إحياء ليلة النصف من شعبان.. بين الاتباع والابتداع
لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام، وتخصيص ليلته بالقيام، وما ورد من ذلك من أحاديث فهو بين ضعيف وموضوع، ولكن يستحب للمسلم أن يصوم يوم النصف من شعبان على اعتبار أنه من جملة الأيام البيض والسنة صيامها، فيصومه كما يصوم الثالث عشر والرابع عشر، ويستحب للمسلم أن يجتهد في قيام ليلة النصف لما لها عند الله تعالى من الفضل حتى يتعرض لرحمة الله ومغفرته ورضوانه.

حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان بالصيام :
فمن السنة صوم النصف من شعبان؛ من حيث أنه من جملة الأيام البيض ومن السنة صيامها، فيستحب صوم هذا اليوم كما يستحب صوم الثالث عشر والرابع عشر.

ولكن لم يصح شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام، فمن أراد أن يصيب السنة فليصمه على أنه من الأيام البيض. أما من صامه معتقدا أن صومه له مزية وفضل فقد أخطأ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أراد أن يقتفي أثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعليه أن يكثر من الصيام في شعبان، فقد وردت أحاديث صحيحة في فضيلة الإكثار من الصيام في شعبان، إلا أنها لم تخص بعضًا من أيامه دون بعض، منها:
– عن عائشة رضي الله عنها قالت: « ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان، فكان يصوم شعبان كله إلا قليلًا» متفق عليه.

عن أسامة بن زيد –رضي الله عنه– عن أسامة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم رواه أحمد وأبو داود والنسائي، والحديث حسنه الألباني في السلسة الصحيحة وفي صحيح الترغيب والترهيب.

ولم يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم– أنه كان يتحرى صيام يوم بعينه من شعبان، أو كان يخص أيامًا منه بالصوم.

ثانيا: تخصيص ليلة النصف من شعبان بالقيام: ليلة النصف من شعبان ورد في فضلها جملة أحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف وموضوع.

أحاديث وردت في فضل ليلة النصف من شعبان:
ومن الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضل ليلة النصف من شعبان: عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن.
رواه ابن ماجه، ورواه الطبراني وابن حبان في صحيحه، والبيهقي عن معاذ بن جبل، والحديث صححه الألباني في السلسة الصحيحة.

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ليلة النصف من شعبان اطّلَعَ الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه.
رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

ولذلك استحب بعض الفقهاء قيام هذه الليلة حتى يتعرض المؤمن إلى رحمة الله ومغفرته، فعلى المسلم أن يتحلى بالطاعات وأن يجتنب المعاصي والمنكرات حتى يكون أهلا لمغفرة الله ورحمته ورضوانه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى:
وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة. انتهى.

وفي الفتاوى الفقهية الكبرى:
والحاصل أن لهذه الليلة فضلا وأنه يقع فيها مغفرة مخصوصة واستجابة مخصوصة ومن ثم قال الشافعي رضي الله عنه: إن الدعاء يستجاب فيها، وإنما النزاع في الصلاة المخصوصة ليلتها، وقد علمت أنها بدعة قبيحة مذمومة يمنع منها فاعلها. انتهى.

حكم قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها:
وردت بعض الأحاديث في قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهارها ولم يصح منها شيء، منها: – ما رواه ابن ماجه في سننه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا حتى يطلع الفجر» والحديث أخرجه الألباني في السلسلة الضعيفة وقال: موضوع السند.

– وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فإذا هو بالبقيع فقال: أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت: يا رسول الله إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب.
رواه الترمذي وابن ماجه، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع حديث رقم (1761).

الخلاصة:
أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام وتخصيص ليلته بالقيام وما ورد من ذلك من أحاديث فهو بين ضعيف وموضوع، ولكن يستحب للمسلم أن يصوم يوم النصف من شعبان على اعتبار أنه من جملة الأيام البيض والسنة صيامها، فيصومه كما يصوم الثالث عشر والرابع عشر، ويستحب للمسلم أن يجتهد في قيام ليلة النصف لما لها عند الله تعالى من الفضل وحتى يتعرض لرحمة الله ومغفرته.