إضاءات استشراقية على السيرة النبوية Ocia1364
الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة
محمد شريف الشيباني

القسم الأول
إضاءات استشراقية على السيرة النبوية
الجزيرة العربية عشية البعثة النبوية:
لقد ألهمت شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- الكثير من الباحثين في الشرق والغرب، فدرسوا سماتها بفيض من المؤلفات التي صورت حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- وتناولت جوانب عظمته وعبقريته، وصفة البطولة الملحمية في سيرته التي انضوت في ثناياها حياة الأمة، تجسدت كحقيقة تاريخية ناصعة عبر دعوته التي أحدثت انقلابا في حياة تلك القبائل العربية المتناحرة فعمقتها امةً رائدةً أخذت بيد أمم وشعوب في معارج الرقي والتقدم، هاديا أيها إلى سبيل النور، ولم تلبث إلا ردحا قصيرا حتى انقلبت ثورة عالمية معطاءً خيراً وعدالة ومعرفة.

عظمة أصحاب الرسالات:
لا مرية في أن أصحاب الرسالة العظيمة عظماء في ذواتهم، عظماء في سيرتهم، وهم ان ظهروا بمرحلة تاريخية بعينها تركو بصماتهم ليس في مجتمعاتهم فحسب، بل مدوا ظلهم على التاريخ في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا ما حدا بالمستشرقين المنصفين لدراسة شخصية الرسول وتحليل صفاته الخلقية والخلقية، والاهتمام بدوره القيادي في المجتمع كصاحب رسالة سماوية لم تقتصر على العرب وحدهم، بل كانت رسالة عالمية ؟، صالحة لكل زمان ومكان، ولقد جاء في تنزيل العزيز قوله تعالى: (وما ارْسَلْناكَ إلا كافَّةً للنَّاسِ بَشيراً ونَذيراً)  و(قُلْ يا أيُّها الناسُ أني رَسولُ الله إلَيْكُمْ جَميعاً).

أن عظمة الرسول البارزة للعيان، تكمن في انه كان حامل رسالة سماوية توحيدية، شمولية تهدف أساساً إلى إصلاح حياة البشرية عامة، ونقلها من البربرية إلى الوثنية إلى الحضارة التوحيدية اليقينية..

يقول مؤلف "قصة الحضارة" الباحث الأمريكي وول ديوارنت:
((كان محمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً كبيراً، وتوحيدياً كاملاً ولم يكن له نظيرٌ جاء لإصلاح البشر)).

ومنذ نعومة أظافره -صلى الله عليه وسلم- تبدت فيه علامات النباهة والنبوغ، وظلت مرافقةً إياه في سائر أطوار حياته، ولذا شدت المستشرقين لدراستها، كما سبق أن استوقفت كتاب السيرة النبوية المسلمين الذين بحثوا بالتفصيل علائم النبوة ودلالتها في حياته -عليه السلام- بدءاً من مولده حتى التحاقه بالرفيق الأعلى، بل ذهب الكثير منهم إلى بحث علامات نبوته، فيما كان يتردد حوله القول بأن امة العرب سيكون لها نبيها المرتقب، وسيخرج من مكة، وانه سيكون من قبيلة قريش، وعلى وجه التحديد من أسرة بني هاشم.

النفوذ السياسي والاقتصادي والروحي لقريش مكة:
كانت قبيلة قريش التي ينتسب إليها الرسول الكريم، تتميز بين القبائل العربية بنفوذها السياسي والاقتصادي والروحي، فقد توحدت بعد تفرق، وسكنت مكة منذ حوالي مئة سنة قبل انبعاث نور الإسلام بقيادة قصي احد أجداد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي أسس دار الندوة التي هي بمثابة مجلس المدينة، والمكان الذي تعقد فيه الاجتماعات  للتباحث في الأمور العامة والخاصة التي تهم القبيلة دينياً ودنيوياً، والتشاور بين وجوه مكة في قضايا الحرب والسلم، وبحث الشؤون السياسية والاقتصادية... وكان لتلك القبيلة السيادة الروحية والسياسية والاقتصادية في قلب جزيرة العرب، خاصة ولها سدانة الكعبة، وكانت إلى ذلك فرعين: قريش "البطاح" التي تسكن قلب مكة، وقريش "الظواهر" التي تقطن الضواحي - وتضم بهما بطون أمية ونوفل وزهرة ومخزوم وأسد وجمح وسهم وهاشم وتيم وعدي - وهي بذلك تؤلف أرستقراطية المدينة، وتهيمن على مختلف الأنشطة اقتصاديا واجتماعيا في أواسط بلاد العرب غربها، ناهيك عما كان لها من تجارة واسعة مع البلاد المجاورة استدعت عقد اتفاقات مع رؤسائها، إذ كانت القوافل التجارية منظمة، وتسير بين مكة وبلاد الشام واليمن، متبعة طريق التجارة الرئيسي المار بمكة. وأكسبت قريش -بفضل تعظيم العرب الكعبة وحجُّهم إليها- فوائد اقتصادية، ونفوذاً روحياً وسياسياً بين القبائل.

الكعبة المشرفة والحجز الأسود وبئر زمزم:
وكان لقريش رموز قدسية ثلاثة بقيت في الإسلام، وهي الكعبة المشرفة التي يحج إليها العرب، وتضم الحجر الأسود، وإلى جانبها بئر زمزم...

ويتحدث المفكر الإنكليزي توماس كارليل عن رموزها الدينية والقدسية بقوله:
((والحجر الأسود كان من أهم معبودات العرب ولا يزال للآن بمكة في البناء المسمى "الكعبة"، وقد ذكر المؤرخ الروماني "سيسلاس" الكعبة فقال: إنها كانت في مدته اشرف معابد العالم طراً وأقدمها، وذلك قبل الميلاد بخمسين عاماً، وقال المؤرخ "سلفستر دي ساسي" ان الحجر الأسود ربما كان من رجوم السماوات، فإذا صح ذلك فلابد أن إنساناً قد بصر به ساقطاً من الجو، والحجر موجود الآن في جانب بئر "زمزم" والكعبة مبنية فوقهما، والبئر -كما تعلمون- منظراً حيثما كان سار ومفرح، ينبجس من الحجر الأصم كالحياة من الموت، فما بالكم بها إذا كانت تفيض:

بديمومة لا ظل في صحصحانـها
ترى الآل فيها يلطم الآل مائـجـاً
أظـــل إذا كـافـحتـــها، وكــأنـني
ولا ماء، لكن قورها الدهر عوّم
وبارحها المسموم للوجه الطــم
بـواجهــــا دون اللـثــــام مـلثــم


وقد اشتق لها اسمها زمزم من صوت تفجيرها وهديرها، والعرب تزعم انها انبجست تحت أقدام هاجر وإسماعيل فيضاً من الله وشفاءً، وقد قدَّسها العرب، والحجر الأسود، وما شادوا عليهما الكعبة منذ ألاف السنين.

وما أعجب هذه الكعبة وأعجب شأنها، فهي في هذه الآونة قائمة على قواعدها، وعليها الكسوة السوداء، يبلغ ارتفاعها سبعاً وعشرين ذراعاً، حولها دائرة مزدوجة من العمد، وبها صفوف من المصابيح، وبها نقوش وزخارف عجيبة، وستوقد تلك المصابيح الليلة لتشرق تحت النجوم المشرقة، فنعم اثر الماضي هي، ونعم ميراث الغابر. هذه كعبة المسلمين، ومن أقاصي المشرق إلى أخريات المغرب، ومن دلهي إلى مراكش، تتوجه أبصار العديد المجمهر من عباد الله المصلين شطرها، وتهفو قلوبهم نحوها خمس مرات هذا اليوم وكل يوم. نعم، لهي والله من اجل مركز المعمورة واشرف أقطابها)).

مكة ومكانتها في جزيرة العرب:
مما تقدم نجد أن مكة كانت قبلة العرب، لان جوانحها تضم الرموز القدسية للعرب، بحكم موقعها التجاري الخطير، ولذا سرعان ما تطورت وغدت الحاضرة العربية الأولى في جزيرة العرب.

يقول كارليل:
((وإنما من شرف بئر زمزم وقدسية الحجر الأسود، ومن حج القبائل إلى ذياك المكان، كان منشأ مدينة مكة. ولقد كانت هذه المدينة وقتاً ما ذات بال وشأن، وأن كانت الآن فقدت كثيراً من أهميتها. وموقعها من حيث هي مدينة سيء جداً. إذ هي واقعة في بطن من الأرض كثير الرمال، وسط هضاب قفرة وتلال مجدبة، على مسافة بعيدة من البحر، ثم يمتاز لها جميع ذخائرها من جهات أخرى، حتى الخبز. ولكن الذي اضطر إلى إيجاد هذه المدينة هو أن كثيراً من الحجيج كان يطلبون المأوى، ثم أن أماكن الحج ما زالت من قديم الزمان تستدعي التجارة، فأول يوم يلتقي فيه الحجيج يلتقي فيه كذلك التجار والباعة والناس حتى وجدوا أنفسهم مجتمعين لغرض من الأغراض رأوا انه لا بأس عليهم أن يقضوا كل ما يعرض لهم من منافع وأن لم يكن ذلك في الحسبان، لذلك صارت مكة سوق بلاد العرب باجمعها، والمركز لكل من كان من التجار بين الهند وبين الشام ومصر وبين إيطالية، وقد بلغ سكانها في حين من الأحيان مائة ألف نسمة بين بائعين ومشترين وموردين لبضائع الشرق والغرب وباعة للمأكولات والغلال، وكانت حكومتها ضربا من الجمهورية الأرستقراطية عليها صبغة دينية، وذلك أنهم كانوا ينتخبون لها عشرة رجال من قبيلة عظمى، فيكون هؤلاء حكام مكة وحراس الكعبة.

وكانت الكعبة لقريش في عهد محمد، وأسرة محمد من قبيلة قريش، وكان سائر الأمة مبدداً في أنحاء تلك الرمال قبائل تفصلها بين الواحدة والأخرى البيد والقفار، وعلى كل قبيلة أمير أو أمراء، وربما كان الأمير راعيا أو ناقل أمتعة، ويكون في الغالب غازيا. وكانت الحرب لا تخمد بين بعض هذه القبائل وبعضها الأخر. ولم يك يؤلف بينهم حلف علني إلا التقائهم بالكعبة، حيث كان يجمعهم على اختلاف وثنياتهم مذهب واحد، وهي رابطة الدم واللغة)).

لغتنا العربية البنت الشرعية للهجة قريش:
ولم تقتصر معالم سيادة قريش على الجانبين الاجتماعي والاقتصادي وحسب، بل كان للهجة قريش سيادتها في معظم أنحاء شبه الجزيرة العربية. وما اللغة العربية الفصحى، إلا البنت الشرعية للهجة قريش التي نزل بها القران الكريم، وكانت الأداة "اللغوية" التي وحدت أبناء الجزيرة العربية وأوصلت رسالة الإسلام إلى مختلف شعوب الأرض.

يقول المستشرق الهولندي رينهارت دوزي (1820-1884) مؤلف تاريخ الدولة الإسلامية في الأندلس والمغرب، ومدرس اللغة العربية في لايدن.
يقول في في مؤلفه "عرب أسبانية":
((كان يوجد على عهد محمد في بلاد العرب ثلاث ديانات: الموسوية والعيسوية والوثنية)).

ثم مضى الباحث باسطاً عادات الوثنين الذميمة حتى انتهى الى القول:
((في عهد هذه الأحوال الحالكة، ووسط هذا الجيل الشديد الوطأة، ولد محمد بن عبد الله في شهر أغسطس 29 منه عام 570م، من هذا نرى أن العالم الإنساني كان بحاجة الى حادث جلل يزعج الناس عما كانوا فيه، ويضطرهم الى النظر والتفكير في امر الخروج من المأزق الذي تورطوا به)).

شبه الجزيرة العربية قبيل البعثة النبوية:
لقد عرفت الفترة السابقة لظهور الإسلام، عند المؤرخين العرب "بالجاهلية"، استنادا للوصف الذي أطلقه القرآن على تلك الحقبة السابقة لدعوة النبي، تدليلا على ما آلت إليه أحوال شبه الجزيرة العربية من تدهور وانحطاط، إذ  ظهر الفساد في البر والبحر.

و لقد كتب باحث غربي عن الوضع الذي آلت أليه الحضارة الإنسانية قبل ضهور الدعوى الإسلامية بقوله:
((في القرنين الخامس والسادس، كان العالم المتمدين، على شفا السقوط في هاوية الفوضى، لان العقائد التي تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت، ولم يك ثمة ما يعتد به مما يقوم مقامها وكان يبدو وقتئذ أن المدينة الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة ألاف سنة مشرفة على التفكك والانحلال، وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية إذ أن القبائل تتحارب وتتناحر، فلا قانون ولا نظام. أما النظم التي خلفتها المسيحية فكانت تعمل على التفرقة والانهيار، بدلا من الاتحاد والنظام فكانت المدينة التي تشبه شجرة ضخمة متفرعة، امتد ظلها إلى العالم كله، واقفة تترنح، وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب، وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم المعروف جميعه)).

الاتجاهات الفكرية الدينية في جزيرة العرب قبل البعثة:
الوثنية في شبه الجزيرة العربية:
لقد ارتبطت الحياة الاجتماعية والفكرية في شبه الجزيرة العربية بالذهنية الغيبية الوثنية التي تجلت بعبادة الأصنام المختلفة يتجه إليها عابدوها في تضرعهم وابتهالاتهم اعتقاداً منهم القادرة على تسيير الحياة والمسيطرة على مصائر الناس، وأنها المنظمة لحركة الكون، هذا، ولقد اهتم المستشرقون بأوضاع شبه الجزيرة العربية قبل عموماً وبالوثنية العربية خصوصاً.

يقول الدكتور جواد علي:
((وقد عني المستشرقون بهذا الموضوع، فكتبوا بحوثا فيه. ومن هولاء (ولهوزن) J.Wellhausen  صاحب كتاب (بقايا الوثنية العربية) A-صلى الله عليه وسلم-abischen Heidentums و(دتلف نيلسن) Detlef Nielson و(لودولف كريل) Ludolf K-صلى الله عليه وسلم-ehl وغيرهم.

ولقد اعتمد (ولهوزن) على ما نقله (ياقوت الحمودي) من كتاب الأصنام الذي لم يكن مطبوعاً ولا معروفاً ايام ألف (ولهوزن) كتابه عن الوثنية العربية.

ويعد كتاب (ولهوزن) أوسع مؤلف في موضوعه كتبه مستشروق عن الوثنية العربية، إنما تبعته حديثاً جملة بحوث عن الأصنام العربية، إنما تبعته حدثيا جملة بحوث عن الأصنام العربية التي عثر عليها في الكتابات مما فات ذكراها في كتاب (ولوزن)، لان أكثر النصوص الجاهلية لم تكن قد نشرت يومئذ، وبدهياً لم يكن في استطاعة هذا الرجل أن يبحث بشيء من التفصيل في الوثنية ببلاد العرب الجنوبية. ولذا كان أكثر ما جاء في كتاب (ولهوزن) مستمداً من روايات الإخباريين، ولذا كان ضروريا إضافة هذه البحوث الجديدة إلى ما كتبه هو وأمثاله، لنحصل على صورة شاملة عن أديان الغرب قبل الإسلام)).

وكان للوضع القبلي علاقة بعبادة الأصنام، فالآلهة الجاهلية كانت آلهة قبلية، وعبادتها عبادة متوارثة، فالصنم هو رمز القبيلة وممثل الوحدة بين أفرادها، والموكل بالدفاع عناه، ولذا عبده الأبناء أخذا من الآباء. وكان أي خروج عن عبادة صنم القبيلة يعني الخروج عن إرادتها، وأي تشكيك بهذا المعبود يعني تفكيكاً لوحتها.. والتي هي إدارة شيوخ القبيلة وساداتها.

يقول الدكتور جواد علي:
((نعم كان في إمكان أصحاب الكلمة والسيادة والرئاسة تغيير أصنام القبيلة وتبديل آلهتها.. فهو هم السادة، والناس تبع لساداتهم، وفي المثل " الناس على دين ملوكهم" لقد أضاف السادة أصناما إلى قبائلهم. فبعدت وتمسك أتباعها بعباداتها، وكانهم قد تلقوا أوامرهم من السماء. ونبذت قبائل بعض أصنامها بأمر من ساداتها، ودخلت قبائل في الإسلام بدخول سيدها فيه، ودخلت أخرى قبل ذلك في النصرانية لتنصر سادتها، بكلمة أقنعت الرئيس أو بعد محاورة أو بأبلال من مرض قيل له انه ببركة ذلك الدين، فدخل أتباعه في ذلك الدين من غير سؤال ولا جواب)).

الإسلام الحدث الكوني العظيم
تلك هي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في جزيرة العرب، وكذلك الحالة الفكرية الدينية المهيمنة على مشاعر العرب قبيل ظهور الإسلام، من وثنية مشركة، وحركات دينية ضعيفة قوامها اليهودية والمسيحية والحنفية... إلى جانب ظهور محاولات إصلاحات دينية محلية، إذ ظهر قبل الإسلام عدد من الأنبياء العرب المصلحين، ورد ذكرهم في القران الكريم اذ بعث الله النبي هوداً في قبيلة عاد وصالحاً غفي ثمود وسواهما من أنبياء عهد الجاهلية.. وهكذا ضلت جزيرة العرب تعيش مرحلة مخاض تاريخي.

يقول توماس كاريل:
((وعلى هذه الطريقة عاش العرب دهوراً طوالاً خاملي الذكر غامضي الشأن، أناسا ذوي مناقب جليلة وصفات كبيرة، ينتظرون من حيث لا يشعرون اليوم الذي يشاد فيه بذكرهم، ويطير في الأفاق صيتهم، ويرتفع إلى عنان السماء صوتهم، وما ذلك ببعيد، وكأنما كانت وثنياتهم قد وصلت إلى طور الاضمحلال وأذنت بالسقوط وقد حدثت بينهم دواعي اختلال وفوران)).

و لم تقتصر أوضاع شبه الجزيرة على سيطرة الوثنية وعبادة الأصنام فيها، بل في كونها خاضعة للنظام القبلي الذي فرض حالة الانقسام السياسي والتمزق الداخلي، بسبب كون كل  قبيلة تشكل وحدة سياسية واقتصادية - اجتماعية مستقلة، مما قاد إلى نشوب صراعات قبلية حالت دون توحيد الجزيرة العربية وجمع كلمة العرب، حتى إذا جاء الإسلام قضي على الوثنية المخزية والقبلية الخطرة، بقيادة محمد -صلى الله عليه وسلم-..

يقول وليم موير في كتابه حياة محمد:
((كانت أولى الخصائص التي تلفت انتباهنا، إذاً هي انقسام العرب إلى جماعات لاتعد ولا تحصى، خاضعة لقانون في الشرف والأخلاق واحد، ومتمسكة بأهداب عادات واحدة، ومتحدثة في الأعم الأغلب بلغة واحدة، ولكن كلاً منها مستقلة عن الأخرى. كانت تلك الجماعات لا تعرف طمأنينة ولا استقراراً وكثيراً ما نشبت الحروب بينهما وحتى لو اتفق أن جمعتها رابطة الدم أو رابطة المصلحة فسرعان ما كانت تتفرق لاتفه الأسباب وتستلم لعداواتها الحقود. وهكذا كان خليقاً بمن يرجع البصر، قبيل بزوغ الإسلام إلى التاريخ العربي، أن يرى -وكأنما بواسطة المبداع  Kaleidoscop-، حالة من التمازج والتنافر لا تفتأ تتغير وتتقلب، مما أدى إلى إجهاض أيما محاولة من محاولات الوحدة الشاملة.. وكان لابد لهذه المشكلة من أن تحل عن طريق أيما قوة توفق إلى إخضاع العرب أو جمع شملهم، ولقد حل محمد المشكلة)).

ويتحدث القس لوزون في كتابه (الله في السماء)) عن الانقلاب المنتظر الذي قاده الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، بقولة:
((لقد بعث محمد رسولاً إلى العرب وعاشت بلاد العرب الأزمان الطويلة عاكفة على عبادة الأصنام وتوغلت في ذلك حتى احتاجت إلى انقلاب ديني عظيم)).

و هكذا كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- هذا الرسول، الذي تمكن في المرحلة المقبلة بفضل كفاحه الإنساني المرير أن يحقق ذلك النجاح العظيم والتحول الكبير ليس في الجزيرة العربية وحسب، بل على الصعيد العالمي أيضا.

ويتحدث مولانا محمد علي عن عظمة الرسول في نشر الوحدانية الإسلامية في بلاد العرب وقضاءه على الوثنية، قائلاً:
((من حضيض هذه الوثنية المخزية انتشل الرسول محمد (عليه اللام) بلاد العرب كلها في فترة من الزمان القصير لا تعدوا عشرين عاماً. انه لم يستأصل الوثنية من بلاد العرب استئصالاً نهائياً فحسب، بل أضرم في قلوب أولائك العرب أنفسهم شرارة من الحماسة لوحدانية الله دفعتهم إلى الانطلاق بعيدا في كل رجاً من إرجاء العالم المعروف آنذاك لرفع راية الإله الواحد، أيضا. وهذا الفطام لبلد برمته - يمتد على مساحة هائلة مقدارها مليون ومئتا ألف ميل مربع - عن لعنة الوثنية التي كانت تهيمن عليه هيمنة مطلقة نتيجة الإرث والتقاليد الراسخة، في مدة لا تتجاوز خمس قرن، بحيث اكتسبت ذلك البلد لقب (محطم الأوثان) المشرف، أقول أليس هذا الفطام هو أعظم معجزة قدر للعالم أن يشهدها في تاريخه كله؟ إلا يستحق الرجل الذي أحدث هذا التحول التقدمي لقب (خير الأنام) استحقاقاً لا مراء فيه)).