سابعًا: لماذا أَتَصَدَّقُ؟ (نِيَّات الصَّدقة)
كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
سابعًا: لماذا أَتَصَدَّقُ؟ (نِيَّات الصَّدقة) Ocia_214
ففي الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاهُ جبريل، وكان جبريلُ -عليه السلام- يلقاهُ كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المُرسلة".

لكن يبقى السؤال: لماذا أَتَصَدَّقُ؟ والجواب:
1- أَتَصَدَّقُ حتى يُخْلِف الله عليّ بأفضل منها:
قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39].

فكل مَن ينفق شيئًا لله فإن الله تعالى يعوِّضه خيرًا منه، فإن ينابيع خزائنه لا تنضب، وسحائب أرزاقه سحاءُ الليل والنهار، وكلما أنفقت، أنفق الله عليك.

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: قال الله -تعالى-: "أَنْفِق يا ابن آدم يُنْفَق عليك".

– وفى رواية:
"أَنْفِق أُنْفِق عليك" فمَن الذي سيُنْفِق عليك؟ إنه الله الكريم العظيم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فإذا أنفق عليك أكرم الأكرمين فكيف سيكون العطاء؟ قال تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245].

فالله يضاعف لكل مَن أنفق في سبيله، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].

2- أَتَصَدَّقُ ليقبل اللهُ صدقتي بيمينه، ثم يُربيها لي حتى تكون يوم القيامة مثل الجبل:
ودليل ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن تَصدَّق بعدل تمرةٍ (1) من كسبٍ طيبٍ، ولا يقبل اللهُ إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فَلُوَّه (2) حتى تكون مثل الجبل".

- وفى رواية عند الترمذي بلفظ:
"أن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم مُهْره حتى أن اللقمة لتصير مثل أُحُد، وتصديق ذلك في كتاب الله، قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104].

وقال تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276].

3- أَتَصَدَّقُ حتى تدعو لي الملائكة:

فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من يوم يُصبحُ العبدُ فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط مُمسكًا تلفًا".

4- أَتَصَدَّقُ لأن الصدقة تقي مصارع السُّوء وتطفئُ غضب الرَّبِّ:

فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "صنائعُ المعروف تقي مصارع السُّوء، وصدقةُ السِّرِّ تُطفئُ غضب الرَّبِّ، وصِلَةُ الأرحام تزيدُ في العُمر".

5- أَتَصَدَّقُ لأن الصَّدقة سببٌ للشفاء من الأمراض:
فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: "داووا مرضاكم بالصَّدقة". (صحيح الجامع: 3358).

قال علي بن الحسن بن شقيق:
"سمعتُ ابن المبارك وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن: قرحة خرجت من ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ قال: اذهب فانظر موضعًا يحتاج الناس للماء، فاحفر هناك بئرًا، فإنني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبريء".

6- أَتَصَدَّقُ لأن الصدقة تُطهرُني من الخطيئة:
فقد أخرج ابن حبان عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجَنَّة لحمٌ ودمٌ نبتا على سُحْتٍ والنار أولى به، يا كعب بن عجرة: الناس غاديان، فغادٍ في فكاك نفسه فمُعتقها، وغادٍ مُوبقها، يا كعب بن عجرة: الصلاة قربان والصوم جُنَّة والصدقة تُطفئُ الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا".

وعند الترمذي من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: الصَّوم جُنَّة، والصَّدقة تُطفئُ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ".

7- أَتَصَدَّقُ لأن الصَّدقة تُثَقِّلُ الموازين يوم القيامة:
فقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "تَعبَّدَ عابدٌ من بني إسرائيل، فعبد الله في صومعته ستين عامًا، فأمطرت الأرض فاخضرَّت، فأشرف الراهب من صومعته، فقال: لو نزلت فذكرتُ الله فازددت خيرًا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض لقيته امرأةٌ فلم يزل يكلِّمها وتكلِّمه حتى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحم، فجاء سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين ثم مات، فوزنت عبادةُ ستين سنة بتلك الزنية فرجحت الزنية بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغُفِرَ له".

8- أَتَصَدَّقُ حتى أكون في ظل صدقتي وتقيني حر الشمس يوم القيامة:
فقد أخرج الإمام أحمد عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل امرئٍ في ظلِّ صدقته حتى يُقضَى بين الناس، قال يزيد: وكان مرثدُ لا يخطئه يوم إلا تصدَّق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة".

- وفى رواية أخرى عند ابن خزيمة عن يزيد بن حبيب قال:
"كان مرثد بن عبد الله اليزني أول أهل مصر يروح إلى المسجد، وما رأيته داخلًا المسجد قط إلا في كمِّهِ صدقة: إمَّا فلوس وإمَّا خبز وإمًّا قمح. قال: حتى ربما رأيت البصل يحمله: قال: فأقول: يا أبا الخير إن هذا ينتن ثيابك، فيقول: يا ابن أبي حبيب أما إني لم أجد في البيت شيئًا أَتَصَدَّقُ به غيره، إنه حدثني رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ظل المؤمن يوم القيامة صدقته".

- وكذلك أخبرنا الحبيب النبي ﷺ أن من جملة السَّبعة الذين يُظلّهمُ اللهُ بظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه: "رجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمُ شمالهُ ما أنفقت يمينه".

9- أَتَصَدَّقُ حتى تكون صدقتي حجاب لي من النار:
أخرج البخاري ومسلم عن عديٍّ بن حاتم -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما منكم من أحدٍ إلا وسيُكلِّمُه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة".

وفى رواية لهما:
"مَن استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل".

وفى مسند الإمام أحمد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: "يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسدُّ من الجائع مسدَّها من الشبعان".

وفى مسند الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "ليَقِ أحدُكم وجهه النار ولو بشق تمرة".

10- أَتَصَدَّقُ حتى تكون هذه الصدقة فكاكي من النار:
فقد أخرج البيهقي بسند فيه مقال عن عليٍّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "تصدَّقوا فإن الصدقة فكاككم من النار".

وأخرج الترمذي من حديث الحارث الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أوحى إلى يحيي بن زكريا -عليهما الصلاة والسلام- بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن... (فذكر الحديث وفيه): وأمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقرَّبوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه".

--------------------------------------
1.    عدل تمرة: أي بقيمتها.
2.    الفلو: المُهْر.