القاعدة الحادية عشرة: وجوب الرَّدِّ إلى الله ورسوله عند الاختلاف 1118
القاعدة الحادية عشرة: وجوب الرَّدِّ إلى الله ورسوله عند الاختلاف
أ. د. ناصـــر بن سليمان العمر
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

قال الله سبحانه: "فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ".
أي: رُدُّوا ما تنازعتُم فيه من المسائل، إلى الله ورسوله؛ ليحكم فيها ويُبيِّن وجه الصواب، كما يقول الله تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ".

 لو عملنا بهذه القاعدةَ في بيوتنا؛ لاستقامت مسيرتُنا، واستقرَّت أحوالُنا، فهذه الآية تشخِّص الدَّاء وتُبيِّن الدَّواء، وكم فيها من معان وفوائدَ وإشاراتٍ، كفيلةٌ إذا تدبَّرناها بإعادة الاستقرار إلى البيوت، وتحقيق الصَّفاء والمودة والرَّحمة.

أولى هذه الوقفات:
أنَّ الخطاب قد ورد في هذه الآيةِ للمسلمين، بهذا اللفظ المحبَّب "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا، وقد روي أنَّ رجلًا أتى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال: اعهد إليَّ! فقال: ”إذا سمعتَ اللهَ يقولُ "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا" فارعها سمعك، فإنه خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه“ (1).

ثاني هذه الوقفاتِ:
 أنَّ غاية ذلك النداء المحبَّب كانت هي الأمرُ بطاعة الله والرسول، وطاعة أولي الأمر، فأمَّا طاعة الله والرسول فإنَّها طاعةٌ مطلقة، لا قيد يُقيِّدها، ويُلحظ أنّه لم يقل: ”وأطيعوا الله والرسول“، بل كما ذُكر فعلُ الطَّاعة لله، تكرَّر ذكره للرَّسول (صلى الله عليه وسلم)، فقال تعالى: "أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ".

 وفي ذلك نقضٌ لقول القرآنيِّين الذين يقولون لا نتَّبع إلا القرآن، وقد كذبوا! لو عملوا بالقرآن لأطاعوا النبي (صلى الله عليه وسلم)، "وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ".

وأمَّا طاعة أولي الأمر فإنَّها طاعةٌ مُقيَّدة بطاعة الله ورسوله، ولذلك لم يُكرَّر فيها الفعل، وإنَّما بُنيت على طاعة الله وطاعة الرّسول، ومضمون ذلك أن نطيع أولي الأمر بما يحقِّقُ طاعة الله وطاعة الرَّسول.

ثالث هذه الوَقَفات:
 قوله تعالى: "فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ" الخطابُ في هذه الآية يشمل كلَّ ضروب النِّزاع التي يمكن أن تطرأ بين المسلمين، والواجب فيها هو ردُّها إلى الله والرَّسول؛ فليس في ديننا علمانيَّة تفصل بين الدِّين والدنيا، بل كلُّها لله سبحانه.

 الحياة في الدنيا تكون بأمر الله، وعلى هداه، والحرث فيها له، كما قال تعالى: "قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ".

وهو سبحانه قد بيّن لنا ما نحتاجه، كما قال تعالى: "مَّا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيء"،  وقال سبحانه: "وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَانا لِّكُلِّ شَيء"، وقال تعالى: "وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلنَاهُ تَفصِيلًا".

وبناءً على ما سبق فإنَّ النِّزاع في البيوتِ، يجب ردُّه إلى الله والرّسول، وأمر الزوجية في ذلك ألزم من غيره لأنَّ الزَّواج عقدٌ وميثاقٌ ودينٌ وعبادة.

 والآيات والأحاديث تركز على هذه المعاني العظيمة، كما روى أبو ذرٍّ -رضي الله عنه-، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (2).

 ويشملُ هذا الأجرُ كلَّ ما يكون بين الزَّوجين من معروف، كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): (حتَّى ما تجعلُ في فيِ امرأتِك) (3)، أي: ما تُطعمه زوجتك بيدك مؤانسةً وحُسنَ معاشرة.

فهذه القاعدة من أكبر القواعد التي تضبط الحياة الزوجية، وذلك بأن نبادر عند حدوث النزاع، بردِّه إلى اللهِ تعالى، متسائلين عن علَّةِ المشكلةِ وسببها وكيفيّة وقوعها في البيت، وما هو حكمُ الله ورسوله فيها، فنردُّ الأمرَ إلى كتاب الله سبحانه، ونردّه إلى منهج النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم).

ومن الرَّدّ إلى الله ورسوله، أن نتوجَّه إلى العلماء فيما يُشكل علينا من الأمور، فالعلماءُ هم أهل الذّكر، كما قال تعالى: "فَاسألُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ".

 وتجب طاعتهم فيما يأتوننا به من الهدى، لأنَّهم من ولاة الأمر الوارد ذكرهم في قوله تعالى: "أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم".

 فليقف كلُّ زوجٍ عند هذه القاعدة متأمِّلًا في الخير الذي تسوقه إلى هذه المؤسسة العظيمة، مؤسَّسة الأسرة التي تقوم على الميثاق الغليظ بين الزوجين، وليعلم بأنَّ كلَّ ما يبذله من جهدٍ في سبيل ذلك؛ فإنَّه امتدادٌ لما بذله آباؤه وأجداده، فلنكن كذلك لمن بعدنا من أبنائنا وأحفادنا، والله أعلم.
--------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير (1/‏374).
(2) رواه مسلم (1006).
(3) رواه البخاري (56) ومسلم (1628).


المصدر:
http: http://almoslim.net/tarbawi/287685