كلام الله:
الكلام هو الوسيلة إلى الإبانة عما في النفس، من معارف ونصائح ورغبات شتى، وتفهيم ذلك للآخرين، ولا شك أن الله سبحانه متصف بصفة الكلام، فقد ورد أنه سبحانه كلَّم موسى، ونطق القرآن بأنه (القرآن) كلام الله، فمصدر الكلام المسموع عنه تعالى لا بد أن يكون شأناً من شئونه، وصفة من صفاته جل وعلا.

ولقد عهد الله جلّ جلاله إلى ألوف مؤلفة من الملائكة بالقيام على شئون هذه الكائنات:
كالإحياء والإماتة، في أنحاء هذا العالم العريض، كما عهد إلى غيرهم بشئون شتى لا نعرف منها إلا القليل، وهذا التسخير الدائم خاضع لأوامر الله التي يتكلم بها: خلقاً، ورزقاً، ورفعاً، وخفضاً، ومحوراً وإثباتاً، وتقديراً، وتدبيراً.. إلخ.

ولا شك أن الله سبحانه عليم بكل شيء بما كان، وما هو كائن الآن، وما سيكون في المستقبل إلى مالا نهاية.

وما يدل على هذا العلم من كلمات لا نهاية لها كذلك، ألا ترى أن أحدنا في مباشرة أعماله المحدودة يحتاج إلى قاموس من الألفاظ، فما ظنك برب العالمين، الخالق لهذه الكائنات، والحاكم لها، والمدبر لأمورها والمنظم لشئونها، ألا يكون كلامه عز وجل من السعة والاستبحار على النحو الذي يقول الله تعالى فيه: "قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" سورة الكهف: 109.

وقال سبحانه: "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلام وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللِّه إِن َّاللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)" سورة لقمان: 27.

والكتب التي أنزلها الله على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام- مظهر من مظاهر اتصافه جل شأنه (بالكلام)، وقد كلم الله بعض أنبيائه كموسى عليه السلام وكالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج حين فرض عليه الصلاة، وسوف يكلم الله كثيراً من عباده يوم القيامة.

أما حقيقة الكلام كصفة من صفات الله جل جلاله فإنا لا نعلم كيفيتها، والذي نؤمن به أنها ليست كأي كيفية من كيفيات كلام المخلوقين ألفاظاً وتصنعها الشفتان واللسان، وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان فذاك شأن الإنسان، لا وصف الرحمن الذي: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ".

وإن اتصاف الله سبحانه بالكلام والتكليم هي إحدى صفاته الملازمة لكماله وجلاله، ومتى ما شاء تكلم بها إلى من يشاء: "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللُّه وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ (253)" سورة البقرة: 253.

الخلاصة:
*الله هو السميع البصير، الذي خلق السمع والبصر للمخلوقات، وهو السميع البصير الذي يسمع دعاء الداعي ويجيبه إلى حيث هو.

والسمع ما به تنكشف المسموعات، والبصر ما به تنكشف المبصرات.

وليس سمع الله وبصره كسمع الناس وبصرهم فهو سبحانه: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

*الله عليم لم يسبق علمه جهل، أو يعتريه نسيان، وعلم الله شامل محيط بكل شيء.

وإن سير الكون في غاية الدقة والإحكام والإتقان لشاهد على أن خالق هذا الكون المهيمن عليه، لا منتهى لعلمه سبحانه.

*الكلام هو الوسيلة إلى الإبانة عما في النفس: من معارف، ونصائح ورغبات شتى وتفهيم ذلك للآخرين.

*والله يتكلم إلى من يشاء من عباده وملائكته، أو غيرهم من المخلوقات التي يعلمها الله ولا حد لكلام الله سبحانه.

*والتكلم صفة من صفات الله فمتى ما شاء تكلم.

*وليس الكلام الإلهي ككلام البشر.

بل كلام يليق بجلاله وكماله ويناسب ذاته العلية.

الإسلام والإيمان والإحسان

الإسلام:

هو الاسم الذي عرف به الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه التسمية لم تكن اجتهاداً من الرسول عليه الصلاة والسلام وإنما كانت من الله تعالى حيث يقول: "وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسلامَ دِينًا".

والإسلام في اللغة:
يطلق على الطاعة والإذعان، وعلى الصلح والأمان وعلى الخلوص من الآفات الظاهرة والباطنة، ويطلق في الشرع على توحيد الله والانقياد لأوامره، والخضوع له، والإخلاص في العبادات التي جاءت من عند الله.

وليس هنا من موقف -منطقي- للمخلوق أمام خالقه سوى أن يستسلم له.

والدين هو النهج الذي به يتحقق استسلام العبد لربه؛ فسمي الدين بذلك إسلاماً في كل زمان ومكان -وإن اختص به أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام- فالله يقول: "إِن َّالدِّينَ عِنْدَ اللِّه الإسلام (9)" سورة آل عمران: 9.

ولقد جاء في رسالة سيدنا سليمان لملكة سبأ كما حكى القرآن: "لا تَعْلُوا عَلَي وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)" سورة النمل: 31.

وقال سحرة فرعون عندما آمنوا فتوعدهم فرعون بالعذاب: "وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (129)" سورة الأعراف: 129.

وكان دعاء يوسف عليه السلام: "تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)" سورة يوسف: 101.

وبهذا قال أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام: "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللِّه آمَنَّا بِاللِّه وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)" سورة آل عمران: 52.

وأنت تلاحظ أن كل ما في الكون قد خضع لقانون، واستسلم لما سن ربه من نظام، فكل ما في الكون إذن مسلم لربه خاضع لحكمه، حتى فم الكافر ولسانه فإنها لا تنطق إلا وفق سنن محددة، بغيرها لا تنطق، غير أن الإسلام الذي يطالب به، ليس إسلاماً إجبارياً كإسلام الكواكب والنباتات في خضوعها واستسلامها لتقدير خالقها قسراً، إنما الإسلام الذي نطالب به هو الخضوع الاختياري، الذي يبني عليه رضا الخالق سبحانه.

قال تعالى: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللِّه يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون (83)" سورة آل عمران: 83.

وأنت ترى أيها القارئ أن المسلمين وحدهم هم الذين بقوا على شعار الدين الحق، واسمه الصحيح؛ في حين باقي الأديان قد نسبت إما إلى قبيلة كاليهودية، أو إلى شخص كالمسيحية أو البوذية.

الإيمان:

يطلق في اللغة:

على التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم: "وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ" أي ما أنت بمصدق.

وأما من الشرع :
فيطلق تارة على التصديق بالله وملائكته إلى آخر ما يأتي في أركان الإيمان، وهذا إذا أطلق مقروناً بالإسلام كما في حديث جبريل، وتارة يطلق على الدين كله وذلك إذا أطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام نحو: "اللُّه وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا"، "وَاللُّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ".

الإحسان:

هو في اللغة:

إجادة العمل وإتقانه، وفي الشرع: تحسين الظاهر بالعبادة والباطن بالإخلاص.

ومجموع المراتب الثلاث السابقة هو الدين القويم الذي بعث الله به النبي الكريم  صلوات الله وسلامه عليه.

حديث جبريل:
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً) قال: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان.

قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) قال: صدقت فأخبرني عن الإحسان.
قال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال: فأخبرني عن الساعة.
قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) قال: فأخبرني عن أماراتها.
قال: (أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) قال: ثم انطلق فلبث ملياً ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) [49].


بيان ما في الحديث:
كفاك أيها الأخ القارئ ما احتوى عليه هذا البحث الشريف من مراتب الدين وشرائعه.

الأولى: الإسلام
هذه المرتبة الأولى، وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم هنا الإسلام على الأعمال والأقوال الظاهرة، التي هي الشهادتان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.

وقد يطلق الإسلام على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله، وفروعه: من عقائد، وعبادات، ومعاملات وأخلاق، كقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللِّه الإسلام".

الثانية: الإيمان
وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان هنا على: التصديق بالله، وملائكته، وكتبه، وسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وقد يطلق على الإفراد غير مقترن بالإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللُّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا (4)" سورة الأنفال: 2- 4.

الثالثة: الإحسان
هذه المرتبة الثالثة وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الإحسان هنا على تحسين الظاهر بالعبادة، والباطن بالإخلاص الكامل، وقد يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان فحينئذ يراد به الدين كله كقوله تعالى: "وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللِّه وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (22)" سورة لقمان: 22.

وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم تفسيراً وجيزاً مع وفائه بالمعنى وهذا لا يستطيعه إلا من آتاه الله جوامع الكلم.

فقال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا إخبار بأن مرتبة الإحسان على درجتين وأن للمحسنين في الإحسان مقامين متفاوتين.

المقام الأول وهو أعلاهما:
أن تعبد الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان.

فمن عبد الله عز وجل على استحضار قربه منه، وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه، أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم.

المقام الثاني: الإخلاص
وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله فهو مخلص لله تعالى غير ملتفت إلى غيره ولا مريد بعمله سواه.

والمحسن هو الذي يعبد الله بدافع من اقتناعه بأن الله يستحق الطاعة والعبادة والخضوع بغض النظر عن الأجر والثواب، أو العذاب والعقاب، فهو كذلك الذي يحسن إلى دولته وحكومته، يبذل كل الجهود لإقامتها ودعمها دون النظر إلى مكافأة أو معاقبة.

تراه يقظاً إلى كل ما من شأنه المساس بحكومته فيقوم ببذل كافة الجهود والمساعي لدفع الخطر، ودرء الفساد، دون النظر إلى أي شيء آخر، ذلك هو المحسن في دولته ومثله كمثل المحسن في دينه، ولهذا نجد رحمة الله قريب من المحسنين.

قال تعالى: "وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرضِ بَعْدَ إِصْلاحها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِن َّرَحْمَةَ اللِّه قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (56)" سورة الأعراف: 56.

وفاز المحسنون بحب الله قال تعالى: "وَأَحْسِنُوا إِن َّ اللََّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)" البقرة: 195.

كما يخبر الله أنه مع المحسنين وإلى صفهم: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِن َّاللَّه لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)" سورة العنكبوت: 69.

الخلاصة:

1-  الإسلام:

هو الاسم الذي عرف به الدين الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو يطلق في اللغة:
على الطاعة والإذعان، وعلى الصلح والأمان، وعلى الخلوص من الآفات الظاهرة والباطنة.

ويطلق في الشرع:

على توحيد الله والانقياد لأوامره والخضوع له.

فسمي الدين بذلك إسلاماً في كل زمان ومكان لأنه النهج الذي يتحقق به استسلام العبد لربه.

2-  الإيمان:

يطلق في اللغة:

على التصديق، وفي الشرع: يطلق تارة على التصديق بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهذا إذا كان مقروناً بالإسلام، وتارة: يطلق على الدين كله إذا ذكر على الإفراد.

3-  الإحسان:

وهو في اللغة:

إجادة العمل، وإتقانه.

وفي الشرع:
تحسين الظاهر بالعبادة، والباطن بالإخلاص.

والإحسان مطلوب في كل عمل.

ومجموع المراتب الثلاث هو الدين القويم الذي بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مبين في حديث جبريل عليه السلام.

القرآن يسبق العلوم الحديثة

القرآن كتاب هداية:

لم ينزل القرآن لتعليم الناس علم الكيمياء والهندسة أو الطب أو الزراعة أو غيرها من علوم استخلاف الأرض، التي فوض الله أمرها إلى الإنسان، الذي جعله خليفة في الأرض بعد أن منحه المقدرة على التعليم واكتساب المعارف في هذه المبادئ.

قال تعالى: "اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" سورة العلق: 3- 5.

وإذن فليس القرآن كتاباً علمياً بحتاً لهذه العلوم يجب أن نجد فيه كل ما نشاء من الحقائق العلمية في شتى ميادين العلوم السابقة.

لكن القرآن قد أنزله الخالق سبحانه لهداية الناس إلى أهم قضايا الحياة الإنسانية، يهديهم، فيعرفهم بربهم، ولماذا خلقهم، ويبين لهم دورهم على الأرض، وما الذي
ينتهي إليه الإنسان بالموت.

وما الذي ينتظرهم بعد موتهم.

كما يهديهم إلى أحسن الطرق التي يقيمون عليها حياتهم وسلوكهم، وأخلاقهم ومعاملاتهم.

قال تعالى: "إِن َّهَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ".

وقال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24)" سورة الأنفال: 24.

القرآن يشير إلى حقائق الخلق:
لكن القرآن قد أشار بآياته إلى سنن الخلق، وحقائق التكوين التي لها صلة بالعلوم السابقة، وبما أن القرآن صادر من واضع السنن كلها كان جميع ما جاء فيه حقاً لا شك فيه، وإن لم يكن مدركاً ذلك وقت نزوله إلا على طريق الإجمال والتأويل لضعف العلوم الإنسانية آن ذاك.

القرآن يعد بكشف الآيات لتدعيم الإيمان:
لكن الذي خلق الإنسان وعلمه، وأنزل القرآن وبينه أخبر في كتابه ووعد بأنه سيكشف للناس وللعلماء خاصة حقيقة ما في هذا القرآن من آيات بينة لتكون دليلاً لهم على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)" سورة فصلت: 53.

وقال تعالى: "وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6)" سورة سبأ: 6.

وقال تعالى: "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)" سورة الأعراف: 32.

الوعد يتحقق:
وقد تحقق وعد الله، وكان مما تحقق في عصرنا هذا عصر العلوم الكونية أنه كلما تقدمت الكشوف العلمية في ميدان من الميادين، كشفت للناس عن آيات الخلق الباهرة التي تزيد الناس إيماناً بربهم وخالقهم، وكشفت أيضاً عن معنى من المعاني، فإن القرآن قد تحدث بصراحة أو أشار إليه؛ وبقيت تلك الآية تؤول أو تفسر على غير معناها لعدم معرفة السابقين بحقائق خلق الله، ودقائق ما أشارت إليه الآية، فكان هذا نوعاً من إعجاز القرآن يظهر في عصر العلم الكوني يشهد بأن القرآن: كلام الله بما حوى من حقائق جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن ليس من عند رجل أمي أو من عند جيل من الأجيال البشرية لا يزال يعيش في جهل كبير، إنما هو من عند الذي خلق الكون وأحاط بكل شيء علماً وصدق الله القائل لنبيه: "وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)" النمل: 6.

آيات صريحة تسبق العلوم في تقرير حقائق ثابتة:
ومن الأمثلة على ذلك إخبار القرآن بحقائق كونية، جهلها الناس جميعاً وجاء التقدم العلمي كاشفاً لصدق ما أخبر به القرآن والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

1-  انفصال الأرض:
لقد ثبت لدى العلماء بصفة فعلية أن الأرض انفصلت عما في السماء، ولكن الاختلاف بين الباحثين ينحصر في تحديد الجزء الذي انفصلت عنه، فمن نظرية تقول: بأن الأرض انفصلت عن الشمس، ومن قائل: انفصلت عن نجم.

وإذا كان يصعب على الإنسان تصور أن هذه الأرض كانت جزءاً من السماء، فإن البدوي أكثر الناس سخرية من هذا القول، غير أن هذه الحقيقة الكونية قد أجراها الله على لسان رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فيما أوحي إليه من القرآن.

قال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَن َّالسَّمَاوَاتِ وَالأرضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُل َّشَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30)" سورة الأنبياء: 30 .

2-  الماء والحياة:
ولقد تضمنت الآية حقيقة أخرى، وهي أن سائل الماء أساسي لوجود الحياة فلا يوجد سائل على وجه الأرض يصلح أن يكون وسطاً صالحاً للتفاعلات الحيوية غير الماء.

ولقد ثبت لدى الباحثين أن بعض (البكتريا)، تستطيع الحياة بدون هواء غير أنه لا يمكن مطلقاً أن توجد حياة بدون ماء، كما تشير الآية إلى ذلك من قبل أن يعرف البشر شيئاً عن ذلك.

وإذا كانت الحقيقتان السابقتان قد عرفتا بواسطة الكفار، فما أحرى أن يكون الخطاب موجهاً لهم كما هو في الآية لعلهم يؤمنون.

3-  من بين فرث ودم:
بعد تقدم علم التشريح والأجهزة المكبرة في الآونة الأخيرة تتبع العلماء سير الطعام في الأنعام وبحثوا عن كيفية تكون اللبن فوجدوا أن الإنزيمات الهاضمة، تحول الطعام إلى فرث يسير في الأمعاء الدقيقة، حيث تمتص العروق الدموية (الخملات) المواد الغذائية الذائبة من بين ذلك الفرث فيسري الغذاء في الدم، حتى يصل إلى الغدد اللبنية؛ وهناك تمتص الغدد اللبنية المواد اللبنية (التي سيكون منها اللبن) من بين الدم فيتكون اللبن الذي أخرج من بين فرث أولاً، ومن بين دم ثانياً.

وذلك نص ما تنطق به الآية الكريمة:
"وَإِن َّلَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)" سورة النحل: 66.

4-  كأنما يصعد في السماء:

بعد أن تمكن الإنسان من الطيران، والصعود إلى السماء، والارتفاع إلى طبقات الجو العليا، عرف أنه كلما ارتفع إلى أعلى قلَّ الأكسجين والضغط الجوي، مما يسبب ضيقاً شديداً في الصدور، وعملية التنفس، وذلك عين ما تنطق به الآية الكريمة قبل طيران الإنسان بثلاثة عشر قرناً من الزمان.

قال تعالى: "فَمَنْ يُرِدْ اللُّه أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125)" سورة الأنعام: 125.

والحرج: شدة الضيق.

والآية تمثل مَنْ عمل ما يستحق به أن يُعاقبه اللهُ بإضلاله.

فمثل حاله عند سماعه الموعظة، وما يتصل بالإسلام، وما يصيبه من ضيق شديد كحال ذلك الذي يتصعد في السماء.

وما أدرى الرجل الأمي بتلك الحقيقة التي لا تُعرف إلا لله، وإلا لمن تصعد في السماء من بني الإنسان فهل كانت له طائرة طار بها؟

الظلمات التي في البحار العميقة والأمواج التي تغشاها:
كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة  كثيرة الماء (البحر اللجي) ظلمات شديدة، حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، ولا توجد هذه الظلمات الحالكة في ماء البحر الذي يحيط بالجزيرة العربية.

كما كشف العلم الحديث أن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وهو أطول وأعرض من الموج السطحي، وقد تمكن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار الصناعة أيضاً  والقرآن يذكر هذه الحقيقة قبل قرون.

قال تعالى: "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللُّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)" سورة النور: 40.

وهذه الظلمات هي نتيجة:
1-  كثرة الماء الذي هو (بحر لجي).
2-  الموج الداخلي الذي يعكس الأشعة فلا يسمح لكثير منها بالنفاذ إلى أسفل.
3-  الموج السطحي الذي يعكس الأشعة فلا يسمح لكثير منها بالنفاذ إلى أسفل.
4-  السحاب الذي يحجب كثيراً من الأشعة فلا يسمح لها بالنفاذ إلى أسفل.
فهي ظلمات بعضها فوق بعض.
وأسبابها المنشئة لها بعضها فوق بعض.

والجبال أوتاداً:
الوتد يغرس في الرمل لتثبيت الخيمة، وهكذا الجبال قد اخترقت بامتداداتها الطبقة اللزجة التي تقع في أسفل الطبقة الصخرية التي تكون القارات، فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد بالنسبة للخيمة فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يغرس في الصحراء وهكذا الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.

ولقد تأكد الباحثون من هذا في العام 1965م.

وعلموا أنه لولا أن الله قد خلق الجبال بشكل أوتاد لطافت القارات ومادت الأرض واضطربت من تحت أقدامنا، والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن.

قال تعالى: "والجبال أوتاداً"

وقال سبحانه: "وَأَلْقَى فِي الأرضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (15)" سورة النحل: 15.

السير في الأرض لمعرفة كيفية بدء الخلق:
إن تحديد المنهج العلمي للبحث أمر في غاية الأهمية، وهذه الآية القرآنية: "قُلْ سِيرُوا فِي الأرضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ.." تحدد لنا منهجاً علمياً لمعرفة كيفية بدء الخلق وتبين أنه لا بد لنا من أن نسير في الأرض باحثين ومنقبين، وأن معرفة تلك الكيفية التي بدأ بها الخلق تتوقف على سيرنا في الأرض، وهذا ما وجده الباحثون في هذا الزمان من أنه لا بد من دراسة عينات الصخور والمقارنة بين تركيبات الأرض المختلفة إذا أردنا أن نعرف بدء الخلق على الأرض فمن أخبر محمداً النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بكل هذا؟

5-  موج من فوقه موج:
وإلى قبل العام 1900م كان الناس جميعاً لا يعرفون إلا موجاً واحداً في البحار، هو ذلك الموج المشاهد على سطح الأرض فجاء البحارة الإسكندرنافيون ليشكفوا للعالم حقيقة كانت مخبوءة في أعماق البحار.

تلك الحقيقة هي أنه يوجد في أعماق البحار نوع آخر من الموج، وأنه يقذف بالغائصين فيه كما يقذف الذي فوق بالسابحين عليه، غير أن الله قد أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان.

قال تعالى: "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (40)" سورة النور: 40.

فتأمل كيف تنص هذه الآية على هذه الحقيقة؟!

وكيف تؤكد أنها طبقات بعضها فوق بعض؟

فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون من عهده إلى قبل 76 عاماً؟!

6-  مما تنبت الأرض:
كان المعلوم لدى الناس جميعاً، أن الذكورة والأنوثة لا توجد إلا في الإنسان والحيوان فقط، أما في النبات فهو كسائر الجمادات لا يتصف بذكورة أو أنوثة، وبالرغم من أن زراع النخل -مثلاً- يعلمون أن النخل لا يثمر إلا إذا أبر (لُقِّحَ) بضرب أجزاء الطلع بطلع نخلة أخرى، فإن ذلكم لم يكن يعني لديهم أي شيء غير أنها عادة، أثبتت التجارب نفعها، ولذلك نجد في الحديث الشريف قصة من هذا النوع.

فعندما مر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوم يؤبرون النخل نهاهم عن ذلك فانتهوا، ولم يحتجوا على رسول الله بقولهم: إن النبات مذكر ومؤنث ولا يتم الثمر إلا بالتلقيح (التأبير) بين المذكر والمؤنث، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم علمه البشري، يقصر عن إدراك الزوجية الموجودة في النخل لأن الأجزاء المذكرة والمؤنثة غاية في الصغر لذلك وجدناه ينهاهم.

فلما جاء وقت الثمر لم تثمر النخل، فذهبوا يشكون أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: (أنتم أعلم بشئون دنياكم) أي: إني لا أعلم بهذه الفنون الزراعية، وأنتم أعلم مني وليس ما قلت وحياً من الله إنما هو رأيي البشري.

وإذا كنا نرى نقصاً في علم الرسول صلى الله عليه وسلم البشري في إدراكه الزوجية في النبات فإن ذلك كان مجهولاً عند البشرية جميعاً حتى تقدمت أجهزة التكبير، وتقدم علم تشريح النبات وذلك نص ما جاء في الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36)" سورة يس: 36.

7-  وأنبتنا فيها من كل شيء موزون:
كان الناس جميعاً يجهلون الاختلاف في تكوين النباتات المختلفة حتى تقدمت العلوم في هذا العصر وكشفت أن جميع النباتات تتكون من مواد أساسية واحدة (كربون، أكسجين، أيدروجين، نتروجين، كبريت أو فسفور) وبعض المواد الضئيلة الأخرى، غير أن سبب اختلافها يرجع إلى اختلاف أوزان المواد في كل منها، وأن جذر كل نبات لا يمتص من مواد الأرض إلا مقادير موزونة محددة.

وبهذا نطق الكتاب، قال تعالى: "وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)" سورة الحجر: 19.

8-  خَضِرَاً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبَاً مُتَرَاكِبَاً:
جهلت البشرية طويلاً كيف تتكون الحبوب والثمار بل كيف تتكون الأجزاء المختلفة في النباتات.

وأخذ المفكرون يدرسون في هذا العصر كيف يكون النبات حبوبه وثماره علنا نقدر على محاكاته، ونصنع طعاماً كما يصنع؟ فأخذوا يدرسون الثمار والحبوب لتأخذ بأيديهم إلى السر الخفي، حتى وصلوا إلى نتيجة تعرف باسم التمثيل الضوئي، أو (التمثيل الكلوروفيلي)، حيث وجدوا أن في النبات مصانع خضراء صغيرة اسمها (بلاستيدات خضراء) هي التي تعطي النبات لونه الأخضر.

وأن هذه المصانع منها تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها الحبوب والثمار بل وسائر أجزاء النباتات.

وهذه المصانع الخضراء تخرج من النبات عند بد نموه والنبات يخرجه الماء من بذوره وأصوله.

وهذا عين ما نجده في الآية الكريمة: "وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِن َّفِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)" سورة الأنعام: 99.

فما أعجب هذا الكتاب الكريم يذكر الحقيقة ويدلنا على باب الوصول إليها بقوله: "انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ" ولما بدأ الإنسان يتفكر وينظر في الثمار وصل إلى الحقيقة "إِن َّفِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"!!

وتأمل الدقة في قوله تعالى: "فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا"

أي نخرج من النبات خضراً وخص ذلك (الخضر) بأن يخرج منه حباً متراكباً فالحديث عن الخضر لا عن النبات كله.

9-  فلا أقسم بمواقع النجوم:
إن الناظر البدائي يظن النجوم قريبة، وأنه إذا علا إلى رأس الجبل ربما لمس النجوم كما جاء على لسان فرعون في القرآن الكريم: "يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى".

غير أن التقدم العلمي جاء ليبين الأبعاد لمواقع النجوم وذلك ما جهله الإنسان طويلاً، فالشمس تبعد عنا مسافة 93 مليون ميل تقريباً ويقطع الضوء هذه المسافة في ثمان دقائق؛ لأن سرعة الضوء (300) ألف كيلومتر في الثانية.

والضوء يقطع المسافة بيننا وبين أقرب نجم إلينا في مدة أربع سنوات وربع، ومنها ما يبعد عنا مسافة يقطعها الضوء في مائة سنة، ومنها ما يسافر منها الضوء إليها في ألف سنة، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة مليون سنة، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في (340) مليون سنة، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة ملايين السنين!!

أليس هذا كشف لما تضمنته الآية الكريمة من حقيقة بقيت مجهولة مدة طويلة؟.

قال تعالى: "فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)" سورة الواقعة: 75، 76.

فمن أعلم محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة التي تعلن الآية جهل الناس بها وقت نزولها من العليم الخبير؟ ومن الأبعاد كما قررها العلم الجديد.
يتبع إن شاء الله...