اتباع سنة الخلفاء الراشدين

د. سعد بن مطر العتيبي


طريق الاستدلال باتِّبَاعُ سُنَّة الخُلَفَاءْ الراشدين:

ومن أسس السياسة الشرعية اتِّباع سنة الخلفاء الراشدين فيها ، وهو طريق مهم من جهة اتباعهم في الجزئيات وفي طريقة النظر الفقهي المضبوط بحماية المقاصد الشرعية .

والمراد بالخلفاء الراشدين : الخلفاء الأُول الأربعة : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين .

فهم المعنيّون عند جماهير العلماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي … )) " ؛ بل قد حكى الإجماع على ذلك ، ودلَّل عليه غير واحد من العلماء المحققين (1) .

والمراد بسنَّة الخلفاء الراشدين : ما أفتى به وسنَّه الخلفاءُ الراشدون أو أحدُهم ؛ للأمَّة ، وجمعوا الناس عليه ، ولم يخالف نصّاً ، وإن لم يتقدم من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيءٌ .

ذكره ابن القيم رحمه الله في معرض استدلاله للاحتجاج بأقوال الصحابة ، والخلفاء الأربعة هم صفوة الصفوة رضي الله عنهم أجمعين (2) ؛ وهذه المسألة أخص ؛ وهي من باب أولى .

فهذا يُتَّبع الخلفاء فيه متى تحقق مناطه ، وإن خالف فيه بعض الصحابة باجتهاد ؛ فقد أقرَّ الصحابة بعضهم بعضاً في مسائل تنازعوا فيها ولم يعنف بعضهم بعضاً بها.
قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله : " وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها ، على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم ؛ كمسائل في العبادات ، و المناكح ، والمواريث والعطاء ، والسياسة وغير ذلك ... وهم الأئمة الذين ثبت النص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم " (3) .

أمَّا مَا سنَّه الخلفاء الراشدون ، ولم ينقل أنَّ أحداً من الصحابة خالفهم فيه ؛ فهذا من مسائل الإجماع .

قال أبو العباس ابن تيمية :

" والذي لا ريب فيه أنَّه حجة : ما كان من سنَّة الخلفاء الراشدين الذي سنُّوه للمسلمين ، ولم ينقل أنَّ أحداً من الصحابة خالفهم فيه ؛ فهذا لا ريب أنَّه حجَّة ؛ بل إجماع . وقد دلَّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي … )) " (4) .

ومما يحسن التنبيه إليه أنَّ عمل الخلفاء الراشدين يعدّ من مرجحات معاني المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم عند اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم فيه (5) .

-ويدل على حجيَّة الأخذ بسنَّة الخلفاء الراشدين أدلَّة ، منها :

1) قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ )) رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وغيرهم . و صححه جمع من أهل العلم ، منهم الترمذي ، والبزار ، والحاكم (6) .

فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرن سنة خلفائه الراشدين بسنته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وأنَّ سنتهم في طلب الاتباع كسنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، " وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأنَّ يُعض عليها بالنواجذ ؛ وهذا يتناول ما أفتى به جميعهم، أو أكثرهم، أو بعضهم؛ لأنَّه علّق ذلك بما سَنَّه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنَّهم لم يسنُّوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد ؛ فعلم أنَّ ما سنَّهُ كل واحد منهم في وقته فهو من سنَّة الخلفاء الراشدين " قاله ابن القيم رحمه الله (7) ؛ ولو خالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى ،كما قال الخطابي رحمه الله (8) .

2) قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إِنِّي لا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ )) رواه الترمذي وابن ماجه ، وحسنه الترمذي ، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم .

ففي هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بأبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - زيادة تأكيد على ما في سابقه من الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم .

3) أنَّ رأيهم أقوى من رأي غيرهم ؛ لأنهم شاهدوا طريق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أحكام الحوادث ، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص ، والمحال التي تتغير باعتبارها الأحكام ؛ فبهذه الأحوال يترجّح رأيهم على رأي من لم يشاهدوا شيئاً من ذلك (9) ؛ وهم أعرف بالمقاصد ؛ فهم القدوة في فهم الشريعة وما يجري على مقاصدها (10) .

هذه جملة مختصرة في بيان هذه الطريق ، التي هي من طرائق الاستدلال المهمَّة في مجال السياسة الشرعية ؛ وهي أخصّ من مسألة الأخذ بقول الصحابي التي كثر كلام الأصوليين فيها .

بخلاف هذه المسألة ، مع تخصيص بعضهم لشواهدها ، من مثل حمل بعض الأصوليين تولية عثمان بن عفان رضي الله عنه بشرط اتباع سيرة الخلفاء الراشدين بقوله : " المراد متابعته في السيرة والسياسة ".

وظاهر الأدلة أنَّ المراد أعم من ذلك كما سبق بيانه ، والله تعالى أعلم .
--------------------------
(1) ينظر : عارضة الأحوذي ، لأبي بكر ابن العربي : 10/146 ؛ وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة ، للعلائي : 49 ؛ وشرح الطيبي :1/330 ؛ وجامع العلوم والحكم ، لابن رجب : 2/122 ؛ ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، لملا علي القاري : 1/109 ؛ و سنة الخلفاء الراشدين – بحث في المفهوم والحجية ، لزيد بو شعراء :98 ، جامعة محمد الخامس بالمغرب .

(2) ينظر : إعلام الموقعين ، لابن القيم : 4/176 ؛ وجامع العلوم والحكم ، لابن رجب : 2/ 123- 126 ؛ و سنة الخلفاء الراشدين – بحث في المفهوم والحجية ، لزيد بو شعراء :98 ، وما بعدها .. وينظر : تحرير مسألة حجية قول الصحابي في كتب الأصول ، ومن أجمع ما كتب في ذلك كتاب : الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله ، لشيخنا / د. عبد الرحمن بن عبد الله الدرويش .
(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 19/122-123 .
(4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 20/573-574 .
(5) ينظر : سنة الخلفاء الراشدين – بحث في المفهوم والحجية ، لزيد بو شعراء :306 .
(6) قال الحاكم : " وقد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء على ما أدى إليه اجتهادي … وقد صحّ هذا الحديث والحمد لله " (المستدرك :1/96-98) ؛ وينظر : جامع العلوم والحكم ، لابن رجب : 2/109 ؛ و إرواء الغليل ، للألباني : 8/107 .
(7) إعلام الموقعين : 4/176 ؛ وينظر : الاعتصام ، للشاطبي :1/87-88 ؛ والموافقات ، له : 4/290-293،449 ؛ وإجمال الإصابة في أقوال الصحابـة ، للعلائي :49-50 ؛ وجامع العلوم والحكم ، لابـن رجب : 2/120-121 ؛ وكشف الأسرار ، للبخاري : 3/407 ، 414 .
(8) معالم السنن : 7/12 ، بحاشية مختصر سنن أبي دواد ، للمنذري ؛ وينظر : شرح السنـة ، للبغوي :1/207 ؛ وتهذيب سنن أبي داود ، لابن قيم الجوزية : 7/12، بحاشية مختصر سنن أبي داود للمنذري .
(9) ينظر : أصول السرخسي : 2/108 .
(10) ينظر : روضة الناظر ، لابن قدامة : 1/405 ؛ والموافقات ، للشاطبي : 4/132-133، 293، 409 ؛ وينظر لمزيد الفائدة : عصر الخلافة الراشدة ، لأكرم ضياء العمري :82-85 .