سورة الصافات
(993)
وَصَفًّا وَزَجْراً ذِكْراً ادْغَمَ حَمْزَةٌ وَذَرْواً بِلاَ رَوْمٍ بِها التَّا فَثَقَّلاَ
أي وذكرا فحذف حرف العطف وذروا عطف عليها أيضا فصل بينهما بقوله أدغم حمزة وقوله بلا روم أي إدغاما محضا بخلاف ما سبق ذكره في مذهب أبي عمرو في الإدغام في شرح قوله واشمم ورم في غير باء وميمها وقوله بها أي في أوائل هذه الكلمات الأربع التاء مفعول أدغم أي أدغم حمزة التاء الموجودة قبل كل واحد من هذه الألفاظ في هذه الألفاظ في أوائلها فثقل أي فشدد لأن الإدغام بوجب ذلك أراد إدغام والصافات صفا - فالزجرات زجرا فالتاليات ذكرا -  هذه الثلاثة هنا والرابعة (والذاريات ذروا)، فإن قلت ما للناظم لم يذكر أبا عمرو مع حمزة في إدغام هذه المواضع وهو مشاركه في هذا المذهب وتقدم ذكر باب الإدغام لأبي عمرو وغير مانع له من ذلك كما ذكره معه في قوله إدغام بيت في حلا وقد تقدم في سورة النساء، قلت مذهب أبي عمرو في الإدغام غير مذهب حمزة وذلك أن المنقول عن أبي عمرو أنه كان يفعل ذلك عند الإدراج والتخفيف وترك الهمز الساكن فإذا همز أو حقق لم يدغم من الحروف المتحركة شيئا إلا (بيت طائفة)، فلما كان يدغم - بيت طائفة - مطلقا أشبه ذلك مذهب حمزة فذكره معه فيها ولما كان أمره في - والصافات صفا - على خلاف ذلك لم يذكره معه ولهذا قال ابن مجاهد قرأ أبو عمرو وإذا أدغم وحمزة على كل حال - والصافات صفا - فقيد ذكر أبي عمرو بقوله إذا أدغم وقال في حمزة على كل حال وترك الإدغام هو المختار في ذلك قال الفراء كان ابن مسعود يدغم التاء من - والصافات فالزاجرات فالتاليات والتبيان أجود لأن القراءة ثبتت على التمكين والتفصيل والبيان وقال أبو عبيد وكان الأعمش يدغمهن والقراءة التي نختارها هي الأولى بالتحقيق والبيان على ما ذكرنا من مذهبنا في جميع القرآن إلا ما كان يخالف الخط ويخرج من لغات العرب وقال النحاس وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها يعني الإدغام والله أعلم.
(994)
وَخَلاَّدُهُمْ بِالْخُلْفِ فَالْمُلْقِياَتِ فَالْمُغِيرَاتِ فِي ذِكْراً وَصُبْحاً فَحَصِّلاَ
أي وأدغم خلاد بخلاف عنه - فالملقيات - في سورة - والمرسلات -  في ذال ذكر وتاء - فالمغيرات - في سورة والعاديات - في صاد - صبحا - وزاد أبو عمرو في مذهب الإدغام على ذلك إدغام - والعاديات ضبحا وإدغام - والسابحات سبحا فالسابقات سبقا - في سورة والنازعات وابن مجاهد وغيره من أكابر المصنفين لم يذكروا لحمزة إدغاما إلا في الكلمات الأربع المتقدمة ولم يذكر أبو عبيد سوى الثلاث التي في الصافات وأما هذا المذكور عن خلاد في إدغام هذين الموضعين فقريب وعنى به قول صاحب التيسير واقرأني أبو الفتح في رواية خلاد -  فالملقيات ذكرا فالمغيرات صبحا - بالإدغام أيضا من غير إشارة وذكر في غير التيسير أن حمزة لم يدغم إلا الأربعة الأول، قال الشيخ وكذا ذكر ابن غلبون وغيره ولم يذكر أبو الفتح في كتابه إلا المواضع الأربعة عن حمزة والفاء في فحصلا ليست برمز لأنه قصد صرح أولا بالقاريء وهو خلاد، فإن قلت يحتمل أنه أراد الخلف عن خلاد في المواضع المتقدمة كما قال في آخر يس بخلف هدى ويكون إدغام هذين الموضعين لحمزة، قلت يمنع من ذلك أن الواو في وخلادهم فاصلة، فإن قلت قد جاء أشياء على هذه الصورة والخلف لما مضى نحو وقالون ذو خلف ووجهان فيه لابن ذكوان ههنا وخلف فيهما مع مضمر مصيب، قلت قوله فيه وفيهما بيان لموضع الخلاف والواو بعد ذلك فاصلة أيضا في المواضع الثلاثة المذكورة
(995)
بِزِينَةِ نَوِّنْ (فِـ)ـى (نَـ)ـدٍ وَالْكَوَاكِبِ انْصِبُلُوا (صَـ)ـفْوَةً يَسَّمَّعُونَ (شَـ)ـذ اً (عَـ)ـلاَ
أي كائنا في مكان ند وفي بعض النسخ في ندا بزيادة ألف أي كائنا في ندا وهو الكرم وأشار بذلك إلى وجوه هذه القراءة وصفوة حال من الكواكب أو من المخاطبين وهو جمع صفي مثل صبي وصبية شذا حال من فاعل علا أو هو مفعول به أي علاه نحو علا زيدنا يوم النقا زيدكم، وهو تمييز مقدم على عامله على رأى من جوز ذلك أي على شذاه أي طيبه والقراءات في - بزينة الكواكب ثلاث قرأ حمزة وحفص بتنوين زينة وخفض الكواكب وأبو بكر بتنوين زينة ونصب الكواكب والباقون بإضافة زينة إلى الكواكب والزينة مصدر كالنسبة واسم لما يتزين به كما قوله سبحانه (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)، ويحتمل الأمرين قراءة الإضافة فإن فسر بالمصدر كان مضافا إلى فاعله أو مفعوله أي بأن زانتها الكواكب أو بأن زان الله الكواكب وحسنها لأنها إنما زينت السماء لحسنها هي في أنفسها وإن فسر الزينة بالاسم فالإضافة للبيان نحو خاتم حديد لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها فما يزان به أو يراد بما زينت به الكواكب أي بحليتها وهو ضوءها وأشكالها المختلفة كالثريا والجوزاء وبنات نعش وأما قراءة التنوين وجر الكواكب فالكواكب عطف بيان أو بدل والزينة فيها اسم لما يتزين به ونكر للتعظيم أي بزينة لها شأن عظيم ثم بينها بما هو مشاهد معلوم حسنه وزينه فقال الكواكب وقيل يجوز على هذه القراءة أن تكون الزينة مصدرا وتجعل الكواكب بزينة مبالغة أو على تقدير زينة الكواكب فحذف المضاف وأما القراءة بنصب الكواكب مع التنوين فالزينة فيها مصدر والكواكب مفعول به وجوز الزجاج وغيره أن يكون بدلا من موضع بزينة وقيل هو منصوب بإضمار أعني بعد التنكير المشعر بالتعظيم فعلى هذين القولين يجوز أن تكون الزينة اسما لا مصدرا ويجوز أن تكون مصدرا على المبالغة إن قلنا الكواكب بدلا من الموضع وعلى تقدير أعني زينة الكواكب إن قلنا هو منصوب بإضمار أعني وجوز الشيخ أبو عمرو أن تكون الكواكب بدلا من السماء بدل الاشتمال قال كأنه قيل إنا زينا الكواكب في السماء الدنيا بزينة فيكون الزينة مصدرا قال الزجاج بزينة الكواكب يعني بتنوين زينة ورفع الكواكب قال ولا أعلم أحدا قرأ بها فلا تقرأن إلا بها إلا أن تثبت رواية صحيحة لأن القراءة سنة والرفع في الكواكب على معنى إنا زينا السماء الدنيا بأن زينتها الكواكب أو بأن زينت الكواكب، قال النحاس هو على ما حكى النحويون عجبت من قراءة في الحمام القرآن بمعنى إن قريء وأما - لا يسمعون إلى الملأ الأعلى - فنشرحها في البيت الآتي وهو
(996)
بِثِقْلَيْهِ وَاضْمُمْ تَا عَجِبْتَ (شَـ)ـذاً وَسَاكِنٌ مَعاً لوْ آبَاؤُنَا (كَـ)ـيْفَ (بَـ)ـلَّلاَ
أي على بثقليه أراد تشديد السين والميم على ما لفظ به وأصله يتسمعون فأدغمت التاء في السين وقراءة الباقين - لا يسمعون - من سمع إليه إذا أصغى مع الإدراك ولم ينبه على إسكان السين لظهوره وإلا فلا يلزم من ضد النقل الإسكان بل يكفي ترك النقل وذلك يكون تارة مع حركة كما في الميم وتارة مع سكون واختار أبو عبيد قراءة التشديد لأجل تعدية الفعل بإلى وإنما عدى بها على قراءة التخفيف لتضمين الفعل معنى الإصغاء قوله واضمم تاء عجبت شذا أي ذا شذا فهو حال من الفاعل أو المفعول وإضافة العجب إلى الله تعالى وكذا سائر ما أضيف إليه مما لا يصح إنصافه بأعيانه المراد منه لوازمه وثمراته فالمعنى هنا أن حال هؤلاء انتهت في القبح إلى حد يتعجب منه تعجب الإفكار والذم وذكر أبو عبيد أنها قراءة ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن مقفل وإبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش -رضي الله عنهم- ويشهد لها - وإن تعجب فعجب - فأخبر الله جل جلاله أنه عجب والحديث المرفوع لقد عجب الله البارحة من فلان، قلت وفي حديث آخر يعجب ربكم من إلكم وقنوطكم، واختار أبو عبيد قراءة الرفع وقال الفراء الرفع أحب إلينا لأنها قراءة علي وعبد الله وابن عباس -رضي الله عنهم- قال والعجب وإن أسند إلى الله تعالى فليس معناه منه كمعناه من العباد كما أنه قال (سخر الله منهم) (الله يستهزئ بهم)، وعجبت بالفتح خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقيل التقدير في الضم قل يا محمد بل عجبت وأما - أوآباؤنا الأولون - هنا وفي الواقعة وإلى ذلك الإشارة بقوله معا فإسكان الواو وفتحها كما مضى في (أوأمن)، في سورة الأعراف وتقدير النظم أوآباؤنا ساكن معا فالواو للعطف نحو (أوعجبتم أن جاءكم)، قال الشيخ ومعنى كيف بللا أي على تبليله وقلته أي لم يقرأ به سوى ابن عامر وقالون
(997)
وَفِي يُنْزَفُونَ الزَّايَ فَاكْسِرْ (شَـ)ـذاً وَقُلْ في الأُخْرى (ثَـ)ـوى وَاضْمُمْ يَزِفُّونَ (فَـ)ـاكْمُلاَ
هو بكسر الزاي من أنزف إذا سكر وذهب عقله كما قال لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم أو من أنزف إذا نفد شرابه وبفتح الزاي بني الفعل لما لم يسم فاعله وليس هو الفعل المذكور فإنه لازم ولكن يقال نزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر وعنى بالأخرى التي في الواقعة ثم قال واضمم يزفون يعني ضم الياء لحمزة وافتحها لغيره ولا خلاف في كسر الزاي والخلاف الذي مضى في ينزفون في الزاي فتحا وكسرا ولا خلاف في ضم الياء أراد - فأقبلوا إليه يزفون - ومعناه بفتح الياء يسرعون من زف الظليم والبعير يزف زفيفا ويزفون بالضم يصيرون إلى الزفيف أو من أزف غيره إذا حمله على الزفيف والألف في قوله فأكملا كالألف السابقة في فحصلا كلاهما بدل من نون التأكيد الخفيفة وقد سبق مثله مرارا
(998)
وَمَاذَا تُرِى بِالضَّمِّ وَالْكَسْر (شَـ)ـائِعٌ وَإِلْيَاسَ حَذْفُ الْهَمْزِ بِالْخُلْفِ (مُـ)ـثِّلاَ
أي قرأ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء من غير لفظ إمالة على وزن رمى ودعى لفظا ومعناه ماذا تظهر من الإذعان والانقياد لأمر الله تعالى وقراءة الباقين بفتح التاء والراء وهو من الرأي اختبروا رأيه في ذلك فوجد كما يحب -صلى الله عليه وسلم- وأمال الراء أبو عمرو على أصله وورش بين اللفظين وإلياس سرياني تكلمت به العرب على وجوه كما فعلوا في جبريل وميكال فقالوا إلياسين كجبرائيل وإلياس كإسحاق ووصلوا همزته كأنه في الأصل ياس دخلته آلة التعريف وموضع هذا الخلاف - وإن إلياس - وصل همزته ابن ذكوان وقطعها غيره
(999)
وَغَيْرُ (صِحَابٍ) رَفْعُهُ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ وَإِلْياسِينَ بِالْكَسْرِ وُصِّلاَ
الهاء في رفعه لغير صحاب أي مرفوعه أي الذي رفعه غير صحاب هو قوله -  الله ربكم ورب - جعلوه مبتدأ وخبرا ولو قال برفع - الله ربكم - لحصل الغرض وكان أبين لفظا ونصب الثلاث صحاب جعلوا ذلك بدلا من - أحسن الخالقين - أو عطف بيان وأما - سلام على إلياسين - فكسر همزتها وقصرها وأسكن كسر لامها من ذكره في قوله
(1000)
مَعَ الْقَصْرِ مَعْ إِسْكَانِ كَسْرٍ (دَ)نَا (غِـ)ـنىً وَإِنّي وَذُو الثُّنْيَا وَأَنِّي اجْمِلاَ
عنى بالقصر حذف المد بين الهمزة المفتوحة واللام المكسورة فقرأ مدلول قوله دنا غنا على ما لفظ به في البيت السابق وغنا في موضع نصب على التمييز أو الحال أي دنا غناه أو ذا غناء لأن هذه القراءة استغنت بوضوحها عن تأويل القراءة الأخرى لأن هذا لغة في اسم إلياس على ما سبق وقرأه نافع وابن عامر -  آل ياسين - كما جاء - آل عمران - وكتبت كذا مفصولة في المصحف كأن اسمه يس على وزن ميكال فيكون اسمه جاء في القرآن بأربع لغات وكذا سبق في قراءة اسم جبريل وهي إلياس بقطع الهمزة ووصلها وياسين وإلياسين وتكون القراءتان قد تضمنتا التسليم عليه وعلى آله وقيل أريد بآله نفسه وقيل سلم عليهم من أجله تنبيها على استحقاقهم لذلك لعدم شهرتهم بخلاف آل باقي الأنبياء المسلم عليهم في هذه السورة وقيل المراد بالقراءتين آله وإلياسين جمع فهو من باب قول الراجز، (قدني من نصر الخبيس قدني)، ورد هذا بأنه لو أريد لكان الوجه تعريفه فيقال الإلياسين كقوله الخبييين وقريء على إلياسين بوصل الهمزة فهذا يمكن فيه ذلك لأن فيه آلة التعريف وقيل ياسين اسم أبي إلياس أضيف الآل إليه فدخل إلياس فيهم ثم ذكر ياءات الإضافة في هذه السورة وهي ثلاث - إني أرى من المنام أني أذبحك - فتحهما الحرميان وأبو عمرو - ستجدني إن شاء الله - فتحهما نافع وحده وهي المراد بقوله وذو الثنيا وقد سبق معنى ذلك في آخر سورة القصص وفيها زائدة واحدة - لتردين - أثبتها ورش وحده في الوصل وقد سبق نظمها مع زائدة - (ولا ينقذون) - في آخر سورة يس والألف في قوله أجملا للإطلاق لا للتثنية لأن المذكور ثلاث ياءات نبهت على المذكور على وجه الإجمال دون التفصيل كما قال في باب ياءات الإضافة أحكيه مجملا ويجوز أن تكون الألف للتثنية ويكون الضمير لأني وإني فهما المجملان بين ألفاظ السورة أما - ستجدني فلا فإنها بقوله وذو الثنيا متميزة فكأنها مذكورة بعينها