قاعدة..
إذا شعر المخطئ ببشاعة خطئه اقتنع بحاجته للنصيحة.. وصار قبوله أكثر.. وقناعته أكبر..

37.    أقنعه بخطئه ليقبل النصح..
بعض الناس يشغل الآخرين بكثرة التوجيهات والملاحظات حتى يوصلهم إلى مرحلة الملل والاستثقال..
خاصة إذا كانت النصائح والتوجيهات مبنية على آراء وأمزجة شخصية..
كمن ينصحك بعد وليمة دعوت الناس إليها وتعبت في إعدادها وتعب معك أهلك ومالك! ثم يقول لك هذا الناصح: يا أخي الوليمة ما كانت مناسبة.. وتعبك ذهب هدراً.. وكنت أظن أنها ستكون بمستوى أعلى من هذا.. فتقول لماذا؟ فيقول: يا أخي أكثر اللحم كان مشوياً.. وأنا أحب اللحم المسلوق!!
والسلطات كانت حامضة بسبب اللليمون.. وأنا لا أحب ذلك..
وكذلك الحلويات كانت مزينة بالكريمة.. وهذا يجعل طعمها غير مقبول..
ثم يقول لك: وعموماً أكثر الناس أيضاً تضايقوا.. وما أكلوا إلا مجاملة.. أو لأنهم اضطروا إليه..
فقطعاً.. أنت هنا ستنظر إلى هذا الناصح نظرة ازدراء وإعراض.. ولن تقبل منه نصيحته ؛ لأنها مبنية على آراء وأمزجة شخصية..!!
قل مثل ذلك فيمن ينصح آخر حول طريقة تعامله مع أولاده.. أو مع زوجته.. أو طريقة بنائه لبيته.. أو نوع سيارته.. بناء على ذوقه الخاص..
انتبه دائماً أن تكون هذه النصائح والانتقادات مبنية على مجرد أمزجة شخصية..
نعم لو طلب رأيك.. أبده له واعرضه عليه.. أما أن تتكلم معه وتنصح كما تنصح المخطئ.. فلا..
وأحياناً.. المنصوح لا يشعر أنه مخطئ فلا بد أن تكون حجتك قوية عند نصحه..
جلس أعرابي صلف مع قوم صالحين.. فتكلموا حول بر الوالدين.. والأعرابي يسمع..
فالتفت إليه أحدهم وقال: يا فلان.. كيف برك بأمك..
فقال الأعرابي: أنا بها بار..
قال: ما بلغ من برك بها؟
قال: والله ما قرعتها بسوط قط!!
يعني إن احتاج إلى ضربها.. ضربها بيده أو عمامته.. أما السوط فلا يضربها به.. من شدة البرّ!!
فالمسكين ما كان ميزان الخطأ والصواب عنده مستقيماً..
فكن رفيقاً لطيفاً.. حتى يقتنع الذي أمامك بخطئه..
كان في عهده -صلى الله عليه وسلم- امرأة من بني مخزوم تستلف المتاع من النساء.. وتتغافل عن رده فإذا سألوها عنه جحدته.. وأنكرت أنها أخذت شيئاً..
حتى زاد أذاها في الجحد والسرقة فرفع أمرها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. فقضى فيها أن تقطع يدها..
فشق على قريش أن تقطع يدها وهي من قبيلة من كبار قبائل قريش..
فأرادوا أن يكلموا النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخفف هذا الحكم إلى حكم آخر.. كجلد أو غرامة مال.. أو نحو ذلك..
وكلما توجه رجل منهم لنقاش النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر.. تردد ورجع..
فقالوا لن يجترئ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أسامة بن زيد.. حِبُّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن حِبِّه.. تربى هو وأبوه في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى صار كولده..
فكلموا أسامة..
أقبل أسامة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. فرحب به وأجلسه عنده..
جعل أسامة يكلم النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخفف الحكم.. ويبين أن هذه المرأة من أشراف الناس..
وأسامة يواصل الكلام والنبي -صلى الله عليه وسلم- يستمع.. كان أسامة يحاول إقناع النبي -صلى الله عليه وسلم- برأيه..
نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أسامة.. فإذا هو يحاول ويناقش.. بكل قناعة.. ولا يدري أنه يطلب منه ما لا يجوز..!!
فتغير النبي وغضب -صلى الله عليه وسلم- وكان أول كلمة قالها أن بين له خطأه فقال:
أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟
فكأنه يبين سبب غضبه لأسامة.. وأن حدود الله تعالى التي أوجب على عباده إقامتها لا تجوز الشفاعة فيها..
فانتبه أسامة.. وقال فوراً: استغفر لي يا رسول الله..
فلما كان الليل.. قام -صلى الله عليه وسلم- فخطب في الناس وأثنى على الله بما هو أهله.. ثم قال:
" أما بعد.. فإنما أهلك الذين من قبلكم:
أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه.. وإذا سرق فيهم   الضعيف.. أقاموا عليه الحد..
وإني والذي نفسي بيده.. لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.."
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها..
قالت عائشة ?: فحسنت توبتها بعدُ.. وتزوجت..
وكانت تأتيني بعد ذلك.. فأرفع حاجتها إلى رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- ..
أسامة ? له مواقف متعددة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. كلها تفيض بالرحمة والتعامل الراقي..
قال أسامة بن زيد: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الحرقات من جهينة..
فهزمناهم وخرجنا في آثارهم.. فلحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم..
فلاذ منا بشجرة..
فلما أدركناه.. ورفعنا عليه السيف.. قال: لا إله إلا الله..
فأما صاحبي الأنصاري فخفض سيفه..
وأما أنا فظننت أنه يقولها فرقاً من السلاح.. فحملت عليه فقتلته..
فعرض في نفسي من أمره شيء.. فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-..
فأخبرته..
فقال لي: أقال لا إله إلا الله.. ثم قتلته؟!
قلت: إنه لم يقلها من قِبَلِ نفسه.. إنما قالها فرقاً من السلاح..
فأعاد علي: أقال لا إله إلا الله.. ثم قتلته؟!
فهلا شققت عن قلبه.. حتى تعلم أنه إنما قالها فرقاً من السلاح..
سكت أسامة.. فهو لم يشق عن قلب الرجل فعلاً..!! لكنه كان في ساحة حرب.. والرجل مقاتل!!
فأعاد عليه -صلى الله عليه وسلم- السؤال مستنكراً: أقال لا إله إلا الله.. ثم قتلته؟!
يا أسامة قتلت رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله!! كيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!
فما زال يقول ذلك حتى وددت إني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ..
فتأمل كيف تدرج معه ببيان الخطأ وإقناعه به.. ثم وعظه ونصحه..
ولأجل أن يقتنع المنصوح بما تقول.. ناقشه بأفكاره ومبادئه هو قدر المستطاع..
نعم فكر من وجهة نظره..
بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجلسه المبارك.. يحيط به أصحابه ألأطهار..
إذ دخل شاب إلى المسجد وجعل يتلتفت يميناً وشمالاً كأنه يبحث عن أحد..
وقعت عيناه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. فأقبل يمشي إليه..
كان المتوقع أن يجلس الشاب في الحلقة ويستمع إلى الذكر.. لكنه لم يفعل..!
إنما نظر الشاب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حوله.. ثم قال بكل جرأة:
يا رسول الله.. ائذن لي بـ.. بطلب العلم؟!
لا.. لم يقلها.. ويا ليته قالها..
ائذن لي بالجهاد.. لا.. ويا ليته قالها..
أتدري ماذا قال؟
قال: يا رسول الله.. ائذن لي بالزنا..
عجباً!! هكذا بكل صراحة؟!!
نعم.. هكذا: ائذن لي بالزنا..
نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الشاب.. كان يستطيع أن يعظه بآيات يقرؤها عليه.. أو نصيحة مختصرة يحرك بها الإيمان في قلبه.. لكنه -صلى الله عليه وسلم- سلك أسلوباً آخر..
قال له -صلى الله عليه وسلم- بكل هدوء: أترضاه لأمك؟
فانتفض الشاب وقد مرَّ في خاطره أن أمه تزني.. فقال: لا.. لا أرضاه لأمي..
فقال له -صلى الله عليه وسلم- بكل هدوء: كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم..
ثم فاجأه سائلاً: أترضاه لأختك؟!
فانتفض الشاب أخرى.. وقد تخيل أخته العفيفة تزني.. وقال مبادراً: لا.. لا أرضاه لأختي..
فقال -صلى الله عليه وسلم-: كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم..
ثم سأله: أترضاه لعمتك؟! أترضاه لخالتك؟!
والشاب يردد: لا.. لا..
فقال -صلى الله عليه وسلم-: فأحب للناس ما تحب لنفسك.. واكره للناس ما تكره لنفسك..
أدرك الشاب عند ذلك أنه كان مخطئاً.. فقال بكل خضوع:
يا رسول الله.. ادعُ الله أن يطهر قلبي..
فدعاه -صلى الله عليه وسلم-.. فجعل الشاب يقترب.. ويقترب.. حتى جلس بين يديه.. ثم وضع يده على صدره.. وقال:
اللهم اهد قلبه.. واغفر ذنبه.. وحصن فرجه..
فخرج الشاب وهو يقول: والله لقد دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. وما شيء أحب إليَّ من الزنا.. وخرجت من عنده وما شيء أبغض إليَّ من الزنا..
ثم انظر إلى استعمال العواطف.. دعاه.. وضع يده على صدره.. دعا له..
يعني استعمل جميع الأساليب لإصلاح من أمامه.. بعدما جعله يقتنع بشناعة الفعل ليتركه عن قناعة.. فلا يفعله أبداً.. لا أمامه ولا خلفه..