القاعدة الثالثة والثلاثون: (إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا) 3310
القاعدة الثالثة والثلاثون: (إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا)
أ.د. ناصر بن سليمان العمر
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
 
قال الله تعالى: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (الطلاق: 1)، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7).
هاتانِ الآيتانِ الكريمتانِ في سورةِ الطلاقِ عجيبتانِ جدًا، وَبرَغْم أنَّهما وَرَدَتَا في سياقٍ يتعلقُ بالحياةِ الزوجيةِ، إلّا أنَّهما تَصْلُحَانِ للتعاملِ معَ حوادثِ الحياةِ بصفةٍ عامةٍ، فلوْ أنَّ الإنسانَ تأملَ في المعاني العظيمةِ فِيهِما، واتخذَ القاعدةَ المأخوذةَ منهما في حياتِه كلِّها لتغيرَّتْ حياتُه بالكليَّةِ، ولَهَانتْ مشكلاتُه في عَينِه، ومنْها المشكلاتُ والمنغِّصاتُ التي تقعُ في بيوتِنا، فهِيَ بلا شكٍ نوعٌ مِنَ العُسْرِ، ولكنْ إنِ استحضَرَ المرءُ القاعدةَ انتقلَ مباشرةً إلى ترقُّبِ اليسرِ، كمَا تُبشِّرُ به الآيتان العظيمتان في سورة الشرح: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: 5-6).         
والأمثلةُ علَى ذلكَ في الحياةِ كثيرةٌ جدًا؛ فمِنْ ذلكَ فاكهةٌ في الطائفِ والمناطقِ الباردةِ والجبليةِ تُسمَّى البَرْشُومِيِّ، قِشْرتُها الخارجيةُ مغطاةٌ بالشَوْكِ، فلا يُمكنُ أنْ يَأخذَها المرءُ بيدِه مباشرةً ولا بِسهولةٍ، فالشَّوْكُ مؤلمُ والحصولُ علَى الثَّمَرَةِ متعبٌ، لكنَّ خَلْفَ هذا التعبِ، وداخلَ هذا الشوكِ طعمٌ لذيذٌ جدًا.

كذلكَ الذينَ يَجنُونَ العُودَ -وَهُوَ مِنْ أغلَى أنواعِ البُخورِ- يَذكُرونَ أنَّ استخراجَه صعبٌ ومُتعِبٌ، وكذلكَ الذينَ يَغوصونَ في البَحرِ للحصولِ علَى اللؤلؤِ الطبيعيِّ مِنَ الأصدافِ، لا يَصِلُونَ لهذا الجمالِ الثمينِ إلا بمكابدةِ المتاعبِ والعسرِ، عسرِ البحرِ وظلمتِهِ، ولكنْ في مُقابِلِ هذا العُسْرِ يُسْرٌ، حيثُ يَجِدُونَ الخيرَ مِنَ اللؤلؤِ والأصدافِ الجميلةِ.

فكأنَّ هذه الآيةَ تقولُ لنا إنَّ كلَّ عسرٍ في باطنِه يسرٌ عظيمٌ فابحثْ عنْهُ، فإنكَ لوْ وَجدْتَ إنسانًا كلَّما لَمسَ شوكَ فاكهةِ البَرشُوميِّ رمَاها لقُلتَ هذا سفيهٌ، فخذْها بحرصٍ واتقِ شوكَها وإنْ أصابَك شيءٌ منهُ فاصبرْ وستجدُ قريبًا في داخلِها الخيرَ الكثيرَ، وهكذا الحياةُ بالصبرِ على ما فيها منْ عسرٍ يُحصَّلُ اليسرُ.

فهذه المعاني العظيمةُ تجعلُ الإنسانَ يَنتقلُ مِنَ الضّيقِ والعُسْرِ والكَدَرِ، إلى الفرَجِ واليسرِ والصفاءِ بِتَرقُّبِ اليُسرِ وَتَرَقُّبِ الفَرجِ، (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (الطلاق: 1)، أيْ أمرًا خيِّرًا طيبًا كما تُبَيِّنُه الآيةُ الأخرَى: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7).

والخُلاصةُ ألّا يقعَ المرءُ في الاستغراقِ في اللحظةِ الحاضرةِ، بلْ منذُ أنْ يَنْزِلَ بهِ العسرُ -سواءٌ كانَ مشقةً أوْ خِلافًا أوْ مشكلةً- فلْينتقلْ مِنْ حالِه مباشرةً ولْينتظِرِ اليُسْرَ، (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (الطلاق: 1)، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7)، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).

فهذهِ القاعدةُ العظيمةُ إنْ حَكَمَتْ حياتَنا جَعَلَتْها هنيئةً طيبةً؛ لأنَّ الانتقالَ الذهنيَّ منْ حالِ الضيقِ إلى حالِ الفَرَجِ، يُريحُ المرءَ ويَجعلُهُ يَعيشُ حياةً أخرَى، وهناكَ كلمةٌ عظيمةٌ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله تُبيِّنُ هذا الأمرَ بوضوحٍ وجلاءٍ، فقدْ نَقَلَ عنْهُ تلميذُه ابنُ القيمِ رحمه الله أنَّه كانَ يقولُ: (مَا يَصنعُ أعدائِي بِي؟

أنَا جَنَّتِي وبُستانِي فِي صدْرِي، إنْ رُحْتُ فهيَ معِي لا تُفارِقُنِي، إنَّ حَبْسِي خَلْوةٌ، وقَتْلِي شهادةٌ، وإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سياحةٌ)، فبِاستحضارِ القاعدةِ العَظيمةِ، وبتحقيقِ الانتقالِ الذهنيِّ، تتحوَّلُ مباني السَّجنِ الضيقةُ المغلقةُ المظلمةُ إلَى خَلوةٍ معَ اللهِ عز وجل وفُرْصَةٍ للتألُّهِ والتَّعَبُّدِ، ويتحوَّلُ البعدُ عنِ الوطنِ والأهلِ وفِراقُ الأحبابِ إلَى سِياحةٍ، كمَا يَدْفَعُ الناسُ اليومَ أموالًا طائلةً مِنْ أجلِ أنْ يَنتقِلوا مِنْ بَلدِهم إلَى بلادٍ أُخرَى بعيدةٍ، فإذَا قتلوهُ في نهايةِ المطَافِ كانَ قتلُه شهادةً لأنَّه ما قُتِلَ إلّا مَظلومًا لِما يُبَلِّغه مِنْ عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ يُريدُ بذلكَ أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا.

وقدْ عَمِلَ بهذا أحدُ الدُّعاةِ وطلابِ العلمِ الذينَ سُجِنُوا سنواتٍ، اسْتَحْضَرَ هذهِ الآياتِ، واسْتَحْضَرَ كلامَ شيخِ الإسلامِ، يقولُ: وأَنَا في داخِلِ الزنزانةِ التي لا تَتَجاوزُ مترينِ ونصفَ في مترينِ ونصفٍ بمَا فيها دورةُ المياهِ، كنتُ مِنْ أَسَعَدِ النَّاسِ، حتَّى إنَّ إدارةَ السَّجنِ اسْتَغْرَبَتْ هذا الأمرَ، وجاءني مديرُ السَّجنِ وقَال: أَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ فَرَحِكَ واستقرارِك، فقلتُ لهُ: أَنَا في خَيرٍ، هَذِهِ نعمةٌ ساقَها اللهُ إليَّ، نعمْ بالتأكيدِ لا أُريدُ السَّجنَ وَلا أحدَ يُريدُه، أمَا وقدْ قدَّرَه اللهُ فكمْ فيْهِ مِنَ الِمنَحِ وَفيْهِ مِنَ الخَيْرِ.

وَالعَجِيبُ أنَّ هذا الرجلَ عُرِضَ عليهِ بعْدَ عدةِ أشهرٍ أنْ يَخْرجَ مِنَ السِّجْنِ مُقَابِلَ القِيامِ بمَا لا يَرْضَاهُ، فَرَفضَ وَبقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سنواتٍ، يقولُ: واللهِ إنّني أَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَليَّ أَنّني لمْ أَضْعُفْ في تلكَ الحالةِ ولمْ أَستجبْ لمَـا عُرِضَ عَليَّ وهُوَ جائزٌ لي، وذلكَ لِما رأيتُه منَ المِنَحِ العظيمةِ العاجلةِ والآجلةِ: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا).

إنَّ هذهِ السورةَ العظيمةَ اسمُها سورةُ الطَّلاق، والطَّلاقُ عُسْرٌ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بهِ فيهِ تنغيصٌ للحياةِ، لكنَّ المتأملَ في آياتِها يَجِدُ اليُسْرَ في باطنِها، فَهِيَ مِنْ أعظمِ سُوَرِ الفَرَجِ والفَتْحِ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق: 2-3)، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7)، (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

فَعَلَيْنا أنْ نأخُذَ مِنْ آياتِ الفَرجِ في هذهِ السورةِ ما نُطبِّقُه في بُيوتِنا، لا سيما أنَّها تتناولُ كثيرًا مِنْ أمورِ الحياةِ الزوجيةِ المتعلقةِ بالنساءِ، لِما فيها مِنْ عِنَايةٍ بشأنِ النّساءِ حتَّى في أمورِ حَيضِهِنَّ وعِدَّتِهنَّ وَسَكنِهِنَّ، بل وفي حالةِ الطلاقِ؛ كيفَ يقعُ وكيفَ يُراجِعُ الرجلُ زوجتَه، كيفَ يُمْسِكُها وكيفَ يُفارِقُها، ولِهذَا تُسَمَّى سورةُ النساءِ الصُّغْرَى.

وإنّني أنصحُ الجميعَ -وبصفةٍ خاصةٍ الزوجانِ- بتدبرِ هذهِ السورةِ، فسوفَ يَعودُ تدبرُها عَلَيْهِمَا بنفعٍ عظيمٍ، يقولُ لي أحدُ الرُّقاةِ المشهورينَ: إنَّه صارَ يَنْصحُ مَنْ يَقْرَأُ عليهم بتَدُبُّرِ سورةِ الطلاقِ والأخذِ بما فيها، يقولُ فوجدتُ حالَ هؤلاءِ الذينَ أَرْقيهِمْ تَختلفُ كثيرًا، ويقولونَ لي تغيَّرتْ حياتُنا بعدَ تدبرِ سورةِ الطلاقِ وبعدَ أخذِنا بما فيها.

فإذا تَعَامَلْنَا معَ مُشكلاتِنا في بيوتِنا في ضَوءِ هذهِ القاعدةِ تغيَّرتْ حياتُنا، فإذا وَقَعَ ما نَكْرَهُ مِنْ أزواجِنا أوْ أولادِنا، فَلْنَنتظِرِ الفرجَ والرحمةَ، ولا نَستعجلْ في التصرفِ والكلامِ واتخاذِ موقفٍ لا يُناسِبُ، إِذْ: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)، فلْنفعلْ ذلكَ لِتستقرَّ حياتُنا ونَسْعدَ في شؤونِنِا.

المصدر:
http://www.almoslim.net/tarbawi/290849