القاعدة الخامسة عشرة: التَّراضي والتّشاور أساس نجاح شراكة الحياة 1512
القاعدة الخامسة عشرة: التَّراضي والتّشاور أساس نجاح شراكة الحياة
أ. د. ناصـــر بن سليمـــان العمر
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

قال الله تعالى: "فَإِن أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاض مِّنهُمَا وَتَشَاوُر فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا" (البقرة: 233).
والمعنى: إن أراد الأبوان فِطامَ الصَّبيِّ قبل الحولين، بقرارٍ يرتضيانه عبر التَّشاور بينهما، ويريانِ أنَّه مصلحةٌ للصَّبيِّ، فلهما ذلك، (فدلت الآية بمفهومها، على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر، أو لم يكن مصلحةٌ للطفل، أنه لا يجوز فطامه).

إنَّ علاقة هذه الآية بموضوع الاستقرار الأسريِّ، علاقة وثيقة جدًا، ذلك أنَّ النِّزاع بين الزَّوجين، أشدُّ ما يكون حول الأولاد، من حيثُ نفقتُهم وتربيتهم، وأسلوب تأديبهم، ومدارسهم، وما إلى ذلك، فأحيانًا ينتصر الزَّوج لوجهة نظره، وأحيانًا تنتصر الزوجة لرأيها، فتكون هناك منافسةٌ مستمرَّة بينهما، فتأتي هذه الآية لتنبيههما إلى أنَّ هناك طرفًا ثالثًا ينبغي مراعاة حاله، ألا وهو الأولاد.

أما استبداد أحدهما بالرأي في مصلحة الرضيع دون تراض أو تشاور ففيه الجناح! وإذا كان اللهُ سبحانه يأمرُ الوالدين بالتّشاور والتراضي، فيما يتعلّق بشأن رضاعة الطفل الصغير، فلا يتّخذ أحدهما قرارًا منفردًا كأن تقرِّر الزوجة أن تفطمه قبل بلوغه العامين، أو يقرّر الزوجُ عدم فطامه قبل ذلك، فيحصل النِّزاع والخلاف، ففي مصالحه الأخرى المتعلقة بهما كذلك.

والله سبحانه أمر الزَّوجين بالتَّراضي والتَّشاور معًا، إذ إنَّ أحدهما لا يغني دون الآخر، لأنّه قد يحدث التَّشاور، بدون أن يتحقَّق التَّراضي، وقد يحدث التَّراضي بدون أن يتحقّق التَّشاور، ممّا قد يؤدي إلى إصدار قرارٍ غير مدروس لا يكون في مصلحة الطفل؛ فلا بدّ إذن من التَّراضي والتَّشاور معًا، ثمّ إنَّ التَّراضي قد قُدِّم على التَّشاور، لأنَّ التراضي هو المدخل الطبعيِّ لتشاورٍ فعَّال، لكنَّنا نحتاج إلى التَّراضي في الختام، عندما تؤدّي الشورى والمفاوضة إلى قرارٍ، فينبغي توطيد النَّفس على قبوله.

فإذا كان هذا الضَّبط والتَّوجيه، والحثُّ على التراضي والشورى، يتعلّق بفطام طفلٍ رضيع؛ فلا ريبَ أنَّ الأمور الكبار أولى بأن تكون محلَّ تراضٍ وتشاورٍ بين الزَّوجين!

فلنتَّخذ من التراضي والشورى، أساسًا لبناء حياتنا الزوجية وحمايتها، ولسنا أعظمَ من النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولا أجلَّ مكانةً، ولا نحن مسدَّدون بالوحي مثله (صلى الله عليه وسلم)، ومع ذلك كان يُشاور زوجاته -رضي الله عنهن-، بينما تجد أحدهم يسخر قائلًا: ”أشاور امرأةً“؟! سبحانَ الله!

في إحدى الأزمات التي مرَّت بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه رضوان الله عليهم، واشتَدَّ الكرب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى صحابته، جاء الانفراج والفتحُ عن طريق إحدى أمَّهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، فلماذا هذا الكِبر من بعض الأزواج؟

 ومن العجيب أنّ البعض منهم قد يشكو من مديره في مؤسسته، أو في الوزارة التي يعمل فيها، فيصفه بالاستبداد وعدم المشاورة، بينما هو إذا رجع إلى بيته، وهو القائم عليه، ووليُّ الأمر فيه، تجده يضرب برأي زوجته وأهل بيته عرض الحائط، ولا يشاورهم في قليلٍ ولا كثير، بله أن يُراضيهم.

ختامًا، نقول: لابدَّ من التَّراضي والتَّشاور كليهما، فالتَّراضي تطيب للقلوب بطلب رضاها، والتّشاور فعل للجوارح الموصل إلى ذلك.

إن البدء في تحقيق ما نُريد، ينبغي أن يكون من القلب، والمنتهى كذلك ينبغي أن يصير إلى القلب، وما بينهما يمتدُّ التَّشاور أخذًا وعطاءً وتبادلًا للرأي؛ فليتَنا بنينا علاقاتنا كلِّها على أساس التراضي والتشاور، لا أعني علاقاتنا الزوجية فقط، بل كلّ علاقاتنا، فلنوطِّن أنفسنا على التشاور مع إخواننا، وإذا حصل التّوصُّل إلى رأيٍ، فلترض به قلوبنا، وإن كان مخالفًا لبعض ما نراه، فلا أحد يستطيع الجزم بالعواقب، وما تؤول إليه الأمور من خيرٍ أو من شرٍّ.

فلذا ينبغي دائمًا أن نجتهد في اتِّباع المنهج الصَّحيح، وهو المنهج الذي يقوم على التراضي الذي يعقبه التشاور، ثمَّ التّشاور الذي يتبعه التَّراضي، وهكذا دوالَيك، فترتقي حياتنا وعلاقاتُنا من حالٍ إلى حالٍ، ويتحقَّق الاستقرار فيها، وتحل المودّة والرحمة

والسِّر في ذلك، أنّ كلًّا من الطّرفين، يشعر عندئذٍ بحقيقة تكريمه ورعاية نظره وحسن الظن فيه، وهو المعنى المضمَّن في هذه الآية العظيمة ?فَإِن أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاض مِّنهُمَا وَتَشَاوُر?، أما إن لم يكن تراضٍ ولا تشاور، فثمَّة استبدادُ الزوج أو الزَّوجة، وذهاب النّظام، وغياب التعامل الإنسانيّ الكريم.

فهذه الآيةُ ترسمُ منهجًا عظيمًا في حياتنا الزوجية خصوصًا، ثمّ في حياتنا الأسريَّة وعلاقاتنا بأولادنا وأقاربنا، ثم في حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا بأصدقائنا وجيراننا، فنضرع إلى الله تعالى أن يرزقنا التَّراضي والتَّشاور، ويكتب لنا السعادة في الدنيا والآخرة.

المصدر:
http: http://almoslim.net/tarbawi/289161