(27) مدينة عدن:
هي واقعة في الشمال الشرقي من الجبل على بحر عُمَان تجاه جزيرة “سيرة”، وكانت في العصور الأولى مركزًا تجاريًّا بين الهند والبحر الأحمر، وفي سنة 525 ميلادية دخلت في حُكْم الحبشة الذين جاءوا من قِبَلِ الإمبراطور “شزتين”، لأجل أن ينتقم من بعض المسيحيين، وبعد خمسين سنة دارت الدائرة على الأحباش وطردهم العجم، وفي القرن الأول من التاريخ الإسلامي دخلها المُسْلِمون، وصارت مركزًا تجاريًّا مُهِمًّا رغم الثورات الداخلية، وفي سنة 1513 ميلادية حاصرها الليو كيرت وهم من الهند مُدَّةَ أربعة أيام ولم ينجحوا، وفي سنة 1538 ميلادية استولى عليها السلطان سليمان، ووضع الأتراك فيها الحماية، وفي سنة 1551 ميلادية حصلت ثورة داخلية كانت داعية لخروج الأتراك وضَمِّهَا إلى البرتغال مؤقتًا، وفي سنة 1630 ميلادية استولى على هذه المدينة جملة من رؤساء البلاد، وكان الأهالي يعاملون تجار الإنكليز والهولانديين أسوأ معاملة، وفي سنة 1802 ميلادية عقد “السير بوفان” الشهير معاهدة تجارية بين الهند وأمير عدن المدعو “لاهاتش”، وفي سنة 1838 ميلادية نُهِبَتْ مركب إنكليزية تجارية فكانت هذه الحادثة سببًا في استيلاء الإنكليز على عدن، وعَيَّنَتْ لهذا الأمير مُرَتَّبًا شهريًّا، وقد حاول هذا الأميرُ أخْذَ هذه المدينة من الإنكليز فلم ينجح، وفي سنة 1868 ميلادية ضُمَّ إلى هذه المدينة الجزائر المجاورة لها وهي الآن تحت حُكْمِ الإنكليز.

وعدن أول موضع ظهرت فيه دعوة العلويين بالخلافة، وتخرَّج منها أكابر من العلماء الأفاضل منهم: أبو بكر أحمد بن محمد السعيدي الشاعر الذي يقول في عدن ويصفها أيام كانت زاهرة بالعلوم في عهد شباب الإسلام:
حياك يا عدن الحيا حياك
وجرى رضاب لماه فوق لماك
ولقد خصصت بسر فضل أصبحت
فيه القلوب وهن من أسراك
يسري بها شغف المحب وإنما
للشوق جشمها الهوى مسراك


إلى أن قال في وصف نسائها:
فتانة اللحظات تصطاد النهى
ألحاظها قنصًا بلا أشراك


ثُمَّ قال في مدح أميرها وهو الختام:
وعلام أستسقى الحيا من بعد ما
ضمن المكرم بالندى سقياك

وصلنا هذه المدينة بعد أربعة أيام من مرورنا من قنال السويس، وهي الآن في عداد المدن التي دخلتها المدنية الغربية، فحيثُمَّا حللت فيها تجد العمارات التي بُنِيت على الطراز الأوروبي، وشوارعها متسعة منظمة مُعتنًى بنظافتها، وناهيك باعتناء أبناء التأميز إذا دخلوا بلدًا ووضعوها تحت حمايتهم أو أدخلوها في ممتلكاتهم، وقد توجد بهذه المدينة معامل كثيرة للفحم الحجري تُعَد بالعشرات، وهي قريبة من البحر، هذا فضلًا عن رواج سوق التجارة فيها رواجًا يُذكَر، وبهذه البلدة حدائق كثيرة تتخلل شوارعها وبذلك يُعلَم أن الصحة فيها متوفرة، وبجوار البحر ساحة كبرى قد غُرِست بها الأشجار، وبجوارها دار للتمثيل خاصٌّ بالإنكليز دون سواهم، وبعد أن مكثنا بعض ساعات في عدن غادرناها قاصدين بروم.