الباب الثاني والعشرون: ما جاء في التنزيل من هو وأنت فصلاً
------------------------------------------------------
ويسميه الكوفيون بالعماد وذلك يجيء بين المبتدأ والخبر وبين اسم كان وخبره وبين اسم إن وخبره وبين مفعولي ظننت وبابه وهو كثير في التنزيل‏.‏
فمن ذلك قوله تعالى‏:‏ وأولئك هم المفلحون فأولئك مبتدأ والمفلحون خبر وهم فصل‏.‏
والكوفيون يقولون‏:‏ عماد‏.‏
ويجوز أن يكون هم ابتداء ثانياً والمفلحون خبر والجملة خبر أولئك‏.‏
ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ إنك أنت العليم الحكيم فالكاف نصب اسم إن وأنت مبتدأ‏.‏
وما بعده خبر‏.‏
والجملة خبر إن‏.‏
ويجوز أن يكون أنت فصلاً في الكلام والخبر العليم‏.‏
ويجوز أن يكون أنت نصباً صفة للكاف وإن كان ضميراً مرفوعاً‏.‏
قال سيبويه‏:‏ لو قلت‏:‏ مررت بأنت أو بإياك لم يجز لأن هذه علامات المنصوب والمرفوع‏.‏
إن قال قائل‏:‏ إذا جاز‏:‏ مررت بك أنت‏.‏
ورأيتك أنت ونحوه وفي التنزيل‏:‏ إنك أنت التواب الرحيم فجاز أن يتبع هذه العلامات التي تخص بالرفع المجرور كما فعل ذلك في قولك‏:‏ مررت بك أنت و‏:‏ رأيتك أنت ونحو ذلك‏.‏
فلم لا يجوز‏:‏ مررت بأنت‏.‏
ورأيت أنت فالقول في ذلك‏:‏ أنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع نحو‏:‏ يا زيد والحارث‏.‏
و‏:‏ رب رجل وأخيه‏.‏
و‏:‏ مررت بهم أجمعين‏.‏
و‏:‏ يا زيد الطويل والطويل‏.‏
وقوله‏:‏ فعلفتها تبناً وماءً بارداً ومن ثم كان الصفة عند أبي الحسن معمول التبعية وهذا كثير جداً‏.‏
ومثله قوله تعالى‏:‏ إنه هو التواب الرحيم‏.‏
وإنني أنا الله‏.‏
و لا إله إلا أنا‏.‏
في أنا الأوجه الثلاثة وكذلك‏:‏ إن ترن أنا أقل منك ويجوز فيه الصفة والفصل دون الابتداء لانتصاب قوله‏:‏ أقل‏.‏
وقال الله تعالى‏:‏ إن كان هذا هو الحق من عندك‏.‏
هو على الفصل والوصف‏.‏
وقال‏:‏ كنت أنت الرقيب عليهم‏.‏
وقال‏:‏ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق فالذي أنزل بصلته‏.‏
المفعول الأول والحق هو المفعول الثاني وهو فصل لا غير كقوله‏:‏ هو الحق من عندك‏.‏
وقال‏:‏ ولكن كانوا هم الظالمين فهم فصل‏.‏
وقال‏:‏ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً فهو فصل أو وصف للهاء في تجدوه‏.‏
وقال الله تعالى‏:‏ إن هذا لهو الفوز العظيم وقال‏:‏ إنهم لهم المنصورون فأدخل اللام على الفصل‏.‏
وكذلك قوله‏:‏ ولا تستعجل لهم كأنهم فيمن جعل اللام لام الابتداء في قوله‏:‏ لهم المنصورون وارتفع هم بالابتداء‏.‏
وقوله‏:‏ كأنهم مع اسمه وخبره خبر هم وكأن الوقف على قوله‏:‏ ولا تستعجل‏.‏
ومن جعل اللام جارة من صلة تستعجل وقف على من نهار‏.‏
والفصل يفارق حكمه حكم ما كان صفة للأول ويفارق أيضاً حكم ما كان مبتدأ وخبراً في موضع خبر الأول‏.‏
فأما مفارقته للصفة فإن الصفة إذا كانت ضميراً لم يجز أن يوصف به غير المضمر‏.‏
تقول‏:‏ قمت أنت ورأيتك أنت ومررت بك أنت ولا يكون صفة للظاهر لا تقول‏:‏ قام زيد هو ولا‏:‏ قام الزيدان هما‏.‏
وليس الفصل كذلك لأنه يدخل بعد الظاهر ومفارقة البدل له أنك إذا أردت البدل قلت‏:‏ ظننتك أنت خيراً من زيد وظننته هو خيراً منه‏.‏
ومما يفصل بين الفصل والصفة والبدل‏:‏ أن الفصل يدخل عليه اللام ولا يدخل على الصفة والبدل كما تقول في الفصل‏:‏ إن كان كذلك لهو الظريف‏.‏
وفي التنزيل‏:‏ وإن كنا نحن الغالبين وإن كنا لنحن الصالحين‏.‏
فنصب‏:‏ الظريف والغالبين والصالحين‏.‏
وقال الله تعالى‏:‏ وإن الله لهو خير الرازقين وإنا لنحن الصافون‏.‏
ولا يجوز أن تقول‏:‏ إن كنا لنحن الصالحين في الصفة والبدل لأن اللام تفصل بين الصفة والموصوف والبدل والمبدل منه‏.‏
وأما مفارقته لما كان مبتدأ وخبراً فإن الفصل لا يغير الإعراب عما كان قبل دخوله والمبتدأ يغير تقول إذا أردت الفصل‏:‏ كان زيداً هو خيراً منك‏.‏
وإذا جعلت هو مبتدأ قلت‏:‏ كان زيد هو خير منك وليس للفصل موضع من الإعراب‏.‏
واعلم أنه لا يقع الفصل إلا بين معرفتين أو بين معرفة وما قارب منها‏.‏
ولا يقع بين نكرتين ولا بين معرفة ونكرة‏.‏
فقوله‏:‏ تجدوه عند الله هو خيراً خيراً مقارب للمعرفة لأن خيراً أفعل وأفعل يستعمل معها من كذا ظاهراً أو مضمراً فيخصصه ويوضحه‏.‏
وأما قوله تعالى‏:‏ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فهؤلاء مبتدأ وبناتي عطف بيان وهن فصل وأطهر لكم خبر وهؤلاء بناتي معرفتان جميعاً وأطهر لكم منزلته منزلة المعرفة في باب الفصل لأنه من باب‏:‏ زيد هو خير منك‏.‏
وقرأ محمد بن مروان من أهل المدينة‏:‏ أطهر بالنصب‏.‏
وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنه قرأها‏:‏ هن أطهر لكم بالنصب‏.‏
فقال‏:‏ احتبى في لحنه‏.‏
وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ‏:‏ هن أطهر لكم بالنصب‏.‏
ومعنى قول أبي عمر‏:‏ احتبى في لحنه‏:‏ كقولك‏:‏ اشتمل بالخطأ وتمكن في الخطأ ونحو هذا مما يوجب تثبيت الخطأ عليه وإحاطته به‏.‏
قال أبو عثمان‏:‏ وجه النصب في أطهر لكم‏:‏ أن تجعل هن أحد جزأي الجملة وتجعله خبر بناتي كقولك‏:‏ زيد أخوك هو‏.‏
وتجعل أطهر حالاً من هن أو من بناتي والعامل فيه معنى الإشارة كقولك‏:‏ هذا زيد هو قائماً أو جالساً أو نحو ذلك‏.‏
وإنما لحن من لحن لأنه لم ير قوله هن تمام الكلام وإنما رأى قوله هن فصلاً ورأى أطهر الخبر‏.‏
فلم ير ذلك تم به الكلام‏.‏
ومن طريف ما ذكرنا‏:‏ أن سيبويه قال‏:‏ وأما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا منزلة قوله‏:‏ ما أظن أحداً هو خيراً منك ويجعلونها فصلاً في هذا الموضع‏.‏
وزعم يونس‏:‏ أن أبا عمرو رواه لحناً وقال‏:‏ احتبى مروان في ذه في اللحن‏.‏
وذلك أنه كان يقرأ‏:‏ هؤلاء بناتي هن أطهر لكم‏.‏
وكان الخليل يقول‏:‏ والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلاً في المعرفة وتصييرهم إياها بمنزلة ما إذا كانت ما لغواً لأن هو بمنزلة أبوه ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغواً كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما‏.‏
ومما يقوي ترك ذلك في النكرة‏:‏ أنه لا يستقيم أن تقول‏:‏ رجل خير منك ولا أظن رجلاً خيراً منك حتى تنفي وتجعله بمنزلة أحد فلما خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء وفي الابتداء لم يجر في النكرة مجراه لأنه قبيح في الابتداء وفيما أجري مجراه من الواجب فهذا مما يقوي ترك الفصل‏.‏
وهذه الآية ما وقع هن فيها بين نكرتين وليس بحجة لأهل المدينة ولكنه وقع في الكتاب هاهنا موقعه في باب آخر وقد بينا هذا‏.‏
وأما قوله تعالى‏:‏ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً يرتفع مولود بالعطف على والد لإعادة العاطف مؤكداً‏.‏
ولأن كونه مبتدأ ممتنع لتنكيره فيستدعي التخصيص بالوصف ولو كانت الجملة وصفاً احتاج إلى الخبر ولا خبر هنا وهو تأكيد لما في مولود أو مبتدأ وجاز خبره والجملة وصف له ولا يكون هو فصلاً لأن ما هو بينهما نكرتان‏.‏
وأما قوله تعالى‏:‏ ومكر أولئك هو يبور فإن هو فصل ويبور خبر المبتدأ الذي هو مكر أولئك وأولئك جر بالإضافة‏.‏
قال أبو عثمان‏:‏ زيد هو يقول ذاك هو فصل ولا أجيز الفصل بين الأسماء والأفعال‏.‏
ولا يجوز في الماضية كما جاز في المضارعة وذلك أن سيبويه قد قال‏:‏ إني لأمر بالرجل خير منك وبالرجل يكرمني وهما صفة على توهم الألف واللام فكذلك في الفصل أتوهم الألف واللام في الفعل ويكون بمنزلة الغاية بين المعرفتين‏.‏
كما أقول‏:‏ كان زيد هو خير منك على توهم الألف واللام في خير منك‏.‏
ولا يجوز‏:‏ كان زيد هو منطلقاً‏.‏
لأني أقدر على الألف واللام وإنما وأما قوله تعالى‏:‏ أن تكون أمة هي أربى من أمة فموضع أربى رفع لأن قوله أمة اسم تكون وهي ابتداء وأربى خبره والجملة خبر كان ولا يجوز أن تكون هي هاهنا فاصلة لأن أمة نكرة وأربى وإن قاربت المعرفة فيستدعي كون معرفة قبلها‏.‏
وأما قوله‏:‏ قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه فقوله جزاؤه مبتدأ‏.‏
وقوله من وجد خبر المبتدأ والتقدير‏:‏ أخذ من وجد أي‏:‏ أخذ الإنسان الذي وجد الصاع في رحله والمضاف محذوف وفي وجد ضمير الصاع العائد إلى من الضمير المجرور بالإضافة فهو جزاؤه ذكرت هذه الجملة تأكيداً للأول أي أخذه جزاؤه ومن بمعنى الذي على هذا وإن جعلت من شرطاً و وجد في رحله في موضع الجزم والفاء في قوله فهو جزاؤه جواب الشرط والشرط والجزاء خبر المبتدأ جاد وجاز‏.‏
وكان التقدير‏:‏ جزاؤه إن وجد الصاع في رحل إنسان فهو هو لكنه وضع من الجملة إلى المبتدأ عائد لأنه إذا كان من شرطاً أو بمعنى الذي كان ابتداء ثانياً ويكون الفاء مع ما بعده خبراً وتكون الجملة خبر المبتدأ والعائد هو الذي وضع الظاهر موضعه‏.‏
ويجوز أن يكون جزاؤه خبراً وهو فصل‏.‏
وأما قوله‏:‏ وهو بالآخرة هم كافرون لا يجوز الفصل هنا‏.‏
فإذا لم يجز الفصل كان هم الثانية‏:‏ إما صفة وإما ابتداء وجازت الصفة لأن الأول مضمر فيجوز أن يكون المضمر وصفاً له‏.‏
ونراها أشبه لأنك إذا جعلته ابتداء فصلت بين اسم الفاعل وما يتصل به بمبتدأ وهما أذهب في باب كونها أجنبيات من الصفة لأن الصفة متعلق بالأول والمبتدأ أجنبي من اسم الفاعل‏.‏
وأما قوله‏:‏ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون يحتمل هم ثلاثة أضرب‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكون مرتفعاً بمضمر دل عليه ينتصرون لأن هذا الموضع فعل‏.‏
ألا ترى أن جواب إذا حقه أن يكون فعلاً فإن أظهرت ذلك الفعل كان ينتصرون لأن الضمير حقه أن يتعلق بالفعل كما يكون أنت فانظر في بيت عدي‏.‏
ومن أجاز إضمار الفاء واستدل بقوله‏:‏ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون جاز أن يرتفع هم على قوله بالابتداء والتقدير‏:‏ فهم ينتصرون إلا أنه حذف الفاء‏.‏
وهو على تقدير العربية أن يكون صفة للضمير المنصوب في أصابهم وليس بالقوي في المعنى‏.‏
ألا ترى أن البغي إذا أصابهم هم أو أصاب أصحابهم وجب عليهم الانتصار لهم كما يجب انتصارهم لأنفسهم‏.‏
وإنما قلنا قياس قول سيبويه رفع قوله هم بمضمر لأنه قد قال في قوله إن يأتني زيد يضرب‏:‏ إنه يرتفع بفعل مضمر يفسره يضرب ولا فصل بين إذا وإن‏.‏
ووصل الذين بإذا يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله‏:‏ أزيد إذا أتاك يضرب إذا جعلته جواباً ولم تقدر به التقديم - وإن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ مضمر يفسره يضرب ولا فصل بين إذا وإن ووصل الذين بإذا يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله‏:‏ أزيد إذا أتاك يضرب - إذا جعلته جواباً ولم تقدر به التقديم وأن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ مضمر أو صلة تشبه بإن كما شبهت إذا أيضاً بها في قول من جازى بها في الشعر‏.‏
ولا يجوز ذلك في حين ولا في غير الأسماء التي تتضمن معنى الشرط والجزاء‏.‏
ولا يحمل إذن على اسم الزمان في وصل الذي بها‏.‏
هذا كله كما ترى درر نظمتها لك وفي الكتاب فصل يخالف هذا‏.‏
قال سيبويه‏:‏ واعلم أن هو تكون فصلاً إلا في الفعل ولا تكون كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء وذكر باب حسبت وكان فقط‏.‏
قال أبو بكر‏:‏ ولم يذكر باب إن هنا ولا باب الابتداء بإن قال‏:‏ فأذكر أنه لا يكون فصلاً إلا في الأفعال وتأويل الآية في حد إن على أنها مبتدأة وهي قوله‏:‏ لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون‏.‏
ويدل أيضاً على صحة قوله‏:‏ أن سيبويه لما ذكر في هذا الكتاب ما يكون هو وأخواتها فيه فصلاً ذكر باب حسبت وأخواتها وكان وأخواتها ولم يذكر إن‏.‏
قال أبو سعيد‏:‏ ومن مذهبه أنهن يكن فصلاً في إن وفي الابتداء‏.‏
وإنما ابتداء بالفعل وخصه لأنه لا يتبين الفصل إلا فيه وإن والابتداء لا يتبين الفصل بهما في اللفظ لأنك إذا قلت‏:‏ زيد هو خير منك فما بعد هو مرفوع على كل حال وإن جعلت هو فصلاً أو جعلته مبتدأ‏.‏
وإنما يتبين في كان وأخواتها وظننت وأخواتها الفصل من الابتداء لأن أخبارها منصوبة تقول‏:‏ كان زيد هو أخوك إذا جعلت هو ابتداء وأخوك خبره والجملة خبر زيد وكذلك‏:‏ ظننت زيداً هو أخوك وإذا كان فصلاً قلت‏:‏ كان زيد هو أخاك وظننت زيداً هو أخاك‏.‏