امتناع الزوجة عن زوجها فى الجماع
امتناع الزوجة عن زوجها فى الجماع Ocia_235
إن العلاقة الجنسية بين الزوجين أمر له خطره وأثره في الحياة الزوجية، وقد يؤدي عدم الاهتمام بها، أو وضعها في غير موضعها إلى تكدير هذه الحياة، وإصابتها بالاضطراب والتعاسة.

وقد يُفضي تراكم الأخطاء فيها إلى تدمير الحياة الزوجية والإتيان عليها من القواعد.

وربما ظن بعض الناس أن الدين أهمل هذه الناحية برغم أهميتها.

وربما توهَّم آخرون أن الدين أسمى وأظهر من أن يتدخل في هذه الناحية بالتربية والتوجيه، أو بالتشريع والتنظيم، بناءً على نظرة بعض الأديان إلى الجنس “على أنه قذارة وهبوط حيواني”.

والواقع أن الإسلام لم يغفل هذا الجانب الحسَّاس من حياة الإنسان، وحياة الأسرة، وكان له في ذلك أوامره ونواهيه، سواءٌ منها ما كان له طبيعة الوصايا الأخلاقية، أم كان له طبيعة القوانين الإلزامية.

1 – وأول ما قرَّرهُ الإسلام في هذا الجانب هو الاعتراف بفطرية الدافع الجنسي وأصالته، وإدانة الاتجاهات المتطرفة التي تميل إلى مصادرته، أو اعتباره قذرًا وتلوثًا.

ولهذا منع الذين أرادوا قطع الشهوة الجنسية نهائيًا بالاختصاء من أصحابه، وقال لآخرين أرادوا اعتزال النساء وترك الزواج: ”أنا أعلَمُكم بالله وأخشاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي“.

2 – كما قرَّر بعد الزواج حق كل من الزوجين في الاستجابة لهذا الدافع، ورَغَّبَ في العمل الجنسي إلى حد اعتباره عبادة وقُرْبَةٌ إلى الله تعالى، حيث جاء في الحديث الصحيح: ”وفي بضع أحدكم (أي فرجه) صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم، أليس إذا وضعها في حرام كان عليه وزر، كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، أتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟”. رواه مسلم.

ولكن الإسلام رَاعَى أن الزوج بمُقتضى الفطرة والعادة هو الطالب لهذه الناحية والمرأةُ هي المطلوبة.

وأنه أشَدُّ شوقًا إليها، وأقل صبرًا عنها، على خلاف ما يشيع بعض الناس أن شهوة المرأة أقوى من الرجل، فقد أثبت الواقع خلاف ذلك.. وهو عين ما أثبته الشرع.

( أ ) ولهذا أوجب على الزوجة أن تستجيب للزوج إذا دعاها إلى فراشه، ولا تتخلّف عنه كما في الحديث: ”إذا دعا الرجل زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على التنور“. (رواه الترمذي وحسنه).

( ب ) وحذَّرها أن ترفض طلبه بغير عُذر، فيبيت وهو ساخط عليها، وقد يكون مُفرطًا في شهوته وشبقه، فتدفعه دفعًا إلى سلوك مُنحرف أو التفكير فيه، أو القلق والتوتر على الأقل: ”إذا دعا الرجل امرأته، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تُصبح“. (متفق عليه).

وهذا كله ما لم يكن لديها عُذرٌ مُعتبر من مرض أو إرهاق، أو مانع شرعي، أو غير ذلك.

وعلى الزوج أن يُراعي ذلك، فإن الله سبحانه -وهو خالق العباد ورازقهم وهاديهم- أسقط حقوقه عليهم إلى بدل أو إلى غير بدل، عند العُذر، فعلى عباده أن يقتدوا به في ذلك.

(جـ) وتَتِمَّةٌ لذلك نهاها أن تتطوَّع بالصيام وهو حاضر إلا بإذنه، لأن حقه أولى بالرعاية من ثواب صيام النافلة، وفي الحديث المتفق عليه: ”لا تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه” والمُراد صوم التطوع بالاتفاق كما جاء في ذلك حديث آخر.

3- والإسلام حين راعى قوة الشهوة عند الرجل، لم ينس جانب المرأة، وحقها الفطري في الإشباع بوصفها أنثى، ولهذا قال لِمَنْ كان يصوم النهار ويقوم الليل من أصحابه مثل عبد الله بن عمرو: "إن لبدنك عليك حقًا، وإن لأهلك (أي امرأتك) عليك حقًا".

قال الإمام الغزالي:
”ينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، فهو أعدل، إذ عدد النساء أربع (أي الحد الأقصى الجائز) فجاز التأخير إلى هذا الحد، نعم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب عليه “. (إحياء علوم الدين، جـ 2، ص 50 دار المعرفة – بيروت).

4 – ومما لفت الإسلام إليه النظر ألا يكون كل هَمِّ الرجل قضاء وطره هو دون أي اهتمام بأحاسيس امرأته ورغبتها.

ولهذا روى في الحديث الترغيب في التمهيد للاتصال الجنسي بما يشوق إليه من المداعبة والقبلات ونحوها، حتى لا يكون مجرد لقاء حيواني محض.

ولم يجد أئمَّة الإسلام وفقهاؤه العظام بأسًا أو تأثيمًا في التنبيه على هذه الناحية التي قد يغفل عنها بعض الأزواج.

فهذا حُجَّةُ الإسلام، إمام الفقه والتصوف، أبو حامد الغزالي يذكر ذلك في إحيائه –الذي كتبه ليرسم فيه الطريق لأهل الورع والتقوى، والسالكين طريق الجنة– بعض آداب الجماع فيقول: (يُستحَبُّ أن يبدأ باسم الله تعالى، قال -عليه الصلاة والسلام-: ”لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنّبني الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإن كان بينهما ولد، لم يَضُرُّهُ الشيطان“. (متفق عليه).

(وليغط نفسه وأهله بثوب، وليقدم التلطّف بالكلام والتقبيل، قال -صلى الله عليه وسلم-: ”لا يقعن أحدكم على امرأته، كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول قيل وما الرسول يا رسول الله؟ قال: القبلة والكلام” (رواه أبو منصور والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس).

وقال: ”ثلاث من العجز في الرجل... وذكر منها أن يُقَارِبَ الرجلُ زوجته فيُصيبَها (أي يُجامعها) قبل أن يُحَدِّثُهَا ويؤانسها ويُضاجِعُهَا فيقضي حاجته منها، قبل أن تقضي حاجتها منه“. (هو جزء من الحديث الذي قبله عند الديلمي أيضًا، والحديث ضعيف ولكن الأدب الذي اشتمل عليه مما تدعو إليه الفطرة السليمة).

قال الغزالي:
(ثم إذا قضى وطره فليتمهَّل على أهله حتى تقضي هي أيضًا نهمتها، فإن إنزالها ربما يتأخَّر، فيهيج شهوتها، ثم القعود عنها إيذاءً لها، والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقًا إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ولا يشتغل الرجل بنفسه فإنها ربما تستحي).

وبعد الغزالي، نجد الإمام الورع التقي أبا عبد الله بن القيم يذكر في كتابه ”زاد المعاد في هدي خير العباد” هديه -صلى الله عليه وسلم- في الجماع، ولا يجد في ذكر ذلك حرجًا دينيًا، ولا عيبًا أخلاقيًا، ولا نقصًا اجتماعيًا، كما قد يفهم بعض الناس في عصرنا.

ومن عباراته:
”أما الجماع والباءة فكان هَدْيَهُ فيه أكمل هدي، يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها.

فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية: أحدها:
حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قَدَّرَ اللهُ بروزها إلى هذا العالم.

الثاني:
إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.

والثالث:
قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة.

وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة.

قال: ومن منافعه:
غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه، في دنياه وأخراه، وينفع المرأة.

ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يتعاهده ويحبه، ويقول: “..حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطِّيب…”.

وفي كتاب الزهد للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي: ”أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن“.

وحَثَّ أمَّتَهُ على التزويج فقال: ”تزوَّجُوا فإني مُكَاثِرٌ بكم الأمم...”.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ”يا معشر الشباب، مَنْ استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنه أغَضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج...“.

ولَمَّا تزوَّج جابر ثَيّبًا قال له: ”هلا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ”.

ثم قال الإمام ابن القيم: ”ومِمَّا ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومصِّ لسانها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُلَاعِبُ أهله، ويُقبّلها.

وروى أبو داود: ”أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُقَبِّلُ عائشة ويَمُصُّ لِسَانَهَا”، ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: ”نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المُوَاقَعَة قبل المُدَاعَبَة “. (زاد المعاد، جـ 3، ص 309، ط. السنة المحمدية).

وهذا كله يدلنا على أن فقهاء الإسلام لم يكونوا “رجعيين” ولا “متزمتين” في معالجة هذه القضايا، بل كانوا بتعبير عصرنا ”تقدميين” واقعيين.

وخلاصة القول:
إن الإسلام عني بتنظيم الناحية الجنسية بين الزوجين، ولم يُهملها حتى إن القرآن الكريم ذكرها في موضعين من سورة البقرة التي عُنِيَتْ بشئون الأسرة:
أحدها:
في أثناء آيات الصيام وما يتعلّق به حيث يقول تعالى: (أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ (١٨٧: البَقَرَةِ).

وليس هناك أجمل ولا أبلغ ولا أصدق من التعبير عن الصّلة بين الزوجين من قوله تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) بكل ما توجبه عبارة ”اللباس” من معاني الستر والوقاية والدّفء والمُلاصقة والزينة والجمال.

الثاني:
قوله تعالى: (وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢: البَقَرَةِ).

وقد جاءت الأحاديث النبوية تُفَسِّرُ الاعتزال في الآية الأولى بأنه اجتناب الجماع فقط دون ما عداه من القُبلة والمُعانقة والمُباشرة ونحوها من ألوان الاستمتاع، كما تُفَسِّرُ معنى (أنَّى شِئْتُمْ) بأن المُراد: على أي وضع أو أي كيفية اخترتموها ما دام في موضع الحَرْثِ، وهو القُبُلُ كما أشارت الآية الكريمة.

وليس هناك عناية بهذا الأمر أكثر من أن يذكر قصدًا في دستور الإسلام وهو القرآن الكريم.