تكون على الكافر بالله، وتكون ذلة على المؤمن بالله.      

{ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } [المائدة: 54].       

وكذلك قوله الحق: { أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29].

وهذا دليل العزة بالحق، وعلامتها أنها ساعة تغلب تكون في منتهى الانكسار، ولنا القدوة في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي خرج من مكة لأنه لم يستطع أن يحمي الضعفاء من المؤمنين، وبعد ذلك يعود إلى مكة فاتحاً بنصر الله، ويدخل مكة ورأسه ينحني من التواضع لله حتى يكاد أن يمس قربوس سرج دابته، تلك هي القوة، وهي على عكس العزة بالإثم التي إن علت تطغى، إنما العزة بالحق إن غلبت تتواضع.       

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} [البقرة: 206] أي أن الأنفة والكبرياء مقرونة بالإِثم، والإثم هو المخالف للمأمور به من الحق سبحانه وتعالى، {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [البقرة: 206].       

أي عزة هذه التي تقود في النهاية إلى النار؟ إنها ليست عزة، ولكنها ذلة، فلا خير في عمل بعده النار، ولا شر في عمل بعده الجنة.       

فإن أردت أن تكون عزيزاً فتأمل عاقبتك وإلى أين ستذهب؟ "فحسبه" أي يكفيه هذا فضيحة لعزته بالإثم، وأما كلمة "مهاد" فمعناها شيء ممهد ومُوطأ، أي مريح في الجلوس والسير والإقامة.       

ولذلك يسمونه فراش الطفل المهد.       

وهل المهاد بهذه الصورة يناسب العذاب؟

نعم يناسبه تماماً؛ لأن الذي يجلس في المهاد لا إرادة له في أن يخرج منه، كالطفل فلا قوة له في أن يغادر فراشه.       

إذن فهو قد فقد إرادته وسيطرته على أبعاضه.       

فإن كان المهاد بهذه الصورة في النار فهو بئس المهاد هذا لون من الناس وفي المقابل يعطينا -سبحانه- لوناً آخر من الناس فيقول سبحانه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...}.



سورة البقرة: الآيات من 206-210 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 206-210 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 206-210   سورة البقرة: الآيات من 206-210 Emptyالسبت 13 أبريل 2019, 2:21 am

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [٢٠٧]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة "يشري" يجب أن نلاحظ أنها من الأفعال التي تستخدم في الشيء ومقابله، فـ "شرى" يعني أيضاً "باع”.

إذن، كلمة "شرى" لها معنيان، واقرأ إن شئت في سورة يوسف قوله تعالى: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20].       

أي باعوه بثمن رخيص.       

وتأتي أيضاً بمعنى اشترى.

فالشاعر العربي القديم عنترة ابن شداد يقول:
فخاض غمارها وشرى وباعا

إذن "شرى" لغة، تُستعمل في معنيين: إما أن تكون بمعنى "باع"، وإما أن تكون بمعنى "اشترى"، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى المقصود منها فقول عنترة: "شرى وباع" نفهم أن المقصود من "شرى" هنا هو "اشترى"، لأنها مقابل "باع"، وقوله تعالى: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } [يوسف: 20].       

يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه.       

وهذا من عظمة اللغة العربية، إنها لغة تريد أناساً يستقبلون اللفظ بعقل، ويجعلون السياق يتحكم في فهمهم للمعاني.      

 {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} [البقرة: 207] ونفهم "يشري" هنا بمعنى يبيع نفسه، والذي يبيع نفسه هو الذي يفقدها بمقابل.       

والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحي بها، وعندها تكون التضحية ابتغاء مرضاة الله فهي الشهادة في سبيله عز وجل، كأنه باع نفسه وأخذ مقابلها مرضاة الله: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } [التوبة: 111].       

إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم.       

إذن فقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} [البقرة: 207] يعني باع نفسه وأخذ الجنة مقابلاً لها، هذا إذا كان معنى "يشري" هو باع.      

 وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى؟

هنا نفهم أنه اشترى نفسه بمعنى أنه ضَحَّى بكل شيءٍ في سبيل أن تَسلم نفسه الإيمانية.       

ومن العجب أن هذه الآية قيل في سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين، معنى "باع" ومعنى "اشترى"  فها هو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي كان في مكة، وقد كَبُرَ سِنُّهُ، وأسلم وأراد أن يُهاجر، فقال له الكفار: لقد جئت مكة فقيراً وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير، وتريد أن تهاجر بمالك.       

فقال لهم: أإذا خلّيت بينكم وبين مالي أأنتم تاركوني؟

فقالوا: نعم.      

 قال: تضمنون لي راحلة ونفقة إلى أن أذهب إلى المدينة؟

قالوا: لك هذا.       

إنه قد شرى نفسه بهذا السلوك واستبقاها إيمانياً بثروته.

فلما ذهب إلى المدينة لقيه أبو بكر وعمر فقالا له: ربح البيع يا أبا يحيى.       

قال: وأربح الله كل تجارتكم.      

 وقال له سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن جبريل أخبره بقصتك، ويروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى.       

إذن معنى الآية وفق هذه القصة: أنه اشترى نفسه بماله، وسياق الآية يتفق مع المعنى نفسه.       

وهذه من فوائد الأداء القرآني حيث اللفظ الواحد يخدم معنيين متقابلين.       

ولكن إذا كان المعنى أنه باعها فلذلك قصة أخرى، ففي غزوة بدر، وهي أول غزوة في الإسلام، وكان صناديد قريش قد جمعوا أنفسهم لمحاربة المسلمين في هذه الغزوة، وتمكن المسلمون من قتل بعض هؤلاء الصناديد، وأسروا منهم كثيرين أيضاً، وكان مِمَّنْ قتلوا في هذه الغزوة واحد من صناديد قريش هو أبو عقبة الحارث ابن عامر والذي قتله هو صحابي اسمه خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي، وهو من قبيلة الأوس بالمدينة، وبعد ذلك مكر بعض الكفار فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إننا قد أسلمنا، ونريد أن ترسل إلينا قوماً ليعلمونا الإسلام.       

فأرسل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه ليعلموهم القرآن، فغدر الكافرون بهؤلاء العشرة فقتلوهم إلا خبيب بن عدي، استطاع أن يفر بحياته ومعه صحابي آخر اسمه زيد بن الدَّثِنّة، لكن خبيباً وقع في الأسر وعرف الذين أسروه أنه هو الذي قتل أبا عقبة الحارث في غزوة بدر، فباعوه لابن أبي عقبة ليقتله مقابل أبيه، فلم يشأ أن يقتله وإنما صلبه حياً، فلما تركه مصلوباً على الخشبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة: مَنْ يُنْزِلُ خُبيباً عن خشبته وله الجنة؟

قال الزبير: أنا يا رسول الله.       

وقال المقداد: وأنا معه يا رسول الله.       

فذهبا إلى مكة فوجدا خُبيباً على الخشبة وقد مات وحوله أربعون من قريش يحرسونه، فانتهزا منهم غفلتهم وذهبا إلى الخشبة وانتزعا خُبيباً وأخذاه، فلما أفاق القوم لم يجدوا خبيباً فقاموا يتتبعون الأثر ليلحقوا بِمَنْ خطفوه، فرآهم الزبير، فألقى خبيباً على الأرض، ثم نظر إليه فإذا بالأرض تبتلعه فسمى بليع الأرض.       

وبعد ذلك التفت إليهم ونزع عمامته التي كان يتخفى وراءها وقال: أنا الزبير بن العوام، أمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، فإن شئتم فاضلتكم -يعني يفاخر كل منا بنفسه- وإن شئتم نازلتكم -يعني قاتلتكم- وإن شئتم فانصرفوا، فقالوا: ننصرف، وانصرفوا، فلما ذهب الزبير والمقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّرهم بالجنة التي صار إليها خبيب.       

إذن فقد باع خبيب نفسه بالجنة.       

وعلى ذلك فإن ذهبت بسبب نزول الآية إلى أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي تكون "شرى" بمعنى اشترى، وإن ذهبت بسبب النزول إلى خبيب فتكون بمعنى: باع.       

وهكذا نجد أن اللفظ الواحد في القرآن الكريم يحتمل أكثر من واقع.

وخبيب بن عدي هذا قالت فيه ماويّة ابنة الرجل الذي اشتراه ليعطيه لعقبة ليقتله مقابل أبيه، قالت: والله لقد رأيت خبيباً يأكل قطفاً من العنب كرأس الإنسان! ووالله ما في مكة حائط -بستان- ولا عنب وإنما هو رزق ساقه الله له.       

ولما جاءوا ليقتلوه قال: أنظروني أصلِّي ركعتين.       

فصلى ركعتين ونظر إلى القوم وقال: والله لولا أني أخاف أن تقولوا إنه زاد في الصلاة لكي نبطئ بقتله لزدت.       

وقال قبل أن يقتلوه: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً.       

ثم هتف وقال:
ولسـت أبالـــــي حـيـــــــن أُقـتل مسـلماً   
عـلى أي جـنـب كـان فـي الله مصـرعـي

وكان ذلك آخر ما قاله.       

ويقول الحق: {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [البقرة: 207] وما العلاقة بين ما سبق وبين رءوف بالعباد؟ ما دام الله رءوفاً بالعباد فلم يشأ الله أن يجعل ذلك أمراً كلياً في كل مسلم، وإنما جعلها فلتات لتثبت صدق القضية الإيمانية، لأنه لا يريد أن يضحي كل المسلمين بأنفسهم، وإنما يريد أن يستبقي منا أناساً يحملون الدعوة.       

وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى أصناف الناس الذين يستقبلون الدعوة كفراً ونفاقاً، ومَنْ يقابلهم ممن يستقبلونها إيماناً خالصاً، نادى جميع المؤمنين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ}.       



سورة البقرة: الآيات من 206-210 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 206-210 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 206-210   سورة البقرة: الآيات من 206-210 Emptyالسبت 13 أبريل 2019, 2:25 am

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٢٠٨]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

تبدأ الآية بنداء الذين آمنوا بالله وكأنه يقول لهم: يا مَنْ آمنتم بي استمعوا لحديثي.       

فلم يكلف الله من لم يؤمن به وإنما خاطب الذين أحبوه وآمنوا به، وما داموا قد أحبوا الله فلابد أن يتجه كل مؤمن إلى مَنْ يحبه؛ لأن الله لن يعطيه إلا ما يسعده.      

 إذن فالتكليف من الله إسعادٌ لمن أحب، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208]، وكلمة "في" تُفيد الظرفية، ومعنى الظرفية أن شيئاً يحتوي شيئاً، مثال ذلك الكوب الذي يحتوي الماء فنقول: "الماء في الكوب"، وكذلك المسجد يحتوي المصلين فنقول: "المصلون في المسجد".

والظرفية تدل على إحاطة الظرف بالمظروف، وما دام الظرف قد أحاط بالمظروف، إذن فلا جهة يفلت منها المظروف من الظرف. 

ولذلك يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة التمكن من مسألة الظرفية عندما يقول: { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } [طه: 71].       

إن الصلب دائماً يكون على شيء، وتشاء الآية الكريمة أن تشرح لنا كيف يمكن أن يكون الصلب متمكناً من المصلوب.       

فأنت إذا أردت أن تصلب شيئاً على شيء فأنت تربطه على المصلوب عليه، فإذا ما بالغت في ربطه كأنك أدخلت المصلوب داخل المصلوب عليه.       

ومثال ذلك، هات عود كبريت وضعه على إصبعك ثم اربطه بخيط ربطاً جيداً، ستلاحظ أن العود قد غاص في جلدك.       

والحق يقول: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] والسِّلْم والسَّلْمُ والسَّلَم هو الإسلام، فالمادة كلها واحدة؛ لأن السلم ضد الحرب، والإسلام جاء لينهي الحرب بينك وبين الكون الذي تعيش فيه لصالحك ولصالح الكون ولتكون في سلام مع الله وفي سلام مع الكون، وفي سلام مع الناس.       

وفي سلام مع نفسك.       

قوله: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} [البقرة: 208] معناه حتى يكتنفكم السلم. 

إن الله هو الإله الخالق للكون ولابد أن تعيشوا في سلام معه؛ لأنكم لا تؤمنون إلا به إلهاً واحداً.       

فيجب علينا أن نعيش مع الأرض والسماء والكون في سلام؛ لأن الكون الخاضع المقهور المسخر الذي لا يملك أن يخرج عما رُسم له يعمل لخدمتك ولا يعاندك.      

 والإنسان حين يكون طائعاً يُسَرّ به كل شيء في الوجود؛ لأن الوجود طائع ومُسَبِّح، فساعة يجد الإنسان مُسبِّحاً مثله يُسَرّ به لأنه في سلام مع الكون.       

وأنت في سلام مع نفسك؛ لأن لك إرادة، وهذه الإرادة قَهَرَ اللهُ لها كل جوارحك، والذي تريده من أي عضو يفعله لك، لكن هل يرضى أي عضو عمّا تأمره به؟

تلك مسألة أخرى، مثلاً، لسانك ينفعل بإرادتك، فتقول به: "لا إله إلا الله" وقال به غيرنا من المشركين غير ذلك، وأشركوا مع الله بشراً وغير بشر يعبدونهم وقال الملحدون بألسنتهم والعياذ بالله: "لا إله في الكون" ولم يعص اللسان أحداً من هؤلاء لأنه مقهور لإرادتهم.       

وتنتهي إرادة الإنسان على لسانه وعلى جميع جوارحه يوم القيامة فيشهد عليه كما تشهد عليه سائر أعضائه: الأرجل، والأيدي، والعيون، والآذان، وكل عضو يُقر بما كان يفعل به، لأنه لا سيطرة للإنسان على تلك الأبعاض في هذا اليوم.       

إنما السيطرة كلها للخالق الأعلى.      

{ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} [غافر: 16].       

والحق حين ينادي المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة فالمعنى يحتمل أيضاً أن الحق سبحانه وتعالى يخاطب المسلمين ألا يأخذوا بعضاً من الدين، ويتركوا البعض الآخر، فيقول لهم: خذوا الإسلام كُله وطبقوه كاملاً؛ لأن الإسلام يمثل بناء له أسس معلومة، وقواعد واضحة، فلا يحاول أحد أن يأخذ شيئاً من حكم بعيداً عن حكم آخر، وإلا لحدث الخلل.       

وعلى سبيل المثال قد تجد خلافاً بين الزوج والزوجة، وقد يؤدي الخلاف إلى معارك وطلاق، وبعد ذلك نجد من يتهم الإسلام بأنه أعطى الرجل سيفاً مسلطاً على المرأة.       

ونقول لهم: ولماذا تتهمون الإسلام؟ هل دَخَلْتَ على الزواج بمنطق الإسلام؟.       

إن كنت قد دخلت على الزواج بمنطق الإسلام فستجد القواعد المنظمة والتي تحفظ للمرأة كرامتها، ولكن هناك مَنْ يدخل على الزواج بغير منطق الإسلام، فلما وقع في الأزمة راح ينادي الإسلام.

هل اختار الرجل مَنْ تشاركه حياته بمقياس الدين؟ وهل وضع نُصب عينيه شروط اختيار الزوجة الصالحة التي جاءت في الحديث الشريف: عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".   
  
هل فضّل الرجل ذات الدين على سواها؟ أم فضل مقياساً آخر؟. 

وعندما جاء رجل ليخطب ابنة من أبيها هل وضع الأب مقاييس الإسلام في الاعتبار عند موافقته على هذا الزواج؟ هل فضلتم مَنْ ترضون دينه وخلُقُه؟ أم تركتم تلك القواعد.       

أنت تركت قواعد الإسلام، فلماذا تلوم الإسلام عند سوء النتائج والعواقب؟.       

إنك إن أردت أن تحاسب فلا بد أن تأخذ كل أمورك بمقاييس الإسلام، ثم تصرّف بما يناسب الإسلام.       

فإن كنت كذلك فالإسلام يحميك من كل شيء.       

فالإسلام يساند القُوَى في الكون ويساند القُوَى في النفس بحيث تعيش في سلام ولا تتعاند؛ لأن كل ذلك يقابله الحرب.       

والحرب إنما تنشأ من تعاند القوى، فتتعاند قوى نفسك في حرب مع نفسك، وتتعاند قوى البشر في حرب البشر مع البشر، وتتعاند قواك مع قوى الكون الأخرى، فأنت تعاند الطبيعة وتعاند مع الحق سبحانه وتعالى إذن فالتعاند ينشأ منه الحرب، والحرب لا تنشأ إلا إذا اختلفت الأهواء.      

 وأهواء البشر لا يمكن أن تلتقي إلا عندما تكون محروسة بقيم مَنْ لا هوى له، ولذلك يقول الله عز وجل: { وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } [المؤمنون: 71].      

 لماذا؟.       

دعك من الكون الأصم حولك، أو دعك من الكون الذي لا اختيار له في أن يفعل أو ينفعل لك؛ فهو فاعل أو منفعل لك بدون اختيار منه، ولكن انظر إلى البشر من جنسك.

فما الذي يجعل هوى إنسان يسيطر على أهواء غيره؟.      

 ما الذي زاده ذلك الإنسان حتى تكون أنت تابعاً له؟

أو يكون تابعاً لك؟.       

وفي قانون التبعية لا يمكن إلا أن يكون التابع مؤمناً بأن المتبوع أعلى منه، ولا يمكن لبشر أن توجد عنده هذه الفوقية أبداً.       

لذلك لابد للبشر جميعاً أن يكونوا تبعاً لقوة آمنوا بأنها فوقهم جميعاً.       

فحين نؤمن ندخل في السلم، ولا يوجد تعاند بين أي قوى وقوة أخرى؛ لأني لست خاضعاً لك، وأنت لست خاضعاً لي، وأنا وأنت مسلمون لقوة أعلى مني ومنك، ويُشترط في القوة التي نتبعها طائعين ألا يكون لها مصلحة فيما تشرع.      

 إن المشرعين من البشر يراعون مصالحهم حين يشرعون، فمشرع الشيوعية يضع تشريعه ضد الرأسمالية، ومشرع الرأسمالية يضع تشريعه ضد الشيوعية، لكن عندما يكون المشرع غير منتفع بما يشرع، فهذا هو تشريع الحق سبحانه وتعالى وحين ندخل في الإسلام ندخل جميعاً لا يشذ منا أحد، ذلك معنى {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208]، هذا معنى وارد، وهناك معنى آخر وارد أيضاً وهو ادخلوا في السلم أي الإسلام بجميع تكاليفه بحيث لا تتركوا تكليفاً يشذ منكم.       

وحين يأتي المعنى الأول فلأننا لو لم ندخل في السلم جميعاً لشقي الذين يُسلمون بالذين لا يُسلمون؛ لأن الذي يُسلم سيهذب سلوكه بالنسبة للآخرين، ويكون نفع المسلم لسواه، ويشقى المسلم بعد إسلام من لم يسلم، فمن مصلحتنا جميعاً أن نكون جميعاً مسلمين.       

والذين لا يدركون هذه الحقيقة يفسرون قول الله تعالى: { لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } [المائدة: 105].       

على غير ظاهرها، فمن ضِمْن هدايتكم أن تُبَصّروُا من لم يؤمن بأن يؤمن؛ لأن مصلحتكم أن تُسلموا جميعاً، فإذا أسلمت أنت فسيعود إسلامك على الغير؛ لأن سلوكك سيصبح مستقيماً مهذباً، والذي لم يُسلم سيصبح سلوكه غير مستقيم وغير مهذب، وستشقى أنت به.  

إذن فمن مصلحتك أن تقضي وقتاً طويلاً وتتحمل عناءً كبيراً في أن تدعو غيرك ليدخل في الإسلام.       

وإياك أن تقول: إن ذلك يضيع عليك فرص الحياة.       

لا إنه يضمن لك فرص الحياة، ولن يضيع وقتك لأنك ستحمي نفسك من شرور غير المسلم.       

وأذكر جيداً أننا حين تكلمنا في فاتحة الكتاب قلنا: إن الله يُعلمنا أن نقول: "إياك نعبد" فكلنا يارب نعبدك وسنسعد جميعنا بذلك، واهدنا كلنا يارب؛ لأنك إن هديتني وحدي فسيستمتع غيري بهدايتك لي، وأنا سوف أشقى بضلاله.       

فمن مصلحتنا جميعاً أن نكون مهديين جميعاً.       

هذا على معنى {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] أي جميعاً.  

أما معنى قوله تعالى: { لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] أي لا تتحملون أوزار ضلالهم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.       

أما المعنى الثاني فادخلوا في السلم بحيث لا يشذ منكم أحد.       

ويأخذ شيئاً وبعضاً من الإسلام ويترك بعضاً منه، فأنت تريد أن تبني حياتك.       

ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح أن للإسلام أسساً هي الأركان الخمسة، وإياك أن تأخذ ثلاثة أركان وتترك ركنين؛ لأن هندسة الإسلام مبنية على خمسة أركان.       

وقد قال لي أحد المهندسين: إننا نستطيع أن ننشئ بنياناً على ثلاثة أركان أو على أربعة أو خمسة.       

فقلت له: ولكن حين تجعل البنيان على أربعة أركان، وتوزع الأحمال والأثقال على أربعة أسس، هل يمكنك حين تُنشئ أن تجعلها ثلاثة أركان فقط؟.       

قال: لا.       

قلت: إذن فالبناء إنما ينشأ من البداية على الأسس التي تريدها، ولذلك فأنت توزع القوى على ثلاثة أو أربعة أو خمسة من البداية.       

والله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل أسس الإسلام خمسة، وبعد ذلك يُبْنَى الإسلام، وحين يبنى الإسلام فإياك أن تأخذ لبنة من الإسلام دون لبنة، بل يُؤخذ الإسلام كله، فالضرر الواقع في العالم الإسلامي إنما هو ناتج من التلفيقات التي تحدث في العالم المسلم.       

تلك التلفيقات التي تحاول أن تأخذ بعضاً من الإسلام وتترك بعضاً، وهذا هو السبب في التعب والضرر؛ لأن الإسلام لابد أن يؤخذ كله مرة واحدة.       

إذن {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] يعني إياكم أن تتركوا حكماً من الأحكام.       

إن الذي يتعب المنتسبين إلى الدين الآن أننا نريد أن نلفق حياة إسلامية في بلاد تأخذ قوانينها من بلاد غير إسلامية.      

 إذن حتى ننجح في حياتنا، فلابد أن نأخذ الإسلام كله.       

وللأسف فإن كثيراً من حكام البلاد المسلمة لا يأخذون من الإسلام إلا آخر قول الله تعالى: { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }
[النساء: 59] إنهم يأخذون { وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ويتركون { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [النساء: 59].       

وأقوال: لماذا تأخذون الأخيرة وتتركون ما قبلها؟ إن الله لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة بل قال: { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: 59] ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة الرسول.       

فنحن لا نريد تلفيقاً في الإسلام، خذوه كاملاً، تستريحوا أنتم ونستريح نحن معكم.       

إن الحق سبحانه وتعالى يريد بدعوتنا إلى دخول الإسلام أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم فخفف ورفع عن خلقه ما يمكن أن يختلفوا فيه، وتركهم أحراراً في أن يزاولوا مهمة استنباط أسرار الله في وجوده بالعلم التجريبي كما يحبون، فإن أرادوا رقياً فليُعْمِلُوا عقولهم المخلوقة لله؛ في الكون المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله؛ ليسعدوا أنفسهم ويدفعوها إلى الرقي، وإن انتهى أحد منهم إلى قضية كونية، واكتشف سراً من الأسرار في الكون فهو لن يقدم للناس جديداً في المنهج، وسيأخذ الناس هذا الجديد ولا يعارضونه.      

 إذن فمن الممكن أن يستنبط العلماء بعضاً من أسرار قضايا الكون المادية بوساطة العلم التجريبي، وهي أمور سيتفق عليها الناس، ولكن البشر يمكن أن يختلفوا في الأمور النابعة من أهوائهم؛ لأن لكل واحد هوى، وكل واحد يريد أن يتبع هواه ولا يتبع هوى الآخرين، والحق سبحانه يريد أن يعصمنا من الأهواء لذلك قال لنا: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] أي ادخلوا في كل صور الإسلام، حتى لا يأتي تناقض الأهواء في المجتمع.       

وكن أيها المؤمن في سلم مع نفسك فلا يتناقض لسانك مع ما في قلبك، فلا تكن مؤمن اللسان كافر القلب.       

كن منسجماً مع نفسك حتى لا تعاني من صراع الملكات.       

وأيضاً كن داخلاً في السلام مع الكون الذي تعيش فيه، مع السماء، مع الأرض، مع الحيوان، مع النبات.       

كن في سلم مع كل تلك المخلوقات لأنها مخلوقة مسخرة طائعة لله، فلا تشذ أنت لتغضبها وتُحْفِظها عليك.      

 كن منسجماً مع الزمن أيضاً، لأن الزمن الذي يحدث فيه منك ما يخالف منهج الله سيلعنك هو والمكان، وإذا أردت أن تشيع سلامك في الكون فعليك كما علمك الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسالم كل الكون، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشيع السلام في الزمان والمكان، وعلى سبيل المثال كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس صياماً في شعبان، ولما سأله الصحابة عن هذا أخبرهم أن شعبان شهر يهمله الناس لأنه بين رجب، -وهو من الأشهر الحرم الأربعة- وبين رمضان، فأحب أن يحيى ذلك الشهر الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لوناً من العبادة فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى. 

كذلك الأمكنة تريد أن تسعد بك، فكل الأماكن تسعد بذكر الله فيها.

والحق -سبحانه- بعد أن أمرنا جميعاً بالدخول في السلم بافعل ولا تفعل، حذرنا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله فقال جل شأنه: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208].       

ولماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟

لأن عداوته للإنسان عداوة مُسبقة، وقف من آدم هذا الموقف، وبعد ذلك أقسم بعزة الله أن يغويكم جميعاً، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة، أي أن الشيطان لم يفاجئنا.

وإنما وضع الحق أمامنا قصة الشيطان مع آدم واضحة جلية ليعطينا المناعة، بدليل أننا حين نريد أن نصون أجسامنا نجعل لأنفسنا مناعة قبل أن يأتي المرض، نُطعم أنفسنا ضد شلل الأطفال، وضد الكوليرا، وضد كذا، وكذا، فكأن الله سبحانه وتعالى يذكر قصة الشيطان مع أبينا آدم ليقول لنا: لاحظوا أن عداوته مسبقة.      

 وما دام له معكم عداوة مسبقة فلن يأخذكم على غرة؛ لأن الله نبهكم لتلك المسألة مع الخلق الأول.       

والشيطان عندما يُذكر في القرآن يُراد به مرة عاصي الجن، لأن طائع الجن مثل طائع البشر تماماً، ومرة يريد به شياطين الإنس.  

إذن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين.       

وحتى تستطيع أن تفرق بين ما يزينه الشيطان وبين ما تزينه لك نفسك، فإن رأيت نفسك مصراً على معصية من لون واحد فاعلم أن السبب هو نفسك، لأن النفس تريدك عاصياً من لون يشبع نقصاً فيها فهي تصر عليه: إنسان يحب المال فتتسلط عليه نفسه من جهة المال، وإنسان آخر يحب الجنس فتتسلط عليه نفسه من جهة النساء، وثالث يحب الفخر والمديح فتتسلط عليه نفسه من جهة مَنْ ينافقه.       

لكن الشيطان لا يصر على معصية بعينها، فإن رآك قد امتنعت عن معصية فهو يزين لك معصية أخرى؛ لأنه يريدك عاصياً على أية جهة.       

والحق يحذرنا {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208].       

وليس هناك عداوة أوضح من عداوة الشيطان بعد أن وقف من آدم وقال ما أورده الحق على لسانه: { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83].       

ويقول الحق من بعد ذلك: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ}.       



سورة البقرة: الآيات من 206-210 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 206-210 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 206-210   سورة البقرة: الآيات من 206-210 Emptyالسبت 13 أبريل 2019, 2:30 am

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٢٠٩]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

والذّلة هي المعصية، وهي مأخوذة من "زال"، وزال الشيء أي خرج عن استقامته، فكأن كل شيء له استقامة، والخروج عنه يعتبر زللاً، والزلل: هو الذنوب والمعاصي التي تُخالف بها المنهج المستقيم.     

  {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209] إنه سبحانه يوضح لنا أنه لا عذر لكم مطلقاً في أن تزلوا؛ لأنني بينت لكم كل شيء، ولم أترككم إلى عقولكم، ومن المنطقي أن تستعملوا عقولكم استعمالاً صحيحاً لتديروا حركة الكون الذي استخلفتكم فيه، ومع ذلك، إن أصابتكم الغفلة فأنا أرسل الرسل.       

ولذلك قال سبحانه: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].       

لقد رحم الله الخلق بإرسال الرسل ليبينوا للإنسان الطريق الصحيح من الطريق المعوج.       

والحق سبحانه وتعالى يترك بعض الأشياء للبشر ليأتوا بفكر من عندهم ثم يرتضي الإسلام ما جاءوا به ليعلمنا أن العقل إذا ما كان طبيعياً ومنطقياً فهو قادر على أن يهتدي إلى الحكم بذاته.       

وفي تاريخ الإسلام نجد أن سيدنا عمر قد رأى أشياء واقترح بعضاً من الاقتراحات، ووافق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينزل القرآن على وفق ما قال عمر، وقد يتساءل أحد قائلاً: ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أولى؟ نقول: لو كانت تلك الآراء قد جاءت من النبي صلى الله عليه وسلم لما كان فيها غرابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم ويوحي إليه، لكن الله يريد أن يقول لنا: أن العقل الفطري عندما يصفو فهو يستطيع أن يهتدي للحكم الصحيح، وإن لم يكن هناك حكم قد نزل من السماء.       

ولذلك تستفز أحكام سيدنا عمر عدداً كبيراً من المستشرقين ويقولون: أليس عندكم سوى عمر؟ لماذا لا تقولون محمداً؟ نقول لهم: لقد تربى عمر في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، فما يقول هو، إنما قد أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقر عمر بذلك وقال: "ما عمر لولا الإسلام"، ونحن نستشهد بعمر لأنه بشر وليس رسولاً، ويسري عليه ما يسري على البشر، فلا يوحى إليه ولم يكن معصوماً.

إذن كأن الحق أراد أن يُقَرِّب لنا القدرة على الاستنباط والفهم فنكون جميعاً عمر؛ لأن عمر بالفطرة كان يهتدي إلى الصواب، ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "نفعل كذا"، فينزل الوحي موافقاً لرأيه، فكأن الله لم يكلفنا شططاً، إنما جاء تكليفه ليحمي العقول من أهواء النفس التي تطمس العقول، فآفة الرأي الهوى، ولولا وجود الأهواء لكانت الآراء كلها متفقة.       

وقديماً أعطوا لنا مثلاً بالمرأة التي جمعت الصيف والشتاء في ليلة واحدة، فقد زوَّجت ابنها وابنتها، وعاش الأربعة معها في حجرة واحدة، ابنها معه زوجته، وابنتها معها زوجها، والمرأة معهم، تنام نوماً قليلاً وتذهب لابنتها توصيها: "دفئي زوجك وأرضيه" فالجو بارد، وتذهب لابنها وتقول: "ابعد عن زوجتك فالدنيا حر”.

إن المكان واحد، والليل واحد، لكن المرأة جعلته صيفاً وشتاءً في وقت واحد والسبب هو هوى النفس.       

والله -سبحانه- يبيّن لنا ذلك في قوله: { وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } [المؤمنون: 71].       

إذن فالحق سبحانه وتعالى يعصمنا حين يُشَرع لنا، فالبشر يضيقون ذرعاً بتقنينات أنفسهم لأنفسهم، فيحاولون أن يخففوا من خطأ التقنين البشري، فيقننوا أشياء يعدلون بها ما عندهم، ولو نظرت إلى ما عدلوه من قوانين لوجدته تعديلاً يلتقي مع الإسلام أو يقترب من الإسلام.      

 لقد سألوني في أمريكا: لماذا لم يظهر الإسلام فوق كل العقائد برغم أنكم تقولون: إن الله يقول في كتابه: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33].       

ومع ذلك لم يظهر دينكم على كل الأديان، ولم يزل كثير من الناس غير مسلمين سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو بلا دين؟

قلت: لو فطنتم إلى قول الله: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] و{ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } [التوبة: 33] لدلّكم ذلك على أن ظهور الإسلام قد تم مع وجود الكفار، وظهوره مع وجود مشركين، وإلا لو ظهر ولا شيء معه فمِمَّنْ يُكرَه؟

إن العقيدة التي يكرهها أهل الكفر هي التي تعزز وجود الإسلام. 

إذن {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] يدل على أن ظهور الإسلام يعني وجود كافر ووجود مشرك كلاهما سيكون موجوداً وسيكرهان انتشار الدين.      

 وعندما نرى أحداث الحياة تضطر البلاد الغربية عندما يجدون خطأ تقنينهم فيحاولون أن يعدلوا في التقنيات فلا يجدون تعديلاً إلا أن يذهبوا إلى أحكام الإسلام، لكنهم لم يذهبوا إليه كدين إنما ذهبوا إليه كنظام، إن رجوعهم إلى الإسلام لدليل وتأكيد على صحة وسلامة أحكام الإسلام، لأنهم لو أخذوا تلك الأحكام كأحكام دين لقال غيرهم: قوم تعصَّبوا لدين آمنوا به فنفذوا أحكامه.      

 ولكنهم برغم كرههم للدين، اضطروا لأن يأخذوا بتعاليمه، فكأنه لا حل عندهم إلا الأخذ بما ذهب إليه الإسلام.       

إذن قول الله: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ } [التوبة: 33] قوة لنظام الإسلام، لا لنؤمن به وإنما تضطر أن تلجأ إليه، وكانوا في إيطاليا -على سبيل المثال- يعيبون على الإسلام الطلاق ويعتبرونه انتقاصاً لحقوق المرأة، ولكن ظروف الحياة والمشكلات الأسرية اضطرتهم لإباحة الطلاق، فهل قننوه لأن الإسلام قال به؟

 لا، ولكن لأنهم وجدوا أن حل مشكلاتهم لا يأتي إلا منه.       

وفي أمريكا عندما شنوا حملة شعواء على تناول الخمور، هل حاربوها لأن الإسلام حرمها؟

لا، ولكن لأن واقع الحياة الصحية طلب منهم ذلك.       

إذن "ولو كره الكافرون"، "ولو كره المشركون": معناهما أنهم سيلجأون إلى نظام الإسلام ليحل قضاياهم.       

فإن لم يأخذوه كدين فسوف يأخذونه نظاماً.      

 {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209] أي إياكم أن تظنوا أنكم بزللكم أخذتم حظوظ أنفسكم من الله، فإن مرجعكم إلى الله وهو عزيز وعزته سبحانه هي أنه يَغلب ولا يُغلب، فهو يدبر أمورنا برحمة وحكمة.       

ويقول الحق بعد ذلك: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ}. 



سورة البقرة: الآيات من 206-210 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26085
العمر : 67

سورة البقرة: الآيات من 206-210 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة البقرة: الآيات من 206-210   سورة البقرة: الآيات من 206-210 Emptyالسبت 13 أبريل 2019, 2:33 am

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [٢١٠]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

أي ماذا ينتظرون؟

هل ينتظرون أن تداهمهم الأمور ويجدوا أنفسهم في كون وإن أخذ زخرفه فهو يتحوَّل إلى هشيم تذروه الرياح، ويصير الإنسان أمام لحظة الحساب.       

وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ} [البقرة: 210] مأخوذة من النظر.       

والنظر هو طلب الإدراك لشيء مطلق.       

وطلب الإدراك لأي شيء بأي شيء يُسمى نظراً.       

ومثال ذلك أننا نقول لأي إنسان يتكلم في أي مسألة معنوية: أليس عندك نظر؟

أي هل تملك قوة الإدراك أم لا؟

إذن فالنظر هو طلب الإدراك للشيء، فإن طلبت أن ترى فهو النظر بالعين، وإن طلبت أن تعرف وتعلم؛ فهو النظر بالفكر وبالقلب.       

وأحياناً يُطلق النظر على الانتظار، وهو طلب إدراك ما يتوقع.       

و{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210]، يعني هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الساعة وتفاجئهم في الزمن الخاص؟

 لأنها لن تفاجئ أحداً في الزمن العام، فسوف يكون لها آيات صغرى وآيات كبرى، ومعنى أن لها آيات صغرى وكبرى، أن ذلك دليل على أن الله يمهلنا لنتدارك أنفسنا، فلا يزال فاتحاً لباب التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها.      

 وساعة نسمع قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210] نقول: ما الذي يؤجل دخولهم في الإسلام كافة؟

ما الذي ينتظرونه؟

تماماً كأن تقول لشخص أمامك: ماذا تنتظر؟

كذلك الحق يحثنا على الدخول في السلم كافة وإلا فماذا تنتظرون؟ و{إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} [البقرة: 210] ساعة تقول: "يأتيهم الله" أو "جاء ربك" أو يأتي سبحانه بمثل في القرآن مما نعرفه في المخلوقين من الإتيان والمجيء وكالوجه واليد، فلتأخذه في إطار "ليس كمثله شيء" فالله موجود وأنت موجود، فهل وجودك كوجوده؟

لا.      

 إن الله حي وأنت حي، أحياتك كحياته؟

لا.       

والله سميع وأنت سميع، أسمعك كسمعه؟

لا.       

والله بصير وأنت بصير، أبصرك كبصره؟

لا.      

 وما دمت تعتقد أن له صفات مثلها فيك، فلتأخذها بالنسبة لله في إطار "ليس كمثله شيء”.

والذين يفسرون المقصود بوجه الله أنه ذاته، وبيده يعني قدرته، و "يد الله فوق أيديهم"، يعني قدرته فوق قدرتهم.       

نقول لهم: لماذا هذه التفسيرات؟

إننا لو أخذناه كما قال الحق عن نفسه ولكن في إطار "ليس كمثله شيء" نكون قد سلمنا من الخطأ.

لا شبهناه بخلقه، ولا عطلنا نصّاً عن معناه.       

ولذلك يقول المحققون: إنك تؤمن بالله كما أعطاك صورة الإيمان به لكن في إطار لا يختلف عنه عمَّا في أنه "ليس كمثله شيء"، وإن أمكن أن تتصور أي شيء فربك على خلاف ما تتصور، لأن ما خطر ببالك فإن الله سبحانه على خلاف ذلك، فبال الإنسان لا يخطر عليه إلا الصور المعلومة له، وما دامت صوراً معلومة فهي في خلق الله وهو سبحانه لا يشبه خلقه.      

 إن ساعة يتجلى الحق، سيفاجئ الذين تصوروا الله على أية صورة، أنه سبحانه على غير ما تصوروا وسيأتيهم الله بحقيقة لم تكن في رءوسهم أبداً؛ لأنه لو كانت صورة الحق في بال البشر لكان معنى ذلك أنهم أصبحوا قادرين على تصوره، وهو القادر لا ينقلب مقدوراً عليه أبداً، ومن عظمته أن العقل لا يستطيع أن يتصوره مادياً.       

ولذلك ضرب الله لنا مثلاً يقرِّب لنا المسألة، فقال: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].       

إن الروح الموجودة في مملكة جسمنا والتي إذا خرجت من إنسان صار جيفة، وعاد بعد ذلك إلى عناصر تتحلل وأبخرة تتصاعد، وهذه الروح التي في داخل كل منا لم يستطع أحد تصورها، أو تحديد مكانها أو شكلها، هذه الروح المخلوقة لله لم نستطع أن نتصورها، فكيف نستطيع أن نتصور الخالق الأعظم؟

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210] يعني بما لم يكن في حسبانهم.       

هل ينتظرون حتى يروا ذلك الكون المنسق البديع قد اندثر، والكون كله تبعثر، والشمس كورت والنجوم انكدرت، وكل شيء في الوجود تغير، وبعد ذلك يفاجأون بأنهم أمام ربهم.       

فماذا ينتظرون؟.       

إذن يجب أن ينتهزوا الفرصة قبل أن يأتي ذلك الأمر، وقبل أن تفلت الفرصة من أيديهم ويُنهي أمد رجوعهم إلى الله.       

لماذا يسوفون في أن يدخلوا في السلم كافة؟

ما الذي ينتظرونه؟

أينتظرون أن يتغير الله؟

أو أن يتغير منهج الله؟

إن ذلك لن يحدث.

ونؤكد مرة أخرى أننا عندما نسمع شيئاً يتعلق بالحق فيما يكون مثله في البشر فلنأخذه في إطار "ليس كمثله شيء”.فكما أنك آمنت بأن لله ذاتاً لا كالذوات، فيجب أن تعلم أن لله صفات ليست كالصفات، وأن لله أفعالاً ليست كالأفعال، فلا تجعل ذات الله مخالفة لذوات الناس؛ ثم تأتي في الصفات التي قال الله فيها عن نفسه وتجعلها مثل صفات الناس، فإذا كان الله يجيء؛ فلا تتصور مجيئه أنه سيترك مكاناً إلى مكان، فهو سبحانه يكون في مكان بما لا يخلو عنه مكان، تلك هي العظمة.      

 فإذا قيل: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210] فلا تظن أن إتيانه كإتيانك؛ لأن ذاته ليست كذاتك، ولأن الناس في اختلاف درجاتهم تختلف أفعالهم، فإذا كان الناس يختلفون في الأفعال باختلاف منازلهم، وفي الصفات باختلاف منازلهم، فالحق منزه عن كل شيء وكل تصور، ولنأخذ كل شيء يتعلق به في إطار "ليس كمثله شيء"؛ ففعل ربك يختلف عن فعلك.       

وإياك أن تُخضع فعله لقانون فعلك؛ لأن فعلك يحتاج إلى علاج وإلى زمن يختلف باختلاف طاقتك وباختلاف قدرتك، والله لا يفعل الأشياء بعلاج بحيث تأخذ منه زمناً ولكنه يقول: "كن فيكون”.كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول: ساعة يجيء الأمر انخلعت كل قدرة لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر لله وحده.      

 و{فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} [البقرة: 210].       

فيه شيء يظلك وفيه شيء تستظل به، والشيء الذي يظلك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظلك إلاّ أن ترى أين ظله وتذهب إليه، وشيء آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد. 

وكلمة "ظلل" معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء؛ ولذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال: { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ } [لقمان: 32].       

أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطاً بهم، فكأن الله يريد أن يخبرنا أن الكون سيندثر وسيأتيك الأمر المفزع، الأمر المفجع، والمؤمن كان يتوقعه، وسيدخل عليه برداً وسلاماً؛ لأنه ما آمن من أجله، لكن الكافر سيصاب بالفزع الأكبر؛ لأنه فوجىء بشيء لم يكن في حسابه.       

وقارن بين مجيء الأمر لمن يؤمله، وبين مجيء الأمر لمن لا يؤمله.

إن الحق سبحانه وتعالى قال: ساعة تجيء هذه الظلل والملائكة فقد قضى الأمر.       

وعندما تسمع "قضي الأمر" فاعلم أن المراد أن الفرصة أفلتت من أيدي الناس، فمن لم يرجع إلى ربه قبل الآن فليست له فرصة أن يرجع.       

ومثال ذلك ما قاله الحق في قصة نوح: { وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ } [هود: 44].       

أي انتهى كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما كانوا فيه فالله يقول: ماذا تنتظرون؟

هل تنتظرون حتى يأتيكم هذا اليوم؟

لابد أن تنتهزوا الفرصة لترجعوا إلى ربكم قبل أن تفلت منكم فرصة العودة.       

"وإلى الله تَرجع الأمور"، ومرة تأتي "وإلى الله تُرجع الأمور”.

وفيه فرق بين "تَرجع الأمور" بفتح التاء وبين "تُرجع الأمور" بضم التاء.       

فكأن الأمور مندفعة بذاتها، ومرة تساق إلى الله.       

إن الراغب سيرجع إلى ربه بنفسه؛ لأنه ذاهب إلى الخير الذي ينتظره، أما غير الراغب والذي كان لا يرجو لقاء ربه فَسَيُرجَع بالرغم عنه، تأتي قوة أخرى تُرجعه، فمن لم يجيء رغَباً يأتي رهَباً.

ويقول الحق بعد ذلك: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ}.



سورة البقرة: الآيات من 206-210 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة البقرة: الآيات من 206-210
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى إنما المؤمنون إخوة (2019 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: البقرة-
انتقل الى: