قرار..
اختر أطيب الكلام كما تختار أطيب الثمر..

80.    الساحر..
الكلام ببلاش.. يا أخي سَمِّعنا كلمة حلوة..
هكذا بدأت المسكينة تعاتب زوجها..
صحيح هو ما قصر معها في طعام ولا لباس.. ولكنه لم يكن يسحرها بمعسول الكلام..!!
يجمع العقلاء أن أهم صفات البائع الماهر أن يكون ساحراً في كلامه.. فيردد: من عيوني.. تفضل.. خل الحساب علينا.. تعبك راحة..
وتزيد قيمة البائع كلما زادت عباراته جمالاً.. فإن أضاف إلى حسن العبارة جودة في وصف السلعة.. وقدرة على إقناع الزبون بالشراء.. صار قد اكتسب نوراً على نور..
ويجمع المجربون أن من أهم صفات السكرتير أن يكون لسانه عذباً.. وعباراته حلوة.. فيطرب الأسماع بقوله: سَمْ.. أبشر.. نحن (خدّامينك)..
وربما شغفت زوجة بزوجها حباً.. وهو كثير البخل قليل الجمال.. لكنه يسحرها بعباراته..
أذكر أن شاباً مراهقاً كان مغرماً بمغازلة الفتيات.. وكان له قدرة عجيبة على الإيقاع بهن.. وكم من مسكينة صارت متيمة بحبه.. عالقة بشراكه.. ومن العجب أنه لم يكن يملك سيارة فارهة يغريهن بركوبها.. ولم تكن جيبه مليئة بالمال ليغدق عليهن الهدايا..
ولا تظنن أنه أوتي وسامة أو جمالاً.. كلا.. فإني أسأل الله لك أن لا تبتلى بالنظر إلى وجهه!!
لكنه كان يغلق فمه على لسان.. لو تكلم مع حجر لفلقه.. ولو سمعه نهر لدفّقه..
فكان يصطاد الفتيات بلسانه اصطياداً.. بل يسحرهن سحراً..
وحديثها السحر الحلال لو أنه
لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت
ود المحدث أنها لم توجز
أقبل يوماً إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثةُ رجال سادة في قومهم..
قيس بن عاصم.. والزبرقان بن بدر.. وعمرو بن الأهتم..
وكلهم من قبيلة تميم..
فبدؤوا يتفاخرون..
فقال الزبرقان: يا رسول الله.. أنا سيد تميم.. والمطاع فيهم.. والمجاب فيهم.. أمنعهم من الظلم.. فآخذ لهم بحقوقهم..
ثم أشار إلى السيد الآخر عمرو بن الأهتم.. وقال: وهذا يعلم ذاك..
فأثنى عمرو عليه وقال: والله يا رسول الله.. إنه لشديد العارضة.. مانع لجانبه.. مطاع في ناديه..
ثم سكت عمرو..
فغضب الزبرقان.. وودَّ لو لأن عمرواً زاد في الثناء.. وظن أنه حسده على سيادته..
فقال الزبرقان: والله يا رسول الله.. لقد علم ما قال.. وما منعه أن يتكلم به إلا الحسد..
فغضب عمرو.. وقال: أنا أحسدك؟!! فوالله إنك لئيم الخال.. حديث المال.. أحمق الموالد.. مضيع في العشيرة.. والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولاً.. وما كذبت فيما قلت آخراً.. لكني رجل رضيت فقلت أحسنَ ما علمت.. وغضبت فقلتُ أقبحَ ما وجدت.. ووالله لقد صدقت في الأمرين جميعاً..
فعجب -صلى الله عليه وسلم- من سرعة حجته.. وقوة بيانه.. ومهارات لسانه..
فقال: إن من البيان لسحراً.. إن من البيان لسحراً ..
فكن مبدعاً في مهارات لسانك.. فلو قال لك: ناولني القلم.. قل: من عيوني.. تفضل..
ولو قال.. لكن يا فلان عندي طلب: اطلب عيوني.. سَمْ..
أريد منك خدمة: تفضل.. خدمنا أناساً ما يساوون أثر رجليك..
مارس هذا الأسلوب الذي يدغدغ المشاعر.. مع أمك.. نعم أسمعها كلمات رقيقة لينة..
مع أبيك.. زوجتك.. أولادك.. زملائك..
فهذا الأسلوب لا يخسرك شيئاً.. وتسحر به الآخرين.. وتزيل ما في نفوسهم..
وانظر إلى حال الأنصار -رضي الله عنهم- بعد معركة حنين..
الأنصار الذين قاتلوا مع النبي -رضي الله عنه- في بدر ثم قتلوا في أحد.. وحوصروا في الخندق.. ولا زالوا معه يقاتلون ويُقتَلون.. حتى فتحوا معه مكة.. ثم مضوا إلى معركة حنين..
ففي الصحيحين..
أن القتال اشتد أول المعركة.. وانكشف الناس عن رسول الله.. فإذا الهزيمة تلوح أمام المسلمين..
فالتفت -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه.. فإذا هم يفرون من بين يديه..
فصاح بالأنصار..
يا معشر الأنصار.. فقالوا: لبيك يا رسول الله..
وعادوا إليه.. وصفوا بين يديه..
ولا زالوا يدفعون العدو بسيوفهم.. ويفدون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنحورهم.. حتى فر الكفار وانتصر المسلمون..
وبعدما انتهت المعركة.. وجمعت الغنائم بين يدي النبي  -صلى الله عليه وسلم-.. أخذوا ينظرون إليها..
وأحدهم يتذكر أولاده الجوعى.. وأهلَه الفقرا.. ويرجو أن يناله من هذه الغنائم شيء يوسع به عليهم..
فبينما هم على ذلك..
فإذا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. يدعو الأقرع بن حابس - ما أسلم إلا قبل أيام في فتح مكة.. فيعطيه مائة من الإبل.. ثم يدعو أبا سفيان ويعطيه مائة من الإبل..
ولا يزال يقسم النعم.. بين أقوام.. ما بذلوا بذل الأنصار.. ولا جاهدوا جهادهم.. ولا ضحوا تضحيتهم..
فلما رأى الأنصار ذلك..
قال بعضهم لبعض: يغفر الله لرسول الله .. يعطي قريشاً ويتركنا.. وسيوفنا تقطر من دمائهم..
فلما رأى سيدهم سعد بن عبادة -رضي الله عنه- ذلك.. دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. فقال:
يا رسول الله.. إن أصحابك من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم.. قال: وما ذاك؟!!
قال: لما صنعت في هذا الفئ الذي أصبت.. قسمت في قومك.. وأعطيت عطاياً عظاماً.. في قبائل العرب..
ولم يكن في الأنصار منه شئ..
فقال -صلى الله عليه وسلم-: فأين أنت من ذلك يا سعد؟
قال: يا رسول الله.. ما أنا إلا امرؤ من قومي..
فقال: فاجمع لي قومك.. فلما اجتمعوا.. أتاهم رسول الله ..
فحمد الله وأثنى عليه.. ثم قال: يا معشر الأنصار.. ما قالة بلغتني عنكم؟
قالوا: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريش ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم..
فقال -صلى الله عليه وسلم-: يا معشر الأنصار.. ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي..
قالوا: بلى ولله ورسوله.. المنة الفضل..
قال: ألم تكونوا عالة فأغناكم الله.. وأعداءً فألف بين قلوبكم..
قالوا: بلى ولله ورسوله.. المنة الفضل..
ثم سكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. وسكتوا.. وانتظرَ.. وانتظروا..
فقال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار..
قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله.. ولله ولرسوله المنة والفضل..
قال: أما والله لو شئتم لقلتم.. فلصَدَقتم ولصُدِّقتم..
لو شئتم لقلتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك.. ومخذولاً فنصرناك.. وطريداً فآويناك.. وعائلاً فواسيناك..
ثم قال: يا معشر الأنصار.. أوجدتم على رسول الله في أنفسكم.. في لعاعة من الدنيا.. تألفت بها قوماً ليسلموا.. ووكلتم الى إسلامكم..
إن قريشاً حديثوا عهد بجاهلية ومصيبة.. وإني أردت أن أجبرهم.. وأتألفهم..
ألا ترضون يا معشر الأنصار.. أن يذهب الناس بالشاة والبعير.. وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بيوتكم..
لو سلك الناس وادياً أو شعباً.. وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً.. لسلكت وادي الأنصار.. أو شعب الأنصار..
فوالذي نفس محمد بيده.. إنه لولا الهجرة.. لكنت امرءاً من الأنصار.. اللهم ارحم الأنصار.. وأبناء الأنصار.. وأبناء أبناء الأنصار..
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم.. وقالوا: رضينا برسول الله قَسْماً وحظاً.. ثم انصرف رسول الله وتفرقوا..
بل إنك بالعبارات الجميلة تستطيع أن تخدر الناس أحياناً..
ذكر أنه كان في صعيد مصر رجل غني متسلط يسمونه " الباشا " كان يملك فدادين من المزارع.. كان متغطرساً يمارس أصناف الإذلال على المزارعين الصغار..
دارت الزمان دورته فأصاب أرضه ما أتلفها.. فأصبح فقيراً بعد غنى.. كسيراً
جاع أولاده وهو ليس عنده مصدر يتكسب منه.. ولا يعرف صنعة غير الزراعة.. لكن أرضه تالفة..
فخرج يبحث عن عمل.. أي عمل..
أقبل على مزرعة لأحد الفلاحين الضعفاء الذين ذاقوا من إذلاله قديماً.. دخل عليه.. وقال بكل مذلة: هل أجد عنك عملاً.. أقطف الثمر.. أو أنقي الحبوب.. أو أقلم الأشجار.. أو..
فثار المزارع في وجهه وقال: أنت تعمل عندي!! أنت المتكبر المتغطرس.. الحمد لله أن استجاب دعاءنا عليك وأذلك.. ثم طرده من بستانه..
مضى يجر قدمي خيبته.. حتى دخل بستاناً آخر.. فإذا بفلاح له معه ذكريات أليمة.. فطرده كما طرده الأول..
مضى الباشا (!!) المسكين لا يلوي على شيء.. ولا يريد أن يرجع إلى أولاده خالياً..
مر على مزرعة لفلاح ثالث.. فدخل ليجرب حظه معه..
رآه الفلاح فانبهر.. وقد ذاق أيضاً من إذلاله من قبل.. قال الباشا: أنا أبحث عن عمل.. أولادي جوعى..
فأراد الفلاح أن يذله.. وأن ينتقم منه بأسلوب ذكي..
فقال له: أهلاً أيها الباشا!! نورت بستاني!! من مثلي اليوم الباشا الكبير يدخل أرضي!! أنت الباشا الكبير.. أنت الباشا الوجيه!! أنت..
وجعل يخدّره بهذه العبارات.. حتى صار الباشا منوماً تنويماً مغناطيسياً!!
ثم قال الفلاح: مرحباً وأهلاً.. عندي عمل.. لكني لا أدري هل يناسبك أم لا؟
قال الباشا: وما هو؟
قال: اليوم سوف أحرث الأرض.. وعندي محراث يجره ثوران.. ثور أبيض وثور أسود.. والثور الأسود اليوم مريض ولا يستطيع أن يعمل.. والثور الأبيض لا يطيق جر الحراثة وحده.. فأريدك أن تقوم اليوم بوظيفة الثور الأسود.. فأنت قوي أيها الباشا.. أنت قائد.. أنت رئيس.. تسير في الأمام دائماً..
توجه الباشا بكل كبرياء إلى الحراثة.. ووقف بجانب الثور الأبيض.. أقبل المزارع إليه وبدأ بالثور الأبيض وربطه بالحبال ليجر المحراث.. ثم توجه إلى الباشا وهو يردد قائلاً: يا أحسن باشا في العالم.. يا قوي.. يا بطل.. والباشا يتلفت في زهو.. ثم ربط الحبال في كتفي الباشا.. وركب هو على الحراثة معه السوط!! وصاح: امش.. وضرب ظهر الثور فتحرك.. وتحرك الباشا يجر المحراث.. والفلاح يردد: جميل يا باشا.. ممتاز يا ملك.. ويضرب ظهر الثور.. ويصيح أقوى يا باشا.. أحسن يا باشا..
والباشا المسكين لم يتعود على ذلك.. لكنه كان يجر بكل قوته.. من الصباح حتى غابت الشمس.. وكأنه غائب العقل..
فلما انتهى فك الفلاح عنه الحبال.. وهو يقول: والله شغلك جميل يا باشا.. هذا أحسن يوم مر علي يا باشا..
ثم بضع جنيهات.. ومضى الباشا إلى بيته..
دخل على أولاده.. وقد تقرحت كتفاه.. وسالت الدماء من أسفل قدميه.. والعرق يغرق ثيابه.. و.. لكنه لا يزال منتشياً مخدراً..
سأله أولاده: هاه.. هل وجدت عملاً..
فقال - بكل فخر -: نعم.. أنا الباشا.. كيف لا أجد عملاً..
فقالوا: فماذا اشتغلت؟!
فقال: اشتغلت.. هاه!! اشتغلت!!
وبدأ يصحو من تخديره.. ويدرك ما أصابه..
قال: اشتغلت ثوراً!!!