منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers
سم الله الرحمن الرحيم..
مرحباً بكم في منتدى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والمنتدى فكرة للتواصل الأخوي إن شاء الله تعالى.. فعندما تمرون من هنا ستعطرون منتدانا.. وبوجودكم معنا ستحلو اللحظات.. وبتسجيل حضوركم ستبتهج الصفحات.
مؤسس ومدير المنتدى/ أحمد لبن.
The name of Allah the Merciful..
Hello to the forum: (The believers are brothers) and the Forum idea to continue the permanent brotherly love between us, if God willing.. When you pass by here Stattron our forum.. and your presence with us Sthlo moments.. and to register your attendance Stptahj pages.
Founder and Director of Forum / Ahmad Laban.

منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers

(إسلامي.. دعوي.. تربوي.. ثقافي.. اجتماعي.. إعلامي.. طبي.. رياضي.. أدبي.. علمي.. تاريخي)
 
الرئيسيةالرئيسية  الأحداثالأحداث  التسجيلالتسجيل  دخول  

فضَّلَ اللهُ مِصْرَ على سائر البلدان، كما فَضَّلَ بعض الناس على بعض والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضلُ على ضربين: في دِينٍ أو دُنْيَا، أو فيهما جميعاً، وقد فَضَّلَ اللهُ مِصْرَ وشَهِدَ لها في كتابه بالكَرَمِ وعِظَم المَنزلة وذكرها باسمها وخَصَّهَا دُونَ غيرها، وكَرَّرَ ذِكْرَهَا، وأبَانَ فضلها في آياتٍ تُتْلَى من القرآن العظيم، تُنْبِئُ عن مِصرْ َوأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية والمُلوك الماضية، والآيات البيِّنات، يشهد لها بذلك القرآنُ، وكفى به شهيداً، ومع ذلك رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مِصْرَ وفي عَجَمِهَا خاصَّة وذِكْرِهِ لقرابتهِ ورحمهم ومباركته عليهم وعلى بلدهم وحَثِّهِ على بِرِّهِمْ ما لم يُرْو عنه في قوم من العَجَمِ غيرهم، وسنذكرُ ذلك إنٍ شاءَ اللهُ في موضعه مع ما خصَّها اللهُ به من الخِصْبِ والفضلِ وما أنزل فيها من البركات وأخرج منها من الأنبياء والعُلماء والحُكَمَاءِ والخواص والمُلوك والعجائب بما لم يخصص اللهُ به بلداً غيرها، ولا أرضاً سواها... للمزيد اقرأ: فضائل مصر المحروسة

"حسن فتحي: فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء" (23 مارس 1900 - 30 نوفمبر 1989) هو معماري مصري بارز، من مواليد مدينة الأسكندرية، وتخرَّج من المهندس خانة (كلية الهندسة حاليًا) بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، اشتهر بطرازه المعماري الفريد الذي استمَدَّ مصادرهُ من العِمَارَة الريفية النوبية المبنية بالطوب اللبن، ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعثماني، وتُعَدُّ قرية القرنة التي بناها لتقطنها 3200 أسرة جزءاً من تاريخ البناء الشعبي الذي أسَّسَهُ بما يُعرَفُ ب "عمارة الفقراء"...


شاطر
 

 سورة الفاتحة: الآيات من 01-07

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26850
العمر : 67

سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Empty
مُساهمةموضوع: سورة الفاتحة: الآيات من 01-07   سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Emptyالخميس 21 مارس 2019, 5:52 pm

سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Untit278

خواطر فضيلة الشيخ:
محمد متولي الشعراوي (رحمه الله)

(نال شرف التنسيق لهذه السورة الكريمة: أحمد محمد لبن)

سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Page0010

سورة الفاتحة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [١]
تفسير الآية:
 القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقروناً بسم الله سبحانه وتعالى -ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ البداية نفسها التي أرادها الله تبارك وتعالى- وهي أن تكون البداية بسم الله.

وأول الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم كانت: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1].

وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون.. هي بسم الله.

ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية.

ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن.. وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: {ٱقْرَأْ}.

واقرأ تتطلب أن يكون الإنسان.. إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه.. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه.. وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه.. وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب.

وعندما قال جبريل: {ٱقْرَأْ}.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام منطقيا مع قدراته.

وتردد القول ثلاث مرات.. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه وتعالى يقول للرسول: {ٱقْرَأْ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ.. ولقد أخذ خصوم الإسلام هذه النقطة.. وقالوا كيف يقول الله لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا بقارئ.

نقول إن الله تبارك وتعالى.. كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلماً للبشرية كلها إلى يوم القيامة.. لأن كل البشر يعلمهم بشر.. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى، ليكون مُعلماً لأكبر علماء البشر.. يأخذون عنه العلم والمعرفة.

لذلك جاء الجواب من الله سبحانه وتعالى: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 1-2].

أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله.. وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الأميّ إعجازا.. ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه منك فقط لحظة نزوله.

ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ولكن حتى قيام الساعة، ولذلك قال جل جلاله: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} [العلق: 3-4].

أي أن الذي ستقرؤه يا محمد.. سيظل معلما للإنسانية كلها إلى نهاية الدنيا على الأرض.. ولأن المعلم هو الله سبحانه وتعالى قال: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} [العلق: 3] مستخدما صيغة المبالغة.

فهناك كريم وأكرم.. فأنت حين تتعلم من بشر فهذا دليل على كرم الله جل جلاله.. لأنه يسر لك العلم على يد بشر مثلك.. أما إذا كان الله هو الذي سيعلمك.. يكون "أكرم".. لأن ربك قد رفعك درجة عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى والحق يريد أن يلفتنا إلى أن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه يقرؤه بسم الله، ومادام بسم الله.. فلا يهم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم من بشر أو لم يتعلم.

لأن الذي علمه هو الله.. وعلمه فوق مستوى البشرية كلها.

على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله.. لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا.. ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه.. فالأمر لله علماً وقدرة ومعرفة.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16].

لذلك أنت تقرأ القرآن بسم الله لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاماً وتنزيلاً وقراءة.. ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله.. لأننا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه.

فحين نزرع الأرض مثلا.. لابد أن نبدأ بسم الله.. لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها.. ولا خلقنا البذرة التي نبذرها، ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع.

إن الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع.. إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله.. بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع.

والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار.. ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة.

ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء.. فكأنه حين يبدأ العمل بسم الله، يبدؤه بسم الله الذي سخر له الأرض.. وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له عليها.. ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته.. فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له.. والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك.. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون.. ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية.

بل هي تعمل بقدرة خالقها الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها.

الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه.

ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى أي انسان على أن يستأنسها.

ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا.. لكان استئناس الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما.. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء.

ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 71-72].

وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا.

يأتي الله سبحانه وتعالى إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة.

والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون.

فيلفتنا الله تبارك وتعالى إلى خطأ هذا الكلام.

بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون.. فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمَنْ الذي عطلها؟

ولكن إرادة الخالق فوق القوانين إن شاءت جعلتها تعمل وإن شاءت جعلتها لا تعمل.. إذن فكل شيء في الكون بسم الله.. هو الذي سخر وأعطى.. وهو الذي يمنح ويمنع.

حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار.. واقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49-50].

والأصل في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى.. هذا هو القانون.. ولكن القوانين لا تعمل إلا بأمر الله.. لذلك يتزوج الرجل والمرأة ولا تأتي الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق.. ولكنها إرادة خالق القانون.. إن شاء جعله يعمل.. وإن شاء يبطل عمله.. والله سبحانه وتعالى لا تحكمه القوانين ولكنه هو الذي يحكمها.

وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل القوانين تفعل أو لا تفعل.. فهو قادر على أن يخرق القوانين.. خذ مثلا قصة زكريا عليه السلام.. كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاج إليه.. ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها.. وسألها وهي القديسة العابدة الملازمة لمحرابها.. {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} [آل عمران: 37].

الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة.. مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل الشبهات.. ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون.. هو عدم السؤال عن مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات مَنْ يحصل عليها.

الأم ترى الأب ينفق ما لا يتناسب مع مرتبه.. وترى الابنة ترتدي ما هو أكبر كثيرا من مرتبها أو مصروفها.. ولو سألت الأم الأب أو الابنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع.. ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام.

بماذا ردت مريم عليها السلام؟
{قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].

إذن فطلاقة قدرة الله لا يحكمها قانون.. لقد لفتت مريم زكريا عليهما السلام إلى طلاقة القدرة.. فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع فيها الا طلاقة القدرة.. فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا.. هذه قضية ضد قوانين الكون.. لأن الإنجاب لا يتم الا وقت الشباب، فإذا كبر الرجل وكبرت المرأة لا ينجبان.. فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا.. لم تنجب وهي شابة وزوجها شاب.. فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز.. هذه مسألة ضد القوانين التي تحكم البشر.. ولكن الله وحده القادر على أن يأتي بالقانون وضده.. ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان.. ورزق زكريا بابنه يحيى.

إذن كل شيء في هذا الكون بسم الله.. يتم باسم الله وبإذن من الله.. الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن إرادة الله فوق كل الأسباب.. أنت حين تبدأ كل شيء بسم الله.. كأنك تجعل الله في جانبك يعينك.. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء بسم الله.. لأن الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه وتعالى.. والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة.. فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى قوته وإلى عونه وإلى رحمته.. فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات.. كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها.. كأن نقول بسم الله القوي وبسم الله الرازق وبسم الله المجيب وبسم الله القادر وبسم الله النافع.. إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها.. ولكن الله تبارك وتعالى جعلنا نقول بسم الله بسم الله بسم الله الجامع لكل هذه الصفات.

على أننا لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون الجزاء المادي وحده.. إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله.. وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله.. كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب للجميع.. له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة.. ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان.. بل الحياة الحقيقية هي الآخرة.. الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية.. بقدر عطاء الله في الدنيا.. والذي في باله الله يأخذ بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [سبأ: 1].

لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا.. ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة.. فلله الحمد في الدنيا والآخرة.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع".

ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل.. أي عمل ناقص فيه شيء ضائع.. لأنك حين لا تبدأ العمل بسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك.. وحين لا تبدأ العمل بسم الله.. فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا.. وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة.. فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة.

فأقبل على كل عمل بسم الله.. قبل أن تأكل قل بسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به.. عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح.. عندما تدخل إلى بيتك قل بسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت.. عندما تتزوج قل باسم الله لأنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك.. في كل عمل تفعله ابدأه باسم الله.. لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه وتعالى.. فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملاً يغضب الله بسم الله.. إذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر.. أو أن تفعل عملاً يغضب الله.. وتذكرت بسم الله.. فإنك ستمتنع عنه.. ستستحي أن تبدأ عملا بسم الله يغضب الله.. وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه الله.

الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلامه باسم الله.. فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله.. والله هو الإله المعبود في كونه.. ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به.. ولا نقدم على ما نهى عنه.. فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة.. وبطاعته في افعل ولا تفعل.. وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي آمنت به رباً وإلهاً.. والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى.. والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيها.. والذي خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة.. والذي ستقف أمامه يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت.. فالبداية من الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله.. وقد عصيت وقد خالفت.. نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن.. وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت.. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه بسم الله الرحمن الرحيم.. فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي.. بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها.. ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله.. فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم.. فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ بسم الله لأنني عصيته.. فالله سبحانه وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود إلى حظيرة الإيمان وهو رحمن رحيم.. فإذا قلت كيف أقول بسم الله وقد وقعت في معصية أمس.. نقول لك قل بسم الله الرحمن الرحيم.. فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه.. وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا.

والرحمة والرحمن والرحيم.. مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه.. هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق.. بلا حول ولا قوة.. ويجد فيه كل ما يحتاج إليه نموه ميسرا.. رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل.. انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه.. وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته إليها.. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي.

"أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".

الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا.. ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر.. ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه.. ولا يهلكنا بما فعلنا.

ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم.. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا.. نرفع أيدينا إلى السماء.. ونقول يا رب رحمتك.. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا.

وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله.. كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود إليه.. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا.

على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة.. يقال راحم ورحمن ورحيم.. إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة.. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة.. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة.. والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.

صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف.. وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق.. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات.. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40].

هذه الآية الكريمة.. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].

نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة.. "ظلام".. أي شديد الظلم.. وقول الحق سبحانه وتعالى: "ليس بظلام".. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة.. نقول إنك لم تفهم المعنى.. إن الله لا يظلم أحدا.. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد.. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد.. والعبيد هم كل خلق الله.. فلو أصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة.. فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل.. ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى.

والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله تبارك وتعالى.. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة.

نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم.. رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته.. فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر.. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق مَنْ آمن به ومَنْ لم يؤمن به، ويعفو عن كثير.. إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه بصرف النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم.

ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط.. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله.. اذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة.. أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا.. فمن أين تأتي المبالغة؟.. تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء.. فنعم الله في الآخرة أكبر كثيراً منها في الدنيا.. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها.. فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها.

لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن الرحيم.. وهي موجودة في 113 سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور نفسها.. بمعنى أن كل سورة تبدأ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] تحسب البداية على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور.

وقال العلماء أن {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] آية من آيات القرآن الكريم.. ولكنها ليست آية من كل سورة ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة.. وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا تبدأ بـ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن الرحيم في الآية 30 من سورة النمل في قوله تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}.


الرابط:

http://ar.assabile.com/read-quran/surat-al-fatiha-1



سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 2013_110


عدل سابقا من قبل أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn في الجمعة 02 أغسطس 2019, 5:39 pm عدل 5 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26850
العمر : 67

سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الفاتحة: الآيات من 01-07   سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Emptyالخميس 21 مارس 2019, 6:24 pm

]الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [٢]الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٣]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

فاتحة الكتاب هي أم الكتاب، لا تصلح الصلاة بدونها، فأنت في كل ركعة تستطيع أن تقرأ آية من القرآن الكريم، تختلف عن الآية التي قرأتها في الركعة السابقة، وتختلف عن الآيات التي قرأتها في صلواتك، ولكن إذا لم تقرأ الفاتحة فسدت الصلاة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تام" أي غير صالحة.          


فالفاتحة أم الكتاب التي لا تصلح الصلاة بدونها، والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله عز وجل حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين، قال الله عز وجل: مجدني عبدي، فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله عز وجل: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.          


وعلينا أن نتنبه ونحن نقرأ هذا الحديث القدسي ان الله تعالى يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولم يقل قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي، ففاتحة الكتاب هي أساس الصلاة، وهي أم الكتاب.          


نلاحظ ان هناك ثلاثة أسماء لله قد تكررت في بسم الله الرحمن الرحيم، وفي فاتحة الكتاب، وهذه الأسماء هي: الله.          


والرحمن والرحيم.          


نقول إنه ليس هناك تكرار في القرآن الكريم، وإذا تكرر اللفظ يكون معناه في كل مرة مختلفا عن معناه في المرة السابقة، لأن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى، ولذلك فهو يضع اللفظ في مكانه الصحيح، وفي معناه الصحيح.          


قولنا:

{ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } [الفاتحة: 1] هو استعانة بقدرة الله حين نبدأ فعل الأشياء، إذن فلفظ الجلالة {ٱللَّهِ} في بسم الله، معناه الاستعانة بقدرات الله سبحانه وتعالى وصفاته، لتكون عونا لنا على ما نفعل.          


ولكن إذا قلنا: الحمد لله، فهي شكر لله على ما فعل لنا.          


ذلك أننا لا نستطيع أن نقدم الشكر لله إلا إذا استخدمنا لفظ الجلالة الجامع لكل صفات الله تعالى.          


لأننا نحمده على كل صفاته ورحمته بنا حتى لا نقول باسم القهار وباسم الوهاب وباسم الكريم، وباسم الرحمن، نقول الحمد لله على كمال صفاته، فيشمل الحمد كمال الصفات كلها.          


وهناك فرق بين { بِسْمِ ٱللَّهِ }[الفاتحة: 1] الذي نستعين به على ما لا قدرة لنا عليه،  لأن الله هو الذي سخر كل ما في هذا الكون، وجعله يخدمنا، وبين {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الفاتحة: 2] فإن لفظ الجلالة إنما جاء هنا لنحمد الله على ما فعل لنا.          


فكأن "بسم الله في البسملة" طلب العون من الله بكل كمال صفاته، وكأن الحمد لله في الفاتحة تقديم الشكر لله بكل كمال صفاته.          


و{ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] في البسملة لها معنى غير {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] في الفاتحة، ففي البسملة هي تذكرنا برحمة الله سبحانه وتعالى وغفرانه حتى لا نستحي ولا نهاب أن نستعين باسم الله إن كنا قد فعلنا معصية،  فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما في كل أعمالنا.          


فإذا سقط واحد منا في معصية، قال كيف استعين بسم الله، وقد عصيته؟ نقول له ادخل عليه سبحانك وتعالى من باب الرحمة، فيغفر لك وتستعين به فيجيبك.          


وأنت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة الله من عدله، لأن عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.           


وأقرأ قول الله تعالى: { وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }[الكهف: 49].          


ولولا رحمة الله التي سبقت عدله.          


ما بقي للناس نعمة وما عاش أحد على ظهر الأرض، فالله جل جلاله يقول:{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [النحل: 61].           


فالإنسان خلق ضعيفاً، وخلق هلوعا.          


ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل أحدكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته، قالوا: حتى أنت يا رسول الله قال: حتى أنا".          


فذنوب الإنسان في الدنيا كثيرة، إذا حكم فقد يظلم.          


وإذا ظن فقد يسيء، وإذا تحدث فقد يكذب، وإذا شهد فقد يبتعد عن الحق، وإذا تكلم فقد يغتاب.          


هذه ذنوب نرتكبها بدرجات متفاوتة.          


ولا يمكن لأحد منا أن ينسب الكمال لنفسه حتى الذين يبذلون أقصى جهدهم في الطاعة لا يصلون إلى الكمال، فالكمال لله وحده.          


ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".          


ويصف الله سبحانه وتعالى الإنسان في القرآن الكريم: { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }[إبراهيم: 34].          


ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى ألا تمنعنا المعصية عن أن ندخل إلى كل عمل بسم الله، فعلمنا أن نقول: { بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }[الفاتحة: 1] لكي نعرف أن الباب مفتوح للاستعانة بالله.          


وأن المعصية لا تمنعنا من الاستعانة في كل عمل باسم الله، لأنه رحمن رحيم، فيكون الله قد أزال وحشتك من المعصية في الاستعانة به سبحانه وتعالى ولكن الرحمن الرحيم في الفاتحة مقترنة برب العالمين، الذي أوجدك من عدم، وأمدك بنعم لا تعد ولا تحصى.          


أنت تحمده على هذه النعم التي أخذتها برحمة الله سبحانه وتعالى في ربوبيته، ذلك أن الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة.          


والله سبحانه وتعالى رب للمؤمن والكافر، فهو الذي استدعاهم جميعا الى الوجود.          


ولذلك فإنه يعطيهم من النعم برحمته، وليس بما يستحقون، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، ولا تحجب أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن فقط، والمطر ينزل على مَنْ يعبدون الله.          


ومَنْ يعبدون أوثانا من دون الله.          


والهواء يتنفسه مَنْ قال لا إله إلا الله ومَنْ لم يقلها.          


وكل النعم التي هي من عطاء الربوبية لله هي في الدنيا لخلقه جميعا، وهذه رحمة، فالله رب الجميع مَنْ أطاعه ومن عصاه.          


وهذه رحمة، والله قابل للتوبة، وهذه رحمة.          


إذن ففي الفاتحة تأتي {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] بمعنى رحمة الله في ربوبيته لخلقه، فهو يمهل العاصي ويفتح أبواب التوبة لكل مَنْ يلجأ إليه.          


وقد جعل الله رحمته تسبق غضبه.          


وهذه رحمة تستوجب الشكر.          


فمعنى {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] في البسملة يختلف عنها في الفاتحة.          


فإذا انتقلنا بعد ذلك الي قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته، ومحمود لنعمه، ومحمود لرحمته، ومحمود لمنهجه، ومحمود لقضائه، الله محمود قبل أن يخلق مَنْ يحمده.          


ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين هما: الحمد لله.          


والعجيب أنك حين تشكر بشراً على جميل فعله تظل ساعات وساعات، تعد كلمات الشكر والثناء، وتحذف وتضيف وتأخذ رأي الناس.          


حتى تصل إلى قصيدة أو خطاب مليء بالثناء والشكر.          


ولكن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين هما: الحمد لله.          


ولعلنا نفهم أن المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها تصيب الإنسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصي في معاصيه، فلنقلل من الشكر والثناء للبشر، لأننا نشكر الله لعظيم نعمه علينا بكلمتين هما: الحمد لله، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد.          


فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين، لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة المناسبة ليحمدوا الله على هذا الكمال الإلهي، فمهما أوتي الناس من بلاغة وقدرة على التعبير.          


فهم عاجزون عن أن يصلوا الى صيغة الحمد التي تليق بجلال النعم، فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصي نعمه أو يحيط برحمته؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا صورة العجز البشري عن حمد كمال الألوهية لله، فقال: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".          


وكلمتا الحمد لله، ساوى الله بهما بين البشر جميعا، فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد، لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير.          


فهذا أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها الله.          


وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع أن يأتي بصيغة الحمد بما أوتي من علم وبلاغة.          


وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد، طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا.          


ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوي بين عباده جميعا في صيغة الحمد له، فيعلمنا في أول كلماته في القرآن الكريم، أن نقول {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الفاتحة: 2] ليعطي الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء الحمد ومن أوتي البلاغة ومَنْ لا يحسن الكلام.          


ولذلك فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى على أنه علمنا كيف نحمده وليظل العبد دائماً حامداً.          


ويظل الله دائما محموداً، فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلقنا خلق لنا موجبات الحمد من النعم، فخلق لنا السماوات والأرض وأوجد لنا الماء والهواء.          


ووضع في الأرض أقواتها إلى يوم القيامة، وهذه نعمة يستحق الحمد عليها لأنه جل جلاله جعل النعمة تسبق الوجود الإنساني، فعندما خلق الانسان كانت النعمة موجودة تستقبله.          


بل إن الله جل جلاله قبل أن يخلق آدم أبا للبشر جميعا سبقته الجنة التي عاش فيها لا يتعب ولا يشقى.          


فقد خلق فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا ومعدا قبل الخلق، وحينما نزل آدم وحواء إلى الأرض كانت النعمة قد سبقتهما.          


فوجدا ما يأكلانه وما يشربانه، وما يقيم حياتهما، ولو أن النعمة لم تسبق الوجود الإنساني وخلقت بعده لهلك الإنسان وهو ينتظر مجيء النعمة.          


بل إن العطاء الإلهي للإنسان يعطيه النعمة بمجرد أن يخلق في رحم أمه، فيجد رحما مستعداً لاستقباله وغذاء يكفيه طول مدة الحمل.          


فإذا خرج إلى الدنيا يضع الله في صدر أمه لبنا ينزل وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع.          


وينتهي تماما عندما تتوقف فترة الرضاعة.         


 ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته حتى يستطيع أن يعول نفسه، وكل هذا يحدث قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة التكليف وقبل أن يستطيع أن ينطق: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الفاتحة: 2].          


وهكذا نرى أن النعمة تسبق الْمُنْعَمَ عليه دائماً، فالإنسان حيث يقول "الحمد لله" فلأن موجبات الحمد ـ وهي النعمة ـ موجودة في الكون قبل الوجود الإنساني.          


والله سبحانه وتعالى خلق لنا في هذا الكون أشياء تعطي الإنسان بغير قدرة منه ودون خضوع له، والإنسان عاجز عن أن يقدم لنفسه هذه النعم التي يقدمها الحق تبارك وتعالى له بلا جهد.          


فالشمس تعطي الدفء والحياة للأرض بلا مقابل وبلا فعل من البشر، والمطر ينزل من السماء دون أن يكون لك جهد فيه أو قدرة على إنزاله.          


والهواء موجود حولك في كل مكان تتنفس منه دون جهد منك ولا قدرة.          


والأرض تعطيك الثمر بمجرد أن تبذر فيها الحب وتسقيه، فالزرع ينبت بقدرة الله، والليل والنهار يتعاقبان حتى تستطيع أن تنام لترتاح، وأن تسعى لحياتك، لا أنت أتيت بضوء النهار، ولا أنت الذي صنعت ظلمة الليل، ولكنك تأخذ الراحة في الليل والعمل في النهار بقدرة الله دون أن تفعل شيئا.          


كل هذه الأشياء لم يخلقها الإنسان، ولكنه خلق ليجدها في الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه.          


ألا تستحق أن نقول الحمد لله على نعمة تسخير الكون لخدمة الإنسان؟ إنها تقتضي وجوب الحمد.          


وآيات الله سبحانه وتعالى في كونه تستوجب الحمد، فالحياة التي وهبها الله لنا، والآيات التي أودعها في كونه لتدلنا على أن لهذا الكون خالقاً عظيماً.          


فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل ما فيه مما يفوق قدرة الإنسان، ولا يستطيع أحد أن يدَّعيه لنفسه.          


فلا أحد مهما بلغ علمه يستطيع أن يدعي أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو وضع الأرض أو وضع قوانين الكون أو أعطى الأرض غلافها الجوي، أو خلق نفسه أو خلق غيره.          


هذه الآيات كلها أعطتنا الدليل على وجود قوة عظمى، هي التي أوجدت وهي التي خلقت، وهذه الآيات ليست ساكنة، لتجعلنا في سكونها ننساها، بل هي متحركة لتلفتنا الي خالق هذا الكون العظيم.          


فالشمس تشرق في الصباح فتذكرنا بإعجاز الخلق، وتغيب في المساء لتذكرنا بعظمة الخالق، وتعاقب الليل والنهار يحدث أمامنا كل يوم علنا نلتفت ونفيق، والمطر ينزل من السماء ليذكرنا بألوهية من أنزله، والزرع يخرج من الأرض يسقى بماء واحد.          


ومع ذلك فإن كل نوع له لون وله شكل وله مذاق وله رائحة، وله تكوين يختلف عن الآخر، ويأتي الحصاد فيختفي الثمر والزرع، ويأتي موسم الزراعة فيعود من جديد.          


كل شيء في هذا الكون متحرك ليذكرنا إذا نسينا، ويعلمنا أن هناك خالقاً عظيماً.          


ونستطيع أن نمضي في ذلك بلا نهاية، فنعم الله لا تعد ولا تحصى، وكل واحدة منها تدلنا على وجود الحق سبحانه وتعالى وتعطينا الدليل الإيماني على أن لهذا الكون خالقاً مبدعاً، وأنه لا أحد يستطيع أن يدَّعي أنه خلق الكون أو خلق ما فيه، فالقضية محسومة لله، و{ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الفاتحة: 2] لأنه وضع في نفوسنا الإيمان الفطري ثم أيده بإيمان عقلي بآياته في كونه.          


بل إن كل شيء في هذا الكون يقتضي الحمد، ومع ذلك فإن الانسان يمتدح الوجود وينسى الموجود!! أنت حين ترى جوهرة جميلة مثلا أو زهرة غاية في الإبداع، أو أي خلق من خلق الله يشيع في نفسك الجمال تمتدح هذا الخلق، فتقول: ما أجمل هذه الزهرة أو هذه الجوهرة أو هذا المخلوق، ولكن المخلوق الذي امتدحته، لم يعط صفة الجمال لنفسه، فالزهرة لا دخل لها أن تكون جميلة أو غير جميلة، والجوهرة لا دخل لها في عظمة خلقها، وكل شيء في هذا الكون لم يضع الجمال لنفسه وإنما الذي وضع الجمال فيه هو الله سبحانه وتعالى، فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق، بل قل الحمد لله الذي أوجد في الكون ما يذكرنا بعظمة الخالق ودقة الخلق.          


ومنهج الله سبحانه وتعالى يقتضي منا الحمد، لأن الله أنزل منهجه ليرينا طريق الخير ويبعدنا عن طريق الشر.          


فمنهج الله الذي أنزله على رسله قد عرفنا أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق لنا هذا الكون وخلقنا، فدقة الخلق وعظمته تدلنا على أن هناك خالقاً عظيماً، ولكنها لا تستطيع أن تقول لنا مَنْ هو، ولا ماذا يريد منا.          


ولذلك أرسل الله رسله، ليقولوا لنا إن الذي خلق هذا الكون وخلقنا هو الله تبارك وتعالى وهذا يستوجب الحمد.          


ومنهج الله بيَّن لنا ماذا يريد الحق منا وكيف نعبده، وهذا يستوجب الحمد.          


ومنهج الله جل جلاله أعطانا الطريق وشرع لنا أسلوب حياتنا تشريعاً حقاً، فالله تبارك وتعالى لا يفرق بين أحد منا، ولا يفضل أحداً على أحد إلا بالتقوى، فكلنا خلق متساوون أمام الله جل جلاله.          


إذن، فشريعة الحق وقول الحق، وقضاء الحق، هو من الله، أما تشريعات الناس فلها هوى تميز بعضا عن بعض، وتأخذ حقوق بعض لتعطيها للآخرين، لذلك نجد في كل منهج بشرى ظلماً بشرياً.          


فالدول الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف.          


بينما الشعب كله في شقاء، لأن هؤلاء الذي شرعوا اتبعوا هواهم.          


ووضعوا مصالحهم فوق كل مصلحة.          


وكذلك في الدول الرأسمالية.          


أصحاب رأس المال يأخذون كل الخير.          


ولكن الله سبحانه وتعالى حين نزل لنا المنهج قضى بالعدل بين الناس، وأعطى كل ذي حق حقه.          


وعلمنا كيف تستقيم الحياة على الأرض عندما تكون بعيدة عن الهوى البشري خاضعة لعدل الله، وهذا يوجب الحمد.          


والحق سبحانه وتعالى، يستحق منا الحمد لأنه لا يأخذ منا ولكنه يعطينا.          


فالبشر في كل عصر يحاولون استغلال البشر، لأنهم يطمعون لما في أيديهم من ثروات وأموال، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج الى ما في أيدينا، إنه يعطينا ولا يأخذ منا، عنده خزائن كل شيء مصداقاً لقوله جل جلاله: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [الحجر: 21].          


فالله سبحانه وتعالى دائم العطاء لخلقه، والخلق يأخذون دائما من نعم الله، فكأن العبودية لله تعطيك ولا تأخذ منك وهذا يستوجب الحمد.          


والله سبحانه وتعالى في عطائه يحب أن يطلب منه الإنسان، وأن يدعوه وأن يستعين به، وهذا يوجب الحمد لأنه يقينا الذل في الدنيا.          


فأنت إن طلبت شيئا من صاحب نفوذ، فلابد ان يحدد لك موعدا أو وقت الحديث ومدة المقابلة وقد يضيق بك فيقف لينهي اللقاء، ولكن الله سبحانه وتعالى بابه مفتوح دائماً، فأنت بين يديه عندما تريد وترفع يديك الى السماء وتدعو وقتما تحب وتسأل الله ما تشاء فيعطيك ما تريده إن كان خيرا لك، ويمنع عنك ما تريده إن كان شرا لك.          


والله سبحانه وتعالى يطلب منك أن تدعوه وأن تسأله فيقول: { وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }[غافر: 60].          


ويقول سبحانه وتعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة: 186].          


والله سبحانه وتعالى يعرف ما في نفسك، ولذلك فإنه يعطيك دون أن تسأل.          


واقرأ الحديث القدسي: يقول رب العزة: مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".          


والله سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينفد، وخزائنه لا تفرغ، فكلما سألته جل جلاله كان لديه المزيد، ومهما سألته فإنه لا شيء عزيز على الله سبحانه وتعالى، إذا أراد أن يحققه لك، واقرأ قول الشاعر:

حسب نفسي عزا بأنني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب

هو في قدسه الأعز ولكن أنا ألقى متى وأين أحب


إذن: عطاء الله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد، ومنعه العطاء يستوجب الحمد.          


ووجود الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب الحمد، فالله يستحق الحمد لذاته، ولولا عدل الله لبغى الناس في الأرض وظلموا، ولكن يد الله تبارك وتعالى حين تبطش بالظالم تجعله عبرة، فيخاف الناس الظلم، وكل من أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى الله في الآخرة ليوفيه حسابه، وهذا يوجب الحمد، أن يعرف المظلوم أنه سينال جزاءه فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه أن هناك يوما سيرى فيه ظالمه وهو يعذب في النار، فلا تصيبه الحسرة، ويخف إحساسه بمرارة الظلم حين يعرف أن الله قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد.          


وعندما نقول: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الفاتحة: 2] فنحن نعبر عن انفعالات متعددة، هي في مجموعها تحمل العبودية والحب والثناء والشكر والعرفان، وكثير من الانفعالات التي تملأ النفس عندما تقول: "الحمد لله" كلها تحمل الثناء العاجز عن الشكر لكمال الله وعطائه، هذه الانفعالات تأتي من النفس وتستقر في القلب، ثم تفيض من الجوارح على الكون كله، فالحمد ليس ألفاظا تردد باللسان ولكنها تمر أولا على العقل ليعي معنى النعم، ثم بعد ذلك تستقر في القلب فينفعل بها، وتنتقل إلى الجوارح فأقوم وأصلي لله شاكرا ويهتز جسدي كله وتفيض الدمعة من عيني، وينتقل هذا الانفعال كله إلى مَنْ حولي.          


ونفسر ذلك قليلا، هب أنني في أزمة أو كرب أو شيء سيؤدي إلى فضيحة، وجاءني مَنْ يُفَرِّجُ كربي فيعطيني مالاً أو يفتح لي طريقاً، أول شيء أنني سأعقل هذا الجميل فأقول إنه يستحق الشكر، ثم ينزل هذا المعنى إلى قلبي فيهتز القلب إلى صانع هذا الجميل، ثم تنفعل جوارحي لأترجم هذه العاطفة إلى عمل يرضيه على جميل صنعه.         


 ثم أُحَدِّثُ الناس عن جميله وكرمه فيسارعون إلى الالتجاء إليه، فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس، فيمرون بنفس ما حدث لي فتتسع دائرة الشكر والحمد.          


والحمد لله تعطينا المزيد من نعم الله مصداقا لقوله تبارك وتعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }[إبراهيم: 7].          


وهكذا نعرف أن الشكر على النعمة يعطينا مزيداً من النعمة، فنشكر عليها فتعطينا المزيد وهكذا يظل الحمد دائماً والنعمة دائمة، إننا لو استعرضنا حياتنا كلها فكل حركة فيها تقتضي الحمد، عندما ننام ويأخذ الله سبحانه وتعالى أرواحنا، ثم يردها إلينا عندما نستيقظ، فإن هذا يوجب الحمد، فالله سبحانه وتعالى يقول: { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الزمر: 42].          


وهكذا، فإن مجرد استيقاظنا من النوم، وأن الله سبحانه وتعالى رد علينا أرواحنا، وهذا الرد يستوجب الحمد، فإذا قمنا من السرير فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعطينا القدرة على الحركة، ولولا عطاؤه ما استطعنا أن نقوم، وهذا يستوجب الحمد، فإذا تناولنا إفطارنا فالله هيأ لنا طعاما من فضله، فهو الذي خلقه، وهو الذي أنبته، وهو الذي رزقنا به، وهذا يستوجب الحمد، فإذا نزلنا إلى الطريق يَسَّرَ الله لنا ما ينقلنا الى مقر أعمالنا وسَخَّرَه لنا، سواء كنا نملك سيارة أو نستخدم وسائل المواصلات، فله الحمد، وإذا تحدثنا مع الناس فالله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى ألسنتنا القدرة على النطق ولو شاء لجعلها خرساء لا تنطق، وهذا يستوجب الحمد، فإذا ذهبنا إلى أعمالنا، فالله يَسَّرَ لنا عملاً نرتزق منه لنأكل حلالا، وهذا يستوجب الحمد.          


وإذا عدنا إلى بيوتنا، فالله سَخَّرَ لنا زوجاتنا ورزقنا بأولادنا وهذا يستوجب الحمد.          


إذن، فكل حركة حياة في الدنيا من الإنسان تستوجب الحمد، ولهذا لابد أن يكون الإنسان حامدا دائما، بل إن الإنسان يجب أن يحمد الله على أي مكروه أصابه؛ لأنه قد يكون الشيء الذي يعتبره شرا هو عينه الخير.       

   

فالله تعالى يقول:  { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } [النساء: 19].          


إذن، فأنت تحمد الله لأن قضاءه خير، سواء أحببت القضاء أو كرهته فإنه خير لك، لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم.         


وهكذا من موجبات الحمد أن تقول الحمد لله على كل ما يحدث لك في دنياك.          


فأنت بذلك ترد الأمر إلى الله الذي خلقك، فهو أعلم بما هو خير لك.          


فاتحة الكتاب تبدأ بالحمد لله رب العالمين، لماذا قال الله سبحانه وتعالى رب العالمين؟ نقول إن {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} [الفاتحة: 2] تعني حمد الألوهية.          


فكلمة الله تعني المعبود بحق، فالعبادة تكليف والتكليف يأتي من الله لعبيده، فكأن الحمد أولاً لله، ثم يقتضي بعد ذلك أن يكون الحمد لربوبية الله على إيجادنا من عدم وإمدادنا من عدم، لأن المتفضل بالنعم قد يكون محمودا عند كل الناس، لكن التكليف يكون شاقا على بعض الناس، ولو علم الناس قيمة التكليف في الحياة، لحمدوا الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل، لأنه ضمن عدم تصادم حركة حياتهم، فتمضي حركة الحياة متساندة منسجمة.          


إذن فالنعمة الأولى هي أن المعبود أبلغنا منهج عبادته، والنعمة الثانية أنه رب العالمين.          


الحياة الدنيا هناك المطيع والعاصي، والمؤمن وغير المؤمن، والذين يدخلون في عطاء الألوهية هم المؤمنون، أما عطاء الربوبية فيشمل الجميع، ونحن نحمد الله على عطاء ألوهيته، ونحمد الله على عطاء ربوبيته، لأنه الذي خلق، ولأنه رب العالمين، الكون كله لا يخرج عن حكمه، فليطمئن الناس في الدنيا أن النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبيته، فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن أشرق، ولا النجوم تستطيع أن تصطدم بعضها ببعض في الكون، ولا الأرض تستطيع أن تمنع إنبات الزرع، ولا الغلاف الجوي يستطيع أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا، إذن، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنه رب لكل ما في الكون فلا تستطيع أي قوى تخدم الإنسان أن تمتنع عن خدمته، لأن الله سبحانه وتعالى مسيطر على كونه وعلى كل ما خلق، إنه رب العالمين وهذه توجب الحمد، أن يهيئ الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يخدمه، بل جعله سيدا في كونه، ولذلك فإن الإنسان المؤمن لا يخاف الغد، وكيف يخافه والله رب العالمين.          


إذا لم يكن عنده طعام فهو واثق أن الله سيرزقه لأنه رب العالمين، وإذا صادفته أزمة فقلبه مطمئن إلى أن الله سيُفرِّج الأزمة ويزيل الكرب لأنه رب العالمين، وإذا أصابته نعمة ذكر الله فشكره عليها لأنه رب العالمين الذي أنعم عليه.          


فالحق سبحانه وتعالى يحمد على أنه رب العالمين، لا شيء في كونه يخرج عن مراده الفعلي، أما عطاء الألوهية فجزاؤه في الآخرة، فالدنيا دار اختبار للإيمان، والآخرة دار الجزاء، ومن الناس مَنْ لا يعبد الله، هؤلاء متساوون في عطاء الربوبية مع المؤمنين في الدنيا، ولكن في الآخرة يكون عطاء الألوهية للمؤمنين وحدهم، فنعم الله لأصحاب الجنة، وعطاءات الله لمَنْ آمن، واقرأ قوله تبارك وتعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [الأعراف: 32].          


على أن الحمد لله ليس في الدنيا فقط، بل هو في الدنيا والآخرة، الله محمود دائما، في الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه، وعطاء ألوهيته لمَنْ آمن به وفي الآخرة بعطائه للمؤمنين من عباده، واقرأ قوله جل جلاله: { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ } [الزمر: 74].          


وقوله تعالى: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [يونس: 10].          


فإذا انتقلنا إلى قوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] فمن موجبات الحمد أن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم، يعطي نعمه في الدنيا لكل عباده عطاء ربوبية، وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر، وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما يموت الإنسان.          


والله لا يحجب نعمه عن عبيده في الدنيا، ونعم الله لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم في الآلات الحاسبة والعقول الإلكترونية وغير ذلك فإننا لم نجد أحدا يتقدم ويقول أنا سأحصي نعم الله، لأن موجبات الإحصاء أن تكون قادرا عليه، فأنت لا تقبل على عد شيء إلا إذا كان في قدرتك أن تحصيه، ولكن مادام ذلك خارج قدرتك وطاقاتك فإنك لا تقبل عليه، ولذلك لن يقبل أحد حتى يوم القيامة على إحصاء نعم الله تبارك وتعالى لأن أحدا لا يمكن أن يحصيها.          


ولابد أن نلتفت إلى أن الكون كله يضيق بالإنسان، وأن العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم القهر والتسخير يضيق حين يرى العاصين، لأن المقهور مستقيم على منهج الله قهرا، فحين يرى كل مقهور الإنسان الذي هو في خدمته عاصيا يضيق.


واقرأ الحديث القدسي لتعرف شيئاً عن رحمة الله بعباده، يقول الله عز وجل: ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم؛ فقد طعم خيرك ومنع شكرك.         


وتقول البحار يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم؛ فقد طعم خيرك ومنع شكرك.          


وتقول الجبال يا رب إئذن لي أن أطبق على ابن آدم؛ فقد طعم خيرك ومنع شكرك.          


فيقول الله تعالى: دعوهم دعوهم لو خلقتموهم لرحمتموهم إنهم عبادي فإن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم "رواه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده".          


تلك تجليات صفة الرحمن وصفة الرحيم، وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع معصية الإنسان، إنها كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير الله لها لأنه رحمن رحيم، بعض الناس قد يتساءل: هل تتكلم الأرض والسماء وغيرها من المخلوقات في عالم الجماد والنبات والحيوان؟ نقول نعم إن لها لغة لا نعرفها نحن وإنما يعرفها خالقها، بدليل أنه منذ الخلق الأول أبلغنا الحق تبارك وتعالى أن هناك لغة لكل هذه المخلوقات، واقرأ قوله جل جلاله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت: 11].         


 إذن، فالأرض والسماء فهمت كلتاهما عن الله، وقالت له سبحانه وتعالى{ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت: 11] ألم يُعَلَمْ الله سليمان منطق الطير ولغة النمل؟ ألم تُسَبِّحْ الجبال مع داود؟ إذن كل خلق الله له إدراكات مناسبة له، بل له عواطف، فعندما تكلم الله سبحانه وتعالى عن قوم فرعون، قال: { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } [الدخان: 25-29].          


إذن، فالسماوات والأرض لهما انفعال، انفعال يصل إلى مرحلة البكاء، فهما لم تبكيا على فرعون وقومه، ولكنهما تبكيان حزنا عندما يفارقهما الإنسان المؤمن المصلي المطبق لمنهج الله، ولقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان موضع في الأرض وموضع في السماء، أما الموضع في الأرض فهو مكان مُصلاه الذي أسعده وهو يُصلى فيه، وأما الموضع في السماء فهو مصعد عمله الطيب).         



سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26850
العمر : 67

سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الفاتحة: الآيات من 01-07   سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Emptyالخميس 21 مارس 2019, 8:26 pm

]مَالِكِ يَوْمِ الدِّين[٤]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[٥]

تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)

إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد، فإن {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] تستحق الحمد الكبير، لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً.          


دون أن يجازى على ما فعل، ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاءً لله قد شقي في الحياة الدنيا، ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، أعطى الاتزان للوجود كله، هذه الملكية ليوم الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله، إن الذي منع الدنيا أن تتحول إلى غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو أن هناك آخرة وحسابا، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه.          


والإِنسان المستقيم استقامته تنفع غيره؛ لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حق حقه ويعفو ويسامح، إذن كل مَنْ حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل.          


أما الإنسان العاصي، فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه، ولذلك فإن {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] هي الميزان، تعرف أنت أن الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخره، لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملا إلى أن عدل الله سينال كل ظالم.          


على أن {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] لها قراءتان، {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، وملك يوم الدين.          


والقراءتان صحيحتان، والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بأنه: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده، ليس هناك دخل لأي فرد آخر، أنا أملك عباءتي، وأملك متاعي، وأملك منزلي، وأنا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه.          


فمالك يوم الدين، معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب، وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة، دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهراً.          


ففي الدنيا يعطي الله الملك ظاهرا لبعض الناس، ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر، فالأمر مباشر من الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين: { كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ } [الانفطار: 9].          


فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الدنيا لتمضي به الحياة، ولكن في الآخرة لا توجد أسباب.          


الملك في ظاهر الدنيا من الله يهبه لمن يشاء، واقرأ قوله تعالى: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران: 26].          


ولعل قوله تعالى: "تنزع" تلفتنا إلى أن أحدا في الدنيا لا يريد أن يترك الملك، ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا بالرغم عن إرادته، والله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء.          


وهنا نتساءل: هل الملك في الدنيا والآخرة ليس لله؟، نقول الأمر في كل وقت لله، ولكن الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض، ولذلك نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة: 258].          


والذي حاج إبراهيم في ربه كافر منكر للألوهية، ومع ذلك فإنه لم يأخذ الملك بذاته، بل الله جل جلاله هو الذي اتاه الملك، إذن الله تبارك وتعالى هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك في الأرض ظاهريا، ومعنى ذلك أنه ملك ظاهر للناس فقط، أن بشرا أصبح ملكا، ولكن الملك ليس نابعا من ذات مَنْ يملك، ولكنه نابع من أمر الله، ولو كان نابعا من ذاتية مَنْ يملك لبقى له ولم ينزع منه، والملك الظاهر يمتحن فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة، كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟، ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم؟، وهل استحبوا المعصية؟ أم أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟، والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ليعلم المصلح من المفسد، ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم، حتى لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا رب لو أنك أعطيتني الملك لاتبعت طريق الحق وطبقت منهجك.          


وهنا يأتي سؤال، إذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟، نقول إننا إذا أردنا أن نضرب مثلا يقرب ذلك إلى الأذهان، ولله المثل الأعلى، نجد أن الجامعات في كل أنحاء الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها، فهل أساتذة الجامعة الذين علموا هؤلاء الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم؟، طبعا لا، ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب في الامتحان، وجاء يجادل واجهوه بإجابته فيسكت، ولو لم يعقد الامتحان لادعى كل طالب أنه يستحق مرتبة الشرف.          


اذا قال الحق تبارك وتعالى: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء، واذا قيل: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، فتصرفه أعلى من المالك لأن المالك لا يتصرف إلاّ في ملكه، ولكن الملك يتصرف في ملكه وملك غيره، فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما يملكه غيره.          


الذين قالوا: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] اثبتوا لله سبحانه وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون تدخل من أحد ولو ظاهرا: والذين يقرأون ملك، يقولون إن الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم يقضي في امر خلقه حتى الذين مَلَّكَهُم في الدنيا ظاهرا، ونحن نقول عندما يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله.          


الله تبارك وتعالى يريد أن يطمئن عباده، إنهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله، جل جلاله، عندما تقول مالك أو ملك يوم الدين، هناك يوم وهناك الدين، اليوم عندنا من شروق الشمس إلى شروق الشمس، هذا ما نسميه فلكيا يوما، واليوم في معناه ظرف زمان تقع فيه الأحداث، والمفسرون يقولون: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] أي مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك، نقول إن هذا بمقاييس ملكية البشر، فنحن لا نملك الزمن، الماضي لا نستطيع أن نعيده، والمستقبل لا نستطيع أن نأتي به، ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان، والله جل جلاله لا يحده زمان ولا مكان، كذلك قوله تعالى: "مالك يوم الدين" لا يحده زمان ولا مكان، واقرأ قوله سبحانه: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } [الحج: 47].          


وقوله سبحانه: { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [المعارج: 4].          


واذا تأملنا هاتين الآيتين نعرف معنى اليوم عند الله تبارك وتعالى، ذلك أن الله جل جلاله هو خالق الزمن، ولذلك فإنه يستطيع أن يخلق يوما مقداره ساعة، ويوما كأيام الدنيا مقداره أربع وعشرون ساعة، ويوما مقداره ألف سنة، ويوما مقداره خمسون ألف سنة ويوما مقداره مليون سنة، فذلك خاضع لمشيئة الله.          


ويوم الدين موجود في علم الله سبحانه وتعالى بأحداثه كلها بجنته وناره، وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه، وعندما يريد أن يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلاله إلى علم خلقه، سواء كانوا من الملائكة أو من البشر أو الجان يقول: كن، فالله وحده هو خالق هذا اليوم، وهو وحده الذي يحدد كل أبعاده، واليوم نحن نحدده ظاهرا بأنه أربع وعشرون ساعة، ونحدده بأنه الليل والنهار، ولكن الحقيقة أن الليل والنهار موجودان دائما على الأرض، فعندما تتحرك الأرض، كل حركة هي نهاية نهار في منطقة وبداية نهار في منطقة أخرى، وبداية ليل في منطقة ونهاية ليل في منطقة أخرى، ولذلك في كل لحظة ينتهي يوم ويبدأ يوم، وهكذا فإن الكرة الأرضية لو أخذتها بنظرة شاملة لا ينتهي عليها نهار أبدا، ولا ينتهي عنها ليل أبدا، إذن فاليوم نسبي بالنسبة لكل بقعة في الأرض، ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة الأرضية.          


والله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده، إنهم إذا أصابهم ظلم في الدنيا، فإن هناك يوما لا ظلم فيه، وهذا اليوم الأمر فيه لله وحده بدون أسباب، فكل إنسان لو لم يدركه العدل والقصاص في الدنيا، فإن الآخرة تنتظره، والذي اتبع منهج الله وقيد حركته في الحياة يخبره الله سبحانه وتعالى بأن هناك يوما سيأخذ فيه أجره، وعظمة الآخرة أنها تعطيك الجنة، نعيم لا يفوتك ولا تفوته.          


ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين، وقال له: أريد أن أعرف، أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟، فقال له الرجل الصالح، إن الله أرحم بعباده، فلم يجعل موازينهم في أيدي أمثالهم، فميزان كل إنسان في يد نفسه، لماذا؟، لأنك تستطيع أن تغش الناس ولكنك لا تغش نفسك، ميزانك في يديك، تستطيع أن تعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة.          


قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح: إذا دخل عليك مَنْ يعطيك مالا، ودخل عليك مَنْ يأخذ منك صدقة، فبأيهما تفرح؟، فسكت الرجل، فقال العبد الصالح: إذا كنت تفرح بمَنْ يعطيك مالا فأنت من أهل الدنيا، وإذا كنت تفرح بمَنْ يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة، فإن الإنسان يفرح بمَنْ يقدم له ما يحبه، فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا، والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة، فإن كنت من أهل الآخرة، فافرح بمَنْ يأخذ منك صدقة، أكثر من فرحك بمَنْ يعطيك مالا.          


ولذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه مَنْ يريد صدقة يقول مرحبا بمَنْ جاء يحمل حسناتي إلى الآخرة بغير أجر، ويستقبله بالفرحة والترحاب.          


قول الحق سبحانه وتعالى: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، هي قضية ضخمة من قضايا العقائد، لأنها تعطينا أن البداية من الله، والنهاية الي الله جل جلاله، وبما أننا جميعا سنلقى الله، فلابد أن نعمل لهذا اليوم، ولذلك فإن المؤمن لا يفعل شيئا في حياته إلا وفي باله الله، وأنه سيحاسبه يوم القيامة، ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله الله، وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [النور: 39].          


وهكذا مَنْ يفعل شيئا وليس في باله الله، فسيُفَاجَأ يوم القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذي لم يكن في باله موجود وأنه جل جلاله هو الذي سيحاسبه.          


وقوله تعالى: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] هي أساس الدين، لأن الذي لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء، فما دام يعتقد أنه ليس هناك آخره وليس هناك حساب، فمم يخاف؟، ومن أجل مَنْ يقيد حركته في الحياة.          


إن الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أن هناك حسابا في الآخرة، وأن هناك يوما نقف فيه جميعا أمام الله سبحانه وتعالى، ليحاسب المخطئ ويثيب الطائع، هذا هو الحكم في كل تصرفاتنا الإيمانية، فلو لم يكن هناك يوم نحاسب فيه، فلماذا نصلي؟، ولماذا نصوم؟، ولماذا نتصدق؟.          


إن كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على أساس ذلك اليوم الذي لن يفلت منه أحد، والذي يجب علينا جميعا أن نستعد له، إن الله سبحانه وتعالى سمى هذا اليوم بالنسبة للمؤمنين يوم الفوز العظيم، والذي يجعلنا نتحمل كل ما نكره ونجاهد في سبيل الله لنستشهد، وننفق أموالنا لنعين الفقراء والمساكين، كل هذا أساسه أن هناك يوما سنقف فيه بين يدي الله، والله تبارك وتعالى سماه يوم الدين، لأنه اليوم الذي سيحاسب فيه كل إنسان على دينه عمل به أم ضيعه، فمَنْ آمن واتبع الدين سيكافأ بالخلود في الجنة، ومَنْ أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى بالخلود في النار، ومن عدل الله سبحانه وتعالى أن هناك يوما للحساب، لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا في الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا، هل هؤلاء الذين أفلتوا في الدنيا من العقاب هل يفلتون من عدل الله؟، أبدا لن يفلتوا، بل إنهم انتقلوا من عقاب محدود إلى عقاب خالد، وأفلتوا من العقاب بقدرة البشر في الدنيا، إلى عقاب بقدرة الله تبارك وتعالى في الآخرة، ولذلك لابد من وجود يوم يعيد الميزان، فيعاقب فيه كل مَنْ أفسد في الأرض وأفلت من العقاب، بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل إنسانا يفلت من عقاب الدنيا، فلا تعتقد أن هذا خير له بل إنه شر له، لانه أفلت من عقاب محدود إلى عقاب أبدي.          


والحمد الكبير لله بأنه {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4]، وهو وحده الذي سيقضي بين خلقه.          


فالله سبحانه وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية، وأساس التقوى هو يوم الدين.          


وقبل أن نتكلم عن قول الحق تبارك وتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، لابد أن نتحدث عن قضية مهمة، فهناك نوعان من الرؤية، الرؤية العينية أي بالعين، والرؤية الإيمانية أي بالقلب، وكلاهما مختلف عن الآخر، رؤية العين هي أن يكون الشيء أمامك تراه بعينيك، وهذه ليس فيها قضية إيمان، فلا تقول إنني أؤمن أنني أراك أمامي لأنك تراني فعلا، مادمت تراني فهذا يقين، ولكن الرؤية الإيمانية هي أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك، وتكون هذه الرؤية أكثر يقينا من رؤية العين، لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة، وهذه قضية مهمة جدا.      

    

وقد روى عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله. وأن محمداً رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان.قال:أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر؛ خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه.         


فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأَمَةَ رَبَّتَها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر أتدري مَنْ السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.          


قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هو بيان للرؤية الإيمانية في النفس المؤمنة، فالإنسان حينما يؤمن، لابد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية، حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم ينعمون، وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه، وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون.          


ذات يوم شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته وكان اسمه الحارث، فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا قال الرسول: فانظر ما تقول. فإن لكل قول حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟ قال الحارث: عزفت نفسي عن الدنيا. فأسهرت ليلي. وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، (يتصايحون فيها). قال النبي "يا حارث عرفت فالزم."


ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ } [الفيل: 1].          


يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية في محاولة للطعن في القرآن الكريم،


فقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ } [الفيل: 1]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل، إنه لم ير لأنه كان طفلا عمره أيام أو شهور، لو قال الله سبحانه وتعالى ألم تعلم لقلنا علم من غيره، فالعلم تحصل عليه أنت أو يعطيه لك من عَلِمَهُ، أي يعلمك غيرك من البشر، ولكن الله سبحانه وتعالى قال: { أَلَمْ تَرَ } [الفيل: 1]، نقول إن هذه قضية من قضايا الإيمان، فما يقوله الله سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للإنسان المؤمن، فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة، وقول الله:{ أَلَمْ تَرَ }ى [الفيل: 1]، معناها أن الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية، فما دام الله تبارك وتعالى قال: { أَلَمْ تَرَ } [الفيل: 1]، فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه، هذه هي الرؤية الإيمانية، وهي أصدق من رؤية العين، لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا، على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب، إذا قلت زيد حضر، فهو موجود أمامك، ولكن إذا قلت قابلت زيدا، فكأن زيداً غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة، قابلته ولكنه ليس موجوداً معك ساعة الحديث.          


إذن، فهناك حاضر وغائب ومتكلم، الغائب هو من ليس موجوداً أو لا نراه وقت الحديث، والحاضر هو الموجود وقت الحديث، والمتكلم هو الذي يتحدث.          


وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة، ولكن الإيمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الإيمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر.          


فالله سبحانه وتعالى حين يقول: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2]، {للَّهِ} غيب و{ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2] غيب، و { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } [الفاتحة: 3]، "غيب"، و{مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] غيب، وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد.          


ولكن الله سبحانه وتعالى غيَّر السياق ونقله من الغائب إلى الحاضر، وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] فانتقل الغيب إلى حضور المخاطب، فلم يقل إياه نعبد، ولكنه قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5]، فأصبحت رؤية يقين إيماني.          


في حضرة الله سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم، وهذه تراها وتحيط بك لأنه { رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2]، وجعلك تطمئن إلى قضائه لأنه { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } [الفاتحة: 3]أي أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية

{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } [الفاتحة: 3] فإذا لم تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها.          


فاحذر من مخالفة منهجه لأنه "مالك يوم الدين".          


حين يستحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل هذه الصفات، التي فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية، والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات الغيب إلى محضر الشهود، استحضرت جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته، ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة.          


عندما تقرأ قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] فالعبارة هنا تفيد الخصوصية، بمعنى أنني إذا قلت لإنسان إنني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من الناس.          


ولكن إذا قلت إياك سأقابل، فمعنى ذلك أن المقابلة ستكون خاصة.          


الحق سبحانه وتعالى حين قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] قصر العبادة على ذاته الكريمة، لأنه لو قال نعبدك وحدك فهي لا تؤدي المعنى نفسه؛ لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا.          


ولكن إذا قلت {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] وقدمت إياك، تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده فلا يجوز العطف عليها، فالعبادة خضوع لله سبحانه وتعالى بمنهجه افعل ولا تفعل، ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع لله، لأنك تأتي بوجهك الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع القدم.          


فيكون هذا هو منتهى الخضوع لله، ويتم هذا أمام الناس جميعا في الصلاة.          


لإعلان خضوعك لله أمام البشر جميعا.          


ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير، حتى يطرد كل منا الكبر والاستعداء من قلبه أمام الناس جميعا فيساوي الحق جل جلاله بين عباده في الخضوع له وفي إعلان هذا الخضوع.          


وقول الحق سبحانه وتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] تنفي العبودية لغير الله، أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا، إذن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه، وعلينا أن نلتفت إلى قوله تبارك وتعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [الأنبياء: 22].          


وهكذا فإننا عندما نقول: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } [الفاتحة: 2] فإننا نستحضر موجبات الحمد وهي نعم الله ظاهرة وباطنة، وحين نقول:{ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2] نستحضر نعم الربوبية في خلقه وإخضاع كونه، وحين نستحضر{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [الفاتحة: 3] فاننا نستحضر الرحمة والمغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان وفتح باب التوبة، وحين نستحضر: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازيك على أعمالك، فإذا استحضرنا هذا كله نقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] أي أننا نعبد الله وحده، إذن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة.          


وهنا نتوقف قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة "العلة والمعلول" إذا أراد ابنك أن ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر، وعلة المذاكرة هي النجاح، فكأن النجاح ولد في ذهني أولا بكل ما يحققه لي من ميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى إليه.          


إذن فالدافع قبل الواقع، أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك، ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح حقيقة واقعة.          


وأنت إذا أردت مثلا أن تسافر إلى مكان ما فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد وقطع الطريق سبب آخر.          


ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة وأقطع الطريق هو أنني أريد أن أسافر إلى الإسكندرية مثلا، الدافع هنا وهو الوصول إلى الإسكندرية، هو الذي وجد في ذهني أولا ثم بعد ذلك فعلت كل ما فعلته لتحقيقه.          


والله سبحانه وتعالى خلقنا في الحياة لنعبده، مصداقا لقوله تبارك وتعالى: { وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56].          


إذن فعلّة الخلق هي العبادة، ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا، ولكن "العلة والمعلول" لا تنطبق على أفعال الله سبحانه وتعالى، نقول ليس هناك علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة.          


لأن الله تبارك وتعالى غني عن العالمين، ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة؛ فالله سبحانه وتعالى خلقنا لنعبده.          


ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا في ملكه، وإنما عبادتنا تعود علينا نحن بالخير في الدنيا والآخرة.          


إن أفعال الله لا تعلل، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها.          


ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أم أنها منهج يشمل الحياة كلها، في بيتك وفي عملك وفي السعي في الأرض؟، ولو أراد الله سبحانه وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الإنس والجن، والله تبارك وتعالى له صفة القهر، من هنا فإنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته، مصداقا لقوله جل جلاله: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [الشعراء: 3-4].          


فلو أراد الله أن يخضعنا لمنهجه قهراً.          


لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته، وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه، فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة.          


القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا، والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا، والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها، وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى، وليس لإرادتنا دخل في عملها، وما يقع عليّ في الحياة الدنيا من أحداث أنا مقهور فيه، لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث، فلا أستطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني، ولا طائرة أن تحترق بي، ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في الدنيا.          


إذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة، لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي، ولا فيمن هو أبي ومَنْ هي أمي، ولا في شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك.          


إذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل.          


الله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر، ولكنه يريد من الإنس والجن عبادة المحبوبية، ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه، في أن نطيعه أو نعصيه.          


في أن نؤمن به أو لا نؤمن.          


فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن اختيار.          


تتنازل عما يغضبه حبا فيه، وتفعل ما يطلبه حبا فيه وليس قهرا، فاذا تخليت عن اختيارك إلى مرادات الله في منهجه، تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى، وتكون قد أصبحت من عباد الله وليس من عبيد الله، فكلنا عبيد لله سبحانه وتعالى، والعبيد متساوون فيما يقهرون عليه.          


ولكن العباد الذين يتنازلون عن منطقة الاختيار لمراد الله في التكليف، ولذلك فإن الحق جل جلاله، يفرق في القرآن الكريم بين العباد والعبيد، يقول تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة: 186].          


ويقول سبحانه وتعالى: { وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } [الفرقان: 63-65].         


وهكذا نرى أن الله سبحانه وتعالى أعطى أوصاف المؤمنين وسماهم عبادا، ولكن عندما يتحدث عن البشر جميعا يقول عبيد، مصداقا لقوله تعالى: { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [آل عمران: 182].          


ولكن قد يقول قائل: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } [الفرقان: 17].          


الحديث هنا عن العاصين والضالين.          


ولكن الله سبحانه وتعالى قال عنهم عباد.          


نقول إن هذا في الآخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا مقهورون لطاعة الله الواحد المعبود تبارك وتعالى، لأن الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ونصبح جميعا عباداً لله مقهورين على طاعته لا اختيار لنا في شيء.          


والله سبحانه وتعالى قد أعطى الإنسان اختياره - في الحياة الدنيا - في العبودية فلم يقهره في شيء ولا يلزم غير المؤمن به بأي تكليف، بل إن المؤمن هو الذي يلزم نفسه بالتكليف وبمنهج الله فيدخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى، ولذلك نجد أن الله جل جلاله لا يخاطب الناس جميعا في التكليف، وإنما يخاطب الذين آمنوا فقط فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[البقرة: 183].          


ويقول سبحانه: { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } [البقرة: 153].          


أي أن الله جل جلاله لا يكلف إلا المؤمن الذي يدخل في عقد إيماني مع الله.          


وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عندما نضعه في معيار العبادية يكون القمة فهو صلى الله عليه وسلم الذي حقق العبادية المرادة لله من خلق الله كما يحبها الله.          


إذن، فالذي يقول غاية الخلق كله محمد عليه الصلاة والسلام، نقول إن هذا صحيح، لأنه صلى الله عليه وسلم حقق العبادية المثلى المطلوبة من الله تبارك وتعالى، والتي هي علة الخلق، وهكذا نعرف المقامات العالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند خالقه.          


والله تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه، فقال جل جلاله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] أي لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك.          


والاستعانة بالله سبحانه وتعالى تخرجك عن ذل الدنيا فأنت حين تستعين بغير الله فإنك تستعين ببشر مهما بلغ نفوذه وقوته فكلها في حدود بشريته.          


ولأننا نعيش في عالم أغيار فإن القوي يمكن أن يصبح ضعيفا، وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح في لحظة واحدة طريداً شريداً لا نفوذ له، ولو لم يحدث هذا.          


فقد يموت ذلك الذي تستعين به فلا تجد أحدا يعينك.          


ويريد الله تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا، فيطلب منه أن يستعين بالحي الذي لا يموت، وبالقوي الذي لا يضعف، وبالقاهر الذي لا يخرج عن أمره أحد، وإذا استعنت بالله سبحانه وتعالى كان الله جل جلاله بجانبك.          


وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك إلى قوة وَذُلك إلى عز، والمؤمن دائما يواجه قوي أكبر منه، ذلك أن الذين يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوي النفوذ الذين يحبون أن يستعبدوا غيرهم، فالمؤمن سيدخل معهم في صراع، ولذلك فإن الحق يحض عباده المؤمنين بأنه معهم في الصراع بين الحق والباطل، وقوله تعالى: "وإياك نستعين" مثل: "إياك نعبد"، أي نستعين بك وحدك وهي دستور الحركة في الحياة، لأن استعان معناها طلب المعونة، أي أن الإنسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته، حينئذ لابد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه.         


 لن يتخلى عنه بل يستعين به، وحين تتخلى الأسباب فهناك رب الأسباب وهو موجود دائما، لا يغفل عن شيء ولا تفوته همسة في الكون، ولذلك فإن المؤمن يتجه دائما إلى السماء، والله سبحانه وتعالى يكون معه.



سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn
مؤسس ومدير المنتدى
أحمد محمد لبن Ahmad.M.Lbn

عدد المساهمات : 26850
العمر : 67

سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Empty
مُساهمةموضوع: رد: سورة الفاتحة: الآيات من 01-07   سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 Emptyالخميس 21 مارس 2019, 11:56 pm

]اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [٦]صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [٧]
تفسير الأية: خواطر محمد متولي الشعراوي (ت 1418 هـ)
بعد أن آمنت بالله سبحانه وتعالى إلهاً ورباً، واستحضرت عطاء الألوهية ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه.

وأعلنت أنه لا إله إلا الله.

وقولك: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [الفاتحة: 5] أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه، وأعلنت أنك ستستعين بالله وحده بقولك: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5].

فإنك قد أصبحت من عباد الله.

ويعلمك الله سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن، وما دمت من عباد الله، فإن الله جل جلاله سيستجيب لك، مصداقا لقوله سبحانه: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة: 186].

والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا، لماذا؟، لأن الحياة الحقيقية للإنسان في الآخرة.

فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ولا تفارقه.

فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيراً ولا أن يمتلك عمارة مثلا، لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل، ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله إلى الجنة.

ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب، وهذا يستوجب الحمد لله، وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].

والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة.

هداية الدلالة هي للناس جميعا، وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله.

والله سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم، فمَنْ أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه، ومَنْ أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد.

هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله.

فقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى في منهجه بافعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه، وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي.

والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه، ولكن هل كل مَنْ بين له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟، نقول لا، واقرأ قوله جل جلاله: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [فصلت: 17].

إذن هناك مَنْ لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له، فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين، ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته.

ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة، ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟ الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله سبحانه وتعالى عليه ويحببهم في الإيمان والتقوى ويحببهم في طاعته، واقرأ قوله تبارك وتعالى: { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ } [محمد: 17].

أي أن كل من يتخذ طريق الهداية يعينه الله عليه، ويزيده تقوى وحبا في الدين، أما الذين إذا جاءهم الهدى ابتعدوا عن منهج الله وخالفوه، فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم ويتركهم في ضلالهم.

واقرأ قوله تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف: 36].

والله سبحانه وتعالى قد بَيَّنَ لنا المحرومين من هداية المعونة على الإيمان وهم ثلاثة كما بَيَّنْهُم لنا في القرآن الكريم:
{ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ } [النحل: 107].   
     
{ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ } [المائدة: 108]

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة: 258].

إذن فالمطرودون من هداية الله في المعونة على الإيمان هم الكافرون والفاسقون والظالمون، الحق سبحانه وتعالى يقول: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ما هو الصراط؟، إنه الطريق الموصلة إلى الغاية.

ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم.

لأن الله سبحانه وتعالى وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم، وهو أقصر الطرق إلى تحقيق الغاية، فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم.

ولذلك إذا كنت تقصد مكانا فأقصر طريق تسلكه هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولكنه مستقيم تماما.

ولا تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير.

بل باعوجاج صغير جدا ولكنه ينتهي إلى بُعد كبير.

ويكفي أن تراقب قضبان السكة الحديد، عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه فهو لا ينحرف في أول الأمر إلا بضعة ملليمترات، أي أن أول التحويلة ضيق جدا وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا.

بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات، إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا، ولذلك فإن الدعاء: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] أي الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات، الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق الله المستقيم.

لذلك فإن الإنسان المؤمن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى أقصر الطرق للوصول إلى الغاية، وما هي الغاية؟ انها الجنة والنعيم في الآخرة، ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا إلى الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها.

ولقد قال الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي: إنه إذا قال العبد: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] يقول جل جلاله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

يقول الحق تبارك وتعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] ما معنى {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]؟، اقرأ الآية الكريمة: { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } [النساء: 69].

وأنت حين تقرأ الآية الكريمة فأنت تطلب من الله تبارك وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أي أنك تطلب من الله جل جلاله، أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلاء لتكون معهم في الآخرة، فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة، لأن كل مَنْ ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم، وهكذا، فإن الطلب من الله سبحانه وتعالى هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه، والذي يوصلك في أسرع وقت إلى الدرجة العالية في الآخرة.

وعندما نعرف أن الله سبحانه وتعالى قال: (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)، تعرف أن الاستجابة تعطيك الحياة العالية في الآخرة وتمتعك بنعيم الله.        

 ليس بقدرات البشر كما يحدث في الدنيا، ولكن بقدرة الله تبارك وتعالى، وإذا كانت نعم الدنيا لا تعد ولا تحصى، فكيف بنعم الآخرة؟ لقد قال الله سبحانه وتعالى عنها: { لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ق: 35].

أي أنه ليس كل ما تطلبه فقط ستجده أمامك بمجرد وروده على خاطرك - ولكن مهما طلبت من النعم ومهما تمنيت فالله جل جلاله عنده مزيد، ولذلك فإنه يعطيك كل ما تشاء ويزيد عليه بما لم تطلب ولا تعرف من النعم، وهذا تشبيه فقط ليقرب الله تبارك وتعالى صورة النعيم إلى أذهاننا، ولكن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وبما أن المعاني لابد أن توجد أولا في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها، فكل شيء لا نعرفه لا توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه.

فنحن لم نعرف اسم التليفزيون مثلا إلا بعد أن أخترع وصار له مفهوم محدد.

تماما كما لم نعرف اسم الطائرة قبل أن يتم اختراعها، فالشيء يوجد أولا ثم بعد ذلك يوضع اللفظ المعبر عنه.

ولذلك فإن مجامع اللغات في العالم تجتمع بين فترة وأخرى لتضع أسماء لأشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها.

وما دام ذلك هو القاعدة اللغوية، فإنه لا توجد ألفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي سيعيشه أهل الجنة، لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على القلب، ولذلك فإن كل ما نقرؤه في القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط.

ولكنه لا يعطينا حقيقة ما هو موجود.

ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن الجنة في القرآن الكريم يقول: { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15].

أي أن هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط، يقرب ذلك إلى الأذهان، لأنه لا توجد ألفاظ في لغات البشر يمكن أن تعطينا حقيقة ما في الجنة.

وقوله تعالى: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7]، أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا.

ومنعت عنهم هداية الإعانة، الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله فاستحقوا غضبه.

ومعنى غير {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] أي يا رب لا تيسر لنا الطريق الذي نستحق به غضبك.

كما استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا أموال الناس بالباطل.

وقد وردت كلمة {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] في القرآن الكريم في قوله تعالى: { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ } [المائدة: 60].

وهذه الآيات نزلت في بني إسرائيل.

وقول الله تعالى: "ولا الضالين" هناك الضال والْمُضِل، الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ منهجاً غير منهج الله، ومشى في الضلالة بعيداً عن الهُدى وعن دين الله، ويُقال ضل الطريق أي مشى فيه وهو لا يعرف السبيل إلى ما يريد أن يصل إليه، أي أنه تاه في الدنيا فأصبح ولياً للشيطان وابتعد عن طريق الله المستقيم، هذا هو الضال، ولكن المضل هو مَنْ لم يكتف بأنه ابتعد عن منهج الله وسار في الحياة على غير هدى، بل يُحاول أن يأخذ غيره إلى الضلالة، يُغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبُعد عن طريق الله، وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه، إلا المُضِل فإنه يحمل ذنوبه وذنوب مَنْ أضلّهم مِصداقاً لقوله سبحانه: { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } [النحل: 25].

أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة تستعيذ بالله أن تكون من الذين ضلوا، ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يأتِ هنا بالمضلين.نقول إنك لكي تكون مضلا لابد أن تكون ضالا أولا، فالاستعاذة من الضلال هنا تشمل الاثنين.

لأنك ما دمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبدا.

بقي أن نتكلم عن ختم فاتحة الكتاب.

بقولنا آمين أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمه جبريل عليه السلام أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين، فهي من كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست كلمة من القرآن.

وكلمة آمين معناها استجب يارب فيما دعوناك به من قولنا: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6-7] أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه.

وآمين دعاء لتحقيق المطلوب، وكلمة آمين اختلف العلماء فيها، أهي عربية أم غير عربية.

وهنا يثور سؤال، كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم الله بأنه عربي، ؟ نقول أن ورود كلمة ليس من أصل عربي في القرآن الكريم.

لا ينفي أن القرآن كله عربي.

بمعنى أنه إذا خوطب به العرب فهموه، وهناك ألفاظ دخلت في لغة العرب قبل أن ينزل القرآن، ولكنها دارت على الألسن بحيث أصبحت عربية وألفتها الأذان العربية.

فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية وحدها، وإنما المراد أن القرآن نزل باللغة التي لها شيوع على ألسنة العرب.

وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قولا وفي الآذان سمعا.

فإن الأجيال التي تستقبله لا تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل عربي، فاللفظ الجديد أصبح عربيا بالاستعمال وعند نزول القرآن كانت الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية.

واللغة ألفاظ يصطلح على معانيها.

بحيث إذا أطلق اللفظ فهم المعنى.

واللغة التي نتكلمها لا تخرج عن اسم وفعل وحرف، الاسم كلمة والفعل كلمة والحرف كلمة، والكلمة لها معنى في ذاتها ولكن هل هذا المعنى مستقل في الفهم أو غير مستقل، إذا قلت محمد مثلا فهمت الشخص الذي سمى بهذا الاسم فصار له معنى مستقل، وإذا قلت كتب فهمت أنه قد جمع الحروف لتقرأ على هيئة كتابة، ولكن إذا قلت ماذا وهي حرف فليس هناك معنى مستقل، وإذا قلت "في" دَلَّتْ على الظرفية ولكنها لم تدلنا على معنى مستقل.

بل لابد أن تقول الماء في الكوب، أو فلان على الفرس، غير المستقل في الفهم نسميه حرفا لا يظهر معناه إلا بضم شيء له، والفعل يحتاج إلى زمن، ولكن الاسم لا يحتاج إلى زمن.

إذن الاسم هو ما دل على معنى مستقل بالفهم وليس الزمن جزءا منه، والفعل ما دل على فعل مستقل بالفهم والزمن جزء منه، والحرف دل على معنى غير مستقل، ما هي علامة الفعل؟!، هي أنك تستطيع أن تسند إليه تاء الفاعل، أي تقول كتبت والفاعل هو المتكلم، ولكن الاسم لا يضاف إليه تاء الفاعل فلا تقول محمدت، اذا رأيت شيئا يدل على الفعل أي يحتاج إلى زمن، ولكنه لا يقبل تاء الفاعل فإنه يكون اسم على فعل.

آمين من هذا النوع ليست فعلا فهي اسم مدلوله مدلول الفعل، معناه استجب، فأنت حين تسمع كلمة "آه" إنها اسم لفعل بمعنى أتوجع، وساعة تقول "أف" اسم فعل بمعنى أتضجر، وآمين اسم فعل بمعنى استجب، ولكنك تقولها مرة وأنت القارئ، وتقولها مرة وأنت السامع.

فساعة تقرأ الفاتحة تقول آمين، أي أنا دعوت يارب فاستجب دعائي، لأنك لشدة تعلقك بما دعوت من الهداية فإنك لا تكتفي بقول اهدنا ولكن تطلب من الله الاستجابة.

وإذا كنت تصلي في جماعة فأنت تسمع الإمام وهو يقرأ الفاتحة، ثم تقول آمين.

لأن المأموم أحد الداعين، الذي دعا هو الإمام، وعندما قلت آمين فأنت شريك في الدعاء، ولذلك فعندما دعا موسى عليه السلام أن يطمس الله على أموال قوم فرعون ويهلكهم قال الله لموسى: { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [يونس: 89].

أي أن الخطاب من الله سبحانه وتعالى موجه إلى موسى وهارون، ولكن موسى عليه السلام هو الذي دعا، وهارون أمَّنَ على دعوة موسى فأصبح مشاركا في الدعاء.

المصدر:
موقع السبيل جزاهم الله خير الجزاء

الرابط:
http://ar.assabile.com/read-quran/surat-al-fatiha-1



سورة الفاتحة: الآيات من 01-07 2013_110
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://almomenoon1.0wn0.com/
 
سورة الفاتحة: الآيات من 01-07
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات إنما المؤمنون إخوة (2020 - 2010) The Believers Are Brothers :: (العربي) :: خواطر الشيخ: محمد متولي الشعراوي :: سورة الفاتحة-
انتقل الى: