أدلة الإيمان باليوم الآخر.
-1 إخبار الله به:
إن الذي خلق الناس، وجاء بهم إلى الدنيا جيلاً بعد جيل، وأخرجهم منها أمة بعد أمة، قد بين للناس حقيقة أمرهم، بواسطة رسل أيدهم بالمعجزات حتى لا يكذبهم أحد، فبين الله لعباده أنه قد قضى أن يستخلفهم في الأرض، ليعلموا فيها بما يأمرهم، وينتهوا عما ينهاهم، فتظهر بذلك طاعتهم من معصيتهم، فمن أطاع ربه فقد استحق الثواب، ومن تكبر وعصى فقد استحق العقاب.

ولم يخلق الله الدنيا لتكون دار الجزاء فقد خلق داراً للجزاء هي الدار الآخرة.

وإذا كانت الولادة هي الطريق إلى الدنيا، فقد جعل الله الموت هو الطريق إلى الدار الآخرة.

وهناك يتم الجزاء وتوفى كل نفس بما كسبت.

قال تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)" آل عمران: 185.

-2 لا معنى للوجود الإنساني بدونه:
إذا كان كل جزء من أجزاء السيارة، أو الطيارة، أو القلم قد صنع لحكمة فلا شك أن كل أجزاء السيارة وكل أجزاء الطائرة وكل أجزاء السيارة وكل أجزاء الطائرة وكل أجزاء القلم قد صنعت لحكم، ومن الجهالة الكبرى أن يظن إنسان أن السيارة أو الطيارة أو القلم قد صنعت عبثاً ولغير حكمة.

في الوقت الذي يؤمن بأن كل جزء من أجزاء السيارة أو الطائرة أو القلم قد صنع لحكمة، والإنسان ما من جزء فيه أو خلية أو عرق إلا وقد خلق لحكمة، ولا شك أن الإنسان بأجمعه إذن قد خلق لحكمة ولم يخلق عبثاً، وإذا قصرنا أنظارنا على الحياة الدنيا للإنسان فإنا لن نجد معنى أبداً لحياة الإنسان ووجوده أبداً.

لأننا سنجد الموت يقضي على كل حكمة، نتوهمها لتفسير وجود إنسان على الأرض، سيقول واهم: لقد خلق الإنسان لتحقيق الحياة السعيدة، أو يقول: لقد خلق الإنسان للصراع من أجل الحياة ونقول له: فلماذا يموت وهو لا يزال يصارع؟ أو يقول: لقد خلق الإنسان ليتمتع باللذات ونقول له: فلماذا يموت؟ وكل ما توهم الإنسان حكمة لحياته سيجد أن الموت يقضي على كل ما توهم.

ولقد أصبح كثير من الفلاسفة في حيرة كبرى، دفعت بهم إلى إنكار الحكمة من وجود الإنسان على الأرض ذلك لأنهم كما قال تعالى: "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)" الروم: 7.

فأصبح حالهم كحال من اقتصر على حياة الطفل في بطن أمه فقط، رأي أن نطفة صغيرة قد دخلت الرحم، وأخذت تنمو وتتكون منها الأجهزة المختلفة المحكمة والأعضاء المتوازنة السوية، رأي العين تتكون فلم يجد لوجودها داخل الرحم معنى، وشاهد الرئتين فلم يجد لهما قيمة، ورأي اليدين والقدمين تسويان فظن ذلك كله عبثاً، وزاد في حيرته أنه وجد الطفل بعد أن كمل تكوينه خرج إلى حيث لا يدري.

إن كل عاقل يرى أن الإنسان لم يخلق عبثاً ولا أن يكون قد خلق إلا لحكمة ولكنه إذا قصر نظره على الحياة الدنيا فلم يجد له حكمة أو معنى، إذن لا بد من حياة أخرى تتم الحياة الأولى وتعطي للوجود الإنسان قيمته ومعناه، إذن فقد صدقت شواهد الحياة ما قاله المرسلون تماماً كما ترى نصف سيارة أو نصف طيارة، أو نصف أي آلة من الآلات وتحاول أن تعرف الحكمة من ذلك النصف من الآلة قد صنع عبثاً إلا أنك لن تعرف الحكمة من نصف آلة فقط ولن يظهر لها معنى، وستجزم بأن لهذا النصف نصفاً آخر يتممه ويكلمه ويعطيه المعنى الذي صنع من أجله.

وكذلك أمر الحياة الأولى والحياة الأخرى لا يظهر معنى للوجود الإنساني إلا بالإيمان بهما.

-3 تحقيق لعدل الله:
إن حب العدل صفة حميدة في الإنسان، والله خالق الإنسان، ولا شك أنه أكمل وأعظم من مخلوقاته، فلا شك أن الله عادل لا يشبهه أحد في عدله من مخلوقاته، وليس ما نشاهده من عدل في مخلوقات الله إلا أثر من آثار عدله سبحانه.

ونحن نشاهد أن عدل المخلوق منا يرفض التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي، والمحسن والمسيء، والقاتل والمقتول، ويبذل المخلوق جهده لإقامة العدل كما يراه الناس  في بلادهم.

وهنا يأتي السؤال:

وأين العدل الإلهي؟ لماذا يعاقب المسيء ويثيب المحسن؟ ولن نجد أمامنا إلا أحد أمرين:

-1 إما أن نفتري كذباً وباطلاً ونقول -أستغفر الله- إن عدل المخلوق أكمل من عدل خالقه.

-2 وإما أن نقول كما قال المرسلون: إن عدل الله قائم في الدنيا بإعطاء المهلة الكافية للإنسان، ثم ينقله إلى دار الجزاء حيث يكون الحساب على كل صغيرة وكبيرة وإن تك مثقال ذرة، وواضح أن الجواب الأول يخالف العقل والمنطق لما بقي مع العقل إلا أن يقول بما قال به رسل الله.

قال تعالى: "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)" الجاثية: 21.

"وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللُّه النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِن َّاللَّه كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا" آخر سورة فاطر.

"وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِل َّوَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى (135)" طه: 134 - 135.

-4 إقامة للحق:
إن الله سبحانه قد خلق كل شيء بالحق، وأقام السموات والأرض بالحق، فما تجد ذرة من الذرات إلا وقد خلقها الله بحجمها الصحيح ووزنها الصحيح وقدرها الصحيح في مكانها الصحيح، وكذلك كل جزء من أجزاء الكون إلا حياة الإنسان في الدنيا فإنك تجد الصالح في غير مكانه اللائق به، وتجد الفاسد في غير مكانه الذي يستحقه، إن ملاحظة وضع الأمور بالحق صغيرها وكبيرها يجعل العقول ترجع بل تؤمن بأن الله ما ضيع الحق في حياة الناس، ولكن كما قال المرسلون بأن للحق في حياة الإنسان يوماً خاصاً هو اليوم الآخر.

قال تعالى: "وَخَلَقَ اللُّه السَّمَاوَاتِ وَالأرضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22)" الجاثية: 22.

-5 إكمال لحاجات كيان الإنسان:
لقد خلق الله كل جزء من أجزاء الإنسان، وخلق له ما يكفيه: خلق القلب وخلق له من الدماء ما تكفيه، وخلق المعدة وخلق لها من الطعام ما يكفيها، وخلق العين، وخلق لها من الضوء ما يكفيها وهكذا.

ولا نجد شيئاً في الإنسان ليس له ما يكفيه إلا تلك الآمال الواسعة فإنه لا يكفيها من العمر إلا الخلود، ولا يكفيها من الحاجات إلا أن تحصل على كل ما تشتهي، وإذا رأينا الحياة الدنيا لم نجد فيها الكفاية لهذا الجانب الهام من كيان الإنسان، فلماذا خلقت الآمال والواسعة في الإنسان إذن؟! وما يكفيها؟!

إذا رأيت آلة من الآلات قد جهزت مستلزماتها، ثم وجدت فتحة كبيرة في هذه الآلة فلا شك أنك ستقول: إن صانع هذه الآلة صانع حكيم ولا يمكن أن يكون قد صنع هذه الفتحة عبثاً وإذا كنت شاهداً أنها بحاجة إلى غطاء فلا شك أن الصانع قد صنع لها غطاء وإذا كان غير موجد الآن فربما كان في مكان آخر، وإذا لم يأت من الصانع إلا هذا فالراجح عقلاً أن الغطاء سوف يأتي وربما تأخر في الطريق.

وهل يبقى لك شك إذا وصلتك رسالة من الصانع تخبرك بالغطاء، وأنه سيأتي إليك؟ هل يبقى في قلبك شك؟

قال تعالى: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَملاً (46)" الكهف: 46.

وقال تعالى: "وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102)" الأنبياء: 102.

-6 الاحتفاظ بالأعمال للنظر فيها:
لقد ثبت أخيراً ثبوتاً قاطعاً أنه ما من صوت من الأصوات، ولا عمل من الأعمال، ولا حركة من الحركات، إلا وهي مسجلة في سجل الكون، ومدونة في كتاب الوجود، فليس شيء منها ضائعاً ولا يمكن لشيء منها أن يزول.

ولقد صنعت آلة تصوير حديثة تمكن بها الباحثون أن يصوروا أحداثاً بعد ساعة من وقوعها ولقد جاء في تفسير قوله تعالى: "إِذَا زُلْزِلَتْ الأرضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتْ الأرضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)" سورة الزلزلة: 1-8.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا" فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم.. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها.. أن تقول: عمل كذا وكذا قال: فهذه أخبارها [42].

وإذا كان الباحثون في هذا الزمان قد اكتشفوا أن كل عمل محفوظ مسجل على صفحة الوجود، فلماذا سجلت الأعمال إذن؟ ألا تجد العقول جواباً إلا أن تقول سجلت الأعمال لإعادة عرضها ولكنا لا نرى الإعادة في الدنيا!

إذاً لا بد أن العرض سيكون بعد هذه الحياة كما نطق الكتاب وقال المرسلون.

حقيقة الحياة الدنيا

الإنسان خليفة:

إذا تأمل الإنسان في مكانته على الأرض وجد أنه المخلوق الذي غلب غيره من المخلوقات، ووجد أنه لم يخلق شيئاً من هذه المخلوقات التي يتصرف فيها كيفما شاء، بل سيجد بتفكره أن الإمكانيات التي تمكن بها من أن يستخدم غيره ليست من خلقه، فالعين التي يبصر بها، واليد التي يعمل بها، والقدم التي يتحرك بها، والأذن التي يتعلم ويسمع بها والعقل الذي يفكر به، والأعضاء المختلفة التي تحافظ على حياة الإنسان، وهو بأكمله ليس من خلق نفسه وليس الإنسان بمالك لشيء من نفسه ولا لشيء من المخلوقات التي ينتفع بها ويسخرها لمصالحه فيكف تأتي للإنسان أن يتصرف فيما لا يملك؟!

ولا نجد جواباً لهذا السؤال إلا أن الخالق للإنسان والمخلوقات هو الله سبحانه وتعالى قد اختار الإنسان لدور الخلافة فسخر له المخلوقات وأعطاه إمكانيات تمكن بها من استخلاف غيره وتسخيرها.

الحكمة من الاستخلاف:
لا تكون الحكمة من الاستخلاف إلا أن يعمل المستخلف ما يريد صاحب الملك، وهكذا فالحكمة من وجود الإنسان على الأرض واستخلافه عليها ليس إلا أن يعمل الإنسان ما يريد الخالق الذي خلقه في الأرض واستخلفه عليها.

وطاعة الإنسان لربه هي العبادة:
قال تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِن َّوَالإنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون (57) إِن َّاللَّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)" الذاريات: 56 - 58.

امتحان الطاعة:
وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان هي العبادة لله سبحانه وتعالى فإن هذه الحياة الدنيا ليست إلا امتحاناً لهذه الطاعة فقد اقتضت حكمة الله أن تكون الدنيا دار اختبار للطاعة، والآخرة دار الجزاء، والموت انتقال من دار العمل إلى دار الجزاء.

قال تعالى: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)" الملك: 1، 2.

وقال تعالى: "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)" الكهف: 7، 8.

وقال تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَن َّاللُّه الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَن َّالْكَاذِبِينَ (3)" العنكبوت: 2، 3.

وعلم الله هو علم الوقوع، فالله يعلم كل شيء سبحانه ولا يريد أن يحاسبنا إلا بعمل وقع منا بالفعل، وشهد به سمعنا وأبصارنا والملائكة وهذه الأرض التي تحملنا فلا يكون هناك عذر لأحد.

الامتحان بالشدائد:

إذن لا بد من امتحان الخليفة ليظهر المطيع من العاصي، وهناك يأتي الامتحان الأول بالشدائد ويحتسب ذلك في سبيل الله ويحاول دفع الشر والأذى، ولكن دون أن يرتكب معصية أو يستحل حراماً أو يحرم حلالاً، فيظهر بذلك صدق إيمانه، وإذا كان منافقاً فإنه لن يحتمل الشدائد أو يصبر ويحتسب ذلك لله، بل تراه ضائقاً بقدر الله ساخطاً يحاول التخلص مما هو به ولو بارتكاب المعاصي، فيظهر بذلك نفاقه أو كفره.

قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ" البقرة: 155.

وقال تعالى: "وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً" الأنبياء: 35.

الامتحان بالخير:
قال تعالى: "وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ" العاديات: 8.

فالامتحان بالخيرات أشد من الامتحان بالشدائد، ولا يظهر صدق الإيمان إلا بتقلب أحوال الناس بين الخير والشر.

قال تعالى: "وَتِلْكَ الأيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" آل عمران: 140.

فالامتحان بالخير هو أن يبسط الله على عبده ما يشاء من النعم، ليرى هل يشعر أنه مستغن بالنعم عن خالقه؟ فينسى ربه ويركن إلى النعم فيصرف همه إليها بدلاً عن ربها، فيطغى في الأرض ولا يصبر على عبادة الله ولا ينفق هذه النعم في سبيل الله، ولذلك كان تقليب أحوال الناس بين الخير والشر هو المحك الصادق لصدق الإيمان.

قال تعالى: "وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ (17)" الجن: 16، 17.

فالإنسان في فتنة وامتحان طوال حياته على الأرض حتى يموت وينتقل إلى دار الجزاء.

وإن أشد الامتحان هو الامتحان بالخيرات.

قال تعالى: "كَلَّا إِن َّالإنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)" العلق: 6 - 7.

ولكن المؤمن القوي لا يزلزله الامتحان بالشدائد، كما أنه لا يطغيه الامتحان بالخير.

تذكر من نسي لعله يرجع:
فإذا بدأ الناس ينسون ما جاءهم من ربهم وأخذوا يرتكبون المعاصي سلط الله عليهم الفساد والشدائد لتذكيرهم بربهم وتنبيههم من غفلتهم لعلهم يرجعون إلى الله تعالى.

"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" الروم: 41.

الأخذ بغتة بعد فتح أبواب كل شيء:
أما إذا طغى النسيان لما جاء من عند الله وزاد الكفر، فإن العقوبة تكون بأن يفتح الله لهؤلاء الغافلين أبواب كل شيء ثم يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون.

قال تعالى: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ" الأنعام: 44.

الموت انتقال إلى دار الجزاء:
ويأتي الموت، وتنتهي حياة الناس جيلاً بعد جيل، وما الموت إلا خروج من دار العمل ودخول إلى دار الجزاء.

قال تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ" آل عمران: 185.

وهكذا ندخل في الدنيا عرايا لا نملك شيئاً، فنملك ونعطى ويستخلفنا الله ويخولنا ما شاء لأجل معلوم.

ومدة محدودة ليمتحن المطيع من المعاصي:
ثم يأتي الموت ويسترد الله ودائعه، ونخرج من الدنيا كما دخلنا فيها ولكن بعد أن تميز الخبيث من الطيب، وظهر المطيع من المعاصي، والمؤمن من الكافر والمنافق ليجد كل جزاء عمله وثمرة سعيه.

قال تعالى: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ" الأنعام: 94.

الخلاصة:
إن الذي خلق الناس وجاء بهم إلى الدنيا قد بين لهم حقيقة أمرهم بواسطة رسل أيدهم بالمعجزات، وبين لهم أنه لم يخلقهم عبثاً، فما من جزء من الإنسان أو خيله أو عرق فيه إلا وقد خلق لحكمة، ولا شك إذن أن الإنسان بأجمعه قد خلق لحكمة ولم يخلق عبثاً، والحكمة هي استخلافهم في الأرض لعبادة خالقهم فيعملون فيها بما يأمرهم، وينتهون عما ينهاهم فمن أطاع خالقه فقد استحق الثواب، ومن تكبر وعصى فقد استحق العقاب وليست الدنيا دار الجزاء وإنما هي الدار الأخرى، وإذا كانت الولادة هي الطريق إلى الدنيا فقد جعل الله الموت هو الطريق إلى الأخرى ليتم الجزاء على ما عمل، وكل الأعمال محفوظة، ولقد ثبت أخيراً أنه ما من صوت من الأصوات ولا عمل من الأعمال ولا حركة من الحركات إلا وهي مسجلة في سجل الكون ومدونة في كتاب الوجود.

قال تعالى: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ" الأنعام: 94.

وقد جعل الله للإنسان مهلة كافية في هذه الدنيا عدلاً منه ورحمة.

وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان هي العبادة فإن هذه الحياة ليست إلا امتحاناً، وقد يمتحن الله عباده بالشدائد ليظهر بذلك صدق الإيمان فالمريض يصبر ويحتسب ذلك لله.

وقد يمتحنهم بالخير وهو أشد من الامتحان بالشدائد، ولكن المؤمن لا يزلزله الامتحان بالشدائد كما أنه لا يطغيه الامتحان بالخير.

ويأتي الموت وهو الخروج من دار العمل، ودخول إلى دار الجزاء، وكما دخلنا الدنيا فرادى لا نملك شيئاً، كذلك نخرج منها قال تعالى: "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ" الأنعام: 94.

"سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِين" الصافات: 182-180.

الدين وأهميته

ما هو الدين؟

الدين هو الطريق والمنهج [43]، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" التوبة: 33.

وقال تعالى: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللِّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي" سورة  يوسف: 108.

ويفهم من هاتين الآيتين وغيرهما أن القرآن يريد من لفظ (دين): طريقة ومنهج الحياة الإنسانية الفكرية والعلمية.

هل الدين ضروري للبشرية؟

إن أي عمل من الإنسان العاقل لا بد أن يسبقه رأي أو فكرة أو عقيدة تحدد له الهدف من عمله، وتصور له خطوات عمله قبل مباشرة العمل.

ولو أراد الإنسان أن يعمل عملاً بدون رأي سابق أو عقيدة تحدد الهدف من العمل وطريقة فعله، لكان الفاعل من زمرة المجانين أو السكارى الذين يعبثون بأفعالهم فتكون أفعالاً لا جدوى منها ولا هدف لها، وفيها يضيع كل ما استخدم لها.

هذا بغض النظر عما إذا الرأي أو العقيدة السابقة للفعل صحيحة أم باطلة.

المهم أن تعرف أن العقيدة أو الرأي أو النية تسبق الفعل وتحدد الهدف منه وطريقة فعله.

وإذا كان سير الفلك والشمس والقمر والليل والنهار والرياح والسحب والمطر ونمو النبات وحركة الحيوان يتم بطريقة آلية منظمة لا دخل لهذه المخلوقات فيها، أو بطريقة غريزية محددة توجه سير الحيوان، فإن الله قد جعل العقيدة أو الرأي أو النية هي المحددة لسير الإنسان وسعيه، قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) [44].

ولما كانت أعمال الإنسان كثيرة ومتشيعة في ميادين شتى، فإن الإنسان بحاجة ماسة إلى خطة فكرية (عقيدة) عامة تربط بين جميع أعماله وتنسقها وتجعلها متعاونة متساندة تصب في نقطة واحدة، وتلتقي عند هدف واحد هو الهدف العام من وجود الإنسان على هذه الحياة.

أي أنه بغير طريقة عامة، ومنهج عام يحدد سير الإنسان على هذه الحياة وينظم مساعيه تذهب أعمال الإنسان سدى.

وتتصادم تصرفاته وأفعاله، وتضيع كل جهوده، معنى هذا أن (الدين) الطريقة والمنهج  ضروري للإنسان ولا غنى له عنه.

الدين القيم:

ويجب أن تتوفر في الدين -الطريقة والمنهج- الصالح الذي يفي بحاجات البشر عدة شروط:
أولاً:

أن يكون واضعه وصاحبه على علم بالحكمة من خلق الإنسان على هذه الأرض، وأن يحدد هذا الدين: الهدف العام من حياة الإنسان على وجه الأرض، وأن يحدد دور الإنسان ومكانته ومنزلته في هذا الكون.

وبدون تحديد للهدف العام من حياة الإنسان الذي تنخرط تحته كل الأهداف الفرعية لشتى جوانب حياة الإنسان، والذي ينسق بين هذه الجوانب المختلفة، ويربط بينها، ويدعم بعضها ببعض، بدون ذلك الهدف تصبح حياة الإنسان كحياة حكومة مفككة الوزارات، لا يربطها رابط أو كسيارة مفككة الأجزاء تعمل كل قطعة وحدها، لا تجدي، ولا تنفع وبغير معرفة للهدف العام من حياة الإنسان يحيا الإنسان حائراً، تائهاً، ضائعاً ملفوفاً بظلمات حالكة، يعمل، ويشقى، ويكدح، وهو لا يدري لماذا؟

ثانياً:
أن يكون واضع هذا الدين وصاحبه، عارفاً وعالماً بكل صغيرة وكبيرة تتعلق بشتى مجالات الحياة الإنسانية المختلفة، حتى يتمكن من وضع دين شامل لكل جوانب الحياة البشرية والروحية، والفكرية، والخلقية، والسياسة، والاقتصادية، والحربية، والقانونية، والعائلية، والشخصية، ذلك لأن الحياة الإنسانية نتيجة للتفاعل القائم بين هذه الجوانب المتفرعة في الكيان الإنساني، ولأن الحياة الإنسانية ترتبط أجزاؤها ارتباطاً وثيقاً، وتلتصق كل ناحية بالأخرى التصاقاً تاماً لا ينقطع، ولا ينفعل، ويؤثر كل جانب على الجانب الآخر ويتأثر به، ويربط هذه النواحي جميعاً دم واحد، وتدب في أوصالها جميعاً حياة واحدة، هي الحياة الإنسانية وارتباط الحياة الإنسانية كارتباط أجزاء الجسم المختلفة بعضها ببعض.

وإذا سلخنا جانباً من هذه الجوانب أو تناسيناه كان ذلك سلخاً لجزء من الكيان الإنساني أو تناسياً له، وتشويهاً للحياة البشرية.

ولو أخذنا بدين سينظم الحياة الاقتصادية فقط (لأنه ينظر للإنسان كمعدة جائعة فقط) نكون بهذا قد حاولنا إلغاء الجوانب الأخرى من الحياة الإنسانية، وشوهنا الفطرة البشرية ونكون كمن يحاول الإبقاء على المعدة في الإنسان مع إلغاء باقي أجهزة الجسم المختلفة ولا بد أن يأتي يوم تصدمنا الفطرة البشرية، التي لا يلائمها هذا الدين المبتور، فإن لكل من الحياة السياسية، والاجتماعية والسياسية، والخلقية، والفكرية والروحية، والقانونية، أثراً هاماً في غيرها وأثراً أيضاً في الناحية الاقتصادية: الفردية والجماعية.

ثالثاً:
أن يكون الدين ثابتاً يحيط بعلاج السلوك البشري، ولا تقلبه الأحداث اليومية، وأن يكون مرناً يتلاءم مع كل ما يمكن أن يطرأ في حياة البشر.

فلا يضطر الناس إلى تبديل دينهم في كل يوم، أو في كل عام، ولن يكون للدين صفة المرونة والثبات إلا بأحد أمرين:
-1 أن تكون قواعده وأحكامه متعلقة بالفطرة البشرية والخلقية الإنسانية الثابتة التي لم تتغير ولم تتبدل، فالحكمة من أنف آدم عليه السلام لا تزال هي نفس الحكمة من أنفك، وهي نفس الحكمة من أنف أي إنسان في أي زمان وفي أي مكان، وكذلك كل جزء من أجزاء جسمك "فِطْرَةَ اللِّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَه..".

فالإنسان في الهند، أو الصين أو أوربا، أو أمريكا، هو نفس الإنسان في البلاد العربية في تركيبه الجسدي وتكوينه الفطري، وهو نفس الإنسان في زمن الفراعنة، وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي يومنا هذا، فإذا كانت أحكام الدين متعلقة بإصلاح الفطرة البشرية والخلقة الإنسانية التي لم تتغير ولا تتغير فإن هذا الدين تكون له صفة الثبات ما بقيت تلك الخلقة ثابتة.

-2 أن يكون مصوغاً في قواعد عامة  إجمالية  في الأمور التي تختلف صورها، وتتبدل أشكالها، حتى يكون مناسباً مطبقاً، على كل صورة من صور الأوضاع الإنسانية، التي تتغير باختلاف الزمان أو المكان.

رابعاً:
أن يكون واضع هذا الدين وصاحبه على علم كامل بدخائل النفوس البشرية، التي تحرك الحياة وتدفعها، والتي حيرت العلماء الفلاسفة، فاختلفوا في أمرها، واتفقوا جميعاً على صعوبة فهم أحوالها، أو يتحتم على واضع الدين للإنسان أن يكون على علم دقيق بكل ما يؤثر في النفس البشرية من عوامل الإصلاح أو الفساد.

خامساً:
أن تكون لهذا الدين من الحوافز ما يكفي لحمل الناس على تنفيذه والخوف من مخالفته، إذ لا معنى لدين لا ينفذ أو يطبق.

عجز البشر عن وضع الدين القيم:
وإذا تأملنا في الشروط الضرورية السابقة اللازمة لوجود الدين القيم الذي ينظم الحياة البشرية، ويهدي الإنسانية في مسالك حياتها المتشعبة المترابطة المعقدة، والذي لا غنى للإنسانية عنه وجدنا أن الإنسان لا يقدر على اصطناع دين لنفسه للأسباب الآتية:

-1 أن الهدف العام الذي خلق الإنسان من أجله، والذي ترتبط به كل شعوب الحياة، وتستمد وجودها ومعناها منه، وأن الهدف العام لخلق هذه الأجيال البشرية المتعاقبة، لا يمكن للإنسان أن يحيط به، أو يدركه وحده، فلا يعلم ذلك إلا خالق الإنسان، وإذاً فكل دين أرضي لا بد أن يكون وحده، فلا يعلم ذلك إلا خالق الإنسان.

وإذاً فكل دين أرضي لا بد أن يكون خالياً عن الهدف العام لحياة الإنسان، أو به خطأ، وبذلك تبقى الحياة الإنسانية أوصالاً مفرقة.

كل ناحية منها تعمل في ميدان، كأجزاء تلك السيارة المبعثرة المفرقة التي يعمل كل منها على حدة دون ربط أو تنسيق أو معنى أو فائدة عامة.

-2 إن علم الإنسان بنفسه ناقص، وهو يزداد يوماً بعد يوم، كما أنه لا يوجد شخص من الناس، أو جماعة منهم تدعى أنهم قد أحاطوا علماً بدخائل النفوس البشرية، ودقائق تركيبها، وسنن نشاطها المتعددة والمتنوعة، وعلاقة فروع الحياة بعضها ببعض، وقيمة كل فرع وأهميته وما يناسبه من العمل، لأن ذلك يقتضي معرفة بأدق أسرار خلق الإنسان وتكوينه.

وذلك ما لم تصل إليه العلوم البشرية مجتمعة.

فالقادة لشتى هذه العلوم يقولون: عرفنا أشياء، وغابت عنا أشياء وكل يوم علمنا يزداد.

ولا يزال علماء النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وغيرهم في خلاف شديد، وتباين بعيد حول هذه الموضوعات المعقدة، فإلى متى يجب أن ينتظر الناس، حتى يحيطوا علماً بكل ما يتصل بحياتهم من ذات أنفسهم حتى يتمكنوا من وضع (الدين القيم) الذي تسعد به حياتهم؟ ألا ليت الناس عرفوا الطريق القريب السهل إلى ذلك، ووفروا على أنفسهم مشقات الضلال والإضلال، ونتائج قصور علمهم وجهالتهم، وتوجهوا إلى خالقهم، الذي يعرف كل أمر من أمورهم، وكل صغيرة وكبيرة في تكوينهم فيهتدوا إلى الصراط المستقيم.

-3 ولجهل البشر بفطرتهم، فهم يجهلون كيف سيسلك البشر غداً عند تبدل الأحوال، ودخول عوامل جديدة في ميادين الحياة؟  
فالإنسان لا يستطيع أن يضع ديناً ثابتاً مستقراً،
شاملاً، مرناً يلائم ظروف الحياة المتجددة، فكل ما يقدر عليه الإنسان أن يضع بعض النظريات القاصرة، ويدعو الناس لتجربتها مدة من الزمن لحين ظهور أخطائها عندئذ تقوم دعوة بالإصلاح لذلك الخطأ لتدخل في تجربة جديدة وأخطاء جديدة.


وهكذا تعيش الشعوب تحت التجارب كأنها حيوانات تقام عليها التجارب، وترصد النتائج، وما من تجربة إلا ولها أخطاؤها، والشعوب هي التي تتحمل الأخطاء، وتذهب ضحية لذلك القصور في علم البشر.

"قُلْ اللُّه يَهْدِي لِلْحَقِّ" سورة يونس: 35.

وإذا كان البشر عاجزين عن وضع الدين القيم فمن إذاً يضع لهم هذا الدين الذي لا غنى لهم عنه؟

لا شك أن صاحب الحق الوحيد في هذا الأمر، هو الخالق سبحانه لبني الإنسان.

فالهدف العام من حياة البشر، هو إرادة تخص الخالق وحكمة في علمه سبحانه، لا يعلمها أحد إلا بتعليم منه سبحانه.

فالحكمة من أي مصنوع إنما تعلم بإرشاد من صانعه، قال تعالى: "أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" سورة الملك: 14.

وقال تعالى: "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ" سورة البقرة: 255.

وقال تعالى: "أَلا للَه الْخَلْقُ وَالأمرُ" سورة الأعراف: 54.

والله وحده الذي يحيط علماً بدقائق خلق الإنسان وكل ما يتصل به، قال تعالى: "هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأرضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ" سورة النجم: 32.

ويسخر القرآن بأولئك (المتعالمين) قائلاً: "قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللُّه" سورة البقرة: 140.

ويقول سبحانه: "فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللُّه بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)" سورة التين: 7، 8.

وإذاً فربنا أعلم بما يصلحنا، وبما يضرنا، وبما يسعدنا، وبما يشقينا.

الحق إذن أن يكون الخالق هو الذي يصنع الدين ويرسم حدود المنهج والطريق الذي يجب أن يسير عليه الإنسان.

وكل الناس يسلمون بهذا الحق:
حق الهداية والتوجيه لكل صاحب صنعة، فالناس يخضعون ويستسلمون لكل إرشاد يأتيهم من صانع أي آلة.

كما أن صانع الآلة هو مرجعهم عند حدوث أي خلل وفساد في آلته التي صنعها.

فكيف تغفل البشرية أو تتناسى أن الخالق وحده هو الذي يقدر على إرشاد الخلق إلى طرق الصلاح؟!

ثم أليس الخالق هو المالك لكل ما نستخدمه ونتصرف فيه؟ فكيف يحق لنا أن نتصرف فيما لا نملكه بدون إذن مالكه؟ إن مالك السموات والأرض، إن الذي خضعت له الكائنات في الأرض والسموات واستسلمت لأمره، وسارت تحت مشيئته أدق أعمال أجسامنا لا شك أنه الأولى بالاتباع والطاعة "أَفَغَيْرَ دِينِ اللِّه يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83 )" سورة آل عمران: 83.

"قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّه بِدِينِكُمْ وَاللُّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرضِ وَاللُّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" سورة الحجرات: 16.

الدين والفطرة:
إن أي صانع مصنوعه، إلا بعد تحديد الحكمة منه، ووظيفة كل جزء منه وطريقة عمله، ومنهج سير هذه الأجزاء، فيأتي الصنع وفقاً للمنهج والخطة، فإذا أراد شخص تعديلاً في المنهج لابد أن يصحبه تعديل في الصنع والتركيب، لأن الصنع الأول كان مطابقاً للمنهج الأول، وإلا لابد من حدوث الخلل والفساد في المصنوع "وَلله الْمَثَلُ الأعْلَى".

فالله سبحانه ما خلق الإنسان إلا لإرادة قد حددها، ومنهج يسير عليه، ويعمل وفقاً له، ذلك هو (الدين) الذي خلق الإنسان طبقاً له، وتبعاً له ولا يستقر حال الإنسان ما لم يسر على أحكام الدين وهداه، لأن دين الخلق والفطرة.

ومن أراد تغييراً في الدين وهداه، لأنه دين خلق الله لكي يكون الخلق جديداً مطابقاً للتبديل الجديد.

ولقد قال (هارولد لاسكي) أحد كبار المفكرين البريطانيين في أحد كتبه:
إن علينا أن نخلق إنساناً إذا أردنا أن نشرع له.

وصدق الله العظيم القائل: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللِّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللِّه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" سورة الروم: 30.

يتبع إن شاء الله...