القاعدة التاسعة والأربعون: الدِّينُ والخُلُقُ ضمانتان لزواجٍ سعيد 4910
القاعدة التاسعة والأربعون: الدِّينُ والخُلُقُ ضمانتان لزواجٍ سعيد
أ.د. ناصر بن سليمان العمر
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
 
قاعدةٌ نبويةٌ: (إذا خطبَ إليكمْ مَنْ ترضَونَ دينَه وخُلُقَه فَزَوِّجُوه).
هذا حديثٌ عظيمٌ رواهُ أبو هريرةَ رضي الله عنه عنِ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ولفظُه: (إذَا خطبَ إليكمْ منْ ترضَونَ دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ)، ومنْ خلالِ الواقعِ نجدُ تصديقَ هذا الحديثِ، حيثُ تسَاهلَ الناسُ وبخاصةٍ أولياءُ أمورِ البناتِ في مقوماتِ الزواجِ، وهذَا الأمرُ أحدثَ كثيرًا منْ مُشكلاتِ البيوتِ، فنجدُ أنَّ هناكَ مقوماتٍ تعارَفَ عليها الناسُ، على ضَوئِها يَقبلونَ ويَرفضونَ، وكثيرٌ منها منْ أعرافِ الجاهليةِ، بينما هذا الحديثُ يدلُّ علَى أن المعيار المرعي هو: ”منْ تَرضَونَ دينَه وخُلُقَه“، رغمَ أنَّ الإسلامَ لا يُغفِلُ الجوانبَ الأخرَى، كما في الحديثِ الآخَرِ: (تُنكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحسبِها وجمالِها ودينِها)، لكنَّه وجَّه في النهايةِ بقوله: (فاظفرْ بذاتِ الدينِ تربتْ يداكَ).

فمثلًا مِنَ الأعرافِ السائدةِ الآنَ التركيزُ علَى جانبِ المالِ، وقدرةِ الزوجِ الماليةِ، دونَ النظرِ إلى دينِه، بمعنى التساهلِ في أمرِ دينِه وعدمِ التحري كثيرًا، فيتحرَى عنْ وظيفتِه وعنْ قدراتِه، لكنَّه لا يتحرَّى عنْ دينِه، ويتحرى عنْ نسبِه وأجدادِه وأخوالِه بلْ ويبالِغُ في ذلكَ دونَ أنْ يَتَحرى عنْ دينِه، وإغفالُ هذهِ القاعدةِ يُحدِثُ المشكلاتِ وعدمَ الاستقرارِ، بل يسببُ العنوسةَ للبناتِ، فإذَا جاءَ منْ يُرتضَى دينُه وخُلُقُه -ما دامَ لا يُعابُ عليهِ في حسبِه ولا في نسبِه- ولو كانَ فقيرًا فليُزَوَّجُ، فسوفَ يُغنيهِ اللهُ منْ فضلِهِ.

قال اللهُ -جل و علا-: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) النور: 32)، والمهمُ هُوَ الاعتدالُ في هذا الجانبِ.

جاءَني يومًا رجلٌ منْ قبيلةٍ كبيرةٍ، وأَخبرني أنَّه يَرغبُ في الزواج منْ عائلةٍ يصعبُ أن يتزوجَ مثلُه منها في عرفِ المجتمعِ معَ كلِّ أسفٍ، فأخبرتُه أني أعرفُ هذهِ الفتاةَ وأقصدُ أهلَها، وفيهمْ صفاتٌ عظيمةٌ جدًا وبخاصةٍ في دينِهم، وسألتُه: هلْ إذَا خطبتَها وتزوجتَها سَتُكرمُها ويقبلُها أهلُك أو لا؟

فأجابَ بالإيجابِ، وأخبرني برضا والدَيه، وأنهم في قبيلتِهم لا يَرَونَ ما تراهُ كثيرٌ منَ القبائلِ في مقوماتِ اختيارِ الزوجِ، فأخبرتُه أن المهمَّ ألا تُهان هذهِ الفتاةُ وإلا فلْيتركْها لتتزوجَ ممنْ يُكرمُها، وبالفعلِ تزوجَها وهيِ أمُّ أولادِه، ووجدَ فيها الجمالَ، ووجدَ فيها الدّين، ووجدَ عندَها المالَ، مع أنّه ليسَ بحاجةٍ إلى مالها فهوَ غنيّ، ووجدَ أيضًا أنَّ ما يقولُه الناسُ عن عائلتها ليسَ بدقيقٍ، وفي المقابلِ كان هوَ على خُلُقٍ وصدَقَ في قولهِ إنهُ سيكرمُها، فتحققتْ لهما سعادةٌ عظيمةٌ.

وقد سئلتُ مرةً عنِ امرأةٍ خُطبتْ لرجلٍ ليسَ منْ قبيلتِها وغيرِ معروفٍ لهمْ، ولكنهُ مؤدٍ للصلاةِ، فهلْ هذا كافٍ لتعديلِه وتقويمِه، واعتبارِ ذلكَ سببًا لاختيارٍ موفَّقٍ؟

فكانَ الجوابُ بأنْ نأخذَ بوصيةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (إذا جاءَكم منْ ترضونَ دينَه وخُلُقَه)، ولا شكَّ أنَّ الصلاةَ هيَ أعظمُ أركانِ الدينِ، ولكنَّها ليستْ هي كلَّ الدينِ، فالدينُ يتعلقُ بالعقيدةِ والعباداتِ والمعاملاتِ فرضًا ونفلًا، ومن الدينِ الخُلُقُ، فلا يكفِي مجردَ أنْ يقالَ هوَ يُصلِّي لتكونَ تزكيةً وترجيحًا، فهناكَ مصلونَ لكنَّ أخلاقَهم سيئةٌ، وهناكَ مصلونَ ولكنَّهمْ يرتكبونَ بِدَعًا، وهناكَ مُصلُّونَ ولكنهم يُقصِّرونَ في حقوقٍ كثيرةٍ شرعيةٍ لربِهم ولأهلِهم، والحديثُ لم يكتفِ بشرطِ الدِّينِ بل ضمَّ إليهِ الخُلُقَ.

فإذَا زُوِّجَ صاحبُ الدينِ والخُلُقِ فإنه يُكْرِمُ المرأة ولا يُهينُها ولا يَظلمُها، فإمَّا أنْ يُمسكَها بمعروفٍ أو يُسرِّحَها بإحسانٍ، ومعلومٌ خطورةُ التساهلِ في أمورِ الدينِ، والواقعُ يُصدِّقُ ذلكَ فكلُّ منْ يتساهلُ ويُزوِّجُ كريمتَه دونَ اهتمامٍ بشرطِ الدينِ والخلقِ يجنِي ثمارَ ما زرعَ، وقد وردَ عنْ أسماءَ رضي الله عنها أنها قالت: إنما النكاح رِقٌّ فلينظرْ أحدُكم أينْ يُرِقُّ كريمتَه -وقد وردَ مرفوعًا للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولكن كما قال البيهقي: الموقوفُ أصحُ، وما أعظمَه من كلامٍ، فالنكاح رِقٌ كما بيّن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ).

قال الترمذي: يَعْنِي: أَسْرَى فِي أَيْدِيكُمْ، وهو تشبيهٌ لا تراد به المطابقةُ، فلا شكَّ أنَّ المرأةَ ليستْ مملوكةً أو رقيقةً تُباعُ وتُشترَى، ولا يُتَعامَلُ مَعَها كما يُتَعاملُ معَ الرقيقِ، لكنَّ المرادَ أنَّ النكاحَ نوعٌ من الرقِّ لعظمِ حقِّ الرجلِ على زوجِهِ، ولأنها محبوسةٌ عليه، فالنساء أسيراتٌ عندَ الرجالِ، فلْيَنظرْ أحدُكم أينَ يَضَعُ كَريمتَه.

أينَ تضعُ ابنتَك؟

عند كريم يُكرمها أو لئيم يُهينها!

إن المرأةُ كَريمةٌ عند أهلها، كريمة عند أبيها وأمِّها وذويها، فلْيضعْها ولِيُّها في المكانِ المناسَبِ، باختيارِ الزوجِ المناسبِ صاحبِ الدينِ والخُلُقِ، ولا يُرِقَّها عندَ إنسانٍ ضعيفِ الدينِ يَبغِي عليها ويَظلِمُها.

فلْيُجعلْ هذا الحديثُ نبراسًا لحياتِنا منْ أجلِ أن تَسعدَ بناتُنا، ولنحرص على أنَّ نُبَكِّرَ بزواجِهن ممَنْ نرضَى دينَه وخُلُقَه، معَ مراعاةِ عدمِ وجودِ العوارضِ التِي قدْ تكونُ سبَبًا في عدمِ السعادةِ، وهيَ عواملُ معتبرةٌ قدْ تكونُ في ذاتِ الإنسانِ، أوْ قدْ تكونُ منَ الناسِ، فمراعاةُ الواقعِ وعدمُ المبالغةِ، وتجنب مواجهةِ مثلِ هذهِ القضايا برعونة مهم جدًا، وإنما تعالج بحكمةٍ وبُعدِ نظرٍ وسعةِ صدر.

وهذا ما كانَ يُوصِي به سماحةُ الشيخِ ابنِ بازِ -رحمه الله-، وكذلكَ الشيخُ محمدُ بنُ عثيمينَ -رحمه الله-، فهؤلاءِ لبُعدِ نظرِهم، ولعلمِهم وعقلِهم ودينِهم ورثوا حكمة في علاج هذهِ الأمورِ، والمقصود أنه لابدَّ أنْ تُراعَى كلُّ العواملِ المحقِّقَةِ لقبولِ الزوجِ، ولكنْ يكونُ الخُلُقُ والدينُ هو الأساسَ في ذلك، دونَ تغييبٍ للجوانبِ الأخرَى من مال وحسب وجمال حتى لا يؤدي إغفالها إلى عدمِ الاستقرارِ والسعادةِ، والله الموفق.

المصدر:
http://www.almoslim.net/tarbawi/291655