الفصل الحادي عشر Ocia1651
النيل: حياة نهر
الفصل الحادي عشر

ينزل غبارٌ كثيف من الشمال الشرقيِّ إلى القاهرة، وهذه هي طريق الصحراء الكبرى، وهي تَسُوق إلى العاصمة كلَّ من يَصِلُ من سورية، سواءٌ من ناحية دمياط أو على طول القناة القديمة الآتية من البحر الأحمر، ويتجمَّع الجمهور أمامَ أسوار المدينة سائرًا بسرعة من جميع القُرَى المجاورة، فسيُحْتَفَل غدًا بوفاء النيل، وترانا في ١٥ من أغسطس سنة ١٣٩٥، والوقتُ بعد الظهر، ويحسب الفارسُ السنة وفق التاريخ الهجريِّ، فيقول إنها سنة ٧٧٣.

وذلك الفارسُ غريب عنا، وذلك الفارسُ تركيٌّ حارب تحت إمرة بَرْقُوقَ من غير أن ينال مرتبةً أو أن يَحُوزَ صيتًا، ولكن بمثلِ شجاعة من ساعدهم الحظُّ فغَدَوْا من عظماء التاريخ، ومن المحتمل أن سَلَبَ مغوليًّا من قتلى جيش تيمورلنك في معركةٍ دارت رَحَاهَا في تلك السنوات، ولَمَّا يمضِ كبيرُ زَمَنٍ على عَوْدَة القائد الذي يَدْفَع إليه أجرَه، على عودة بَرْقُوقَ إلى القاهرة منصورًا.

وبرقوقُ هذا كان مملوكًا شركسيًّا فقَبَضَ على زمام السلطة مرتين عن جسارةٍ وحيلةٍ ومثَّلَ دَوْرَ سلطانِ مصر في سَوْرَةٍ من الجهد والإجرام، ويَتبَع ذلك الفارسُ برقوقَ في مخاطره ومغامراته طَمَعًا في مشاهدة تلك المدينة المشهورة الزاهرة منذ قرونٍ كثيرة، ويَعرِض مِضْيَافٌ شريفٌ على ذلك الفارسِ التركيِّ أن يكون نزيلَه، وقد يقضي شهرًا هنا، وقد يقضي جميعَ حياته هنا إذا أراد الله ذلك.

وليس السفر شاقًّا؛ فطريقُ الصحراء مُوَشَّاة بسلسلةٍ من الفنادق العامة التي يَجِدُ فيها الحُجَّاج والبُرُد والمهاجرون والمسافرون ما يحتاجون إليه هم وجمالهم من الماء والطعام؛ وذلك لأن الفاطميين وخلفاءَهم أنشئوا لسُعَاتِهم وكتائبهم طريقًا بين مصرَ والشامِ بَلَغَتْ من الجودة، ومرابطَ بَلَغَتْ من حسن النظام، ما كان البريد يَقْطَع معه ما بين القاهرةِ ودمشقَ في أربعة أيام.

ويشقُّ ذلك الفارس طريقًا لنفسه بين الغُبَار والحرِّ وبين أصوات الإنسان والحيوان فيزيده إسراعه تَعَبًا، ويرافقه عبدٌ واحدٌ فقط، يرافقه سائسُ فرسه؛ ولا يستطيع الناظر من بعيد أن يَمِيزَ أحدَ الرجلين الأعفرين من الآخر، ويُبصِر الناظر من قريب أن أحدهما راكبٌ جوادًا أصيلًا حاملٌ سلاحًا أحسنَ مما لدى الآخر.

والآن يُبْصِر الفارس من خلال الهواء المهتزِّ حرارةً سورًا أصفرَ عاليًا مع عِدَّةِ أبراجٍ بارزة بين زُرْقَة السماء، ولكن أين القلعة؟ ولكن أين القِبَاب والمآذن؟ ولكن أين النيلُ الذي حُدِّثَ عنه كثيرًا ولم يَرَ غيرَ شُعَبٍ هزيلة وتُرَعٍ ضيقة له؟ هو لم يشاهد حتى الآن ما يختلف عما رآه في آسية.

وتدنو الدهماء من باب النصر ذي الأبراج المربَّعَة المدورة قليلًا نحو الخارج فتبدو هذه الأبراج أقربَ إلى الوعيد مما إلى الترحيب، ويَصرُخ الصرَّافون والمَكاسون ورجالُ الشُّرْطة بين الغُبار وتدافع الناس، وتَلمَع تحت الأقواس العربية —وفي الكُوَّات— سيوفٌ وحِرابٌ، فمما حَدَث غيرَ مرةٍ أن أسفر الهجومُ المفاجئ على أحد تلك الأبواب عن تقرير مصير أُسرةٍ مالكة بأَسْرها، ويُسَرُّ السُّيَّاح، فهنالك ظلٌّ! والسُّيَّاح يَفْرَحُون بتلك الدقائق القليلة التي يَقْضُونها في حِمًى من النور بين تلك الحجارة العظيمة الحامية، بين الآتين والمنتظرين، بين نَتْن العَرَق والنسيم المُحْرِق، بين دَنَس الإبل، والسُّيَّاحُ يَشْعُرون بمثل بَهْجة كلِّ مَنْ يَجُوب الصحراءَ، وذلك لِمَا يَرَوْن أنفسَهم مُحَاطِين بجُدُرٍ تَقِيهم تلك الشمسَ اللعينة.

ويَلُوحُ كلُّ شيءٍ تحت قُبَّةٍ، وتَبدُو الطريقُ المؤدِّية إلى الباب ضيقةً كجميع طُرُق الشرق، وتُسْقَف الشُّرُفاتُ نيلًا لظلٍّ كاملٍ، وتُمَدُّ البُسُط والنُّسُج بين صَفٍّ وصَفٍّ من المنازل فلا يَرَى القادمُ غيرَ الظلِّ بين الجُدْرَان العالية، غيرَ ضياءٍ بخاريٍّ قاتم تُمَيَّزُ به السُّطُور، وفي الغالب يَتَبَيَّن القادمُ ما يراه بما يَصْدُر من صوتٍ وما يَنْبَعِث من رائحة.

ويَبلُغ الفارس غايةَ رِحلته، ويَشْعُر بنشاطٍ مجدَّد، ويَوَدُّ أن يُلْقِيَ نَظْرة على المدينة من فَوْره مع تَطَلُّع مملوكه إلى المنزل الذي يَكْسَل فيه كما يريد، ويحاول غلامٌ أن يجتذبه بصوته العالي إلى أحد الفنادق، وما زال مجهولًا أمرُ القهوة والتَّبْغ اللذين هما من أعظم النِّعَم لدى الشرقيِّ في الوقت الحاضر، والخمر من المحرَّمات.

ويَجْلِس الفارس على وِسادةٍ أمام الباب وينتظر صابرًا، ثم يأتيه غلامٌ ناعسٌ بشرابٍ من عسل أو بقصبِ سكَّرٍ أو بشَمَّام أو بتَمْر، ثم يَحْضُر ثلاثةُ سقَّائين حاملين على أكتافهم قِرَبًا جلدية تَرْشَحُ ماءً على ثيابهم البالية فيَعْرِضون عليه أن يقوموا بواجب خدمته، ويَدْنُو منه أناسٌ مختلفو العمر، فيَمُدُّ أحدُهم إليه ذراعَه المقطوعةَ اليد (لاحتمال كونه سارقًا أُقيم عليه الحَدُّ)، ويُرِيه أعرجُ ساقَه البتراءَ وعَطَله من الرِّجل، ويُرَتِّل الجميع بصوتٍ أغنَّ: «حمدًا لمن ألقى الرحمة في قلوب العباد، تَصَدَّق علينا بما يُمْسِك رَمَقَنا».

ويَطرُدهم رقيقُ الفندق إلى الشارع صارخًا: «يا أولادَ الكلب! يا أولادَ المرأة!» وفيما يَقْزِل١ الأعرجُ؛ إذ يلتقط كِسرَةَ خبزٍ يابسةً، ويضعها على جبينه قبل أن يأكُلَها، ثم ينتحل وضعَ وَلِيٍّ.

وتتقدَّم طبولٌ ومزاميرُ مَوْكِبًا نازلًا من الطريق الضيقة، ويتظاهر الجمهور بالسير مع الموسيقيين، ويَتَعَثَّر أمامَهم صِبيانٌ للتَّسَوُّل أو لوقف النظر، ويَخْرُج الناس من حوانيتهم المعرَّضة لكلِّ ريح كما يخرجون من كلِّ قاعة ليشاهدوا مَوْكِبَ العُرْس، حتى النساءُ يَنظُرْنَ إليه من وراء شبابيكهنَّ الخشبيةِ، والنساء —مع أنهم يَلْعَنَّ ذكرى زواجهن في الغالب أكثرَ من أن يباركنها— يَهُزُّهُنَّ ذلك الموكب؛ لما يثيره منظَر العروس من صورة ضحيَّةٍ ومن خيالٍ حافل بالأسرار.

وإليك جمعًا يشقُّ طريقَه بين تلك الجَوْقَة والعروس، إليك أناسًا مع حِصانٍ مستأجَر ليَقُودَ ولدين إلى الخِتَان، ويَظْهَر الولدان على الحصان فيُمْسِك أحدُهما السَّرْجَ ويتشبَّث الآخر بأبيه خشيةَ أن يذهبا ضحيةً أيضًا، ويَلبَسَان ثيابَ بناتٍ دَفْعًا للعين الشِّرِّيرَة، وإن كان هذا التنكُّر من الأمور المعروفة التي تَنِمُّ على حقيقة الجنس، ويَمشِي مساعد الحلَّاق أمام الحِصان المحاط بجَمْعٍ من الأقرباء والأصدقاء.

ويلبس مساعد الحلاق هذا ثوبًا ملوَّنًا ويُمْسِك بيده صندوقًا صغيرًا محفورًا مزيَّنًا بمَرَايَا، ويَهُزُّ الحلَّاق اللابس ثوبًا أبيضَ سِكِّينَه ساخرًا كأنه يحوِّل مِهْنَتَه إلى مَهْزَأة، ثم يستمرُّ موكِب العُرْس على سَيْرِه، وتَشْعُر العروس في هَوْدَجِها المحمولِ على جَمَلٍ بِغَمٍّ كالذي يَشْعُر به ذانك الصبيَّان، ومع ذلك تَلْقَى العروسُ تشجيعًا من صديقاتها، ومع ذلك يَهْتِفُ لها الحضور، فيكتسب هذا المنظرُ صورةَ مأساةٍ ممزوجة بهَزْل.

ويخلو الطريق، ويَثِبُ الفارس على حصانٍ بَعْدَ راحةٍ، ويَرَى من خلال باحةٍ بُرْجَيْنِ عاليين، ويسأل فيقال له: إن ذلك هو «الأزهر»، ويكترث للأمر كثيرًا ويَقِفُ أمام أقدم جامعة إسلامية سَمِعَ جميعُ الشرق حديثًا عنها، ولا يَدُلُّ مظهرها على أنها بالغةٌ من العمر أربعمائة عام؛ وذلك لأن بناءَها جُدِّدَ منذ مائة سنة نتيجةً للحريق الكبير.

ويُعْجَب الفارسُ بارتفاع المآذن ويَخْلَع نعليه قبل أن يدخل الجامعَ الأزهر، وذلك في الرُّوَاق الذي يَجْلِس فيه بعض الطلبة على كراسيَّ قصيرة منتظرين نوبة حلق رءوسهم، ويوسم كل ما يعلم في الأزهر، من الفقه والبيان والفيزياء والجبر والعروض، بسمة الدين كما في تفسير القرآن الذي يشغل أهم قسم من التعليم.

ومن الفقراء أولئك الذين يسيرون في الرواق الكبير حول الحوض، وأولئك الذين يجلسون القرفصاء ويضطجعون، وأولئك الذين يدرسون ويثرثرون وينامون، وأولئك الذين يعنون بالأمور الذهنية فلا يبالون بعيش ولا بمستقبل، وتبصر عشرين أو أكثر منهم جالسين على حصير حول أستاذهم مستندين إلى عمود، ويفسر الأستاذ بصوتٍ نمطيٍّ آية من القرآن الذي يُعنى بدراسته أكثر من العناية بالتوراة والإنجيل وكل كتابٍ آخر في العالم لما ينطوي عليه من مبادئ الحياة في الدنيا والآخرة، وتبلغ الغاية في تلك الدراسة الخاصة بالقرآن وحده والتي تدوم عشر سنين في بعض الأحيان، ومن يحفظ القرآن بأجمعه على ظهر القلب ويقدر على تفسيره يؤذن له في تعليمه، أجل، يقضي التلاميذ أيامًا في البطالة، ولكنهم من الحاضرين، والسلطان يطعم الأساتيذ والتلاميذ، ولا يضغط أحدٌ منهم.

ويسمع ضجيجٌ كبير في زاويةٍ مظلمةٍ من الرواق، ويسمع الفارس شتائم وأصوات مضاربةٍ بالعصي ويهرع الفارس إلى مكان الضوضاء فيرى رجالًا يقاتلون الهواء كالمجانين، يرى تلاميذ من العميان، والعميان لا يبصرون النور الخارجي ولا يرون غير ما هو فيهم، والعميان أسرع انفعالًا وأكثر تشاجرًا من رفقائهم المبصرين لهذا السبب، ويسمعون صوت منادٍ، فالشيخ يمر ويقف تنازعهم، ويتوجهون إلى الرواق متلمسين، ويموجون على غير هدًى كالخفافيش، ويؤتى بهم إلى أستاذهم في نهاية الأمر، ويمسكون يده ويقبلونها مرتجفين.

---------------------------------
١  قزل: مشى مِشْيَة الأعرج.